تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل528

صراع الأكبر والأصغر

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 528: صراع الأكبر والأصغر

 

أغلقت نياه اللوحة المعدنية وأعادتها بمشقة إلى الأمتعة.

 

وفي الصمت القصير، فكّر تاليس في القصة المنقوشة على لوحة أنزاك، أو بالأحرى القصة التي روتها ميلغين بالاستعانة بالصفائح.

 

وحوّلت الكاهنة العجوز بصرها عن الشمس الغاربة خارج النافذة، وانتظرته بصبر. وبدا أنها توقعت لحظة صمت كهذه.

 

«المعتقدات والسحر نشآ من المصدر نفسه. وحملة طرد القداسة أدت إلى صعود البشرية؟»

 

ظل تاليس يردد هذه القصة، لكن ما لمع في ذهنه هو لقاؤه الأول بأيدا.

 

«سعى السحرة وراء حقائق العالم. و استخدموا شتى الوسائل البارعة والحكمة للاستفادة من الموارد الطبيعية والطاقات في العالم، ليصنعوا عالمًا أجمل».

 

ونظرت إليه ميلغين وقالت ببطء: «لكن هذه مجرد البداية».

 

وكان في نبرة الكاهنة العجوز تعاطف خفي خافت: «فما إن رحل الأعداء الأجانب حتى ظهر التباين تدريجيًّا.

 

«فموقفهما من السيدة والمعتقدات جعل الابن الأكبر والأصغر يفترقان في النهاية، وازدادا تباعدًا شيئًا فشيئًا».

 

«إذن استخدموا الابن الأكبر والأصغر لتفسير ذلك؟

 

«يا للإحراج أن يبتكروا تفسيرًا يشبه تفسير هابيل وقابيل».

 

وتنهد تاليس سرًّا.

 

«حين يواجه الابن الأكبر والأصغر للسيدة أحدهما الآخر، أحدهما مفعم بالولاء، والآخر متمرد».

 

«من لا يعلم…»

 

«سيظن أن هذه كراهية أرتانيس [1] للزيرغ»، انتقد الأمير بصوت خافت. فعبست ميلغين، صاحبة الأذن الحادة: «أرتانيس؟ من هذا؟»

 

ورفع تاليس رأسه وابتسم ببراءة وصدق: «لا شيء. إنها مجرد نكتة من نكات الشمال…»

 

وزمّت ميلغين شفتيها، وارتفعت زاويتا فمها فبدت حادة.

 

وسرعان ما عادت الكاهنة العجوز إلى أسلوب المحاضرة: «ولذلك، ظل الابن الأكبر والأصغر، المعتقدات والسحر، الكنائس والسحرة، في صراع دائم بين دروبهما ومعتقداتهما طوال آلاف السنين، تحت مراقبة السيدة وممارسة البشر».

 

«انتظري لحظة؟»

 

وضيّق تاليس عينيه في اللحظة المناسبة وقاطعها: «إذن، بحسب كلامك، سبب التباين بين المعتقدات والسحر هو أن المؤمنين يؤمنون بالسيدة والسحرة لا يؤمنون؟

 

«أيمكنني أن أفهمه هكذا؟ أن المؤمنين يثقون بالسيدة في الأمور التي لا يفهمونها، والسحرة لا يثقون إلا بأنفسهم؟»

 

ولم تجب ميلغين على الفور. بل نظرت إلى تاليس بهدوء، وأظهرت عيناها مشاعر متقلبة.

 

فقد تذكرت أنها قبل يومين، حين جاءت إلى المعبد الذي باركه السيد وزارت النائب العام ستيليا نيديس، الذي كان يبحث عن الكتب ويستعد لدرس تاليس بأمل مشرق، وكانت تنقل إليه أيضًا تحيات كبيرة سادة الطقوس ليسيا، رأته من غير قصد قد أمسك بكتاب «النور يسطع على مايلز» الذي يضم ألفًا وأربعًا وعشرين ترتيلة من تراتيل المعبد الكلاسيكية. وتذكرت أيضًا أنها جاءت لتبلغه بأن دور إعطاء الدروس للأمير تاليس، دوق بحيرة النجوم، سيحل محله دورها هي.

 

ولا تزال تذكر صدمة النائب العام وعدم تصديقه وغضبه المضبوط في ذلك الوقت.

 

فبالتأكيد، بصفته أحد النواب العامين في الكوكبة، كان ستيليا نيديس شابًّا واعدًا ذا مستقبل مشرق. وبما أنه وعظ كثيرًا من النبلاء وكبار المسؤولين، وألهم كثيرًا من تلاميذه، فلن يضيّع أي فرصة ليقرأ الكتب المقدسة للغروب على ملك الكوكبة المقبل لينشر نعمة السيد ويمجّد أعمال السيد المقدسة، كما فعل الأسقف لايدن لتورموند الثاني، والأسقف كليمنت لميندس الثالث.

 

لكن من حالفهم الحظ ليغمرهم فضل سيدة الغروب وبركاتها اعتادوا الضوء الساطع أمامهم حتى نسوا من أين تأتي النعمة.

 

بل نسوا أن مؤمني السيدة عليهم أن يواجهوا اختبارات وتحديات من كل مكان.

 

فالنجوم تسطع ببهاء في السماء الصافية، لكن بعد الغروب فقط.

 

«هذا هو أكثر الأوهام شيوعًا، وأخطرها أيضًا».

 

وابتسمت ميلغين بلطف، وأومأت للأمير بلطف وأدب: «وبخاصة لمن لا تتاح لهم فرصة الفهم، لكنهم قرروا كراهية هذا المعتقد بعد أن سمعوا بعض الشائعات».

 

فعبس تاليس.

 

وأظهر تعبيرًا عاجزًا وتمنى أن يتبادل مع غيلبرت نظرة تفاهم صامتة، لكن الكونت كاسو صمت. ونظر إلى ميلغين بصمت.

 

«السحرة لا يثقون بالسيدة؟ ليس هذا صحيحًا».

 

وصار تعبير ميلغين أبرد.

 

وجعلت جملتها التالية تاليس يشعر بشك كبير.

 

«بل يثقون بالطبع. إنهم يؤمنون بالسيدة والمعتقدات من حولهم، مهما أنكروا ذلك مرات».

 

وبقيت نبرة ميلغين هادئة، لكن مضمونها قوي.

 

«ماذا؟»

 

ورمش تاليس: «أنا لا…»

 

«لكن السيد الذي يؤمنون به كيان غير مرئي، بلا اسم ولا هيئة ولا شكل صلب، لكن قوته ومكانته أعظم من كل شيء آخر في أعينهم». لم تدعه ميلغين يطرح سؤاله. وصار صوت الكاهنة، في هذه اللحظة، كئيبًا جادًّا.

 

وهمست: «سموه السحر».

 

فأحسّ تاليس بحاجبيه ترتعشان.

 

وضمّت ميلغين يديها، وكان وضعها منتصبًا، لكنها بثت حضورًا مرهبًا خانقًا: «وأحيانًا يقولون إنهم يتخذون من ظمئهم إلى المعرفة ذريعة. فيجمّلونه فيسمونه عقلانية، ويزينونه فيسمونه حقيقة، ويخفونه فيسمونه سعيهم إلى التقدم، ويجادلون بأنهم يفعلون ذلك لتحسين الذات. ويعبدونه ويسمونه الأسمى».

 

وبعد أن قالت سلسلة الكلمات التي جعلت تاليس يفكر، لم يظهر على وجهها أي تعبير: «هل يبدو هذا مألوفًا؟»

 

وقبل أن يتمكن تاليس من التفكير أكثر في هذه الكلمات، أضاءت عينا الكاهنة ميلغين: «مهما جمّلوا كلامهم، لا يستطيعون أن يغطوا هذه الحقيقة».

 

وفي الثانية التالية، قالت بثقة: «لأن السحر نفسه سيدهم ومعتقدهم، وقانونه الأسمى هو موضع “معبدهم” و”تعاليمهم المقدسة”».

 

وأحسّ تاليس بقوة كلمات ميلغين.

 

«وإلى حد ما، فإن وجوده في قلوبهم لا يختلف عن السيدة في قلوبنا، بل هو أعظم.

 

«وهذا “السيد” الغريب يتصف بطابع مستبد وقسوة ولامبالاة وانعدام رحمة أعظم من أي شيء آخر عُبد في التاريخ».

 

وازدادت نبرة ميلغين برودة تدريجيًّا: «قوانينه تُنفَّذ بصرامة، وسلطانه المستبد هو الأعلى، ومن يشكّون فيه بالكاد يستطيعون النطق بأسئلتهم، ومن يتمردون يُقتَلون».

 

وسأل تاليس حائرًا: «فهل تقصدين أنهم عدّوا مفهوم السحر وقواعده سيدا وعبدوه؟»

 

وشخرت ميلغين ولم ترد مباشرة.

 

«والأسوأ أن آلاف المؤمنين تعرضوا لغسل دماغ بسببه، سواء كانوا سحرة أم أناسًا لا قدرة لهم على استخدام السحر.

 

«يعتبرون أنفسهم الأرثوذكس ويتهمون المختلفين عنهم بأنهم مؤمنون زائفون. لكنهم لا يدركون أنهم أشد تعصبًا ونفاقًا من سائر المؤمنين الذين وثقوا بالسيدة والشياطين».

 

«لا يدركون أنهم أشد تعصبًا ونفاقًا من سائر المؤمنين…»

 

وبدأ تاليس يغرق في شرود.

 

لكنه تذكّر فجأة ما حدث منذ زمن بعيد، حين كان قلقًا في منطقة الرمال السوداء لأن رحلته إلى مدينة سحاب التنين كانت مليئة بالشكوك.

 

ففي ذلك الوقت كان هناك طبيب غريب اسمه رامون مهتم بالسحر. وقد شرح له الأمور على هذا النحو.

 

«”السحر معنى وموقف ومعتقد ومبدأ للحياة”.»

 

وتذكّر تاليس تعبير رامون ونبرته الشبيهة بالجنون.

 

«”هذا هو معنى أن تكون ساحرًا! هذا هو معنى السحر! إنه أهم اللحظات وأجملها وأثمنها، تلك التي نُسيت في تاريخ البشرية حين صعدت إلى السلطة!”»

 

وبدأت كلمات الكاهنة تمتلئ تدريجيًّا بنبرة حكمية.

 

«إنهم زنادقة بوضوح، لكنهم يدّعون أنهم ملحدون. لهم موقفهم، لكنهم يتظاهرون بأنهم طرف محايد. لديهم تحيزات لا تحصى، لكنهم يتظاهرون بأنهم أشخاص موضوعيون.

 

«وهم عاجزون بوضوح، لكنهم يؤمنون بغرور بأن سيدة مزيفة خارقة على هيئة بشر تعبث بالعالم. وفي الوقت نفسه يقدّسهم ملايين الناس، يقولون بتبجح: “هذا هو الموقف النبيل في البحث عن الحقيقة ودراسة السحر”».

 

وتوتر تعبير ميلغين، وبدا واضحًا أنها منزعجة، لكنها أصرت على إتمام كلامها: «فالسحرة لا يثقون بسيدهم فحسب، بل هم أيضًا أسوأ المؤمنين وأشدهم تعصبًا. لا يحتاجون إلى الصلاة ولا إلى الاعتراف بالذنوب والتوبة ولا إلى تعميد المؤمنين ولا الاستماع إلى العظات ولا القيام بأعمال مقدسة ولا مراعاة الطقوس المقدسة ليستمدوا الدافع من سيدهم، ويمتلئوا طاقة، ويصيروا خدمه وعبيده الفخورين المتكبرين».

 

وسعلت الكاهنة العجوز بخفة. فناولتها نياه فنجانًا على الفور وربتت على ظهرها برفق.

 

«يمتلئون طاقة ويصيرون خدم سيدهم وعبيده الفخورين المتكبرين…»

 

وبعد أن أصغى تاليس إلى القصة الطويلة، أخذ نفسًا عميقًا وبذل جهده ليتخلص من ذلك الرجل الطويل البارد ذي القميص الأزرق الذي ظهر في ذهنه تلقائيًّا.

 

«يا… يا للعجب».

 

وبينما كان تاليس متفاجئًا، استمتع بذلك وفكّر: «أيدا، يبدو… أنك صادفتَ خصمًا قويًّا».

 

ولما انتهت ميلغين من استراحتها، كان تاليس قد رتّب أفكاره للتو وحاول توجيه موضوع المحادثة إلى المواضع التي أثارت فضوله.

 

«إذن تحاولين أن تخبريني أن اتخاذ السحر معتقدًا خطأ، وأن السحرة مؤمنون أشرار، يرتكبون أعمالًا شريرة كثيرة؟ ولهذا ينبغي أن نقاوم السحر ونحظره تمامًا؟»

 

وعلى عكس توقعاته، حين وُجه هذا السؤال إلى ميلغين، التي بدت تقية تكره السحر، ذُهلت لحظة. وبدا أنها بدأت تفكر، وشعرت بشيء من الضياع والتردد.

 

وألقت نظرة عميقة على الغروب خارج النافذة: «لا أعلم».

 

وحار تاليس قليلًا: «ماذا تقصدين؟»

 

وسحبت ميلغين نظرها وهزّت رأسها.

 

«أما بالنسبة إلى مؤمني سيدي، فالتسامح والصرامة في السلوك وصيتانا.

 

«ولذلك لا نستطيع أن نحكم على هذا النحو. ولا نستطيع أن نكوّن حكمنا أولًا ونقول إن السحر نفسه خطأ لأن عواقبه سيئة».

 

وحين سمع تاليس رد ميلغين، تفاجأ قليلًا.

 

فرأى الكاهنة العجوز تفرك ذراعيها. وكانت تفكر وهي تقول بحذر: «كل ما نستطيع قوله إن كثيرًا من السحرة ومستخدمي السحر وعبّاده ارتكبوا في التاريخ أخطاء كثيرة».

 

وبدت أفكار ميلغين أوضح الآن، فأومأت على الفور: «لكن إن كان كثيرون ممن يؤمنون بالسحر عقيدة قد ارتكبوا أخطاء…»

 

وتنهدت الكاهنة العجوز ببطء: «فمن يستطيع أن يقول إن السحر الأسمى نفسه كيان نقي ومستقل عن مؤمنيه؟

 

«ولذلك لا أعلم الجواب.

 

«ولا أستطيع أن أضلل جوابك».

 

وكان تاليس حائرًا من هذه الأحكام التي هاجمت تصوراته بعنف ثم أطلقته برفق: «لقد حيّرتِني».

 

والتفتت ميلغين وابتسمت لتاليس ابتسامة اعتذار: «لكن يمكنني أن أنظر من منظور آخر».

 

واستعادت الكاهنة النبرة اللطيفة التي تبنتها قبل قليل: «كما قلتُ، هذه معرفة عن البشر.

 

«حين أؤمن بسيدي، فالمهم ليس مدى عظمة السيد، مع أنها عظيمة حقًّا. بل النقطة الأساسية هي: حين أثق بالسيد، هل أستطيع أن أصير إنسانة أفضل وأنفع من حولي؟»

 

وضحكت ميلغين ضحكة خافتة ونظرت إليه: «يا تاليس، أظن أن السيد لا يريد منا أن نعبده عبادة عمياء فحسب.

 

«بل يريد منا أن نرحم بعضنا بعضًا، ونراقب بعضنا بعضًا، ونتأمل أفعالنا».

 

«لا يريد منا أن نعبده عبادة عمياء فحسب…»

 

وصار تعبير تاليس غريبًا. «هذه الكلمات تخرج فعلًا من فم مؤمنة؟»

 

وفكّرت ميلغين في الأمر وتنهدت بتأثر كبير.

 

«أظن أن سبب ثقتنا بالسيد هو أن نجعل أنفسنا أفضل، لا أن نضع السيدة على قاعدة أعلى. فهذا ليس واجبنا ولا ينبغي أن يكون.

 

«وما دمنا لا نسيء فهم السيدة، فلن يضلونا».

 

وأخذت ميلغين نفسًا عميقًا.

 

«فلنعد إلى سؤالنا قبل قليل: هل السحر جيد أم سيئ؟

 

«منحت السيدة التنوير لابنيهم. والمعتقد والسحر من مصدر واحد. وافترق الابن الأكبر والأصغر».

 

ورفعت ميلغين رأسها، لكن النظرة في عينيها صارت أكثر عزمًا.

 

«بصفتنا الابن الأكبر للسيدة، حين نؤمن بالسيد فما ينبغي أن نؤمن به هو التواضع ومراجعة الذات والصدق واللطف التي ننالها حين نمثل أمام السيدة. وهذا هو مفتاح معتقداتنا.

 

«أما الابن الأصغر، فعبر التاريخ، كان يُعمى بسهولة بالطمع والشهوة والسخط والغرور بعد أن ترك السيدة وصار سيد نفسه. وهذه مأساة السحر».

 

«التواضع ومراجعة الذات حين نمثل أمام السيدة.

 

«والطمع والشهوة اللذان يأتيان بعد ترك السيدة وصيرورة المرء سيد نفسه».

 

وجلس تاليس منتصبًا بلا وعي.

 

«غريب.

 

«هذه الكلمات… تبدو مألوفة جدًّا».

 

وأدرك أنه لو افترض أن هذه السيدة العجوز، التي تفكر وهي تجيب، وتتوقف أحيانًا عن الكلام، وتبدو متردة أحيانًا، متعصبة مؤمنة لا يدور في رأسها إلا «السيد عظيم»، فسيكون مخطئًا.

 

أما غيلبرت فلم يقاطعها منذ زمن.

 

«كلما وقف الأصغر في الطريق ليطلب من الناس التشكيك في السيدة والمعتقدات، وأعلن قوته ومكانته، فإن ما سيظهره في جوهره هو غرور البشر وجهلهم».

 

فعبس تاليس. «هذه… ديانة إنسانية؟»

 

«إذن تقصدين أن السحر ليس خطأً، لكن من يؤمنون بالسحر قد يسيرون في الطريق المؤدي إلى مأساة السحر؟ وأنهم سيسيرون في طريق الانحطاط؟ وأن هذا سيؤدي إلى عواقب شريرة؟» حاول الأمير أن يلحق بلغة ميلغين الدينية وقتًا طويلًا لأن تلك اللغة هي التي تبنتها هي منذ زمن بعيد.

 

فابتسمت ميلغين.

 

«ليس السحر وحده يا بني، ليس السحر وحده».

 

وصار تعبيرها أكثر أمومة.

 

«كل إنسان في كل جيل سيكون له معتقداته وأسياده. فالملك يؤمن بالسلطة، والتجار يثقون بالمال، والفنانون يثقون بالحب، والنبلاء يؤمنون بالمكانة، والعلماء يؤمنون بالمعرفة… وهي كثيرة جدًّا. السحر ليس الوحيد».

 

«الملك يؤمن بالسلطة».

 

وتوتر تاليس.

 

«ومهما كان ما تؤمن به، فإن المعتقد الذي كان يُفترض أن يكون أنقى وأكمل ما يكون سيتلطخ، وستغيّره بلا وعي.

 

«وقد يتحول من خشية السيد، ومن إدراك مدى ضآلتك، وضرورة التواضع، ومن الأمور العظيمة التي لا تحصى التي تجلبها المعتقدات، إلى شيء آخر».

 

وقالت ميلغين بجدية: «ولذلك فإن السحر ليس هو من جلب طريق الأصغر، بل طريق الأصغر هو من دمّر من استخدموا السحر».

 

وفكّر تاليس لحظة ثم سأل: «مثلًا؟»

 

وصمتت ميلغين قليلًا وبدأت تفكر. وتغير تعبيرها ببطء. وبدت محبطة حينًا، ثم مفعمة بالحزن حينًا آخر: «مثلًا، كلما فاض طمع الإنسان تجاه العالم وما يهمه في عينيه فاضًا عظيمًا حتى يرغب في أكثر مما ينبغي أن يناله، فإن هذا النوع من الجشع قد يجعله يتجاهل الألم والثمن الذي يجب دفعه والحياة والسعادة. فيقتل بلا تردد ويمزق أرواحهم وهم يسعون إلى نسخة بالغة الكمال من أنفسهم…»

 

«نسخة بالغة الكمال من أنفسهم…»

 

وبدا أن شيئًا ما لمس تاليس.

 

وفي الواقع، واصلت ميلغين الكلام: «وفي كل مرة، حين لا يخاف البشر السيدة، ولا يمجدون معتقداتهم، ولا يعترفون بحدودهم، ولا يؤمنون بأن هناك شيئًا لا يستطيعون الحصول عليه في هذا العالم ولا معرفته، وأن لا قوانين لا يستطيعون كسرها…»

 

وتذكّر تاليس فجأة الليلة التي تغيرت فيها حياته، أول لقاء بينه وبين أيدا في غرفة الشطرنج.

 

«”… بموطئ قدم يتجاوز المكان، وتفوّق على كل السيدة، وانتصر على كل الكائنات الحية!”»

 

وبدأت كلمات الكاهنة تمتزج بالصوت في ذهنه، لكنها كانت واضحة جدًّا.

 

«في كل مرة يرفض فيها البشر أن يتواضعوا و يقبلوا ضعفهم وجهلهم، و يتخذوا ذلك ذريعة لطمعهم الذي لا ينتهي…»

 

وما لمع في عيني تاليس هو سجن العظام، والمدخل المظلم للسجن الأسود، والعلامة الغريبة التي تشبه عينًا عميقة، مع الكلمات التي تحتها.

 

«”نحو… العلم المطلق”.»

 

وسُمع تنهد ميلغين ببطء.

 

«وحين حاول البشر بكل وسيلة متاحة أن يصيروا أقوى أو أقدر، ظنوا أنها الطريقة الوحيدة الصحيحة لذلك».

 

وخفض تاليس رأسه وعبس. وظهرت كلمات الطبيب الغريب الحماسية وهو يتذكر الماضي.

 

«”السحر هو مجموع كل اكتساب المعرفة والاكتشافات والحقائق. وتقدم السحر سيجلب لنا مستقبلًا أكثر مجدًا. ويمكن للبشر أن يصيروا أكمل وأقوى، وأن يحسّنوا أنفسهم ويقتربوا من الحقيقة”.»

 

وأعاد تنهد ميلغين تاليس إلى الواقع.

 

«في كل مرة، حين يؤمن البشر بأمور أو أشياء معينة، يفعلون ذلك مهما كان الثمن ويتصرفون بتطرف…

 

«فلن يكون بعيدًا اليوم الذي يُكشف فيه طريق الأصغر ويسقط فيه الناس إلى الانحطاط ويعانون من عواقبهم».

 

وصمتت ميلغين قليلًا وتناولت فنجان الشاي الذي ملأته نياه من جديد.

 

وفرك تاليس الندوب على يده اليسرى بهدوء ولم يقل شيئًا.

 

وبعد لحظة، فرغت ميلغين من الشرب، وقالت ببطء: «قبل ألفي عام، أدى الإيمان الموحد بالسيد المضيء الأسمى إلى المجد الأبدي للإمبراطورية القديمة.

 

«وقبل ألف عام، صعد الإيمان بالشمس المقدسة إلى سلطة عظيمة، وشهد صعود الإمبراطورية الأخيرة وسقوطها».

 

ولمع في عيني الكاهنة، وهي تقول هذا، شوق واحترام لا محالة.

 

لكن عينيها سرعان ما أظلمتا.

 

«لكن حين طغت عقيدة السحر النفعية على العزم النبيل للمعتقدات، انهارت كنيسة السيد المضيء من تلقاء نفسها، وأنذرت بسقوط الإمبراطورية القديمة وانقسامها.

 

«وسعى السحرة بجنون وراء كل ما أرادوا دون حدود، فجلبوا أكبر أزمة منذ العصور القديمة. ثم جاءت معركة الإبادة. فصاروا ضحايا أعمالهم الشريرة وخضعوا لتدمير ذاتي، وكان ذلك نهاية الإمبراطورية الأخيرة».

 

ورفعت ميلغين رأسها وحدّقت بصرامة في تاليس.

 

«وأنت يا بني، قد رأيتَ قوة تلك الوحوش ورعبها وقسوتها وجنونها».

 

وحبس غيلبرت، في البعيد، كلماته.

 

وأخذ تاليس نفسًا عميقًا وأحسّ أن أفكاره صارت معقدة: «الكوارث؟»

 

وراقبته ميلغين وأومأت ببطء: «الكوارث. وهذه مجرد إحدى العواقب الشريرة عليهم، وإن كانت الأسوأ».

 

ومع أن تاليس نال الجواب مرات من رامون وأيدا ومن تلميحات السجلات القديمة، فحين رواه له معبد قوي في هذا العالم بصراحة كهذه، أدرك أنه ما زال لم يعتد عليه.

 

وحين تذكر الدوق الشاب الليلة التي قادت إلى دم التنين، بدا أن الرائحة الدموية التي بهتت في ذاكرته قد عادت.

 

وجعله ذلك يشعر بالغثيان.

 

«تذكّر. هذا هو “طريق الأصغر”. نشأ من الغرور. وبعد أن يمر بأمور لا تحصى، يتحول في النهاية إلى كراهية. وهو المفضل لدى الشياطين، والابن المحبوب للشر، ومهد الكارثة، وبداية سوء الحظ».

 

وصارت نبرة ميلغين صارمة فجأة: «وأنت يا تاليس، عليك أن تنتبه».

 

فصُدم الأمير.

 

«أنا؟»

 

وقالت ميلغين بجدية: «لأن طريق الأصغر أضر بكثيرين. وله مظاهر وأسماء مختلفة كثيرة، ويمكن أن يتحول إلى أشكال كثيرة. يظهر في كل جيل، وهو كالظلال لا يمكن تبديده. فمن يطلبون السلطة يقولون إنهم يفعلون ذلك ليبقوا أحياء، ومن يطلبون الربح يقدسون الرخاء، ومن ينغمسون في الشهوة يمدحون الحرية، ومن يطلبون المكانة يتخذون الكرامة ذريعة، ومن يطلبون المعرفة يلجأون إلى الفضول…

 

«وكل من عميت بصائرهم بهذه الأمور سيجلبون الدمار على أنفسهم. وهذا بالتأكيد لا يقتصر على السحر وحده».

 

وتوقفت ميلغين لحظة.

 

وسحب تاليس نفسًا عميقًا وبذل جهده ليصفي مشاعره المشوشة وهو يمسك بخيط المنطق في هذه المحادثة.

 

«لكن… بحسب ما قلتِ أيتها السيدة الكاهنة، ألا يمكن أن تتحول معتقداتكم وسيدكم إلى ضحايا لطريق الأصغر؟»

 

فتغير تعبير ميلغين قليلًا.

 

وراقب تاليس رد فعلها: «مثلًا، حين يؤمن الناس في العالم بسيدة الغروب إلى حد أنهم يؤمنون بها إيمانًا أعمى ويقمعون بحماسة من يخالفون معتقداتهم مهما كان الثمن، ويعلنون أن كل أصحاب المعتقدات المتطرفة إما معكم وإما ضدكم؟

 

«بل، بحسب ما قلتِه الآن، أليس جواب حاسم كهذا جزءًا من نمط طريق الأصغر أيضًا؟»

 

فصمتت الكاهنة العجوز.

 

لكن على عكس توقعاته، وكان يظن أنها ستختار مواضيع خفيفة وتتجنب الثقيلة أو تقدم تفسيرًا، لم ير تاليس سوى تعبير ميلغين يزداد قتامة قليلًا.

 

«بالطبع».

 

وأصغت الراهبة بجانب نياه بجدية بالغة. وكان تاليس موقنًا أنها لو كان معها قلم لبدأت على الفور تدوّن الملاحظات، وستكون مفصلة كاملة. وربما تضيف بعض أفكارها في نقاط مهمة.

 

وتنهدت ميلغين تنهيدة عميقة: «مع أنني لا أريد أن أذكر ذلك، فإن ما قلتَه صحيح فعلًا».

 

وعبس تاليس.

 

«في الفترة التي حارب فيها أسلافنا السحر والسحرة أصحاب طريق الأصغر… جندت كنيسة السيد المضيء، التي انتشرت معتقداتها في كل مكان، جيش حراس المعبد المقدس ليصدر حكمه على الزنادقة.

 

«وأنشأت كنيسة الشمس المقدسة السخية الزاهدة في نفسها ذات مرة قاعة قضاء لتقوّم طرق الناس».

 

وكان تعبير ميلغين جليلًا، وفي عينيها حذر: «المؤمنون المتعصبون لا يضعون على أنفسهم أي حدود. يتخلصون من الزنادقة بناءً على مواقفهم وحدها. و يقمعون كل أصوات الاعتراض المتبقية، متخذين هيئة من يرى نفسه عظيمًا. والأساليب التي يلجأون إليها شريرة للغاية. يستخدمون كل وسيلة ممكنة…

 

«ولم تكن هناك فائدة من نشر دينهم. فقد ذهبت جهودهم سدى، وصنعوا أعداء لا يحصون. وانتشر عارهم في كل مكان، وفي النهاية فقدوا أنفسهم، وعظمت ذنوبهم».

 

ورفعت ميلغين بصرها بتعبير صارم، وبدا كأن ما يضغط على كتفيها لم يعد قماش ثوبها، بل ثقل التاريخ العظيم.

 

«تلك أقبح صفحة وأحقرها في تاريخ المعتقدات والكنائس».

 

وعبس تاليس وهو يراقبها.

 

«إذا عظّمنا شيئًا أو معتقدًا تعظيمًا مفرطًا ورفعنا مكانته بلا حدود إلى حد أن نطرح الاحترام والحدود جانبًا وننظر بازدراء إلى الدروب والخيارات الأخرى ونتجاهل رغبات الآخرين ومعانيهم، فهذا هو منبع الكارثة التي يجلبها طريق الأصغر.

 

«وفي التاريخ، فقد عدد من المؤمنين الذين كان ينبغي أن يكونوا أبناء السيدة الكبار، إخوتي وأخواتي في السيد الذي أؤمن به، ضمائرهم تدريجيًّا ونسوا واجبهم نحو السماء. وفي النهاية ساروا بمأساوية في طريق التبجح والغرور والجهل نفسه، دون أن يعلموا بجهلهم».

 

وتنهدت ميلغين بخفة، وبدا جليًّا كم هي آسفة وحزينة على ذلك.

 

«لم يجتازوا الاختبار وساروا في الطريق الذي كان ينبغي أن يبذلوا كل جهدهم لرفضه».

 

وحين قالت هذا، اتخذت ميلغين وضعية الصلاة من جديد، فأفزعت نياه، التي كانت تصغي باهتمام بجانبها، فأسرعت إلى الصلاة معها في حركة محمومة.

 

«السيدة كاملون، والكمال يستطيع حتى أن يتسامح مع النقص، كمؤمنيهم.

 

«وبأس السيدة لا حدود له».

 

ثم واصلت الكاهنة: «لكن هذا لا يعني أن الذين يؤمنون بهم يملكون أيضًا قوة لا حدود لها وبأسًا أسمى، وأنهم يستطيعون أن يتصرفوا نيابة عن السماء ويتكلموا نيابة عن السيدة».

 

وتردد صوت ميلغين في الغرفة، فجعل الحاضرين يغرقون في تأمل عميق.

 

«ولهذا، حين نتأمل الكارثة التي جلبها السحر، علينا أيضًا أن نتأمل بعناية وأن نحاسب أنفسنا ونسألها. لا يجوز أن يستخدمنا الخصوم الذين نحذرهم أكثر من غيرهم فنسقط هكذا.

 

«لا نمجد السيد إلا حين نمجد أنفسنا.

 

«وإن وضعنا ثقة عمياء مفرطة في السيدة، فسيسهل علينا أن نفقد أنفسنا».

 

وما إن أنهت ميلغين صلاتها حتى توقفت عن الكلام.

 

وغرقت الغرفة في صمت طويل، كأن خلاصة قد تحققت.

 

وبذل تاليس جهده ليخرج نفسه من الوقار الذي عاشه قبل قليل، وفكّر في أمور مريحة نوعًا ما.

 

«مثير للاهتمام». ورفع زاويتي شفتيه. «إذن بحسب ما قالته الكاهنة ميلغين، لا ينبغي لي أن أؤمن بالسيد فحسب، بل ينبغي ألّا أؤمن به أكثر من اللازم أيضًا.

 

«إن لم أؤمن بالسيد فسيظل ينقص عالمي شيء، لكن إن آمنتُ به أكثر من اللازم فسيكون طريق الأصغر في انتظاري.

 

«إذن، أللسيدة شخصية سكر وثلج أم ماذا؟»

 

ملاحظات المترجم:

 

[1] أرتانيس والزيرغ: شخصيتان من لعبة الفيديو «ستاركرافت».

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.