تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل532

المملكة الفتية

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 532: المملكة الفتية

 

في الليل، ركض تاليس بسرعة عبر ساحة التدريب، وأخرج سلاحه، ولوّح به عموديًّا وأفقيًّا!

 

وسُمع صوتا اصطدام.

 

فقد نجح تاليس في صد بندولين معلقين في الهواء، أحدهما أمامه والآخر خلفه.

 

وانتهز تاليس الفرصة ليتقدم بعد أن طارت البندولات بعيدًا. ثم استخدم سيف تدريبه ليطعن الرجل الذي أمامه!

 

«دَم».

 

ارتطم سيفه الكليل بدرع خصمه الخشبي السميك، وسُمع دويّ مكتوم.

 

ومن حيث ما أحسّ به، لم تكن النتائج سيئة جدًّا.

 

لكنه لم يملك وقتًا الآن.

 

ومن خلال الرؤية الضيقة عبر خوذته، صرّ تاليس على أسنانه وتراجع عبر المسار الذي أتى منه. تراجع بسرعة!

 

كان عليه أن يعود إلى نقطة البداية دون أن يصاب.

 

وأطلق الحبل المتأرجح أصوات صرير.

 

وارتدّ البندول الأقرب إلى الشاب وأصبح أقرب.

 

وتوتر تاليس، فلم يستطع إلا أن يزيد من سرعة حركته وهو يحاول بأقصى جهده أن يحافظ على توازن هش في تراجعه.

 

وأحسّت خطيئة نهر الجحيم بقلقه. فبدأت تضطرب، لكن تاليس لم يلقِ لها بالًا.

 

«ووش!»

 

وخدش البندول كتفيه، لكنه لم يصبه.

 

وتنفس تاليس الصعداء.

 

«جيد. الآن لم يبقَ إلا…»

 

«كلانغ!»

 

وقبل أن يكمل التفكير، أحسّ تاليس بألم في طبلتي أذنيه!

 

فقد ضرب البندول الثاني خوذته فاهتزت.

 

«ما هذا بحق السماء…»

 

وأحسّ تاليس بانزعاج شديد وجثا. ورمى السيف الطويل، وسحب الخوذة بسرعة من عنقه. وظل يفرك أذنه اليسرى التي كانت لا تزال تعاني طنينًا وألمًا شديدًا.

 

وكان أمامه مباشرة حارس في منتصف العمر يتدرب معه الآن. إنه ضابط الطليعة فلاديفوستوك، ذو الثلاثين عامًا، الذي كان دائمًا يكبح ضحكه حين يحرج الأمير نفسه. فوضع درعه ونظر إلى القائد في المكان.

 

«لا بد من ثبات القدمين».

 

وتقدم مالوس وربّت على البقع البيضاء على درع فلاديفوستوك، التي تكونت من مسحوق الحجر الجيري. وبدا غارقًا في التفكير وهو يراقب البندولات المتأرجحة المتشابكة.

 

«ولا بد من زيادة التركيز على قوتك، ويجب أن تكون طعنة سيفك دقيقة، وحركاتك سليمة.

 

«وأهم من ذلك كله ألّا تصيبك البندولات المتأرجحة.

 

«ومن هذه المعايير الخمسة، إن لم يُنجز أحدها على نحو سليم، فلن يُعد التدريب صحيحًا».

 

وصرف مالوس نظره بلا شفقة عن الأمير المتألم المعذّب بالطنين. ثم طرق درع فلاديفوستوك وأعطى تعليمات للحامي كومودور، الذي بجانبه.

 

«مرة أخرى».

 

ونزل كومودور إلى الميدان واستبدل بالدرع السميك المغطى بالحجر الجيري في يدي فلاديفوستوك درعًا جديدًا تمامًا.

 

وشعر تاليس أخيرًا بتحسن أذنه اليسرى المعذبة، فنهض بانزعاج.

 

«لا أفهم.

 

«لماذا التدريب متصلب جامد هكذا؟ وعليّ ألّا أرجح السيف إلا إلى الأعلى أو إلى الأسفل. لا أستطيع أن أرجحه كما أشاء لأصد الهجمات، ولا أستطيع أن أنحني وأتدحرج أيضًا، كل ذلك لأنافس بندولين متأرجحين في السرعة؟»

 

وشعر تاليس بالظلم وهو ينظر إلى البندولات المعدنية التي تتحرك ذهابًا وإيابًا كالأراجيح.

 

«الحمد لله، أو بالأحرى، لو قلتها بطريقة صحيحة سياسيًّا، الحمد للغروب. فمنذ وقت ليس بعيدًا، ودّعتُ أخيرًا الوقوف كجذع شجرة والتدريب على المبارزة.

 

«…لكن حلّ محله التدرب على الدمى».

 

ونظر تاليس إلى البندولات المحلّقة في الهواء وأثقالها تتأرجح نحو الأسفل وهي متصلة بالبكرة المتحركة.

 

ففي الأيام الماضية، انتقل من التدريب بالبندول إلى الزحف عبر الأطواق، وتدريب المراوغة، وتدريب الطعن…

 

وهناك أكثر من سبعة أو ثمانية أنواع من أهداف التدريب، وفي أنواع التدريب المختلفة خيارات متعددة بمستويات صعوبة مختلفة. وكان في التدريب الذي يتلقاه شتى الحيل.

 

وكان تاليس يُضرب كل يوم بطرق جديدة بلا شك. فمثلًا، تغيّر شكل خوذته بعد أن أصابها البندول، وضُرب ضربًا مبرحًا من العجلة الدوارة حتى خرج الزبد من فمه، وغطاه الغبار بعد أن ضربته أكياس الرمل التي سقطت من السماء، وحيّرته مواضع الأهداف التي لم تظهر بالتسلسل…

 

وكان عليه أن يقول شيئًا لا يريد الاعتراف به.

 

لقد بدأ يشتاق إلى ذلك الوجه الميت.

 

فتدريب نيكولاس كان يهدف إلى تحطيم ثقته بعقبات لا تنتهي.

 

أما تدريب مالوس فيهدف إلى محو صبره بتكرارات مملة.

 

وفي ساحة التدريب، تبادل الحراس المعتادون على الأمر النظرات. وسارع ضابط الإمداد بروكا، الذي كان يحرس الآلات من الجانب، إلى تقديم كوب ماء لتاليس ليساعده على انتزاع مزيد من وقت الراحة.

 

ومع مرور الوقت، ومع أن هناك مشكلات كثيرة عليه أن يعالجها كل يوم (وهي في الحقيقة دروسه)، بدأ دوق بحيرة النجوم الشاب يألف تدريجيًّا نحو عشرين حارسًا من حرس بحيرة النجوم.

 

ومن بين ضباط الطليعة، لم يكن واضحًا أبسبب أصل العائلة أم الشخصية، لكن كاليب غلوفر صار بصورة غير مباشرة القائد. فالزومبي انطوائي، يُعتمد عليه في معالجة الأمور، ولا يشكو أبدًا (وهذا نقيض دي دي تمامًا). وقد وثق به مالوس ثقة كاملة، وأوكل إليه الحارس الأعلى أمورًا كثيرة. وبقيادة غلوفر، كان الطليعيون الثمانية تحت إمرة الدوق تاليس حازمين في مهامهم، وشخصياتهم متمايزة بوضوح عن بعضها. ومنهم المبارز الأعسر جونفيلد وفلاديفوستوك، الذي يتدرب معه الآن.

 

وكان فريق الحماة المكوّن من ستة رجال هو الأقرب إلى تاليس. وعلى نحو غير متوقع، كان داني دويل الفكاهي الساخر يبلي بلاءً حسنًا في المجموعة («من لا يريد أن يصادق شخصًا ثريًّا؟» هذا ما قاله مالوس أثناء وجبة الطعام)، وكانت لديه نية كاملة في أن يجمع كل أوغاد مجموعته حوله. أما كومودور، الذي قاتل تاليس بالسيف في الماضي وتمت ترقيته من ضابط شرطة إلى حارس، فقد صار أحد أعضائها أيضًا بعد أن خاطر الأمير بأن يُوصف بأنه شخص يتنمر على الآخرين.

 

وكان في قسم الانضباط وقسم الإمداد ستة أشخاص. وكان غراي باترسون رجلًا أصلع يحب انتقاد التفاصيل الصغيرة. وفيما يلي مقتطف مما قاله دويل وهو يغتابه، إلى أن صادفه الرجل بعد ثلاثين ثانية عند منعطف:

 

«”ها، هل تعرف لماذا لقبه البستاني؟ لأنه ذات مرة ضبط شخصًا على علاقة مع خادمة، ثم… واو، أهلًا أيها القائد باترسون، أنت هنا؟ همم… عليّ أن أذهب لقضاء حاجتي، هاها!”»

 

أما ضابط الإمداد دريدر ستون، الذي كان ينسّق الأمور، فكان مبتهجًا دائمًا، وكان يبتسم عريضًا وهو يسأل تاليس هل هو راضٍ عن وجباته ونفقاته المختلفة.

 

«”كم أنت أحمق حتى تصدق أن من يمسكون الحسابات ويديرون المال أناس طيبون؟”» قال دويل وهو يعضّ خبزه بقوة كبيرة.

 

وأما هوغو فوبي من قسم حامل الراية، فكان دائمًا يرتدي تعبيرًا كئيبًا ويظهر دائمًا فجأة. وكان يمشي بلا صوت أيضًا.

 

«”ربما مات في سن صغيرة، وما نراه الآن هو شبحه الهائم في الهواء ونحن لا ندري”»، قال دويل وهو ينظف أسنانه بتعبير راضٍ.

 

وكان هو ومرؤوساه الآخران في قسم حامل الراية يتعاملون مع مالوس وحده، ونادرًا ما كانوا ينخرطون مباشرة في شؤون الحرس الملكي.

 

وفي الوقت نفسه، بحسب افتراضات تاليس السيئة النية، فإن قائد حرسه الشخصي الذي كان يقول دائمًا إن لديه فرصة فوز خمسين بالمئة ضد أي من يتحداه، حارس الحرس الملكي الأعلى، وانغ يويان الأشد احترامًا (مجرد مزحة)، اللورد تورموند مالوس، قد جمع مرؤوسيه المباشرين الثلاثة تحته ونخبة الأقسام الخمسة المذكورة أعلاه، ونظّم تلك الأقسام المعقدة التي شكّلت حرس بحيرة النجوم، والتي لم يُكلَّف حراستها للأمير تاليس في قاعة ميندس إلا حديثًا، في مجموعة منظمة جيدًا توزعت أعباؤها توزيعًا حسنًا، وبخاصة في الأوقات التي اقتربت فيها المأدبة. ولا بد من القول إنه يملك حيله الخاصة في هذا الأمر حقًّا.

 

«التدرب على الدمى لا يعني أن يكون بوسعك اللجوء إلى الحيل أو اختلاق قصص مزيفة».

 

ولم يرَ مالوس أنه يفعل شيئًا خارج الحدود وهو ينظر إلى بروكا والرجل يناول تاليس كوب ماء. أما دي دي، الذي كان ينبغي أن يخدم الأمير، فلم ينهِ عقوبته في المطبخ بعد.

 

«في السنوات الست الماضية، ما تعلمتَه من الشماليين هو مواجهة المهارات بحركات يائسة متهورة، مع الاستجابة للخطر.

 

«وربما هذا ما مكّنك من أن تصحو فيك قوة إبادتك…

 

«لكن هذا يعني أيضًا أنك مضطر إلى أن تسفك دمك مقابل دم خصمك وتنتهز فرصة الفوز في الخطر، وهذا يعني أيضًا أنك يجب أن تواصل الهجوم حتى لو انحدرتَ إلى هيجان قاتل، وأن تصرّ على أسنانك حتى لو انكسر سيفك، وألّا تترك لنفسك طريق تراجع، وتقاتل دون اعتبار لما هو مهم. تقاتل وأنت تراهن على حظك وجنونك».

 

وتركزت عينا الحارس الأعلى قليلًا.

 

«وفي الحياة الواقعية، لا يحدث هذا إلا حين تقاتل من هم أقوى منك. وحتى لو كان احتمال الفوز ضئيلًا للغاية، فعليك أن تقاتل لتفوز أو تموت، لأنك مدفوع بالفعل إلى الزاوية».

 

وأعاد تاليس الكوب إلى بروكا وهو يخفف عن عضلاته المتألمة.

 

«لكن في أغلب الأحيان، سيكون لديك على الأرجح مزايا كثيرة في يدك حتى لو واجهتَ أعداء معقدين أو كانت أمور أخرى تقيدك. فقد تؤثر حركة طفيفة في الوضع كله. وقد تكون لديك خيارات كثيرة، لكن من الصعب أن تتخذ قرارك بنفسك».

 

وضيّق مالوس عينيه.

 

«وفي هذا الوقت، لا تحتاج إلى إرادة التضحية بالنفس وحدها، بل أيضًا إلى ما تعلمتَه في تدريبك اليومي، كحركاتك وعاداتك وتركيزك وهدوئك وحساسيتك وشجاعتك.

 

«وهذا بالضبط سبب وجودك هنا اليوم».

 

حسنًا، اعترف تاليس. فمالوس يتقدم على قاتل النجوم بمراحل في مهارات الخطابة على الأقل. وهو يبدو منطقيًّا جدًّا…

 

وماذا عن الآخرين…؟

 

«المعارك أمور تخوضها بعد أن تكون قد استعددتَ لها استعدادًا وافيًا ودقيقًا من قبل. ويجب أن تخطط لها من كل جانب. ويجب أن تأخذ في الحسبان كل جانب وتدخل كل عامل. وينبغي أن يكون الاستعداد كاملًا لا مجرد ما يكفي لتسيير الأمر»، قال مالوس بنبرة خفيفة: «هذه نصيحة الحارس الأعلى السابق. كانت مهاراته رائعة، وكان مسؤولًا عن حراسة قاعة ميندس».

 

وتوقف ذهن تاليس لحظة.

 

والتفت الأمير ونظر بمشاعر معقدة إلى ساحة قاعة ميندس الرحبة المتقنة الصنع الفريدة.

 

وهبّ نسيم لطيف. وفي الليل، تحت المصباح الدائم، بدت قاعة ميندس كمعلم سياحي لا كبلاط ملكي جاد حذر.

 

وحرس الحارس الأعلى السابق قاعة ميندس.

 

وأدار تاليس رأسه: «الذي قبلك. هل تعرفه؟»

 

وعلى نحو غير متوقع، صارت نظرة مالوس عميقة، وبدا غارقًا في التفكير: «نعم. أعرفه».

 

ولما رأى تعبير تاليس المفاجأ، أضاف مالوس بنبرة مسترخية: «من سجلات التاريخ».

 

وبعد ثانية، تنهد تاليس وقلّب عينيه: «أنت لا تعرف شيئًا».

 

«وبالطبع أعلم أن التدريب على الدمى مضجر، وليس ممتعًا كالقتال ضد أناس حقيقيين».

 

وأخذ مالوس قربة تاليس.

 

«لقد صادفتَ من قبل أساليب القتال العسكرية الثلاثة الكبرى في البلاد: فصيل فنون القتال، والأسلوب الحديث، وفصيل الهجوم والدفاع».

 

والتفت الحارس الأعلى لينظر إلى بروكا وكومودور، اللذين جاءا في نوبتهما للتدرب مع الأمير.

 

وتغيّر تعبير كليهما.

 

ولوّح مالوس لضابط الإمداد العجوز والحامي القصير وابتسم: «هذا يكفيه ليهضمه مدة من الزمن».

 

فتنفس بروكا وكومودور الصعداء وابتسما من جديد. وأومآ للأمير بأدب.

 

«لا يُحسبان إلا أسلوبين فريدين، لكنهما ليسا في التيار الرئيسي لفنون القتال الحالية». والتفت مالوس: «ما رأيك؟ حين تنهي المرحلة الأولى من تدريبك على الدمى وتجتازها، يمكننا أن نبدأ المبارزة من جديد. لدينا رجال موهوبون كثيرون ويمكنهم أن يعرضوا عليك أو يعلموك أسلوبي فنون القتال الرئيسيين في الكوكبة وحتى في شبه الجزيرة الغربية. فهما يتجاوزان التأثير الذي تجلبه عادة الأقاليم المختلفة فتسبب اختلاف الأساليب، ويحتلان مواقع مهيمنة في أساليب القتال الرئيسية التي يتعلمها الناس».

 

وخطرت لتاليس فكرة: «مهيمنان؟ أسلوبان رئيسيان؟»

 

«نعم. نشآ منذ عصر الإمبراطورية، وتقاتلا آلاف السنين. صادفا الكثير في أثناء ذلك، وشهدا شتى التغيرات، وتوارثهما الناس حتى الآن». وكانت كلمات مالوس جذابة كحكايات الجدات.

 

وواصل تاليس السؤال: «وما هما؟»

 

ولم يجب مالوس. بل هزّ رأسه فقط وأومأ إلى فلاديفوستوك، الذي كان في الجهة الأخرى من البندول.

 

فزمّ فلاديفوستوك شفتيه والتقط درعه بهدوء. ثم عاد إلى ما خلف البندول.

 

وتنهد تاليس، ونهض وهو يتقبل قدره، ولبس خوذته.

 

وتحت ضوء القمر وضوء المصباح، سُمعت في ساحة التدريب من جديد أصوات خطوات وأصوات من يرجّح السيف.

 

وأخيرًا، بعد مرور وقت لا يعلم تاليس مقداره، وبعد عدد من المرات لا يعلمه حين ضرب الدرع، وبعد عدد من المرات لا يعلمه حين ضربته البندولات، قال مالوس برفق: «حسنًا، الحركات في هذه المرات القليلة لم تكن سيئة جدًّا. اجتزتَ».

 

«الحمد لله… أحم، الحمد للغروب».

 

وزفر تاليس، ووُضع سيفه الطويل على الأرض سندًا له ليقف.

 

ثم…

 

«إذن لنفعل هذا عشرين مرة أخرى».

 

وكان مالوس يبتسم من أذن إلى أذن.

 

وتوتر وجه تاليس الصغير الكئيب مرة أخرى: «ماذا؟

 

«لكنني أنجزت الخطوات، وبذل القوة، والدقة، والحركة، وتفاديت أيضًا تلك البندولات اللعينة جيدًا!» اعترض الشاب بغضب.

 

وابتسم مالوس ابتسامة عريضة وقال: «هذا صحيح. يا صاحب السمو، لقد أبليتَ بلاءً حسنًا في الأقسام الخمسة كلها. ولذلك، من أجل أن نبقيك في هذه الحالة الجيدة، ينبغي أن نقوّي أساسك قليلًا أكثر».

 

وأحسّ تاليس أن الليل طويل بصورة لا تصدق.

 

وأخيرًا، بعد أن أدى عشرين تكرارًا قياسيًّا للبندول بصورة صحيحة، وذلك بغير احتساب المرات المتعددة التي فشل فيها، والتي فاق مجموعها عدد مرات نجاحه بكثير، وزاد عدد مرات فشله زيادة هائلة كلما تقدم في تدريبه، كان تاليس متعبًا إلى حد أنه استلقى على الأرض منبسطًا ولم يستطع إلا أن يلهث.

 

«سمعتُ أن غضب البحر كان يقدم استجابات فورية في لحظات الحياة والموت».

 

وظل تاليس مستلقيًا بلا حركة. ورفع رأسه بمشقة وغيّر موضوع الحديث ليتفادى أن يحاول مالوس تقوية أساسه من جديد: «وهذا أفضل تدريب تستطيع أن تقدمه لي؟ أن تدربني حتى أموت من الإرهاق؟

 

«هل يعكس فعلًا معنى القتال الحقيقي؟»

 

وشخر مالوس بخفة وأومأ للآخرين ليبدأوا بالتجميع: «يا صاحب السمو، أما معنى القتال الحقيقي، فبصفتك دوق بحيرة النجوم والأمير الثاني، كم فرصة لديك لتذهب إلى ساحة المعركة وتقاتل العدو مباشرة؟»

 

«فرص الذهاب إلى ساحة المعركة ومقاتلة العدو مباشرة بصفتي دوق بحيرة النجوم والأمير الثاني؟»

 

وجلس تاليس على الأرض وحدّق في السماء. وعبس وهو يتذكر: «يبدو… أنها كثيرة جدًّا».

 

وبدا تاليس كمن فقد معنى حياته. وأمامه قال مالوس بنبرة ساخرة: «إذن، بحسب كلامك، ينبغي لك أن تتعلم كيف تنفخ أكثر الصفارات إزعاجًا وتصيح “النجدة” بصوت عال لتجعل غيرك يأتي ويقتل أعداءك ويحميك في أشد اللحظات حرجًا وخطرًا».

 

ورفع تاليس زاويتي شفتيه.

 

«أتمنى ذلك أيضًا. لكنه مجرد تمنٍّ».

 

«نحن نعيش في أزمنة مختلفة عن الأزمنة التي كان فيها الملوك القدماء يقودون جيوشهم بأنفسهم ويقاتلون في الخطوط الأمامية. واليوم، لا تهدف دروس فنون القتال إلى تشكيلك محاربًا يقاتل عشرة وحده ولا ضابط طليعة عليه أن يذهب بنفسه إلى المعمعة.

 

«فهذا الآن واجب غيرك».

 

ونظر إليه مالوس.

 

«هذا واجبنا».

 

وصار موقف الحارس الأعلى جادًّا.

 

«وفي العائلة المالكة، وحتى في معظم العائلات النبيلة الرفيعة، هذا الدرس لتعرف وتحس بما أحسّه المحاربون في الماضي الذين قاتلوا في مواجهة الموت بجانب أسلافك، وبما سيحسّه محاربوك الذين سيقاتلون بحياتهم في المستقبل.

 

«وحين يبذلون قصارى جهدهم ليقاتلوا أو يموتوا نيابة عنكم جميعًا، عليك أن تعرف ما صادفوه أو ما سيواجهونه لاحقًا حتى لا تنسى».

 

ولهث تاليس وهو مستلقٍ على الأرض وتذكّر المشاهد الدامية في الماضي، كغابة أشجار البتولا، وقلعة التنين المحطم، ودوق مدينة سحاب التنين الأكبر، ومعسكر أنياب النصل…

 

وتنهد تاليس وقال:

 

«سواء صدقتَ أم لا، أنا أعرف أكثر بكثير مما… تعرفه أنت وغيرك».

 

ومشى مالوس إلى جانبه. وظهر مقلوبًا في رؤية تاليس وحجب النجوم في السماء: «ليس لدي أي نية في الشك فيك، لكن هذا ليس كل شيء».

 

وهمس الحارس الأعلى: «كلنا، ومنا الحرس الملكي، أقسمنا هذا، ولدينا هذا الاعتقاد: حين يأتي الخطر وتصير الحرب وشيكة، سنضحي بكل شيء لنحمي سيدنا.

 

«لكن واحدًا منهم يجب ألّا يفكر بهذه الطريقة». وصارت نبرته جادة فجأة.

 

فتغيّر تعبير تاليس.

 

«أنت». وظل مالوس يتكلم بهدوء كأن الأمر لا يزعجه: «عليك أن تفكر وتستعد للوضع الذي لا نستطيع فيه أداء واجبنا ولا البقاء إلى جانبك. فماذا ينبغي أن تفعل؟»

 

«لا تستطيعون أداء واجبكم ولا البقاء إلى جانبي…؟»

 

وظهر في ذهن تاليس فجأة السجن الأسود المظلم الصامت تحت سجن العظام.

 

وأغلق الشاب عينيه وفتحهما من جديد.

 

«هل تقول إن حتى أقرب حرسي الملكي إليّ وأكثرهم ثقة سيخونونني ويتركونني؟»

 

وفي تلك اللحظة، بدا أن الأجواء في ساحة التدريب تجمدت. وذُهل الحراس المناوبون في الساحة كلهم.

 

وصمت مالوس ثانية: «لم أقل ذلك».

 

لكن تاليس تجاهله: «وهل ستفعل؟»

 

وحدّق الدوق في قائد حرسه الشخصي الذي فوق رأسه: «ربما هناك عذر أفضل أو أكثر منطقية لخيانتي؟»

 

ونظر فلاديفوستوك بلا وعي إلى مالوس من الجانب.

 

فكان من الصعب مواصلة هذه الجملة.

 

وظل مالوس يحدّق في الأمير ولزم الصمت بضع ثوانٍ.

 

وربما لأن الفصل خريف الآن، فلم تكن درجة الحرارة في ساحة التدريب مرتفعة. واستلقى تاليس على الأرض وأحسّ ببرودة في ظهره.

 

«ينبغي أن تذهب وتستحم». وظل صوت مالوس لامباليًا كما كان: «ارتح جيدًا، فمأدبتك الترحيبية ستبدأ بعد خمس عشرة ساعة.

 

«وآمل أن تخفف مأدبة الليلة قلقك».

 

«صحيح، المأدبة الترحيبية.

 

«المأدبة اللعينة».

 

وتنهد تاليس وجعل رأسه يرتطم بالأرض.

 

وبدأ الحرس الملكي يسوّون ثيابهم.

 

وكانت هناك هيئة تبدو متعبة جدًّا تقترب من الساحة وهي تعرج. وتبعتها هيئة أخرى سليمة.

 

«هل انتهيتم بالفعل؟» شعر دويل بالإرهاق. ووصل أمام مالوس. وكان خلفه غلوفر بلا تعبير: «أعطني على الأقل فرصة لأقترب من الأمير. وإلا فغدًا، أبي…»

 

ولم يكلف مالوس نفسه عناء النظر إليه وواصل المشي إلى الأمام.

 

«كيف كان الأمر؟» نظر دويل إلى مالوس بخيبة أمل.

 

«اطمئن فقط. في الأيام القليلة الماضية، وأنا في المطبخ وغرفة التخزين والغرف المسكونة في قاعة ميندس، تبعتُ ستون في كل مكان. ولم أحوّل نظري عنه بل تبعته عن كثب. وبنيتُ علاقة طيبة مع الخادمات، أقصد الخدم، لأفهم الوضع. أعلم أن لا أحد يستطيع أن يؤذي الأمير وضيوفه بالسم أثناء المأدبة غدًا، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن بشأن المنشطات الجنسية».

 

وضحك مالوس ضحكة خفيفة وتجاهل شكاوى دويل غير المباشرة.

 

«نسقتُ مع مركز الشرطة، والجنود النظاميين للعائلة المالكة، والحراس في قصر النهضة. ولا مشكلة في القوى العاملة وترتيب المواقع، حتى بعد أن يغادر جلالته»، قال غلوفر ببرود من خلف دويل: «لا أحد يستطيع أن يهدده، ولا حتى باغتيال».

 

وصمت مالوس قليلًا.

 

«تسميم؟ اغتيال؟»

 

والتفت الحارس الأعلى ونظر إلى تاليس، المستلقي على الأرض يحدق في النجوم: «ليس هذا ما أقلق منه أكثر».

 

*****

 

كان اليوم هو الثلاثين من أكتوبر. وهو للاحتفاء بيوم المطاردة المقدسة، أول هزيمة للأورك على يد البشر في التاريخ.

 

وقيل إن في هذا المهرجان التقليدي، يحتفل أهل جزيرة اليشم البلوري وبحر الشياطين وجبل التنهد وأرض محيط اللهب والعالم كله بهذا اليوم.

 

وما زال تاليس يتذكر أن الأطفال المتسولين كانوا يسمونه «يوم الأهداف الثرية». ففي هذا اليوم يحتفل سكان المدينة بسعادة. وكانوا ألطف ما يكونون حين لا يبالون حتى بمكان محافظ نقودهم.

 

وللأسف، بالنسبة إلى الأمير تاليس، لم يكن اليوم يوم أهداف ثرية. بل كان يوم المأدبة اللعين لعودته إلى البلاد.

 

فمنذ صغره، لم يحضر تاليس إلا مأدبة واحدة.

 

ولا يستطيع أن يستخدم تلك التجربة الوحيدة مرجعًا. فدوق بحيرة النجوم لا يستطيع أن يشمّر عن كميه ويرفع كأس نبيذه ويصيح في أهل قاعة ميندس أن يأكلوا ويشربوا ويقاتلوا ويفعلوا ما يشاؤون، أليس كذلك؟

 

لكن لا بد من القول إنه حين حل ظهر اليوم التالي، وهو سيد المأدبة، ووقف تاليس تحت صور الملوك الثلاثة ليستقبل الضيوف، لاحظ كم هي صعبة هذه المهمة في الحقيقة.

 

«انظر إليك، لقد صرتَ رجلًا حقًّا».

 

وكان أمامه الفيكونت باترسون. وجهه عجوز، وجسده أعجز. وكان يسنده ابنا أخيه ليحضر المأدبة. وعيناه معتمتان، لكن بما أن له منصبًا مهمًّا، فقد كان من مجموعة الضيوف الذين على تاليس أن يستقبلهم بنفسه. فهذا الرجل يحكم حصن فورد، وهو مركز اتصالات شرقي مهم في الإقليم الأوسط. وهو أيضًا من التابعين المباشرين للعائلة المالكة.

 

وكان من تابعي النجوم اليشمية السبعة.

 

ومن بين كل كبار الشخصيات المهمة، كان أول من وصل، بل وصل قبل الموعد المحدد للمأدبة. وهذا جعل تاليس، الذي كان ينتظر ليلبس ويتأنق وهو يحفظ سير المأدبة وشتى الآداب، يدخل في اضطراب. فاضطر إلى أن يشوّش خططه ويسرع لمقابلته.

 

وأبعد الفيكونت باترسون ابني أخيه اللذين يسنداه بتخاذل وفظاظة. وانحنى إلى الأمام وأمسك ذراع تاليس بقبضة محكمة.

 

«ما زلتُ أذكر… أنني شاهدتُ أباك وهو يُتَوَّج ملكًا… وأنا جالس في قاعة النجوم قبل ثماني عشرة سنة. والآن…» لهث الفيكونت العجوز.

 

وقف غلوفر ودويل بتوتر بجانب الأمير وثنيا ركبتيهما قليلًا. و انحنيا إلى الأمام قليلًا، وبدا كأنهما على وشك الاندفاع لإسناده في أي لحظة.

 

لكن تاليس لم يظن أنهما يفعلان ذلك لحماية تاليس، بل لأنهما قلقان من أن هذا الرجل العجوز، الذي يجد صعوبة حتى في الكلام، سيسقط ميتًا.

 

[أقام الأمير مأدبة، وهو قاسٍ بلا رحمة. وبينما كان يتحدث مع تابع عجوز، مات التابع العجوز]. وسيكون من الأفضل أن تقل أخبار كهذه.

 

وواصل تاليس الابتسام وفق آداب العائلة المالكة القياسية التي علّمته إياها جاينز. وحافظ على أناقته دون أن يفقد لطفه. وأمسك راحة الرجل العجوز، التي بدت مغطاة بتقرن الجريبات، وظل ينتبه إلى توازنه. وسأله بلطف عن صحته، لكن الفيكونت كان يعاني قليلًا من ثقل السمع، فاضطر ابنا أخيه إلى إعادة سؤال الأمير بصوت عال بضع مرات.

 

وتصرف تاليس تمامًا كما ينبغي أن يتصرف دوق بحيرة النجوم النموذجي.

 

«أعرف جسدي يا صاحب السمو. لن أصمد طويلًا، لكن لا بأس». وفي تلك اللحظة، لمعت في عيني الفيكونت باترسون العكرتين بارقة ضوء: «لأنه مع أن الزمن يطير، فإن الكوكبة تبقى كما هي».

 

وأحسّ تاليس بيده التي يمسكها تشدّ قبضتها. فانحنى الفيكونت باترسون، وبجهد عظيم، أسند ذقنه بثقل على قفازي الأمير.

 

وقال الفيكونت، الأبيض الشعر المتجعد الجلد، وهو يلهث بسرعة ويصرّ على أسنانه: «الدولة فتية، وهذه فرصة مناسبة لننمو».

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.