الفصل 3:
العودة إلى مملكة شيرون
في الليلة التي سبقت مغادرتنا المخطط لها، كان لدينا زائر غير متوقع.
كنت أدخل القاعة للتو لاستخدام الحمام بعد أمسية من الترابط الزوجي العاطفي مع سيلفي. وفجأة، بدأ ليو ينبح بجنون، وبعد بضع ثوانٍ اندفعت إيريس خارج غرفتها وعيناها تنطقان بالقتل.
لم تكن لدي أدنى فكرة عما يحدث.
“نحن نتعرض للهجوم!” صرخت إيريس.
“هاه؟!”
هل ركل أحدهم الباب الأمامي أو شيء من هذا القبيل؟
بقلب متسارع، عدت إلى غرفة نومي، وأمسكت بعصاي ومشعل… وتوقفت لأنظر من النافذة بحثاً عن أي علامات للخطر. كانت ليلة مظلمة، لكنني استطعت تمييز صورة ظلية مألوفة تقف أمام بوابتنا.
“كل شيء على ما يرام يا إيريس. هذا ليس عدواً في الخارج”.
“…صحيح. أظن ذلك”.
نظرت إيريس من النافذة بجانبي، وهي تعبس في وجه الشخصية الغامضة.
تركت عصاي مقابل الحائط وخرجت إلى الردهة مرة أخرى. بعد طرد عائلتي النعسانة والمضطربة إلى غرفهم، شققت طريقي إلى البوابة.
فتحت الباب الأمامي لأجد أورستيد ينتظر بصبر في الخارج. كان بايت، الذي كان متشابكاً حالياً حول بوابتنا الأمامية، قد لف كرومه حوله وكان يعصره بقوة. ذكرني ذلك ببعض الأعمال الفنية ذات الطابع… المجسي.
“أعتذر عن الزيارة في وقت متأخر من الليل”.
“أوه، لا بأس… توقف يا بايت! اتركه!”
“أنا هنا لأنني علمت بشيء يجب أن تعرفه. اتبعني.
لن يستغرق هذا وقتاً طويلاً”.
“أمم، حسناً”.
مزق أورستيد كروم بايت المتخبطة عن جسده بسلاسة قبل أن يمشي مبتعداً في الشارع المظلم. ألقيت تعويذة شفاء سريعة على شجرة التريانت المخلصة الخاصة بنا. وقفت إيريس في المدخل وذراعاها مطويتان. هرعت إليها، وأخبرتها أنني سأعود قريباً، وهرولت خلف أورستيد.
للأسف، لم تكن هناك مطاعم تعمل على مدار الساعة في حيي. كان علينا الاكتفاء بأقرب قطعة أرض فارغة. كانت ليلة بلا قمر، لذا أحضرت مشعلي معي. أضاء ضوؤه الوامض محيطنا المباشر، ولم يكشف عن شيء سوى رقعة فارغة من العشب والأرض.
إذا فكرت في الأمر، فقد كان أورستيد وأنا نميل إلى إجراء الكثير من محادثاتنا في الظلام. جعلني ذلك أشعر وكأنني أفعل شيئاً شريراً، هل تعلم؟ يجب أن أبحث في وضع المزيد من المصابيح في مكتبه…
“إذن… ما الذي أردت مناقشته؟”
“البيدق الجديد الذي اختاره إله البشر”.
لقد مررت بكل المعلومات التي جمعتها جينجر قبل بضعة أيام. لم يكن في مكتبه عندما توقفت، لذا كان علي أن أترك له رسالة تلخص تقريرها.
“لقد طورت نظرية بناءً على المعلومات التي قدمتها جينجر يورك. سأشرحها لك، ثم أعطيك استراتيجية تقريبية لتتبعها”.
تمنيت لو كان لدينا أكثر من مجرد نظرية لننطلق منها في هذه المرحلة. ربما كانت الخطوة الذكية هي حبس زانوبا في قفص حتى نجمع المزيد من المعلومات…
كلا، لن يثق بأي شيء نقوله إذا بدأنا بمعاملته بهذه الطريقة. لم تكن الأمور بهذه السهولة أبداً.
“بادئ ذي بدء، فيما يتعلق بهؤلاء الفرسان العشرة: أتوقع أن تسعة منهم ليسوا بارزين أو خطرين بشكل خاص”.
“حسناً…”
“أما بالنسبة للعاشر، الرجل ذو الوجه الذي يشبه الجثة—أعتقد أنني على دراية به”.
آه، صحيح. هذا هو الرجل الذي كان يلتصق بباكس أينما ذهب.
“لا يوجد سوى فارس واحد من مملكة تنين الملك يتمتع بمهارة كبيرة ووجه هيكلي، كما ترى”.
“من هو إذن؟”
ثبّت أورستيد نظراته عليّ. بدت الليلة أكثر حدة من المعتاد.
“راندولف ماريان، إله الموت. الخامس بين القوى العظمى السبع.” إله الموت. الخامس بين القوى العظمى السبع.
ترددت الكلمات داخل رأسي لبعض الوقت بينما كنت أبذل قصارى جهدي لاستيعاب معناها. إذن، كانت تلك الشائعات صحيحة؟
“إنه السلاح السري لمملكة ملك التنين.”
“…لماذا قد يعيرون سلاحهم السري لدعم انقلاب في بلد عشوائي؟”
“لا أعلم، لكن يبدو من المرجح أن إله البشر قد رتب للأمر بطريقة ما.”
أجل، كان هذا الاحتمال الأكثر وضوحًا بالتأكيد. كان سؤالي غبيًا نوعًا ما من جانبي…
“من الصعب تخيل أن ملك التنين سيسمح لإله الموت بمغادرة خدمتهم، وقد فكرت في احتمال أن يكون شخصًا آخر. لكنني لا أعرف أي بيدق آخر على الرقعة قادر على قتلي أو قتلك. يبدو من الأسلم افتراض الأسوأ. سأخبرك بما أعرفه عنه.”
حسنًا. كان لا يزال هناك احتمال ألا يكون هذا الرجل ذو الوجه الجمجمي هو إله الموت، لكنه كان أخطر شخص قد يأتي من أجلي. أجل، من الأفضل أن أستعد لهذا السيناريو.
“راندولف إله الموت لا يتبع أي مدرسة راسخة في المبارزة. أسلوبه فريد وعصامي.”
“إذن… هل ابتكر كل حركاته بنفسه؟”
“هذا صحيح. لا يمكنك توقع اتباعه لأي من الأنماط المألوفة. إنه يستخدم كل حيلة وأداة ممكنة في سعيه لتحقيق النصر.”
همم. بدا الأمر أشبه بفلسفة رويجيرد في الواقع. لم يكن من الممتع أبدًا
قتال أشخاص لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم…
“ومع ذلك، فهو يمتلك تقنية مميزة. تُعرف باسم النصل الآسر.”
واو، حسنًا. أراهن أنني أعرف كيف تعمل هذه التقنية. هل يحرك سيفه في دائرة كبيرة درامية لسبب غير مفهوم، ثم يطعنك بينما أنت معجب بحركاته؟
“هناك نوعان متميزان من هذه التقنية: النصل المغري و
النصل المقيّد.”
“حسنًا. ما الفرق بينهما؟”
“النصل المغري يقنع أعداءه بالتقدم عندما يكون ذلك غير حكيم، ثم يصد هجومهم. أما النصل المقيّد فيقنع أعداءه بالتراجع عندما ينبغي عليهم الهجوم.”
بدا ذلك… غامضًا نوعًا ما. كنت أواجه صعوبة حتى في تخيل تلك الحركات.
“هذا الرجل بارع في التلاعب بأفكار خصومه في المعركة. عندما تعتقد أنه يجب عليك الهجوم، لا تهاجم. وعندما تعتقد أنه يجب عليك الدفاع، لا تدافع. لن تلمسه حتى لو وثقت بحدسك. أضمن لك ذلك.”
“إمم، يبدو الأمر وكأنني لست مخولًا بفعل أي شيء على الإطلاق…”
“خطأ. عندما تريد الدفاع، هاجم ببساطة بدلاً من ذلك. وعندما تريد الهجوم، دافع. لكن لا تعمِ بصيرتك عن اللحظات التي يكون فيها الهجوم منطقيًا حقًا، أو عندما تكون الحيطة ضرورية تمامًا…”
عذرًا؟ هذا لا معنى له. هل هذا نوع من أحجيات الزن؟ رأسي يؤلمني…
“لا تنخدع بتمثيله، باختصار. ابقَ مركزًا واسحقه.”
خطرت ببالي فكرة “إذا كان هذا الرجل بارعًا جدًا، فلماذا لا تتعامل معه أنت بدلاً مني؟”، لكنني طردتها من ذهني. سيتوجه أورستيد إلى مملكة ملك التنين قريبًا.
“هل تعتقد أنني أستطيع هزيمته حقًا؟” سألت.
“الرجل أحد القوى العظمى. وكما قد تتوقع، فهو بارع في التقنية، ويمتلك طرقًا عديدة لصد السحر الهجومي. لن يكون الأمر سهلاً بالتأكيد. ومع ذلك، فقد عاد مؤخرًا فقط إلى ساحة المعركة بعد غياب دام سنوات عديدة؛ أشك في أنه يستطيع حتى منافسة آلهة الأساليب الثلاثة العظمى في الوقت الحالي. الآن بعد أن عرفت النظرية الكامنة وراء النصل الآسر، لديك كل فرصة للفوز—طالما يمكنك مقاومة خدعه ومراوغاته.”
من الجيد سماع ذلك، على الرغم من أنني لم أكن مقتنعًا تمامًا. بصراحة، كانت فكرة قتال أي شخص يحمل لقب “إله” مرعبة بالنسبة لي كما كانت دائمًا. كان من الصعب تخيل نفسي فائزًا بالفعل.
ومع ذلك، فقد خضت قتالًا جيدًا ضد أوبر، وكان إمبراطورًا للشمال. ربما كنت مستعدًا لخصم كهذا.
“أتعلم، مما أخبرتني به حتى الآن، يبدو أسلوب إله الموت هذا مشابهًا لنهج إله الشمال.”
“كما ينبغي أن يكون. كان يُعتبر في الأصل مرشحًا محتملاً لتولي رتبة إله الشمال.”
أوه. مثير للاهتمام. مرشح، هاه؟ إذن لم ينجح في الحصول على ذلك المنصب، بعبارة أخرى. ألم يكن مصنفًا فوق إله الشمال الحالي في القوى العظمى السبع؟ بدا لي أنني أتذكر أن إله الشمال كان في المرتبة السابعة في تلك القائمة… غريب.
“إذن كيف انتهى الأمر بشخص مثله بالحصول على لقب إله الموت على أي حال؟”
دفعتني فضولي لسؤال أورستيد عن قصة حياة الرجل، وكان أورستيد لطيفًا بما يكفي لتلبية طلبي. كان راندولف ماريان حفيد ثاني إله شمال يحمل ذلك اللقب. قضى سنوات طفولته الأولى في التدريب تحت إشراف جده، جنبًا إلى جنب مع الرجل الذي سيصبح ثالث إله شمال.
ومع ذلك، دخل راندولف في خلاف حاد مع جده بعد فترة وجيزة من بلوغه سن الرشد. تاركًا وراءه كل ما عرفه، انطلق إلى العالم بمفرده وبدأ في تطوير تقنياته الخاصة بشكل مستقل. ومع مرور الوقت، أصبح قويًا بما يكفي لهزيمة أحد القوى العظمى السبع في معركة دارت رحاها في قارة الشياطين. وبمطالبته بلقب خصمه، بدأ راندولف يطلق على نفسه لقب إله الموت.
لكن منذ ذلك اليوم، تعرض لهجمات لا هوادة فيها من أولئك الذين يحلمون بأخذ مكانهم بين القوى العظمى السبع. كانت المبارزات وكمائن الاغتيال تحدث بشكل يومي. وجد راندولف نفسه محاصرًا في صراع لا ينتهي ولا طائل منه ضد بحر من الرجال والنساء الذين لم يجدوا معنى لحياتهم سوى في القتال.
بعد عشر سنوات من هذا، شعر بالاشمئزاز التام من روتينه الدموي. وعازمًا على تغيير حياته بالكامل، عاد راندولف إلى وطنه – مملكة تنين الملك – ودرس ليصبح طاهيًا. وبمجرد أن أصبح مستعدًا، تولى إدارة مطعم كان على وشك الإفلاس من أحد أقاربه. وهكذا بدأ فصل جديد في أسطورة إله الموت.
للأسف، تبين أنه فصل قصير. كان أداء المطعم سيئًا للغاية لدرجة أنه توقف عن العمل تمامًا. كان راندولف عبقريًا كسياف، لكنه كان طاهيًا متوسط المستوى. وبسبب تراكم ديون ضخمة عليه لم يكن لديه وسيلة لسدادها، وجد نفسه مجندًا من قبل جنرال في مملكة تنين الملك، وتولى منصبه الحالي كفارس ملكي.
وكانت تلك قصة حياة راندولف بأكملها حتى الآن، من الولادة إلى… منتصف العمر، على الأرجح. يا لها من حكاية مؤثرة.
“طالما أنك تتعامل مع المعركة بشكل صحيح، فسيكون أداؤك جيدًا بما يكفي ضد إله الموت. لكن إذا جاء من أجلك، فلا تقاتله من مسافة قريبة. استخدم قدرة درعك السحري على الحركة للحفاظ على مسافتك، كما فعلت معي.”
“حسنًا. شكرًا لك يا سيدي.”
حفظت اسم إله الموت في ذاكرتي بعناية وانحنيت أمام أورستيد.
“هذا كل شيء في الوقت الحالي، روديوس. لا تقتل نفسك هناك.”
“حسنًا، سأبذل قصارى جهدي.”
على الأقل كان لدي بعض المعلومات حول أكبر تهديد قد أواجهه في مملكة شيرون. كان ذلك أفضل من لا شيء. كان رحيلنا غدًا. كان علي أن أكون مستعدًا لمواجهة أي شيء قد يلقيه إله البشر في طريقي.
في صباح اليوم التالي، ودعتني العائلة بأكملها عند بابنا الأمامي.
كان حشدًا كبيرًا: سيلفي، التي تحمل لارا بين ذراعيها؛ إيريس؛ ايشا؛ نورن؛ ليليا؛ زينيث؛ لوسي؛ ليو؛ وجولي، التي كانت تقيم معنا.
“كن حذرًا هناك يا رودي. أعلم أنك تستطيع التعامل مع أي شيء، لكن لا تكن مهملًا، حسنًا؟ نريد عودتك سالمًا معافى.”
“فهمت ذلك. ابقي عينك على العائلة من أجلي يا سيلفي.”
“لا مشكلة.”
عانقت سيلفي عناقًا كبيرًا، وتحسست مؤخرتها قليلًا بينما كانت الفرصة سانحة. كان من المؤسف حقًا أنني لن أرى هذه المؤخرة الجذابة مرة أخرى لفترة من الوقت.
“إيريس، حاولي التقليل من أي تمرين شاق حتى يأتي الطفل، حسنًا؟”
“أعلم، أعلم.”
“وإذا تبين أنها فتاة، حاولي أن تعطيها اسمًا لن تستاء منه.”
لقد ناقشنا هذا من قبل، ولكن مع إيريس، لا يضر التكرار أبدًا. لم يكن من الصعب تخيلها وهي تصر على أن مولودتها الجديدة هي في الواقع صبي، وتربيها وفقًا لذلك – سواء أعجبها ذلك أم لا. كانت حبكة كلاسيكية لقصة درامية، بالتأكيد، لكنني لم أكن لأسمح لطفلي بأن يعاني من هذا النوع من المعاملة.
“حظًا سعيدًا هناك، أخي العزيز. المزيد من أعضاء فرقة روكواغ”
للمرتزقة سينتظرونك بحلول الوقت الذي تعود فيه.”
“آه، حسنًا. لا تستخدميهم في أي شيء مريب للغاية، من فضلك.”
“نعم، نعم.”
كان من الجيد أن شركة المرتزقة الخاصة بـ ايشا تنمو بسلاسة، لكنني لم أرغب في أن تنسى أن موظفيها كانوا في الغالب أشخاصًا خشنين وعنيفين. ما لم تبقِ يدًا حازمة على دفة القيادة، فقد تتحول المجموعة إلى عصابة من البلطجية الخارجين عن القانون. كان من الأسلم إبقاء أنشطتهم قانونية تمامًا.
“روديوس، كان الأمير زانوبا لطيفًا جدًا معي خلال فترة وجوده هنا. آمل أن تجد طريقة لتجاوزه هذه الأزمة بأمان.” “هذه هي الخطة. لا تقلق، سأجد حلاً ما.”
“تأكد من الاعتناء بنفسك أيضًا.”
“شكرًا يا نورن. استمري في عملك مع مجلس الطلاب، حسنًا؟”
اقتطعت نورن وقتًا من جدولها لتوديعي، لكنها بدت متوترة قليلًا؛ خمنت أن هذا وقت عصيب بالنسبة لها الآن. كانت لا تزال تحاول تثبيت أقدامها كرئيسة لمجلس الطلاب.
“كن بخير يا سيد روديوس. سأصلي من أجل حظك في ساحة المعركة.”
“شكرًا لك يا ليليا. سأعود سالمًا، أعدك.”
بدا وداع ليليا ميلودراميًا قليلًا، لكنني قدرت المشاعر.
لقد تقمصت دورها كمدبرة منزل مخلصة لعائلتنا بصدق في الآونة الأخيرة. في بعض الأحيان كنت أرغب في تذكيرها بأنها لا تزال امرأة شابة نسبيًا، لكن ربما لم يكن هذا هو الوقت المناسب. رددت انحناءتها بابتسامة.
اغتنمت زينيث الفرصة لتربت على رأسي. حين أفكر في الأمر، ربما كانت حالتها هي السبب الرئيسي الذي جعل ليليا متمسكة بمكانها الحالي. شعرت بجزء مني وكأن عائلتي قد سرقت معظم حياة ليليا منها، لكن هذا كان طريقاً اختارته هي لنفسها.
“هيا يا لوسي. قولي وداعاً لأبي.”
“…وداعاً يا أبي.”
“وداعاً يا لوسي. سأعود إلى المنزل قريباً، أعدك بذلك.”
تململت ابنتي للحظة، وكانت يدها الصغيرة تقبض على تنورة سيلفي. بدا وكأنها تريد قول شيء آخر، فانتظرت بصبر.
بعد لحظة، تقدمت بخطوة ونظرت إليّ. “أريد عناقاً، يا أبي.”
“حاضر يا صغيرتي! تعالي إلى هنا. كوني فتاة مطيعة بينما أكون بعيداً، حسناً؟!”
“مم.”
لم تكن لوسي تطلب مني المودة كل يوم، لذا انتهزت الفرصة لأحملها وأمرر خدي على وجنتيها الصغيرتين.
هذه المرة لم تتملص احتجاجاً. ربما لأنني حلقت ذقني هذا الصباح. استمتعت بوقتي لبعض الوقت قبل أن أتركها من بين يديّ بأسف.
أخيراً، التفتُّ إلى جولي، التي كانت تقف بهدوء في جانب من عائلتي.
“مهلاً، يا جولي…”
“نعم، يا سيد المعلمين؟”
“تذكري، أنتِ متدربتي. تبدين وكأنكِ تعتبرين نفسكِ جارية، لكن، آه… حاولي أن تشعري وكأنكِ في منزلكِ، حسناً؟ أنتِ ضيفتنا، لذا لا داعي لأن تشعري بالحرج.”
“بالطبع يا سيدي. سأحاول ألا أسبب لعائلتك أي متاعب.”
بصراحة، لم أكن متأكداً مما تفكر فيه جولي بشأن ظروفها في هذه المرحلة، لكنني حاولت بذل قصارى جهدي لأطمئنها على أي حال. كانت الأحداث الأخيرة تشير إلى أنها ليست تعيسة تماماً، على الأقل…
“…شكراً لك على مرافقة المعلم. أرجوك حافظ على سلامته.”
“بالتأكيد يا جولي. لن أسمح بأن يصيبه أي مكروه.”
لكن بطريقة أو بأخرى، كان زانوبا مهماً لها بوضوح، وبدت وكأنها تعتز بدورها كتلميذة له. لم أكن متأكداً لماذا شعرت بأنها مضطرة لطلبي بأن أعتني به. كنت أهتم بـ زانوبا بقدر ما تهتم هي به.
“حسناً يا ليو، أنا أترك عائلتي في حمايتك مجدداً. راقب المنزل بأكمله، هل فهمت؟ ليس لارا فقط.”
“راروف!”
مع بضع كلمات أخيرة من التشجيع لكلب حراستنا الضخم، مررت بنظري على عائلتي بأكملها للمرة الأخيرة. قلت: “حسناً إذن، سنذهب.” قالت روكسي بهدوء: “وداعاً في الوقت الحالي.”
حملت حقائبنا وخرجت من الباب الأمامي. تبعتني روكسي عن كثب.
***
بعد بضع دقائق، التقينا بـ زانوبا و جينجر عند بوابات المدينة. كنا قد أرسلنا معظم أمتعتنا إلى مملكة شيرون قبلنا، لذا لم يكونا يحملان الكثير اليوم. كانت حقائبنا تحتوي بشكل أساسي على ملابس إضافية. أما أنا، فقد حملت أمتعة روكسي عنها. كان هذا الصندوق المتواضع يحتوي ربما على سبع أوعية قد تُقدس يوماً ما كأصنام مقدسة. لقد قدته عبر شوارع المدينة بعناية فائقة.
كان كليف و إليناليس ينتظران عند البوابات أيضاً. لقد جاءا لتوديعنا.
“أنا آسف يا روديوس. أتمنى لو كان بإمكاني المجيء معك، لكن…”
كان كليف يرغب حقاً في مرافقتنا، لكن كان لديه عائلة ليفكر فيها الآن، ومكانة في المجتمع يحتاج للحفاظ عليها. لا يمكنك توقع أن يهرب في رحلات مفاجئة تستمر لأشهر حول العالم مثلي. كان من المرجح أن يؤدي ذلك إلى طرده من الجامعة.
“لا بأس يا كليف. هل يمكنك مراقبة عائلتي من أجلي بينما أكون بعيداً؟ ساعدهم إذا وقعوا في أي مشكلة؟”
“بالطبع يا روديوس. اعتنِ بـ زانوبا جيداً من أجلنا.”
“لا تقلق. سأتولى الأمر.”
أومأ كليف برأسه والتفت ليواجه زانوبا. “أريد أن أخبرك بشيء قبل أن تذهب يا زانوبا—أعتقد أن وطنيتك مثيرة للإعجاب حقاً. حقاً.”
“أرى ذلك. لا أعرف إن كنت سأسمي نفسي وطنياً، بكل صدق.”
“ومع ذلك، أريدك أن تضع شيئاً واحداً في اعتبارك. كما قال القديس ميليس ذات مرة—”
متجاهلاً محاولات زانوبا للاحتجاج، بدأ كليف في إلقاء خطاب بدا أشبه بموعظة. خطرت كلمة “محاضرة” على بالي أيضاً. لقد كنت في الطرف المتلقي لهذه المحاضرات مرات أكثر من أن تُحصى. هذه المرة، كان الموضوع يتعلق بالتزام الإنسان بتقدير حياته كما يقدر هدية ثمينة. استمع زانوبا بأدب كافٍ، لكن الابتسامة على وجهه كانت متكلفة بوضوح. كان بإمكانك حرفياً رؤية الكلمات تدخل من أذن وتخرج من الأخرى.
نظرت حولي لأشغل نفسي عن هذا المشهد المحرج، ولاحظت أن إليناليس و روكسي قد تنحيتا جانباً لإجراء محادثة شبه خاصة.
“حاولي مراقبة روديوس عن كثب هذه المرة يا روكسي. يمكن أن يكون هذا الفتى هشاً بشكل مفاجئ عندما تسوء الأمور…”
“أنا أدرك ذلك جيداً، صدقيني.”
هاه؟ هل أنا حقاً الشخص الذي يجب أن يقلقوا بشأنه هنا؟
عند التفكير في الأمر، كان ذلك منطقياً نوعاً ما، بالنظر إلى أنني كنت أقفز طواعية إلى فخ وما إلى ذلك. هذا النوع من اتخاذ القرارات المتهورة كان يميل إلى إثارة بعض القلق.
“إذا بدأ في الشعور بالكآبة، فأنتِ تعرفين ما يجب فعله، أليس كذلك؟ ادفعيه إلى السرير واجعليه ينسى كل مشاكله. تماماً مثل المرة السابقة.”
“أوه، حسنًا… لا أعتقد أن هذا ضروري. رودي لا يكرر نفس الخطأ مرتين عادةً، لسبب واحد…”
“آه، هذا يذكرني. لماذا لا تحاولان إنجاب الطفل الثاني بينما أنتما على الطريق؟ أنتِ ترضعين في الوقت الحالي، أليس كذلك؟ هذا النوع من الأمور قد يضفي القليل من الإثارة في الفراش، كما تعلمين…”
“أنا متأكدة من أن رودي سيجد الأمر مثيرًا، لكنني أفضل حقًا ألا نفعل ذلك.”
كان من الجيد سماع أن روكسي لديها هذا الرأي العالي عني، لكن الحقيقة هي أنني كنت أكرر أغبى أخطائي بانتظام. ومع ذلك،
سيتعين عليّ محاولة الاستعداد للأسوأ هذه المرة. لم أكن أريد لـ زانوبا أن يموت… ولكن إذا حدث ذلك، فسأكون عديم الفائدة إذا أصبت بانهيار عصبي آخر.
لا تعليق على بقية تلك المحادثة. كانت إليناليس تحاول مساعدة روكسي على الاسترخاء. على الأرجح. من الواضح أن تلك المرأة لم تتغير، رغم منصبها الجديد كزوجة وأم. كل كلمة أخرى تخرج من فمها كانت تتعلق بالجنس. ستكون ذات تأثير فظيع على طفلها.
“حسنًا يا رفاق. أعتقد أنه من الأفضل أن ننطلق في طريقنا.”
“صحيح. لا تقتل نفسك هناك، هل تفهم؟”
مع تلك الكلمات الوداعية المبهجة من كليف، غادرنا نحن الأربعة مدينة رانوّا خلفنا.
استغرق الأمر نصف يوم من المشي للوصول إلى الأطلال القريبة، ومنها دخلنا إلى قلعة بيروجيوس الطائرة.
كما وعد، سمحوا لـ روكسي بمرافقتنا هذه المرة. لكن ألمانفي كشر بوضوح وهو يسلمها الأداة السحرية المطلوبة، وكانت دائرة الانتقال الآني على الجانب الآخر محمية من قبل سيلفاريل واثنين آخرين من الخدم في توظيف بيروجيوس. كانوا بوضوح على حذر من روكسي، مهما بدا ذلك سخيفًا.
“سيدي روديوس، آمل حقًا أن تقدر مدى سماحة اللورد بيروجيوس في الموافقة على هذا الطلب. لا يتم التسامح مع أي شياطين في هذه القلعة تحت الظروف العادية.”
“نعم، أنا أعلم. نحن ممتنون لكرمه، حقًا.”
حاولت التعبير عن امتناننا، بينما انحنت روكسي برأسها بصمت. كشرط لدخولها إلى القلعة الطائرة، لم يكن مسموحًا لها بنطق كلمة واحدة داخل حدودها. كما طُلب منها البقاء تحت المراقبة في جميع الأوقات، ومُنعَت من لمس أي أشياء في القلعة، ورُفِض حقها في مقابلة بيروجيوس… ولم يكن ذلك كل شيء حتى.
لحسن الحظ، كنا نمر عبر المكان لفترة وجيزة، لذا لم تكن أي من تلك القواعد تشكل مشكلة كبيرة. كانت روكسي قد وافقت عليها جميعًا مسبقًا.
ومع ذلك، كانت مفتونة بوضوح بعظمة وروعة هذا المكان. كانت تحدق في القلعة المركزية الشاهقة مثل فتاة ريفية ساذجة، وتشد كمي بحماس. كان من المؤسف حقًا أنه لم يُسمح لي بأخذها في جولة، أو حتى إخبارها بأي شيء محدد عن القلعة. بدلًا من قول أي شيء، وضعت يدي على كتفها وربت عليه بحنان.
التفتت لتنظر إليّ من تحت الحافة العريضة لقبعتها، وهي تحمر خجلًا قليلًا. أعتقد أنها كانت محرجة بعض الشيء من الطريقة التي كانت تحدق بها.
ثم تنحنحت سيلفاريل بصوت عالٍ، قاطعةً تلك اللحظة.
هيا، لم نكن نتحدث حتى…
إذا استمروا في معاملة روكسي بهذه الطريقة، فقد تنتشر شائعة بأن الملك الطيب بيروجيوس لديه مجموعة من الخدم التافهين والفظين. أوه، بالتأكيد لن تأتي الشائعات مني، لكن قطتي وكلبي يمكنهما دائمًا القيام ببعض النميمة نيابة عني. كان هذان الاثنان بارعين بشكل مخيف في هذا النوع من الأمور.
“من هنا، من فضلكم…”
بمرافقة التابعين الآخرين، تبعنا سيلفاريل نزولًا إلى المستويات السفلية للقلعة. بصراحة، كان الأمر أشبه بكوننا سجناء يتم اقتيادهم إلى الزنزانات. لكنني احتفظت بهذا التفكير لنفسي.
لقد طلبنا من بيروجيوس السماح لـ روكسي بدخول منزله، ونحن نعلم تمامًا أنه يكره الشياطين بشدة. يجب أن أعترف، لم أفهم لماذا كان هذا الأمر ذا أهمية كبيرة بالنسبة له. ومع ذلك، كان من الواضح أنه لم يقم بهذا الاستثناء إلا بسبب زانوبا. فهو لم يكن يريد لـ زانوبا أن يموت أكثر مما كنا نريده نحن.
“مهلًا، سيلفاريل…”
“ما الأمر يا سيدي روديوس؟”
“هل يمكنك إخبار بيروجيوس بأنني سأعود لأشكره بشكل لائق على هذا، بمجرد أن تسنح لي الفرصة؟”
“حسنًا جدًا،” قالت التابعة، بنبرة صوت نقلت بطريقة ما معنى “هذا أقل ما يمكنك فعله”.
كانت ناناهوشي تنتظرنا في غرفة الانتقال الآني. وقفت بجانب الدائرة المتوهجة، التي تم تفعيلها بالفعل منذ بعض الوقت. تبادر إلى ذهني متأخرًا أنني لم أقل لها كلمة واحدة عن خطط سفرنا. لا بد أنها سمعت بالأمر من مكان ما وجاءت لتوديعنا.
“مرحبًا يا زانوبا،” تمتمت ناناهوشي. “أوه، سمعت أنك عائد إلى وطنك…”
على ما يبدو، لم تكن الفتاة قد توصلت إلى ما تريد قوله بشأن ذلك. كانت تعبث بيديها، وبدت غير مرتاحة بشكل واضح.
مشى زانوبا نحوها ببطء.
“هذا صحيح، آنسة ناناهوشي. لقد حان الوقت لأعود إلى وطني.”
ومض تعبير غريب على وجه ناناهوشي، ينقل بطريقة ما الحسد والحزن الحقيقي في آن واحد.
“لا تخافي. أنا متأكد من أن يوم عودتكِ سيأتي في الوقت المناسب.”
يا إلهي. هل كان عليك قول ذلك يا زانوبا؟ لم تكن ناناهوشي قادرة على العودة
إلى ديارها في الوقت الحالي، رغم أنها كانت تتوق لذلك بشدة. لا بد أن التفكير في هذه الحقيقة كان مؤلمًا لها.
“حسنًا… آمل أن تكون محقًا،” تمتمت ناناهوشي.
“طالما أنك ترفضين الاستسلام، فستتمكنين من العودة في نهاية المطاف. إلا إذا اختفت موطنك نفسه.” تقدم زانوبا خطوة للأمام، وأحاط ناناهوشي بذراعيه وربت على ظهرها بلطف. “بالنسبة لي، سأدعو لكِ بالنجاح—حتى وإن كان ذلك من بعيد.”
ربما كان هذا العناق القوي ليُعتبر تحرشًا جنسيًا في اليابان. لكن ناناهوشي لم تتراجع أو تحاول الإفلات. بعد لحظة من التردد، رفعت ذراعيها وأحاطت زانوبا بدورها. رأيت الدموع تلمع في عينيها.
“أمم… شكرًا لك… على… كل مساعدتك، الأمير زانوبا…”
“لا داعي لمناداتي بالأمير! ولا داعي لشكري أيضًا. سأظل أتذكر دائمًا بمودة الأيام التي قضيتها معكِ ومع كليف، غارقين في أبحاثنا. ربما”
أنا من يدين لكِ بالامتنان.”
بالتفكير في الأمر… لم يصبح زانوبا وكليف مقربين إلا بسبب عملهما مع ناناهوشي. لقد لعبت الساعات الطويلة التي قضوها معًا كمساعدين لها دورًا بالتأكيد في توطيد علاقتهم.
يا رجل. كانت تلك أوقاتًا جميلة، أليس كذلك…
“أوه، أرجوك،” قالت ناناهوشي وهي تشهق. “لقد فعلت الكثير من أجلي… لولا مساعدتك، لما وصلت أبحاثي إلى هذا الحد أبدًا.”
“ربما! لكن لو لم نلتقِ، لما تعرفت أبدًا على اللورد بيروجيوس. بعبارة أخرى، بفضلكِ فقط أستطيع العودة إلى وطني بهذه السرعة والسهولة. لنعتبر أننا متعادلان، ما رأيك؟ ها!”
بضحكة عالية، أطلق زانوبا أخيرًا سراح ناناهوشي من عناقه.
“حسنًا إذن، آنسة ناناهوشي. من غير المرجح أن نلتقي مجددًا، لكن اعتني بنفسك.”
“أمم، وأنت أيضًا…”
رمقتني ناناهوشي بنظرة مذهولة وقلقة. لم يكن من الصعب تخمين ما تفكر فيه: ما قصة هذه الوداعيات النهائية؟ أعني، سيعود عبر الانتقال الآني إلى هنا في النهاية، أليس كذلك؟ على الأقل للزيارة؟
أومأت برأسي بحزم لطمأنتها. لن تكون هذه آخر مرة يلتقيان فيها—ليس إذا كان لي أي قول في الأمر، على أي حال. بقدر ما يهمني الأمر، كان زانوبا يتوجه إلى وطنه في زيارة قصيرة، لا أكثر.
“حسنًا إذن، المعلم روديوس—لننطلق في طريقنا.”
بناءً على طلب زانوبا، خطت مجموعتنا للأمام نحو دائرة الانتقال الآني.
على الجانب الآخر، ظهرنا داخل مبنى متداعٍ. كانت تلك أطلال انتقال آني نموذجية من بين العديد المنتشرة في جميع أنحاء العالم. كان هذا الهيكل تحديدًا مخبأً في غابة بالقرب من الحدود الشرقية لمملكة شيرون. سيستغرقنا السفر حوالي خمسة أيام للوصول إلى العاصمة من هنا.
“أوه…”
بعد أن تحررت أخيرًا من عهد الصمت، أطلقت روكسي تنهيدة صغيرة من الارتياح. ثم نظرت بفضول إلى دائرة السحر تحت قدميها.
“دوائر الانتقال الآني هذه لا تفقد جاذبيتها بالنسبة لي أبدًا. إنها قطع عمل رائعة حقًا…”
“همم. أعتقد أنني اعتدت عليها نوعًا ما بحلول الآن.”
“أتعلم، لو استطعت تعلم المزيد عن تصميمها، أعتقد أنني قد أتمكن من صنع واحدة بنفسي.”
“انتظري، حقًا؟ هل تريدين المحاولة؟”
هزت روكسي رأسها ردًا على سؤالي العفوي. “لا. أعتقد أن السبب الذي يجعل بيروجيوس لا يسمح للشياطين بدخول قلعته هو منع أمثالنا من تعلم أسرار سحر الانتقال الآني. سيجعلنا ذلك خصومًا خطرين عندما يولد لابلاس من جديد، على ما أعتقد. من المحتمل أن يقتلني إذا أحرزت أي تقدم.”
بدا ذلك معقولًا إلى حد ما. شخصيًا، لم أعتقد أنه السبب الرئيسي لتلك القاعدة، لكنه ربما كان عاملًا. كان عليّ أن أتخيل أن لابلاس نفسه يعرف كل شيء عن الانتقال الآني، ومع ذلك؛ بدا لي الأمر غير مجدٍ قليلًا.
“كفى ثرثرة،” نادى زانوبا. “لننطلق. نحتاج إلى جمع مؤننا ومعداتنا، أولًا وقبل كل شيء.”
باتباع قيادته، غادرت مجموعتنا الأطلال المتداعية. شققنا طريقنا إلى كوخ صغير خارج الغابة حيث كانت معظم أمتعتنا في انتظارنا.
وسرعان ما أصبحنا على الطريق المؤدي إلى العاصمة.
***
بعد عدة أيام طويلة على الطريق، وصلنا إلى العاصمة لاكيا قبل غروب الشمس بقليل. وبينما كنا نعبر بواباتها الأمامية، تأثر زانوبا بشكل واضح بالمشاهد المألوفة من حوله. شعرت أنا أيضًا بوخزة صغيرة من الحنين. لقد مرت سنوات عديدة منذ آخر زيارة لي لهذه المدينة، لكنها لم تتغير كثيرًا. كانت الشوارع لا تزال تعج بالمغامرين الذين يتحدون المتاهات المحلية كما كانت دائمًا، على سبيل المثال.
عند الفحص الدقيق، بدأت ألاحظ بعض الاختلافات الطفيفة. بدا الناس متوترين قليلًا، ولم تكن الشوارع نظيفة كما كانت… وبدا بعض أولئك “المغامرين” أشبه بالبلطجية.
“همم. يجب أن أقول إن هناك مرتزقة أكثر مما كان معتادًا،” قال زانوبا بمرح. “لكنني أفترض أن هذا ليس مفاجئًا، مع وجود حرب تلوح في الأفق!”
بدا الرجل مسرورًا بالأمر تقريبًا. لم أستطع فهم السبب. لم أشعر تمامًا أنه كان يتظاهر بالشجاعة…
“يبدو أنك في مزاج جيد يا زانوبا.”
“بالطبع يا سيد روديوس. بغض النظر عن الظروف، فإن فكرة الحرب مثيرة دائمًا.”
“أتعتقد ذلك؟”
“بالفعل. أي رجل ذو دم حار سيشعر بالتأكيد بنفس الشعور.”
لم أكن بصدد مجادلته في وجهة نظره، لكن لم تكن لدي أدنى فكرة عما يتحدث عنه زانوبا. هل كانت هذه هي نفس نوع الإثارة التي تحصل عليها من النظر إلى روبوت عملاق، أم ماذا؟
على أية حال، توجهنا مباشرة إلى النزل حيث حجزت لنا جينجر غرفة مسبقًا. كانت الخطة هي قضاء ليلة واحدة هنا، ثم ارتداء ملابس نظيفة حتى نتمكن من تقديم أنفسنا في القلعة. وهناك سنبلغ عن عودة زانوبا ونطلب مقابلة الملك.
بالنظر إلى أننا لم نعبر الحدود من قبل، كنا نتوقع قدرًا معينًا من التدقيق من الحراس، لكننا كنا قد فكرنا بالفعل في تفسير جيد في حال اختاروا الضغط علينا بشأن هذا الأمر.
“والآن يا أمير زانوبا… بعد إذنك، أعتقد أنه من الحكمة أن أندمج مع الحشود لبعض الوقت وأجمع أي معلومات أستطيع الحصول عليها.”
كانت جينجر مستعدة للذهاب بمفردها بمجرد وصولنا إلى النزل.
ومع ذلك، قبل أن تتمكن من الخروج إلى الشارع، اعترض زانوبا.
“همم؟ جينجر، أنتِ فارسة من مملكة شيرون. ألا يجب عليكِ أولاً تقديم نفسك في القصر معي والإبلاغ عن عودتك؟”
“…أنا فارسة، نعم، لكنني حارستك الشخصية قبل كل شيء. وغرائزي تخبرني أن الأمور قد لا تكون على ما يرام داخل هذه المدينة.”
“فهمت. حسنًا، اذهبي وتحققي من الأمر.”
“علمتُ بذلك يا سيدي!”
بينما كانت جينجر تؤدي التحية لـ زانوبا، رمتني بنظرة ذات مغزى. خمنت أنها تعني شيئًا مثل “راقب الأمير زانوبا من أجلي”، فأومأت لها برأسي إجابةً عليها.
لقد وصلنا إلى هذا الحد دون أي عوائق، لكن الآن ستصبح الأمور أكثر إثارة للاهتمام.
خططت أنا و زانوبا لتقديم أنفسنا إلى باكس معًا. نأمل أن تعطينا تلك المقابلة بعض التلميحات حول ما كان يحاول إله البشر تحقيقه هنا.
كان هناك احتمال أن يحاول إله الموت قتلي في الحال. في هذا السيناريو، سأهرب من القلعة ومعي زانوبا. ستكون روكسي في الخارج بانتظارنا لدعمنا أثناء تراجعنا خارج المدينة؛ سأجهز الدرع السحري هناك، ثم أقرر ما إذا كنت سأقاتل أو أستمر في الركض.
كنت أخطط لاتباع نصيحة أورستيد حرفيًا والحفاظ على مسافة بيني وبين إله الموت إذا اضطررت لقتاله. مما يبدو عليه الأمر، فإن تقنية النصل الآسر الفاخرة تلك لن تكون ذات فائدة كبيرة إذا كنت أقصفه بمدفعي الرشاش من على بعد نصف ميل.
بافتراض أننا لن نجد أنفسنا نقاتل من أجل حياتنا غدًا، فمن المحتمل أن يتم إرسالنا أنا و زانوبا مباشرة إلى ساحة المعركة. لم تكن لدي أي فكرة عما ستبدو عليه الحرب ضد هذا البلد في الشمال في الواقع. وبصرف النظر عن اجتيازنا لذلك بسلام، كنت بحاجة إلى إيجاد طريقة لإقناع زانوبا بعدم البقاء هنا.
لم تكن لدي أدنى فكرة عما قد يغير رأيه في هذه المرحلة. لم أكن متأكدًا حتى مما إذا كان سيعيد التفكير إذا حاول باكس اغتياله بشكل صارخ…
آه حسنًا. هناك متسع من الوقت للقلق بشأن هذه الأشياء بعد مقابلتنا مع الملك.
بكل صدق، كنت لا أزال مترددًا بعض الشيء في الدخول مباشرة إلى مثل هذا الفخ الواضح. أراد جزء مني تقريبًا أن أتمركز على بعد ميل وأفجر باكس وقلعته إلى أشلاء. لكنني كنت أعلم أن هذا ليس خيارًا مطروحًا. أمرني أورستيد بتجنيب الملك، وحتى لو لم يفعل، فإن زانوبا لن يسامحني أبدًا. لم تكن القلعة رمزًا لمملكة شيرون أو أي شيء من هذا القبيل، لكن تدميرها سيحدث بالتأكيد موجات صدمة في جميع أنحاء المملكة. أوه، وهؤلاء الرجال في الشمال سيأتون متدفقين عبر الحدود بمجرد سماعهم للخبر.
لم يكن الخيار الأبسط واقعيًا هنا، ولم يكن أمامي سوى عدم اليقين. جعلني ذلك أرغب في التنهد بمجرد التفكير في الأمر.
في الوقت الحالي، كان عليّ أن أبقى مركزًا على اجتياز هذه المقابلة. بطريقة أو بأخرى، ستعطيني على الأقل شيئًا أعمل به.
“رودي.”
سحبتني نقرة صغيرة على كتفي من شرودي. التفت لأجد روكسي تقف خلفي مباشرة.
“أنت متوتر للغاية، كما تعلم.”
“أوه. حقًا؟”
“حقًا. حاول أن تجعل جسدك يسترخي قليلاً، حسنًا؟ أعلم أنه يجب عليك البقاء متيقظًا الآن، لكنك لن تكون مفيدًا كثيرًا في حالة الطوارئ إذا كانت كل عضلاتك متصلبة جدًا بحيث لا تستطيع التحرك.”
وكأنها تؤكد وجهة نظرها، بدأت روكسي في تدليك كتفيّ. كانت يداها صغيرتين، لكنهما قويتان بشكل مدهش. جلست هناك وتركت نفسي أستمتع بذلك لفترة.
كانت محقة، بالطبع. كان عليّ أن أبقى مرنًا ومسترخيًا. طالما بقيت موجهًا في الاتجاه الصحيح، يمكنني مجاراة التيار. في نهاية اليوم، سيكون كافيًا إخراج زانوبا و روكسي من هذه الفوضى أحياء. من الناحية المثالية، سأخرج أنا و جينجر بسلام أيضًا. كان هذا هدفي الأدنى. لا شيء معقد للغاية، أليس كذلك؟
أجل. بدا ذلك ممكنًا بما فيه الكفاية.
“شكرًا لكِ يا روكسي. لقد فككتِ العقد هناك حقًا.”
عندما التفتُّ للخلف، وجدت روكسي تحدق بي بمودة في عينيها اللتين تبدوان ناعستين. “أوه، لا أعلم بشأن ذلك. لو كنت مسترخيًا حقًا، لكنت قلت شيئًا سخيفًا للغاية بحلول الآن.”
“مثل ماذا؟”
“حسنًا، دعني أرى… ربما ‘شكرًا يا روكسي. هل تمانعين تدليك صديقي الصغير هنا؟’ وستقوم بإنزال بنطالك أيضًا—هذا أمر مفروغ منه…”
“هـ-هيي! أنا لا أقول هذا النوع من الكلام إلا في خصوصية منزلنا…”
“آه، نعم. أنت تتصرف كالحيوان في ذلك المنزل، أليس كذلك؟” ابتسمت روكسي وانحنت لتنغز خدي بإصبعها.
شعرت وكأن شخصيتي تتعرض للتشهير هنا، بطريقة ما. هل كان من الجريمة أن أكون مثارًا؟ بالتأكيد الجميع يقولون بعض الأشياء الغبية في غرفة النوم ليلًا، في ظل ظروف مشابهة. لا يمكن أن أكون الوحيد!
“أنا أمزح فقط، رودي. يبدو أنك استرخيت قليلًا، على أية حال. أخيرًا.”
“أوه… هاه. نعم، أظن أنني فعلت.”
شعرت بأن كتفيّ أقل توترًا بكثير مما كانا عليه قبل بضع دقائق، على الرغم من أن لمحة من الطاقة لا تزال عالقة في عضلاتي. كنت مسترخيًا، لكنني متيقظ، ومستعد للعمل.
كان شعورًا جيدًا.
“حسنًا، من الأفضل أن أذهب إلى الفراش لأكون مرتاحًا جيدًا من أجل المقابلة غدًا.
شكرًا مجددًا، روكسي.”
“في أي وقت. ليلة سعيدة، رودي.”
أستطيع فعل هذا. خطوة بخطوة.
بينما كنت أحمل هذه الأفكار البسيطة في عقلي، ذهبت للنوم.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.