تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل559

الفصل 559: الشرايين الثمانية

المشاهدات نشر في تاريخ نوفمبر 2, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 559: الشرايين الثمانية

 

رفع مالوس رأسه ببطء، لكنه بدا وكأنه يراقب جميع الحاضرين.

 

وكأن يدًا خفية شدّت الجو شدًّا لم يترك فيه فراغًا.

 

“لن تختاروا التضحية إلا حين تؤمنوا بأنكم بالتضحية ستنالون شيئًا أثمن—سمعة، أو منافع عملية، أو سلامة الآخرين، أو مجرد رضا عن النفس.”

 

وازدادت كلمات مالوس جدّية: “بعبارة أخرى، لا يحق لكم الاختيار، ولا يحق لكم أن تضحّوا بشيء عن حق، كحياتكم مثلًا، إلا حين تعرفون بما تؤمنون وما الذي تعتزون به وما الذي تريدون مقايضته.”

 

ولم ينطق ثاليس بكلمة. وكان لديه انطباع بأن مالوس يحدّق فيه.

 

وفي الثانية التالية، استدار مالوس بسرعة ورفع باترسون ذراعه. وسدّد كلٌّ منهما جلدة أخرى—

 

فرقعة!

 

وهذه المرة، لم يستطع توليدو أن يتفاعل في الوقت المناسب، فلحق بالعدّ بعد تأخير.

 

“وإلا فإن تضحيتكم التي تسمّونها مجيدة…” ونظر مالوس بلا تعبير إلى الاثنين اللذين انهارا على الأرض يلهثان. “…لن تكون سوى اندفاعة لحظية، وحماقة جرى التلاعب بها وتحريضها، بل إهانة للنفس وانقياد أعمى.”

 

فرقعة!

 

جلدة أخرى.

 

وسحب غلوفر صدره عن الأرض وصرّ على أسنانه ليتماسك. أما دويل فاكتفى بأن مال إلى الخلف وجلس على ساقيه جاثيًا.

 

“لا أعاقبك يا دويل لأنك اتخذتَ الخيار الخاطئ،” قال مالوس ببرود، “فحين أُخذ أبوك رهينة وكان الموقف متوترًا وغير واضح، أبديتَ شهامة بالغة حين نحّيتَ كل شيء جانبًا واندفعتَ بسيفك المسلول عازمًا على التضحية بنفسك وإنقاذ أبيك.”

 

ونظر دويل إلى المراقب بشرود.

 

“لكن ما الذي أردتَ أن تضحّي به؟ وبماذا أردتَ أن تقايضه؟ أبوك؟ سموّه؟ نفسك؟ العدالة؟ الولاء؟

 

“هل كنتَ تعرف؟ هل كنتَ تفهم بوضوح؟”

 

ولم يعد مالوس ينظر إلى دويل المذهول.

 

“وأنت يا غلوفر!”

 

فقوّم الزومبي ظهره وأصغى بجدية إلى التوبيخ.

 

“سواء تركتَ دويل يمضي سرًّا تعاطفًا معه ليتمكن من إنقاذ أبيه، أو اقترحتَ هجومًا مباغتًا لتمنعه من المبارزة… فهذا يبدو لطيفًا نبيلًا مراعيًا لرفيق في السلاح.

 

“لكن مجددًا، ما الذي أردتَ أن تضحّي به؟ وبماذا أردتَ أن تقايضه؟ رفيقك؟ الزمالة؟ الضمير؟ المسؤولية؟ الواجب؟

 

“هل كنتَ تعرف؟ هل فكّرتَ في ذلك؟”

 

وكان مالوس صارمًا على غير عادته: “بماذا تؤمنان أنتما الاثنان؟ من أجل ماذا تقاتلان؟ ما الذي تضحّيان به؟ ومن الذي تنقذانه؟”

 

وارتبك دويل وغلوفر ولم يعرفا كيف يجيبان.

 

لكنهما لم يحتاجا إلى ذلك، لأن ما استقبلهما بعد ذلك هو—

 

فرقعة!

 

ووسط الصرخات، انقطعت أفكارهما مرة أخرى بألم مبرّح.

 

“لا. لا تستطيعان حتى أن تبدآ الإجابة، لا تستطيعان أن تخبراني بصدق، لأنكما لا تعرفان.”

 

وهدأت نبرة مالوس، لكنها ظلت تجعل الجميع يشعرون بالتوتر. توتر كأوتار القوس المشدودة.

 

وغرق جميع الحرس في التفكير.

 

“لا. أعاقبكما لا لأنكما اتخذتما الخيار الخاطئ، بل لأنكما لم تريا الخيار أصلًا!

 

“لقد لجأتما إلى غرائز الحيوان حين كنتما غير واضحين ومرتبكين، واندفعتما أعمى وتصرفتما بدافع اللحظة. ثم تندمان بعد وقوع الأمر وتتصنعان وترفضان الاعتراف بأنكما أخطأتما. وتمسحان دموعكما وأنتما تقولان إنه ‘ثمن لا بد منه’، ثم ترتكبان الخطأ الأحمق نفسه في المرة القادمة.

 

“وتسميان هذا تضحية؟”

 

وضحك مالوس وهو ينفض الدم عن سوطه.

 

“كقطعتي شطرنج مثيرتين للشفقة، تحرّكان نفسيهما بلا وعي.

 

“إلى أن انتشلكما سموّه برحمته من رقعة الشطرنج المحتومة الموت—مع قطعة العدو.”

 

وارتجف ثاليس، الذي التزم الصمت.

 

وأحسّ بنظرات كثيرة تتجه إليه.

 

وكان دي دي والزومبي يتنفسان بشرود، كأن ألم الجلد المبرّح لم يعد يؤثر فيهما في تلك اللحظة.

 

“ونتيجة لذلك، فبأفعالكما الغامضة، خذلتما نفسيكما، وعرّضتما واجبكما للخطر، وآذيتما زملاءكما، وشكّلتما تهديدًا للوضع برمّته.

 

“لقد كان جهدًا مهدورًا لم يتحقق منه شيء.”

 

وكان في نظرة مالوس ألم: “كانت تلك قمة الحماقة.”

 

ودوّى هسيس وومضة سوط.

 

فرقعة!

 

وأطلق المعاقَبان صرخات ألم بينما رسمت ظلالهما أشكالًا متحركة على الأرض.

 

“لو كنتما محاربين مندفعين، أو وقود مدافع في المعركة، أو فرقة انتحارية في ساحة القتال، لربما منحتُكما الترقيات والأوسمة لأحفّز الكتيبة على مواصلة بذل أرواحها بنكران ذات، ولروّجتُ لـ’التضحية’—سواء رضيتما أم لم ترضيا،” وازدادت نبرة مالوس كآبة مع نظرته، “لكنكما لستما كذلك.”

 

ونظر مالوس إلى الجميع وقال ببرود: “أنتم حرس ملكيون.

 

“يعود تاريخكم ألف عام إلى الحرس البريتوري للإمبراطور.”

 

وصوت آخر لسوط يشق الهواء.

 

فرقعة!

 

لكن هذه المرة، اكتفى دويل وغلوفر بأنين عنيد. فارتجفت هيئتاهما لكنهما لم تسقطا.

 

وراقب مالوس باترسون وهو يجمع سوطه بصمت ويسلّمه إلى بيدروسي، ورأى توليدو يغمز لباترسون بجنون ليشير إلى أن عدد الجلدات قد بلغ المطلوب.

 

“أن تتصرفا كما فعلتما، فهذا ليس تضحية.

 

“أن تتصرفا كما فعلتما، فلا حق لكما في التضحية،” قال المراقب بلا حماس.

 

“أنا متعب. سأُسقط جلدتك الأخيرة،” والتفت وناول سوطه لكابوني، “أيها الحامي دويل.”

 

وما إن سمعا هذه الكلمات حتى زفر الاثنان اللذان كانا يتماسكان براحة وسقطا منبطحين إلى الأمام.

 

ولم يبقَ إلا ظهراهما العاريان النازفان ليرويا القصة.

 

وسادت جلبة صغيرة بين الحرس، كأن الجميع تنفسوا الصعداء في وقت واحد.

 

وتنهد ضابط الإمداد ستون ولوّح بيده. فاندفع بضعة رجال، وقد أعدّوا أنفسهم جيدًا، بالنقّالات. فعقّموا جراح دويل وغلوفر ونظّفوها وطلوها بالمرهم وضمّدوها بمهارة.

 

وأغلق حامل الراية هوغو فيوبل دفترًا صغيرًا كان يدوّن ويسجّل فيه أثناء العقوبة.

 

“سيتولى أحدهم مناوبتيكما ريثما تتعافيان من إصابتيكما.

 

“وأما الذين لم يُجلدوا،” ورمق مالوس الحشد بنظرة جانبية فأذهل العشرين شخصًا الباقين أو نحوهم، “فلتكن هذه درسًا لكم.”

 

واستعاد المراقب سلاحه من توليدو وأمر ببساطة: “والآن، انصرفوا.”

 

وفي اللحظة التالية، تفرّق حرس بحيرة النجوم كلهم كوتر قوس أُرخي.

 

لكن في تلك اللحظة.

 

“يا سيد مالوس، لا أفهم،” وكان دويل شاحبًا مستلقيًا على نقالة—وتجاهل محاولة بروكا ثنيَه—فجلس وسأل بإعياء: “إن كانت التضحية خطأ، لكن عدم التضحية ليس صوابًا أيضًا، فماذا عليّ أن أفعل يا سيدي؟”

 

وتوقف كثيرون في أماكنهم.

 

وتوقف مالوس كذلك.

 

ونظر نحو ثاليس البعيد، فشعر الأخير بالتوتر.

 

“ما دامت التضحية صفقة،” بدأ المراقب بخفوت، “فلا تخطئ في تقدير القيمة على طرفي الميزان حين تعقد الصفقة. فأشياء كثيرة في هذا العالم—كلمات فارغة صيغت لتبدو أكبر مما هي، ومؤامرات متعمدة وعادات لا واعية—قد تحجب تلك القيم وتخدعك لتعقد صفقات غير عادلة.”

 

والتفت مالوس ونظر إلى الجميع.

 

“تأكدوا من أنها موازينكم أنتم،” تابع ببطء، “وتأكدوا من أن ما عليها ليس أوزانًا وعلامات تثقون بها عمياء رغم أنكم لا تفهمونها.”

 

وجعلت هذه الكلمات الجميع يتأملون.

 

وصمت ثاليس.

 

وبعد بضع ثوانٍ، غادر الحرس في ساحة التدريب لأداء واجباتهم.

 

وعاد ثاليس إلى نفسه وتقدم بخطوات واسعة نحو المعاقَبَين.

 

وعلى النقالة، أحسّ دويل بشيء فرفع رأسه. وحين رأى ثاليس، حياه بابتسامة واهنة: “يا صاحب السمو.”

 

وكان قلب ثاليس مثقلًا، فجاهد ليجد الكلمات المناسبة. واكتفى بأن سأل: “كيف حال أبيك؟”

 

وأبدى دي دي ابتسامة متألمة متكلفة: “أنت تعرفه… ما زال مرتجًّا بعض الشيء.

 

“وهذا سيعيده إلى جادة الصواب لوقت طويل.”

 

وصمت ثاليس. وبعد بضع ثوانٍ، ربّت على كتف دويل وأومأ لغلوفر على الجانب الآخر: “تعافيا.”

 

وحُمل دويل وغلوفر على النقالتين بعيدًا.

 

وحيّا ثاليس كثير من الحرس العابرين.

 

بروكا الذي بارزه؛ وجونفيلد المبارز الأعسر؛ وكومودور ضابط الشرطة السابق؛ وفرانزوك الطويل من فرقة الدفاع؛ وفيري الضئيل الأخرق؛ وباستيا المفتول؛ ونيس الشاب الذي تبعه إلى هنا…

 

“يا صاحب السمو.”

 

“نهارك سعيد.”

 

“دمتَ بخير.”

 

وومضت أمامه وجوه صارت مألوفة له على مدى شهرين.

 

وربما كان وهمًا، لكن بعد الليلة الماضية، تلاشى قدر لا بأس به من الغربة وعدم الانسجام اللذين أحسّ بهما ثاليس في البداية من حرس بحيرة النجوم.

 

وعلى الأقل صارت تحياتهم أكثر احترامًا وأكثر طبيعية.

 

باستثناء واحد.

 

“لقد أتيتَ مبكرًا يا صاحب السمو.”

 

وسار مالوس نحوه بهدوء: “لا يزال أمامنا وقت قبل أن يبدأ درس فنون القتال.”

 

وسخر ثاليس: “وأنت كذلك.”

 

ولم يبدُ أن مالوس لاحظ الغضب الخفيف في صوت دوق بحيرة النجوم، فاستدار بعفوية: “كل الأفضل. فلنسخّن.”

 

وأخذ ثاليس نفسًا عميقًا.

 

“لا بد أن أقول، كلما تحسّن انطباعي عنك يا مالوس…”

 

ونظر نحو النقالتين البعيدتين وتابع ببرود: “تذهب وتفسده، أليس كذلك؟

 

“يا أكره قائد حرس شخصي لديّ؟”

 

وخلفه، تبادل باستيا ونيس نظرة وتراجعا بتفاهم ضمني مسافة بعيدة.

 

والتقط مالوس بلا اكتراث سيف تدريب وألقاه إلى ثاليس.

 

“إذن، كم قائد حرس شخصي كان لديك؟”

 

وسخر ثاليس وهو يدخل ساحة التدريب. وبدأ يسخّن بتلويح السيف الطويل: “أنت وحدك.”

 

“همم—” وردّ مالوس بنبرة أنفية صاعدة: “يا للارتياح.”

 

وضحك ثاليس ساخرًا.

 

“بالمناسبة…” ونظر إلى المراقب باستياء: “لماذا أشعر أنك كنتَ تلمّح إلى شيء حين ذكرتَ ‘الذين لم يُجلدوا’ قبل قليل؟”

 

وابتسم مالوس ابتسامة عريضة وهو مرتاح كعادته: “ربما أسأتَ الفهم؟”

 

وأظهر ثاليس بضعة أساليب في استعمال السيف. وتسارع نَفَسه وهو يرخي جسده: “ربما لا؟”

 

وهزّ مالوس كتفيه وقال مبتسمًا: “ربما لا إذن.”

 

وأغاظ ثاليس هذا المظهر الهادئ.

 

“على أي حال…” بدأ ثاليس عن قصد: “لماذا أشعر أنك تنصحهم بألّا يضحّوا باندفاع؟ وألّا يكونوا أوفياء للأسرة المالكة بلا وعي؟”

 

وأشار مالوس لثاليس بأن حركاته ينبغي أن تكون أنشط وهو يجيب بعفوية: “قلتُ لك، لا بد أنك أسأتَ الفهم.”

 

وسخر ثاليس: “ربما لا؟”

 

ولم يواصل مالوس الموضوع.

 

“حاول أن تكون أجدّ حين تسخّن،” وبدا المراقب كأنه عاد معلم فنون قتال مخلصًا وهو يقول بجدية: “فهذه صحتك أنت في النهاية.

 

“وعليك أن تعتني بها.”

 

وسخر ثاليس.

 

لكنه تذكّر على الفور شيئًا أقل سرورًا.

 

“ألم يأتِ أحد من قصر النهضة بعد؟

 

“فبعد كل شيء، الليلة الماضية…” ولم يُكمل ثاليس جملته.

 

وأفسد هذا الموضوع المزاج.

 

وتوقف مالوس قبل أن يرد: “لا.

 

“لكنني أؤكد لك أنهم سيأتون، عاجلًا أم آجلًا.”

 

وأتمّ ثاليس إحماءه بمشاعر متباينة. وشعر بالحرارة وتعرّق قليلًا.

 

“حسنًا. ما الدرس اليوم؟ التصويب؟ أوضاع السيف؟ أم تحمّل اللكمات؟”

 

وضحك مالوس وأشار إلى أحدهم من بعيد: “نيس؟”

 

وعلى مسافة، أشار الطليعي المتدرب نيس إلى نفسه بدهشة. وبعد أن تأكد أنه المقصود فعلًا بالاستدعاء، تقدّم بخطوات واسعة وقد غمره شعور بالتشريف.

 

وأدار ثاليس عينيه. وبرضوخ، ذهب يبحث عن درعه ويعدّ نفسه لتحمّل اللك—كح كح، للقتال.

 

لكن مالوس تصرّف هذه المرة على غير المتوقع.

 

“لا يا صاحب السمو. لا حاجة لأن تشارك،” قال المراقب مبتسمًا وأشار إلى مقعد: “تعال، اجلس.

 

“اليوم عرض توضيحي. درس نظري.”

 

هاه؟

 

عرض توضيحي؟

 

درس نظري؟

 

وذُهل ثاليس.

 

ونظر إلى سيف التدريب الثقيل في يده وسأل بحيرة: “فلماذا كان الإحماء إذن؟”

 

وضحك مالوس أعلى.

 

“للحفاظ… على العادات الحسنة؟”

 

ونظر إليه ثاليس بملامح خاوية.

 

“توليدو،” ولم يلاحظ مالوس نظرة الدوق القاتلة، بل أمر ساعيه العسكري: “اذهب وتدرّب بضع حركات مع نيس.

 

ورمى ثاليس سيف التدريب بإحباط، وجلس وعقد ساقيه بغير أناقة.

 

وفي الساحة، تبادل نيس وتوليدو نظرة، ورمقا ثاليس، ثم سارا نحو حامل الأسلحة.

 

“انتظرا،” أوقفهما مالوس بهدوء: “استعملا أسلحتكما أنتما، السيوف الحقيقية.

 

“أعني، لا نريد أن نمنح الليدي جاينز ما تمسكه علينا من جديد، أليس كذلك؟”

 

ونظر المراقب نحو ثاليس بنصف قصد وهو يقول هذا.

 

وبعد أن تعامل معه كل هذا الوقت، أدرك ثاليس أنه يستغل الفرصة ليسخر ويحتجّ. فضحك ثاليس بنصف قلب ولم يقع في الفخ.

 

وبعد بضع ثوانٍ، وقف نيس وتوليدو كلاهما داخل ساحة التدريب.

 

“أنت أكثر خبرة وأعلى رتبة. فهل تبدأ أنت؟”

 

وظل نيس الشاب يلقي النظرات على ثاليس ومالوس، متلهفًا لإثبات نفسه.

 

وكان السيف الطويل في يده، المصنوع من خامات جيدة، خفيفًا طيّع الاستعمال.

 

“لا، شكرًا. لم أعتد البدء أولًا.”

 

وكان توليدو، وهو من أكثر مرؤوسي مالوس الكبار ثقةً، يبتسم بتواضع: “ابدأ أنت.”

 

وكان سلاح توليدو ساطورًا. وبصورة غريبة، كان الساطور في غمده مربوطًا أفقيًّا خلف خصره، ويبدو غير مريح.

 

وابتسم نيس وأنهى تبادل المجاملات: “حسنًا—”

 

وما إن قال هذا حتى سلّ نيس سيفه.

 

ولمعت النصال كوميض البرق!

 

وتجمدت اليد التي كان ثاليس يغطي بها تثاؤبه في منتصف الهواء—فقد استيقظت خطيئة نهر الجحيم في داخله!

 

رنّ!

 

وسُمع صوت معادن تصطدم مكتوم.

 

فقد سلّ توليدو سيفه في لحظة حرجة وصدّ حركة السيف الخاطفة بوقفة غير مريحة.

 

وحدّق ثاليس في نيس بذهول وهو يهدّئ قوة الإبادة في جسده.

 

وفكّر في حركة السيف الأولى قبل قليل.

 

أي سرعة كانت تلك؟

 

حتى إن خطيئة نهر الجحيم، من مسافة بعيدة كهذه، ومن الإدراك البصري وحده، شعرت بالتهديد واضطرت إلى إطلاق ردّ فعلها الغريزي.

 

لكن هجوم نيس لم ينتهِ هنا.

 

فقد عكس نصله ضوءًا غريبًا وهو يرمي إلى البناء على ضربة جيدة بسلوك أقصر مسار ومضيّه مباشرة في الوسط!

 

رنّ!

 

واضطر توليدو إلى الدفاع بهلع.

 

“يا صاحب السمو، أتذكر حين أخبرتُك أن في المملكة مدارس فكرية مختلفة في فنون القتال؟”

 

وكان مالوس واضعًا يديه خلف ظهره بعفوية وهو يراقب مرؤوسيه يتبارزان بسيوف حقيقية.

 

“بالطبع. فصيل الهجوم والدفاع في الشمال، وفصيل فنون القتال في الجنوب الشرقي، والفصيل الحديث المتجه نحو الفائدة العملية.

 

“ولم تكتفِ بأن ‘تخبرني’،” ردّ ثاليس وهو يراقب هجوم نيس السيفي السريع بإعجاب. ولاحظ أن سرعة نيس لم تكن في حركات سيفه فقط. فحركة جسده وخطواته جعلتاه شبحًا طائرًا في المعركة، يظهر باستمرار حيث يزعج توليدو أشد الإزعاج.

 

وأومأ مالوس: “وأخبرتُك أيضًا أنه بعد أن تجتاز تدريبك على السيف الوهمي، سأعرّفك بمدرستين فكريتين رئيسيتين أخريين.

 

“وقد حان الوقت.”

 

وضيّق المراقب عينيه.

 

“خذا الأمر بجدية. ابذلا جهدًا أكبر، كلاكما!” صاح مالوس: “سموّه ليس هنا ليشاهد عرضًا في السيرك.”

 

وما إن أنهى مالوس هذه الجملة حتى ظهر لمعان نصل نيس من جديد!

 

وبدا أن خطواته وسرعته ازدادتا أضعافًا. بل لامست حركته الأخيرة درع توليدو الجلدي!

 

وجاهد توليدو أشد في الدفاع. واضطر إلى التفادي والتراجع. وتدريجيًّا تحوّل الأمر إلى معركة يطارد فيها أحد الطرفين الآخر بلا هوادة بينما يفرّ هذا بيأس.

 

ونظر ثاليس إلى توليدو وهو في موقف الضعف المطلق وعبس.

 

لو كان هو نفسه…

 

وهزّ ثاليس رأسه بخفاء. لا، لن يتمكن من التفادي بنجاح. وكان ليخسر بصورة أبشع من توليدو.

 

لكن كم كان عمر نيس أصلًا؟

 

“في المملكة، ثمة طبقة خاصة من المحاربين،” سُمع مالوس يقول: “يتعلمون فنون القتال من المصدر نفسه، لكن أساليبهم غريبة ومتنوعة…”

 

وكانت ملامح المراقب جادة: “وفي التاريخ، يشير إليهم الباحثون في مدارس فنون القتال الفكرية مجتمعين بأنهم—تلاميذ المعبد.”

 

وذُهل ثاليس.

 

“المعبد؟”

 

تلاميذ المعبد؟

 

وأومأ مالوس. وراقب السيوف والظلال تدور وتصفر والنصال تلمع في الساحة، لكنه ظل هادئًا كعادته: “لكن في سياقنا الحالي، المصطلح مفرط في التخصص وقديم الطراز إلى حد أن أحدًا لا يستعمله فعلًا.”

 

لكن نبرته كانت جادة على نحو استثنائي: “لكنهم في الواقع لا يوجدون في الكوكبة وحدها، بل في شبه الجزيرة الغربية كلها. لقد ازدهروا آلاف السنين ولم يضمحلّوا.

 

“ونيت نيس من أفضلهم.”

 

وحدّق ثاليس في نيس الذي بدا، بصريًّا، كأنه على وشك أن يستنسخ نفسه.

 

وكان سيفه الطويل سريعًا ومباشرًا.

 

وكان أثر ضربته الواحدة مذهلًا.

 

وتبنّى مالوس وقفة الراوي وتابع: “والمكان الذي يتعلمون فيه فنون القتال قديم وخاص. ففيه تجتمع أكثر مجموعة متنوعة من إرث فنون القتال وقوة الإبادة عبر آلاف السنين، وتواصل التقدم عبر العصور المختلفة. وهم ينقلون هذه المعرفة ولهم مكانة مرموقة في المنطقة—”

 

لكن في تلك اللحظة، قاطعه ثاليس فجأة: “معبد الفرسان.”

 

وذُهل مالوس.

 

وعدّل الأمير جلسته وتابع بجدية: “ولهذا سُمّوا تاريخيًّا ‘تلاميذ المعبد’، أليس كذلك؟”

 

ونظر مالوس إلى الشاب بعبوس وانزعاج طفيف لأن سرده قوطع: “أنت… أتعرفهم؟”

 

ونظر إليه ثاليس وابتسم: “أعرف قليلًا.”

 

قليلًا…

 

وأخذ مالوس نفسًا عميقًا وهو يراقب هجمات نيس المتواصلة، وحاول استعادة نبرته السابقة: “حسنًا، فربما لم تكن تعلم أن هؤلاء الناس كانوا أول—”

 

لكن ثاليس قاطعه مجددًا: “قبل عصر الإمبراطورية، كانوا أول فرسان ظهروا من الشمال، وأول من أيقظ القوى الخارقة.”

 

وراقب الدوق الشاب بإمعان المعركة الشرسة بين الاثنين في الساحة. وبدا غير مهتم بالإطالة، ومنشغلًا بالتفكير في أمر ما.

 

وعجز مالوس عن الكلام مرة أخرى.

 

وتصنّع المراقب سعالًا: “وبالحديث عن القوى الخارقة—”

 

“ومن خلالهم انتشرت القوى الخارقة بين البشر،” أتمّ ثاليس جملته بهدوء نيابةً عنه، “وفي الحروب ضد الأجناس الغريبة، كحملة طرد القداسة ومعركة البقاء، أظهروا مهارة استثنائية لبلوغ النصر، فوسّعوا القوى الخارقة التي كانت غير ناضجة حينها وحسّنوها، مستكشفين حدود الإمكانات البشرية ومستقبلها.”

 

والتفت ثاليس ونظر إلى مالوس المنزعج، ثم استرسل بحماسة: “فجمعوا النخبة وشكّلوا جماعة تدريجيًّا، وأسسوا عقيدتهم وتنظيمهم الخاصين.

 

“المعروفة باسم ‘معبد الفرسان’.”

 

وأخذ ثاليس نفسًا عميقًا، كأنه يستنشق رائحة الحبر من كتاب: “ولآلاف السنين، كان ذلك المعبد الأرض المقدسة المهيبة لفنون القتال البشرية، ومصدر قداسة الفروسية.”

 

وذُهل مالوس بضع ثوانٍ وحار.

 

“من أين تعلمتَ هذا؟”

 

وابتسم ثاليس: “في الشمال. بالتحديد، في مجموعة مكتبة عائلة والتون في مدينة سحب التنين، ‘نور الإنسانية: بداية معبد الفرسان ونهايته’.”

 

وزمّ مالوس شفتيه.

 

مجموعة مكتبة أحد برابرة الشمال.

 

بداية المعبد ونهايته.

 

حسنًا، ما دام الأمر يخص المعبد وحده…

 

وتنحنح المراقب، الذي قوطع مرة أخرى، بامتعاض: “حسنًا، كان معبد الفرسان مجيدًا حقًّا، لكن الأيام الطيبة لم تدم إلا إلى أن—

 

“إلى معركة الإبادة،” ارتفع صوت ثاليس في غير أوانه مجددًا: “قبل سبعمئة عام، خاض معبد الفرسان معركة شاملة ضد الكارثة وتكبد خسائر فادحة، ولم ينجُ منهم إلا نحو عُشرهم.

 

“حتى المعبد نفسه دُمّر ولم يمكن إعادة بنائه.”

 

وبدت الحيرة على مالوس. وتابع الأمير بنبرة حنين وأسى: “وفي النهاية، سافر ناجو معبد الفرسان إلى مكان بعيد وبنوا هناك برجًا عاليًا أسطوريًّا.

 

“وفي ذلك البرج العالي، واصلوا مهمة أسلافهم الحياتية في جمع القوى الخارقة—التي سُمّيت منذ ذلك الحين قوة الإبادة—ودراستها وتعليمها، ونشر مختلف أشكال فنون القتال وحراسة أمل البشرية.

 

“المعروف اليوم على نطاق واسع باسم…

 

“برج الإبادة.”

 

وبعد أن قال ذلك، زفر ثاليس براحة وابتسم لمالوس الذي قاطعه مرارًا: “ولذلك ينبغي أن يكون نيس تلميذًا في برج الإبادة.”

 

ولم يتكلم مالوس.

 

ورمش ثاليس: “ما الأمر؟”

 

ونظر إليه مالوس بكآبة: “أنتظر.

 

“لأرى إن كان لديك شيء آخر تريد قوله؟”

 

ورفع ثاليس حاجبيه: “همم، أظن أن هذا كل شيء.”

 

ونظر الأمير بزهو إلى ملامح مالوس المصدوم: “وإن أخطأتُ في شيء، فصحّحني من فضلك؟”

 

وأخذ مالوس نفسًا عميقًا كأن ضبط نفسه أنهكه، والتفت نحو الساحة.

 

“ألم تأكلا شيئًا اليوم؟!”

 

وصاح المراقب ببرود، مظهرًا مهابة قائد الحرس الشخصي: “ابذلا جهدًا أكبر!”

 

وفي الساحة، ورغم أن الاثنين كانا منهمكين في قتال شرس، لم يملكا إلا أن يترنّحا قليلًا لدى سماع هذه الكلمات.

 

والتفت مالوس وقد بدت عليه ملامح الضيق.

 

“كح—كنتَ محقًّا قبل قليل.

 

“فقد عاد نيت نيس من برج الإبادة منذ مدة غير طويلة.”

 

وتوقف مالوس بلا وعي ونظر إلى ثاليس.

 

وبعد أن تأكد من أن الأمير سيصغي بطاعة ولا ينوي مقاطعة حديثه، قال المراقب بعد سعال آخر: “في الكوكبة، يُعدّ فصيل ‘المعبد’، الذي يرى برج الإبادة مبدأً هاديًا، مدرسة فكرية بارزة ذات تاريخ عريق.”

 

مدرسة فكرية بارزة.

 

وقطّب ثاليس حاجبيه قليلًا وهو يتذكر وجوهًا مألوفة كثيرة تعلمت مهاراتها من برج الإبادة.

 

“كثير من نبلاء المملكة الذين يرجون أن يتفوق أحفادهم في الفنون القتالية والعسكرية يختارون إرسالهم إلى برج الإبادة. فهم من ناحية سيتلقون المعرفة المتوارثة عبر الأجيال ويحسّنون مهاراتهم. ومن ناحية أخرى سيوسّعون آفاقهم بالدراسة في الخارج.”

 

‘ناهيك عن بناء السمعة.

 

‘أو الهروب من المصائب’، تابع مالوس في ذهنه.

 

وأشار المراقب نحو الساحة: “وخلافًا لمدارس فنون القتال الفكرية الأخرى التي تعرّف نفسها بحسب أساليبها، فإن المبارزين الذين يخرجون من برج الإبادة ليس لهم أسلوب موحّد، بل يمتلكون في الواقع مهارات متباينة تباينًا شاسعًا.

 

“وبصفته خليفة معبد الفرسان العتيق، تقدّم برج الإبادة مع العصر وجمع شتى فنون القتال، وصنّف المهارات الموروثة، وصقلها بدراسة مكثفة، ثم قسّمها أخيرًا إلى ثماني مدارس فكرية كبرى.”

 

وبقي ثاليس مشدوهًا.

 

فقد سمع منذ زمن طويل ببرج الإبادة الشهير، لكن هل له فعلًا كل هذه الفصائل الفرعية؟

 

“ثمانية فصائل فرعية؟”

 

وأومأ مالوس.

 

وتكلم ببطء بإجلال واحترام، كأنه يُنشد شعرًا: “بيغاسوس، خطيئة الموت، الدم الحديدي، الوميض، الوردة، العاصفة، المعجزة، وحياة الفانين.”

 

وتابع بوجه جامد: “تلك هي شرايين الإبادة الثمانية.”

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.