الزراعة، الشرب، الحديث، وتقرير المستقبل
الفصل 247: الزراعة، الشرب، الحديث، وتقرير المستقبل
بطبيعة الحال، لم يكن بإمكان فان شيان أن يخبر هايتانغ بحدسه. أخذ نفسًا عميقًا باردًا لا إراديًا، كما لو كان يعاني من ألم في الأسنان. نظرت هايتانغ إليه دون أن تقول شيئًا، ثم تابعت سيرها على طول نهر يوتشوان. بعد مسافة قصيرة، وصلا إلى حديقة صغيرة محاطة بسياج من الخيزران وبوابة صغيرة. كان هناك بئر على جانب الفناء، وطاولة حجرية تحت الظل في الجهة الغربية. كانت هناك كتاكيت صغيرة صفراء اللون تلتقط الحبوب بصمت من الأرض.
شعر فان شيان بالتعب وبدأ يشعر بالحر. ملأ دلوا من البئر وغمس رأسه فيه، وأخذ جرعة كبيرة من الماء. عندما لمس الماء وجهه، لمح هايتانغ بطرف عينه ووجد أنها ماهرة حقًا في الاعتناء بحديقتها، وافترض أن هذا العمل كان جزءًا من حياتها لسنوات عديدة.
كانت هذه الحديقة حيث تزرع هايتانغ خضرواتها.
تنهد فان شيان وقال “عندما يقول رجل إنه جائع لأي امرأة ليست زوجته، فإنه يعني… أنه يحتاج إلى بعض النبيذ”.
هز فان شيان رأسه بابتسامة.
“لا يمكن مقارنة شخص بآخر. لأكون صادقًا، دائمًا ما تعطين انطباعًا بأنك قريبة من الطبيعة. لكن عندما أقارن هذا المكان الأنيق والمصقول مع تلك الزرائب النتنة في الريف، أدركت أخيرًا أن زراعة الخضروات وتربية الدجاج يتطلبان عناية واهتمامًا خاصًا.”
رغم أن كلمات فان شيان بدت وكأنها مديح، إلا أنها كانت تحتوي على نقد ضمني. كل ما كان بإمكان هايتانغ فعله هو أن تضحك. “هل ظننت أنني سأكتفي بالتجول في شانغجينغ؟ لدي أوامر من سيدي ومطالب من القصر، لذلك كان عليّ أن أجد حديقة صغيرة هادئة بالقرب من هنا.”
رغم أن كلمات فان شيان بدت وكأنها مديح، إلا أنها كانت تحتوي على نقد ضمني. كل ما كان بإمكان هايتانغ فعله هو أن تضحك.
“هل ظننت أنني سأكتفي بالتجول في شانغجينغ؟ لدي أوامر من سيدي ومطالب من القصر، لذلك كان عليّ أن أجد حديقة صغيرة هادئة بالقرب من هنا.”
عند سماع كلماته المليئة بالمرارة، كانت هايتانغ مصدومة للحظة. “أنتَ تحمل سلطة كبيرة يا فان شيان. لا تنسَ أبدًا أن الأخلاق يجب أن تكون شعارك.”
ضحك فان شيان.
“أنا فقط قلق من أن شين تشونغ خطط لإعطائك أرضًا لزراعة الخضروات لتسبب المتاعب للنبلاء المحليين.”
رد فان شيان بثقة: “لن أتحدث عن الصداقة الآن، لكن على الأقل أجد الراحة برفقتك.”
ردت هايتانغ ببرود:
“لا أعرف شيئًا عن ذلك، وليس لدي طريقة لمعرفة ذلك.”
رفعت هايتانغ رأسها، وقد ظهر بعض الدهشة في عينيها.
كانت تتحدث بهدوء، وفان شيان استمع بهدوء. هذا كان جانبًا يعجبه في هايتانغ. رغم أهميتها الكبيرة في مملكة تشي الشمالية، إلا أنها لم تتصرف بتصنع. لم تكن متعجرفة أو مريرة، ولم تحاول أن تبقى غير مبالية بكل شيء. ببساطة، كانت تفعل ما يحلو لها.
بعد فترة من الصمت، قطعت هايتانغ السكون فجأة وقالت: “أنت شخص غريب الأطوار.”
قبل حفل عيد ميلاد الإمبراطورة الأرملة، كان من الصعب إيجاد بعض الوقت الحر. لكن فان شيان نجح في التخلص من مزاجه الكئيب مؤقتًا. قام برفع أكمامه، ولفّ ساقي سرواله، وأخذ أدوات من حجر الشحذ، وبدأ بمساعدة هايتانغ في قلب التربة.
إذا ذهب إلى المعبد، فستكون حياته في خطر. ولكن ماذا سيحدث للأشخاص الذين يريد حمايتهم؟ وإذا لم يذهب، فلن يعرف أبدًا ما حدث قبل كل تلك السنوات. كان فان شيان يشعر بالإحباط. في السابق، عندما لم يكن يعرف، كان يتمنى لو استطاع حفر جمجمة شياو إن لاستخراج أسراره. أما الآن، وبعد أن عرف، فقد تمنى لو أنه لم يكتشف السر أبدًا.
قام بتقسيم الأرض الصفراء الناعمة إلى نصفين، ثم أخذ وعاء مليئًا بالدخن، وبدأ بنثر الحبوب على الأرض، مثل “ملك التنين الجشع”، تاركًا الكتاكيت تتبعه بحماس في أنحاء الحديقة.
جلس الكرسيان المصنوعان من الخيزران تحت المظلة، ونسيم بارد مر عليهما وهما يستريحان.
انحنت هايتانغ لرعاية أشجار الفاكهة. ابتسمت على عبث فان شيان، لكنها سرعان ما لفت انتباهها ساقه اليسرى.
هز فان شيان رأسه. “الرجل العادل لا يُظهر بالضرورة عدالته. لكن من يسعى للاستفادة من الآخرين قد لا يكون بالضرورة شخصًا غير أخلاقي. الرجل العادل يقف ليجني الكثير. إذا كانت أهدافه صحيحة، فما أهمية الوسائل التي يستخدمها؟”
شعر فان شيان بالتعب وبدأ يشعر بالحر. ملأ دلوا من البئر وغمس رأسه فيه، وأخذ جرعة كبيرة من الماء. عندما لمس الماء وجهه، لمح هايتانغ بطرف عينه ووجد أنها ماهرة حقًا في الاعتناء بحديقتها، وافترض أن هذا العمل كان جزءًا من حياتها لسنوات عديدة.
عند سماع كلماته المليئة بالمرارة، كانت هايتانغ مصدومة للحظة. “أنتَ تحمل سلطة كبيرة يا فان شيان. لا تنسَ أبدًا أن الأخلاق يجب أن تكون شعارك.”
منذ أن غادر فان شيان داندو، لم يعمل في التربة. حمل المجرفة لم يكن مريحًا بالنسبة له كحمل خنجر. وعندما سقى النباتات، لم يكن بالكفاءة التي كان عليها عند رش مسحوق السموم. في النهاية، مع كل عثراته، أصبح مجرد متفرج. رغم ذلك، كان منهكًا ومبللًا بالعرق، والبخار يتصاعد من رأسه.
في غرفة خاصة تطل على الشارع، حدق فان شيان في الطريق بالخارج بينما كان يشرب من كأس النبيذ الخاص به. بعد أن شرب ثلاثة أكواب، كان لا يزال عابسًا، ودعا صاحب النزل ليحضر له كأسًا جديدًا.
عند الظهيرة، وضعت هايتانغ كرسيين متكئين تحت مظلة من العنب، حيث كانت الأوراق الخضراء الكبيرة تحجب أشعة الشمس تمامًا.
“ما زلت تتحدث بكلام فارغ.” ردت هايتانغ.
جلس فان شيان على أحد الكراسي المتكئة، وقبل كوب الشاي المثلج الذي قدمته له هايتانغ. بعد رشفة، وضع الكوب جانبًا. أغمض عينيه واستسلم لقيلولة بعد الظهر، مسترخيًا كما لو كان في منزله.
رغم أن كلمات فان شيان بدت وكأنها مديح، إلا أنها كانت تحتوي على نقد ضمني. كل ما كان بإمكان هايتانغ فعله هو أن تضحك. “هل ظننت أنني سأكتفي بالتجول في شانغجينغ؟ لدي أوامر من سيدي ومطالب من القصر، لذلك كان عليّ أن أجد حديقة صغيرة هادئة بالقرب من هنا.”
ابتسمت هايتانغ وهي تنظر إليه، ثم مسحت العرق من جبينها بقطعة قماش مربوطة على رأسها، واستلقت بدورها.
“هناك الكثير يحدث في هذا العالم، حيث يأتي كل إنسان ويذهب مدفوعًا بمصالحه الخاصة،” قال فان شيان بسخرية. “هايتانغ، أنتِ تسيرين في طريق السماء، قريبة من الطبيعة، تقدرين الناس. ومع ذلك، لا تعرفين أنهم ببساطة يتصرفون من أجل مصلحتهم الخاصة. لا أريد أن أحتل أراضي جديدة، وأريد أن يعيش الناس حياة أكثر سهولة، لكن يجب أن أعيش حياة أسهل أولاً. إذا أردت أن يعيش الناس حياة أفضل، فعلي أن أسيطر على السلطة لنفسي. ولكن في البيروقراطية والمحاكم الملكية لهذا العالم، إذا كنتَ في موقع عالٍ، فكيف يمكنك أن تعيش بسهولة؟” [1]
جلس الكرسيان المصنوعان من الخيزران تحت المظلة، ونسيم بارد مر عليهما وهما يستريحان.
تنهد هايتانج. نهض فان شيان من الكرسي وتمدد. “أنا جائع.”
بعد فترة من الصمت، قطعت هايتانغ السكون فجأة وقالت:
“أنت شخص غريب الأطوار.”
إذا ذهب إلى المعبد، فستكون حياته في خطر. ولكن ماذا سيحدث للأشخاص الذين يريد حمايتهم؟ وإذا لم يذهب، فلن يعرف أبدًا ما حدث قبل كل تلك السنوات. كان فان شيان يشعر بالإحباط. في السابق، عندما لم يكن يعرف، كان يتمنى لو استطاع حفر جمجمة شياو إن لاستخراج أسراره. أما الآن، وبعد أن عرف، فقد تمنى لو أنه لم يكتشف السر أبدًا.
“وأنتِ غريبة أيضًا.” أجاب فان شيان وعيناه ما زالتا مغلقتين. “حتى الآن، لم أتمكن من فهمك.”
تنهد هايتانج. نهض فان شيان من الكرسي وتمدد. “أنا جائع.”
شعرت هايتانغ براحة أكبر في الحديث معه بعد أن زالت الشكليات بينهما. ابتسمت وسألت:
“لماذا تريد فهم الآخرين؟ وماذا يعني أن تفهم شخصًا؟”
“لا يهم. على الأقل إذا جاء شخص ما ليقتلني الآن، فسوف تساعدني.” الطبيعة الجريئة التي كان فان شيان يخفيها لفترة طويلة قد انزلقت أخيرًا.
رد فان شيان بابتسامة خفيفة:
“هناك أشياء يفعلها الناس لتحقيق أهداف واضحة ومحددة. لكنني لا أعرف ما هو هدفك.”
قالت هايتانغ: “لست معتادة على هذا الحديث الملتوي.”
“هدفي؟” لوحت هايتانغ بغطاء رأسها كأنها تروح عن نفسها.
“لماذا يحتاج العيش إلى هدف؟”
ضحك فان شيان. “أنا فقط قلق من أن شين تشونغ خطط لإعطائك أرضًا لزراعة الخضروات لتسبب المتاعب للنبلاء المحليين.”
أجاب فان شيان:
“الحياة قد لا تحتاج إلى هدف، لكن كل ما نفعله، وكل الأهداف التي نسعى لتحقيقها، نقوم بها لنتمكن من العيش.”
ابتسمت هايتانغ وهي تنظر إليه، ثم مسحت العرق من جبينها بقطعة قماش مربوطة على رأسها، واستلقت بدورها.
قالت هايتانغ:
“لست معتادة على هذا الحديث الملتوي.”
“لا أستطيع فهمك أبدًا،” قالت هايتانغ وهي تنظر إلى فان شيان الثمل وهو نائم على الطاولة كطفل صغير. ابتسمت وقالت: “كنت دائمًا أرغب في مقابلة تساو شيويه تشين.” [3]
ضحك فان شيان وقال:
“أنا فقط أحب التحدث معكِ. يجعلكِ الحديث أشعر وكأنني أعيش حقًا، وليس مجرد شخص مسيطر عليه بهدف البقاء على قيد الحياة.”
رأى صاحب الفندق أنه كان في مزاج سيئ، وقرر على الفور عدم الموافقة على خطته الأصلية بطلب توقيع من خالد الشعر، ومنحه كوبًا آخر من أجود أنواع نبيذ الأرز في شمال تشي.
“ما زلت تتحدث بكلام فارغ.” ردت هايتانغ.
“اقضِ حياتك في مساعدة المحتاجين ودعم الفقراء،” قالت هايتانغ ببطء، وقد بدا لمعان في عينيها وكأنها ترى إلى أعماق قلبه.
ابتسم فان شيان وقال:
“أنا فقط أحب طريقتك في التعامل مع الأمور.” ثم ضحك وأضاف:
“الأشخاص أمثالنا الذين ليس لديهم أصدقاء دائمًا يبحثون عن شخص للتحدث إليه.”
ضحك فان شيان، لكن نبرة صوته كانت تحمل أثرًا من السخرية. “إذن، هل كان شياو إن كائنًا حيًا؟”
نظرت إليه هايتانغ بتعجب وقالت:
“سيد فان، كيف يمكن لشخص مثلك، الموهوب والمشهور في كل مكان، أن يفتقر إلى الأصدقاء؟”
“كان هذا مشروب الحبوب الخمسة”، قالت هايتانج، “أرقى مشروب في العالم. وما زلت غير راضٍ، يا سيدي فان؟”
توقف فان شيان للحظة وقال:
“لأن كل من حولي مرتبطون بمصالحي الخاصة. أنا لا أجد السلام إلا عندما أكون معكِ.”
كان فان شيان يشرب بلا توقف. وبينما رفض نبيذ الحبوب الخمسة بتصرف طفولي، إلا أنه شرب كمية لا بأس بها من نبيذ الأرز. الآن، كان حلقه جافًا ويحترق، وعقله أصبح بطيئًا ومشوشًا. مسترخيًا ومبتهجًا، انحنى فوق الطاولة.
ابتسمت هايتانغ وقالت:
“هل تريد أن تكون صديقي، سيد فان؟”
[1] فان شيان اقتبس من “سجلات المؤرخ الكبير” لسما تشيان. [2] فان شيان اقتبس من “في التعلم” لشيونزي. [3] تساو شيويه تشين هو مؤلف رواية “حلم الغرفة الحمراء.”
رد فان شيان بثقة:
“لن أتحدث عن الصداقة الآن، لكن على الأقل أجد الراحة برفقتك.”
ابتسمت هايتانغ وهي تنظر إليه، ثم مسحت العرق من جبينها بقطعة قماش مربوطة على رأسها، واستلقت بدورها.
“ماذا لو أردت شيئا آخر منك؟”
“ما زلت تتحدث بكلام فارغ.” ردت هايتانغ.
“لن تحاول” أجاب فان شيان بثقة.
ضحك فان شيان. “أنا فقط قلق من أن شين تشونغ خطط لإعطائك أرضًا لزراعة الخضروات لتسبب المتاعب للنبلاء المحليين.”
“يبدو أنك نسيت العداوة الموجودة بيننا.”
إذا ذهب إلى المعبد، فستكون حياته في خطر. ولكن ماذا سيحدث للأشخاص الذين يريد حمايتهم؟ وإذا لم يذهب، فلن يعرف أبدًا ما حدث قبل كل تلك السنوات. كان فان شيان يشعر بالإحباط. في السابق، عندما لم يكن يعرف، كان يتمنى لو استطاع حفر جمجمة شياو إن لاستخراج أسراره. أما الآن، وبعد أن عرف، فقد تمنى لو أنه لم يكتشف السر أبدًا.
“لا يهم. على الأقل إذا جاء شخص ما ليقتلني الآن، فسوف تساعدني.” الطبيعة الجريئة التي كان فان شيان يخفيها لفترة طويلة قد انزلقت أخيرًا.
لقد حظي بفرصة جديدة للحياة، وقابل المحسنين، وكانت لديه أم جمعت الحسنات الخفية، مما سمح له بالعيش بسهولة، والحصول على ثروة طائلة بفضل مساعدتها الكبيرة.
“سيد فان، لطالما كنت فضوليتا… حول السبب الدقيق الذي جعلك ترغب في القدوم إلى الشمال.” ضحكت هايتانج ونظرت إليه. لم تكن شؤون البيروقراطية الجنوبية سرية تمامًا في الشمال، لذا بالطبع كانت تعرف ما يحدث مع عائلة الإمبراطور.
“لن تحاول” أجاب فان شيان بثقة.
ضحك فان شيان. “…لا أستطيع أن أخبرك.”
قام بتقسيم الأرض الصفراء الناعمة إلى نصفين، ثم أخذ وعاء مليئًا بالدخن، وبدأ بنثر الحبوب على الأرض، مثل “ملك التنين الجشع”، تاركًا الكتاكيت تتبعه بحماس في أنحاء الحديقة.
تنهد هايتانج. نهض فان شيان من الكرسي وتمدد. “أنا جائع.”
انحنت هايتانغ لرعاية أشجار الفاكهة. ابتسمت على عبث فان شيان، لكنها سرعان ما لفت انتباهها ساقه اليسرى.
“هناك أرز في المنزل، وهناك ماء في البئر، وهناك خضروات في الحديقة”، أجابت هايتانج. “ساعد نفسك”.
بعد فترة من الصمت، قطعت هايتانغ السكون فجأة وقالت: “أنت شخص غريب الأطوار.”
تنهد فان شيان وقال “عندما يقول رجل إنه جائع لأي امرأة ليست زوجته، فإنه يعني… أنه يحتاج إلى بعض النبيذ”.
كان الأمر كما لو أن كلمات “تشياوجي” في حلم الغرفة الحمراء قد كُتبت خصيصًا له.
كان مطعم فندق الصنوبر هو المطعم الأكثر شهرة وهدوءًا وفخامة في شانغجينج. اليوم، كان لديه ضيف مميز. كان الضيف ثريًا، لذا كان مالك فندق الصنوبر ينتظر بالخارج، بعد أن طلب باحترام من جميع رعاة المطعم المغادرة، تاركًا وراءه ثلاثة طوابق هادئة وخالية.
بدأ يغني بهدوء: “الشباب لا يعرف طعم القلق…” كان يطرق وعاء الشراب بعيدان طعامه أثناء الغناء. كانت هذه أول أغنية “نسخها” بعد ولادته من جديد. وعندما استذكر ذلك الوقت، ازدادت مشاعره تعقيدًا.
لقد فوجئ موظفو المطعم بطبيعة الحال، لكن رئيسهم لم يقدم لهم أي تفسير. كان لديه مخبرون في أعلى مستويات البلاط الملكي، وكان يعرف هوية الرجل والمرأة القادمين. كان الرجل خالداً للشعر من الجنوب، وكانت المرأة معلمة الإمبراطور نفسه. كان بإمكانهما معًا التجول بسهولة حول القصر نفسه، ناهيك عن المطعم.
لقد فوجئ موظفو المطعم بطبيعة الحال، لكن رئيسهم لم يقدم لهم أي تفسير. كان لديه مخبرون في أعلى مستويات البلاط الملكي، وكان يعرف هوية الرجل والمرأة القادمين. كان الرجل خالداً للشعر من الجنوب، وكانت المرأة معلمة الإمبراطور نفسه. كان بإمكانهما معًا التجول بسهولة حول القصر نفسه، ناهيك عن المطعم.
في غرفة خاصة تطل على الشارع، حدق فان شيان في الطريق بالخارج بينما كان يشرب من كأس النبيذ الخاص به. بعد أن شرب ثلاثة أكواب، كان لا يزال عابسًا، ودعا صاحب النزل ليحضر له كأسًا جديدًا.
تنهد هايتانج. نهض فان شيان من الكرسي وتمدد. “أنا جائع.”
رأى صاحب الفندق أنه كان في مزاج سيئ، وقرر على الفور عدم الموافقة على خطته الأصلية بطلب توقيع من خالد الشعر، ومنحه كوبًا آخر من أجود أنواع نبيذ الأرز في شمال تشي.
بالنسبة لهايتانغ، كان هدفها السامي واضحًا: أن يضع الجميع أسلحتهم جانبًا. كان هذا هو الهدف الذي تخيل فان شيان أنها تسعى لتحقيقه. هدف يبدو نبيلًا للغاية، وإذا قاله أي شخص آخر، ربما شعر بعدم الارتياح. لكن عندما نطقت هايتانغ به، بدا الأمر طبيعيًا وغير متكلف، مما منحه شعورًا بالثقة.
أخذ فان شيان رشفة وأومأ برأسه.
“سيد فان، لطالما كنت فضوليتا… حول السبب الدقيق الذي جعلك ترغب في القدوم إلى الشمال.” ضحكت هايتانج ونظرت إليه. لم تكن شؤون البيروقراطية الجنوبية سرية تمامًا في الشمال، لذا بالطبع كانت تعرف ما يحدث مع عائلة الإمبراطور.
“كان هذا مشروب الحبوب الخمسة”، قالت هايتانج، “أرقى مشروب في العالم. وما زلت غير راضٍ، يا سيدي فان؟”
غنى مرة أخرى بصوت منخفض: “اترك إرثًا، اترك إرثًا، وستلتقي بمُحسن؛ كن وفيًا لأمك، كن وفيًا لأمك، وادخر حسناتك الخفية. اقض حياتك في مساعدة المحتاجين ودعم الفقراء. لا تحب المال كما كنت أفعل، وانسَ جسدك ودمك. لأن السماء تقرر ما يُعطى ويُسلب، وما يُضاعف ويُقسم.”
“أنا أحب النبيذ القوي”، قال فان”لكنني لا أرغب في شرب نبيذ الحبوب الخمسة الآن، لأن هناك طعمًا معينًا له يجعلني أشعر بعدم الراحة.”
لقد فوجئ موظفو المطعم بطبيعة الحال، لكن رئيسهم لم يقدم لهم أي تفسير. كان لديه مخبرون في أعلى مستويات البلاط الملكي، وكان يعرف هوية الرجل والمرأة القادمين. كان الرجل خالداً للشعر من الجنوب، وكانت المرأة معلمة الإمبراطور نفسه. كان بإمكانهما معًا التجول بسهولة حول القصر نفسه، ناهيك عن المطعم.
كان طعم نبيذ الحبوب الخمسة يذكره بـ “قاعة تشينغيو” وعائلة “يي”. كان طعمًا مرتبطًا شخصيًا بفان شيان. لم يكن يرغب في شربه في ذلك اليوم.
كانت هذه الأغنية التي غنتها “جيا تشياوجي” في رواية “حلم الغرفة الحمراء” بعنوان “اترك إرثًا.”
ظلّت هايتانغ صامتة، تراقب فان شيان وهو يشرب حتى آخر قطرة. كانت عيناها تزدادان بريقًا وكأنها تراقب شيئًا يثير اهتمامها.
نظرت إليه هايتانغ بتعجب وقالت: “سيد فان، كيف يمكن لشخص مثلك، الموهوب والمشهور في كل مكان، أن يفتقر إلى الأصدقاء؟”
مع تقدم السكر عليه تدريجيًا، أصبحت نظرة فان شيان ضبابية، وابتسامته أوسع. “أمر مضحك، أليس كذلك؟ أعيش حياة مليئة بالنعيم، ومع ذلك أبدو وكأنني أغرق في أحزاني.”
لكن الضغط جاء من المحادثة التي جرت في ذلك الكهف. جعلت كلمات تشين بينغبينغ فان شيان يضع نصب عينيه أهدافًا عظيمة. والآن بعد أن عرف مكان المعبد، أدرك أنه عليه أن يتحمل هذا العبء وحده. السر الذي أثقل كاهل شياو إن لعقود سيظل يثقل كاهل فان شيان لعقود أخرى.
بدأ يغني بهدوء: “الشباب لا يعرف طعم القلق…” كان يطرق وعاء الشراب بعيدان طعامه أثناء الغناء. كانت هذه أول أغنية “نسخها” بعد ولادته من جديد. وعندما استذكر ذلك الوقت، ازدادت مشاعره تعقيدًا.
في الواقع، لم تكن هايتانغ تقصد شيئًا خاصًا. كانت تنظر إلى تعبير فان شيان، الذي بدا مهووسًا ومشتتًا، وتذكرت ما سمعته عن تلك الليلة في قاعة المآدب في تشينغ، عندما ظهر “الخالد في الشعر” للعالم كأنه مجنون وغير منضبط. افترضت أن فان شيان قد شرع بالفعل في طريقه في الحياة، لكنه أصبح منهكًا ومُحبطًا، وأن نجاحه الكبير كان بلا معنى بالنسبة له.
غنى مرة أخرى بصوت منخفض:
“اترك إرثًا، اترك إرثًا، وستلتقي بمُحسن؛ كن وفيًا لأمك، كن وفيًا لأمك، وادخر حسناتك الخفية. اقض حياتك في مساعدة المحتاجين ودعم الفقراء. لا تحب المال كما كنت أفعل، وانسَ جسدك ودمك. لأن السماء تقرر ما يُعطى ويُسلب، وما يُضاعف ويُقسم.”
بدأ يغني بهدوء: “الشباب لا يعرف طعم القلق…” كان يطرق وعاء الشراب بعيدان طعامه أثناء الغناء. كانت هذه أول أغنية “نسخها” بعد ولادته من جديد. وعندما استذكر ذلك الوقت، ازدادت مشاعره تعقيدًا.
كانت هذه الأغنية التي غنتها “جيا تشياوجي” في رواية “حلم الغرفة الحمراء” بعنوان “اترك إرثًا.”
ردت هايتانغ ببرود: “لا أعرف شيئًا عن ذلك، وليس لدي طريقة لمعرفة ذلك.”
تألقت عينا هايتانغ.
انحنت هايتانغ لرعاية أشجار الفاكهة. ابتسمت على عبث فان شيان، لكنها سرعان ما لفت انتباهها ساقه اليسرى.
تنهد فان شيان بعمق وأفرغ كأسه. “هايتانغ، أنت لا تصغين لي. ثَملي معي.”
رد فان شيان بثقة: “لن أتحدث عن الصداقة الآن، لكن على الأقل أجد الراحة برفقتك.”
لماذا أراد أن يسكر؟ هناك العديد من الأسباب التي تجعل الرجال يسكرون—وأعظمها الحزن، أو الإحساس بوطأة ضغوط الحياة. خلال رحلته إلى الشمال، حصل فان شيان على سر المعبد، عزز الصداقة بين دولتين، ونجح في تنظيم شبكة التجسس في الشمال. من أي زاوية، كان يجب أن يكون سعيدًا. لكن لسبب ما، كان يشعر بالحزن. من أين جاء هذا الضغط؟
“لا أستطيع فهمك أبدًا،” قالت هايتانغ وهي تنظر إلى فان شيان الثمل وهو نائم على الطاولة كطفل صغير. ابتسمت وقالت: “كنت دائمًا أرغب في مقابلة تساو شيويه تشين.” [3]
كانت الحقيقة بسيطة: حزنه كان بسبب قلبه القلق. في ذلك الكهف الجبلي، أخبر شياو إن أنه مسافر في هذا العالم، لذا كان ينظر إلى هذا العالم دائمًا بعيون زائر مؤقت. حتى بعد 18 عامًا من التجارب، شعر دائمًا بمسافة تفصله عن هذا العالم. لو لم يكن لديه وان’er أو أخته أو وو تشو، لكان فان شيان قد تخلى عن الحذر وعاش بسعادة في هذا العالم.
بالنسبة لهايتانغ، كان هدفها السامي واضحًا: أن يضع الجميع أسلحتهم جانبًا. كان هذا هو الهدف الذي تخيل فان شيان أنها تسعى لتحقيقه. هدف يبدو نبيلًا للغاية، وإذا قاله أي شخص آخر، ربما شعر بعدم الارتياح. لكن عندما نطقت هايتانغ به، بدا الأمر طبيعيًا وغير متكلف، مما منحه شعورًا بالثقة.
لكن الضغط جاء من المحادثة التي جرت في ذلك الكهف. جعلت كلمات تشين بينغبينغ فان شيان يضع نصب عينيه أهدافًا عظيمة. والآن بعد أن عرف مكان المعبد، أدرك أنه عليه أن يتحمل هذا العبء وحده. السر الذي أثقل كاهل شياو إن لعقود سيظل يثقل كاهل فان شيان لعقود أخرى.
“سيد فان، لطالما كنت فضوليتا… حول السبب الدقيق الذي جعلك ترغب في القدوم إلى الشمال.” ضحكت هايتانج ونظرت إليه. لم تكن شؤون البيروقراطية الجنوبية سرية تمامًا في الشمال، لذا بالطبع كانت تعرف ما يحدث مع عائلة الإمبراطور.
إذا ذهب إلى المعبد، فستكون حياته في خطر. ولكن ماذا سيحدث للأشخاص الذين يريد حمايتهم؟ وإذا لم يذهب، فلن يعرف أبدًا ما حدث قبل كل تلك السنوات. كان فان شيان يشعر بالإحباط. في السابق، عندما لم يكن يعرف، كان يتمنى لو استطاع حفر جمجمة شياو إن لاستخراج أسراره. أما الآن، وبعد أن عرف، فقد تمنى لو أنه لم يكتشف السر أبدًا.
إذا ذهب إلى المعبد، فستكون حياته في خطر. ولكن ماذا سيحدث للأشخاص الذين يريد حمايتهم؟ وإذا لم يذهب، فلن يعرف أبدًا ما حدث قبل كل تلك السنوات. كان فان شيان يشعر بالإحباط. في السابق، عندما لم يكن يعرف، كان يتمنى لو استطاع حفر جمجمة شياو إن لاستخراج أسراره. أما الآن، وبعد أن عرف، فقد تمنى لو أنه لم يكتشف السر أبدًا.
لضمان سلامته، ربما كان عليه العودة إلى العاصمة والاستمرار في الاستمتاع بالنجاح الذي حققه في الأعمال والبيروقراطية، مع إبقاء سر المعبد مدفونًا بداخله إلى الأبد. لكن هذا السر سيظل يشكل مصدر قلق له دائمًا. لقد كره كيف أنه لا يستطيع نسيان والدته، يي تشينغمي، التي كانت من لحمه ودمه. ولهذا السبب لم يكن يرغب في شرب نبيذ الحبوب الخمسة. حتى أنه شعر برغبة في أخذ الكأس الزجاجي بين يديه ورميه إلى الأرض ليحطمه إلى قطع.
نظرت إليه هايتانغ بتعجب وقالت: “سيد فان، كيف يمكن لشخص مثلك، الموهوب والمشهور في كل مكان، أن يفتقر إلى الأصدقاء؟”
كان الأمر كما لو أن كلمات “تشياوجي” في حلم الغرفة الحمراء قد كُتبت خصيصًا له.
ابتسمت هايتانغ وهي تنظر إليه، ثم مسحت العرق من جبينها بقطعة قماش مربوطة على رأسها، واستلقت بدورها.
لقد حظي بفرصة جديدة للحياة، وقابل المحسنين، وكانت لديه أم جمعت الحسنات الخفية، مما سمح له بالعيش بسهولة، والحصول على ثروة طائلة بفضل مساعدتها الكبيرة.
هز فان شيان رأسه بابتسامة. “لا يمكن مقارنة شخص بآخر. لأكون صادقًا، دائمًا ما تعطين انطباعًا بأنك قريبة من الطبيعة. لكن عندما أقارن هذا المكان الأنيق والمصقول مع تلك الزرائب النتنة في الريف، أدركت أخيرًا أن زراعة الخضروات وتربية الدجاج يتطلبان عناية واهتمامًا خاصًا.”
“اترك إرثًا، واستمتع بما تبقى من حياتك.” ولكن كيف كان من المفترض أن يستمتع بما تبقى من حياته؟
رفعت هايتانغ رأسها، وقد ظهر بعض الدهشة في عينيها.
“اقضِ حياتك في مساعدة المحتاجين ودعم الفقراء،” قالت هايتانغ ببطء، وقد بدا لمعان في عينيها وكأنها ترى إلى أعماق قلبه.
ثم أجاب بنفسه: “لأنني أجيد الاستفادة من كل الوسائل المتاحة لي.”
انقطع فان شيان فجأة عن أفكاره، مصدومًا. كان يعلم أنه حتى لو كان في حالة سُكر تام، فلن يتمكن أبدًا من كشف السر لأي شخص. ولكن… لماذا قالت هايتانغ ذلك؟
لقد فوجئ موظفو المطعم بطبيعة الحال، لكن رئيسهم لم يقدم لهم أي تفسير. كان لديه مخبرون في أعلى مستويات البلاط الملكي، وكان يعرف هوية الرجل والمرأة القادمين. كان الرجل خالداً للشعر من الجنوب، وكانت المرأة معلمة الإمبراطور نفسه. كان بإمكانهما معًا التجول بسهولة حول القصر نفسه، ناهيك عن المطعم.
في الواقع، لم تكن هايتانغ تقصد شيئًا خاصًا. كانت تنظر إلى تعبير فان شيان، الذي بدا مهووسًا ومشتتًا، وتذكرت ما سمعته عن تلك الليلة في قاعة المآدب في تشينغ، عندما ظهر “الخالد في الشعر” للعالم كأنه مجنون وغير منضبط. افترضت أن فان شيان قد شرع بالفعل في طريقه في الحياة، لكنه أصبح منهكًا ومُحبطًا، وأن نجاحه الكبير كان بلا معنى بالنسبة له.
“أنا أحب النبيذ القوي”، قال فان”لكنني لا أرغب في شرب نبيذ الحبوب الخمسة الآن، لأن هناك طعمًا معينًا له يجعلني أشعر بعدم الراحة.”
كان هذا أمرًا شائعًا في حياة المثقفين، ولهذا قالت هايتانغ تلك الكلمات بدافع التعبير عن رأيها، محاولة حث فان شيان على التفكير في الناس والبسطاء. كانت دائمًا تؤمن بأن فان شيان، في أعماقه، مجرد عالم.
أخذ فان شيان رشفة وأومأ برأسه.
“هناك الكثير يحدث في هذا العالم، حيث يأتي كل إنسان ويذهب مدفوعًا بمصالحه الخاصة،” قال فان شيان بسخرية. “هايتانغ، أنتِ تسيرين في طريق السماء، قريبة من الطبيعة، تقدرين الناس. ومع ذلك، لا تعرفين أنهم ببساطة يتصرفون من أجل مصلحتهم الخاصة. لا أريد أن أحتل أراضي جديدة، وأريد أن يعيش الناس حياة أكثر سهولة، لكن يجب أن أعيش حياة أسهل أولاً. إذا أردت أن يعيش الناس حياة أفضل، فعلي أن أسيطر على السلطة لنفسي. ولكن في البيروقراطية والمحاكم الملكية لهذا العالم، إذا كنتَ في موقع عالٍ، فكيف يمكنك أن تعيش بسهولة؟” [1]
الفصل 247: الزراعة، الشرب، الحديث، وتقرير المستقبل بطبيعة الحال، لم يكن بإمكان فان شيان أن يخبر هايتانغ بحدسه. أخذ نفسًا عميقًا باردًا لا إراديًا، كما لو كان يعاني من ألم في الأسنان. نظرت هايتانغ إليه دون أن تقول شيئًا، ثم تابعت سيرها على طول نهر يوتشوان. بعد مسافة قصيرة، وصلا إلى حديقة صغيرة محاطة بسياج من الخيزران وبوابة صغيرة. كان هناك بئر على جانب الفناء، وطاولة حجرية تحت الظل في الجهة الغربية. كانت هناك كتاكيت صغيرة صفراء اللون تلتقط الحبوب بصمت من الأرض.
عند سماع كلماته المليئة بالمرارة، كانت هايتانغ مصدومة للحظة. “أنتَ تحمل سلطة كبيرة يا فان شيان. لا تنسَ أبدًا أن الأخلاق يجب أن تكون شعارك.”
ابتسمت هايتانغ وقالت: “هل تريد أن تكون صديقي، سيد فان؟”
“يا له من هراء.” قال فان شيان بصوت مرتفع، وهو يضرب الوعاء الخزفي بعيدان الطعام. ومع ذلك، لم ينكسر الوعاء.
كان هذا أمرًا شائعًا في حياة المثقفين، ولهذا قالت هايتانغ تلك الكلمات بدافع التعبير عن رأيها، محاولة حث فان شيان على التفكير في الناس والبسطاء. كانت دائمًا تؤمن بأن فان شيان، في أعماقه، مجرد عالم.
“ما يميز الإنسان عن الحيوان قليل جدًا،” قالت هايتانغ وهي لا تزال عابسة. “فقط إحساسنا بالعدل. أنتَ وأنا من دولتين مختلفتين، لكن سواء كان الناس من تشينغ أو من تشي، فهم جميعًا كائنات حية فريدة. إذا كنتَ تقدر العدالة، فان شيان، فلا تنسَ أن تفعل كل ما بوسعك لمنع الحرب من الاندلاع مرة أخرى عندما تعود إلى وطنك.”
رغم أن كلمات فان شيان بدت وكأنها مديح، إلا أنها كانت تحتوي على نقد ضمني. كل ما كان بإمكان هايتانغ فعله هو أن تضحك. “هل ظننت أنني سأكتفي بالتجول في شانغجينغ؟ لدي أوامر من سيدي ومطالب من القصر، لذلك كان عليّ أن أجد حديقة صغيرة هادئة بالقرب من هنا.”
بالنسبة لهايتانغ، كان هدفها السامي واضحًا: أن يضع الجميع أسلحتهم جانبًا. كان هذا هو الهدف الذي تخيل فان شيان أنها تسعى لتحقيقه. هدف يبدو نبيلًا للغاية، وإذا قاله أي شخص آخر، ربما شعر بعدم الارتياح. لكن عندما نطقت هايتانغ به، بدا الأمر طبيعيًا وغير متكلف، مما منحه شعورًا بالثقة.
شعرت هايتانغ براحة أكبر في الحديث معه بعد أن زالت الشكليات بينهما. ابتسمت وسألت: “لماذا تريد فهم الآخرين؟ وماذا يعني أن تفهم شخصًا؟”
ضحك فان شيان، لكن نبرة صوته كانت تحمل أثرًا من السخرية. “إذن، هل كان شياو إن كائنًا حيًا؟”
كلمات هايتانغ، رغم أنها لم تصل جميعها إلى أعماق قلبه، إلا أنها أثّرت فيه بطريقة ما. لم تغضب هايتانغ من عدم اهتمامه الكامل بما قالته. لكنها عندما سمعت تلك الكلمتين، شعرت بشيء من الارتباك. نظرت في عيني فان شيان، التي كانت تبدو ثملة، لكنها لاحظت فيها إصرارًا واضحًا. فجأة شعرت هايتانغ ببعض الانزعاج.
ردت هايتانغ بجديّة: “قتل شياو إن كان سيُنقذ أرواح الآلاف. ماذا يمكننا أن نفعل سوى الاختيار؟”
كانت الحقيقة بسيطة: حزنه كان بسبب قلبه القلق. في ذلك الكهف الجبلي، أخبر شياو إن أنه مسافر في هذا العالم، لذا كان ينظر إلى هذا العالم دائمًا بعيون زائر مؤقت. حتى بعد 18 عامًا من التجارب، شعر دائمًا بمسافة تفصله عن هذا العالم. لو لم يكن لديه وان’er أو أخته أو وو تشو، لكان فان شيان قد تخلى عن الحذر وعاش بسعادة في هذا العالم.
لو هرب شياو إن من السجن والتقى بـ شانغ شانهو، لكانوا سيعززون قوتهم بشكل كبير. وإذا كُشف سر المعبد، فإن الطموحات العظيمة للإمبراطور الشاب لمملكة تشي قد تُغرق العالم في عقود من الحرب. لذا، كان لديها وجهة نظر.
قام بتقسيم الأرض الصفراء الناعمة إلى نصفين، ثم أخذ وعاء مليئًا بالدخن، وبدأ بنثر الحبوب على الأرض، مثل “ملك التنين الجشع”، تاركًا الكتاكيت تتبعه بحماس في أنحاء الحديقة.
لكن فان شيان لم يكن يمتلك عقلية السياسي، ولا فلسفة الحكيم الطاوي. فقال بسخرية: “إذا كان مئة شخص على وشك الموت، وكان بإمكانك إنقاذ 51 منهم بقتل 49، هل ستقتلهم؟”
رغم أن كلمات فان شيان بدت وكأنها مديح، إلا أنها كانت تحتوي على نقد ضمني. كل ما كان بإمكان هايتانغ فعله هو أن تضحك. “هل ظننت أنني سأكتفي بالتجول في شانغجينغ؟ لدي أوامر من سيدي ومطالب من القصر، لذلك كان عليّ أن أجد حديقة صغيرة هادئة بالقرب من هنا.”
ظلّت هايتانغ صامتة لفترة طويلة.
ظلّت هايتانغ صامتة لفترة طويلة.
ثم أضاف فان شيان بهدوء، وكأن شيئًا ما أضاء داخله: “إذن، نحن الاثنين بلا قلب.”
أجابت هايتانغ بهدوء: “في السير على طريق المحارب، يجب أولًا تقوية القلب، لأن قوة الآخرين لا يمكن الاعتماد عليها إلى الأبد.”
لم يعد فان شيان يرغب في التفكير في هذه الأمور المملة. وبشكل مفاجئ، غيّر الموضوع قائلًا بجفاف: “ما الفرق الكبير بين الإنسان والحيوان؟ الإنسان ببساطة أفضل في طلب المساعدة من الآخرين.” [2]
شعر فان شيان بالتعب وبدأ يشعر بالحر. ملأ دلوا من البئر وغمس رأسه فيه، وأخذ جرعة كبيرة من الماء. عندما لمس الماء وجهه، لمح هايتانغ بطرف عينه ووجد أنها ماهرة حقًا في الاعتناء بحديقتها، وافترض أن هذا العمل كان جزءًا من حياتها لسنوات عديدة.
رفعت هايتانغ رأسها، وقد ظهر بعض الدهشة في عينيها.
عند الظهيرة، وضعت هايتانغ كرسيين متكئين تحت مظلة من العنب، حيث كانت الأوراق الخضراء الكبيرة تحجب أشعة الشمس تمامًا.
“مهاراتي القتالية ليست بمستوى مهاراتك،” قال فان شيان. “لكن لو كان الأمر معركة حقيقية حتى الموت، لما استطعت قتلي بسهولة.”
لماذا أراد أن يسكر؟ هناك العديد من الأسباب التي تجعل الرجال يسكرون—وأعظمها الحزن، أو الإحساس بوطأة ضغوط الحياة. خلال رحلته إلى الشمال، حصل فان شيان على سر المعبد، عزز الصداقة بين دولتين، ونجح في تنظيم شبكة التجسس في الشمال. من أي زاوية، كان يجب أن يكون سعيدًا. لكن لسبب ما، كان يشعر بالحزن. من أين جاء هذا الضغط؟
أومأت هايتانغ برأسها دون اعتراض.
انحنت هايتانغ لرعاية أشجار الفاكهة. ابتسمت على عبث فان شيان، لكنها سرعان ما لفت انتباهها ساقه اليسرى.
شرب فان شيان كأسًا أخرى من النبيذ ونظر إليها. سأل بلطف: “هل تعلمين لماذا؟”
“اترك إرثًا، واستمتع بما تبقى من حياتك.” ولكن كيف كان من المفترض أن يستمتع بما تبقى من حياته؟
ثم أجاب بنفسه: “لأنني أجيد الاستفادة من كل الوسائل المتاحة لي.”
انحنت هايتانغ لرعاية أشجار الفاكهة. ابتسمت على عبث فان شيان، لكنها سرعان ما لفت انتباهها ساقه اليسرى.
أجابت هايتانغ بهدوء: “في السير على طريق المحارب، يجب أولًا تقوية القلب، لأن قوة الآخرين لا يمكن الاعتماد عليها إلى الأبد.”
رد فان شيان بثقة: “لن أتحدث عن الصداقة الآن، لكن على الأقل أجد الراحة برفقتك.”
هز فان شيان رأسه. “الرجل العادل لا يُظهر بالضرورة عدالته. لكن من يسعى للاستفادة من الآخرين قد لا يكون بالضرورة شخصًا غير أخلاقي. الرجل العادل يقف ليجني الكثير. إذا كانت أهدافه صحيحة، فما أهمية الوسائل التي يستخدمها؟”
في غرفة خاصة تطل على الشارع، حدق فان شيان في الطريق بالخارج بينما كان يشرب من كأس النبيذ الخاص به. بعد أن شرب ثلاثة أكواب، كان لا يزال عابسًا، ودعا صاحب النزل ليحضر له كأسًا جديدًا.
عندما قال هذا، شعر فان شيان ببعض الحيرة. كانت محادثتهما قد انحرفت عن مسارها، لكنها لامست بالصدفة أعماق أفكاره الشخصية. وكأن شعاعًا من الضوء أصاب قلبه فجأة، وفهم مشاعره الحقيقية. هل كان فارغًا من الداخل؟ أم أنه مليء بالمشاعر؟
“لا أستطيع فهمك أبدًا،” قالت هايتانغ وهي تنظر إلى فان شيان الثمل وهو نائم على الطاولة كطفل صغير. ابتسمت وقالت: “كنت دائمًا أرغب في مقابلة تساو شيويه تشين.” [3]
لقد مُنح فرصة ثانية للحياة، لكنه لم يكن يعرف يومًا ماذا يفعل بها. حتى تلك اللحظة. شعر فان شيان، على الرغم من السكر، بنوع من الوضوح الذهني. نظر إلى هايتانغ وقال بهدوء: “شكرًا لك.”
ضحك فان شيان. “أنا فقط قلق من أن شين تشونغ خطط لإعطائك أرضًا لزراعة الخضروات لتسبب المتاعب للنبلاء المحليين.”
كلمات هايتانغ، رغم أنها لم تصل جميعها إلى أعماق قلبه، إلا أنها أثّرت فيه بطريقة ما. لم تغضب هايتانغ من عدم اهتمامه الكامل بما قالته. لكنها عندما سمعت تلك الكلمتين، شعرت بشيء من الارتباك. نظرت في عيني فان شيان، التي كانت تبدو ثملة، لكنها لاحظت فيها إصرارًا واضحًا. فجأة شعرت هايتانغ ببعض الانزعاج.
انقطع فان شيان فجأة عن أفكاره، مصدومًا. كان يعلم أنه حتى لو كان في حالة سُكر تام، فلن يتمكن أبدًا من كشف السر لأي شخص. ولكن… لماذا قالت هايتانغ ذلك؟
“في الأيام القادمة، سيكون الجنوب مسرحًا عظيمًا لتُظهر مواهبك يا فان شيان. بما أنك لا ترغب في الحرب، فأنت صديقي. آمل أن يأتي اليوم الذي تتخلى فيه عن المجد، وتتصرف بضمير حي لصالح الناس البسطاء. الطريق الصحيح لا يُسلك إلا بخطى متواضعة.”
“سيد فان، لطالما كنت فضوليتا… حول السبب الدقيق الذي جعلك ترغب في القدوم إلى الشمال.” ضحكت هايتانج ونظرت إليه. لم تكن شؤون البيروقراطية الجنوبية سرية تمامًا في الشمال، لذا بالطبع كانت تعرف ما يحدث مع عائلة الإمبراطور.
وضع فان شيان كأس النبيذ برفق على الطاولة. “لا تقلقي. سأسير على الطريق.”
بدأ يغني بهدوء: “الشباب لا يعرف طعم القلق…” كان يطرق وعاء الشراب بعيدان طعامه أثناء الغناء. كانت هذه أول أغنية “نسخها” بعد ولادته من جديد. وعندما استذكر ذلك الوقت، ازدادت مشاعره تعقيدًا.
كانت هايتانغ، باستثناء كو هي، أعظم محاربة في شمال تشي. وجود امرأة رائعة كهذه تحميه بدّد كل الشكوك التي كانت تملأ عقله.
تنهد فان شيان بعمق وأفرغ كأسه. “هايتانغ، أنت لا تصغين لي. ثَملي معي.”
كان فان شيان يشرب بلا توقف. وبينما رفض نبيذ الحبوب الخمسة بتصرف طفولي، إلا أنه شرب كمية لا بأس بها من نبيذ الأرز. الآن، كان حلقه جافًا ويحترق، وعقله أصبح بطيئًا ومشوشًا. مسترخيًا ومبتهجًا، انحنى فوق الطاولة.
“لا أستطيع فهمك أبدًا،” قالت هايتانغ وهي تنظر إلى فان شيان الثمل وهو نائم على الطاولة كطفل صغير. ابتسمت وقالت: “كنت دائمًا أرغب في مقابلة تساو شيويه تشين.” [3]
رغم أن كلمات فان شيان بدت وكأنها مديح، إلا أنها كانت تحتوي على نقد ضمني. كل ما كان بإمكان هايتانغ فعله هو أن تضحك. “هل ظننت أنني سأكتفي بالتجول في شانغجينغ؟ لدي أوامر من سيدي ومطالب من القصر، لذلك كان عليّ أن أجد حديقة صغيرة هادئة بالقرب من هنا.”
[1] فان شيان اقتبس من “سجلات المؤرخ الكبير” لسما تشيان.
[2] فان شيان اقتبس من “في التعلم” لشيونزي.
[3] تساو شيويه تشين هو مؤلف رواية “حلم الغرفة الحمراء.”
عند سماع كلماته المليئة بالمرارة، كانت هايتانغ مصدومة للحظة. “أنتَ تحمل سلطة كبيرة يا فان شيان. لا تنسَ أبدًا أن الأخلاق يجب أن تكون شعارك.”
“اقضِ حياتك في مساعدة المحتاجين ودعم الفقراء،” قالت هايتانغ ببطء، وقد بدا لمعان في عينيها وكأنها ترى إلى أعماق قلبه.
