الفصل 10:
جهد ضائع من جميع الجهات
لقد تعثرنا في معركة ضد إله الموت. لم أخطط لقتاله بدون المدرعة الأولى، لكن فات الأوان للتراجع الآن. لم أستطع السماح لنفسي بالتردد.
“رااااااه!”
قام زانوبا بالخطوة الأولى، مندفعاً إلى الأمام عبر الردهة.
كنا نواجه واحداً من أقوى سبعة مقاتلين في العالم، لكنه لم يبدُ مهتماً على الإطلاق. بكل البراعة التكتيكية لخنزير بري، ركض مباشرة نحو راندولف ولوح بتلك الهراوة الضخمة نحوه، صارخاً أثناء قيامه بذلك.
“يا للهول”، علق إله الموت وهو يتفادى الهجوم ببراعة. تماماً كما توقعت أن يفعل. لا يمكنك تجاهل هجمات زانوبا؛ فعندما يصيب هدفه، تكون دائماً ضربة قاضية مهشمة للعظام. المشكلة كانت أنه لم يكن لديه فرصة كبيرة لإصابة راندولف.
كانت مهمتي هي تغيير ذلك. كنت قد استدعيت بالفعل “مستنقعاً” في المكان الذي قفز إليه راندولف بالضبط. “أوه، يا إلهي…”
بينما غاصت قدماه في الوحل، تمايل جسد إله الموت.
“تحطيم الجليد!”
في تلك اللحظة نفسها، أطلقت روكسي تعويذة هجومية في توقيت مثالي. قام إله الموت بصرفها بنقرة من سيفه، لكن الحركة تركته فاقداً لتوازنه أكثر من ذي قبل.
كانت الضربة التالية من زانوبا في طريقها بالفعل. وبكل القوة التي مكنته من تثبيت ملك الشياطين الخالد في مكانه، أرجح هراوته بقوة قادرة على تفتيت الصخور.
على الرغم من وضعيته غير المتزنة، تمكن إله الموت من تفادي هذه الضربة الثانية بخفة، لكن كان من الواضح للجميع أنه لم يكن في وضع يسمح له بالهجوم المضاد. لقد سقط على مؤخرته، وباطن قدميه في الهواء، وسيفه يشير في الاتجاه الخاطئ، ووزنه يرتكز على كوعه الأيسر.
كانت تعابير وجهه توحي بذهول تام.
“ما هذا بحق الجحيم؟ لا يمكن أن يكون هذا…”
كانت لدينا فرصة لإنهاء الأمر. ألقيت نظرة على روكسي، ثم تقدمت للأمام.
أما زانوبا، فقد كان يندفع بالفعل لتوجيه الضربة القاضية. مددت كلتا يدي نحو إله الموت ووجهت المانا إليهما. إذا أصاب زانوبا هجومه، فقد فزنا. وإذا لم يفعل، سأستخدم عين البصيرة الخاصة بي لإطلاق “كهرباء” في أي اتجاه يتحرك نحوه راندولف. وبمجرد أن أشل حركته، سأستخدم السلاح السحري الموجود على ذراعي اليسرى لضربه بوابل قاتل من “مدفع الحجر”. وحتى لو تمكن بطريقة ما من تجنب كل ذلك، كان بإمكاني أنا وروكسي الحفاظ على الضغط بثبات حتى يفقد توازنه مرة أخرى. في النهاية، سيحالفه سوء الحظ.
لم نكن قد خططنا لهذه الاستراتيجية مسبقًا أو أي شيء من هذا القبيل، لكننا انتهينا بالتنسيق بشكل مثالي. لقد حاصرنا راندولف في زاوية.
“أرغ!”
مرة أخرى، أرجح زانوبا هراوته بعنف نحو إله الموت.
لكن هذه المرة، حدث شيء لا يصدق.
صد إله الموت ضربته. لقد صد هراوة زانوبا، التي أرجحت بالقوة غير البشرية لطفل مبارك. وفعل ذلك بيده العارية.
لقد كان إنجازًا مذهلاً للقوة. لقد استحق هذا الرجل بجدارة مكانه بين القوى العظمى السبع.
في النهاية، لم يكن ذلك لينقذه. انكسرت ذراعه تحت الضغط. كانت هذه هي النهاية، كش ملك.
“ابتعد يا زانوبا!” صرخت.
قفز زانوبا بشكل انعكاسي إلى جانب واحد، وانفجر وميض أرجواني من البرق من يدي اليمنى. مع طقطقة بقيت في الهواء خلفه، أصاب صاعقة الكهرباء إله الموت ورقصت فوق جسده.
لقد حققت إصابة مباشرة.
تصلب جسد راندولف من الصدمة وانهار مثل شجرة ساقطة. حدق بي، ووجهه الشاحب ملتوٍ بالحيرة. ربما منعت هالة القتال الخاصة به تعويذتي من حرقه، لكنها لم تستطع منع الشلل الذي تسببت فيه.
الآن كل ما كان علي فعله هو القضاء عليه. تدفقت المانا إلى السلاح المثبت على ذراعي اليسرى، وأطلقت هجومي التالي.
“زناد البندقية!”
طارت وابل من تعاويذ “مدفع الحجر”، كل منها بقوة هجوم من فئة الملك أو الإمبراطور، نحو إله الموت. كان “مدفع الحجر” هذا هو حركتي القاتلة، وتخصصي. حتى أورستيد نفسه أشاد بقوته؛ فعندما أصيب به بدقة، كان قادرًا حتى على إيذائه. كان توقيتي مثاليًا، والفرصة جميلة جدًا بحيث لا يمكن تفويتها. لم يكن لدى إله الموت أي طريقة لتفادي هذا. لم يكن هذا هجومًا يمكنك تجاهله ببساطة.
لقد فزنا.
“…هاه؟”
ثم، بعد جزء من الثانية من إقناعي بأن الأمر قد انتهى، اختفت كل مدافع الحجر الخاصة بي. تحولت إلى سحب من الرمل في الهواء، وسقطت دون ضرر على هدفي.
لم أستطع فهم أي شيء من هذا.
“أوه! سيدي إله الموت!” صرخ راندولف، متجهاً بنظره إلى شيء خلفي. “هل جئت لإنقاذي؟!”
ماذا؟! إله الموت؟! أليس هذا هو الشخص الذي نقاتله الآن؟! هل كان يضللنا منذ البداية؟!
بقلب يخفق بشدة، استدرت بحثًا عن هذا القادم الجديد المفاجئ. وفي القاعة خلفنا، رأيت… لا أحد على الإطلاق.
الشيء الوحيد هناك كان درجًا فارغًا، يضيئه ضوء القمر.
“رودي!”
بحلول الوقت الذي سمعت فيه روكسي تصرخ باسمي، كنت أسقط بالفعل. بينما كنت أندفع للخلف، لمحت شعراً أزرق عند خصري. لقد رمت بنفسها نحوي. دون وقت للتساؤل عن السبب، استدرت في الهواء لألف ذراعي حولها لحمايتها.
اصطدمت بالدرج بظهري بعد لحظة. صرير درعي السحري احتجاجًا، لكنني لم أصب بأذى.
“ماذا—”
نظرت مجددًا نحو الردهة ورأيت زانوبا يبدو عليه الذهول الشديد… وإله الموت، الذي كان قد أرجح سيفه للتو.
كان الرجل يتحرك بشكل جيد تمامًا. ألم أشل حركته بالكهرباء؟ ألم يكن منهارًا على الأرض؟ لم يكن الأمر منطقيًا. ما الذي كان يحدث بحق الجحيم؟ “نصيحة لك يا سيدي روديوس، إله الموت يقف دائمًا خلف فريسته.” كان وجهه هادئًا تمامًا، ونبرة صوته واثقة تمامًا.
وأخيرًا، أخيرًا، فهمت. لقد كان تمثيلاً. لقد سمح لي بصعقه بتعويذتي. لقد تعثر عمدًا، وسقط عمدًا. كل ذلك فقط لإغرائي بالاستدارة.
تباً! لقد حذرني أورستيد من طريقة قتال راندولف! كان ينبغي أن أتوقع ذلك من مسافة بعيدة!
ومع ذلك، كيف تمكن من تلك الخدعة في وقت سابق؟ لماذا اختفت مدافع الحجر الخاصة بي هكذا؟ هل استخدم عين الشيطان بطريقة ما؟
…لا. عند التفكير في الأمر، لقد رأيت هذا من قبل. كان الأمر نفسه كما في المرة التي
لقد استخدمت السحر على هيدرا الماناتايت تلك. مما يعني— “لديك حجر
امتصاص معك، أليس كذلك؟”
قال: “يا إلهي، يا إلهي. لقد كشفت ذلك بسرعة كبيرة… يبدو أن سمعتك مستحقة بجدارة.”
مد إله الموت يده، وأصابعه متباعدة على نطاق واسع. كان هناك حجر امتصاص مغروس في كف قفازه الجلدي. لم ألاحظه من قبل، لكن لا بد أنه استخدمه لامتصاص المانا من تعاويذي. لم يذكر أورستيد أي شيء عن امتلاكه لأحد هذه الأحجار…
هل يمكن أن يكون ذلك أحد الأحجار التي أحضرناها من تلك المتاهة في
قارة بيغاريت؟ لن يكون من المستغرب أن يجمع فارس نخبة من مملكة ملك التنانين عناصر من هذا النوع… وهذا كان من نوع الأشياء التي قد لا يعرفها أورستيد حتى.
حسنًا، لا يهم. لقد أصبحت مغرورًا قليلًا في البداية، لكنني لم أتوقع أبدًا هزيمة أحد القوى العظمى السبع بسهولة. سيكون من الصعب التغلب على شخص قادر على إبطال سحري تمامًا، لكنني كنت أعرف بالضبط كيف تعمل أحجار الامتصاص تلك. كان عليك مد يدك في اتجاه التعويذة القادمة وتزويد الحجر بقليل من المانا. كان عليّ فقط جعل ذلك مستحيلًا.
بدا التسلل خلفه هو الطريق الأمثل. لم يمنحنا هذا المكان مساحة كبيرة للمناورة، ولكن مع عملنا نحن الثلاثة معًا، لا بد أن تكون هناك طريقة لإنجاز الأمر. من مظهر الأمور، لم يكن لديه سوى واحد من تلك الأحجار. ربما إذا قمت أنا وروكسي بإلقاء تعاويذ عليه في وقت واحد من الأمام والخلف، بينما يندفع زانوبا للهجوم…
حسنًا، كنت أعلم أن الأمر لن يكون بهذه البساطة. ولكن إذا لم ينجح الأمر، يمكننا تجربة شيء آخر. كانت التجربة والخطأ خيارنا الحقيقي الوحيد هنا. لا بد أن يسقط في النهاية، أليس كذلك؟
“روكسي، أحتاج منكِ أن تتسللي خلف زانوبا، من فضلكِ.”
صمت. لم يكن هناك رد. إذا فكرت في الأمر، لم تحرك روكسي ساكنًا منذ أن سقطنا هنا، أليس كذلك؟
انتظر. هل كانت يدي مبللة؟ شعرت وكأن كتفها كان رطبًا قليلًا أو شيء من هذا القبيل…
“…همم؟”
ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ إنها كلها حمراء…
“روكسي؟ مـ… يا إلهي. ما هذا؟”
كان هناك جرح طويل في رداء روكسي، وكان الدم يتسرب من تحته.
خفق قلبي في أذني. ومضت ذكريات الماضي بوضوح أمامي — صور لرجل مات وهو يدفعني إلى بر الأمان. صور لجسده وهو ملقى بلا حراك على الأرض.
لقد مات بول وهو ينقذني. والآن يعيد التاريخ نفسه… روكسي! لا! ماذا؟! لا، يجب أن أكون أحلم!
“لا، لا! لا يمكن أن يحدث هذا! روكسي!”
تمتمت قائلة: “...أخشى أن هذا يحدث بالفعل. هل يمكنك التوقف عن العبث بجرحي؟ إنه يؤلمني.”
أبعدت نظري عن إصاباتها ووجدت روكسي تحدق بي بعينين ضيقتين لامرأة منزعجة تمامًا.
“أوه، صحيح. أنا آسف.”
لقد بالغت في رد فعلي قليلًا. عندما حررت روكسي من بين ذراعي، تمتمت بتعويذة شفاء أوقفت النزيف على الفور.
الحمد لله. لقد أخافتني بشدة للحظة هناك…
تمتم راندولف من الأعلى وهو يمسح ذقنه بحيرة: “ما هذا؟”
“كنت متأكدًا تمامًا من أنني وجهت ضربة قاتلة…”
أعترف أنني ارتجفت قليلًا عند سماع تلك الكلمات، لكن زوجتي كانت بخير بوضوح. بدا الأمر غريبًا بعض الشيء أن شخصًا يطلق على نفسه لقب إله الموت لا يستطيع معرفة ما إذا كان قد قتل شخصًا ما أم لا، ولكن مهلًا، حتى القرود تسقط من الأشجار أحيانًا. بدلًا من إنهاء حياة روكسي، كلفني الأمر بضع سنوات من حياتي.
حظًا أوفر في المرة القادمة، أيها الوغد. لنعد إلى القتال.
“همم؟”
في تلك اللحظة، سُمعت سلسلة من أصوات التكسر حول رقبة روكسي. رأيت القلادة التي أهديتها إياها قبل أن نغادر تتفكك وتسقط على الأرض كشظايا. بعد لحظة، تحطم الخاتم الذي كانت ترتديه في إصبعها أيضًا.
على حد تذكري… كان من المفترض أن ينشر ذلك الخاتم حاجزًا استجابة للهجمات الجسدية. وكانت القلادة مصممة لامتصاص ضربة قاتلة واحدة.
قال راندولف بخفة: “آه، إذًا هذا ما حدث. الآن فهمت.”
ارتجفت لا إراديًا. شعرت وكأن عاصفة ثلجية تعوي داخل جسدي، وتسحب كل الدفء والثقة مني أثناء مرورها. وكنت أقسم أن تلك الرياح المتجمدة كانت تنحدر من حيث يقف إله الموت.
كنت أعرف هذا الشعور—لقد فقدت أعصابي. لكن إدراك المشكلة لا يعني أنني أستطيع فعل أي شيء حيالها. بشكل غريزي، لففت ذراعي حول روكسي وأمسكتها بقوة.
“رـ رودي…؟”
كان هذا كل شيء. كان علينا التوقف. لم أخطط لما بعد هذه اللحظة. لقد صنعت تلك القلادة كبوليصة تأمين ضد هذا السيناريو. بعبارة أخرى، لم يكن الحظ هو ما أبقى روكسي على قيد الحياة—بل كانت بصيرتي. ولكن لن تكون هناك شبكات أمان أخرى من هذه النقطة فصاعدًا. الرجل الذي كنا نقاتله يمكنه قتلنا على الفور بضربة واحدة.
التجربة والخطأ؟ كم عدد المحاولات التي يمكنك أن تأمل فيها حقًا ضد وحش كهذا؟ لم يتبق لدينا أي فرص إضافية. إذا واصلنا هذا القتال، سيموت أحدنا.
ما الذي كنت أفكر فيه بحق الجحيم، أن أفتعل قتالاً مع أحد القوى العظمى السبع من مسافة قريبة دون خطة أو استعدادات؟ لقد حذرني أورستيد بأن أبقى على مسافة آمنة ما لم أكن أرتدي الدرع السحري. كان هذا الأمر برمته خطأً فادحاً منذ البداية.
“زانوبا، تراجع! الآن! علينا الخروج من هنا!”
“سيدي روديوس؟!”
“لا يمكننا هزيمته بهذه الطريقة، هل تفهم؟! نحتاج إلى الحصول على النسخة الأولى إذا أردنا أن نحظى بأي فرصة!”
لم يخفض زانوبا هراوته، لكنه تراجع خطوتين إلى الوراء وعبس في وجهي من فوق كتفه.
“أوه، أعتقد أنك تقدم قتالاً محترماً،” تمتم إله الموت. “على وجه الخصوص، كانت تلك الهجمة الأخيرة قاسية جداً. لست متأكداً مما إذا كنت سأتمكن من صدها مجدداً، الآن بعد أن كشفت عن ورقتي الرابحة…”
لن أكذب، ظننت أننا تمكنا منه في النصف الأول. لكنني لم أكن لأصدق هذا الهراء الآن. كان راندولف يكذب علي. لقد شرح لي أورستيد الأمر بوضوح كافٍ. إله الموت يغويك للهجوم أو الدفاع. كانت هذه الكلمات جزءاً آخر من أسلوبه، هذا كل ما في الأمر.
لكن مرة أخرى… هل يمكنني التأكد من ذلك؟ ربما أوقف وضع “نصل الإغواء” وتحدث بأفكاره الحقيقية. ذلك التعليق لم يكن غامضاً تماماً، بعد كل شيء. ماذا لو كان يحاول إيهامي بأنه... تباً! للجحيم مع هذا كله!
خلاصة القول، لا شيء مما قاله هذا الرجل كان جديراً بالثقة. وكان هناك شيء واحد على الأقل أعرفه يقيناً: لا يمكنني هزيمة إله الموت. ليس بهذه الطريقة. لقد حُفرت هذه الحقيقة في رأسي في لحظة واحدة مرعبة.
ومع ذلك، بدا أن زانوبا يشعر بخلاف ذلك.
“إذا كنت لن تقاتل يا سيدي روديوس، فابقَ مكانك وراقب. سأواجه هذا الرجل وحدي، وسأشق طريقي متجاوزاً إياه، لأرى أخي وجهاً لوجه!” ومرة أخرى، اندفع نحو إله الموت.
بالنسبة لي، مرت الثواني القليلة التالية بحركة بطيئة. اتخذ زانوبا خطوة، ثم أخرى، وكان تقدمه بطيئاً بشكل يثير الجنون؛ تلاشت كل الألوان من العالم، وتلاشت الأصوات في صمت مطبق.
في “عين البصيرة” الخاصة بي، كان إله الموت يتحرك بالفعل—بسرعة تفوق بكثير ذلك الرجل المتعثر الذي قاتلناه قبل قليل. كان مجرد طيف، سريع جداً لدرجة أن حواسي الخارقة لم تستطع تتبعه.
عاد الزمن إلى طبيعته فجأة.
تركت ومضة النصل أثراً باهتاً في الهواء.
“زانوبا!”
أصاب سيف راندولف زانوبا في جانبه السفلي وقطع بشكل مائل وصولاً إلى كتفه. تحطم درع زانوبا، وطار جسده للأعلى؛ ارتطم بالسقف بقوة، وسقط على الأرض مباشرة أمامي.
كان العالم لا يزال هادئاً بشكل غريب. شعرت وكأنني في كابوس سريالي.
“شهيق… زفير…”
كان قلبي يخفق بقوة لدرجة أنني شعرت بالألم.
هل لا يزال على قيد الحياة؟ لقد سحقت تلك الضربة درعه. تحطمت صفيحة الصدر السميكة وقطعة الكتف وكأنهما مصنوعتان من الزجاج. كيف يمكن للمرء أن يحطم المعدن هكذا بضربة سيف واحدة؟ لم أستطع حتى تخمين ذلك.
“التفكير في أن “ضربة سحق الدروع” الخاصة بي يمكن تحملها…”
مع تلك الكلمات من إله الموت، عاد سمعي أخيراً إلى طبيعته.
كان ذلك صحيحاً. عند الفحص الدقيق، لم يكن هناك خدش واحد على زانوبا. كانت السترة تحت درعه ممزقة تماماً، لكن لم يكن هناك سوى كدمة زرقاء على الجلد تحتها.
“أرغ… غغ…”
بأنين، دفع زانوبا نفسه إلى وضعية الجلوس وحدق بضراوة نحو الدرج باتجاه راندولف.
“أنت عينة مثيرة للإعجاب حقاً، أيها المبارك. يبدو أن تقطيعك إلى أشلاء قد لا يكون أمراً عملياً.”
قابله إله الموت بنظراته من الأعلى، وتلك الابتسامة المرعبة مرسومة بثبات على وجهه. ثم أعاد سيفه ببطء إلى غمده.
“ومع ذلك، أنا لست من أتباع أسلوب إله السيف… لا أشعر بأي حاجة ملحة لاستخدام نصلِي حصراً. أنت ضعيف جداً أمام سحر النار، على ما أذكر؟ الملك
باكس ذكر شيئاً من هذا القبيل.”
تباً. هل يمكنه استخدام السحر أيضاً؟ لكن على الأقل يجب أن يبطل درع زانوبا أي نار… انتظر. تباً. لا توجد طريقة ليعمل ذلك التعويذ وهو محطم تماماً هكذا.
كان زانوبا قد وقف على قدميه مجدداً. الرجل لم يستسلم بعد. التقط هراوته ووضع قدماً على الدرج، متأهباً لهجوم آخر.
نهضت روكسي أيضاً. تقدمت للأمام وهي ترفع عصاها، مستعدة لدعم زانوبا—ووضعت نفسها بحماية أمامي.
أخيراً، وقفت على قدمي. كان زانوبا رجلاً عنيداً جداً. قد يستمر في القتال حتى يقتله راندولف حرفياً. لم أستطع الجلوس مكتوف الأيدي والسماح بحدوث ذلك. بالإضافة إلى ذلك، لم أستطع السماح بأي أذى يلحق بـ روكسي. إذا ماتت هنا، فسأموت أنا أيضاً—روحياً، على الأقل.
“لم تستسلم بعد إذن؟” قال راندولف، وهو يتأملنا دون أي عاطفة في عينيه. لم يتخذ أي وضعية قتالية، ولم يكن يرتل تعويذة؛ كان يقف هناك فقط، واثقاً ومسترخياً. بدا أنه لا ينوي شن هجوم قبل أن نبدأ نحن.
لقد ادعى أننا كنا نخوض “قتالاً مشرفاً”. يا للسخرية. كان يبدو وكأنه يتساهل معنا. لقد أبطل ذلك الرجل وابل تعاويذ “مدفع الحجر” التي أطلقتها بالكامل؛ كان بإمكانه إبطال كل سحرنا منذ البداية. لكنه بدلاً من ذلك، تركنا نهاجمه واستدرجني لأصبح متهوراً. من المحتمل جداً أن يكون لديه حيل أخرى في جعبته لا تقل سوءاً عن الأولى.
ما الذي قاله لي أورستيد مجدداً؟ عندما تريد الدفاع، هاجم بدلاً من ذلك… وعندما تريد الهجوم، دافع؟ هل يمكن أن يعني هذا أن ترددي الحالي كان بالضبط ما يريده إله الموت؟
لم أستطع الجزم. لم تكن لدي أدنى فكرة عن كيفية المضي قدماً. لقد جعلني أشك في كل فكرة تخطر ببالي. قلادة روكسي قد ضاعت. وكذلك درع زانوبا. لم تكن لدينا أي فكرة عن نوع الحيل التي يمتلكها عدونا، وحتى “النسخة الثانية” قد لا تحميني من هجمة واحدة.
هذا لن ينجح. ببساطة لن ينجح. نحن بحاجة إلى التراجع، على الأقل في الوقت الحالي.
ولكن ماذا عن زانوبا؟
كان عليّ إقناعه بالتراجع. وإذا لم ينجح ذلك، فسأضطر لضربه حتى يفقد وعيه من الخلف. عندها يمكننا التراجع إلى “النسخة الأولى” وإعادة تجميع صفوفنا لمحاولة أخرى.
“هل تفهم الآن يا زانوبا؟ هذا ميؤوس منه. إذا واصلت الاندفاع نحوه مباشرة، فسوف تموت.”
“ولكن يا سيد روديوس، باكس قد يكون—”
“كان إله الموت ينتظر شيئاً ما هنا،” قاطعته. “لدينا بعض الوقت لنعمل به! دعنا نتراجع ونعود بخطة محكمة.”
رأيت زانوبا يتردد. في أعماقه، كان يعلم أننا لا نملك أي فرصة في الوقت الحالي.
“أوه، هل ستغادرون الآن؟” قال راندولف. “يا للأسف… أعتقد أن جلالته سينتهي من أمره قريباً جداً.”
تجاهله. إنها فخ آخر…
“أجل. سنعود قريباً على أي حال،” ناديت عليه، بينما كنت أراقب إله الموت بحذر. السؤال الوحيد الآن هو مدى سهولة سماحه لنا بالرحيل. “أعتذر عن مهاجمتك فجأة، حسناً؟ أظن أننا تمادينا قليلاً. هل يمكنك أن تجد في قلبك ما يدفعك للسماح لنا بالرحيل الآن؟”
لم أكن أتوقع أن ينجح هذا التوسل المثير للشفقة بالطبع. حتى بينما كنت أتحدث، كنت أثبت تنفسي وأبحث عن أي إشارة لكيفية رد فعله. على الأرجح، سيتعين علينا القتال للانسحاب والعودة إلى “الدرع السحري” عبر الطريق الذي سلكناه هنا؛ وبمجرد وصولنا إليه، يمكننا أخيراً الاستدارة والقتال. وإذا اختار ألا يطاردنا طوال الطريق، فذلك أفضل.
“حسناً، إذا كان هذا ما تريدونه… فلتتفضلوا بالذهاب.” هاه؟ انتظر، هل سيسمح لنا بالرحيل ببساطة؟
كان ذلك مخيباً للآمال بعض الشيء. لم تبدُ تصرفات راندولف… متماسكة. ما هو هدفه هنا؟
“آه، سيد راندولف،” قلت، “ما هي التعليمات التي أعطاها لك إله البشر على أي حال؟”
“همم؟ لا شيء على الإطلاق. لم أقابله في حياتي قط.”
ماذا؟! “لكن… لقد قلت إنك تعرف اسمه!”
“أحد أقاربي كان على معرفة به منذ فترة، وتعلمت الاسم منه،” أوضح راندولف. “هذا كل ما في الأمر حقاً. لم أرَ إله البشر هذا قط ولم أتواصل معه بأي شكل من الأشكال.”
يا للجحيم. إذن هذا يعني… “أنت لست أحد أتباعه؟”
“لست متأكداً تماماً مما يعنيه هذا المصطلح، ولكن أفترض أنني لست كذلك.”
تباً، لقد تسرعت في استنتاجاتي! ما خطبي في الآونة الأخيرة؟!
طلبت مزيداً من التوضيح. “هل يعني ذلك أنك لست عدواً للملك
باكس أيضاً؟”
“أنا حليف مخلص لكل من الملك باكس وزوجته الملكة بينيديكت، أؤكد لك ذلك.
كانا الوحيدين اللذين أثنيا على طعامي، كما ترى…”
بضيق، واصلت الضغط عليه. “إذن لا توجد طقوس غريبة تحدث في الداخل أو أي شيء من هذا القبيل؟ وأنت لا تضيع الوقت حتى تنتهي؟”
“حسناً… أفترض أنه يمكنك تسميتها طقوساً من نوع ما. لكنني أفضل ألا أخوض في التفاصيل بوجود سيدة شابة هنا.”
اتجهت عينا إله الموت نحو روكسي بينما كان يتحدث، فعبست
من هذا التعليق المتعالي. لكي نكون منصفين تجاه راندولف، فهي حقاً لا تبدو كامرأة لديها زوج وطفل.
على أي حال. بقدر ما كنت أواجه صعوبة في استيعاب كل هذا، بدا أن هذا القتال كان غير ضروري تماماً. وفي هذه الحالة… ربما كنت مديناً لإله الموت باعتذار، أليس كذلك؟
أجل. شعرت بذلك حقاً.
“أمم… حسناً إذن. أنا آسف لتسرعي في الاستنتاج. يبدو أننا في نفس الجانب هنا… اسمح لي أن أعتذر مجدداً عن مهاجمتك بتلك الطريقة.”
“لا. كان خطئي أيضاً،” أجاب راندولف، وهو يحني رأسه لنا. “كان ينبغي عليّ أن أشرح نفسي بوضوح أكبر.”
واو، يا له من رجل لطيف. أنا سعيد لأننا أوضحنا كل ذلك…
أوه. انتظر لحظة. ماذا لو كان كل هذا مجرد جزء آخر من تمثيليته؟ ماذا لو كان يضيع الوقت بينما يشحن حركته الخارقة للقضاء على الخصم بضربة واحدة أو شيء من هذا القبيل؟ حسناً، مثال غبي. لكنك لا تعرف أبداً!
تباً، لم أعد أستطيع التفكير بوضوح بعد الآن. إذا كان هذا حقاً هو الفصل التالي في مسرحية محرك الدمى الخاص به، فقد جعلني أرقص التانغو على كف يده…
“أوه؟”
بينما كنت أستعيد توتري مجددًا، ألقى راندولف نظرة إلى الخلف واسترخى بشكل واضح. بالطبع، لم أخفف من حذري قليلًا؛ فلم أكن لأسمح لنفسي بالتهاون الآن.
“يبدو أن الأمر انتهى…” تمتم راندولف. انتهى؟ ما الذي انتهى يا راندولف؟ حياتنا؟!
“هيا، لا داعي لأن تكون حذرًا إلى هذا الحد،” قال وهو يرمقني بنظرة. “ليس لدي أي نية لقتلكم أنتم الثلاثة.”
“…آه، حقًا، أمر يصدق تمامًا. ألم تقل شيئًا عن ضربة قاتلة قبل قليل؟ ربما كنت أتوهم؟”
“هاها، أظن أنك أوقعتني في الفخ… يجب أن أقول، إنك سريع البديهة يا سيد
روديوس.”
أوه، جيد. لقد أضحكت السيد “وجه الجمجمة”. ليس وكأنني كنت أحاول ذلك.
“على أي حال، أمرني الملك باكس ألا أدع أحدًا يدخل حتى ينتهي الأمر. والآن وقد انتهى، فقد أتممت مهمتي.” أعاد راندولف سيفه إلى مكانه عند خصره، واستقر على كرسيه مع تنهيدة خفيفة. “تفضلوا بالدخول.”
هل يمكن أن يكون هذا فخًا آخر؟ ربما كان يخطط لقطعنا جميعًا إلى نصفين بمجرد أن نتجاوزه. بدا الأمر محتملًا بالنسبة لي.
تأملنا راندولف قبل أن يسأل: “هل يزعجكم أن تديروا ظهوركم لي؟ أظن أنه يمكنني أن أنسحب للحظة…”
“لن يكون ذلك ضروريًا،” قال زانوبا وهو يعيد تثبيت هراوته إلى خصره. “سنأخذ بكلامك.”
وهكذا، مستلهمًا من مثال صديقي الشجاع، قررت أخيرًا أن أصدق أن القتال قد انتهى حقًا. لقد انتهت معركتنا ضد إله الموت بشكل محرج تمامًا كما بدأت.
***
كانت غرف الملك تحتل الطابق العلوي من القصر الملكي. لقد كانت أرقى جناح يمكن لأي شخص أن يطلبه، وشاهدًا باذخًا على ثراء مملكة شيرون. كانت الجدران مبطنة باللوحات، وتنتصب تماثيل جميلة على مكاتب مصممة ببراعة. وبالقرب من مؤخرة الغرفة، كان هناك سرير ضخم ذو مظلة—كان عرضه يصل إلى خمسة أمتار تقريبًا.
كانت الملاءات مجعدة. وفي منتصف السرير، كانت فتاة زرقاء الشعر ملفوفة بها، نائمة بهدوء. كانت الملكة بينيديكت، وبالحكم على الملابس الملقاة بإهمال على الأرض بالقرب منها، كانت مستلقية هناك عارية.
كانت هناك رائحة مألوفة تملأ الأجواء. شخصان كانا يتبادلان الحب بشدة مؤخرًا… بطريقة لا يمكن وصفها على مسمع من طفل. إذًا، كان باكس وملكتُه مشغولين حتى لحظة مضت. هل كان الرجل يدرك أن مملكته تنهار من حوله؟ يا له من استهتار.
كان باكس نفسه في الشرفة في تلك اللحظة، يتكئ على درابزينها ويحدق في العاصمة بالأسفل. جعلته أطرافه القصيرة ورأسه الكبير يبدو طفوليًا تقريبًا، وكانت ملامحه عادية أكثر منها ملكية. كان يرتدي ملابسه الداخلية فقط، كاشفًا عن ظهر عضلي إلى حد ما، وكان مغطى أيضًا بالندوب والكدمات الباهتة.
كانت قصة حياته مكتوبة على جسده.
“كنت أتساءل عن سبب كل ذلك الضجيج. إذًا، لقد عدت يا أخي؟”
في اللحظة التي التفت فيها باكس نحونا، أدركت مدى خطئي بشأن حالته الذهنية. كان لديه وجه رجل منهك. رجل على وشك الاستسلام تمامًا. لكنه بدا هادئًا بشكل غريب أيضًا. كان راندولف قد قال شيئًا عن “تصالح” باكس مع وضعه. على ما يبدو، كان هناك بعض… “التصالح” الفعلي الذي حدث في هذه العملية.
أعني، لقد مررت بذلك من قبل. أحيانًا عليك أن تخرج كل ما في جعبتك…
“نعم، يا جلالة الملك. أنا هنا لإنقاذك. دعنا نغادر القصر ونتوجه إلى حصن كارون معًا.”
سار زانوبا نحو الشرفة ومد يده إلى أخيه. نظر إليها باكس بارتياب للحظة، ثم سخر. “تريد إنقاذي؟
بالتأكيد أنت لست جادًا.”
“يا جلالة الملك، سيكون من الحكمة التخلي عن هذا الموقع الآن وجمع قوانا في مكان آخر. يمكنك استعادة القصر في أي وقت بمجرد أن نجمع جيشًا بحجم كافٍ.”
“…ثم ماذا؟ هل أكرر الدورة مرة أخرى؟”
واجه باكس نظرة زانوبا بعينين باردتين لدرجة أنني كدت أرتجف. لو أخبرتني أنه إله الموت الحقيقي، لكان الأمر بدا محتملًا في تلك اللحظة.
“أكرر… أي دورة يا جلالة الملك؟”
كان الرد على سؤال زانوبا سخرية أخرى. وبينما كان يتمتم “لو كنت تفهم فقط” تحت أنفاسه، انتقلت نظرة باكس إلى خارج الشرفة مرة أخرى.
“رغم أن الأمر قد يبدو مضحكًا الآن، إلا أنني بذلت قصارى جهدي لحكم هذه المملكة بشكل جيد. لقد صرفت الوزراء الفاسدين الذين تركهم والدي، وأعطيت مناصبهم لآخرين أكثر استحقاقًا. جمعت المرتزقة للحماية من خطر الحرب. لن أنكر أن السلامة العامة تضررت نتيجة لذلك… لكنني كنت أحاول تأمين مستقبل لمملكة شيرون.”
ترنح باكس للخلف مستندًا على درابزين الشرفة، ثم أشار إلى زانوبا.
“كان ذلك هو نفس السبب الذي جعلني أسمح بعودتك يا أخي، وأعطيتك تلك المهمة غير المعقولة. بدا ذلك الخيار الأكثر حكمة المتاح. بصراحة، ما زلت أكرهك—لكنني أحترم فائدتك كطفل مبارك.”
“أنا أدرك ذلك جيدًا يا جلالة الملك. وأتفهم مدى صعوبة هذه القرارات بالنسبة لك.”
بدا لي رد زانوبا هادئًا ومنطقيًا. لكن لسبب ما، بدا أنه أثار غضب أخيه. قبض باكس على كلتا يديه بقوة، وأحدق في أخيه بغضب مرير في عينيه.
“أنت لا تفهم شيئًا! لا أحد يفهمني، ولا أحد يهتم حتى بالمحاولة. انظر فقط، أيها الأحمق. الدليل أمام عينيك مباشرة!”
بإشارة واسعة من ذراعه، أشار الملك إلى العالم خارج شرفته. كانت المدينة في الأسفل صامتة في الليل، على الرغم من حلقة نيران المتمردين المشتعلة حول القصر. كان بإمكانك بالكاد رؤية الحشد الضخم المتجمع حول أسوار المدينة؛ إذ كانت نيران مخيماتهم وخيامهم مرئية حتى من هنا. من هذه المسافة، بدا الأمر حقًا وكأن لا تاكيا محاصرة بجيش جرار.
“حشد من الجنود، قواتي الخاصة، ومع ذلك لا يحاولون سحق هؤلاء المتمردين!”
“أنت مخطئ يا جلالة الملك. الغالبية العظمى من ذلك الحشد تتكون من مواطنين عاديين، وليس جنودًا. الكثير منهم مجرد تجار أو مغامرين من أصول غير معروفة.”
“وما الفرق في ذلك؟!” صرخ باكس بمرارة، وهو يضرب بقبضته على الدرابزين. “إنه لا يزال دليلًا على أن الجميع في هذه المملكة قد نبذوني!”
بدأت أشعر ببعض القلق، لكنني أجبرت نفسي على الاستمرار في المراقبة بصمت. لم يكن هذا الوقت المناسب لأتحدث. كان زانوبا الشخص الوحيد هنا الذي قد يكون قادرًا على تهدئة أخيه.
“هذا ليس صحيحًا ببساطة. لم ينقلب كل رعاياك ضدك—”
“لا تعاملني بتعالٍ! كان بإمكانك أنت شخصيًا قيادة جيش إلى هذه المدينة، لكن بدلًا من ذلك، لا يوجد سوى ثلاثة منكم. والاثنان الآخران هنا للحفاظ على سلامتك، وليس سلامتي! أليس هذا صحيحًا؟!”
“حسنًا، إيه…”
لم يكن باكس مخطئًا بشأن ذلك. كنت معارضًا لمساعدته في المقام الأول. بصراحة، لم أكن أهتم كثيرًا بما سيحدث له، أو حتى لمملكة شيرون—كنت هنا لأنني لم أرد لـ زانوبا أن يموت. نقطة.
“هذا ما ظننته! لطالما كان الأمر هكذا. مهما حاولت بجد، لا أحد يكترث. كلما أقنعت نفسي بأنني نجحت، ينهار كل شيء بعد لحظات قليلة. جهودي تأتي بنتائج عكسية في النهاية دائمًا!
دائمًا!”
توقف باكس عن خطبته للحظة. فقط لفترة كافية لتوجيه إصبع الاتهام نحو روكسي.
“روكسي!”
فوجئت روكسي بالاهتمام المفاجئ، فتجمدت في ذعر ولم ترد.
“أنتِ تعرفين ما أعنيه، أليس كذلك؟ أم أنكِ نسيتِ تمامًا بحلول الآن؟”
“مـ-ماذا—”
“تذكري اللحظة التي أتقنت فيها أول تعويذة من المستوى المتوسط!”
تحركت عينا روكسي بحيرة. هل كانت تعرف حتى عما يتحدث؟
“درست بأقصى ما لدي من قدرة! تدربت، وتدربت! وعندما نجحت أخيرًا، ما كان رد فعلك؟!”
“إم… حسنًا…”
مما رأيته من طرف عيني، بدت روكسي مرتبكة تمامًا من هذا السؤال. لم أستطع معرفة ما إذا كان ذلك لأنها نسيت الأمر تمامًا، أو لأنها تتذكره جيدًا.
“لقد تنهدتِ، تباً لكِ!” صرخ باكس.
“ماذا…”
“بينما كنت أحتفل بإنجازي، تنهدتِ في وجهي!”
“أنا… إيه…”
“كان بإمكانكِ ببساطة أن تقوليها صراحة: أخيرًا. استغرق الأمر وقتًا طويلًا. هل لديكِ أي فكرة عن مدى تحطم مشاعري؟!”
اتسعت عينا روكسي، وعضت على شفتها السفلى. هل كانت هذه القصة حقيقية فعلًا؟
كان من الصعب للغاية تصديق ذلك. لطالما كانت سعيدة جدًا من أجلي في كل مرة
أحرزت فيها أدنى تقدم…
“ومع ذلك، رغم كل شيء، كنت أعشقكِ! لقد عاملتني بقلة اكتراث أقل من أي شخص عرفته تقريبًا. حتى بعد تلك اللحظة المروعة، سعيت بيأس لجذب اهتمامكِ. لكن دون جدوى! كان عقلكِ دائمًا في مكان آخر، وعيناكِ تنظران من خلالي! كنتِ مشغولة جدًا بكتابة الرسائل—لشخص ما لم أسمع به من قبل—لدرجة أنكِ لم تنظري حتى في اتجاهي! لماذا، بدأت أسأل نفسي، كنت أزعج نفسي حتى؟ لماذا أعمل بجد، عندما كانت كل جهودي مهدرة بوضوح؟! تضاءل حماسي وفشل. وهكذا تخليتِ عني تمامًا! نظرتِ إليّ وكأنني قطعة قمامة متعفنة، وأصبحت دروسكِ أكثر فتورًا يومًا بعد يوم! في النهاية، هززتِ كتفيكِ وغادرتِ مملكة شيرون إلى الأبد!”
مزق باكس شعره بكلتا يديه وهو يواصل ثورته. لا بد أن الذكريات كانت تومض بوضوح في عقله. كانت عيناه محاطتين بالدموع، وازداد احمرارهما مع كل ثانية.
“أنا… أنا آسفة يا باكس. في ذلك الوقت، كنت—”
“اصمتي! لا أريد سماع أعذاركِ!”
صمتت روكسي. كان تعبير وجهها ينم عن ندم عميق.
أظن أن بعض الناس قد يتدخلون هنا ليقولوا “لا يوجد جهد يذهب سدى” أو شيئًا مبتذلًا مماثلًا، لكن لم يكن لدي الحق في إلقاء محاضرات عليه حول هذا الموضوع. منذ وصولي إلى هذا العالم، على الأقل، حصلت على الكثير من التحقق الخارجي لجهودي. عندما كنت أبذل قصارى جهدي، كنت أحصل عادةً على نتائج. لا يعني ذلك أنني لم أفشل قط، بالطبع—لكن عندما كنت أنجح، كان هناك أشخاص يثنون عليّ.
كيف لي أن أعرف ما إذا كان الجهد مكافأة في حد ذاته؟ لم أكن يومًا في مكان هذا الرجل.
“أوه، لا تهتم. ليس الأمر وكأنك كنت مخطئًا بشأني، من الواضح ذلك.”
فجأة، انهار باكس أمام أعيننا. تدلت كتفاه؛ وأصبح صوته أكثر خفوتًا.
“لقد قدم لي جلالة الملك مملكة شيرون على طبق من ذهب، وانظر ماذا فعلت بها. لا أحد يقبل بي كملك. لا أحد يحتشد تحت رايتي. بدلًا من ذلك، يتدفقون للانضمام إلى جيش متمرد باسم طفل عشوائي قد لا يكون حتى أميرًا. وفي انتفاضتهم تلك، فقدت كل الفرسان الذين ائتمنني عليهم مملكة تنين الملك. لا يسعني إلا تخيل خيبة أمل جلالة الملك.”
ابتسم باكس بمرارة وتسلية. كانت الدموع تنهمر بحرية على وجهه.
“في النهاية، أعتقد أن بينيديكتي كانت الوحيدة التي اهتمت لأمري حقًا. أحبتني كما أنا، ولما أنا عليه. لم تكن الكلمات تأتيها بسهولة، لكنها كانت تبتسم لي، وكان ذلك يعني لي العالم بأسره.”
بدا أن صراخ باكس السابق كان مسموعًا من الأسفل. بدأت أسمع تمتمات المحادثات البعيدة من النيران المشتعلة حول القصر. ربما لاحظ بعض الجنود وجود باكس على الشرفة.
نظر باكس إليهم بنظرة من اللامبالاة الباهتة. “أخبرني يا أخي… ماذا كان ينبغي عليّ أن أفعل؟”
“لن أتجرأ على قول ذلك. ومع ذلك، أتخيل أن قتل جميع أشقائنا كان مبالغًا فيه قليلًا.”
“نعم. نعم، أعتقد أن هذا صحيح. لكن لو تركتهم أحياء، أعتقد أنهم كانوا سيبدأون تمردًا آخر يشبه هذا تمامًا.”
“قد… تكون محقًا.” توقف زانوبا للحظة، ثم هز رأسه وكأنه يطرد الفكرة. “على أية حال، الجميع يرتكبون الأخطاء. وبمجرد أن تتأمل فيها، يمكنك تطبيق الدروس التي تعلمتها على مساعيك القادمة!”
ترددت الكلمات في أرجاء غرف الملك، وملأت الطابق بأكمله بصوت زانوبا المبهج. كان عليك أن تعترف له بذلك—فقد كان الرجل يمتلك قدرة مذهلة على تجاهل حتى أثقل الأجواء كآبة.
“يبدو أنني عاجز عن ذلك. كل ما أفعله هو تكرار نفس الأخطاء، مرارًا وتكرارًا.”
الطريقة البطيئة والثابتة التي هز بها باكس رأسه في تلك اللحظة بدت تمامًا مثل الطريقة التي يفعل بها زانوبا ذلك أحيانًا. كان الاثنان مختلفين تمامًا في المظهر، لكنهما كانا يتشاركان الكثير من الإيماءات على الأقل.
رفع باكس رأسه، وألقى نظرة على شيء خلفي. “راندولف؟”
“نعم، يا جلالة الملك؟”
انتفضت. قليلًا فقط. كان الرجل يقف خلفي مباشرة، ولم ألاحظ اقترابه حتى. أمر يثير القلق، أليس كذلك؟ خاصة مع كونه دائمًا يقف خلف فريسته؟
“نفذ ما أمرتك به سابقًا، من فضلك.”
“رغبتك هي أمري، يا جلالة الملك.”
“جيد، جيد…”
ما هي هذه التعليمات التي أعطاها سابقًا؟ هل كنا على وشك العودة إلى القتال مع إله الموت؟ كان تموضعنا سيئًا للغاية إن كان الأمر كذلك. لقد اقترب كثيرًا. بدون النسخة الأولى، سيكون القتال صعبًا على أي حال، ولكن إذا بدأ القتال من مسافة صفر، فلن تكون لدينا أي فرصة.
ومضت كل هذه الأفكار في رأسي لحظيًا. لكن قبل أن أتمكن من القيام بأي رد فعل— قفز باكس فوق درابزين شرفته.
“ما—”
انتظر، هذا هو الطابق الخامس. هل هو— هاه؟ هل قفز من الشرفة اللعينة؟!
“آآآآآآآه!”
اندفع زانوبا للأمام. لم تكن هناك أدنى فرصة للحاقه في الوقت المناسب، لكنه ركض على أي حال، ويده ممدودة بيأس. أمسك بالدرابزين بكلتا يديه، وانحنى للأمام… ومزق زخمه المعدن من الشرفة، مما أدى إلى سقوطه في الهواء.
“زانوبا!”
مع خفقان قلبي بالذعر، استدرت وركضت خارج تلك الغرفة بأسرع ما يمكنني.
وجدناهما في حدائق القصر.
كان زانوبا يركع في التراب، ووجهه خالٍ من التعبيرات من الصدمة، ويحتضن جسد أخيه الهامد بين ذراعيه.
“أ-أسرع، يا معلم روديوس،” قال بصوت مبحوح بينما اقتربت. “استخدم سحر الشفاء الخاص بك…”
ركعت، وأخرجت لفافة من داخل ردائي ووضعتها على زانوبا. كانت السقطة من الطابق الخامس قد تركته مصابًا بكدمات وجروح واضحة.
“لا، لا… استخدمه على باكس…” هززت رأسي دون أن أنطق بكلمة.
كان باكس قد فارق الحياة بالفعل.
بدا وكأنه ارتطم بالأرض برأسه أولًا. كان مشهدًا مروعًا. أردت أن أصدق أنه لم يشعر بأي ألم، على الأقل.
“لقد… رحل؟” سأل زانوبا بهدوء.
“أجل. أنا آسف، يا زانوبا.”

لم يخطر ببالي حتى أنه قد يقفز فجأة إلى حتفه هكذا. ولكن بالنظر إلى الماضي، ربما كانت تلك نيته منذ البداية. كان باكس محاطًا بأعدائه، وشعر أنه لا يملك حلفاء يمكنه اللجوء إليهم. ربما كان هذا هو السبب في أنه لم يحاول أبدًا الفرار من القصر—لقد ظن أنه لا مكان يذهب إليه.
ربما عانى من الموقف لأيام متتالية، وقرر في النهاية أنه فشل تمامًا كملك. ربما كان مستعدًا للموت منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك الباب.
“معلم روديوس…”
بينما كان لا يزال يحتضن جسد أخيه، نظر زانوبا إلى سماء الليل. كان الطابق العلوي من القصر مرئيًا من بعيد في الأعلى؛ وكان قمر مكتمل جميل يتدلى في السماء خلفه.
لم يعد هناك ملك في تلك القلعة المهيبة الآن. لم تكن سوى قشرة فارغة.
“كيف فشلتُ بهذا الشكل التام؟” سأل زانوبا.
لم أدرِ ما أقول.
“هل كانت كل جهودي بلا معنى ببساطة؟”
“لا،” أجبتُ. “لقد فعلتَ كل ما بوسعك يا زانوبا. أنا أعني ذلك حقاً.”
لم يقدّر باكس جهود أخيه كما ينبغي. كان باكس يتوق بشدة لأن يعترف الآخرون بجهده الشاق، لكنه لم يستطع فعل الشيء نفسه تجاه زانوبا.
أعني… بصراحة، بدا الأمر وكأن الرجل بالكاد يدرك وجود زانوبا كأي شيء سوى قطعة أخرى على رقعة شطرنج. لكن ذلك كان من الممكن أن يتغير بمرور الوقت. كان بإمكان باكس أن يتعلم في النهاية كيف يثق بـ زانوبا. لطالما اعتبرتُ باكس وغداً لا يمكن إصلاحه، ومع ذلك… شعرتُ أن زانوبا كان سيصل إلى قلبه في نهاية المطاف.
“لماذا… لماذا كان يجب أن تصل الأمور إلى هذا الحد؟”
“…أتمنى لو كنت أعرف يا زانوبا.”
لفترة قصيرة بعد ذلك، غرق زانوبا في صمت كئيب. ثم نظر إليّ في النهاية بتعبير رجل تذكر شيئاً للتو.
“هل يمكن أن يكون… أن هذا أيضاً كان من تدبير إله البشر؟”
لم تكن لدي أدنى فكرة عن الخيوط التي كان يحركها إله البشر. لم يكشف أي من أتباعه عن أنفسهم. لكن في المسار الطبيعي للتاريخ، كان مقدراً لـ باكس أن يحول هذه المملكة إلى جمهورية في النهاية، بعد بضعة تقلبات. الآن، تلك الأحداث لن تحدث أبداً؛ إذا كان إله البشر متورطاً، فمن المحتمل أن يكون هذا هو السبب. ربما كان هدفه الوحيد هذه المرة هو التسبب في موت باكس.
كان بإمكان ذلك الوغد ذي الملامح المشوشة رؤية المستقبل. لم يكن مضطراً لإرسال شخص ما لقتلك إذا كان بإمكانه إطلاق سلسلة من الأحداث التي يعرف أنها ستدفعك إلى اليأس والانتحار، أليس كذلك؟
حسناً… ربما. لكي أكون صادقاً، بدا ذلك طريقاً طويلاً وملتوياً جداً للقيام بالأمور. ربما لم يلعب إله البشر أي دور مباشر في أي شيء حدث هنا خلال الأسابيع القليلة الماضية.
لكن بالنظر إلى الماضي، كان هناك شيء واحد أعرفه على وجه اليقين: لقد رتب لزيارتي الأولى لهذه المملكة قبل سنوات عديدة. وقد أدى ذلك مباشرة إلى نفي باكس إلى مملكة التنين الملك. ووفقاً لـ أورستيد، فإن جمهورية شيرون ستسبب لـ إله البشر مشاكل في المستقبل. لقد تحرك لمنع وجودها مرة واحدة على الأقل. بدا من الآمن افتراض أنه كان يبحث دائماً عن طرق للتعامل مع باكس، بطريقة أو بأخرى.
يا لها من كارثة. كان يجب أن أدرك كل هذا منذ البداية. لقد تسرعتُ في استنتاجاتي، وبعضها لم يكن منطقياً، لأنني كنت أكره باكس أكثر من أن أفكر في الأمر بوضوح.
“أجل،” أجبتُ أخيراً. “هذا ممكن.”
“أرى…”
أنزل زانوبا جثة أخيه برفق إلى الأرض، ثم زفر ببطء شديد. بدا من تعبير وجهه وكأنه يبكي، لكن لم تنهمر أي دموع على وجهه. لا أعتقد أنني كنت سأكون بهذا الثبات في مكانه.
بعد صمت طويل، التفت إليّ وتمتم: “لنعد إلى الديار.” أومأتُ برأسي. لم يكن هناك الكثير مما يمكن قوله.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.