الفصل 535: نجم الشمال
حين يلتقي الأعداء، يبدو الأمر كأن نسيم الربيع قد غمرهم.
وحين يجتمع الأصدقاء المقربون من جديد، تتقد عيونهم بالكراهية.
وفي أثناء إقامته في مدينة سحاب التنين تحت سقف غيره، حلم تاليس بالعودة إلى الكوكبة مرات لا تحصى. لكن إن كان هناك ما يطفئ شوقه إلى الوطن، فلعل ابتسامة زايين كوفينديير، دوق زهور السوسن، الرشيقة الكاملة واحدة منها.
ولن ينسى الأمير تاليس أبدًا لقاءاته الغريبة في الكوكبة حين توجه شمالًا في مهمة دبلوماسية قبل ست سنوات، سواء أكان ذلك الفم الدامي والحدقتين الشريرتين والصرخات المروعة لساحرة مصاصة دماء كالمومياء، أم سحقه تحت ثقل وحش أبيض خالص مصاص للدماء بلا أطراف وعضّه في عنقه.
وقد كانت الحادثتان المذكورتان خاتمة مفاجئة لمعظم كوابيسه خلال السنوات الست الماضية، ولا يتفوق عليهما إلا غيزا، الزعيم السري الذي يظهر أحيانًا في الكوابيس القصوى. وقد شجعته هذه الكوابيس، من غير قصد، على النوم والاستيقاظ مبكرًا وعلى البقاء متفائلًا.
وفي كل مرة تصل أفكاره إلى هذه النقطة، يحس تاليس بألم شبحي في عنقه.
كان يشبه أنه يُخنق، لكنه يشبه أيضًا أنه يُعضّ.
ولهذا لن ينسى تاليس أبدًا الجاني الرئيسي في كل ذلك.
«لم أتوقع أن تأتي يا صديقي الدوق»، قال تاليس مبتسمًا ابتسامة عريضة. ووضع ذراعه اليمنى على ظهر زايين وعلى كتفه الأيمن. وفي عيون الآخرين بدوا كأخوين يتنزهان: «ليس مبكرًا هكذا على الأقل».
وردّ زايين بابتسامة دافئة مماثلة، ولف ذراعه اليسرى حول عنق تاليس، كأنه يعانق أخاه، بطبيعية وحنان.
«اشتقتُ إليك كثيرًا في الأشهر الماضية يا صاحب السمو. لم أطق صبرًا حتى أراك يا صديقي الأمير»، وبدا صوت زايين كما كان من قبل، لطيفًا أنيقًا ودودًا سهلًا.
بل يمكن القول إنه بدا أفضل.
اشتقتُ إليك كثيرًا…
وانفرج وجه تاليس عن ابتسامة عريضة.
«إذن ما الأمر هذه المرة؟»
وارتدى تاليس الشخصية التي اكتسبها من خبرته في مبيعات الحبل السريع، بابتسامة دافئة ونبرة حماسية، وسأل بصوت خافت: «تسميم؟ اغتيال؟ اتهامات باطلة؟ شائعات كاذبة؟ تلفيق؟»
وتكلم تاليس بهمس شديد حتى إن غلوفر ودويل وآشفورد، خادم زايين العجوز، الذين كانوا خلفهما مباشرة، لم يستطيعوا تمييز كلمة مما قال.
وانحنى أقرب إلى زايين: «أم تقتبس صفحة من كتاب الشماليين، وتشمّر عن ساعديك وتقضي عليّ؟»
وانفجر زايين ضاحكًا أمام الجميع.
ووقف الحراس والخدم في الأطراف يحرسون. وأومأ الضيوف المنتظرون للدخول بارتياح حين شهدوا هذا المشهد المنسجم.
وناقش كثيرون المشهد ضمنيًّا. فمن الواضح أن دوق الساحل الجنوبي استمتع بنكتة الأمير. والنادر أن الدوق أظهر مشاعره الحقيقية ولم يتصنع.
وكان الأمير صادقًا بلا تكلف أيضًا.
انظروا، إن العظماء بشر أيضًا. يعيشون حياتنا نفسها، ولهم أفراح مماثلة، ويواجهون مشكلات مماثلة. وإن لم تصدقوني، فانظروا إلى تلك الابتسامات الودودة. فبماذا تختلف عن ابتسامتي وابتسامتكم؟
وهذا يخبركم أن الفارق بيننا وبين الأمير والدوق ليس إلا في المنصب، فلا أحد أفضل من الآخر. وكل واحد عضو مهم في المملكة، يسعى إلى مستقبل الكوكبة.
وبما أنهم يبذلون دمهم وعرقهم ودموعهم في قيادة المملكة وحكمها، فعلينا أن نملك الأمل ونضع ثقتنا فيهم.
وحتى حيث يقصرون عن الكمال، علينا أن نتعاطف ونتسامح ونصبر.
هذا هو الطريق الصحيح إلى الحب… يا سيد، أرجوك كف عن مزاحمتي، لا مكان هنا بعد الآن، لا شأن لي إن لم تستطع أن ترى جيدًا! جئتُ اليوم لألمح سموه والدوق! انظروا، إنهما يغادران، أسرعوا! أنت يا من في الأمام، دعني أمر! أنت تحجب رؤيتي! الأمير تاليس! الدوق زايين! تمهلا!
«تاليس! أنت…» وتجاهل زايين الضجة الصغيرة خارج المكان. ومع بقاء ذراعه حول كتف الأمير، هزّ الأخير بحنان ومال نحو أذنه: «أتعلم، ظللتُ أفكر خلال السنوات الست الماضية…»
وهمس بخفة، كأنه يأمل أن ينقل رسالة خفية: «إن عدتَ بالمجد إلى استقبال الأبطال، فكيف ستكون علاقتنا؟»
وكان في كلامه معنى مضمر.
كيف ستكون علاقتنا؟
وزفر تاليس زفرة لا تُسمع. وعلى نحو غير مفهوم، ومضت في ذهنه ذكرى حين أقسم الملك نوفين أن ينتقم لموت ابنه بمبارزة.
«ينبغي أن يحترم أحدنا الآخر، ونعيش ونترك غيرنا يعيش…»
وواصلا المشي بثبات.
لكن في لحظة، صارت نبرة زايين الدافئة اللطيفة باردة: «أم نتشابك في الكراهية ونتمسك بها حتى الموت؟»
وتعثرت خطوات تاليس قليلًا.
وأبطأ زايين تبعًا لذلك.
وبدت كلمات زايين كطلب هدنة.
لكن…
وأدار تاليس رأسه ببطء. وحافظ على ابتسامته، لكن نظرته صارت باردة.
«لا تقلق»، وربّت زايين على كتف تاليس بودّ، كأخ يشجع أخاه. فشعر التابعون والحراس الذين شهدوا هذا المشهد بالارتياح.
«سيكون لديك وقت لتفكر. وما ينبغي أن تقلق منه اليوم… ليس أنا».
ولم يستطع أحد أن يرى ذلك، لكن ابتسامة زايين كانت مكبوحة قليلًا.
على الأقل، لستُ وحدي.
وصمت تاليس.
لكن في اللحظة التالية، انفجر صاحب السمو الأمير ضاحكًا بحركة طفيفة من حاجبيه!
وخفض زايين رأسه وبدأ يبتسم ابتسامة ساخرة.
وعادت خطواتهما إلى إيقاعها المعتاد.
وفي عيون المشاهدين، صارت النكات بين دوق الساحل الجنوبي ودوق بحيرة النجوم أكثر استرخاءً فأكثر، وجرى الحديث بسلاسة، ألا ترونهما يضحكان من القلب؟
وعبس مالوس، الذي كان يتقدمهما، من الانزعاج.
أما آشفورد، الخادم الذي خلفهما، فلم يغير تعبيره.
وأشار الحارس الأعلى إلى تاليس بأنه يستطيع أن يتولى قيادة الدوق إلى قاعة المأدبة. لكن الأمير المبتهج لوّح بيده وأصر على مرافقة الدوق إلى النهاية.
ولاحظ الضيوف في الجانب الآخر ذلك فتأثروا بصداقتهما وعلاقتهما.
«أتعلم، كان هناك وقت لم أفهم فيه لماذا أردتَ موتي، حتى حين لم يبقَ أي خلاف بيننا»، وكفّ تاليس ضحكته تدريجيًّا. وربّت على ظهر زايين بقوة وبدأ يهمس: «لكنني فهمتُ في النهاية».
وهزت الضربة دوق زهور السوسن، لكنه حافظ على ابتسامته.
وأسند تاليس نفسه إلى كتف زايين وغمز بمكر: «ما قولك؟»
فهمتَ؟
وفي تلك اللحظة، قطع زايين خطوته.
وخفض الدوق رأسه قليلًا، كأنه يفكر في شيء.
وأبطأ تاليس مراعاةً وانتظر رد زايين مبتسمًا.
«نصيحة صغيرة يا صاحب السمو». وبعد بضع ثوانٍ، رفع زايين رأسه، دون أن يتغير تعبيره، وقال بحركة طفيفة من شفتيه: «اعتنِ بنفسك أيها الفتى. ولا تتدخل في شؤون الآخرين».
ومع أنه كان يبتسم، وصلت برودة نبرة زايين إلى أذني تاليس بفعالية وأرسلت قشعريرة في ظهره.
واكتفى زايين بنظرة إلى تاليس، لكنها بدت كوميض بارد: «لا تطلب المشكلات بنفسك. ستندم».
وتخطى قلب تاليس نبضة.
وصمت دوق بحيرة النجوم.
وفي اللحظة التالية، دخلا قاعة المأدبة.
وكان كثير من الضيوف الذين وصلوا مبكرًا قد جلسوا فعلًا. ينتظرون برشاقة وصبر، ويحيّي بعضهم بعضًا أحيانًا. وكان نفر غير قليل منهم يقفون في مجموعات صغيرة يتحدثون بمرح وأدب.
وجذب وصول دوق الساحل الجنوبي ودوق بحيرة النجوم انتباه الجميع بلا شك. فانحنى الضيوف الأقرب إليهما احترامًا، وتوقف الجمع الأبعد عن حديثه. وربما لأن الضيوف لم يتوقعوا أن يكون دخول كبار الشخصيات بهذه السرعة، فبعد بضع ثوانٍ اندلعت في قاعة المأدبة موجة تهليل صغيرة.
ونهض الضيوف الأكثر امتيازًا، آل دويل الساحرون دائمًا، والفيكونت لوزانو غلوفر، وإلينور بارني التي كانت مع ابنها (وحين لمح الجمع شارة النجمة التساعية على ذراع الدوق الشاب، بدأت مجموعة من السيدات يتجمعن حول السيدة بارني)، وانحنوا احترامًا.
وسخن الجو في لحظة.
وخفف زايين وتاليس قبضتيهما أحدهما عن الآخر بطبيعية، وانحنيا للضيوف ردًّا على تحيتهم في تفاهم ضمني، وأجابا أحيانًا عن تحياتهم.
وعلى خلاف الجمع المختلط في المؤتمر الوطني قبل ست سنوات، لم تُوجه الدعوة إلى حضور مأدبة يوم المطاردة المقدسة واحتفال عودة الأمير إلا للصفوة. وحتى الضيوف في الأطراف كانوا ودودين، حسني التصرف، قادرين على الاعتماد على أنفسهم. وأدى التابعون والحراس واجبهم بإخلاص، فأفسحوا الطريق وراقبوا الدوق والأمير وهما يمران دون أن يقاطعوا حديثهما.
لكن تاليس كان أعلم من ذلك.
ففي هذه اللحظة من الحماسة والانسجام، حيث تفاعل المضيفون والضيوف بود وقدموا جبهة موحدة، كان الموقف المتواجه الكامن بين زايين وبينه قد بلغ ذروة الحمى.
وسار الشاب بخطوات أقصر لكنها أسرع.
وسار زايين بخطوات أطول لكنها أبطأ.
وسارا جنبًا إلى جنب، كل منهما يعدّل خطاه بحسب خطا الآخر من حين إلى آخر. لكن على نحو غير مفهوم، لم تنسجم خطواتهما قط انسجامًا كاملًا.
لكن في تلك اللحظة، ابتسم تاليس من أعماق قلبه.
«هل يعلم زايين؟»
وتأمل تاليس بصمت.
الدوق زايين كوفينديير، عضو عائلة زهور السوسن المرموقة وحاكم الساحل الجنوبي.
تهديده و تحذيره ونبرته الملحة…
ومقارنةً بأولئك…
ومرت في ذهن تاليس سلسلة من الوجوه…
الملك نوفين وهو يداعب خاتمه، والملك تشابمان وهو يمسح سيفه بخفة، وستيك الماكر الشرير، وريكي المرعب الغريب، والجناح الأسطوري و جماجمه الزخرفية، ودوق الصحراء الغربية وهو يسخر…
ومقارنةً بهم…
وابتسم الشاب في داخله.
وهدأت الإثارة التي سببها دخول الاثنين إلى قاعة المأدبة تدريجيًّا، وتفرق الضيوف وعادوا إلى مجموعاتهم الصغيرة.
وفي الثانية التالية، خفف تاليس ابتسامته، وأنزل يد التحية، وأمسك كتف زايين بلا تكلف.
«أتعلم، كنتُ أتلقى دروس الرياضيات من العالم خوليو مؤخرًا. ولهذا أشعر بالفضول». وبدا كأن الأمير تذكر طرفة طريفة. فانحنى وهمس للدوق، وبالكاد تحركت شفتاه وهو يتكلم من بين أسنانه: «أشعر بالفضول. قبل ست سنوات حين ذهبتُ إلى الشمال ووقعتُ في بعض المتاعب، ونقلتَ تلك الدوقيات وخامات قطرة الكريستال إلى العائلة المالكة مقابل عفو أبي… كم من الدخل خسرتَ سنويًّا؟» وسكت صوته.
واضطرب إيقاع نفس زايين قليلًا.
الدوقيات.
و خامات قطرة الكريستال.
والدخل…
وانقبضت عضلات ذراع زايين قليلًا.
«آه، هذا الأمر». وابتسم والتفت نحو تاليس: «ظننتُ أننا فرغنا منه…»
لكن الأمير رد بابتسامة أكبر: «هل تعلم كيف نجوتُ في هذه السنوات الست في الشمال العنيف الخطر؟»
وفي تلك اللحظة، أحسّ سيد بيت كوفينديير بكتفيه تتشنجان.
«تغيّرت الأزمنة يا زايين». وقرّب تاليس شفتيه من أذن زايين وابتسم بخبث: «لا تطلب المشكلات بنفسك. ستندم».
وثبّت زايين نظره على تاليس، وبدأ تعبيره يتصلب.
وفي عيون كثيرين، كان الأمير تاليس مبتهجًا ويواصل الكلام في أذن الدوق كوفينديير، فيما كان الأخير يصغي بصبر وتساهل إلى ما يقوله الشاب دون أثر من الانزعاج، فضلًا عن البرود.
كأخوين متقاربين.
وبعث هذا المشهد راحة في نفوس من شهدوه، فابتسموا.
وبما أن الأمير والدوق، أحدهما نقي مفعم بالحيوية والبهجة والآخر مهذب حكيم لطيف صادق، كانا ينشران أجواءً ودية متلهفة، فقد أثّر ذلك بطبيعة الحال في الضيوف في الأطراف وتردد صداه فيهم.
و«الكراهية» لن تُجمع قط مع هذين الزعيمين، فقد كانا نموذج وحدة النبلاء.
وهكذا تحولت قاعة المأدبة إلى بحر من الفرح: فأعداء الماضي الألداء لم يعودوا موجودين، وحلّت الابتسامات محل كراهيتهم وهم يتعانقون ويسامحون بعضهم كالإخوة، والغرباء الذين لا تتقاطع طرقهم عادة تحدثوا كأنهم أصدقاء قدامى، ولم يتوقفوا إلا ليتنهدوا أنهم لم يتعارفوا من قبل.
وفي هذه اللحظة في قاعة ميندس، كانت الروح الفريدة وروح العصر داخل البلاط الملكي للكوكبة وخارجه، وفي الطبقة الأرستقراطية كلها، في كامل عرضها، التضامن والمعنويات العالية.
وتوقف تاليس وزايين أخيرًا عن المشي.
وظلا يحدقان أحدهما في الآخر وعلى كل منهما ابتسامة، كأن كل ما لم يُقل مفهوم تمامًا.
وكان على مالوس، الواقف أمامهما، أن يرفع صوته ليذكّر الاثنين المنهمكين في التحديق أحدهما في الآخر بأن الضيف قد وصل، وأن على سموه أن يعود إلى الخارج لاستقبال بقية الضيوف.
وأخيرًا، مدّ زايين يده وأمسك تاليس من كتفيه مبتسمًا، وقال بنبرة ألين: «فهمتُ يا صاحب السمو. اطمئن».
وخفض زايين رأسه وابتسم: «ما دامت الكوكبة قائمة، ستدوم الإمبراطورية إلى الأبد».
ورفع تاليس حاجبيه.
ثم انفرجت أسارير وجهه وبادر إلى عناق زايين بشدة!
«حسنًا. فلنمت إذن من أجل الأصدقاء…»
وتصلب تعبير زايين، وأحسّ بالقبضة على خصره تشتد تدريجيًّا.
ودفن تاليس رأسه في صدر الدوق، وبعيدًا عن أنظار الجمهور، واصل ببرود: «…ولا نهلك أعداءً».
وبعد ثانية، تركه الأمير وعاد إلى تاليس السعيد الصادق، وراح يضحك.
وضحك زايين معه حين رأى ذلك.
وبالتنسيق مع الأمير والدوق، رفع النبلاء المهذبون المحيطون بهما، وهم يراقبانهما سرًّا، أصواتهم حتى لا تبرز الضحكات نشازًا.
وبدا تاليس سعيدًا حقًّا؛ فكان يقهقه وهو يودع زايين ويبتعد. ومشى بسرعة بين غلوفر ودويل، اللذين كان الأخير يراقب الأمير بنظرة غريبة.
وحين لم ينظر أحد، أرخى الشاب عضلات وجهه التي تخدرت من كثرة الابتسام.
وتنهد في أعماقه تنهيدة ارتياح طويلة.
وكان الأمر غريبًا.
فبينما أحسّ بنظرة زايين النافذة من خلفه، تأمل تاليس المتعب بهدوء في نفسه: «زايين كوفينديير».
فهو من أكثر أعدائه إزعاجًا، وما زال ماكرًا حذرًا منفّرًا كما كان.
لكن في ذاكرته لم يبدُ دوق زهور السوسن قط بهذه… المبادرة؟
وكان تاليس غارقًا في التفكير وهو يمشي نحو مدخل قاعة المأدبة برفقة حراسه. وكان مستعدًّا للعودة إلى مكانه عند المدخل ليواصل أداء واجبه في استقبال الضيوف.
لكن قبل أن يتم فكرته…
وقعت الحادثة.
فحين مرّ بمجموعة من الضيوف الأجانب، ظهرت فجأة هيئة طويلة مفتولة العضلات، أضخم من غلوفر بكثير!
وبدت على الرجل هالة مهددة وهو يقتحم المشهد.
وفي لحظة، تغيّر تعبير غلوفر ودويل.
لكن الحارسين كانا مدربين جيدًا: فجثيا فورًا ووضعا يديهما على سيفيهما. وكان عليهما أن يكونا مستعدين لسحب سيفيهما والقضاء على التهديد قبل أن يقترب القاتل.
وكان هذا قبل أن يمد مالوس ذراعيه القويتين ويمسك كتفي غلوفر ودويل.
ومنعت حركة مالوس إحراج مذبحة علنية في اليوم الذي يقدم فيه أمير الكوكبة نفسه للمرة الأولى.
«حافظا على هدوئكما»، أمر مالوس بصوت منخفض.
وفي تلك اللحظة، دوى في قاعة المأدبة صوت خشن فظ بنبرة مألوفة لتاليس: «انظروا من هنا!»
ووقف الضيف المفتول العضلات أمام تاليس وانفجر ضاحكًا.
وذُهل غلوفر ودويل القلقان. فالتفتا إلى مالوس الذي منعهما من التصرف. وعندئذ فقط لاحظا أن الرجل المفتول، رغم حجمه المهيب، غير مسلح ويقف على مسافة آمنة.
لقد بالغا في رد الفعل.
أما تاليس فذُهل لدى رؤية الغريب أمامه. كانت للرجل لحية ضخمة كجسده، وثيابه سميكة لكنها ريفية بعض الشيء. وبدا كدب كبير.
«صديق قديم لشعب إكستيدت، الأمير تاليس…!»
وفتح صاحب اللحية ذراعيه المفتولتين على اتساعهما وزمجر بمرح: «نجم الشمال!»
وذُهل تاليس.
لحظة…
النجم ماذا؟
والتفت في حيرة ونظر إلى الضيوف حوله. فالجمع المتفرج، الذي كان فضوليًّا في البداية، أشاح بنظره ليتفادى نظرته.
لكن هذا لم يمنع تاليس من أن يتعرف على لكنة صاحب اللحية المألوفة.
فهو من…
«انظروا إلى هذا!» وأطلق صاحب اللحية ضحكة فظة رجولية، ثم زمجر: «أمير ترعرع على لبننا نحن الشماليين، حقًّا أمر لافت!»
وحار تاليس من جديد.
أي… أي لبن؟
«عفوًا؟» واستطاع الأمير أخيرًا أن يجمع نفسه وأجاب بأدب: «في الواقع حين… حين وصلتُ إلى مدينة سحاب التنين، كنتُ قد…»
وواصل تاليس في ذهنه بحرج: «…فُطمت».
لحظة، في هذا العالم، حين كان طفلًا، هل شرب… لبنًا أصلًا؟
لكن ما قابله كان جولة أخرى من الضحك الفظ.
«أنا جورج، بلا لقب عائلة».
وضرب الشمالي الذي سمّى نفسه جورج صدره؛ وكان صوته يشبه قرع الطبول حتى إنه أفزع عدة نبلاء من الكوكبة قريبين منه، فابتعدوا بلا وعي.
«أنا مدير أرسله الدوق الأكبر غادرو. وأحمل معي كرم مدينة إيلافور وتمنياتها الطيبة!»
وتغيّر تعبير تاليس.
الدوق الأكبر غادرو.
مدينة إيلافور؟
وعادت إليه جغرافيا الشمال التي كانت مألوفة له ذات يوم.
ففي أقاليم إكستيدت الرئيسية العشرة، إن كانت أبعد منطقة نحو الغرب مدينة الصلوات البعيدة، فأبعد منطقة نحو الشرق هي مدينة إيلافور.
وفي الحقيقة، كانت ضيعة عائلة غادرو في مدينة إيلافور تقع في منطقة نائية، لكن تحميها الجبال والجروف، وتجاور الجليد والبحر. وفي ظرف تندر فيه الموانئ الجيدة وتقسو فيه الأحوال قرب الساحل، حرست العائلة بمشقة الساحل الضيق الشحيح في إمبراطورية إكستيدت كلها.
ففي الشمال، يستطيعون إرسال تعزيزات إلى منطقة الحراسة وبحر الجليد لصد أورك الجليد.
وفي الجنوب، كان أسطول مدينة إيلافور يستطيع أن يدعم برج الإصلاح ومنطقة الرمال السوداء ليسيطر عن بعد على موانئ بحر الشرق في الكوكبة.
وفي الشرق، قاتل أتباع عائلة غادرو قراصنة كاسيا، المعروفين بـ«أبناء العذارى»، الذين يجوبون الجزر، ليحموا الطرق البحرية.
وفي أقسى الأوقات، اضطروا حتى إلى إطلاق أول نفير في حرب شبه الجزيرة حين واجهوا تهديدات من وراء محيط الإبادة.
وقبل ست سنوات، لم يلبِّ الدوق الأكبر غادرو دعوة الملك نوفين لزيارة مدينة سحاب التنين ليشهد الليلة التي هزّت شبه الجزيرة الغربية.
لكن تاليس تذكر ما وصفه به الكونت ليسبان: «صاحب الذقن الوقورة».
لكن…
ونظر تاليس بتأمل إلى جورج الشمالي المألوف الغريب.
«هل جاء ليحضر… مأدبة احتفالي؟»
«شرف عظيم أن ألقاك. حتى القمر يتأثر!» وأطلق جورج حزمة من قواعد اللغة الخالية من المعنى، لكنه ضحك من القلب وهو يمد ذراعيه إلى تاليس: «يا نجمي الشمالي!»
وعبس تاليس: «الن… نجم الشمال؟» وكرر في حيرة.
«أي صيغة مخاطبة هذه؟»
«نعم بالفعل!» وكانت كل كلمة من جورج تهز الأرض تحت أقدامهم: «مكثتَ في مدينة سحاب التنين ست سنوات طويلة، يا من أنت من عائلة النجوم اليشمية!»
وصفّق بيديه بقوة، متجاهلًا نظرات الازدراء التي رمقه بها غلوفر ودويل.
«ولذلك حين عدتَ، سماك الجميع نجم الشمال… لأنك الأشجع، من نجا في الشمال أطول مدة…» وكان تعبير جورج متحمسًا، وصوته يهز السقف: «ملك الكوكبة!»
وفي تلك اللحظة، سكتت قاعة المأدبة كلها.
وحوّل الجميع انتباههم و حدقوا في هذه الزاوية.
ثانية. ثانيتان.
ولاحظ جورج الصمت المفاجئ فذُهل لحظة.
وفحص ما حوله بحذر.
وأخذ المدير القادم من مدينة إيلافور نفسًا عميقًا قبل أن يعيد نظره إلى الأمير الحزين المظهر، الذي تصلب وجهه.
وبدا أنه أحسّ بشيء.
«آه، ما قصدتُه هو…» وفتح جورج فمه وحكّ بطنه البارز بخرق، كدب كبير في الحمام. ثم رفع كتفيه وقال بحرج وهو يضحك ضحكة خفيفة: «الملك المنتظر…؟»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.