الفصل الثاني:
نذر شؤم
بمجرد عودتي إلى المنزل، قررت إخبار عائلتي بأنني سأغادر إلى
مملكة شيرون. كنت مؤخرًا أحتفظ بتفاصيل “رحلات عملي” لنفسي، لكن هذه الرحلة قد تتحول إلى مهمة طويلة. أردت منهم أن يعرفوا مكاني على الأقل.
كانت المشكلة الأولى هي أن “مكتبنا” لم يكن به أي بوابات انتقال آني مباشرة إلى
مملكة شيرون نفسها. إذا بدأنا رحلتنا من هناك، فسيتعين علينا شراء عربة في مملكة تنين الملك وشق طريقنا إلى شيرون برًا. في المرة الأخيرة التي قمت فيها بتلك الرحلة، استغرقت أربعة أشهر كاملة. بالطبع، قضينا بعض الوقت في التجول في المدن التي مررنا بها. قد توصلنا رحلة أكثر استعجالًا إلى هناك في حوالي شهرين. مما يعني أربعة أشهر في المجموع، ذهابًا وإيابًا فقط. كان من المقرر أن تلد إيريس خلال ثلاثة أشهر… إذا سلكنا هذا الطريق، فسأفوت بالتأكيد ولادة طفلي.
كان هناك دائمًا خيار طلب من بيروجيوس نقلنا مباشرة إلى مملكة شيرون. سيكون ذلك أسرع، بلا شك. وكنا نحن الاثنين على علاقة ودية للغاية في هذه الأيام، لذا فمن المحتمل ألا يرفض طلبي إذا سألته بلطف.
ومع ذلك، حتى لو قلصت وقت سفرنا إلى أقل من شهر، فلن يكون هناك ضمان بأنني سأعود في أي وقت قريب. كان من المستحيل معرفة المدة التي سأضطر لقضائها في مملكة شيرون قبل أن أتمكن من إقناع زانوبا بالعودة. لم أكن متأكدًا حتى مما سأفعله هناك بالضبط. لو كنت أعرف من هو هدفي، لكان من السهل بما يكفي تقدير الوقت الذي سيستغرقه تعقبه. لكن عدونا كان على الأرجح باكس، ولم يُسمح لي بإيذائه. كانت هناك فرصة جيدة لأن تتحول هذه المهمة إلى مهمة معقدة وطويلة الأمد.
“…بعبارة أخرى، لست متأكدًا تمامًا متى سأعود.”
شرحت كل هذا بأفضل ما يمكنني بعد العشاء. لم تكن نورن موجودة اليوم، لكنني جمعت الجميع باستثناء زينيث. كما وصفت الموقف بالتفصيل. النقطة الوحيدة التي اخترت عدم ذكرها هي احتمالية أنني أسير نحو فخ إله البشر. كان مجرد احتمال في هذه المرحلة، ولم أرد أن تقرر إيريس أنها ستأتي معي سواء أعجبني ذلك أم لا. من المسلم به أن هذه كانت خطوة جبانة من جانبي. لكنها نجحت. لم يعترض أحد على الخطة نفسها.
بعد لحظة من الصمت، تحدثت سيلفي بتردد: “حسنًا، سأكون بخير، لكن…”
اتجهت كل الأنظار في وقت واحد نحو إيريس.
عقدت ذراعيها فوق بطنها المنتفخ بوضعيتهما المعتادة وأومأت برأسها: “فهمت. أعتقد أن هذا هو ما سيحدث.”
بدت المرأة عفوية للغاية بشأن الأمر برمته. حتى أن سيلفي انتفضت من الصدمة: “هيا يا إيريس! ألا يجب أن تكوني أكثر انزعاجًا قليلًا؟”
“لماذا؟ لست بحاجة إلى روديوس حولي لأنجب الطفل.”
“الولادة ليست بالأمر السهل تمامًا، أتعلمين ذلك؟”
“نعم، بالتأكيد. لكن ماذا سيفعل للمساعدة، بخلاف الإمساك بيدي؟”
“أعني، القليل من الإمساك باليد يعني الكثير عندما تكونين في حالة مخاض…”
تلاشت كلمات سيلفي وساد الصمت. عبر الطاولة، كانت روكسي تضغط على يديها مع ابتسامة خافتة. على ما يبدو، أولئك اللواتي مررن بهذه التجربة شعرن بأن يدي لعبت دورًا مهمًا في عملية الولادة.
“لا أحتاج إلى وجود روديوس حولي،” أجابت إيريس بحزم، وهي تعبس قليلاً.

جعلني ذلك أشعر بالحزن قليلاً لأنها لا تعتقد أن وجودي ضروري، ولكن في نهاية المطاف، كان لديها ليليا وايشا للاعتناء بها. لم أكن ضرورياً تماماً، عندما يتعلق الأمر بالواقع.
“عندما يعود إلى المنزل، يمكنه أن يشكرني لأنني منحتُه ابناً لطيفاً وكبيراً وبصحة جيدة. هذا كل ما أحتاجه منه.”
كانت إيريس تتصرف برباطة جأش شديدة حيال هذا الأمر برمته، يجب أن أعترف. ربما كانت تحاول جعل الأمر أسهل قليلاً بالنسبة لي. كانت مراعية بشكل مفاجئ. شعرت بالامتنان، ولكن أيضاً بشيء من الحزن. ربما كان هذا هو شعور النساء عندما يقول أزواجهن: يمكنك تدبر أمر الولادة دون مساعدتي، ثم يذهبون في رحلة عمل؟ أعني… ليس أنني المرأة الحامل في هذا السيناريو…
“هذا يذكرني، إيريس. لقد اخترتِ اسماً بالفعل، أليس كذلك؟”
“أجل. إنه اسم جيد جداً أيضاً. لديك شيء تتطلع إليه!”
لقد اختارت اسماً واحداً فقط، وكان اسماً لذكر. ماذا لو أنجبت طفلة صغيرة بينما كنت أنا في مملكة شيرون؟ هل ستستخدم الاسم على أي حال، وتحاول تربيتها كصبي؟
“مهلاً… إذا تبين أنها فتاة، لمَ لا نسميها هيلدا؟ كما تعلمين، تيمناً بوالدتك؟”
“مستحيل! لن أطلق على طفلي اسم سيدة عجوز!”
آه. ربما كانت السيدة غرايرات المسكينة تتقلب في قبرها الآن…
“حسناً يا رفاق،” قاطعت ايشا، “لمَ لا نترك الأمر عند هذا الحد؟ تبدو إيريس موافقة على ذلك. ومثلما تقول سيلفي دائماً، هي هنا لدعم روديوس من خلف الكواليس. أعتقد أننا سنكون بخير.”
بدا أن ذلك يلخص الأمور بشكل جيد، لذا أومأنا جميعاً بالموافقة.
يبدو أن سيلفي اعتادت أن تخبر الجميع بأنها تحاول “دعمي” بطريقتها الخاصة. يجب أن أقول، كان من الرائع وجود امرأة يمكن الاعتماد عليها كزوجة أولى في منزلي. كنت لا أزال قلقاً قليلاً بشأن ترك إيريس هنا بمفردها، ولكن كان هناك الكثير من الأشخاص المهتمين والعازمين هنا للاعتناء بها من أجلي. كل شيء سيكون على ما يرام. كان عليّ فقط أن أثق بهم، تماماً كما وثقوا بي.
“أتمنى لو كان بإمكاني المجيء أيضاً! لا تعرف أبداً ما هي المتاعب التي قد يقع فيها روديوس بمفرده!”
همم. يبدو أن إيريس كانت قلقة بشأني. بدا ذلك معكوساً بعض الشيء…
من ناحية أخرى، كانت هذه مهمة محفوفة بالمخاطر بشكل غير عادي. خاصة وأنني قد أكون أقفز مباشرة إلى فخ إله البشر. ربما كانت محقة في قلقها.
رائع، الآن بدأت أشعر ببعض التوتر. هل سأتمكن حتى من العودة حياً هذه المرة…؟
حسناً، لم يكن هناك جدوى من التفكير فيما قد يسير بشكل خاطئ. كان عليّ القيام بما هو ضروري. إذا جاء أعدائي من أجلي، فسأواجههم بكل ما أملك. كان عليّ التعامل مع الموقف كما يأتي. لم يكن هناك خيار آخر.
“تبدو قلقاً بعض الشيء يا رودي،” قالت روكسي بهدوء، قاطعةً أفكاري.
نظرت إليها. كانت لارا مستقرة في مكانها المعتاد على صدر والدتها، وكانت عيناها ناعستين كالعادة—لكنهما كانتا مثبتتين عليّ بثبات.
“حسناً، أجل. هناك احتمال أن أتورط في حرب هذه المرة، لذا…”
بدا أن محاولتي الغامضة لصرف تعليقها قد أتت بنتائج عكسية، حيث ازداد تعبيرها جدية. “بصراحة، أعتقد أنني أتحمل بعض اللوم في هذا الموقف بنفسي.”
“ماذا؟ ولكن لماذا؟”
“لأنني قمت بتدريس الأمير باكس شخصياً في شبابه.”
صحيح، بالطبع. لقد أمضت سنوات كمعلمة ملكية في مملكة شيرون، أليس كذلك؟
“أنا متأكد من أنه كان لديه الكثير من المعلمين الآخرين، رغم ذلك. ليس الأمر وكأنكِ جعلته الرجل الذي هو عليه بمفردك…”
“هذا صحيح. ولكن خلال وقتي هناك، اتخذت شخصيته منعطفاً حاداً نحو الأسوأ.”
حسناً، من الواضح أن ذلك لم يكن خطأ روكسي. كانت معلمة رائعة، ولا يمكن لدروسها أن يكون لها تأثير سيء على شخصية أي شخص. قلت ذلك بثقة بصفتي أحد طلابها السابقين.
من ناحية أخرى… لم أكن أعرف الكثير عن باكس، أليس كذلك؟ مما
أخبرني به أورستيد، كان لديه القدرة ليصبح ملكاً مهماً. ربما لم تكن أساليب روكسي مناسبة له، فأصبح أحمق قليلاً مما كان يمكن أن يكون عليه… كلا، لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً.
بضعة أشهر من دروس روكسي حولت حثالة مثيرة للشفقة إلى إنسان لائق إلى حد ما. لم يكن من الممكن أن يصبح باكس على تلك الشاكلة بسببها. لا بد أن هناك تفسيراً آخر.
“من الواضح أن ذلك لم يكن خطأك يا آنسة روكسي.”
“…كما تعلم يا رودي، أتمنى لو أنك لا تحدق بي بهذه الطريقة في كل مرة تناديني فيها بالآنسة.“
همم؟ هل كنت أحدق؟ بالتأكيد لا! لقد أشرت إليها بالآنسة كعربون على احترامي الأبدي لها كمعلمة. بالتأكيد، لقد انخرطنا في القليل من لعب الأدوار المتبادل بين الطالب والمعلم في غرفة النوم منذ وقت ليس ببعيد، ولكن كان ذلك فقط لإضافة القليل من الإثارة إلى الأمور. لم يكن الأمر وكأن لدي هوس أو أي شيء من هذا القبيل. لا يا سيدي.
“بصراحة، لدي بعض الندم بشأن ما حدث مع باكس… ولكنني أفترض أنه قد يكون من غير المجدي أن آتي معك…”
بينما كانت تتحدث، نظرت روكسي إلى لارا. كانت الطفلة تحدق بي بنعاس. بدا الأمر تقريباً وكأن لديها شيئاً لتقوله.
كان بإمكاني ملاحظة أن روكسي تشعر ببعض التضارب. لولا وجود ابنتنا وعملها في الجامعة، لكانت على الأرجح عرضت مرافقتي.
“بجدية يا روكسي، لا أعتقد أن أي شيء قمتِ به ساهم في هذا الأمر.”
بصراحة، كنت واثقاً تماماً من ذلك. كان من الصعب الجزم بما إذا كانت روكسي قد درّست باكس في الجداول الزمنية التي لم أكن موجوداً فيها، لكن بدا الأمر وكأنه مقدر له بشكل أو بآخر أن يبدأ انقلاباً ويستولي على العرش، بغض النظر عما كان يحدث.
علاوة على ذلك، كانت هناك فرصة كبيرة أن إله البشر كان يتحكم به كدمية هذه المرة. حتى لو اختلف تعليمه نوعاً ما بسبب وجود روكسي، كان من الصعب تخيل أن ذلك كان عاملاً رئيسياً في كيفية تطور الأمور. كانت هناك الكثير من المتغيرات الأخرى المتداخلة.
بمعنى آخر، الوضع الحالي لم يكن خطأها بالتأكيد. بأي شكل من الأشكال.
“يبدو أن باكس يتعرض للتلاعب من قبل إله البشر.”
“ربما، لكن… لا يهم. أظن أنك محق.”
تجاوزت روكسي المسألة، لكنها لم تبدُ مقتنعة تماماً. لم أستطع لومها على انزعاجها من الموقف؛ فلا بد أنه أمر قاسٍ أن تعرفي أن أحد طلابك السابقين يسلك طريقاً خاطئاً.
ألقيت نظرة باتجاه سيلفي. لم تكن طالبة عندي بالمعنى الحرفي، لكنني كنت الشخص الذي علّمها أساسيات السحر، إلى جانب أشياء أخرى كثيرة. ماذا لو انتهى بها الأمر وحيدة بعد حادثة الانتقال، وبدأت تستخدم التعاويذ التي علمتها إياها لقتل الناس وسرقتهم؟ ربما كنت سأشعر بالذنب عندما أكتشف ذلك. ربما كنت سأرغب في إيقافها، أو توبيخها على خطئها.
“إمم، ما الأمر يا روديوس؟”
“أوه، لا شيء. كنت أفكر فقط في كيف كنتِ تفعلين كل ما أطلبه منكِ في الماضي.”
“من أين جاء هذا؟ ما زلت أفعل ما تطلبه مني. أتتذكر تلك الليلة؟ أخبرتك أنني أشعر بالخجل الشديد، لكنك أصررت، لذا أنا…”
“دعينا لا نتحدث عن ذلك أمام الأطفال يا عزيزتي.”
“أوه. صحيح.”
نظرت لوسي، الجالسة بجانب والدتها، من وجه سيلفي إلى وجهي بتعبير فضولي. لطيفة جداً. كان من المبكر جداً عليها أن تتعلم عن مصارعاتنا الليلية.
على أي حال، الآن وقد أدلى كل منا بدلوه، بدا أنه وقت مناسب لإنهاء هذا الاجتماع العائلي الصغير. “حسناً يا الجميع. أعتقد أن هذا يغطي كل شيء، لذا دعونا…”
“وااااه! واااااه!”
لدهشتي، قاطعتني صرخة احتجاج غاضبة في منتصف جملتي. نظرت لأجد لارا تبكي بصوت عالٍ بين ذراعي روكسي. الطفلة لا تبكي تقريباً، لكنها الآن كانت تصرخ… وتمد ذراعيها الصغيرتين نحوي.
“بوااااه! آاااه!”
“ما بكِ يا لارا؟ لا بأس، لا بأس…”
حاولت روكسي بذل قصارى جهدها لتهدئة ابنتنا، لكن الطفلة رفضت التوقف. كانت هذه المرة الأولى التي أراها تبكي فيها بهذا العلو. ربما التقطت التوتر في الجو أو شيء من هذا القبيل؟ لكنها بدت وكأنها تنظر إليّ تحديداً، وتمد يديها نحوي.
“روديوس…”
“بالتأكيد.”
أخذت ابنتي من روكسي وضممتها إليّ برفق. في تلك اللحظة، توقفت عن البكاء. تشبثت بكتفي بيديها الصغيرتين كأنها حشرة الزيز على شجرة.
هل أدركت أنني سأذهب إلى مكان ما؟ هل كان هذا هو سبب انزعاجها الشديد؟ كادت الفكرة أن تدمع عيني، لكنني ذهبت في رحلات عمل من قبل، ولم تتفاعل أبداً بهذا الشكل. ربما شعرت أن هناك شيئاً مختلفاً في هذه الرحلة.
“لا تقلقي يا لارا. سيعود والدكِ قريباً، حسناً؟ كوني فتاة مطيعة بينما”
“أنا بعيد.”
على أي حال، على الأقل هدأت الآن. بعد التربيت على ظهرها بلطف، أعدتها بحذر إلى روكسي… أو حاولت ذلك على الأقل.
لم تكن لارا لتتركني. كانت تتشبث بعناد بردائي بكل القوة التي يمكن ليديها الصغيرتين حشدها. هل هذه طفلة رضيعة أم خنفساء وحيد القرن؟
“ناااااه! آاااه!”
حاولت إبعاد لارا عني بلطف، لكنها أطلقت صرخة احتجاج عالية. بدت مصممة حقاً على البقاء مع والدها. يا لها من فتاة صغيرة حلوة. سأضطر لأخذ حمام طويل ولطيف معها بمجرد عودتي إلى المنزل…
“حسناً يا روكسي. هل يمكنكِ تولي الأمر من هنا؟”
“همم؟ أوه، حسناً…”
رغم كل تصميمها، لم تكن لارا تملك سوى قوة رضيعة عادية. كان من السهل بما يكفي إبعادها عني وتسليمها لروكسي.
“آاااه! غيااااه!”
لكن في اللحظة التي عادت فيها إلى والدتها، بدأت لارا تصرخ بجنون. كانت الطفلة تصرخ بصوت عالٍ مثل إيريس في هذه اللحظة، ولم يكن هذا يشبه بكاءها المعتاد. بدأت أشعر بعدم الارتياح هنا. شعرت وكأنني أعذب طفلتي بطريقة ما.
“إمم، إذاً… بينما أنا بعيد، أظن أن…”
“نااااااه! دااااا! وااااا!”
بدا الأمر تقريباً وكأنها تصرخ: لا يا أبي! انتظر! أو شيئاً من هذا القبيل. يا رجل، هذا لم يجعل رحيلي أمراً سهلاً.
لم يكن لدي خيار في هذا الأمر، رغم ذلك. كان عليّ الذهاب. حياة صديقي المقرب في خطر.
“بيااااه! آاااه! آاااه!”
نظرتُ إلى أسفل نحو ايشا. كانت الدموع تنهمر على وجهها الصغير المتجعد، وكانت تمد يديها نحوي بما بدا وكأنه يأس حقيقي.
لم أرها بهذا الحال من قبل. كان الآخرون يحدقون بها أيضًا، وقد أصابهم الذهول مثلما أصابني.
تمتمت روكسي: “اهدئي، اهدئي، كل شيء على ما يرام. لا أفهم ما الذي جعلها منزعجة هكذا. لم يحدث هذا من قبل… ليليا، هل لديكِ أي فكرة؟”
“لا. لم أرَ شيئًا كهذا من قبل بنفسي…”
كانت روكسي تبذل قصارى جهدها لتهدئة الطفلة، لكن دون أي جدوى.
بدأت أشعر بقلق حقيقي في هذه اللحظة. هذا لم يكن… طبيعيًا، أليس كذلك؟ هل يجب أن أخرج من الباب هكذا حقًا؟ كان يُفترض أن تكون ايشا نوعًا من المخلصين، الذين اختارهم الوحش المقدس ليو. لم أكن أعرف ما يعنيه ذلك بالضبط، لكن ربما وُلدت بقوى خاصة من نوع ما.
مثل… موهبة التنبؤ. أو القدرة على استشعار اقتراب الموت.
آه، لحظة. هل كنت سأموت في مملكة شيرون؟
“آآآه، بيااااا!”
ترددت صرخات ايشا المريرة والبائسة في الأرجاء مرة أخرى. سواء كانت نبية أم لا، فقد بدأت تخيفني قليلًا.
“حسنًا، ايشا، أنا أتفهم.”
لكن بينما كنا نقف متجمدين، اتخذت امرأة واحدة خطوة للأمام. رفعت روكسي ايشا حتى أصبحت أعينهما في مستوى واحد، وتحدثت إليها مباشرة.
“سأذهب مع بابا وأحافظ على سلامته.”
كانت مجرد كلمات بسيطة. لكن بينما كانت تنطق بها، بدت إلهتي مشرقة كالشمس.
توقفت ايشا عن البكاء على الفور.
*** كانت روكسي ستأتي معي.
حاولت منعها بالطبع. أخبرتها بوضوح تام أنها لن تأتي، وطرحت حججي. لم تتراجع أمام أي منها.
أولًا، حاولت التأكيد على الخطر، موضحًا لها أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن إله البشر قد نصب فخًا بانتظاري؛ وبررت ذلك بأن روكسي لن تفعل شيئًا سوى إبطائي في حال حدوث معركة.
فردت قائلة: “آه، إذًا هو فخ؟ هذا يفسر سبب انزعاج ايشا الشديد. هل تمانع في شرح سبب عدم ذكرك لهذه التفصيلة الصغيرة سابقًا؟ ومع أنني قد لا أكون ذات فائدة كبيرة في القتال، أعتقد أنني سأكون عونًا بطرق أخرى.”
بما أن تلك الحجة ارتدت عليّ، طرحت نقطتي التالية—أن بيروجيوس يرفض السماح لأي من عرق الشياطين بدخول قلعته الطائرة.
“إذا رفض بيروجيوس دخولي إلى القلعة، يمكنني التوجه إلى مملكة شيرون عبر طريق آخر بمفردي.”
حسنًا، والأهم من ذلك، جادلت بأنها قد تخسر وظيفة أحلامها كمعلمة في الجامعة.
قالت: “نعم، لطالما أردت أن أكون معلمة. لكنني لن أستبدل حياة زوجي بمسيرة مهنية مرضية.”
مع عدم وجود أي شيء آخر في جعبتي، اضطررت للجوء إلى القول بأن هذا ليس نوع القرارات التي تتخذينها لمجرد أن طفلتك بكت أمامك.
“أليس من واجبي كأم أن أواسي طفلتي؟”
في غضون دقائق قليلة، تلاشت كل حججي، ولم يعد لدي ما أقوله. ولم يساعدني أن بقية عائلتي كانت في صف روكسي أساسًا. لم يكن الأمر أنهم كانوا متحمسين لتعريضها للخطر أو أي شيء من هذا القبيل. ولكن عندما ذكرت احتمالية وجود فخ، كان رد الفعل العام هو “آه-ها!” بدلًا من “يا إلهي، لا.”
بعد أن وبخوني على إخفاء الحقيقة، أصرت إيريس على أنها ستأتي معي. تمكنت سيلفي من إقناعها بالعدول عن رأيها، لكنها قالت بعد ذلك إنها تريد الانضمام إليّ أيضًا. أعتقد أننا جميعًا شعرنا بالاضطراب بسبب سلوك ايشا الغريب واليائس.
“هل يجب أن ندع روديوس يذهب بمفرده؟ هل يستطيع تدبر أمره وحده هذه المرة؟ يبدو هذا نذير شؤم. ماذا لو حدث له شيء هناك؟”
في النهاية، كانت روكسي هي من تمكنت من تهدئة الجميع والوصول إلى إجماع. فعلت ذلك بالتأكيد بحزم على أنها سترافقني كممثلة عن الآخرين. وأقنعت طمأنتها سيلفي وإيريس بالتراجع.
كانت تلك المرأة تعرف حقًا كيف تدير النقاش. لكن بالطبع، لم يكن ذلك في صالحي تمامًا هنا. كان لدي الكثير من المشاعر المختلطة حول هذه الفكرة. كنت أفضل أن يكون كل شيء وكل من أحب في أمان قدر الإمكان في أي لحظة. كانت روكسي كنزي، وكان جزء مني يريد إبقاءها محبوسة في صندوق آمن ومحكم.
لكن بالطبع، كانت روكسي امرأة عازمة ولديها إرادتها الخاصة. بل يمكن أن تكون عنيدة للغاية في بعض الأحيان. إذا حاولت رفض طلبها بشكل قاطع، كان لدي شعور سيئ بأنها ستتوجه حقًا إلى مملكة شيرون بمفردها. في هذه الحالة، سيكون من الأفضل اصطحابها معي. فوجودها بالقرب مني سيجعل حمايتها أسهل.
وفوق ذلك كله… كنت متوترًا قليلًا بشأن هذه المهمة بنفسي، بصراحة. لم يكن أورستيد سيبقى بجانبي لينقذني من أي كمائن قد أقع فيها. لم تكن لدي فكرة واضحة عن كيفية إقناع زانوبا بالعودة معي إلى المنزل. كنت أتعثر في مستنقع ضبابي مليء بالمخاطر المحتملة.
لكن الآن، ستكون روكسي معي لمساعدتي في التعامل مع الموقف: المرأة التي أحترمها أكثر من أي شخص آخر في العالم بأسره. كان ذلك مطمئنًا حقًا.
في اليوم التالي، بدأنا استعداداتنا للرحلة إلى مملكة شيرون. تضمن ذلك بالطبع جمع معدات السفر والمؤن المعتادة، لكنني سأتجاوز معظم تلك التفاصيل.
كان أول شيء أردت معالجته هو معدات زانوبا. كنت أرغب في الحفاظ على حياتي قبل كل شيء، لكنني لم أكن لأسمح له بالموت أيضًا. لذا، قضيت بعض الوقت في البحث في مخزن الأسلحة الصغير بمكتب أورستيد، بحثًا عن أسلحة ودروع قد تناسب زانوبا.
في البداية، استقريت على بدلة درع ثقيلة كنت قد استبعدتها لكونها ضخمة جدًا بالنسبة لي. كانت قطعة سحرية تمنح حصانة كاملة ضد سحر النار. كانت مثالية لـ زانوبا، نظرًا لضعفه الطبيعي تجاه ذلك العنصر.
…قد يبدو وصفه بهذه الطريقة غريبًا بعض الشيء، على ما أظن. فمعظم الناس لا يبلي بلاءً حسنًا عند تعرضهم للاحتراق. كانت هذه مجرد منطقة واحدة لم يكن فيها استثناءً عن القاعدة.
بعد ذلك، احتجت إلى العثور على سلاح له.
بناءً على ما أخبرني به أورستيد، لم تكن هناك ببساطة أي أسلحة قادرة على تحمل القوة البدنية الخام لطفل مبارك مثل زانوبا. فبين يديه، كانت حتى أقوى السيوف المسحورة تعادل غصنًا صغيرًا؛ إذ كانت تنثني أو تنكسر بعد بضع معارك على الأكثر.
مع وضع ذلك في الاعتبار، قررت صنع هراوة مخصصة لـ زانوبا. كانت في الأساس عبارة عن مضرب حجري ضخم من حيث التصميم، لكنني قمت بتدعيمه مرارًا وتكرارًا بسحري لتعزيز قوته ومتانته.
للوهلة الأولى، بدا الشيء ضخمًا جدًا لدرجة أن الرجل العادي لا يستطيع حتى رفعه عن الأرض، لكن زانوبا كان يستطيع حمله بسهولة بأصابعه وتأرجحه كأنه لعبة. وفي الغالب، كان أي شيء يصيبه بهذا السلاح سيموت على الفور. لقد حولت صديقي إلى غول كلاسيكي يحمل هراوة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من قوته البدنية المذهلة، كان زانوبا خرقاء بعض الشيء… وبطيئًا في حركته. لذا وجدت له أيضًا عنصرًا تكميليًا للمساعدة في معالجة نقاط الضعف تلك. وتحديدًا، قطعة سحرية تسمى “شبكة الصياد النهم”. لم أكن أعرف كيف تعمل، لكن عندما تقذف هذا الشيء نحو شخص ما، فإنه يحدد الهدف ويطارده حتى يلفه تمامًا دون حول منه ولا قوة. عند تلك النقطة، كان من السهل بما يكفي لـ زانوبا أن يسحبهم إلى الأرض ويجذبهم إلى نطاق لكماته.
بدت هذه العناصر الثلاثة بمثابة مجموعة أدوات لائقة لتعزيز قدرات زانوبا القتالية. لم يكن سعيدًا جدًا بمظهره في بدلة درعه الضخمة والخرقاء، ولكن بخلاف ذلك، بدا راضيًا تمامًا عن اقتراحاتي.
قضيت بعض الوقت في تحسين معدات روكسي أيضًا. من الواضح أنني لم أكن لأسمح لها بالموت أيضًا. أردت شيئًا متينًا لمعداتها الدفاعية. أراد جزء مني حبسها داخل بدلة درع صفائحية كبيرة مثل زانوبا، لكن ذلك لم يكن خيارًا عمليًا في حالتها. فمن ناحية، كانت مغامرة ذات خبرة ولديها أسلوبها القتالي الخاص؛ لذا فإن وضعها في معدات غير مألوفة تمامًا كان من المرجح أن يأتي بنتائج عكسية من خلال إرباكها في القتال.
بالنظر إلى تلك القيود، اخترت قطعتين سحريتين خفيفتي الوزن: خاتم ينشر حاجزًا دفاعيًا تلقائيًا استجابة للهجمات الجسدية، وقلادة تمتص ضربة قاتلة واحدة لحاملها قبل أن تتحطم. بدا من الأفضل ترك ردائها وعصاها كما هما.
كنت لا أزال قلقًا عليها، بالطبع. كان عليّ التأكد من بقائي مسيطرًا على الأمور إذا وجدنا أنفسنا في خضم معركة. لم يكن هناك ما يضمن نوع الفخ الذي قد نقع فيه، لكنني دربت نفسي بصرامة للتعامل مع أي شيء قد يلقيه إله البشر في طريقي.
أبلغنا الجامعة أيضًا بخططنا. سينسحب زانوبا كطالب، بينما ستأخذ روكسي إجازة مفتوحة. لم أكن أريدهم أن يطردوها بسبب هذا، لذا جعلت زانوبا يكتب لهم رسالة توضح أنه سيأخذها إلى مملكة شيرون لتعمل كساحرة بلاط بشكل دائم.
اعترضت الجامعة على هذه الخطة، وعقد زانوبا و روكسي جلسة مطولة مع المدير نفسه لمناقشة الأمر. لا بد أنهم كانوا مترددين للغاية في السماح لمثل هذه المعلمة الموهوبة بالرحيل. أنا متأكد من أنني كنت سأفعل الشيء نفسه لو كنت مكان ذلك الرجل العجوز.
بدأ زانوبا الأمور بنبرة متعجرفة، مستخدمًا مكانته لتحقيق أقصى تأثير:
“تم تعيين الآنسة روكسي كساحرة بلاط في مملكة شيرون منذ سنوات عديدة. لقد استقالت من منصبها بسبب تطورات سياسية معينة، لكن جدارتها كساحرة لم تكن موضع شك أبدًا. نحن عازمون تمامًا على إعادتها إلى مكانها الصحيح.”
في المقابل، احتجت روكسي بطريقة حذرة وغير مباشرة بأنها لا ترغب حقًا في أن تصبح ساحرة بلاط. استغل المدير هذا على الفور، مصرًا على أنها عضو رسمي في هيئة التدريس بالجامعة، وبالتالي فهي تحت حمايتها.
بعد ساعة من النقاش المنظم بعناية، “تراجع” زانوبا أخيرًا عن مطالبه الأولية. سيأخذ روكسي معه للمساعدة في معالجة الوضع الحالي، نظرًا لإلمامها بالملك الجديد؛ ولكن بمجرد تسوية الأمور، سيسمح لها بلطف بالعودة إلى الجامعة.
كانت تكتيكًا بسيطًا بما يكفي، في الواقع. لقد بدأنا بمطلب سخيف وتفاوضنا معه حتى منحنا بالضبط ما أردناه.
على الأقل لن تضحي روكسي بمسيرتها المهنية بسبب هذا. كان ذلك مريحًا.
بطبيعة الحال، خصصت أيضًا بعض الوقت لمراجعة معداتي الخاصة. مقارنة بـ روكسي و زانوبا، لم تكن لدي حاجة حقيقية لتغيير أي شيء. كالعادة، سأحضر معي درع السحر الإصدار الأول، ودرع السحر الإصدار الثاني، ومدفعي الرشاش.
عند التفكير في الأمر، لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة استخدمت فيها رفيقتي القديمة أكوا هارتيا. شعرت بالسوء لترك هدية من إيريس تتراكم عليها الأتربة، لكنها هي نفسها لم تكن لديها مشكلة في أن أستخدم أفضل معدات ممكنة. تلك الفتاة لم تكن عاطفية تمامًا، أتعلم؟ كان ذلك يجعلني حزينًا نوعًا ما في بعض الأحيان. لا أزال أشعر بالدموع في عيني عندما أفكر في تلك الليلة… الطريقة التي شعرت بها عندما لمست صدرها…
أحم. على أية حال، كانت عصاي القديمة تستقر حاليًا في مكان شرف على جدار غرفة نومي.
كنت قد فكرت في تسليمها رسميًا إلى سيلفي. على عكس إيريس، التي كانت دائمًا مستعدة لاستبدال سيوفها، كانت سيلفي تستخدم نفس عصا المبتدئين التي أهديتها إياها لسنوات عديدة الآن.
لم أكن متأكدًا من كيفية رد فعلها إذا قدمت لها أكوا هارتيا كهدية، رغم ذلك.
هل ستكون في غاية السعادة؟ أم ستنزعج؟ لقد كانت هدية من امرأة أخرى، بعد كل شيء… ومع ذلك، كانت روكسي هي من أعطتني تلك العصا في الأصل أيضًا.
على أية حال، كنت أخطط لخوض معظم معاركي بدرع السحر الإصدار الثاني، الذي كان أكثر قدرة على الحركة وعملية للاستخدام اليومي. إذا واجهنا عدوًا مميتًا بشكل خاص، فسأخرج الإصدار الأول وأضربه بكامل قوتي. كانت نفس الاستراتيجية التي أستخدمها دائمًا.
سيكون كل شيء على ما يرام. لقد دربت نفسي على الوقوف نداً لند حتى أمام أقوى الخصوم. يمكنني التعامل مع هذا.
كان درع السحر الإصدار الأول قطعة ضخمة من المعدات، وعلى عكس الإصدار الثاني، لم أكن أستطيع ارتداءه طوال اليوم. سنقوم بنقله إلى وجهتنا على أجزاء، ثم نعيد تجميعه بمجرد وصولنا إلى هناك. سيجعل ذلك التعبئة أسهل بكثير، بالإضافة إلى أن إله البشر يعرف بوجود الدرع؛ ولن يضر أن أكون أقل وضوحًا بشأن حقيقة أنني أحضره معي.
لقد قمنا بتسوية معدات مجموعتنا. الآن كان علينا معرفة كيف سنصل إلى مملكة شيرون.
وهكذا، توجهت أنا و زانوبا للتوسل عند قدمي بيروجيوس.
***
عند وصولنا إلى القلعة العائمة، تم إدخالنا إلى غرفة مؤثثة بفخامة. كانت غرفة لم أرها من قبل، في الواقع—نوع من المعارض الفنية، من مظهر الأشياء. كانت الجدران مبطنة باللوحات، وكانت الأرفف مشغولة بمجموعة من المنحوتات بحجم كف اليد.
بطريقة ما، بدت الأعمال الفنية هنا مختلفة عن أي شيء آخر رأيته في هذه القلعة. كانت اللوحات في ممرات بيروجيوس وغرف الاستقبال تميل إلى أن تبدو أكثر قيمة، بينما كانت الأعمال هنا تميل أكثر إلى الجانب المثير للإعجاب أو المثير للاهتمام. ربما كانت ستحقق سعرًا أقل في المزاد، لكن ذلك لم يجعلها أعمالًا فنية أدنى مستوى.
“هذه غرفة جميلة جدًا، أليس كذلك؟” تمتمت لـ زانوبا.
“أوه؟ هل هذه هي المرة الأولى لك هنا، يا معلمي؟” أجاب، وبدا متفاجئًا بعض الشيء.
“أجل. أعتقد أننا نتحدث عادة في غرف الاستقبال، أو في الحدائق…”
“اللورد بيروجيوس لا يدعو إلى هذه الغرفة تحديدًا إلا أكثر المقربين منه قيمة،” قالت سيلفاريل من مكانها عند الباب.
ما لم أكن مخطئًا تمامًا، كانت تلمح إلى أن بيروجيوس لم يثق بي تمامًا حتى الآن. في بعض الأحيان ينتابني شعور بأن هذه المرأة لا تحبني كثيرًا. ولكن لكي أكون عادلاً، ربما هي رئيسي الذي لا تكن له الكثير من الود.
“أرجوكِ، آنسة سيلفاريل،” قال زانوبا موبخًا. “من الوقاحة أن تلمحي إلى أن المعلم روديوس أدنى مني بأي شكل من الأشكال.”
للعلم فقط، يا زانوبا… من الوقاحة أيضًا التحدث إلى شخص دون حتى الالتفات في اتجاهه…
“إنها مجرد حقيقة أن اللورد بيروجيوس كان يوجهني دائمًا لإحضارك إلى هذه الغرفة، يا لورد زانوبا، وليس رفيقك. على الرغم من أنه يبدو أنه قد استثنى ذلك اليوم، لسبب ما…”
كانت نبرة سيلفاريل هادئة، لكن كلماتها بدت وكأنها تزعج زانوبا. بما يكفي ليدير رأسه فجأة لمواجهتها، على الأقل. “أفترض أن المعلم روديوس كان قد توقف تقريبًا عن صنع التماثيل بحلول الوقت الذي التقى فيه باللورد بيروجيوس، لذا لا يمكنني لومك على التقليل من قيمته. لكن دعيني أؤكد لكِ، أن مهاراته كحرفي تجعل خبرتي الأكاديمية تبدو مخجلة. لن أجرؤ أبدًا على تسمية نفسي مساويًا له.”
“ومع ذلك، يبدو أن اللورد بيروجيوس يعتقد—”
“روديوس غرايرات هو معلمي. سأعترف لكِ بأنه يفتقر إلى عمق المعرفة الفنية التي نمتلكها أنا واللورد بيروجيوس. ولكن لولا توجيهه، لما أصبحت أبدًا رجلاً يستحق تقدير العظيم بيروجيوس.”
صمتت سيلفاريل للحظة. كان لدي شعور بأنها كانت تعبس، على الرغم من صعوبة معرفة ذلك مع ذلك القناع.
بحلول هذه اللحظة، كنت قد اعتدت على إغداق زانوبا لي بالثناء، ولكن لسبب ما، تركتني هذه المرة الأخيرة أشعر بنوع من التأثر. بالطبع، كانت “موهبتي” كفنان تعود بشكل أساسي إلى حقيقة أنني جلبت معي بعض المعرفة حول التماثيل من حياتي السابقة، لذا لم أسمح للأمر بأن يصيبني بالغرور.
“فهمت. أعتذر منك يا لورد زانوبا.”
بينما انحنت سيلفاريل في اتجاهنا العام، قبل زانوبا اعتذارها بعبارة نبيلة: “لا بأس بذلك على الإطلاق”.
لم أكن أهتم حقًا إن كانت تعاملني باحترام أم لا، لكن ربما لم يكن هذا هو الوقت المناسب لإثارة الأمر.
“آه، زانوبا. من الجيد أنك أتيت!”
بعد لحظات فقط، انفتح الباب في مؤخرة الغرفة فجأة، ودخل بيروجيوس بخطوات واثقة. ومع ذلك، توقف بعد بضع خطوات ليتأمل زانوبا وسيلفاريل بالتناوب. ربما كان قد استشعر تلميحًا متبقيًا من الإحراج في الجو.
“…ما الأمر؟ هل أزعجتك سيلفاريل بطريقة ما؟”
أجاب زانوبا بابتسامة: “على الإطلاق. كنا نناقش فقط حقيقة أن المعلم روديوس لم تطأ قدماه هذه الغرفة من قبل اليوم”.
كان من اللطيف منه أنه لم يشي بي للرئيس. كان زانوبا حقًا شخصًا طيبًا في أعماقه.
“آه، نعم… أظن أنني لم أجد فرصة مناسبة من قبل. حسنًا،
روديوس؟ ما رأيك في مجموعتي الصغيرة؟”
“كنت أمعن النظر فيها للتو في الواقع. مقارنة بالأعمال التي تعلقها في أروقتك، كل شيء هنا يتمتع بأسلوب… مميز حقًا”.
“أوه؟”
لم أستطع شرح ما وجدته جذابًا بالضبط في الفن هنا، لذا جاء ثنائي للأمر غامضًا نوعًا ما. ومع ذلك، بدا بيروجيوس مسرورًا للغاية، فقررت التوسع في الحديث قليلًا.
“الفن الذي تعرضه في أماكن أخرى هو بوضوح من النوع عالي الجودة، بطريقة تروق لأي شخص تقريبًا. لكنني أعتقد أنك اخترت الأعمال الموجودة هنا لتناسب ذوقك الشخصي، ربما”.
“هذا صحيح تمامًا”.
بابتسامة عريضة، جلس بيروجيوس على كرسي عند الطاولة المركزية.
واو، هل أصبت في توقعي حقًا؟ أظن أنني لست بربريًا عديم الذوق تمامًا بعد كل شيء! هاها، تبدو سيلفاريل متفاجئة جدًا… على ما أعتقد. من الصعب التأكد من ذلك، كما تعلم؟ بسبب القناع.
انضممت أنا وزانوبا إلى بيروجيوس على الطاولة بناءً على دعوته. جلسنا بجانب بعضنا البعض عبر الطاولة مقابل مضيفنا. كان الأمر أشبه باجتماع أولياء الأمور والمعلمين أو شيء من هذا القبيل.
قال بيروجيوس وصوته دافئ بالسرور: “والآن، ما الذي يمكنني فعله من أجلك اليوم؟ ربما أحضرت لي تمثالًا آخر غير عادي ومثير للاهتمام، همم؟”
ابتسم زانوبا بسعادة، لكنه هز رأسه. “أخشى ألا يكون الأمر كذلك، يا لورد بيروجيوس. لقد جئت لأخبرك بأنني سأعود إلى وطني قريبًا، ولأودعك”.
“همم…”
قطب بيروجيوس حاجبيه بعدم يقين وتأمل وجه زانوبا. وبينما طالت نظراته، بدأت تعابير وجهه تظلم بسرعة.
على الرغم من نظرة بيروجيوس الصامتة، واصل زانوبا بسلاسة وصف الرسالة التي تلقاها من مملكة شيرون، والظروف هناك كما فهمها. لم يكتفِ بيروجيوس بالإيماء في أي لحظة خلال هذا السرد؛ بل ظل يحدق في وجه زانوبا لا أكثر.
“…لذا، كما أنا متأكد من أنك تدرك، سأعود إلى مملكة شيرون على الفور”.
لبضع ثوانٍ بعد أن توقف زانوبا عن الكلام، لم يقل بيروجيوس أي شيء على الإطلاق. بدا وكأنه يفكر في الأمور. لكنه نظر بعد ذلك في عيني صديقه وتحدث.
“أنت تنوي الموت إذن”.
حدق زانوبا في بيروجيوس بتعبير فارغ. “ما الذي يجعلك تظن ذلك، إن سمحت لي بالسؤال؟”
قال بيروجيوس بفظاظة: “إنه مكتوب على وجهك. لقد رأيت تلك النظرة على الكثير من الوجوه في حياتي”.
بدا ذلك مبالغًا فيه قليلًا، لكنني لم أكن لأمنع الرجل من محاولة ثني زانوبا عن هذا. سيكون أفضل سيناريو لجميع المعنيين إذا اختار البقاء. لم أكن أتطلع للوقوع في فخ من أجل التسلية، كما تعلم؟
قال زانوبا، ووجهه لا يزال فارغًا وغير قابل للقراءة: “لنفترض أنك محق، من أجل النقاش. ماذا تقترح أن أفعل حيال ذلك؟”
ابتسم بيروجيوس عند ذلك. “سأقدم لك عوني، إذا كنت تتطلع للقتال. فأنا أقدر نقاشاتنا حول الفن كثيرًا، بعد كل شيء. ولن أتردد في القضاء على أي شخص يهدد بتعطيلها… مثل ملك مدعٍ معين، ربما”.
“أخشى أنني يجب أن أرفض ذلك العرض”.
“هاه! نعم، ظننت أنك ستفعل”.
عند هذه النقطة، ومضت عينا بيروجيوس في اتجاهي. شعرت وكأنها إشارة، لكنني لم أكن متأكدًا تمامًا مما تعنيه. هل أراد مني أن أقول شيئًا؟
ومع ذلك، قبل أن أتمكن من اتخاذ قراري، كان قد حول تركيزه مرة أخرى إلى زانوبا.
“أخبرني يا زانوبا… هل منحك هذا الرجل مباركته لمحاولتك الانتحارية؟”
“ليس تمامًا، لكنه عرض مرافقتي…”
“أوه؟ وهل قبلت ذلك العرض؟”
“لا أعتقد أنه كان لدي خيار كبير. كان في مقدور المعلم روديوس منعي من المغادرة بالقوة، لو اختار ذلك”.
أوه. هل كان هذا هو السبب في أنه لم يحاول الجدال عندما أخبرته أنني قادم أيضًا؟ هل ظن أنني لن أقبل بالرفض؟
لم يكن مخطئًا. كان الرجل يعرفني جيدًا.
“أرى ذلك. حسنًا، أتوقع أن روديوس سيضحي بحياته لحمايتك، إن وصل الأمر إلى ذلك.”
“هاها! لا تكن سخيفًا يا لورد بيروجيوس،” قال زانوبا. ضحك بصوت عالٍ، لكن ضحكته بدت جوفاء بشكل غريب. “المعلم روديوس رجل متزوج ولديه أطفال، ومهمة يجب عليه إنجازها. أنا متأكد تمامًا من أنه سيضع سلامته الشخصية كأولوية إذا لزم الأمر.”
“هل أنت تلميذ رجل قد يتخلى عن صديقه في ساحة المعركة يا زانوبا؟”
“بالتأكيد لا! ومع ذلك، المعلم روديوس رجل يتمتع بمواهب مذهلة.”
“بالتأكيد، سيجد طريقة لحمايتي وضمان سلامته في آن واحد!”
أوه، أنا لست خارقًا يا زانوبا…
في بعض الأحيان كان من الصعب معرفة ما إذا كان صديقي يعتقد حقًا أنني مصنوع من الفولاذ. لكن بعيدًا عن ذلك في الوقت الحالي… كان يتجاهل إشارات بيروجيوس إلى موته بطريقة عفوية بشكل غريب. كان من الواضح تمامًا أن خيار عدم الذهاب إلى مملكة شيرون لم يخطر بباله ولو لمرة واحدة.
بدا أن بيروجيوس أدرك ذلك أيضًا. وبما أنه فقد الاهتمام بالمحادثة على ما يبدو، أسند وجهه على قبضته وأطلق تنهيدة ثقيلة. “حسنًا إذن. أتصور أنك لم تأتِ إلى هنا لمجرد الوداع. هل هناك شيء ترغب في طلبه مني؟”
أومأ زانوبا برأسه. “نود طلب الوصول إلى دائرة انتقال إلى مملكة شيرون، والإذن بإدخال الدرع السحري إلى داخل قلعتك… ومرور آمن عبر قاعاتها لـ روكسي ميغورديا، التي هي زوجة
المعلم روديوس وشيطانة بالولادة.”
“سأجهز الدائرة لكم على الفور. يمكنكم إدخال الدرع السحري عبر قاعاتي أيضًا. لكن لا يمكنني السماح لشيطانة بوضع قدمها داخل قلعتي.”
تجهم بيروجيوس بوضوح عند مجرد التفكير في الأمر. لم أتفاجأ، بصراحة. فخادمه ألمانفي كان قد طرد روكسي من بواباته من قبل، وكان كرهه لكل جنس الشياطين عميقًا وواضحًا.
“هل سترفض حقًا دخولها يا لورد بيروجيوس؟” قال زانوبا ببطء.
“حتى بناءً على التماس شخصي من زانوبا شيرون؟”
“أخبرني بهذا،” رد بيروجيوس. “من هو زانوبا شيرون بالنسبة لي، حتى أكون مرنًا جدًا تجاه نزواته؟”
“زميل في تذوق الفنون، بأذواق لا تختلف عن ذوقك—وصديقك المقرب، كما آمل.”
“هل تطلق على نفسك لقب صديق ملك التنين المدرع؟ أنت، مجرد أمير صغير لدولة صحراوية ثانوية؟”
“مع كامل الاحترام يا لورد بيروجيوس… في مسائل الصداقة، لا الرتبة ولا العرق لهما أهمية تذكر.”
حدق بيروجيوس في زانوبا بضراوة. حافظ زانوبا على نظراته دون أن يرمش.
من الجانب الآخر للغرفة، كانت سيلفاريل تحدق أيضًا بتركيز في زانوبا. بعبارة أخرى، كنت الوحيد في الغرفة الذي كانت عيناه تتجولان بعدم ارتياح. كان الجو هنا ثقيلًا. لو كنت مكان زانوبا، لانهارت أعصابي وبدأت بالاعتذار منذ فترة طويلة.
ثم، مع حركة سريعة لذقنه للأعلى، أطلق بيروجيوس ضحكة قصيرة. “حسنًا إذن. سأسمح للشيطانة بالمرور عبر قاعاتي.”
“خالص شكري لكرمك.”
“ومع ذلك، يجب أن أصر على بعض الشروط.”
وضع بيروجيوس ثلاث قواعد كان علينا اتباعها. بمجرد دخولها أسوار القلعة، لن يُسمح لـ روكسي بنطق كلمة واحدة، أو لمس أي شيء على الإطلاق، أو رؤية بيروجيوس نفسه—وهو ما لم يشكل مشكلة كبيرة، لأننا كنا سنمر فقط. وافق زانوبا وأنا على الفور.
“حسنًا إذن… سيلفاريل، اهتمي بالتحضير لدائرة الانتقال.” “نعم يا سيدي!”
بينما سارع خادمه إلى القاعة، توقف بيروجيوس مرة أخيرة ليتأمل زانوبا من عبر الطاولة بعبوس خفيف من الاستياء.
“زانوبا شيرون…”
“نعم؟”
“سأفتقد محادثاتنا.”
نهض بيروجيوس و زانوبا من مقعديهما في وقت واحد. وبينما كان بيروجيوس يبتعد بخطواته، انحنى له زانوبا دون أن ينبس ببنت شفة.
كان بيروجيوس يمشي بثبات كعادته، لكنني اعتقدت أنني أستطيع رؤية تلميح من الحزن في الطريقة التي كان يحمل بها كتفيه.
بعد تفكيك الدرع السحري الإصدار الأول إلى أجزائه المكونة، قمنا أولاً برحلة إلى مملكة شيرون لتخزينه بأمان في وجهتنا. ساعدنا صديق لـ جينجر ينتمي إلى نقابة الحطابين في تمويه القطع ككتل حجرية، ورتب لنقلها إلى مستودع قريب من العاصمة. لم يكن لدي وقت لمرافقته، لكن جينجر ذهبت قبلنا. كنت قد طلبت منها قضاء بضعة أيام في جمع معلومات عن الوضع في مملكة شيرون. كان أملي أن يكون الغزو المزعوم من الشمال مجرد تلفيق كامل. فقد كانت فرصتنا الأخيرة لإقناع زانوبا بالبقاء في شاريا بعد كل شيء.
ولكن على حد علم جينجر، كانت مملكة بيستا تحشد قواتها بالفعل على طول الحدود. كانت مملكة شيرون بأكملها مستعدة وجاهزة للحرب؛ وكانت الشوارع مليئة بالمرتزقة والبلطجية ذوي المظهر الرث الذين يتوقون إلى قتال.
لقد التقطت بعض التفاصيل الأخرى أيضًا: “يبدو أن الملك باكس قد أُسندت إليه مهمة عشرة من أمهر فرسان مملكة تنين الملك. وهم من قاموا بذبح أعدائه بعد الانقلاب”.
قد لا يبدو عشرة فرسان مجرد دعم كبير، ولكن يبدو أن هؤلاء الفرسان كانوا هائلين حقًا. لم يكن باكس وهؤلاء العشرة هم الوحيدون الذين شنوا الانقلاب، لكنه نجح بفضل جهودهم. لم أستطع استبعاد أن خطة إله البشر تتضمنهم بطريقة ما.
“هل صادف أن عرفتِ أسماء هؤلاء الفرسان العشرة يا جينجر؟”
“للأسف، لا. لكنني سمعت شائعات بأن رجلاً ذا وجه هزيل يشبه الهيكل العظمي يرافق الملك باكس أينما ذهب. يقول البعض إنه إله الموت، أحد القوى العظمى السبع”.
“آه. فهمت”.
تجهمت عند التفكير في الأمر، على الرغم من أنني شككت في أن تكون الشائعة صحيحة. كان من الصعب تخيل أن مملكة تنين الملك سترسل واحداً من أقوى سبعة أشخاص في العالم لاستخدام باكس الخاص. ومع ذلك، كنت بحاجة لإخبار أورستيد بهذا، تحسباً لأي طارئ.
رجل بوجه “هيكلي” رغم ذلك؟ ماذا يعني ذلك حتى؟
عندما نقلت نتائج جينجر إلى زانوبا، كان تعليقه الوحيد هو: “همم.
هل هم مستعدون للغزو بالفعل إذن؟ أظن أنه سيتعين علينا الإسراع”.
كانت نبرته هادئة كعادته، لكنني رأيت بريقاً من القلق في عينيه. لقد نفدت مني الطرق لمحاولة إثنائه عن هذا، لذا اتفقنا على المغادرة في غضون أيام قليلة. سنكون مجموعة من أربعة هذه المرة: أنا، وزانوبا، وجينجر، وروكسي. ستبقى جولي مع عائلتي حتى يزول الخطر.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.