الفصل 529: الخصوصية
«الإفراط في الإيمان بالسيدة خطيئة أيضًا. وهذه العبارة…»
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو يطرح تلك النكتة التي عُدّت سخرية وقلة احترام، لكنه طرحها بأدب: «أيتها الكاهنة ميلغين، هل توافق سيدتكِ على ما قلتِه؟»
لكن ميلغين ابتسمت، وبدا صوتها مسترخيًا.
«المعلم المتميز لا يحب طالبًا يرى المعلم فوق الجميع، ويؤمن بأن كلامه قانون، ويستغل قوته، ويأمل أن ينقذه بنفسه، بينما لا يدرك الطالب ذلك ولا يتحسن أبدًا».
و رمقت ميلغين غيلبرت بنظرة لا هي مرحة ولا قاسية.
أما غيلبرت، الذي خدرت مشاعره بالفعل، فكان أكسل من أن يحاول تغيير تعبير وجهه بعد الآن.
وقالت ميلغين بإخلاص: «ينبغي أن يكون المؤمنون أكثر تواضعًا. وذلك التواضع سيحمي أيضًا أفكاركم في كيفية النظر إلى السيدة والمعتقدات».
وخطرت لتاليس فكرة فجأة.
«غريب.
«عاد ذلك الشعور بأنني سمعتُ هذا في مكان ما من قبل».
«إذن، السحر والسحرة».
وكان تاليس يحاول تذكر قصده الأصلي من المحادثة. وبذل جهدًا أيضًا ليحول الموضوع مجددًا إلى ما يهمه.
«هذه أمور اختفت من التاريخ منذ زمن طويل. فماذا هي بالضبط في نظركِ؟
«ضحايا؟ معتدون؟ دمى لطريق الأصغر، أم ربما تربته ومهده؟
«وما الذي أدى إلى حظر السحر، بل إلى الخوف من الحديث عنه؟»
وفكّرت ميلغين لحظة.
«في التاريخ، وفي نظر بعض الرهبان التقليديين المحافظين، السحر منبع سوء الحظ. وهو جدير بأن يكون هدف سخرية وإدانة».
فأومأ تاليس. «كما هو متوقع».
لكن ميلغين أدارت رأسها وابتسمت.
«لكن في رأيي، قد لا يكون الأمر كذلك فحسب».
فشعر تاليس بالفضول مرة أخرى.
«ومع أن ذلك قلة احترام لسيدتنا، ومع أن الغرور والازدراء يؤديان إلى عواقب سيئة، فإن كثيرًا من السحرة، حتى ممارسي طريق الأصغر التعساء، محاربون ورواد، وهم أناس جديرون بالاحترام. ووجودهم استثنائي أيضًا».
وأومأت ميلغين ببطء وابتسمت.
«وثقتهم بأنفسهم وسعيهم الدؤوب لم يؤثرا فيهم وحدهم.
«وأعتقد أن السحر ظهر لأنه كان من نية السيدة وبركتهم».
فذُهل تاليس لحظة.
ورفع بصره ونفخ على غرّته.
وكادت نياه، التي بجانبه، تضحك. لكن الراهبة الشابة الذكية استطاعت أن تحوّل ضحكتها إلى سعال.
«والأهم أنهم أثّروا فينا نحن أيضًا، الابن الأكبر للسيدة».
ولم تبالِ ميلغين بتعبير الأمير إطلاقًا. ونظرت حول غرفة الدراسة الرئيسية في قاعة ميندس، وقالت بنبرة حزينة: «انظر إلى اسم هذا الدرس. إنه يسمى درس لاهوت، لكن هل تعلم أنه منذ زمن بعيد لم يكن في المعابد، أيًّا كان المعبد، درس يسمى لاهوتًا؟ ففي ذلك الوقت كانت السيدة قادرة على كل شيء في أعين كثير من إخوتنا وأخواتنا. وما عليهم إلا أن يمارسوا عبادة السيدة، وهذا كل شيء. فكيف لهم أن يدرسوها؟»
«اللاهوت».
وأدرك تاليس شيئًا فجأة.
«ثم اكتسب السحرة السلطة. وفي عصر كان فيه السحر في السلطة، انهالت أسئلة لا تحصى من الأبراج الثلاثة، وهي منظمات عدة من السحرة يمكن اعتبارها كذلك. وبدأت تهدد وجودنا. كيف يستقبل السيد المؤمنين؟ وكيف يُعرَّف السيد؟ وكيف يوجد السيد؟»
وبدت كلمات ميلغين هادئة.
لكن تاليس أخذ نفسًا عميقًا.
«الأبراج الثلاثة. كنتُ أعلم».
وتحدثت ميلغين بنبرة مهتمة: «شكوكهم وإنكارهم أجبرانا على ألّا نركز على ممارساتنا وأفعالنا ومعتقداتنا وروحنا برؤية نفقية. فكان علينا أن نتعمق في النظريات ونستكشف الأمور لنحسّن أنفسنا».
وارتسمت على وجه تاليس ابتسامة وأومأ لميلغين.
لقد فهم ذلك.
فذلك الشعور المألوف الذي أحسّ به قبل قليل… لم يكن مصادفة.
التواضع، ومراجعة الذات، واليقظة…
كان ذلك هو الشعور المألوف نفسه الذي منحه إياه أيدا في دروسه.
وفي الوقت نفسه، فإن محاضرات ميلغين اليوم أظهرت مفاهيم معبد الغروب وتصوراته…
وهذا بالتأكيد ليس نتيجة يمكن أن ينالها دين أو معبد أو مؤمن بمجرد أن ينعزل ويتأمل آلاف السنين أملًا في التطور.
بل هو التحديات التي كان على المؤمنين أن يواجهوها من السحرة آلاف السنين. إنه نتيجة ونتاج صنعه أناس صادقون لا يحصون وهم يُضطهدون ويُدفعون إلى الأمام بالسحر.
وعضّ تاليس شفته السفلى برفق لحظة.
كان كل شيء كما قال الغراب العجوز. كما أثّر الصراع الطويل بين إكستيدت والكوكبة كل منهما في الآخر وشكّله.
السحر.
كان على مدى آلاف السنين أحد الأبطال الذين شكلوا الإيمان والكنائس والمعابد على حالها الحالية عبر الصراع والمعارضة.
لكن تلك ليست الصورة الكاملة.
وواصلت ميلغين الكلام: «هذا مجرد مثال. فطريق الأصغر لم يولد من السحر وحده، بل ربما ولد من الكنائس أيضًا. ولذلك، في كل مرة ازدهر فيها السحر والسحرة، وكل مرة تراجعت فيها المعتقدات والمعابد، يمكن لهذه الأحداث أن تدفع العارفين من المؤمنين إلى مراجعة أنفسهم.
«فتدفعهم إلى طرح تحيزاتهم وهوسهم وآرائهم المحافظة وطرق العبادة القديمة جانبًا، والإصغاء حقًّا وبصدق إلى كلمات السيدة».
وحدّقت ميلغين مباشرة في عيني تاليس.
«فراجعوا أنفسهم.
«وأصلحوا الكنيسة.
«واغتنموا الفرص».
وقالت بنبرة بالغة العمق: «كالكاهنة جايد قبل ألف عام، التي أرادت أن تشنق نفسها في كنيسة محطمة بعد أن اغتصبها الجنود. لكنها حين رأت الرسالة الغامضة للشمس المقدسة إيرول، تحملت خطر فقدان عنقها لتعترض جواد كيسل السادس. وقد صار كيسل السادس لاحقًا “إمبراطور السم”.
«وفي مثال آخر، كان النبي موهازارد قبل سبعمئة عام يلفظ أنفاسه الأخيرة في ساحة المعركة بعد أن عاثت الكارثة فسادًا في العالم. فسمع بالنعمة التي منحتها سيدة الغروب، ومدّ يد العون، وعثر على ملك النهضة المقدّر له».
وحين سمع تاليس ذلك، لاحظ أن غيلبرت، الذي كان يصغي إلى الجانب، بدأ تعبيره يتجهم مجددًا.
«ولذلك، حتى حين كان السحر في السلطة، وحين كان السحرة يتحكمون في البلاطات ويحتكرون المعرفة وينظرون باحتقار إلى بقية العالم… حتى حين كان طريق الأصغر الطريق الذي يعبده معظم الناس، وحين كان قويًّا إلى حد التسلط…»
وبدت ميلغين متأثرة قليلًا.
«تمسك مؤمنو السيدة بمعتقداتهم. واعتنوا بالكنائس والمعابد التي كانت في خراب ليتركوا للبشر، الذين كانوا واثقين بأنفسهم أكثر من اللازم عميانًا متهورين، خيارًا آخر».
«ولهذا جاءت كنيسة الشمس المقدسة بعد كنيسة السيد المضيء، ولهذا جاء معبد الغروب بعد معركة الإبادة».
ولم يكلف تاليس نفسه عناء الانشغال بتعبير الكاهنة العجوز، بل حوّل عينيه إلى الراهبة الشابة نياه.
ورفع الأمير زاويتي شفتيه وأظهر لها ابتسامة مشرقة.
فلاحظت الراهبة الصغيرة ابتسامة الأمير.
وارتجفت قليلًا وأدارت نفسها بلا وعي لتتجنب لقاء عينيه. فظهرت أذناها الحمراوان.
لكن ذلك كان كافيًا.
فقد مرّت نظرة تاليس عبر نياه واستقرت على الأمتعة الموضوعة خلفها، والتي انكشفت حين استدارت.
كانت تلك اللوحة المعدنية القديمة… العائدة إلى مقبرة الملك أنزاك.
ورفع تاليس زاويتي فمه أكثر. ولم يبالِ إطلاقًا بأن نياه ازدادت ذعرًا.
فعلى مدى آلاف السنين، لم تكن إدارة الاستخبارات السرية في المملكة المنظمة الوحيدة التي ترك سجلات عن السحر والسحرة بعد عملية تطهير العالم.
بل شمل ذلك أيضًا أعظم أعدائها.
«إذن يا تاليس، ما السحر؟»
وكان تاليس شارد الذهن في تلك اللحظة. ولم ينتبه إلى السؤال.
لكن من حسن حظه أن ميلغين لم ترد منه أن يجيب: «السحر مرآة. إنه كارثة جاء بها طريق الأصغر، تجعلنا ندرك عبثيته وتتيح لنا أن ندرك أننا قد نسير في الطريق الخطأ، وتجبرنا على مواجهة ضعفنا وجهًا لوجه، وإدراك نسخنا الأفضل، وبذلك تتيح لنا العودة إلى طريق الابن الأكبر. وكما قلتُ، فإن طريقي الأكبر والأصغر يتعايشان، ويثبتان مدى أهمية كل منهما للآخر».
«صحيح. إنه تمامًا كما قالت ميلغين.
«السحر كالمرآة.
«وبالمثل، كانت المعتقدات والكنائس مرآة السحر أيضًا.
«إنها تعكس وتُظهر وتحتجز آثار خصمها منذ أكثر من ألف عام، أليس كذلك؟»
وما إن فكّر في ذلك حتى نظر تاليس إلى الأمتعة خلف نياه. ونظر إلى مخطط اللوحة القديمة. فازدادت ابتسامته صدقًا.
وتجنبت نياه مقابلة عيني الأمير الوقحتين. وانحنت بتصلب والتقطت إبريق الشاي وهي ترتجف، وصبّت الشاي في الفنجان الذي كان لا يزال ممتلئًا جدًّا.
وسُمعت كلمات ميلغين مجددًا.
«والحق… أن مأساة السحر امتحان لا بد أن نمر به. إنها العاقبة التي تتشكل طبيعيًّا حين نغرق في ذنوبنا غرقًا عميقًا مدة طويلة ونحن لا نزال لا نعلم بها.
«إنها غضب السيدة وعقابهم الذي أنزلوه علينا لأننا تخلينا عن حقيقة معتقداتنا، و أسأنا فهم معنى السيدة، وتجاهلنا مجدنا، ووقعنا في فخ طريق الأصغر.
«وهذا معناها لنا، وربما للعالم».
ولم تملك ميلغين، وهي تقول هذا، إلا أن تتنهد.
«طريق المؤمن لا يكون سلسًا أبدًا. فسيواجه كل إنسان نكسات لا تحصى. وسيغرق كل عصر في الظلام. لكننا نؤمن بأن كل نكسة ليست سوى اختبار من السيدة لتقوية معتقداتنا وولائنا. فهم يرونا الطريق الذي ينبغي أن يسلكه البشر باستخدام الصراع بين الأكبر والأصغر.
«وبالنسبة إلى مؤمني السيد، ستواجه المعتقدات دائمًا أخطارًا، وسنظل محاطين بالشك، وسيظل الصراع بين الأكبر والأصغر قائمًا».
ونظرت من النافذة إلى موضع الشمس الغاربة وقالت بامتنان: «لكن ما دامت شعلة الأكبر لا تنطفئ، فستأتي نهاية لكارثة الأصغر».
وعاد الجو في الغرفة ثقيلًا.
وكانت السماء خارج النافذة تظلم ببطء. وكان الغسق يقترب.
«أيتها الكاهنة ميلغين، يجب أن أقول هذا. فما قلتِه اليوم يستحق التفكير فعلًا، وسيجعلني أفكر فيه طويلًا»، تكلم تاليس فجأة بنبرة نصفها صادق ونصفها متعمد.
فابتسمت ميلغين. وانحنت لتاليس باحترام.
«إن استطاع أن يلهمك ولو قليلًا فهذا حظي وبركة السيدة أيضًا».
وأومأ تاليس والامتنان على وجهه: «إذن، إن كانت لدي أسئلة في المستقبل، هل أستطيع زيارة معبد الغروب وسؤالك شخصيًّا؟»
«قعقعة!»
فصُدم كل من في الغرفة.
كانت نياه.
ففي وقت ما، كسرت فنجان الشاي، وأخذت تلتقط القطع بحركات محمومة. وكانت أذناها، خلف النقاب، حمراوين إلى أقصى حد.
وكان كل من في الغرفة يتمتع بضبط نفس استثنائي. فلم ينظر إليها الثلاثة إلا لحظة وجيزة ثم أشاحوا بأبصارهم وتظاهروا بأن شيئًا لم يحدث.
«بكل سرور يا صاحب السمو. فسيدة الغروب تقبل كل مؤمن يريد أن يقترب منها». وبدت ميلغين في مزاج جيد الآن: «وأنتَ مرحَّب بك في أي وقت. ولا تحتاج حتى إلى مواعيد مسبقة. سأكلف نياه باستقبالك».
«آخ!»
فالتفتت أعين الثلاثة مجددًا.
كانت نياه، التي جرحت إصبعها وهي تنظف شظايا فنجان الشاي المكسور. فضغطت على جرحها، ورفعت رأسها، ونظرت إلى ميلغين بتعبير مظلوم. وكانت عيناها دامعتين.
وحدّقت ميلغين في الراهبة الشابة لحظة بعدم رضا. فنهضت الراهبة بسرعة وقلق.
«إذن…» سعلت الكاهنة العجوز مرة قبل أن تنهض. وعادت إلى حالتها الودودة: «لننهِ اليوم هنا».
ونهض تاليس في الوقت نفسه. وكانت ابتسامته كالمعتاد: «بهذه السرعة؟»
«أوه، هذا رائع».
وابتسمت ميلغين وأشارت إلى لون السماء.
«غربت الشمس، والليل يقترب».
وبدت نبرتها عميقة قليلًا.
«لكن النجوم ساطعة، وهي بمنزلة نذير لأمور كثيرة لا تتخيلها».
فرمش تاليس.
«أهذه نبوءة؟»
«هل هي من النوع الذي يخدم أيضًا غرض التملق لأحدهم؟»
«لا أحد يستطيع أن يتنبأ سوى أنبياء السيدة ورسلهم». ابتسمت ميلغين بلطف: «لكن حتى لو كانت نبوءة، فلن تكون سوى نبوءة».
ولم يفهم تاليس منطق كل هذا الثرثرة، فاكتفى بمواصلة الابتسام.
«ثم إن السيدة جاينز أخبرتني من قبل أن أعطيك مزيدًا من الوقت للراحة».
فهزّ ذلك تاليس قليلًا حقًّا.
«أتعرفين السيدة جاينز؟»
«أعرف كثيرين»، قالت ميلغين بنبرة حنين: «ورأيتُ أمورًا كثيرة أيضًا. لكن السيدة تعرف وترى أكثر.
«لكنهم يظلون صامتين ويحمون الأحياء».
فلم يملك تاليس إلا أن يبتسم بأدب مرة أخرى.
«السيدة سيحمون الأحياء؟
وضغط الشاب على الندبة في وسط كفه اليسرى. وهي الندبة التي انفتحت مرات عدة حين أراد أن يستخدم الطاقة الغامضة، وأبت أن تتلاشى.
«حسنًا إذن. إن كان هناك سيدة حقًّا، فهم بالتأكيد لا يعرفونني». فكّر تاليس بسخرية.
وبعد أن شهد رحيل ميلغين ونياه، مشى غيلبرت ببطء من الجانب.
ونظر إلى شظايا فنجان الشاي المكسور على الأرض، وتنهد ببطء.
«يبدو أن اليوم كان مثمرًا حقًّا للكاهنة الموقرة ميلغين». كانت كلمات غيلبرت مهذبة ونبرته مناسبة. لكنه بدا… غيورًا بائسًا قليلًا.
وابتسم تاليس ابتسامة خفيفة: «خمّن. لو قلتُ في وقت مبكر من الدرس إنني أريد زيارة معبدهم أكثر، فهل كانت ستنهي الدرس قبل موعده؟»
ورفع تاليس حاجبيه.
«حين قلتَ ذلك…» رمق غيلبرت تاليس بتعبير مثير للتفكير: «هل فهمتَ درسها فعلًا؟»
وهزّ تاليس كتفيه ورفع يده اليمنى وهو يفرك إبهامه بسبابته: «قليلًا».
فلمعت عينا غيلبرت: «جيد».
وأومأ غيلبرت ليبين أنه فهم. وتلاشت قليلًا النبرة الغيورة البائسة في صوته.
ووجّه وزير الخارجية نظرة جانبية إلى المنطقة خارج الباب: «أعتذر يا صاحب السمو».
وحدّق في ذلك المكان ولم ينظر حتى إلى تاليس: «عليّ أن أسرع وأجري محادثة غير سارة مع الكاهنة ميلغين».
وكانت عينا غيلبرت غير ودودتين وهو يلاحق ضيفتهم.
وابتسم تاليس.
وجلس من جديد وهو يراجع ما اكتسبه من درس اليوم.
«أمم… يا صاحب السمو؟ ماذا فعلتَ بالراهبة الشابة؟»
فرفع تاليس بصره وأدرك أنه دويل، ولم يكن الخدم العاديون هم من دخلوا. كان دويل هو من جاء ليضيء المصابيح الدائمة بعد حلول الليل.
وكان الحارس الأعلى مالوس سيلف ذراعيه حول نفسه لاحقًا بعينين ضيقتين ويقول: «إذن تقول إنك اضطُررت إلى إضاءة المصابيح لسموّه لأنه لا يوجد خدم… والخدم لم يأتوا لأنك أرسلتهم ليضيئوا المصابيح، يا عزيزي دي دي، ألا ترى أن في تفسيرك خللًا؟»
وقال دويل بحيرة: «هذا ما لاحظتُه… حين غادرت، ظلت تلتفت إليك وتنظر، وعلى وجهها تعبير مذعور…»
فعبس تاليس.
«لم أفعل شيئًا، أليس كذلك؟»
وأضاء دويل مصباحًا. وبدا أنه يفكر في شيء ما. وتغيّر تعبير وجهه قليلًا: «حسنًا إذن. لكن تلك العجوز المخيفة…»
ورفع تاليس بصره مجددًا.
وحين أُضيء المصباح، رأى دويل يتمتم: «لم أكن بعيدًا… فلم أملك إلا أن أتنصت لحظة. أتعلم، ذلك الأمر عن التعايش بين الأكبر والأصغر… شرحته بصورة معقولة جدًّا، أليس كذلك؟»
ومدّ تاليس ذراعيه قليلًا ورفع زاويتي فمه: «معقولة؟»
ولما رأى دويل أن اهتمام الدوق قد أُثير، التفت بسرعة وبدأ يتكلم: «صحيح… موقفها متسامح جدًّا تجاه السحر. فهي ليست عدائية ولا تمييزية تجاهه. وهي لطيفة جدًّا، وتشرح الأمور أفضل بكثير من الراهب العجوز الذي استأجرته عائلتي حينها. فلم يكن يقول إلا إن “السحرة القدماء كلهم من عبّاد الشياطين، واستدعوا الكوارث لتدمير العالم”، وما إلى ذلك…»
وفكّر تاليس في هذا قليلًا قبل أن يشخر.
«ما عدا نبرتها، لا أرى أي جزء من موقفها كان لطيفًا».
فذُهل دويل لحظة: «هاه؟ لكنها لم تنكر السحر كليًّا. بل راجعت أخطاء المعبد أيضًا، وقالت إن السحر والسحرة هم الدافع الذي دفعهم إلى التحسن…»
وبينما كان يصغي إلى كلام دي دي، تغيّر تعبير تاليس مرات.
وبعد بضع ثوانٍ، وبعد أن ضعف صوت دويل تدريجيًّا، فتح تاليس فمه مجددًا وقال: «كما هو متوقع، غيلبرت محق. دروس النحو مهمة جدًّا حقًّا».
وتنهد تاليس.
فتصلبت ابتسامة دويل: «ماذا؟»
وأسند تاليس ظهره إلى الكرسي وهو ينظر إلى دويل، الذي بدا مشدوهًا من تعبير وجهه. وابتسم وقال: «بحسب كلام الكاهنة ميلغين، لم يعد الأمر عما إذا كان السحر جيدًا أم سيئًا…»
وأخذ تاليس يتكلم بتعبير متأمل: «فإن فسدت المعابد والمعتقدات، فلا بد أنها سلكت الطريق الخطأ وكانت تسير في طريق الأصغر.
«وبالمثل، إن كان السحر نافعًا، فلا بد أن من يستخدمونه وجدوا الطريق الصحيح وساروا في طريق الأكبر».
ولمعت عينا دويل.
«لطيفة؟» ردد تاليس وهو يشخر بتعبير مثير للتفكير: «الحق أنني لا أجد أحدًا بموقف أشد صلابة منها».
وحاول دويل جاهدًا أن يشرح ما تقصده أولًا، لكنه بعد ذلك اتخذ تعبير من فهم يقول: «آه، فهمتُ».
«أنت محق فعلًا، الكاهنة ميلغين لم تكن عدائية ولا محتقرة للسحر».
ولم يهتم تاليس بتعبير دويل. بل قال شاردًا: «بالعكس تمامًا. إنها تريد أن تستخدم اسم السيدة لتتحكم في السحر».
وحدّق تاليس خارج النافذة بنظرة عميقة.
وفي المساء، كان الغروب على وشك أن يتلاشى من أفق الأرض.
و…
«”وما الذي أدى إلى حظر السحر، بل إلى الخوف من الحديث عنه؟”»
وتذكّر تاليس هذا. كان سؤالًا طرحه مرتين من بداية الدرس إلى نهايته.
لم تجبه ميلغين قط.
أكان ذلك لضعف ذاكرتها أم لكبر سنها؟
أم كان… مجرد مصادفة؟
ورمش دويل قليلًا وهو يشعر بالكآبة. وضاع قليلًا فيما يقوله بعد ذلك ليتملق الأمير.
لكن تاليس تجاهل دويل. بل شخر بخفة فقط قبل أن يجمع كتاب «أعمال حواريي سيدة الغروب» الذي أُخرج للدرس ولم يُستخدم طوال مدته.
يبدو أن تهذيب نفوس مؤمني المعبد ليس بتلك البساطة أيضًا…
«ولدي سبب للاعتقاد أن أي شخص لو سمع هذه الكلمات، فسيكون بالتأكيد غير سعيد جدًّا. أوه، ما هذا بحق السماء، تبًّا لكل شيء!!»
وتحولت همهمات تاليس فجأة إلى صرخة عالية حادة!
فأفزع الحراس من حوله، حتى دويل نفسه: «يا صاحب السمو؟»
واندفع غلوفر وجونفيلد إلى الغرفة بنظرات حذرة: «هل أنت بخير؟»
وهرع دويل أمام الأمير بنظرة شرسة. وضغط على سيفه ليُظهر ولاءه.
«ماذا حدث؟»
وأخذ تاليس نفسًا عميقًا وهدّأ مشاعره. لكن وجهه كان شاحبًا وهو يحدق بغضب: «لا شيء».
ورفع تاليس رأسه، وكانت جلسته غير طبيعية جدًّا: «اخرجوا من الغرفة».
وكان وجهه قاتمًا حين أنهى تلك الجملة.
وعندها فقط تنفس غلوفر و جونفيلد الصعداء.
وألقيا نظرة سريعة على غرفة الدراسة وفحصا النوافذ والرفوف، ومنها ساعة الزيت الأبدية الكبيرة إلى حد السخافة. ثم استعدا للخروج بحذر.
«أ-أمتأكد؟»
لكن دويل كان انتباهه مثبتًا على تاليس طوال الوقت. وعلى وجهه تعبير قلق: «يا صاحب السمو، وجهك لا يبدو جيدًا.
«هل من شيء أستطيع خدمتك به؟»
وأخذ تاليس نفسًا عميقًا مرة أخرى.
«صحيح». وكان على وجه تاليس ألم عظيم وهو يقول بضيق: «شعرات في بنطالي تشدّها عضو مهم معين. إنه يؤلم كثيرًا».
ونظر تاليس بغضب. وخفض صوته وقال بفحيح: «أيمكنك أن تساعدني؟»
وساد الغرفة صمت ثانية كاملة.
«بالطبع، لا مشكلة في ذلك».
وكان دي دي متلهفًا لخدمة تاليس، فلم يلاحظ ما طلبه الأمير، ولا الأجواء الخانقة حوله. وتقدم بتعبير فخور، لكن غلوفر سحبه فجأة إلى الخلف.
وقذف غلوفر بضع كلمات غير مترابطة لبضع ثوانٍ قبل أن يقول بتردد: «إذن… لن نزعجك».
حتى تعبير الزومبي الذي لا يتغير بدا محرجًا قليلًا في تلك اللحظة: «سنخرج… ونترك لك بعض الخصوصية يا صاحب السمو».
وابتسم تاليس بتصلب ولوّح بيده بتصلب مماثل.
وفهم دويل الموقف، وابتسم بحرج مماثل. ولم يملك إلا أن يلقي نظرة على النصف السفلي من جسد تاليس المخبأ تحت طاولة الدراسة: «آه، حسنًا إذن… حين تتعامل مع الأمر بنفسك، فكن حذرًا من فضلك. وإن احتجتَ إلى شيء، فما زال بوسعي أن…»
وقبل أن يتمكن دي دي، المتردد في الرحيل، من إنهاء كلامه، أمسك غلوفر و جونفيلد بمرفقه، وحُمل إلى خارج غرفة الدراسة وقدماه في الهواء ووجهه ملتفت نحو تاليس.
وبعد بضع ثوانٍ، حين رأى تاليس الباب يُغلق، وسمع أصوات تخبّط دويل تضعف تدريجيًّا، وتيقّن أنه لا أحد في الغرفة، أرخى كتفيه المتوترتين.
وتلاشت الأجواء الخانقة حول الأمير تدريجيًّا.
وتنهد دوق بحيرة النجوم، لكنه ظل منفعلًا جدًّا.
وخفض رأسه ومدّ يده إلى المنطقة تحت الطاولة نحو ساقيه المضغوطتين بإحكام إحداهما إلى الأخرى.
لكنه لم يكن ينوي أن يلمس ذلك الجزء المعين. بل أخرج كتابًا من بين فخذيه.
وكان على وجه تاليس تعبير بالغ الاستياء. وبدأ يحلم في يقظته بصمت وهو يحدّق في «أعمال حواريي سيدة الغروب». وكان يشخر بخفة من أنفه بين حين وآخر.
وبعد بضع ثوانٍ، قلّب الأمير الكتاب بتعبير كئيب.
ثم أخرج دعوة ملعونة نبيلة جديدة بلون أزرق سماوي مصنوعة من ورق ريلان الصلب.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.