الفصل 539: قصة جانبية 7: المجلس المشترك
في الصباح الباكر.
في قاعة محاضرات معتمة خالية، جثا متدرب شاب بجانب المنصة، وأبرز مؤخرته ومدّ يدًا محاولًا الوصول إلى قاعدتها.
من الذي ابتكر هذا التصميم؟
وبلغ جهد المتدرب في الوصول حدًّا جعل وجهه يحمرّ.
أحجار نسخ الصوت تُركَّب في حجرة مخفية في المنصة؟
إنه حقًّا مشهد يسرّ العين، لكنه يصعّب الأمور على مساعدي التدريس أمثاله المسؤولين عن صيانة الصفوف.
وأخيرًا، بنقرة خفيفة، نجح في إخراج آخر حجر من أحجار نسخ الصوت الثمينة.
وانحنى المتدرب إلى الخلف وجلس على الأرض يلهث وهو ينظر إلى حجر نسخ الصوت في يده. كان أملس مصقولًا من كثرة الاستعمال. وزفر زفرة ارتياح.
لحسن الحظ، هذه القطعة لم تتضرر.
ينبغي أن تكفي عشر… أمم، لعلها خمس محاضرات أخرى.
ولف المتدرب حجر نسخ الصوت بعناية، ثم التقط قلم فحم وخط على تعويذة نسخ الصوت الباهتة قليلًا أمام المنصة.
وكانت حركاته بارعة معتادة؛ وبدا جادًّا مركزًا. وظهرت التعويذة المعقدة المتنوعة بلا جهد تحت يده.
وانتهز الفرصة فصحح بضعة أخطاء في تصميم تعويذة الحاجز لتعمل بسلاسة أكبر، وربما أطالت حتى عمر حجر نسخ الصوت.
وبالطبع، مع أنه كان راضيًا عن نفسه، رأى المتدرب أن من الأفضل ألّا يُكتشف هذا الفعل، وإلا واجه تحقيقًا آخر من لجنة أخلاقيات السحر.
ولما فكر في ذلك، زال التعبير الراضي عن وجهه فورًا.
وبعد أن أنهى الخط الأخير، نهض المتدرب وظهره يؤلمه ونظر نحو مقعده: كان هناك كومتان من رقّ المخطوطات، وثلاثة أكياس من أوراق الاختبار، وصندوق أدوات مخصص لمساعدي التدريس.
وتنهد المتدرب.
محاضرة السيد دونوفان بعد ظهر اليوم.
وكان عليه أن يجهز بسرعة المستلزمات، من قائمة الأسماء وبطاقات الأسماء وقلم التسجيل ومشغل الوسائط والنماذج وكتيب الضيوف المقابل…
لماذا يتطلب موضوع ممل كهذا كل هذه المحاضرات؟
آه، إن اتفاقية كل السحر في تراجع، فكّر المتدرب بقلق وهو يمشي إلى الجانب الآخر من قاعة المحاضرات وينظر إلى التقويم على الجدار.
[29 أكتوبر، السنة 839 للإمبراطورية، السبت]
[يوم راحة]
[في عصر الملوك المتعددين، السنة 314، وُلد في هذا اليوم ساحر برج الزهد مدى الحياة، الحرفي والشاعر والمؤرخ والمبارز ومؤلف «سيرة ملك الدم الحديدي»، جيريكو ليون ميندس.]
[المهم ليس الاختيار نفسه بل فعل الاختيار—ج. ل. ميندس]
وفي التقويم، وقفت صورة الساحر ميندس المرسومة على قمة الجبال تحدق بعمق في الشروق البعيد، وتبدو منزعجة.
مرت ثلاث سنوات.
وتنهد المتدرب تنهيدة طويلة، ثم مزق بلا رحمة صفحة الأمس مع الساحر ميندس الوطني وكوّرها.
كاشفًا عن «اليوم».
[30 أكتوبر، السنة 839 للإمبراطورية، الأحد]
[عطلة يوم المطاردة المقدسة]
[في عصر الملوك المتعددين، السنة 58، توفي في هذا اليوم الاستراتيجي العسكري وقائد حملة طرد القداسة، الملك أنزاك.]
[أيها الرفاق، نترك حياتنا في هذه اللحظة لنحفظ الأمل للغد—الملك أنزاك]
وفي التقويم ظهر ظهر فارس مدرع بالكامل، يندفع من قمة جبل يكللها الجليد نحو جيش كثيف ضخم.
وبلا تعبير، دسّ المتدرب «الساحر ميندس» في يده، وكوّره أصغر فأصغر.
لماذا تُجدول هذه المحاضرات دائمًا في عطلات نهاية الأسبوع…
وفي هذه اللحظة.
«حقًّا؟» سُمع صوت شاب مشرق لطيف مرح.
وانتفض المتدرب. والتفت ليجد ضيفًا غير متوقع دخل قاعة المحاضرات دون أن يلاحظ.
كان الضيف قد جلس بجانب مقعده وسحب كومة من لفائف الرق من كيس مساعد التدريس خاصته، وراح يقلّبها ويقرأ باهتمام كبير.
«”تفسير مشترك لنظرية الأصل ومفهوم النظام الأعلى والسحر التحولي وتعويذات استدعاء الأرواح: أدلة جديدة من ساحات المعارك في ما قبل التاريخ بالأرض الشمالية”؟»
ولم يكد المتدرب يسمع النصف الأول من الجملة حتى صُعق!
يا حاكمي، هذا…
واندفع نحو الضيف كالمجنون، لكنه تعثر في الدرجات في الطريق وسقط على وجهه.
وظل الضيف يقرأ اللفافة في يده باهتمام، وهو يبدو مسترخيًا.
وتجاهل المتدرب الشاب الألم في كفيه، ونهض بسرعة واندفع نحو الضيف وهو يصر على أسنانه: «هذا… لي!»
ورفع الضيف بصره أخيرًا وابتسم له بلا مبالاة.
كان له شعر طويل ينمو إلى ما بعد أذنيه وبشرة فاتحة؛ وكان وسيمًا جدًّا. وجلسته أنيقة لكنها لافتة.
فتى جميل.
كأنه خرج من لوحة.
وتشبث المتدرب بمقعد قريب وأوقف خطواته بالقوة ليتجنب أن يصطدم بالضيف.
«نعم، لاحظتُ التوقيع. وملاحظة سبب رفض الورقة»، ضحك الفتى الجميل. ورفع اللفافة أمام المتدرب، وفتحها على صفحة من التعليقات المكتوبة بالأحمر: «”تخمين مدلل غير عقلاني وخيالي”».
واحمر وجه المتدرب.
وأحسّ باختناق وهو ينظر إلى ذلك التعليق، وخفت قليلًا نبرته الأولى المحقة: «هذا…» وتردد قليلًا، وتمتم أخيرًا بعناد: «ليس من شأنك».
وابتسم الفتى الجميل بلطف.
ولاحظ المتدرب أن ثيابه تختلف عن الألوان والأنماط الشائعة في البرج. فعلى العكس، كان رداء ساحره فاقع الألوان، حسن التصميم، مصنوعًا من مواد باهظة. وبدا يعكس لمعانًا شبيهًا بالنجوم في ضوء الصباح.
هذا غريب.
من يكون؟
«إذن أنت هو؟» وواصل الضيف تقليب اللفائف في يده: «”الساحر المحتال” من برج القرن الأحمر؟»
وارتبك المتدرب.
فبسبب العمارة الفريدة لبرجه الرئيسي، كان متدربو أبراج السحر الأخرى يسمّون برج الروح مازحين «برج القرن الأحمر».
لكن متدربي برج الروح لا يذكرون هذا الاسم أبدًا. وهذا يعني أن…
لكن المتدرب استعاد رباطة جأشه ولاحظ بسرعة اللقب الآخر.
«م-محتال؟»
ماذا يُفترض أن يعني ذلك؟
وأومأ الفتى الجميل.
«إذن أنت تؤمن»، ورفع الضيف نظره عن اللفائف وأومأ للمتدرب برفق، لطيفًا كنسيم الربيع: «أنه في حملة طرد القداسة قبل أكثر من ألف عام، فتح الملك أنزاك بوابة الجحيم واعتمد على قوة شيطان غامض ليهزم الأورك القدماء؟»
وطرف المتدرب بعينيه. وحدق في مخطوطته هو في يد الضيف وفهم شيئًا.
«الساحر المحتال، حسنًا».
وتنهد المتدرب ورفع سبابته كأنه معتاد على موقف كهذا: «اسمع، أنا لست محتالًا، ولم أقل قط إن الأورك القدماء هُزموا بمساعدة شيطان…»
لكن الضيف قاطعه فورًا: «لكن في بحثك هذا هو التعليق الذي كتبه المراجع».
وفتح اللفافة على صفحة معينة وأراه إياها.
كانت فقرة محاطة بدائرة حمراء، وبجانبها تعليق يقول: «إن كنت تحب الشياطين إلى هذا الحد، فعليك أن تواصل دراستك عند بوابة الجحيم».
وفاته نفس المتدرب؛ واحمر وجهه فورًا.
وبدا عليه أنه أهين، فجاءت نبرته حادة: «هذا… هذا اقتُطع من سياقه!»
ونظر إليه الضيف بابتسامة عريضة، لكنه لم يقل شيئًا.
وهذا زاد المتدرب غضبًا.
وبحركة خاطفة اختطف بحثه، وقلّب صفحاته غريزيًّا وأخرج صفحة مجعدة.
«ترى؟» وأشار بغضب إلى أحد الرسوم المليئة بالتعليقات. وبدا كرسم لهيكل عظمي بشري: «استنادًا إلى أحدث أدلة ساحة المعركة القديمة المستخرجة من تحت قلعة أروند… رفات أكثر من ألف محارب بشري قديم بسمات مميزة لعصر الملوك المتعددين… ومعظم العينات عانت ضربات وإصابات لا تحصى في مواضع عديدة…»
واقترب الضيف ونظر إليه باهتمام.
وأسرع المتدرب في كلامه: «سواء من حيث المدى أو الكمية، فهي تفوق خيالنا بكثير. وبعض الرفات فيها جماجم محطمة إضافة إلى قلوب مخترقة…»
«أظن»، ابتسم الفتى الجميل وشعره الطويل يرفرف: «أن هذا يعني أن الفرسان القدماء في عصر الملوك المتعددين قاتلوا بشجاعة؟ وقاتلوا حتى الموت ضد الأورك؟ وعانوا إصابات بالغة؟»
«لا!» وغضب المتدرب وهو يلوّح باللفافة في يده: «هذا يعني أنهم عانوا إصابات قاتلة أكثر من مرة في حياتهم! أكثر من مرة!» وكرر ليؤكد نقطته.
«لعل القدرات الخارقة للقدماء كانت أقوى؟» وظلت نبرة الفتى الجميل مازحة: «كما أن الأورك القدماء أفضل جسديًّا من الأورك العاديين؟»
وأحسّ المتدرب بالإهانة.
«لا!»
ورفع صوته، وصرّ على أسنانه، ورفع سبابته بحكم العادة وهو يكرر بلا كلل: «لا يستطيع أي إنسان أن يتحمل ضربة قاتلة كهذه، حتى لو كانت واحدة فقط! لا أحد! مهما كانت إرادتك قوية! مستحيل! حتى مع قدرات خارقة أقوى، لا يمكن!»
وفي كل مرة يؤكد فيها، كان الفتى الجميل يبتسم ابتسامة عريضة ويومئ.
كأنه يفهم جيدًا.
«ثم؟»
وأخذ المتدرب نفسًا عميقًا وقلّب إلى الصفحة التالية.
«ثم، بضع قطع من الرفات استخرجتُها بنفسي من الأرض وأذبتُها من حالتها المتجمدة، وأقسم إن اللحم المتبقي على تلك الأشياء كانت فيه علامات حياة. ولولا سرعة ردود فعلي… وقد سردتُ هنا البيانات المحددة عن آلاف الرفات التي كشفها فريق بحثنا…»
لكن المتدرب توقف عن الكلام فجأة.
فالجزء من البحث الذي أشار إليه كان مليئًا بدوائر حمراء، وحالته الأصلية بالكاد يمكن التعرف إليها. وكُتبت تعليقات متنوعة بخطوط مختلفة: «الطريقة الإحصائية المستخدمة بدائية جدًّا»، «هل أُخذ التحيز الانتقائي في الحسبان»، «يوصى باختيار عينة جديدة»، «الاختبارات غير مقنعة»، «الارتباط لا يعني السببية»، وغيرها.
وكان أشدها إساءة: «هل تعلمتَ الرياضيات من مبارز؟»
وبدا الفتى الجميل كأنه يكتم ضحكه.
واحمر وجه المتدرب وهو يدس البحث في الكيس.
«على كل حال، هذا خارج نطاق تفسير “مهارات شحذ الحواف” و”سحر تحصين البنية” و”التقارب مع المواد” من برج الكيمياء، وكذلك “ناي الضوء والظل” و”نظرية الجسد الروحي” من برج الروح، ناهيك عن قدرة خارقة كـ”الإرادة التي تؤثر في الجسد”».
وظل يشرح بجد: «لا أظنك تستطيع أن تجد ذلك حتى في أشد الأماكن تطرفًا كبرج الزهد…»
وأومأ الضيف مشجعًا إياه على المواصلة: «وإذن؟»
وضبط المتدرب نفسه؛ وتألقت عيناه: «في المواد التاريخية المعروفة، ومع أنها نادرة، هناك فعلًا بضعة سجلات تذكر أمورًا مماثلة تتجاهل المبادئ الأساسية وتغير شكل الحياة جذريًّا…»
تتجاهل المبادئ الأساسية، جذريًّا…
«تقصد…» وتمتم الضيف بهدوء: «سجلات طرد الأرواح الدينية… لكنيسة الحاكم المشرق؟»
وتوقف المتدرب.
وضحك الفتى الجميل: «إذن عدنا إلى الشياطين».
وتنحنح المتدرب: «لا، ليس تمامًا، وليس بالضرورة الحاكم المشرق… لكن»، وحاول جاهدًا أن يبرر شيئًا، لكنه استسلم في النهاية وقال بخفوت: «نعم، في معظمها نعم. على الأقل هذا… الدليل الظرفي المحتمل الذي يمكن الرجوع إليه حاليًّا».
وبدا المتدرب محبطًا. وضغط بمرفقه على الأكياس التي فيها الأوراق: «ما أقصده أننا إن كنا مستعدين لترك الأحكام المسبقة وإعادة فحص الكتب الدينية بل والأساطير ذات الصلة، فسيفيدنا ذلك، أعني قد يفيدنا».
وفهم الضيف شيئًا: «إذن يظن المراجعون أنك تدعو إلى نظريات غامضة بل دينية تزعم أن “الشياطين موجودة” وما شابه؟»
وتجهم تعبير المتدرب: «حتى إنهم سخروا وسألوني هل ذهبتُ إلى موعظة عند بوابة الجحيم مرة أخرى».
وحدق بتعاسة في البحث المجعد في الكيس.
رحماك يا حاكمي، لقد ذهب إلى بوابة الجحيم مرة واحدة فقط، حسنًا؟
وحتى حينها، خُدع ليدخل!
فتلك الأخت الكبرى التي كانت تعظ بدت مثقفة جدًّا، ناضجة جدًّا، جميلة جدًّا…
ومن كان يدري أنها تحب…
وهز المتدرب رأسه ليطرد الذكريات غير السارة.
فلما شمّ رائحة الدم النتنة من القرابين البشرية، غادر فورًا، حسنًا؟
«عنوانك، فهمته الآن»، قال الضيف فجأة.
ورفع المتدرب بصره: «ماذا؟»
ولمس الفتى الجميل ذقنه برفق: «سحر تحولي يسري على مستوى الأصل… واستخدام فرضية النظام الأعلى المعاصرة لتفسير تعويذات استدعاء الأرواح القديمة التي احتُقرت طويلًا…»
واستخدم الضيف مصطلحات البحث ببراعة: «إنك تحاول أن تبني خط استدلال يقبله السحرة، يفسر الظواهر الغامضة غير المفهومة من منظور السحر الحديث».
ورفع الفتى الجميل بصره: «لتحاول أن تجتاز المراجعة؟ وتتقدم بطلب تمويل لمزيد من البحث؟»
وسخر المتدرب وبدا أنه يستسلم قليلًا: «ومع ذلك لم يجتز المراجعة، أليس كذلك؟ وانتهت التنقيبات الأثرية الآن. انتهى كل شيء».
وساد الصمت قاعة المحاضرات الكبيرة مدة؛ وكان الاثنان يفصلهما مقعد، صامتين.
وبعد بضع ثوانٍ، وعلى غير ما توقع المتدرب قليلًا، لم يواسه الضيف ولم يسخر منه، وكانت هذه أفضل معاملة تلقاها منذ أكثر من شهر.
«الفن الحاكمي»، قال الفتى الجميل وقد استدار وسأل بجدية ووقار: «لماذا لا يكون الفن الحاكمي؟»
وذُهل المتدرب: «ماذا؟»
وخفض الفتى الجميل رأسه، وفي عينيه شرارة تومض: «تتجاهل المبادئ الأساسية وتغير شكل الحياة جذريًّا. ففي سجلات دينية وأساطير لا تحصى، أظهرت المعجزات والفن الحاكمي آثارًا متطابقة، أليس كذلك؟»
وتوقف الفتى الجميل عند كل عبارة: «يحيي الموتى، ويكسو العظم لحمًا، ويرمم الجسد، لقضية حاكمية».
وصمت المتدرب مدة قبل أن يتلعثم: «بحثي… هذا ليس محور بحثي الرئيسي. أنا لست من أتباع الحاكم المشرق، ولا… محتال».
وكان منزعجًا بوضوح.
لكن الفتى الجميل نظر إليه طويلًا، ثم ابتسم: «في الحقيقة فكرتَ في ذلك من قبل، أليس كذلك؟»
وكان في كلمات الفتى الجميل قوة ساحرة: «وهناك في الحقيقة سجلات معجزات وفن حاكمي أكثر، وأكثر تفصيلًا حتى،
«لكنك لم تضعها».
وارتجف المتدرب قليلًا.
وبعد وقت طويل، زفر المتدرب وربّت على بحثه: «حتى وأنا أكتبه هكذا، أُعدّ محتالًا فعلًا…»
وبدا أنه استسلم للقدر: «ما زلتُ أريد أن أكسب عيشي».
وصمت الضيف.
«ظننتُ برج الروح تقدميًّا»، قال الفتى الجميل بخفة: «هنا، لكل إنسان “روح مستقلة حرة” ويستحقها».
وسخر المتدرب باستخفاف: «مهما كانت مستقلة، فهم بشر». وأسند ظهره في مقعده ونظر إلى السقف، ونبرته مخيبة الأمل بما لا يُطاق: «ومهما كانت حرة، فهم سحرة. وبالفطرة سيرفضون أشياء معينة».
وجعلت هذه الكلمات الفتى الجميل يتأمل.
«لا يؤمنون بأن وراء طريقهم طرقًا أخرى يمكن عدّها “عقلانية”، ويرفضونها جملةً بوصفها “حماقة”، استنادًا إلى معايير السحر».
وكان المتدرب منهمكًا في الموضوع: «ويؤمنون بأنه حتى لو كان يمكن التشكيك فيها وإثبات بطلانها وتفنيد حججها القائمة، فيجب أن يتم ذلك بأساليبهم هم فقط، وإلا فهو مجرد كلام حمقى، غير عقلاني».
«ويؤمنون بأن كل شيء في العالم يجب أن يُفسَّر وفق مبادئهم المنطقية المعترف بها ليكون معقولًا».
«لأن السحر متقدم، والسحر هو الحقيقة».
وتنهد المتدرب: «نحن السحرة “متقدمون” إلى حد»، وكان بلا حماسة: «أننا لا نستطيع أن نكون أكثر “تقدمًا”».
وصمت من الإحباط.
«الأمر أوسع من ذلك».
وحار المتدرب.
وأمرّ الفتى الجميل أصابعه في شعره: «نطاق شكواك أوسع من اللازم، لكنه لا صلة له بمفاهيم السحر».
«الأمر يتعلق بالسحرة فحسب، بالبشر فحسب».
وذُهل المتدرب: «لا أفهم؟»
وضحك الفتى الجميل بلا اكتراث وهزّ المتدرب: «سبب رفض بحثك هو… السياسة».
وتغيّر تعبير المتدرب: «عفوًا؟»
وتجاهل الفتى الجميل اللياقة، ونكز جبهة المتدرب برفق: «بالدقة، الأمر يتعلق بحق الكلام والهيمنة والمصالح المكتسبة في البحث السحري، وسياسة الأفراد والبنية في أبراج السحر».
وحدّق فيه المتدرب مذهولًا.
ماذا… ماذا يعني هذا؟
وسحب الفتى الجميل المخطوطة من بينهما: «خصوصًا الحجج من قبيل “ينبغي أن نتبنى موقفًا أكثر تواضعًا ونعيد تقييم الأساطير الدينية”. وسبب رفضهم هذه الحجج هو ما حدث مؤخرًا».
وحار المتدرب.
مؤخرًا؟
وابتسم الفتى الجميل ابتسامة غامضة وهو يقلب البحث: «قبل ثلاثة أشهر، خسر مقعد القوانين المليون أمام أبرشية الأرض الشمالية في مناظرة الحقيقة».
وتغيّر تعبير المتدرب.
فمقعد القوانين المليون يمثل برج الروح. وكان يعلم أنهم لم يحسنوا في المناظرة؛ بل تعرضوا لتعليقات ساخرة من متدربي مقعد القوة بسبب ذلك.
لكن أليس طبيعيًّا أن يكون في المناظرة فوز وخسارة؟
وما علاقة ذلك ببحثه؟
وواصل الفتى الجميل: «ولسوء الحظ، كان بين الحاضرين دوق الأرض الشمالية وحاكم الإقليم، فكان لذلك أثر عميق وعواقب وخيمة».
وابتسم الفتى الجميل ابتسامة عريضة: «وبموافقة عائلة أروند، ومع التوصية القوية من كنيسة الحاكم المشرق، تمكن الأسقف الشاب من الأبرشية الشمالية من التوجه جنوبًا لزيارة عاصمة النصر، ودخل مباشرة القصر العالي ووعظ النبلاء الإمبراطوريين، ومنهم العائلة المالكة. ويقال إنه تفاهم مع جلالته وتحدثا كأنهما صديقان قديمان».
«وصارت هذه الحادثة نادرة طريفة، تُروى باستحسان في الأقاليم الثلاثة والعشرين للإمبراطورية كلها».
«وهناك حتى شائعات بأن جلالته ينوي أن يجعل هذا الأسقف الشمالي الشاب العالم رئيس وزراء الإمبراطورية ليحل محل الكونت ريناتو الذي يتعرض لهجوم لفشله في إخماد التمرد».
وأصاب المتدرب سلسلة المصطلحات والأحداث المحيرة فدار رأسه، وهو المليء بالجثث والهياكل العظمية: «وإذن؟»
وأغلق الفتى الجميل المخطوطة، وأسند ذراعه على مسند المقعد، ومال نحو المتدرب بابتسامة ساخرة نصفية: «إذن صار على كبار القيادة، ليس في برج القرن الأحمر وحده بل في أبراج السحر الثلاثة الكبرى كلها، أن يعيدوا ترتيب صفوفهم بإلحاح، ويحفظوا ماء الوجه، ويثبّتوا السفينة، ويعيدوا غرس الثقة في الناس بأن: السحر هو حقيقة العالم، والسحرة هم الطريق الصحيح للبشر».
وصفعة!
ولوّح الفتى الجميل بالبحث ونقر برفق جبهة المتدرب الحائر: «ومع ذلك قدمتَ هذا البحث بالمصادفة في وقت كهذا».
«قائلًا: “ربما كانت للقصص التي كتبها أولئك المحتالون وجهة نظر”، بل وتريد أن تتقدم بطلب تمويل لإنشاء وحدة بحث؟»
وبدأ المتدرب يفهم. وأزال البحث المجعد عن جبهته وحدق بذهول في الضيف.
«لو سمحوا بهذا…» وسخر الفتى الجميل: «فماذا سيصبح عليه سلطان السحر في أذهان العلماء كلهم في زمن الذعر وانخفاض المعنويات هذا؟ وماذا عن حق سحرة البلاط في مخاطبة العشائر الكبرى في الإمبراطورية؟ وماذا لو لم يعد النبلاء يؤمنون بالعقل وتحولوا إلى الغيبيات؟ وماذا سيحدث لنظام البحث هذا كله ومنهجيات الإثبات ومبادئه، ومكانته الإرشادية داخل نظام السحر كله الذي أنفقنا آلاف السنين على إتقانه؟»
وضمّ المتدرب البحث بإحكام إلى صدره وطرف بعينيه بحيرة.
هاه؟
«والأهم…» وضحك الفتى الجميل ومد إصبعًا ليكز جبهة المتدرب: «إن كان ما أنقذ البشرية قبل ألف عام ليس السحر، ولا السحرة، ولا ذكاء البشر وقوتهم أنفسهم، بل بعض الآلهة والشياطين الوهمية… فماذا إذن سيحل بالتفوق المطلق على الكنيسة والإيمان الذي بنيناه لبنة لبنة في قلوب الناس منذ المصالحة العظمى؟»
وأخذ المتدرب نفسًا عميقًا. وأحسّ ببعض الغضب بعد أن رتب المنطق: «لكن… لكن إن كان هذا هو الحقيقة…»
وقاطعه الفتى الجميل فجأة بنبرة باردة: «فينبغي أن تُدفن هذه الحقيقة ولا ترى النور أبدًا».
وصار وجه الفتى الجميل شاحبًا، لكنه احتفظ بهالة جدية: «إلا إن كانت هذه الحقيقة في صالحنا ولن تؤثر في المكانة الحاكمة المطلقة للسحرة في عيون العالم».
ومد الفتى الجميل يده ونقر جبهة المتدرب من جديد، وبدا أنه يستمتع بهذه الحركة الصغيرة خصوصًا، وقال: «المعرفة تُبنى أيضًا بالسلطة».
«أولًا أحب معلمي، وعندئذ فقط أستطيع أن أحب الحقيقة».
وهز المتدرب رأسه ليتفادى حركة الضيف الصغيرة.
وتأمل بعناية كل كلمة قالها الضيف.
حُلّ سؤال، لكن أسئلة لا تنتهي فارت.
ونظر إلى الضيف بشك: «من… قلتَ إنك؟»
وأسند الفتى الجميل ظهره في مقعده، وصارت ابتسامته أكثر غموضًا: «لم أقل، لكن…»
ورفع ذقنه ومد يده اليسرى، وأخفى غطرسته بمهارة في نبرة مازحة: «ماسينتا. ماسينتا ريناتو»، قال الفتى الجميل بخفة: «سررتُ بلقائك».
وصافح المتدرب يديه الناصعتين بلا وعي، يد نبيل لم ترَ عملًا في الحقل كثيرًا: «أمم، نعم، سررتُ بلق… لحظة، ريناتو؟»
وتغيّر تعبير المتدرب.
لقبه ريناتو، وهو ساحر شاب…
وبدأ يتذكر شيئًا. وفي البداية تخبط ليتذكره، ثم في لحظة أصابته الفكرة ارتجف جسده كله!
«يا حاكمي، أنت ذلك…» وأشار برعب إلى ماسينتا: «النبيل الإمبراطوري الأرثوذكسي، سليل مؤسسي النجوم الست، أصغر أبناء رئيس الوزراء الحالي، خطيب الأميرة ميلان من العائلة المالكة، الوحيد الذي لا يهتم إلا بالسحر ولا يهتم بأن يصير موظفًا حكوميًّا…»
وأصغى ماسينتا بابتسامة إلى المتدرب يعدد ألقابه كلها، وبدا معتادًا على ذلك تمامًا، وبدا أنه يستمتع به.
وذُهل المتدرب قليلًا: «هناك خطب ما. أذكر أن برج الحرب خطفك منا قبل أن نصل إليك… فلماذا أنت…»
برج الحرب.
وتوقف ماسينتا قليلًا: «نعم، أنا بالفعل متدرب في برج الكيمياء».
وأومأ المتدرب ببساطة: «إذن أرسلك الرجال المفتولو العضلات… أحم، أعتذر، أعني برج الكيمياء، في زيارة. أي محاضرة ستحضر؟»
لكن ماسينتا هز رأسه: «لا. أنا هنا لأتعلم».
«أنا المستفيد من برنامج التدريب الجديد للمجلس المشترك للبرجين “قرن الحرب”».
قرن الحرب.
وفهم المتدرب. فكما يدل الاسم، كان يشير إلى العمودين الرئيسيين في عالم السحر، أي برجي السحر الكبيرين، برج الكيمياء وبرج الروح، المعروفين بين السحرة عاميًّا باسم «برج الحرب» و«برج القرن الأحمر»، لكن…
«البرجان، تدريب المجلس المشترك؟»
ونظر المتدرب إلى ماسينتا بعدم تصديق.
«هذا صحيح». وأومأ الفتى الجميل، وبدا أن ابتسامته المشرقة تبدد الكآبة في قاعة المحاضرات: «لمدة عامين ونصف، كنتُ عالمًا في المجلس المشترك».
آه.
وحكّ المتدرب رأسه بغباء.
لماذا بدت هذه الكلمات غريبة؟ هناك شيء غير صحيح…
لكن.
ما أندر ذلك.
فبحسب الأسطورة، ألم يكن هذان البرجان يشيران أحدهما إلى الآخر باحتقار بوصفهما «الرجال المفتولين» و«المفكرين» على التوالي، ويختلفان اختلافًا كبيرًا في كل جانب، من مفاهيم السحر إلى البنية التنظيمية، ومن علاقات كبارهم إلى تنافس متدربيهم؟ ألم يكونا يريدان خنق أحدهما الآخر عند كل فرصة، ويقسمان ألّا يختلطا أبدًا؟
وتنحنح ماسينتا وسحب تلك الابتسامة التي تسحر نصف الشابات وربع الشبان في الإمبراطورية: «اسمع، لدي مشروع بحثي بين يدي»، ونظر إلى المتدرب بجدية وواصل: «ربما يهمك».
وسخر المتدرب في ذهنه.
«أقول.
«لماذا اقتحم قاعة محاضرات خالية في الصباح الباكر ليثرثر مع أحد».
إنه موسم تدقيق السحر. ويبدو أن منظم مشروع بحثي مزيف، بعد أن فشل في استرداد مبالغ كبيرة من حسابات غامضة، يحاول تجنيد السذج ليكمل العدد ويحتال على التمويل…
وقال المتدرب بكسل: «إذن، ما موضوع البحث؟»
وابتسم ماسينتا. وكان واضحًا أن تعويذة الرفرفة سُلطت على شعره؛ فكان يرفرف بحرية في الهواء: «كما قلتَ، موضوع هدّام، واتجاهات قد لا تُعترف بها، وأمور تتطلب مراجعة الذات، وأشياء لا نستطيع الحصول عليها إلا بقلب معتقدات راسخة لا تُمس».
وأجاب المتدرب بنصف قلب: «آه…»
«كما توقعت، حتى موضوع البحث غير قابل للفه…»
حتى قال ماسينتا الجملة التالية: «وموقع بحثنا هو باطن قلعة أروند في الإقليم الشمالي، في الجبال».
وبعد بضع ثوانٍ، تغير تعبير المتدرب فجأة وهو يفهم.
ووقف في لحظة، ونظر إلى ماسينتا، ونسي لحظة أن يعجب بجماله المذهل: «باطن الأرض، في الجبال، تقصد…»
وضحك ماسينتا ضحكة خافتة ووقف هو أيضًا: «نعم. ذلك المكان القديم المذكور في بحثك، أطلال ساحة المعركة القديمة من عصر الملوك المتعددين التي شاركتَ في التنقيب فيها، طريق النقل القديم تحت الأرض».
ومشى الفتى الجميل نحو المتدرب. كان أطول منه برأس كامل وسدّ عليه الأفق.
«المعروف عاميًّا باسم… “المسار الأسود”».
وذُهل المتدرب تمامًا.
لكن ماسينتا لم يتركه. فكشف بمهارة معلومات داخلية لا يعلمها حتى المتدرب: «بعد أن أُجبر برج القرن الأحمر على الانسحاب من الأطلال تحت الضغط المشترك لوحدة البحث الرسمية للإمبراطورية وبرج الزهد وكنيسة الحاكم المشرق، آل التصرف في الموقع إلى حاكم الإقليم الشمالي».
«ودوق الأرض الشمالية، خبير تغطية المشكلات، لن يفعل إلا أن يغلق مدخل الكهف ويقيم نصب “قضينا على الأورك القدماء” ويعد المهمة منجزة…»
«لكن لسوء الحظ، أنا قريب من وريث الدوق أروند، فأوكل إليّ هذه المهمة».
وانحنى الفتى الجميل ولمس جبهة المتدرب بجبهته: «أتعلم، يمكنني أن أستفيد من شخص مثلك في إقامة النصب».
وطرف بعينيه.
«أنت».
وكانت حدقتاه زرقاوين، كأعماق المحيط.
وتجاهل المتدرب أفعال ماسينتا الحميمة المفرطة وابتلع ريقه بلا وعي: «تقصد… أن ننفذ أعمالًا مزيفة، ونفعل شيئًا آخر بدلها… أليس… أليس هذا غير قانوني؟»
وضحك ماسينتا، لكنه لم يجب مباشرة: «ما رأيك، هل ستنضم؟»
وتراجع المتدرب بضع خطوات وهدّأ أنفاسه التي تسارعت من قرب ماسينتا.
ونظر إلى ماسينتا بذهول ثم نظر إلى بحثه.
المسار الأسود.
التنقيب.
لكن بعد بضع ثوانٍ، بدا المتدرب، وقد استوعب شيئًا، جادًّا: «كان هناك أناس كثيرون شاركوا في ذلك التنقيب السابق».
وكان تعبيره قاتمًا: «مثلًا معلمي، الساحر دونوفان. عليك أن تذهب إليه».
وحدّق ماسينتا في تعبيره وضحك: «دونوفان؟ دونوفان الذي هو على بعد خطوة من لقب المعلم؟»
وحكّ ذقنه متأملًا: «كيف أقول. لقد درستُ مجموعة أعماله كلها، من السنوات الأولى حتى الآن».
وانفجر المتدرب ضاحكًا: «أنت واثق من نفسك فعلًا».
ونظر إلى السيد الشاب النبيل أمامه: «في حياته، كتب الساحر دونوفان 163 ورقة، و12 كتابًا…»
«لا»، وهز ماسينتا رأسه وقاطعه: «بالدقة، 192 ورقة و13 كتابًا».
وشحب وجه المتدرب.
واكتفى الفتى الجميل بالمواصلة بلا اكتراث: «بما في ذلك بعض مخطوطات تدريباته في صباه، وكتاب يُحرَّر حاليًّا ولم يُنشر بعد».
وتجمد المتدرب.
يا للعجب.
لا بأس أن هذا الرجل وسيم. فهناك في النهاية ناس كثيرون في هذا العالم في مستوى الجاذبية نفسه الذي لي.
لكنه واضح أنه مدلل، وهو شاب جدًّا أيضًا؟
لا تقل لي…
ولم يلاحظ ماسينتا المتدرب الغارق في التفكير: «لكن لسوء الحظ، اكتشفتُ أن المعلم دونوفان، الذي كان موقرًا ذات يوم، صار محافظًا متخلفًا. وكل كتبه وأوراقه الأخيرة تعليقات مبتذلة تقليدية لا نية فيها للتحرر من الأرثوذكسية».
وكشفت كلماته عن خيبة أمل عميقة: «المعلم دونوفان شاخ الآن».
وارتبك المتدرب أولًا. ثم رد بنبرة غاضبة مخصصة لتأديب الطلاب: «يا فتى…»
لكن ماسينتا لم يدعه يكمل: «وفي السنوات الأخيرة، القليل النادر من أعماله المثيرة…» ورفع الفتى الجميل بصره ووجه نظرته مباشرة إلى المتدرب الذي يعانق بحثه: «كلها بالمشاركة مع طالب مجهول من طلابه ومساعد تدريس عنده».
وتجمد المتدرب.
«هذا أنت».
وحدق ماسينتا فيه بثبات وهمس: «متدرب خُفضت رتبته من الدرجة الأولى إلى الثالثة قبل ثلاث سنوات بسبب مخالفة جسيمة لأخلاقيات البحث، توروس ميل».
وملأ الصمت قاعة المحاضرات.
وظل المتدرب الشاب، توروس، صامتًا.
وبعد بضع ثوانٍ، سعل توروس: «صحيح. لكن المعلم دونوفان ما زال معلمي وصاحب عملي، وأظن أن الأفضل أن تذهب إليه أولًا…»
لكن ماسينتا تجاهل كلماته كما فعل من قبل وانتقل مباشرة إلى الموضوع: «ألا تشعر بالغضب؟»
وارتجف توروس.
وضحك ماسينتا ساخرًا: «أنت موهوب جدًّا بوضوح، لكن بسبب ما يسمى “خطأ سياسيًّا” جُرّدت إلى الأبد من أهليتك للتقييم والترقية».
وتسارع نفس توروس.
«أنت في ريعان شبابك، لكن المستقبل معتم. وطوال بقية حياتك، لا يمكنك أن تكون إلا متدربًا من الدرجة الثالثة؟ وحتى حين تُراجع مخطوطتك دون ذكر الأسماء، فإنها تُرفض باستمرار؟»
وفي قاعة المحاضرات، كان أحدهما يلقي أسئلة ملتوية، والآخر يتشبث ببحثه.
وواجه أحدهما الآخر بصمت.
وكافح توروس ليستأنف تنفسه: «اسمع، قبل ثلاث سنوات، لولا أن المعلم دونوفان حماني تحت الضغط…»
لكن أسئلة ماسينتا ظلت تنهال، واخترقت صدره مباشرة كأسلوب سيف مشبع بالقدرات الخارقة: «ألا تشعر بالغضب؟»
وكانت نبرة الفتى الجميل صارمة، كنبي حاكم: «أنت طموح وفضولي بوضوح، لكنك لا تستطيع إلا أن تختبئ خلف معلمك، وتنجز بعض الأعمال الروتينية، وتصحح وتتحقق من البيانات له بهدوء؟»
«و…» ونظر ماسينتا حول قاعة المحاضرات: «تصون أحجار نسخ الصوت؟»
وقبض توروس بإحكام في راحتيه على البحث المرفوض.
ومد ماسينتا يده ببطء: «الآن لديك فرصة لتثبت نفسك».
وكانت نبرته مفعمة بالإغراء: «انضم إليّ. عد إلى الطريق الصحيح للسحر. وقل لمن رفضوك إنه في يوم من الأيام لن يكونوا أهلًا إلا للنظر إلى ظهرك».
وخفض توروس رأسه، وتعبيره غير واضح.
وانزلق في صمت تام.
ولم يتعجل ماسينتا؛ بل انتظر توروس بهدوء وصبر.
وبدا واثقًا من رد الأخير.
لكن بعد بضع ثوانٍ، رفع توروس بصره وقال: «أرفض».
وصارع المتدرب كلماته وأخرجها تدريجيًّا: «أنا سعيد هنا»، وتشبث توروس ببحثه وصوته يرتجف: «اخترتُ السحر لأنني شغوف به، لا من أجل الشهرة والثروة».
وفوجئ ماسينتا قليلًا: «حقًّا؟»
وبدأ الفتى الجميل يعيد تقييم توروس: «أتعلم أن هذه ستكون لك فرصة نادرة؟ على الأقل سأستطيع أن أوفر لك دخلًا كافيًا…»
وقاطع توروس ماسينتا فجأة: «اسمع!» وتوتر تعبيره، وابيضت مفاصل أصابعه من التشبث بالبحث: «ما زلتُ مشغولًا. عليّ أن أجهز المرافق للمحاضرة التالية…»
ولم يكمل المتدرب.
ورفع ماسينتا حاجبًا: «حسنًا»، وأومأ وقال بأسف: «يا للأسف».
وحدّق الفتى الجميل في المتدرب، لكن الأخير ظل صامتًا، وبدا غير متأثر.
وتنهد ماسينتا واستدار ليغادر.
وما إن كان على وشك أن يستدير، حتى أغمض توروس الصامت عينيه بقوة وعضّ شفته السفلى.
كأنه يعاني.
وفي تلك اللحظة.
«توروس».
ولم يلتفت ماسينتا: «سمعتُ أنك من عائلة فرسان في منطقة التعصب، أليس كذلك؟»
وتغير تعبير المتدرب.
ونظر توروس بحذر: «لماذا؟»
«لا شيء. سألتُ حول البرج»، وكان ماسينتا غير متعجل، ولم يلتفت هو أيضًا: «لديك خطيبة هي حبيبة الطفولة. وبعد أن اعتنقت الدين، أقسمت على خدمة الآلهة، وفسخت الخطوبة، وصارت راهبة مدى الحياة؟»
خطيبة.
وفسخ الخطوبة.
وتجمد ذهن توروس لحظة.
وكان البحث الذي بين ذراعيه يئن من الألم.
وابتسم ماسينتا.
«أيها الرجل المفتول»، وبعد صمت طويل، تمتم توروس الشارد: «ليس هذا من شأنك».
لكن ماسينتا كان كمفترس في مطاردة. فقد شمّ رائحة دم فريسته وطاردها: «حسنًا، أنت يا عزيزي توروس لم تحاول أن تشق طريقك إلى برج سحر إلا بعد سن الثامنة عشرة، وتعهدتَ أن تسلك طريق السحر… ومع ذلك ظللتَ مهووسًا بتفسير الغيبي بالسحر، فهل هذا بسببها؟»
ورفع توروس رأسه فجأة وصاح: «بالطبع لا!»
والتفت ماسينتا ونظر إلى المتدرب المرتجف قليلًا بتعبير دقيق.
وأدرك توروس أن موقفه خاطئ.
وتنحنح وحاول جاهدًا أن يستعيد نبرته: «اتجاه بحثي وموقفي منه كانا دائمًا هكذا. ولا يتأثر بأي شيء خارج العمل».
وكانت نبرته ثابتة.
قاطعة.
وابتسم ماسينتا: «جيد إذن».
وبدأ يستدير من جديد وقال، عمدًا أو غير عمد: «آه، بالمناسبة، لتعلم فحسب».
«خطيبتك الراهبة تلك، بسبب تفانيها الديني وعملها الاستثنائي، اختارها أسقف شاب لتكون مساعدته الشخصية».
وتجمد توروس.
«آه يا لها من مصادفة. إنه الأسقف سيغورد، الذي كان ضيف شرف عند جلالته، الذي ذكرته قبل قليل».
وتسلل صوت ماسينتا إلى أذنيه كالهمسات الأسطورية للشيطان؛ فلم يكن لديه دفاع.
«وبصفتها راهبة مقدسة يعجب بها المؤمنون، فإن خطيبتك، عفوًا، خطيبتك السابقة، موضع ثقة عميقة، وتستحم في نعمة الحاكم».
«وتكرّس نفسها».
وتبلور الهواء في قاعة المحاضرات.
وبعد وقت طويل.
«حسنًا. فهمتُ»، قال المتدرب بغموض.
ونظر إليه ماسينتا وقد صارت نبرته جادة من جديد: «سأغادر إذن»، قال الفتى الجميل بلا مبالاة: «أتمنى لك ولبحثك حظًّا سعيدًا».
واستدار ماسينتا ومشى بخطى واسعة وتنهد تلقائيًّا: «أولئك المبشرون، لديهم موهبة فعلًا في سحر الناس، أليس كذلك؟»
ومشى مبتعدًا ببطء.
لا.
فكّر توروس بشرود.
لا.
لم تعتنق الدين لأن مبشرًا سحرها.
بل لأن…
لأن…
وبصوت ارتطام، سقط البحث من يدي توروس على الأرض.
وأفاق توروس من شروده.
وانحنى بصمت ليلتقط البحث الذي جعّده بما لا يمكن التعرف إليه.
وكان على البحث المغطى بالحبر الأحمر سطر تعليق في أعلى صفحته الأخيرة.
ومع أنه رُوجع دون ذكر الأسماء، فإن هذا لم يمنع توروس من التعرف إلى خط معلمه:
السحر، في نهاية المطاف، يتعلق بالمعرفة الإنسانية.
لا تضل طريقك في السعي اللانهائي وراء الفضول فتفقد قلبك.
الساحر دونوفان.
وتسارع نفس توروس.
يتعلق بالمعرفة الإنسانية…
وأطبق قبضتيه أكثر فأكثر.
يتعلق بالإنسان…
وتسارعت دقات قلبه أكثر فأكثر.
الإنسان…
«انتظر!»
ودوى صوت توروس في قاعة المحاضرات كلها.
وتوقفت الخطوات.
والتفت ماسينتا ببطء ونظر إلى المتدرب بتعبير هادئ.
«يا عالم المجلس المشترك…»
ولهث توروس بشدة. وحدّق بثبات في البحث الذي في يديه، وتعبيره يتبدل، كأنه متردد، كأنه نادم.
«مشروعك البحثي أو أيًّا كان هذا الشيء…»
وبعد ثانية، رفع توروس بصره بتعبير حازم.
ورمى رق المخطوطة بحسم.
كأنه يرمي الماضي.
«متى يبدأ؟»
ونظر ماسينتا إلى المتدرب من بعيد دون أن يجيب، وفي عينيه شعور غير مفهوم.
حتى ابتسم ابتسامة رضا.
«قريبًا يا عزيزي. قريبًا».
وكانت ابتسامة ماسينتا دافئة، لكن تعبير توروس كان باردًا.
«لكن لا تقلق».
«ثق بي»، وحدق الفتى الجميل في المتدرب الذي أمامه، ونبرته مفعمة برضا مفترس أمسك فريسته: «أمامنا وقت طويل».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.