الفصل 547: ألا نهلك للأعداءً (2)
«هل أنت بخير؟»
ونظر إليه زايين حائرًا.
وبذل تاليس جهدًا ليضبط أنفاسه المضطربة حتى لا يكشف شيئًا.
«نعم»، وتصنع تاليس ابتسامة ودفع بعيدًا صحن الخس الذي استعمله ذريعة: «أنا شبعان فقط. لا أظنني أستطيع تحمل المزيد من الطعام».
وصمت زايين لحظة وصارت نظرته حادة.
«إذن ففي رأيك أن التابعين أمثالي ما زالوا هم الجناة؟ وأن رغباتنا الأنانية مصدر الفوضى في البلاد؟»
ولم يُقرّ تاليس بذلك ولم ينفه.
ونظر نحو الدوق وهو يحاول جاهدًا أن ينسى المشهد الذي في ذهنه.
«ربما.
«لكنه ليس اتهامًا. لأنك لا تملك حيلة في ذلك أيضًا».
«لا تملك حيلة».
وتذوق زايين هذه العبارة قليلًا.
وأجاب بلا تعبير: «إذن بحسب كلامك، ما دام كل شيء حتميًّا، فلا مجال للمساومة بيننا؟»
ونظر تاليس إلى الدوق مدة طويلة.
وتذكر فجأة لقاءهما الأول. وقتها واجها معًا القاتل الذي أرسله أروند—وبحسب ستيك، كانوا من رجال درع الظل.
وإن ظهر القاتل المختبئ الآن، أفلا يتلقى زايين الضربة عنه مرة أخرى؟
ونفض تاليس هذا الخاطر العقيم، وصمت قليلًا قبل أن يهز رأسه: «من يدري.
«لكن الأزمة قادمة، وستكون مصدر مطالب جديدة».
وبدا تاليس شارد الذهن قليلًا.
«في رأيي، حين يملّ التاريخ من تكرار نفسه، وحين يملّ الناس من الصراع، وحين تملّ البلاد من الاقتتال الداخلي… حين يحين الوقت، قد يُستدعى من جديد سلطان الملك المطلق الأعلى، ويُحتاج إليه، ويُوقَّر بوصفه بطل التاريخ».
وقطب زايين جبينه.
«تمامًا كما حدث من قبل، بعد صعود الملوك المستبدين وسقوطهم»، وأشار تاليس إلى زايين وابتسم: «قسّم التابعون الأرض وحكموها ووسعوها، وصاروا أبطال التاريخ».
وتأمل زايين هذا.
«إن عبرتَ بهذا الشكل، فإن أبطال التاريخ كانوا في البداية ملوكًا، ثم تابعين، ثم ملوكًا مرة أخرى في النهاية؟»
ونظر إلى الملك كيسل في البعيد، ثم إلى الأمير ثانية.
«هذان فقط، لا غيرهما؟»
وشخر تاليس.
«ملوك أو تابعون، واحد أو كثيرون، مجتمعون أو مبعثرون، حصريون أو مشتركون، مركزيون أو إقليميون، بيروقراطيون أو أتباع نبلاء، حكم موحد أو مقسم، مركزية أو حكم ذاتي، تسلسل هرمي أو سلطة مطلقة، فالمصطلحات متنوعة بتنوع مظاهرها، فسمّها ما تشاء».
وهز كتفيه: «لكن كما قلتَ أنت: إنه ثنائي، متبادل، متآزر، كفتا ميزان، طرفا طريق».
وسخر زايين: «يبدو كأنه يدور في حلقات وينتهي حيث بدأ».
وهز تاليس رأسه استنكارًا: «إن بدا كأنه يدور في حلقات… فلعلك تقف في المكان الخطأ وتنظر إليه من منظور خطأ؟»
ونظر إليه زايين.
«إن كنتَ تقف في طريق التاريخ، أو تتخلف عنه، فنعم، يبدو كأنه يدور في حلقات»، ونسي تاليس المشهد في رأسه وتابع بعفوية: «يصعد ويهبط، ويذهب ويعود، من الأدنى إلى الأعلى ثم يسقط ثانية.
«لكن إن نظرتَ إليه ثلاثي الأبعاد—أعني، حرّك مؤخرتك النبيلة هذه، واصعد إلى مكان أعلى في التاريخ، وانظر إلى الأسفل…»
وتابع تاليس ببطء: «فلعلك تجد: من هذا المنظور، وتحت متغيرات لا تحصى، وفي خضم تفاصيل مجهولة…
«أن التاريخ كان دائمًا يتقدم إلى الأمام، ويتخذ خيارات جديدة.
«ولا يدور في حلقات أبدًا».
وقطب زايين جبينه وفكر طويلًا في الأمر.
وبينما تنهد تاليس وهمّ أن يتابع، قال زايين: «كأمواج المحيط؟
«أمواج تبدو، إن نظرتَ إليها من الأمام، كأنها تنحسر وتتدفق، وتبدو من بعيد كأنها تتموج، لكنها في الحقيقة تمضي إلى الأمام بلا توقف؟»
الأمواج.
وذُهل تاليس، ثم ابتسم.
«ليس سيئًا».
وكان قد هيأ نفسه ليشرح الأمر بـ«الصعود الحلزوني»، لكن ما دام زايين مستنيرًا هكذا…
واتكأ تاليس على مقعده، ينظر بصمت إلى الملك والدوق في الطبقة الأعلى، وإلى الضيوف في الأسفل.
«ملوكًا كانوا أو تابعين، فبعيدًا عن الصعود والهبوط والذهاب والإياب، في التاريخ، كل صراع بينهم، وكل مرة يتبادلون فيها المواقع، وكل اصطدام بينهم، قد ينتج شرارات جديدة،
وصارت كلمات تاليس أوضح: «من صعود البلد القديم المتعصب إلى الحكم المقسم بين ملوك متعددين، ومن عصر دول المدن إلى فتح الإمبراطورية، ومن صعود أمراء الحرب إلى الإمبراطورية الأخيرة، ومن معركة الإبادة إلى تأسيس الكوكبة، ومن إقطاع ملك النهضة إلى إصلاحات الملك الفاضل—تحت الشمس، كل واحد من هذه الأحداث كان جديدًا».
وفكر في الغراب العجوز وتأثر قليلًا.
وتأمل زايين كلمات تاليس بعناية: «يتقدم التاريخ كالأمواج، ونحن قوارب صغيرة في المحيط، نمضي في أغلب الوقت مع التيار، لكننا نستطيع أحيانًا أن نركب الأمواج ونكسرها؟»
وتوقف تاليس.
«قوارب صغيرة في المحيط، يا لها من طريقة مثيرة للاهتمام في التعبير.
«لكن للأسف أظن أن هذا التشبيه متعجرف ومنتقص في آنٍ واحد».
وأمام هذا الرد المتناقض، رمقه زايين بنظرة حائرة.
والتفت تاليس مجددًا وابتسم.
«أظن أننا الماء، بل حتى الأمواج،
وكان تعبير تاليس جادًّا تمامًا وهو يقول: «نحن التاريخ نفسه».
وتغير وجه زايين قليلًا.
وهذه المرة، التفت وصمت طويلًا.
وعلى مقربة، التقى مالوس، الذي كان مشغولًا طوال الليل، بغلوفر العائد من الخارج.
«ما زال لا شيء؟»
وفرك غلوفر يديه المحمرتين المتجمدتين معًا ولبس قفازيه وهز رأسه ردًّا: «لا شيء،
«فُتش الضيوف بعناية قبل الدخول، ولم يُعثر في مخزن الهدايا على أي شيء يمكن استعماله سلاحًا أو سمًّا.
«وكل ضيف اقترب من جلالة الملك والدوقات—ما يقارب مئة شخص—قد تم التحقق منه. ويمكن التعرف عليهم جميعًا. لا منتحلين ولا شيء مريب، على الأقل لا شيء مريب بشكل خاص».
وازداد توتر مالوس.
«خارج القاعة، أقام رجال الشرطة حواجز الطرق طوال الليل، دون جدوى.
«وفي داخل القاعة، يراقب الحراس الملكيون—من قصر النهضة ومنا—عن كثب منذ ساعات دون أن يكتشفوا أي قاتل».
«وأيضًا»، وتردد غلوفر: «سمعتُ من معارف في فرقة الطليعة أن أعضاء إدارة الاستخبارات السرية للمملكة قد نُشروا، ويكشفون التهديد بأساليب غير مشروعة،
إدارة الاستخبارات السرية للمملكة.
ولمع شيء في عيني مالوس.
وتابع غلوفر: «لكن في قاعة ميندس كلها، لم تُكتشف قطرات البلور العالية الطاقة ولا الزيت الأبدي المكرر العالي التركيز،
«على الأقل، لا توجد كرات كيمياء ولا بنادق غامضة مخبأة بين الضيوف».
لكن مالوس مد يده فجأة وأمسك بكتفيه!
وصُدم غلوفر. وخفض مالوس صوته وكان تعبيره جادًّا: «وماذا عن المؤشرات الأخرى؟
«تداخل الصفائف؟ تقلبات التعاويذ؟ اضطراب القانون؟ نفور الأصل؟ العودة إلى التوازن؟ آثار مواد غريبة؟ وكل مؤشرات السحر الأخرى؟ ماذا قالت إدارة الاستخبارات السرية؟»
وأُخرس غلوفر أمام جبل المصطلحات الغريبة.
«السحر؟
«صديقي… صديقي لم يقل كل هذا…»
وقطب مالوس جبينه.
وعلى غير المتوقع، أجاب صوت من خلفه: «لا شيء».
وتحت نظراتهما المتيقظة، مشى نائب القائد فوغل تالون ببرود نحوهما من الخلف.
«لا وسائل سحرية مفقودة منذ زمن…
«على الأقل ليس اغتيالًا بالسحر».
ونظر غلوفر إلى رئيسيه بقلق.
لكن مالوس كان لا يزال غارقًا في التفكير ولم يقل شيئًا.
«هاه، أمسك باترسون بعدد من العشاق المشعثين متشابكين في الغرف الخالية بالقاعة الجانبية…»
وتثاءب دويل. وبدا منهكًا وهو يمشي من الجهة الأخرى ليقدم تقريره: «وأمسك ستون بعدة رجال ونساء عراة «يتحدثون» في العربات. وأمسك باستيا بعدد من الرجال الذين تركوا مواقعهم ليتسلوا في ممر الخدم، وبعض من يسرقون الطعام من المطبخ… لكن لا شيء خطير، ولم يكن أحد في القبو والمدفأة،
«وأيضًا، أُمسك برجلين في المرحاض، في حجرة واحدة، يلعبان «الوحش الرباعي الأرجل». تعرف ما أعني، هيهي… أراد بروكا العجوز أن يبلغ عنهما، لكنني منعته… هيهي، على أي حال، لدينا أموال إضافية هذا الشهر. وجباتنا تحتاج إلى بعض التحسين…»
وابتسم دويل بخبث وهز رأسه وهو يطقطق لسانه.
حتى رأى فوغل. فتصلب جسده من الصدمة كأنه صُعق بالكهرباء.
«آه! نائب… نائب القائد تالون!»
ونظر إليه فوغل بنظرة خاطفة، وهو يخفي الازدراء في عينيه.
وسعل دويل بصوت عال وعاد جادًّا من جديد.
«سيدي! كثير من الضيوف المسنين والمهمين قد غادروا تدريجيًّا: الكونت كاسو انسحب بعد أن أفرط في الشرب، والبارون غيلز وعشيقته الأرملة عادا إلى المنزل مبكرًا، وسيعاد الدوق أروند إلى زنزانته قريبًا، ورئيس الوزراء كولن سأل رئيس إدارة القصر هل يستطيع المغادرة…»
والتفت لينظر نحو الضيوف الذين ازدادوا صخبًا.
«لم يبقَ إلا هؤلاء «الصغار»…»
وقطب مالوس جبينه وهو يرى ضيفًا يخطف عود منشد ليغني أغنية حب، معلنًا حبه لشابة تشعر بالحرج من الموقف.
«بعد كل هذا الأكل والشرب والغناء والرقص، ألا يتعبون؟»
وضيق دويل عينيه وراقب الضيف وقد أوقفه شاب غاضب. وتبادلا كلمات قاسية قبل أن ينشب بينهما عراك بالأيدي، يعرضان مشهد غيرة بين أخوين («كفّا عن القتال!»—قالت الشابة الضجرة)، حتى لوّح محبوبهما بمنديلها ونجح في فصلهما («الشخص الذي أحبه هو في الحقيقة أبوك!»—قالت الشابة الحنون).
«يعتمد ذلك على من ترقص معه».
وشخر فوغل.
«إن كان الأمر كذلك، فعلينا أن نستعد للبقاء هنا الليل كله؟ ننتظر ظهور قاتلكم؟»
ونظر غلوفر ودويل إلى مالوس، لكن الأخير لم يتفاعل.
«ينبغي أن تشكر أنه ليس على جدول جلالة الملك الليلة الكثير، وقد أُنجز كل شيء»، قال فوغل متذمرًا:
«ويقترح القائد أدريان على جلالة الملك أن يؤجل الفعاليات الصغيرة ويغادر مبكرًا.
«أيمكننا أن ننهي هذه المهزلة الآن؟»
وفكر مالوس بصمت قليلًا. وكان في عينيه بريق: «لعل القاتل ما زال ينتظر فرصة».
«ما زال ينتظر؟» وقال فوغل باحتقار: «بعد مغادرة جلالة الملك والدوقات…»
ورفع مالوس رأسه: «فإنهم سيأخذون معهم عددًا كبيرًا من الأفراد الأمنيين، ويتركون الباقي مسترخين».
ونظر الحارس نحو مقعد الأمير. وهناك، بدا دوق زهور السوسن والأمير تاليس منهمكين في حديث ودي، يتجاذبان الكلام كأن لا أحد غيرهما موجود.
وقطب جبينه.
«مما يجعل الهدف أقرب».
وإلى جانب تاليس، رفع زايين كأس نبيذه مجددًا وحوّل انتباهه إلى مشادة جذبت عددًا لا بأس به من المتفرجين.
كان بارون عجوز غاضب المظهر يتجادل مع صديقه القديم، ويتهم الأخير بإغواء ابنته، دون اعتبار للعمر والعار، ودون اعتبار للعلاقة بين عائلتيهما—فقد كان يخطط أن يزوجها لابن الأخير.
وسحب زايين نظره.
«ملك، تابعون، ثم ملك من جديد.
«أخبرني الكونت كاسو بفخر قبل قليل أن معلمك في الشمال هو ميريل هيكس.
«أهذا ما علمك إياه؟»
وعند سماع الاسم المألوف، شرد تاليس.
«نصفه، ربما»، قال بحنين.
«لقد زودني الغراب العجوز بكثير من المواد التاريخية والتفاصيل، لكن علي أيضًا أن أشكره على أسئلته الملحة، فقد أجبرني على التفكير في كل جواب ممكن أو مستحيل».
كأن ذلك لم يكن كافيًا في حياته السابقة.
ورفع زايين كأسه لتاليس.
«وما النصف الآخر؟»
وهز تاليس رأسه.
«هذا… عملية تفكير شخص آخر».
وحار زايين.
«ثلاث مراحل»، وكان تاليس شارد الذهن قليلًا: «التأكيد، النفي، نفي النفي».
ولما رأى حيرة زايين ابتسم تاليس.
«أو فكر فيه هكذا: ملك، تابعون، ثم ملك جديد».
وفهم زايين فورًا، لكنه عقد حاجبيه مع ذلك.
«عملية تفكير؟ لمن؟»
وتنهد تاليس: «هيغل».
«لا فكرة لي. من هو؟»
وهز تاليس رأسه: «لن تعرفه. بالتحديد، منذ زمن بعيد بعيد بعيد، كان…»
وفكر الأمير لحظة وضحك ضحكة خافتة: «ساحرًا».
وذُهل زايين.
ساحرًا؟
ونظر إلى تاليس بنظرة أكثر جدية.
«فهمت»، قال دوق زهور السوسن بهدوء: «ملهم جدًّا».
وتجمدت نظرة زايين، وأفكاره عصية على التفسير.
وراقب تاليس زايين وقد بدا كأنه توصل إلى إدراك بعد تفكير طويل، فضحك: «تعلم، على هذا المنطق…»
وبدا تاليس متأثرًا: «إن كان عندك تفاحة، وعندي تفاحة، وتبادلناهما، فسيبقى عند كل منا تفاحة».
وبدا زايين مرتبكًا.
ورفع تاليس أصابعه: «لكن إن كانت عندك فكرة، وعندي فكرة، وحين نتبادلهما…»
وفهم زايين وأكمل جملة تاليس: «فستكون هناك فكرتان؟»
لكن تاليس هز رأسه.
«لا، أكثر من ذلك،
وتابع بشرود: «بهذه الطريقة…
«سيكون عندنا ثالثة غير مسبوقة…
«فكرة جديدة».
وصمت زايين طويلًا.
وفي هذه اللحظة، رأى تاليس فجأة الملك كيسل ينهض من مقعده والضابط ستانلي يضع عباءته عليه.
وتهيأ مرافقو الملك للمغادرة.
ولاحظ بعض الضيوف حركة الملك واقتربوا ليودعوه، لكن الملك كيسل بدا راغبًا في أن يبقى بعيدًا عن الأضواء. فاكتفى بتلويحة عابرة بيده واختفى عبر الباب الجانبي يحرسه الحراس الملكيون.
ومن دون الملكة كيا وجاينز إلى جانبه، بدت هيئة كيسل أكثر وحدة.
وبدا الحراس الملكيون حوله متوترين.
وقلق تاليس: إن كان القاتل سيتحرك، فهذه فرصته الأخيرة.
وتجاهل نظرة زايين إليه وتفحص المحيط بحذر.
لكن مرت دقيقة وغادر موكب مرافقي الملك الكبير قاعة المأدبة، ولم يقفز أحد بسلاح يهتف بقتل الملك.
وتنفس تاليس الصعداء حين اختفى آخر شخص من موكب الملك.
حسنًا، لم يكن يتوقع أصلًا أن يأتي الملك ويقول: «يا بني، أنا راحل».
وكسر الأمير وضعية جلوسه المثالية بلا وعي وتمطى، لكنه اعتدل بسرعة قبل أن يصححه أحد.
وبلا سبب، أحس تاليس بارتياح أكبر بكثير من دون حضور الملك، كأن عبئًا ثقيلًا قد رُفع.
وكان واضحًا أن تاليس ليس الوحيد الذي أحس بهذا—وأقوى دليل أنه بعد مغادرة الملك، علت الموسيقى في قاعة المأدبة وازداد صخب الجمع.
لكن…
ماذا لو لم يكن هدف القاتل هو الملك؟
ولمس تاليس سكين الطعام على الطاولة. وحوّل نظره ليتأكد من مالوس.
ولحسن الحظ، كان حراس بحيرة النجوم يحيطون به من كل اتجاه.
«هل غادر جلالة الملك هكذا ببساطة؟» سأل زايين عابسًا.
«نعم».
والتفت تاليس مجددًا، وعاد إلى ذهنه الخاطر العبثي بأن يتلقى زايين الضربة عنه: «الضيوف الآخرون ما زالوا هنا، وأظن أن الوقت قد حان لك لـ…»
لكن زايين قاطعه: «كان خطابك الافتتاحي جيدًا،
«فأغلب الناس يشربون نخب الحاكم أو بلادهم أو الملك أو غيرهم أو إيمانهم»، وركزت نظرة زايين على تاليس، دون أي نية للمغادرة: «لكن قلة منهم يشربون نخب أنفسهم».
وكرر زايين بهدوء: «أنفسهم».
وقطب تاليس جبينه.
وأحس بتغير في مزاج زايين.
ولما غادر الملك، ازداد عدد الضيوف الذين أرادوا القدوم إلى دوق بحيرة النجوم، لكن حراس بحيرة النجوم أوقفوهم جميعًا. وكان السبب جاهزًا واضحًا: صاحب السمو يتحدث إلى الدوق زايين ولا يريد أن يُزعج.
«أخبرني يا تاليس»، نادى زايين الأمير باسمه مجددًا. وأدار كأس النبيذ في يده وسأل بخفوت: «هل فكرتَ يومًا…
ورفع دوق زهور السوسن بصره من مقعده نحو الأعمدة الضخمة في القاعة، ونظرته وقورة.
«لو أن اللادي سيرينا لم تأخذك على حين غرة وتقتادك إلى قصر الكروم حينها، فنصير أعداء منذ البداية…
«ولو أنها بعد ذلك لم تتسلل إلى موكبك، فتجلب غضب ملكة الليل…
«أن تكون الأمور بيننا اليوم مختلفة؟»
وحدق تاليس في زايين، وصار وجهه كئيبًا.
«ماذا تعني؟»
لكن دوق زهور السوسن ابتسم.
«جايدستار وكوفينديير، النجمة الخماسية وزهور السوسن، لا يتحتم أن نكون أعداء.
«أنت وأنا، نستطيع أن نترك الماضي خلفنا ونقف معًا…»
وأبقى زايين تركيزه على تاليس، ونظرته تغلي بالمشاعر.
«وفي المستقبل، في هذا العالم المنهار…
«نحقق العظمة».
وتغيرت نظرة تاليس.
وتقدم زايين ببطء. ورفع كأس نبيذه للمرة الثالثة وأظهر ابتسامته المنعشة المميزة.
«ما دمتَ مستعدًا لقبول السلام—ولا تكون عدوي بعد الآن».
وذُهل تاليس.
ورفع زايين حاجبيه وحرك معصميه، مشيرًا إلى كأس نبيذ تاليس على الطاولة.
وحدق كل منهما في الآخر بضع ثوانٍ.
وفي تلك اللحظة، انتقل تاليس إلى ما قبل سنوات قليلة.
حينها، في خيمة عسكرية شمالية، دفع رجل آخر أفظ منه كأس نبيذه بالمثل نحو الأمير آنذاك، يدعوه إلى الشرب معه.
وأفاق تاليس سريعًا. ورأى تعبير زايين فابتسم.
«ترك الماضي خلفنا، والوقوف معًا…
«هذا يبدو مألوفًا»، قال الأمير متأملًا:
«قبل ست سنوات، في مهمتي الدبلوماسية إلى إكستيدت، ألم تقل شيئًا مشابهًا؟»
وهبط وجه زايين.
وعند هذا المشهد، تذكر تاليس كلمات الدوق فاكنهاز في برج الأمير الشبح:
«لكن عليك أن تكون أشد حذرًا ويقظة،
«فالإقطاعيون النبلاء الأقوياء المؤثرون سيتنافسون على الظهور أمامك. سيريدون استمالة الأمير الذي عاد للتو إلى الأمة، ويبذلون جهدهم ليجعلوك في صفهم، ويجعلوك الطليعة في القتال ضد قصر النهضة».
وحدق تاليس في تعبير زايين وضحك ضحكة خافتة: «آسف، لكن ربما كان ينبغي أن تقول: جايدستار وكوفينديير، لنتحد بالمصاهرة، ولتتشابك دماؤنا، ونتقدم ونتراجع كواحد، ونتشارك عرش الكوكبة؟»
وفي تلك اللحظة، رأى الأمير بوضوح وجه زايين يبرد وتنفسه يتسارع.
كنسيم ربيع لطيف يصطدم فجأة بكتلة هواء بارد.
وفي الجوار، تثاءب دويل، الذي عاد ليتسلم نوبة، ونخز الحامي الصريح فيري.
«ماذا يتحدث صاحب السمو وكوفينديير؟ أهما مقربان؟ لقد طال حديثهما…
«قل يا فيري، ألا تظن أنه، رغم أن كثيرًا من السيدات حاولن الاقتراب من صاحب السمو، يبدو أنه يستمتع بصحبة الرجال أكثر؟»
وربما لم يتوقع فيري، الذي يراقب الضيوف باهتمام، أن يكلمه دويل، فتجمد ثانية.
«أم، يبدو كذلك؟»
وبدا دويل مرتابًا.
«لماذا تظن ذلك؟»
وأجاب فيري بلا تردد: «لأن صاحب السمو رجل أيضًا».
آه؟
وانعقد لسان دويل. وأحس أن في الأمر خطبًا، فتأمل هذه الكلمات لكنه لم يجد فيها أي عيب.
وأمام تاليس، خفض دوق الساحل الجنوبي كأس نبيذه.
«خلافاتنا السابقة نجمت عن حوادث أو فرضتها الظروف، لكنها لم تكن متعمدة ولا شخصية بأي حال،
وأخذ زايين نفسين عميقين ليهدئ نفسه.
«أما هذه المرة، فأنا جاد.
«هذه المرة، الأمر بيني وبينك فقط. لا علاقة لعائلتينا، ولا حاجة إلى إقحامهما».
وكانت نبرة دوق زهور السوسن متصلبة، كأنه يكبح نفسه.
«بيني وبينك فقط، لا علاقة لعائلتينا…
«هذه المرة، أنا جاد…»
وانفجر تاليس ضاحكًا في داخله.
«هذا السيناريو المليء بالحثالة حي جدًّا، ما الذي يحدث؟»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.