تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل534

آسف على الانتظار

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 534: آسف على الانتظار

 

وبينما كان دي دي يسرد بسعادة فضائح نبلاء العاصمة، عاد حظه العاثر ليلعب دوره من جديد.

 

«أيها الحامي دويل». وسُمع صوت مالوس من خلفه في تلك اللحظة فقطع أفكار تاليس: «ما المضحك إلى هذا الحد؟»

 

وتجمد تعبير دويل. وحين استدار وواجه الحارس الأعلى، عاد دي دي إلى الجد.

 

«لا شيء يا سيدي القائد. سأل سموه سؤالًا فحكيت له بعض قصص النبلاء».

 

ونظر مالوس إلى السيدة إلينور، التي اختفت داخل قاعة المأدبة، ثم نظر إلى تاليس بتعبير متأمل.

 

«أهكذا الأمر؟»

 

وأزال تاليس صورة الوتد الحديدي الصغير الابن من ذهنه وضحك ضحكة جافة: «أظن ذلك».

 

وأومأ دويل خلفه بجدية، فيما لم يُبدِ غلوفر أي تعبير.

 

وشخر مالوس بخفة، وقال بلا مبالاة كعادته: «حسنًا. إذن، هل أنت مستعد؟»

 

وفي البعيد كان نبيل في منتصف العمر يساعد زوجته على النزول من العربة. وبعد أن فرغا من التوقيع عند المدخل، ابتسما وتركا خدمهما يقدمون الهدية. ثم سوّيا ثيابهما ومشيا نحو تاليس بإرشاد المضيف.

 

«بالطبع». وتنهد تاليس وابتسم من جديد.

 

لكن مالوس هزّ رأسه وأشار إلى دي دي: «لا، لا أعنيك أنت يا صاحب السمو. أعني… هو».

 

وكان دويل يوليّ ظهره لباب المدخل، فذُهل وقال: «أنا؟ لماذا؟»

 

وفي هذه اللحظة، سُمع عويل يفطر القلب!

 

«آآآآآه يا صاحب السمو، يا صاحب السمو، الأمير تاليس، آه!»

 

وارتجف تاليس وظن أن الأرواح تسكنه.

 

وانجذب انتباه الخدم والجنود والحراس والضيوف غير المهمين الذين دخلوا من الباب الجانبي إلى هذا الصراخ الباكي. فصُدموا و استداروا بسرعة.

 

وتحت أنظار الجميع، اندفع من القاعة نبيل في منتصف العمر دهني الوجه، باسطًا ذراعيه الممتلئتين، ووثب نحو تاليس!

 

ودون أن ينتظر تاليس المصدوم أن يتصرف، سحب غلوفر الأمير بحذر وراءه ودفع دويل إلى الأمام.

 

فسقط النبيل في منتصف العمر على دويل الذي باغته الأمر، وتجهم تعبير دي دي.

 

لكن ذلك الشخص لم يستسلم. فقد انكمشت ملامح النبيل وهو على الأرض، وشق طريقه زحفًا نحو تاليس: «يا صاحب السمو!»

 

وارتجف تاليس من شدة الصدمة. ولم يجد غلوفر بدًّا من حماية الأمير خلفه. أما مالوس فتنحى جانبًا بهدوء وراح يشاهد من الجانب.

 

ولم يُبدِ الضيف أي رغبة في الوقوف. بل ظل يتقدم بيديه نحو ساقي تاليس.

 

«الحاكم المشرق يراقب، والحاكم الابن المقدس حكيم، وحاكمة الغروب تباركنا! والكوكبة، أخيرًا، وجدت الكوكبة وريثها المقدر لها!

 

«وأخيرًا كوفئ ولاء تابعي النجوم اليشمية السبعة».

 

وكان في صوته من الأسى والحزن ما جعل من سمعوه يحزنون ويبكون.

 

وذُهل تاليس حين رأى ذلك.

 

«ما الذي يجري الآن؟

 

«هل هو كأولئك الذين كانوا يسدّون الطريق في الماضي ليصرخوا من الظلم؟»

 

وعبس الحرس الملكي عند القاعة وضغطوا على سيوفهم، لكن مالوس لوّح لهم.

 

ثم أمسك دويل النبيل في منتصف العمر من ياقته وسحبه إلى الوراء بكل قوته.

 

«أبي، ماذا تفعل؟! انهض، أسرع! انهض!»

 

ونظر دي دي حوله بخوف إلى النظرات المتجهة إليهم، وهو يستعمل يديه وقدميه ليبقي هذا النبيل في منتصف العمر على بعد سبعة أقدام من الأمير.

 

«أبي، هذا محرج جدًّا…»

 

ولما رأى النبيل في منتصف العمر دويل، غيّر تعبيره فورًا دون أن يمسح دموعه: «أنا متأثر ولا أستطيع كبح مشاعري حين رأيتُ سموه، فما شأنك أنت بهذا؟!»

 

ورفع تاليس حاجبيه حين سمع الطريقة التي ينادي بها كل منهما الآخر.

 

وبدأ مالوس، الواقف في الجانب، يتحدث بنبرة خفيفة: «يا صاحب السمو، هذا هو البارون دويل. وهو سيد نهر المرآة، وأيضًا والد دي دي… إذن، الأمر كله يعتمد عليك الآن».

 

وارتعشت حاجبا تاليس.

 

وواصل دويل مجادلة أبيه وهو يبتسم للناس حوله ابتسامة اعتذار مخجولة.

 

وبدأ الخدم والحراس الذين جاؤوا يشاهدون هذه التسلية ينصرفون، والتفت النبلاء المتفرقون هنا وهناك يتهامسون فيما بينهم، حتى سُمع صوت أنثوي حاد آخر: «آه! دانيّ الصغير! كيف تعامل أباك هكذا!»

 

وصاحت نبيلة أخرى بمكياج كثيف من الخلف وعانقت البارون دويل العجوز، وهي تلوّح بيديها لتطرد دي دي. فاضطر دي دي إلى أن يتركه.

 

«لقد شاخ، وحالة جسده سيئة. لماذا أنت غير متفهم إلى هذا الحد؟ كلانا مسكين…»

 

وتعاون دويل العجوز معها فجعل يلهث بسرعة. وسعل بلا توقف وسقط في ذراعي زوجته.

 

وبدأت البارونة تبكي: «لا يجوز أن تكافئنا بهذا الموقف بعد أن ربيناك بكل هذه المشقة!»

 

وأمسك دويل العجوز والبارونة أيدي بعضهما وجلسا في حلقة ونظرا إلى ابنهما، الذي أحسّ بحرج لا يوصف ولم يعرف ماذا يفعل.

 

وكان في تعبيريهما عزم وحزن. وكانا يبعثان إحساسًا مأساويًّا لا يُرى إلا في زوجين متحدين.

 

وكأن ابنًا شريرًا صغيرًا يتنمر في الشوارع على والديه المسكينين الصادقين.

 

«ربيتني؟» وتجهم تعبير دويل: «أنتِ مجرد زوجة أبي…»

 

«وما الخطأ في أنني زوجة أبيك؟!» وأعانت البارونة زوجها على الوقوف. وغيّرت تعبيرها في لحظة، وما زالت الدموع على وجهها، ولوّحت بمنديلها وقالت بشراسة: «أليست زوجة الأب أمًّا أيضًا؟!

 

«من مأكلك ومشربك ولباسك ومصروفك ورسوم مدرسة الفرسان وتكاليف مواعدتك، كل ما استعملتَه هو مال كدحنا في كسبه…»

 

وتخلى دويل تمامًا عن إمكان إنقاذ كرامة عائلته، فلم يسعه إلا أن يغطي وجهه ويتنهد.

 

وصُعق تاليس من هذه الدراما العائلية.

 

ومسح البارون دويل العجوز مخاطه ووقف على قدمين ثابتتين بعد عناء شديد.

 

ولما رأى تاليس وقد غيّر تعبيره فجأة مرة أخرى، قال بودّ لا يُصدّق: «يا صاحب السمو! انظر، ربما كان وقوفك الآن أمام صورة ملوك الكوكبة الثلاثة مصادفة، لكن من يقول إنها ليست نذير خير؟ فشجاعة الملك الأعلى لعصر النهضة، والمشية المهيبة لحافظ العهد الأسطوري، وحكمة الملك الفاضل… أنت بالضبط الهبة السماوية التي جمعت الملوك الثلاثة!»

 

وأحسّ تاليس بشيء من الإرهاق من المديح.

 

وبينما كان دويل العجوز يتكلم، ظلت دموعه ومخاطه تسيل.

 

«لو علم الملك الراحل أن أحدًا من عائلة النجوم اليشمية كبر وصار عظيمًا، فلا بد أنه يبتسم سعيدًا في نهر الجحيم… أو في الجنة؟»

 

وأجبر تاليس نفسه على ابتسامة متصلبة وحيّاه من بعيد.

 

لكن دي دي لم يفكر بهذه الطريقة.

 

فقد ظل يبتسم للدوق الشاب ابتسامة اعتذار وهو يسحب والديه، اللذين ما زالا يمثلان بهذه المبالغة، إلى الجانب.

 

«أبي… ماذا تفعل…؟»

 

وخفض دويل العجوز رأسه وقال بعدم رضا: «أفعل كل هذا من أجلك!»

 

«من أجلي؟»

 

«سمعتُ من الخدم أنك، أيها الولد المشاغب، أغضبتَ السيدة جاينز! هل تعرف كم هي مخيفة؟ هل ما زلت تريد أن تعمل في العاصمة؟!»

 

وتنهد دي دي وقال: «وما شأنك أنت بهذا…؟»

 

«أنت ولد شديد الخجل، ولهذا لا تستطيع حتى أن تجد لنفسك حبيبة. فمن الطبيعي إذن أن أضحّي أنا بكرامتي لأقوم بمثل هذه المداهنة…»

 

«تتكلم كأن كرامتك مفيدة جدًّا…»

 

«أيها الوغد!»

 

«وليس أنني لا أستطيع أن أجد حبيبة…»

 

«ها؟ لا تقل لي إنك تريد أن تكون مثل أحمق عائلة كارابيان؟ هل تبحث عن حبيب؟»

 

«أبي، أنت! أسرع، ادخل وابقَ هناك!»

 

«انتظر، نسيتُ أن أقبّل يد سموه…»

 

«آه، سأقبّلها نيابة عنك».

 

وفي هذه الأثناء، حدّق تاليس وغلوفر أحدهما في الآخر وأحسّا بالعجز.

 

وبدا مالوس معتادًا على ذلك.

 

وأخيرًا، استدار دويل، الذي صرف والديه الغريبين، بخوف. ومسح جبينه، فأدرك أن الأمير والآخرين يحدقون فيه كأنهم يشاهدون مسرحية.

 

ولم يغيّر تاليس تعبيره، ومدّ إليه ظهر يده بلطف مراعٍ.

 

«هل تريد أن تقبّلها؟»

 

وذُهل دي دي لحظة، ثم قال بتذلل: «لا، لا، وليس ذلك لأنني لا أريد تقبيلك… بل في الحقيقة أقبّل يدك في خيالي كل يوم… لكن كما تعلم، والداي… هاها…»

 

«نعم. إنها عائلة حلوة حقًّا». وقال غلوفر أخيرًا شيئًا منذ بدء الحادثة كلها، وكانت مشاعره مجهولة.

 

وأراد دويل أن يجد حفرة يختبئ فيها.

 

«أعلم»، قال بخجل: «ولهذا لا أحب العودة إلى البيت».

 

والتفت الثلاثة الآخرون برؤوسهم وتظاهروا كأن شيئًا لم يحدث.

 

وبالمقارنة مع عائلة دويل الصاخبة، لم يكن للبارون ستون، أحد تابعي النجوم اليشمية السبعة، حتى خادم واحد، مما جعله يبدو وحيدًا كئيبًا.

 

«بعد العام الدامي، ونتيجة للقيود التي فرضتها أحوال البلاد، مارس الملك كيسل التقشف وصار يحب البساطة». وكان البارون ستون في الأربعينات. وله وجنتان بارزتان وخدان غائران، فبدا شديد البخل والشح.

 

«ولذلك لم تعد العاصمة تشهد ما يكفي من الولائم».

 

وأمسك البارون ستون يدي تاليس ودقق في وجهه: «إذن يا أميري المبجل، هل تعلم ماذا يعني لنا اليوم؟»

 

ولم يستطع تاليس إلا أن يرد بابتسامة خفيفة.

 

«لا بأس. نحن لا نعلم أيضًا». وخفض البارون الكئيب جسده ولمس ظهر يد تاليس بخده: «نحن ننتظر منك أن تُرينا».

 

ولما غادر البارون ستون، أحسّ تاليس بشيء من التخدر.

 

«أذكر أن رئيس الإمداد بين مرؤوسيّ لقبه ستون…» وسحب الأمير نفسًا عميقًا: «حسنًا. كم شخصًا آخر من المرتبطين بتابعي النجوم اليشمية السبعة، سواء في قاعة ميندس أو في الحرس الملكي؟»

 

«كثيرون»، أجاب مالوس بهدوء: «لكن ليسوا كثيرين أيضًا».

 

وصُدم تاليس.

 

وخرجت هيئة طويلة داكنة أخرى من عربة وعبرت الفناء الأمامي لقاعة ميندس، وحيّاها مجموعة من النبلاء الصغار بتذلل. وكتب اسمه، ومرّ بالحراس من الجهة التي لا تتيح لهم إلا أن يمرّ بحكم تشكيلهم احترامًا له، ووصل إلى تاليس.

 

«سمعتُ أنهم جاؤوا مبكرًا، فعليّ أن آتي أنا أيضًا».

 

وابتسم النبيل الطويل. وكانت عيناه حادتين. وانحنى وحيّا تاليس. وحين انحنى، أظهر هيبة تختلف عن هيبة الآخرين.

 

«لوزانو غلوفر، فيكونت مقاطعة بحيرة الجبل».

 

وسُمع دويل يشهق خلف تاليس.

 

«غلوفر».

 

وخطرت لتاليس فكرة، لكنه كبح رغبته في الالتفات.

 

واستمر دوق بحيرة النجوم في الحفاظ على ابتسامته المثالية: «سررتُ بلقائك. ذكر جلالته من قبل أن عائلتك كانت الدعامة الرئيسية لنا في أثناء حكمنا. وسمعتُ أن جدك خدم في الحرس الملكي وشغل منصبًا رفيعًا؟»

 

ومع أن لوزانو طويل، فقد بدا هزيلًا: «كان أكثر حراس الملك الراحل أيدي ثقة، وكان معلم السيف لولي العهد ميدير حتى مات في مهمته وفدى البلاد بحياته.

 

«وقد وفى بعهد عائلة غلوفر».

 

«الحارس».

 

وكبح تاليس رغبته في أن ينظر إلى مالوس، لكنه فكّر في شخص آخر في قلبه.

 

وابتسم لوزانو: «أعمل في وزارة المالية، ولذلك أقيم في مدينة الليل الأبدي. يا صاحب السمو، إن كان لديك وقت فراغ، فيمكنك أن تزور بيتي في حي المدينة الشرقي».

 

«يعمل في وزارة المالية…

 

«ويشغل منصبًا مهمًّا؟ لا عجب».

 

والتفت لوزانو ونظر إلى مالوس: «تورموند، وأنت كذلك. بوابة عائلة غلوفر الرئيسية مفتوحة لك دائمًا».

 

وابتسم مالوس ابتسامة خفيفة: «يسعدني ذلك. هل لي أن أقودك إلى الداخل؟»

 

«بالطبع». لكنه لم ينتهِ بعد. فالتفت لوزانو، على سبيل المفاجأة، ونظر إلى دي دي، الذي كان يراقب بصمت من الجانب: «وأنت أيضًا، داني دويل، أليس كذلك؟

 

«أرجو أن تبلغ أباك هذه الرسالة وتطلب منه ألّا يرسل أي مال إلى وزارة المالية بعد الآن. لا نستطيع قبوله، وحتى لو قبلناه، فأراضيه ما زالت تحتاج إلى تدقيق أو تفتيش ضريبي هذا العام».

 

واحمر وجه دويل فورًا.

 

وقبل أن يغادر، نظر لوزانو إلى تاليس مرة أخرى وقال بجدية: «يا صاحب السمو، آمل أن تفهم أننا سنظل أوفياء للعرش ولتاج العائلة المالكة ذي النجمة التساعية إلى الأبد».

 

ولما غادر لوزانو غلوفر ومالوس معًا، تنفس تاليس ودويل الصعداء وأحسّا كأنهما نجوا من هيبة مهيبة ما.

 

وشخر دي دي بخفة: «ماذا قلتُ لكم قبل قليل؟ مسؤول عن المال؟ تسك تسك».

 

«صحيح.

 

«وكذلك…»

 

وكبح تاليس رغبته في أن يلتفت برأسه إلى الوراء.

 

ومن الواضح أن أحدهم لم يعد يطيق الصبر: «أيها الزومبي، ألن تقول شيئًا؟»

 

ونظر دويل بفضول إلى ظهر الفيكونت غلوفر، ثم استدار ونظر إلى زميله: «هذا أخوك الأكبر، وهو أيضًا سيدك الأعلى. وهو يتحكم في المال أيضًا. ولو كنتُ مكانك لسمعتُ كل ما يقوله…»

 

واستدار غلوفر بسرعة!

 

وثقبت عيناه الحادتان دي دي، وكانت نظرته باردة كالجليد.

 

وتنبه دويل بقلق، وتوتر تاليس، الذي كان بينهما، هو أيضًا.

 

وحدق غلوفر في دي دي بضع ثوانٍ، ثم نطق كلماته ببطء: «أنا. في. نوبة. حراسة. الآن».

 

وبدا أن هذه أول مرة يرى فيها دويل غلوفر في هذه الحال. فذُهل بضع ثوانٍ وأجبر نفسه على الابتسام: «حسنًا، حسنًا، حسنًا…»

 

ثم أدار غلوفر رأسه وأومأ قليلًا للأمير، الذي كان شارد الذهن وهو يشاهد تمثيليتهما.

 

وتنحى دويل جانبًا. وأظهر لتاليس نظرة منزعجة وزمّ شفتيه غضبًا.

 

لكن تاليس لم يجد وقتًا ليهتم بتفاعلهما.

 

فأخذ الأمير كوبًا ليرطب نفسه. ومرّت نظرته عبر القاعة وعبر خط الدفاع الذي شكله الحراس لتنظر إلى المشهد الباذخ لرؤوس الناس في الخارج وهم يتحركون، والعربات وهي تذهب وتجيء. وعلم أنه سيصير أكثر انشغالًا لاحقًا.

 

لكنه كان متعبًا الآن.

 

فالتابعون المباشرون القلائل من الإقليم الأوسط الذين جاؤوا مبكرًا قد لا يبدون متغطرسين كالنبلاء التسعة عشر، لكن تاليس حين تعامل معهم أحسّ أن عليه أن يبذل جهدًا أكبر في الحديث معهم مما بذله مع النبلاء التسعة عشر في المؤتمر الوطني قبل ست سنوات.

 

لكنه لم يستطع أن يستريح.

 

فبحسب تذكير غيلبرت، حين يشعر بالتعب، يجب أن يزيد حذره من مظهره وآدابه وحركاته وابتسامته وإيماءات جسده وطريقة كلامه.

 

«ست عائلات». وعدّ تاليس العائلات بأصابعه فجذب انتباه حارسيه الشخصيين: «باترسون، أدريان، بارني، دويل، ستون، غلوفر…

 

«إن كنت قد تعلمتُ جيدًا في درس التاريخ في الأيام الماضية… ففي الإقليم الأوسط، أي عائلات أخرى تضاهي هذه العائلات الست في السمعة والتاريخ والقدرة؟»

 

وشعر تاليس بالملل وهو ينظر إلى الضيوف خارج القاعة وهم يُوزَّعون ببطء ويُقادون إلى مداخلهم ومواقعهم المناسبة. ونسي كثير منهم آدابهم وسلوكهم حين مرّوا بالقاعة الرئيسية. وحاولوا الوقوف على أطراف أصابعهم والنظر إلى الداخل ليلمحوا الأمير مبكرًا.

 

«لا أحد». وأخذ دويل الحديث. وبدا في صوته فتور. وكان واضحًا أنه نافد الصبر إلى حد ما.

 

«مع أن “تابعي النجوم اليشمية السبعة” هي العبارة التي نستخدمها… فمنذ اللحظة التي بدأتُ فيها أتذكر الأشياء، كان في الإقليم الأوسط ثماني أو تسع عائلات مرتبطة مباشرة بالعائلة المالكة، ولها إقطاعات حقيقية، ويمكن لها أن تورّث أراضيها لوريث. وهناك كثيرون غيرهم يريدون شق طريقهم إلى هناك».

 

«ثماني أو تسع…»

 

«حتى…» ورفع دويل كتفيه: «هل تعلم أنه خلال العشرين سنة الماضية، فقدت بعضها أراضيها كلها ولم يبقَ لها إلا اللقب، وبعضها كان لديه أعمال كبيرة لكنه يصادف الخسارة دائمًا، وبعضها كان تاريخه طويلًا لكن أحفاده لا يستحقونه، وبعضها خُرّب بعد الحرب. وبعضها فعل أمورًا خاطئة وفقد ألقابه، وبعضها تقاتل أفراده فيما بينهم فانحدرت عائلتهم…»

 

واستمع تاليس بهدوء بينما عبس غلوفر.

 

«وإلى اليوم، لا يستطيع إلا هذه العائلات الست أن تنال إلى حد ما هذا اللقب الغبي “تابعي النجوم اليشمية السبعة”. وجودتها متفاوتة أيضًا. فكما رأيتَ من قبل، بعضها سيموت قريبًا، وبعضها أرامل وأيتام، وبعضها عظيم النفوذ، وبعضها غادر، وبعضها يركع ويبكي ما إن يراك… أحم، أحم…»

 

وبدا أن دويل، الذي كان يثرثر بلا اكتراث، أدرك شيئًا، فأنهى الموضوع سريعًا في الوقت المناسب.

 

وظل تاليس صامتًا مدة.

 

وبعد أن فكّر في أمر ما، أومأ بتعبير متأمل.

 

وخلال عشرات الدقائق التالية، أراد مزيد من الضيوف مقابلة الأمير، لكن قليلًا منهم كانوا من حزب الملك الذي سمع عنه تاليس قبل ست سنوات. وكان بعضهم من النبلاء الجدد في المجلس الإمبراطوري.

 

فسأل وزير المالية الحالي، «المحفظة» كيركيرك مان، بودّ عن كيفية تكيف الأمير وعن تقدمه في درس الرياضيات، فيما انتهز وزير التعليم الفرصة وقاطع حديثهما ليتكلم عن مسائل تمويل امتحان الموظفين في الإقليم الأوسط.

 

وبعد أن ضرب المستشار العسكري «الجندي الكبير» بايك رايدر صدره ليضمن عشر سنوات أخرى من السلام في تل الصحراء الغربية بفضل أفعالهم في الصحراء، جاء بعده وزير الزراعة، فأخبر تاليس بوجه جاد عن مساوئ استنزاف الموارد كلها لبناء القوة العسكرية وعن الآثار المدمرة للحملات العسكرية. وذكر كذلك عدم التكافؤ بين المنافع المكتسبة من النهب في الحرب والزراعة في أوقات السلم.

 

ودعا البارون غيلز، المسؤول عن مصنع صك العملات، دوق بحيرة النجوم بودّ إلى زيارة «مصدر ثراء» المملكة. وسيكون من الأفضل أن يستمع إلى خطتهم لتوزيع العملة في البلاد، التي رفضها جلالته. وأسرع الموظف الحكومي المسؤول عن بنك العائلة المالكة وقاطع الحديث بقلة أدب. واقترح بشدة أن يفتح تاليس حسابًا باسمه احتفالًا بهذه اللحظة التاريخية التي سيصير فيها ثلاثة آلاف فرد من العائلة المالكة مسجلين في البنك…

 

وفي هذه الأثناء، استقبل تاليس وودّع كثيرين. وأحسّ أن وجهه كاد يتخدر من إجباره نفسه المتواصل على الابتسام.

 

وبصراحة، كان يفضل أن يعود إلى ليلة دم التنين ويواجه أولئك الدوقات الكبار الخمسة العدوانيين.

 

ولا عجب إذن أنه تذكر أن لدى نبيل معين شعار عائلة هكذا: أن تموت من أجل الأصدقاء خير من أن تموت من أجل الأعداء…

 

وفي اللحظة التالية، اتجهت عربة إلى هنا وصمت النبلاء الذين اصطفوا في الفناء الأمامي.

 

ونزل من العربة نبيل في ريعان عمره، ومشى نحو قاعة ميندس برفقة خادم عجوز.

 

وارتفعت أصوات النبلاء بضجة من جديد، ولم يملك الجنود والحراس إلا أن يقفوا بصورة أكثر استقامة.

 

«دي دي، اذهب وألقِ نظرة». وتنهد تاليس، مع أنه حصل أخيرًا على بعض الوقت ليلتقط أنفاسه. ورفع بصره: «من هذه المرة…؟»

 

لكن تاليس توقف عن الكلام فجأة.

 

فقد رأى النبيل في ريعان عمره يتصرف بأناقة. وكان فيه حضور عفوي، لكنه حين ينظر إلى الجانب كان يُظهر أحيانًا هيبة وقورة.

 

وكان يحيّي النبلاء الصغار الذين يحيّونه بصبر ويومئ لهم. ولم يكن متكبرًا البتة، لكن فيه نوعًا من الرشاقة جعل الآخرين يحترمونه.

 

وذُهل تاليس.

 

«حقًّا… الشخص الذي كنت أفكر فيه جاء حين فكرتُ فيه».

 

«ها، عرفتُ ذلك. هذا شخص عظيم. يمكث دائمًا في العاصمة مدة قصيرة فقط، وهو…»

 

وحين أراد دويل أن يواصل، رأى تاليس فجأة يرفع يديه ليوقفه.

 

وحدق تاليس بتعبير معقد في الضيف الذي يقترب منه. ونظر كذلك إلى شعار العائلة على كميه.

 

وكان للشعار ثلاث بتلات بألوان مختلفة.

 

وخطا الضيف على الدرجات وأظهر ابتسامته الخفيفة المميزة بين أعمدة الرواق.

 

«قاعة ميندس حقًّا كاسمها، فيها كنوز كثيرة غالية تساوي مدنًا».

 

وبينما كان يوقّع، ابتسم وقال للخادم العجوز بجانبه: «أتمنى حقًّا لو أنني جئتُ إلى هنا قبل ست أو سبع سنين. كان ذلك سيكون جيدًا».

 

ولمع في عيني النبيل بريق عميق.

 

وأومأ الخادم العجوز بصمت فقط.

 

وفي اللحظة التالية، رفع النبيل في ريعان عمره رأسه. وما إن فتح الحراس طريقًا حتى حيّا تاليس.

 

ولم تكن هناك أي علامة سابقة، ولم يكلف نفسه حتى أن يخفي.

 

والتقى تاليس بنظرته.

 

وارتجف دويل، الذي كان قد تخدر من سير الأحداث حتى اتخذ موقفًا مهملًا. فقد أحسّ كأن قشعريرة باردة تزحف على عموده الفقري.

 

وكان تعبير تاليس هادئًا. وحدق في الزائر بصمت وهو يفكر في قلبه: «لقد تغيّر. اكتسب هيبة أنضج، وصار أكثر طبيعية. وهو حتى أكثر…»

 

وفرك الأمير قفازيه قليلًا. ولم يتغير تعبير الضيف. وحدق في تاليس بصمت وتوصل إلى فهم: «لقد تغيّر. صارت نظرته أحدّ وأكثر حزمًا، وأكثر…»

 

وضيّق الضيف عينيه قليلًا.

 

وفي اللحظة التالية، بدا كأنهما الوحيدان في قاعة ميندس الواسعة الصاخبة.

 

لكن تاليس والضيف أطلقا في الوقت نفسه ابتسامتين و دودتين، وكأنهما توصلا قبل ذلك إلى اتفاق ضمني، رفعا أقدامهما في الوقت نفسه ومشيا أحدهما نحو الآخر.

 

«لكن وماذا بعد؟»

 

وهكذا، تحت أنظار لا تحصى، تصرف سيد قاعة ميندس والضيف كصديقين وفيين قديمين لم يلتقيا منذ زمن طويل، وسارا بحماسة وسرعة أحدهما نحو الآخر حتى التقت راحتاهما في الهواء!

 

«أهلًا بك يا صاحب السعادة!»

 

«مضى زمن طويل يا صاحب السمو!»

 

وأحسّ تاليس بالقوة الهائلة في يدي الضيف، الذي لم يكلف نفسه حتى أن يكبحها. وأطلق هو أيضًا خطيئة نهر الجحيم بفظاظة، وبذل قوته في عضلاته!

 

وارتجفت الراحتان قليلًا في الهواء، لكنهما بدتا مسترخيتين.

 

ورأى مالوس، الذي سمع بالأمر وجاء، هذا المشهد، فعبس قليلًا.

 

والتقت نظرتا تاليس والضيف في الهواء مجددًا، وارتدى كلاهما ابتسامة ودودة.

 

وضحك الدوق: «يمكنك أن تناديني زايين فحسب».

 

وكان الأمير مراعيًا: «ناديني تاليس».

 

وفي اللحظة التالية، ابتسما بإشراق وهما ينظران في عيني بعضهما من جديد في تفاهم ضمني. وجعلا اليدين اللتين أمسك بهما كلٌّ منهما بالآخر مركزًا، وتعانقا، ووضع كل منهما يده الأخرى حول كتف الآخر.

 

وأدرك تاليس فجأة أنه أقصر من الضيف بنصف رأس فقط.

 

ففي وقت ما، لم يعد طول الشخص عائقًا، مع أنه كان ذات يوم طويلًا إلى حد أن تاليس لا يستطيع إلا أن يحلم ببلوغ طوله.

 

وبالنسبة إلى الآخرين، كان الأمير تاليس والدوق زايين ودودين جدًّا أحدهما مع الآخر. فربما لم يرَ أحدهما الآخر سنوات، لكنهما ما زالا قريبين جدًّا. ولما اقترب أحدهما من الآخر، بدا كأنهما حريصان جدًّا على إضاءة مصباح والحديث طوال الليل.

 

لكن تاليس وزايين وحدهما، وهما يتعانقان ووجه كل منهما مضغوط على انحناءة عنق الآخر، كانا يعلمان مدى صدق مشاعرهما.

 

«كنتُ أعلم أن الشماليين لا يستطيعون فعل شيء لك»، همس زايين في أذنه بخفة، وكانت نبرته غريبة جدًّا.

 

وأجاب تاليس ببطء، ونبرته عميقة بالقدر نفسه: «نعم، كما هي حال عشيرة الدم».

 

وفي زاوية لا يستطيع الآخرون رؤيتها، أدار الاثنان رأسيهما، وعلى مسافة كاد فيها يقبّل أحدهما الآخر، تبادلا نظرة جانبية.

 

وكانت نظرة زايين باردة كالشتاء.

 

وكانت عينا تاليس حادتين، فاخترقتا قلبه.

 

«مرحبًا بعودتك»، همس الدوق زايين كوفينديير من الساحل الجنوبي بخفة. «النجمة التساعية».

 

«شكرًا لك على انتظارك الطويل لي». وابتسم تاليس جايدستار، دوق بحيرة النجوم، ابتسامة خفيفة باردة. «زهور السوسن».

 

وفي الثانية التالية، أفلت الرجلان، اللذان لعبا دورًا حاسمًا في البلاد، أحدهما الآخر، كما تفارق اليعاسيب الماء فور أن تلمسه. وعادت إلى وجهيهما ابتسامتاهما الكاملتان الدافئتان.

 

و أظهرا ما هو أجدر ما يكون بأن يكون فخر المملكة كلها في هذا العصر: الوحدة والانسجام.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.