الفصل 558: العقاب
“كما ذكرتُ سابقًا، فإن لغة الجان قد تجاوزت نطاق اللغة الذي نقدر على استيعابه. فمعظم معناها الفعلي يكمن في الفهم الضمني للمتحدث وتجاوبه معها، وهذا يعتمد على حواس الجان الفطرية الاستثنائية التي هي في حقيقتها الغرائز الأساسية لذلك العرق. وحتى بالنص المكتوب وحده، يستطيعون استعادة السياق ونقل وصف كامل وتحقيق الصلة الوجدانية عبر النطق وضربات الفرشاة، بالقراءة الجهرية أو باللمس. وهذا أمر يعجز البشر، الذين لا يعتمدون إلا على الكلام المبتذل، عن تخيله…”
في غرفة الدراسة في قاعة ميندس، كان كبير العلماء بونار يلقي درسه في القواعد بثقة وهدوء كعادته.
وجلس ثاليس خلف المكتب بوقفة أنيقة، ينسخ في صمت وعناية الحروف الجنّية القديمة والرموز الصوتية الخمسة إلى الخمسة عشر لكل حرف.
كأن شيئًا لم يحدث في الليلة السابقة.
“ولذلك فإن لغة الجان في الكتابة كثيرًا ما تبلغ من الإيجاز حدًّا مفرطًا: فالبنية النحوية للغة جان سيا القدماء تحذف الأزمنة والضمائر كثيرًا، وترتيب الكلمات في لغة جان ريهان القدماء يتضمن بانتظام انقلابات عصيّة على الفهم. وهناك طرفة في ذلك. فقد تُرجمت رواية رومانسية عن مثلث حب من لغة الجان إلى نص بشري شائع، فانقسم القراء بعد انتهائهم منها إلى ثلاثة معسكرات متناحرة. وجادل كل معسكر بأن الثنائي الذي يفضّله هو من انتهى به الأمر معًا. وفي النهاية اضطر المؤلف الأصلي إلى الظهور وتوضيح أنه كتب في الواقع عن حب سداسي الأضلاع…”
وظل صوت العالم بونار يطنّ برتابة، لكن ثاليس حافظ على تركيزه.
أما حرس بحيرة النجوم الواقفون عند المدخل فكانوا لا يزالون على تشكيل ثنائي من طليعي وحامٍ (كما يفضّل مالوس)، لكن لم يعودا غلوفر ودويل. بل صارا نيس الشاب وباستيا المفتول العضلات، اللذين لا يعرفهما ثاليس جيدًا. وقد أبدى كلاهما أداءً جديرًا بالإعجاب في الليلة الماضية: فالأول أخضع دي دي—القلق على أبيه—بقبضة حديدية، بينما اختبر ثاليس صلابة عضلات بطن الثاني.
‘إذن فقد أُعفي غلوفر ودويل من مناوبتهما’، قال ثاليس لنفسه.
“وبناءً على ذلك، في السنوات الأولى للإمبراطورية، خلال العصر البدائي، حين ابتكر الرودوليون أبجديتهم استنادًا إلى كتابة الجان، اضطروا إلى إضافة كثرة من الأعراف النحوية، كالأزمنة والبناء للمعلوم والمجهول وترتيب المبتدأ والفعل والمفعول وغيرها، ليوضحوا أمورًا كان الجان القدماء يدركونها دون وصف إضافي. وقاد ذلك إلى النقيض الآخر، فتطور إلى لغة الإمبراطورية القديمة المعقدة المتقنة ذات البلاغة المتغيرة. ولذلك علينا أن نتوخى عناية خاصة عند قراءة لغة الجان وترجمتها…”
ولم تكن الشمس موجودة اليوم. فقد هبّت ريح عاتية وكان البرد قارسًا.
فبدت قاعة ميندس موحشة صامتة.
ولو قيس الأمر بالأعوام السابقة، لكانت مدينة النجم الخالد قد غاصت في عمق الشتاء الآن. لكن الخريف هذا العام بدا طويلًا على نحو استثنائي، مما جعله يبعث على الكآبة والملل والتجهم.
وحرّك دوق بحيرة النجوم معصمه بصمت وراقب الحروف تتشكل على الورقة واحدًا تلو الآخر.
وبعد ليلة واحدة، تيبّس ظهره وآلمه جبينه وبرد جانب ساقيه.
وكل ذلك تذكير بأن ركن غرفة النوم لا يصلح لنوم هانئ.
“ولذلك لا يصعب فهم سبب اختلاف اللغات بين الأعراق، وكيف تصوغ اللغات المختلفة الأعراق المختلفة—فاللغة أداة، وهي نتيجة، لكنها أيضًا سيّد، وهي سبب. وهي خير مثال على ضيف يغتصب مكان مضيفه فيؤثر بعمق في مستخدميه عبر الأزمنة المتغيرة…”
وأصغى ثاليس إلى صوت العالم بونار المنخفض، وركّز نظره على الحروف أمامه بينما تتحرك سنّ فرشاته بمهارة كالآلة. وكانت كل ضربة دقيقة رقيقة.
وفيما عدا ذلك، لا شيء.
“اللاشيء” الذي يكره مواجهته.
“…بعيد.”
وصار صوت العالم بونار ضبابيًّا. وكانت نبرته غريبة متقلبة.
ولم يتفاعل الدوق الشاب. وانتقل إلى الورقة التالية بوجه خالٍ من التعبير وقلّب إلى الصفحة التالية التي سينسخها.
الصفحة التالية.
والتي بعدها.
لكن العالم بونار رفع صوته فجأة: “بَـ—عيد!”
فارتجفت فرشاة ثاليس، وتركت قطرة حبر على الورقة.
وأفاق من شروده ورفع بصره بدهشة.
“هاه؟ المعذرة؟”
وأمامه، كان العالم بونار الرصين يحدّق باهتمام في ثاليس وذراعاه معقودتان.
وضحك العالم بونار وشرح بصبر: “كانت تلك جملة بلغة جان سيا القدماء. ولو فُسّرت كل المعلومات الكامنة في نطقها لتُرجمت على الأرجح إلى—”
وعاد العالم إلى مقعده وتابع بلطف خفي: “انتباهك ليس هنا معي، ولا في الدرس، ولا حتى على الحروف تحت فرشاتك يا صاحب السمو.”
وذُهل ثاليس لحظة.
ورغم أنه فكّر سريعًا في بضعة أعذار، تنهد أخيرًا واعتذر بصدق: “آسف، آسف أيها العالم بونار.”
“أوه لا، بل أنا من ينبغي له أن يعتذر،” قال العالم بونار، وقد صار يحمل أكواب الشاي، وتابع دون أثر غضب، “فدرسي ليس ممتعًا بما يكفي لتركّز فيه وتنسى همومك.”
هزّ ثاليس رأسه: “ليس هذا ذنبك. أنت معلم ممتاز. لكنني فقط…”
لكن بونار قاطعه: “سمعتُ بما حدث الليلة الماضية.”
وتوقف ثاليس.
“من الجميل أن تكون محترمًا متفهمًا يا صاحب السمو. وألّا تتجاهل القيمة الإنسانية للشخص وصفاته الداخلية—حتى لو كان عدوك—أمر أجدر بالإعجاب.”
“أحقًّا؟” أجبر الأمير نفسه على ابتسامة عند هذه الكلمات وهو يكبح مشاعره المضطربة.
وأغلق العالم بونار كتابه المدرسي وقال بهدوء: “لكن لا تنسَ أنك إنسان أيضًا.”
وعندما سمع ثاليس هذه الكلمات تجمّد لحظة.
وابتسم العالم الجليل المبجّل: “ولذلك ظننتُ أن بوسعنا أن ننهي الدرس مبكرًا.”
وترك ثاليس فرشاته.
فقد أدرك للتو أن الأخطاء تعجّ بها صفحة الكتابة الجنّية التي كان ينسخها.
وتنهد الفتى: “شكرًا على تفهمك أيها العالم بونار. أنا ممتن.”
وردّ العالم بونار بابتسامة.
“السبب الذي يدعونا إلى تحسين قواعدنا ودراسة اللغات، وألّا نقف عند مستوى المحادثة اليومية وكتابة الرسائل يا صاحب السمو،” وقف وقال بعمق، “هو أننا، بوصفنا بشرًا، نقدّر قيم بعضنا وأحاسيسه، ولأننا نريد أن نتواصل ونتفاهم على نحو أفضل، لننقّب عمّا في أعماقنا ونعبّر عنه.
“بدلًا من الأفعال وردود الأفعال السطحية، والوعي الأعمى وسوء الفهم، والظنون الخبيثة والشكوك، وطبيعتنا اللامبالية وقواعدنا.
“وما يميّزنا عن الحيوانات يا صاحب السمو ليس أن ‘نحن’ نعرف كيف نشعل النار…”
وبدأ العالم بونار المسنّ بجمع مواده التعليمية بعناية: “بل إنه من بين هذا ‘النحن’، بعضنا يعرف كيف يشعل النار وبعضنا لا.”
وتأمل ثاليس هذه الكلمات العميقة دون أن ينطق بشيء.
ووقف وانحنى.
وبعد أن غادر العالم بونار، ألقى ثاليس نظرة على الطقس الكئيب في الخارج واستدعى نيس وباستيا.
“أي أخبار من قصر النهضة؟”
“لا شيء يا صاحب السمو.”
وكان الطليعي المتدرب، وقد بدا جليًّا أن هذه أول مرة يكلّفه فيها الأمير الذي يخدمه بمهمة، شابًّا لا يكبر ثاليس إلا ببضع سنوات، وبدا متحمسًا. فنظر إلى الأمير بجدية وترقب.
“في الواقع، أظن أن القصر مشغول الآن، بسبب… ما جرى الليلة الماضية.”
الليلة الماضية.
تنهد ثاليس. وشعر بالكآبة.
ورمق باستيا، الأكبر سنًّا قليلًا، نيس بنظرة، لكن الشاب لم ينتبه إطلاقًا وواصل بحماسة: “أتريد أن نرسل أحدًا ليستفسر في قصر النهضة؟ يمكنني أن—”
“لا. لا داعي لذلك.”
ووقف ثاليس.
“عليّ أن أغيّر ثيابي. الدرس التالي هو فنون القتال. قبل أن يصل مالوس،” ووقف الدوق وفكّ أزرار كمّيه. فبعد الليلة الماضية، كان يتوق بشدة إلى تلويح سلاح، “أريد أن أسخّن في ساحة التدريب.”
وردّ نيس بوجه مشرق: “بالطبع. سأبلغ الخدم الآن—”
“لكن يا صاحب السمو،” تردد باستيا، الأكبر سنًّا قليلًا، في الكلام. وكان صوته خشنًا كزئير في ورشة حدّاد.
“بخصوص ساحة التدريب…”
وتوقف عن الكلام فجأة.
“ما الأمر؟” نظر ثاليس إلى الحامي القوي كتلّ صغير، وتذكّر قوته حين حماه الليلة الماضية. وتساءل إن كان لكل حرسي ملكي بنية كهذه.
“دي دي عاد للتو.”
وتجمدت اليد التي كانت تفكّ كمّه.
ولاحظ باستيا ملامح ثاليس فقال سريعًا: “أعني دويل. هو مع الطليعي غلوفر في ساحة التدريب… برفقة القائد مالوس.”
والتفت ثاليس بحيرة: “وماذا في ذلك؟”
فتبادلا نظرة لكنهما لم يجيباه.
ولم يضطر إلى الحيرة طويلًا.
فحين بلغ ثاليس ساحة التدريب، كان معظم حرس بحيرة النجوم هناك. وقد انقسموا إلى فرق بحسب الرتبة والواجبات، وشكّلوا نصف دائرة—تمامًا كما فعلوا حين “اختبروا” ثاليس سابقًا.
وأراد نيس أن يلفت انتباه الجميع ويجعلهم يؤدون التحية لثاليس، لكن باستيا أوقفه بسرعة.
وأدرك ثاليس أن ثمة أمرًا غير طبيعي.
فتحت السماء الملبّدة، وقف الجميع في وضع الانتباه بصمت. لم يهمس أحد، ولم يتحرك أحد بوصة زائدة.
ومرّت نظرة ثاليس عليهم واستقرت على مالوس الذي يقف في المقدمة:
يداه خلف ظهره. وملامحه هادئة كعادتها ونظرته ساكنة، لكن حوله هالة مقلقة.
وخلف المراقب مباشرة وقف ضابط العقوبات باترسون، وضابط الإمداد ستون، وحامل الراية فيوبل—هؤلاء الحرس المخضرمون ذوو المكانة الخاصة، بملامح جادة.
وأمام مالوس، في وسط ساحة التدريب، جثا رجلان على ركبة واحدة، يد على الصدر والرأس مطرق.
يتحملان أنظار الجميع.
كانا دويل وغلوفر.
وذُهل ثاليس قليلًا.
ووقف الأمير بلا وعي على جانب من ساحة التدريب ولم يتقدم.
فقد أخبره حدسه بأنه لا ينبغي له أن يقترب أكثر.
ومع ذلك، لاحظ بعضهم قدوم الدوق، لكن الموقف أمامهم منعهم بوضوح من تحيته بصوت عالٍ. فاكتفى كثيرون بانحناءة طفيفة ووضع يد على الصدر.
ولاحظ مالوس ثاليس سريعًا هو الآخر. فألقى نظرة عابرة ثم عاد بلا مبالاة إلى ما بين يديه: “باترسون، أدِّ عملك.”
وأمام الحشد، خطا ضابط العقوبات باترسون خطوة ببرود متجاوزًا مالوس وبلغ الاثنين الجاثيين.
“الحامي من الدرجة الأولى، داني دويل.”
فارتجف دويل الجاثي.
وكان صوت ضابط العقوبات ثابتًا لكنه خالٍ من الشعور، بنبرة قاطعة لا تقبل الاعتراض كنبرة المحاكمة.
“بصفتك الحامي في قاعة ميندس صاحب أفضل خلفية عائلية وأكثر الآفاق الواعدة، عرّضت تصرفاتك الطائشة الليلة الماضية سموّه للخطر وأعاقت عمل زملائك، مخالفةً مسؤولياتك بوصفك حرسيًّا ومهمتك.”
وأغمض ثاليس، وهو يراقب من الجانب، عينيه. فقد عرف ما يجري.
لكن الليلة الماضية…
واستعاد ثاليس صورة البارون دويل المذعور، والبارونة الهستيرية، ودي دي الذي لوّح بسيفه غضبًا.
واستعاد أنكر بيرايل وابتسامته اليائسة.
وكذلك النظرات التي لا تُحصى من المتفرجين.
فشعر بعدم ارتياح.
“اصقل سيفك ليلمع نصله،” نطق باترسون بعبارة عتيقة، وخفض بصره ونظر ببرود إلى دي دي الجاثي: “هل لديك ما تودّ الاستئناف به؟”
وكانت ملابس دويل مبعثرة وشعره أشعث. وهذا تناقض صارخ مع صورته المعتادة: ابن الأثرياء الكسول الماكر المهندم.
“لا شيء يا ضابط العقوبات باترسون.” وأخذ دويل نفسًا عميقًا. ورفع رأسه بكآبة. ولم تلمع عيناه إلا حين وقع بصره على ثاليس: “لقد أضرّ تهوري بسموّه وبالجميع. وأنا مستعد لتحمل مسؤولية أخطائي.”
وأنزل اليد التي على ركبته وجثا على الركبتين كلتيهما، ثم قال ورأسه مطرق: “اصقل سيفي، فنصله بحاجة إلى اللمعان.”
ولم ينطق أحد من الحرس المتفرجين. فقد راقبوهما جميعًا بصمت؛ وكان الجو كئيبًا.
وألقى باترسون نظرة على مالوس. ولم يتكلم الأخير.
“حسنًا إذن،” أومأ ضابط العقوبات وأمر بلا مبالاة: “تسع جلدات.”
ومع صدور الحكم، سادت جلبة طفيفة بين الحرس، لكنها كُبتت سريعًا.
وخلف باترسون، تقدّم كابوني وبيدروسي من فرقة الانضباط بوجهين خاليين من التعبير—الأول يسميه دي دي مازحًا دائمًا “سترة باترسون القطنية الصغيرة”، والثاني كان من فرقة القنّاصة المرتجلة الليلة الماضية.
أما دويل الجاثي على الأرض فكان مستعدًا جيدًا. وأمام أنظار الجميع، نزع سلاحه بصمت وسلّمه، ثم خلع معداته الدرعية وقطع ملابسه واحدة بعد الأخرى: المعطف، والسترة، وواقي المعصم، وواقي الذراع، والدرع الجلدي، وحزام السلاح، والوشاح، والصدرية الداخلية…
إلى أن كشف عن جذعه العلوي المفتول المتناسق، يرتجف في ريح الخريف الباردة.
ولم يتوقف ضابط العقوبات. بل انتقل إلى الشخص التالي.
“كاليب غلوفر، الطليعي من الدرجة الأولى.”
ولم يردّ “الزومبي” غلوفر، بل ظل هادئًا كعادته.
كأن الاسم المنادى لم يكن اسمه.
“بصفتك أقدم الطليعيين وأقدرهم، أخفقتَ في ملاحظة حالة شريكك النفسية. وحتى بعد أن لاحظتَها، تجاهلتَ واجبك بل عصيتَ الأوامر تعاطفًا وتغاضيتَ عن تصرفه الطائش.”
وعضّ دويل، الذي بجانبه، على شفته لكنه لم يجرؤ على النطق بكلمة.
ومقارنةً بما سبق، كان توبيخ باترسون لغلوفر أشد نبرة: “اصقل سيفك ليلمع نصله.
“هل لديك أي اعتراضات؟”
ورفع غلوفر رأسه ببطء، كتمثال ظل مختومًا ألف عام ثم انكشف للهواء وتساقط عنه الغبار.
“لا،” قال الزومبي بصوت أجشّ لكنه هادئ، “اصقل سيفي، فنصله بحاجة إلى اللمعان.”
ونظر إليه باترسون نظرة طويلة قبل أن يعلن: “سبع جلدات.”
ومن دون حاجة إلى تنبيه، جثا غلوفر سريعًا على ركبتيه، ونزع درعه ومعداته عن وعي ليكشف عن جسد مفتول لكنه أسمر خشن النحت. وعلى جلده ندوب قديمة كحُفَر صغيرة في كل مكان، على النقيض من جسد دويل.
وجثا الاثنان في ساحة التدريب بنصفيهما العلويين عاريين، يتحملان نظرات أقرانهما.
وظل مالوس صامتًا، يراقب ببرود فحسب.
وتضاعفت مشاعر ثاليس المتباينة.
وأخرج كابوني من فرقة الانضباط من حقيبة المعدات قضيبين قصيرين بحجم المغزل، وناولهما لدويل وغلوفر ليعضّا عليهما.
“لديك خبرة في هذا،” وأرخى كابوني القضيب الخشبي في فم غلوفر وهمس بين الاثنين: “ليس عندي سوى نصيحة واحدة: عضّ عليه ولا تدعه يسقط.”
وفي المقابل، سحب بيدروسي بتأنٍّ غرضين جلديين بحجم القبضة كانا مربوطين على شكل عقدة، وفكّ الحزمتين ببطء فصارتا سوطين جلديين.
وكان السوطان نحيلين متينين. وجرّب بيدروسي لوحهما في الهواء الفارغ، فصدر عنهما فرقعة.
فعبس كثير من الحرس.
وأخذ دويل نفسًا عميقًا. وبدا غلوفر جادًّا.
“اصمدا يا فتيان،” قال ضابط العقوبات باترسون ببرود، “صدّقاني، لقد رأيتُ الأسواط ذات الأشواك التي يستعملها أهل الشمال. إنها أغلظ وأسوأ من الحبال التي تُعلّق بها الجثث على بوابات المدينة.”
وبدت على دويل ملامح قبول هادئ. فاستدار ونظر إلى ثاليس وأومأ للأمير.
وتنهد ثاليس وأومأ له بصمت.
وعبس مالوس لهذا المشهد.
وفي الثانية التالية، لوّح باترسون بيده.
وكان كابوني وبيدروسي خلف الاثنين الجاثيين، يعدّلان السوطين.
لكن في تلك اللحظة، وضع أحدهم يده على كتف ضابط العقوبات.
كان مالوس.
“غراي، تولَّ أنت أمر غلوفر.” ونظر المراقب إلى باترسون المذهول. وتقدم وأشار إلى كابوني بأن يناوله السوط: “أما الحامي دويل، فسأتولاه أنا.”
وارتفعت همسات من الحرس.
وذُهل دويل وغلوفر كثيرًا هما أيضًا.
وعبس باترسون: “نحن نتولاه بأنفسنا؟ في الواقع لا داعي…”
لكن مالوس قاطعه: “بما أن بين الحشد ضيفًا مرموقًا، فعلينا أن نتعامل مع الأمر بجدية أكبر، ألا توافقني؟”
وألقى المراقب نظرة جانبية على ثاليس.
وكُبتت ثرثرة الحرس سريعًا.
وشعر ثاليس ببرودة في قلبه ورمق مالوس بنظرة ساخطة: “لكنني—”
“مع أن هذا شأن داخلي للحرس يا صاحب السمو،” لم يمنح مالوس ثاليس فرصة للكلام. وانحنى للأمير وابتسم بهدوء: “فأنت مرحّب بك لتشاهد، وتكون شاهدًا.
“أم أنك مستعد لأن تعدّ لنا عدد الجلدات؟”
وذُهل ثاليس وهو يجاهد لإيجاد الكلمات.
وتنهد باترسون. وتبع غلوفر من الخلف، ودفع بيدروسي المذهول جانبًا وأخذ منه السوط.
ووقف مالوس خلف دويل. وهزّ السوط في يده، وابتسم لثاليس وقال قبل أن يردّ الأخير: “حسنًا، ما دام سموّه لن يفعل. توليدو، أنت تعدّ.”
وفي الحشد، ذُهل توليدو—ساعي مالوس العسكري—لحظة.
ونظر إلى رئيسه، ثم إلى الأمير، وارتبك.
إلى أن أمر مالوس بتبرّم: “الآن!”
فلم يجرؤ توليدو على التردد أكثر. وتقدّم ورفع رأسه وصاح: “واحد!”
وخبا صدى صوته.
وبينما كان ثاليس يراقب بدهشة وغضب، لوّح مالوس وباترسون بذراعيهما في آن واحد.
ووووش ووووش…
وكانت حركتاهما بارعتين وانسيابهما سلسًا. وكاد قوسا السوطين يتطابقان، وصوتهما وهما يصفران في الهواء لم يُسمع له مثيل!
وتعثر نَفَس ثاليس.
وفي الثانية التالية، مزّق صوت الاحتكاك السريع بين الجلد والبشرة الهواء—
فرقعة!
حاد، رنّان، قاسٍ، يقشعر له البدن.
وفي ساحة التدريب، ارتجف دويل بعنف!
ووضع يديه معًا بلا وعي وانحنى إلى الأمام، لكنه تدارك سريعًا فأعاد يديه إلى الأسفل وقوّم ظهره.
وإلى جانبه، أطبق غلوفر على القضيب القصير بين أسنانه بقوة وملامحه غير مكترثة. وجسده الصلب كالفولاذ ارتعش قليلًا فحسب حين ضربه السوط.
لكن تنفسهما تسارع كلاهما.
وسرعان ما رأى ثاليس على ظهري الحارسين المعاقَبين—خشنِ الجلد كان أم ناعمه—خطًّا أحمر رقيقًا بشعًا يظهر قطريًّا من أعلى اليمين إلى أسفل اليسار. وتسرّب منه الدم وانتشر على الجلد المحيط.
“بهذه القوة،” سمع ثاليس باستيا يطلق تنهيدة خافتة، عمدًا أو غير عمد، “سيترك ندبة.”
وراقب المتفرجون بأنفاس متفاوتة ونظرات معقدة.
ومدّ مالوس يده اليسرى وأوقف توليدو عن العدّ. وقال بتمهل: “أيها الحامي داني دويل، أتعرف ما كان أكبر أخطائك الليلة الماضية؟”
وكان دي دي ما زال غارقًا في ألم الجلدة الأولى المبرّح ولم يتكلم. وأطبق بشدة على القضيب القصير وقد التوت ملامحه.
وتوقف مالوس قليلًا قبل أن يلتفت إلى توليدو.
ولم يجرؤ توليدو على التسويف، فعدّ على عجل: “اثنان!”
وانطلق سوطا مالوس وباترسون للمرة الثانية.
فرقعة!
وارتجف دويل وغلوفر مجددًا.
وأشاح ثاليس بوجهه بلا وعي، كأنه يحس بالألم اللاذع بمجرد النظر.
“أجبني.”
وأظهر مالوس ابتسامته الهادئة المعتادة: “أيها الحامي دويل…
“هل تعرف؟”
ولهث دي دي وبدا أنه يجاهد.
لكنه أخيرًا أخذ نفسًا حادًّا!
ولفظ القضيب القصير وقال بحزم وألم: “بسبب اختياري وتهوري وأنانيتي، عرّضتُ سموّه والجميع للخطر!”
وسخر مالوس بخفوت وأشار إلى توليدو.
“ثلاثة.”
وشقّ السوطان الهواء مرة أخرى.
فرقعة!
وهذه المرة، ومن دون القضيب القصير في فمه، تأوه دويل ألمًا وانهار جسده كله إلى الأمام. واحتاج إلى بضع ثوانٍ ليجثو منتصبًا من جديد.
ونظر غلوفر إلى دويل بجانبه وأطبق أشد على القضيب القصير.
“إجابة خاطئة،” قال مالوس بهدوء.
“أخبرني يا دي دي، حين يتعارض المصلحة الشخصية مع المصلحة الجماعية،” وهزّ المراقب سوطه، “أيهما تختار؟”
وما إن قال ذلك حتى ذُهل ثاليس ودويل وغلوفر وجميع الحرس من حولهم.
“ربما ينبغي أن أصوغ السؤال بوضوح أكبر. في يوم ما، حين تتعارض أسرتك وأقاربك مع واجباتك ومسؤولياتك،” وتابع مالوس بلا مبالاة وهو يلقي نظرة جانبية على توليدو المسؤول عن العدّ، “كيف ينبغي أن تختار؟”
وتنهد توليدو: “أربعة.”
وانطلق السوطان كلاهما.
فرقعة!
وزفر دويل من بين أسنانه المطبقة. وبدا الأمر أكثر من أن يُحتمل لغلوفر كذلك إذ بدأ جسده يتمايل.
ولهثا طلبًا للهواء بينما انساب الدم على ظهريهما.
“وماذا لو هدّد أحدٌ حياة فرد من أسرتك لتؤذي سموّه؟”
وبدأ مالوس يرفع صوته: “أو أسوأ من ذلك، ماذا لو طلب منك أعزّ أفراد أسرتك أن تخون سموّه؟”
وشعر ثاليس بانقباض في قلبه.
فقد تذكّر فجأة سجن العظام، والحرس الملكيين القدامى.
وسيطر دويل على أنفاسه واستطاع أن يقوّم ظهره مجددًا، لكنه كان غارقًا في العرق فبدا في حال يرثى لها.
وصفر ألمًا: “لقد أخفقتُ في أداء واجباتي الليلة الماضية يا سيد مالوس!”
وعبس مالوس.
وهذه المرة، قذف السوط دون أن ينتظر توليدو ليعدّ. وسُمع صوت انفجاري، أشد رعبًا مما سبق.
فرقعة!
وصرخ دي دي ألمًا وهوى إلى الأرض، يرتجف بلا سيطرة.
وارتعد الحرس المتفرجون كذلك.
وفوجئ باترسون قبل أن يتحرك فورًا ويجلد غلوفر، فقوّس الأخير ظهره في تشنج.
وأسرع توليدو ليلحق بهما، وصاح: “خَـ—خمسة!”
ولم يعد ثاليس يحتمل النظر. فصرف بصره بعيدًا وشعر بثقل في قلبه.
وزفر مالوس. ونظر إلى دويل المرتجف واستدار لينظر إلى الحارس الآخر المعاقَب: “أنت أيها الطليعي كاليب غلوفر.
“أجب أنت.
“كيف ينبغي أن تختار؟”
وغلوفر، المبلل بالعرق بالقدر نفسه، ووجهه مغطى بالتراب، أخذ بضعة أنفاس عميقة. وبنظرة حازمة في عينيه، قوّم ظهره.
ولفظ الزومبي القضيب القصير وأجاب بصوت أجشّ: “لقد أقسمنا يا سيدي! أن نكرّس حياتنا للعرش ونخدم السلطة الملكية.”
وتمشّى مالوس وزمّ شفتيه: “وإذن؟”
وتحت عذاب الألم والإذلال، ردّ غلوفر بملامح مروّعة: “إذن علينا أن نضحي. الواجب فوق الأسرة.”
وتسارع نَفَس ثاليس وهو يصغي إلى جواب غلوفر.
واستدار مالوس فجأة وأطلق سوطه!
فرقعة!
وبعد صوت تشقّق مخيف، صرخ غلوفر ألمًا وانهار إلى الأمام!
وقطّب باترسون، وهو ممسك بسوطه. ونظر إلى غلوفر، الذي يفترض أنه مسؤوليته، ثم إلى مالوس، ذي النظرة الكئيبة، وحار.
“أعطِه خمس جلدات أخرى.”
ومن دون أن ينتظر توليدو ليعدّ، أشار مالوس بذقنه إلى غلوفر على الأرض وقال لباترسون: “وكذلك، ذلك السوط لا يُحتسب.”
وصُدم ضابط العقوبات وارتبك.
“لأنك خفّفتَ يا غراي،” لم ينتظر مالوس رده قبل أن يتابع بلا انفعال، “أنت تعلم أنني أثق بك كثيرًا.”
وارتجف باترسون.
وشدّ ضابط العقوبات قبضته على مقبض السوط دون أن ينطق بكلمة، ولم يجرؤ على إظهار الرحمة بعد ذلك.
وبينما كان دويل ينهض ببطء، نظر إلى غلوفر الذي يرتجف على الأرض وقال على عجل: “يا سيد مالوس، يا سيدي! هذا لا علاقة له بالزومبي. الليلة الماضية، أنا من…”
وتجاهل الدموع والمخاط المنسابة على وجهه وقال من بين أسنانه المطبقة: “أنا من اتخذ الاختيار الخاطئ! لم أكن شجاعًا بما يكفي لأقدّم التضحية!”
وعبس مالوس ولوّح بذراعه.
فرقعة!
وانهار دويل على أطرافه الأربعة تحت قوة السوط. وانساب الدم على ظهره وهو يلهث بلا انتظام.
“وهذه أيضًا، أعطه خمس جلدات أخرى،” أمر مالوس بلا انفعال ودون إبداء أسباب.
ولم يجرؤ توليدو على مزيد من التردد، وواصل العدّ.
ولم يعد ثاليس يحتمل هذا المشهد، فأراد أن يتكلم. لكن حين فكّر في أن وجوده هو ما فاقم الموقف وزاد في عقوبتهما، اضطر إلى إجبار نفسه على الهدوء وابتلاع كلماته.
ورفع مالوس بصره نحو الحرس.
“التضحية.”
وكان صوت المراقب خافتًا، لكنه كفيل بأن يجعل الجميع يقفون في وضع الانتباه.
“كلمة سهلة النطق، أليس كذلك؟
“مقدّسة، مجيدة، مشرّفة، مؤثرة، وتشعر المرء بالسمو.”
وبدأ مالوس يتمشّى ولم يواصل الجلد.
“لكن كثيرين ينسون.”
ونظر مالوس نحو السماء الكئيبة. وكانت نظرته ضبابية، كأنه يتطلع إلى حاكم بعيد.
“أن التضحية، في جوهرها…
“صفقة.”
وتحت نظرات مذهولة، خفض المراقب رأسه.
وصرّ دويل وغلوفر على أسنانهما وقوّما ظهريهما من جديد.
“في العصور القديمة، حين كان الإيمان بالحاكم المنير ما زال سائدًا، كان البشر يقدّمون القرابين الدينية على المذبح مقابل البركات. وهذا أصل التضحية.”
وما إن أنهى جملته حتى بدأ توليدو عدًّا أفضى إلى جلدة أخرى.
فرقعة!
وانهار المعاقَبان على الأرض مرة أخرى. واتكآ على مرفقيهما.
وانكمشت حدقتا ثاليس قسرًا.
“فهي عكس ما يوحي به الاسم تمامًا—التضحية أنانية.”
وكانت نبرة مالوس عميقة: “إنها صفقة تسعى إلى الربح.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.