《١》
تعود الحكاية الآن إلى غابة مضت عليها مئة عام، زمن المحاكمة التي كانت تزورها فتاة واحدة.
«أنا أحد أعضاء طائفة الساحرة، رئيس أساقفة الخطايا السبع المميتة والمكلف بالجشع— ريغولوس كورنياس.»
الطريقة التي قدَّم بها الفتى نفسه بابتسامة كانت جوهر الشذوذ بذاته.
بلمحة سريعة، بدا الفتى خاليًا من أي وضعية قتالية، وكأنه مليء بالثغرات. كانت عيناه تعكس الثقة والغرور، شيئًا لا يمكن أن يراه المرء في شخص حذر. ووجهه أوحى بأنه لا يمكنه حتى تخيل أدنى ضرر قد يلحق به.
في أوقات السلم، أو إن كان داخل حصن منيع، لما كان في ذلك أي مشكلة على الإطلاق. ومع ذلك، كان الفتى ضيفًا غير مرحب به، وأمامه وقفت فورتونا، وملامح العداء واضحة على وجهها ونظرة جادة في عينيها.
أن يحافظ على تلك الوضعية في مثل هذه الظروف تجاوز الهدوء إلى ما هو أبعد من الواقعي.
لكن هذا الرجل -ريغولوس- كان شاذًا بقدرته على فرض وجوده على الآخرين.
وأيضًا، تذكرت إميليا اللقب الذي يحمله هذا الرجل.
«رئيس أساقفة الخطايا السبع المميتة من طائفة الساحرة… مثل الأشخاص الذين هاجموا القصر وقرية إيرلهام!»
كانت قد سمعت أن لقب رئيس أساقفة الخطايا السبع المميتة يُمنح لقادة طائفة الساحرة— الجماعة التي أبدت عداءً لقصر روزوال وقرية إيرلهام، والتي كانت سببًا في لجوء القرويين إلى الملجأ. كما علمت أن أحد هؤلاء الأساقفة كان يطاردها شخصيًا، وأن آخر كان خصمًا لدودًا مسؤولًا عن نوم ريم العميق وغير الطبيعي.
«لماذا يوجد شخص كهذا في هذه الغابة…؟»
«—ريغولوس كورنياس، رئيس الأساقفة! لماذا أنت هنا؟!»
كان جيوس الواقف في غابة الماضي، هو مَن صرخ بصوت حاد بالسؤال الذي أرادت إميليا طرحه بكل شدة. كانت ملامحه جادة، كما لو أنه شخص مختلف تمامًا عن ذلك الذي أبدى حبًا عظيمًا للشابة إميليا وفورتونا.
«لقد وُعدتُ بألا يتدخل أحد سواي في هذه الغابة وهذا الحدث!»
«وُعدت؟ هل هو اتفاق وضعته بنفسك وبدأته بقرار فردي، أليس كذلك؟ يا له من روح مغرورة، تحاول فرض ذلك على الآخرين وتجبرهم على طاعته. هناك حدود لتدخل الآخرين في إرادتهم وأفكارهم، فهل يمكنك التوقف عن التدخل في ذهني وجسدي بالفعل؟»
«هذا ليس ردًا! إذا لم تكن راضيًا عن الاتفاق، لكان يجب عليك إثارة القضية في الكنيسة! ومع ذلك، أظهرت وجهك هنا! بدايةً، مَن الذي أخبرك عن هذا المكا…؟»
بدا أن جيوس الغاضب وريغولوس المتجهم يعرفان بعضهما البعض، لكن لم يكن هناك أي أثر للمودة بينهما، ولم تحمل محادثتهما أي أمل في الوصول إلى حل وسط.
ومع ذلك—
«—لأنني مَن أمره بفعل ذلك.»
فجأة، قطعت صوت امرأة رقيق مثل رنين الجرس النقاش الحاد بينهما.
ظهرت نظرة خوف في عيني جيوس، وامتلأت عينا فورتونا بالغضب. وفي أحضان والدتها، تلبدت الدموع في عيني إميليا الصغيرة، بينما ارتسمت على شفتي ريغولوس ابتسامة خبيثة شريرة.
وبينما كانت إميليا تشاهد الماضي، شهقت بصدمة، بينما اكتفت إيكيدنا بالنظر بدهشة.
—تسللت فتاة واحدة من بين الفجوات بين أشجار الغابة، وظهرت في ذلك المكان.
توقفت الفتاة بجانب ريغولوس، لتقف في مواجهة إميليا والآخرين. كانت فتاة ذات جمال مروع وغير إنساني، جمال يرغم كل مَن ينظر إليها على الارتعاش دون قدرة على المقاومة.
شعرها الطويل بلون البلاتين الشفاف، كأنه يشع وهجًا ناعمًا أشبه بضوء الشمس، خالقًا شلالًا من النور يمتد من كتفيها النحيلتين إلى أسفل ظهرها. أما عيناها، المحاطتان برموش طويلة، فكانتا زرقاوتين عميقتين، وكأنهما تسجنان العالم بداخلهما. ملامح وجهها كانت في غاية الروعة، حتى إنها جسدت الصورة المثالية لـ ”الجمال“ التي يحلم بها البشر.
جسدها الصغير بدا هشًا إلى درجة تجعل مجرد التفكير في حملها يشعر المرء بالتردد. ارتدت قطعة قماش واحدة فحسب، ومع ذلك، بدا وكأن فكرة أن يلمس أي شيء بشرتها العارية غير واقعية تمامًا.
لو كان ممكنًا حقًا القتل بالجمال وحده، لكانت تمتلك ذلك الجمال القاتل.
«ما الأمر، أيها رئيس الأساقفة روماني كونتي؟»
أمالت الفتاة ذات الجمال القاتل رأسها، وطرحت ذلك السؤال البسيط.
نبرتها، ونظرتها العابرة، وحقيقة أنها خصصت له وقتًا— كل ذلك قد يغمر أي رجل عادي بسعادة غامرة، حتى إنه لن يكون غريبًا إن توقف قلبه فرحًا.
كان يمكن لأي شخص أن يدرك من النظرة الأولى— أن هذا كائن خطير لا ينبغي أن يوجد في ذلك العالم.
«لماذا… لماذا أنتِ هنا…؟ ريغولوس كورنياس! لماذا جلبتها معك؟!»
صكَّ جيوس أسنانه، وكأنه يحاول مقاومة الرغبات التي يصعب التصدي لها والتي تغلي بداخله. رفضه المشبع بالكراهية جعل ريغولوس يصدر صوتًا من ضجر، وعلامات الملل على وجهه واضحة.
«هل تقول إنني جلبتها إلى هنا؟ لحظة، لا يعجبني أن يقرر الناس مثل هذه الأمور عبثيًا. أنت تعلم أنني أكره إكراه الآخرين أكثر من أي شيء آخر، أليس كذلك؟ وجودها معي كان برغبتها الخاصة. هل لديك ضغينة ضدي كي تلقي عليَّ اللوم في كل شيء؟»
«رئيس الأساقفة كورنياس، يبدو أن صديقنا مرتبك، فلا تكن قاسيًا عليه.»
كان من المحتمل أن يُشعل مثل هذا العتاب غضب ريغولوس. ومع ذلك، انحنى ريغولوس لها باحترام، وابتسم بشفتيه الملتويتين بسعادة خبيثة.
لم تعد الكلمات المكتوبة أو المنطوقة كافية لوصف الشذوذ الذي يعبر عنه هذا الرجل البغيض.
«هذا… ألا يُعتبر قاسيًا للغاية حتى بالنسبة لكِ، سيدة باندورا…؟!»
صوت جيوس، الذي كاد أن ينفد نفسه، جعل الفتاة ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة.
ابتسامة الفتاة الساحرة كانت تثير شعورًا بالسعادة ينافس جميع الأشياء المباركة في العالم. وتسامح الفتاة المسماة باندورا، متجاوزة كل ما حولها، كان بمثابة نعمة للعالم.
فتحت يديها الرقيقتين، وكأن ذراعيها الصغيرتين بإمكانهما احتضان كل شيء وكل أحد.
«والآن، أحضر المفتاح والختم إلى هنا— حتى يتحقق أعظم أهداف طائفة الساحرة أخيرًا.»
«باندووووورااا—!!»
تداخل إعلان الفتاة الرقيق مع صرخة فورتونا الغاضبة.
حمت فورتونا إميليا الصغيرة خلف ظهرها، وصرخت وهي تستدعي أضواء زرقاء حولها. تحولت هذه النقاط الساطعة إلى أوتاد جليدية طويلة، بكميات كبيرة تملأ مدى بصر إميليا، وأطرافها الحادة موجهة نحو باندورا.
«عجبًا.»
«سأعوض أخي بتحويلك إلى كومة من الأوتاد!!»
وبينما وقفت باندورا هناك بكل هدوء، أطلقت فورتونا هجومًا سحريًا لا رحمة فيه نحوها.
تساقطت الأوتاد الجليدية، كل واحدة منها بسماكة ذراع رجل بالغ، على باندورا بقوة هائلة. اخترقت الأطراف الحادة وجه الفتاة المذهولة، وانتشرت شظايا الجليد المتناثرة لتغطي الغابة باللون الأبيض.
«بهذا… ستختفين إلى الأبد—!!»
عبست فورتونا بغضب، وشوهت ملامحها الجميلة في قسوة، منهية المشهد المتألق بحزم شديد. انشقَّت السحب فوق الغابة، وسقطت كتلة جليدية ضخمة مباشرةً على باندورا، مرتطمة بالأرض الباردة كقبر جليدي.
أمام هذا المشهد المهيب، ظلت إميليا الصغيرة، وحتى إميليا في الحاضر، عاجزة عن النطق.
كانت تتساءل في داخلها إن كان بمقدورها، حتى وهي تستعين بقوة باك، استخدام سحرٍ مماثل لما فعلته والدتها الآن. لم تكن تنوي التقليل من قدرات فورتونا، إلا أن مستوى قتالها فاق كل توقعاتها، مما أثار دهشتها الشديدة. لكن—
«—مهلًا. هل تتجاهلينني تمامًا الآن؟ ومع ذلك، رغم كل ذلك، حاولتِ ضمي إلى هجومك… ما هذا؟ ألا يعتبر ذلك انتهاكًا لحياتي، ووجودي، وحقوقي، وإنسانيتي ذاتها؟»
انطلقت كلمات مشبعة بالضغينة من وسط الضباب الأبيض. وفي اللحظة التالية، تكسَّر الجبل الجليدي المتساقط. كان مشهد ريغولوس واقفًا بكل أريحية وسط هذا المنظر السريالي لشظايا الجليد اللامعة مرعبًا ومثيرًا للرعب. أما باندورا، الواقفة خلفه دون أدنى ضرر، فقد كانت بنفس القدر من الإرباك.
رغم قوة الهجوم العنيفة، لم يُصب ريغولوس بأي أذى، ولم تتأثر ملابسه على الإطلاق، وكأنه ليس هناك من الأساس. أما باندورا، فاكتفت بتعديل شعرها الذي تطاير بفعل الرياح.
من الواضح أن ريغولوس قد وقف أمام باندورا ليحميها، لكن ما حدث لم يكن مجرد مسألة قدرة على الدفاع. لم تستطع إميليا حتى أن تستوعب ما حصل تمامًا.
«إذًا، هذا هو تجسيد الجشع في هذا العصر. التفكير في أن لقاءً كهذا لا يحدث عادةً… إنه بالفعل مثير للاهتمام.»
«…إيكيدنا، هل تعلمين ما الذي حدث الآن؟»
طرحت إميليا سؤالها على إكيدنا، التي خرجت من ظل الأشجار وانتقلت إلى مكان يمكنها من خلاله رؤية المعركة بوضوح. رفعت إيكيدنا طرفي شفتيها وهي تنظر إلى إميليا التي اقتربت منها وكأنها اعتادت الأمر، لكن سرعان ما تنهدت وتحدثت.
«أستطيع أن أخمِّن، لكن لا أزال غير متأكدة تمامًا. كنت أرغب في مراقبة الوضع لفترة أطول قبل التكهن بسلطته… لكن يبدو أن الظروف لن تسمح بذلك— إنهم يتحركون.»
شعرت إميليا بالضيق من معرفة إيكيدنا الواسعة بما يجري، لكنها قررت تركيز اهتمامها على الماضي.
صكَّت فورتونا أسنانها غضبًا من تصديهم لهجومها الأول. في تلك اللحظة، مد جيوس ذراعه أمامها.
«سيدتي فورتونا! أرجو أن تأخذي السيدة إميليا وتنسحبي من هذا المكان! حاليًا، نحن بلا حول ولا قوة أمام ريغولوس كورنياس!»
«لا…! هل تطلب مني الانسحاب بينما تقف تلك المرأة أمامي؟!»
«أرجوكِ فكِّري في الوضع! مَن تحمين الآن؟!!»
«أرك…!»
وبخ جيوس فورتونا على موقفها العدائي. جعلها تعليقه تفتح عينيها على اتساعهما؛ تذكرت فورتونا أن ابنتها الحبيبة، التي تقف خلفها، كانت تتشبث بملابسها.
«أ-أمي…»
«إميليا…»
وبينما رفعت فورتونا إميليا الصغيرة بين ذراعيها، تحدث جيوس بصوت هادئ.
«أرجوكِ انسحبي. واطلبي المساعدة فورًا من المستوطنة. إنني والتابعين الذين أتوا معي نتشارك نفس الرغبة. إنهم بلا شك سيكونون عونًا لكِ.»
«ولكن إذا فعلت ذلك، ماذا سيحل بك؟»
«—اطمئني. لا أنوي البقاء هنا دون خطة.»
واجه جيوس نظرة فورتونا الكئيبة بابتسامة، رغم أن التوتر كان يتسرب من كل مسام في جسده.
أمام وجهه المبتسم بفخر، أغمضت فورتونا عينيها بقوة، كأنها تقطع كل تردد لديها.
«سأعود لإنقاذك— سأفعل.»
ثم انطلقت فورتونا، حاملةً إميليا الصغيرة بين ذراعيها، تجري في أعماق الغابة، تاركةً تلك الكلمات وراءها.
في حضن والدتها، كانت إميليا الصغيرة تتحرك بعصبية، تصرخ بأعلى صوتها نحو جيوس الذي كان يتلاشى بعيدًا عنها.
«جيوس—!!»
جلبت تلك المشاعر الطفولية البريئة ابتسامة هادئة على وجه جيوس، وهو يرفع يده مودعًا. وفي لحظات، غابت إميليا في أعماق الغابة، حتى لم تعد ترى جسد جيوس النحيل.
ورغم ذلك، استمرت المشاهد، والتي ليس لدى إميليا أي ذكرى منها، مما أوقعها في حيرة.
«لقد انفصل جيوس عنا… ماذا سيحدث الآن في المحاكمة؟!»
«بالطبع، ستستمر. هذا ماضٍ لم تشهديه من قبل، لكن كتاب المعرفة يعمل على تعديل مسار هذا العالم المستنسخ. وبما أنها محاكمة، فعليكِ متابعة ذاتك الخاصة. ما الذي ستفعلينه؟»
أجابت إيكيدنا على سؤال إميليا بتصريح مفاجئ، مشيرة إلى ضرورة تتبعها لفورتونا.
هذا الاقتراح أغرى قلب إميليا. كانت تسعى بكل يقين لاجتياز المحاكمة. ليس لديها أدنى شك بأن عليها متابعة ماضيها من أجل ذلك.
ومع ذلك، كانت هذه اللحظة التي قاتل فيها جيوس بشجاعة، معركة وضع فيها كل ما لديه من أجل أن تهرب فورتونا، بل وأيضًا إميليا الصغيرة. بالإضافة إلى ذلك—
«هه، هل ستبقين هنا؟»
«إيكيدنا، من طريقة حديثكِ الآن… يبدو وكأنكِ تلمحين لعدم وجود سبب معين للبقاء هنا.»
«…»
«ربما أفكر في الأمر بشكل زائد، لكن الأمر يبدو وكأنكِ تريدين مني التوجه إلى هناك…»
«—لَكِ حرية التفكير كما تشائين. علاوة على ذلك، حتى أثناء ترددكِ، الأحداث مستمرة في الحدوث.»
تراجعت إيكيدنا خطوة إلى الخلف، لتأخذ مسافة بينهما دون أن ترد على سؤال إميليا. منحتها تلك المسافة موقعًا ممتازًا لمراقبة ساحة المعركة التي تحول المكان إليها.
وفي تلك اللحظة، بينما وقف جيوس بثبات في ساحة المعركة التي انتشرت أمام عيني الساحرة، أطلق الرجل ذو الشعر الأبيض ضحكة ساخرة.
«هممم، تقدُّم مثير للإعجاب، أليس كذلك؟ لكن، مَن الذي تمنعه من الهروب؟ أليس عملي الحقيقي معهما وليس معك؟ بمعنى آخر، تدخلك هذا هو تعدٍّ على أفعالي، وحقوقي.»
«سمِّه كما تشاء، ريغولوس كورنياس. سأراهن على وجودي ذاته. لن أسمح لك بالاقتراب منهما خطوة واحدة!»
«لا تقل ذلك. قد تكون أحد مؤسسي طائفة الساحرة، وربما تجلس على هذا المقعد بفضل خدمات قدمتها في الماضي، لكن لو طُرحت الآن مسألة مَن يستحقه أكثر، لكان المقعد من نصيبي! هل تعتقد أنك تستطيع الفوز ضدي إذا حاولت بجد بما يكفي؟ ما نوع العقل الذي تحمله على كتفيك؟»
«هذا… سأريك إياه من الآن فصاعدًا.»
أمام ريغولوس، الذي اندفع بغضب محاولًا تبرير أفعاله بمنطق يخدم مصالحه، رد جيوس بجواب بسيط وهادئ.
«لا… جيوس، ما الذي…؟!»
أدخل جيوس يده في ردائه، وبمجرد أن رأت إميليا نظرة الرجل الذي استسلم لفكرة الموت، مدت يدها نحو الماضي محاولة الوصول إليه.
لم يكن لديها وسيلة للتدخل في قصةٍ تستعرض ماضيًا قد انقضى منذ زمنٍ بعيد.
انزلقت اليد التي كانت ممسكةً بيدها. بقيت يدها الممدودة معلقةً في الفراغ، غير قادرة على إيقاف تصميمه الثابت.
«مهلاً، لا تخبرني أنك…!»
أخرج جيوس من ردائه صندوقًا أسود صغيرًا. وعندما وقعت عينا ريغولوس على ذلك الصندوق، تجعد حاجباه للحظة، لكنه سرعان ما حدق باندهاشٍ، مدركًا ماهية ما يراه.
نظرة حزم ظهرت على وجه جيوس وهو يتطلع إلى ريغولوس، وقد تلاشت منه كل علامات الهدوء الأولية.
«بالتأكيد، أنت تشعر بذلك، أليس كذلك؟ فبعد كل شيء، هذا شيءٌ سبق أن كان في يدك.»
«أعرف ما هو. وبسبب معرفتي به، أعجز عن إيجاد كلمات لوصف مدى غبائك. هل أقنعت نفسك أن هذا هو ورقتك الرابحة؟ أتساءل لماذا لا تستوعب… أنت مَن قلت، أنت مَن قررت أنك غير مؤهلٍ لحيازته!»
«بالتأكيد، أفتقد للتوافق معه. ولذا، كنت دائمًا أحتفظ به فقط، حاميًا الأمانة التي أوكلت إليَّ. غير أنني فعلت ذلك من أجل وقتٍ كهذا.»
على عكس الهالة الغاضبة التي أظهرها ريغولوس حتى تلك اللحظة، بدا جيوس هادئًا وهو يهز رأسه من جانبٍ إلى آخر.
كأنَّ الغضب الأسود الراكد وعزيمة كالنار الزرقاء كانا يتصارعان داخل أعماقه—
«—رئيس الأساقفة بيتيلجيوس روماني كونتي.»
باندورا، التي لم تحرك ساكنًا منذ بدء المواجهة، ابتسمت وهي تخاطب جيوس.
كان ذلك اسمه. رفع رأسه عندما نُودي بتلك الطريقة، وبدأت باندورا تتحدث إليه برقة.
«أتمنى لك رحلةً طيبة.»
كانت كلماتها بركة، لم تحمل ضغينةً أو عداءً أو دوافع خفية، بل كانت مليئةً بالنوايا الحسنة.
ذلك التنافر العجيب هو ما جعل إميليا ترتجف دون توقف من وقع تلك الكلمات. وكان الأمر ذاته بالنسبة لجيوس.
بوجهٍ يعكس الألم العميق، وهو يتجرع نعمة باندورا التي كانت كأنها نصلٌ ينغرس في قلبه، فتح جيوس الصندوق الأسود الذي في يده— كان في داخله شيءٌ أسود متلوٍ يتحرك.
«—سيدي فلوجل، أرجوك اغفر لي.»
قال هذه الكلمات، ثم ضغط ذلك الشيء الأسود على صدره، بكل ما يحويه الصندوق الصغير.
فوراً، انتشر السواد الغامض كأنما تناثرت قطرات ماء على صدر جيوس، وزاد حجمه بشكلٍ انفجاري حتى غطى جسده بالكامل. مشهد جيوس وهو يُلتهم بكيانٍ لزجٍ حي جعل إميليا تصرخ بلا وعي. كان هناك شيءٌ يمحو وجود جيوس بلا رحمة.
«أحمق.»
لأول مرة، نطق ريغولوس بكلمة ازدراءٍ مختصرة.
وأمام نظراته الحادة، رفع جيوس ذراعيه نحو السماء، صارخًا بفمه المفتوح بينما ابتلعه الكائن بالكامل. وكأنما كان وجوده يُمزق، بين الألم واللذة ومشاعر لا يمكن وصفها.
—وفجأةً، امتزج صوت تصفيقٍ غير متوقع مع صرخته.
«رائع.»
بنبرة إعجابٍ هامسة، كانت عينا باندورا تتلألآن، كعيني فتاة عاشقة.
وهي تحدق في جيوس، الذي كان يلهث بينما يتهاوى وجوده في فوضى عارمة، زفرت باندورا بهدوء نفسًا متقدًا ومفعمًا بالإثارة.
«سيدة باندورا؟»
لم تكن إميليا وإيكيدنا وحدهما مَن شعرا بمدى غرابة هذا المشهد. حتى ريغولوس شعر بالأمر ذاته، حيث ألقى نظرة استفسار نحوها، فردَّت باندورا بوقف تصفيقها، مشيرةً إلى جيوس.
«رئيس الأساقفة ريغولوس كورنياس.»
«نعم؟»
«إنه قادم.»
في اللحظة التالية، وجد ريغولوس جسده ينقلب فجأة وهو يُقذف عاليًا في السماء.
«هاه—؟»
كأنَّ طفلًا غاضبًا أمسك بدمية من قدميها وألقاها بكل ما يستطيع من قوة.
وهو يُقذف في الهواء، بدا على وجه ريغولوس أنه لا يدرك ما يحدث، بينما مرَّ بجوار قمم الأشجار، ليبلغ بسرعةٍ نقطة الذروة، ومن هناك هبط بقوة نحو الأرض. كان وكأن قدميه لا تزالان ممسوكتين في قبضة طفلٍ غاضب، وليس لديه أدنى فرصة لتجنب الاصطدام برأسه بالأرض، مثيرًا سحابة ضخمة من الغبار.
بانفجارٍ مدوٍّ وارتجاجٍ عنيف، انفجرت الأرض وتهاوت شجرة تلو الأخرى، جرفتها قوة الاصطدام. سُحق الرجل تحت تأثير تلك الأشجار العظيمة، وساد الهدوء الغابة الصاخبة.
«—آه.»
فقدت إميليا صوتها، محاولةً تجميع شتات المشاهد التي جرت أمام عينيها.
—لم ترَ أيًّا منها. لكنها أدركت شيئًا واحدًا.
«لقد حدث تمامًا كمــــا… قلت لكم.»
رأته أمامها، الرجل بزيِّه الأسود، راكعًا على الأرض، ودموعٌ من دم تتدفق من عينيه.
وبينما كان يحدِّق في سحابة الغبار المتناثرة بين فجوات الأشجار، وقف ذلك الرجل— يسعل بشدةٍ بعد النصر الذي حققه مقابل كل ما حمله من عزيمة.
كانت أنفاسه ضعيفة، وساقاه ترتعشان. غير أن روحه اشتعل بحرارةٍ تتأجج من نيران التصميم الراسخ.
«هنا… هنا تكمن الآمال، والإيمان العظيم الذي لا يُنسى نحو أهل هذا المكان…»
اختلطت كلماته بسعالٍ ممتزجٍ بالدم، وكأن شعورًا بالواجب الجليل كان ينهش روحه، حتى وهو يتحدث. عبر سنواتٍ عديدة، لابد أن مشاعره قد نمت وتعاظمت؛ عمقها كان سرًا لا يعلمه أحد.
لا أحد، سوى الرجل نفسه، الذي استسلم تمامًا في خدمة تلك الأمنية، كي لا ينسى أبدًا ما هو أعز عليه ولو للحظةٍ واحدة.
«تلك الأيام، تلك الرابطة، تلك الأمنية… هذه، هم منحوني إياها. ومهما طال الزمان، لن أنسى شيئاً… لهذا، في هذه اللحظة، ما دمت قادرًا على أن أسعل دمًا…»
جرت دموع الدم بغزارة. بلغ الدم واللحم نهايتهما، والرجل يتقيأ كتلة من الدماء وهو يتشبث بعنادٍ ببركاتٍ أبعد من متناول يده.
كانت محاجره متوهجة بلون قرمزيٍ صارخ. عيناه المغمورتان بالدماء، تائهتان؛ رغم أنه كان يحدق أمامه، كان من الصعب الجزم إن كان يرى العالم كما هو حقًا.
«ما الذي تراه بتلك العينين الحمر، رئيس الأساقفة روماني كونتي؟»
«—الحب.»
كانت باندورا هي الوحيدة التي تلقت تلك النظرة، مدركة ببراعة أن عينيه القرمزيتين لم تكونا تنظران إليها. ومع ذلك، طرحت سؤالها دون اكتراث، فأجاب الرجل دون تردد.
يا للسخرية، كان حوارًا بين شخصين قادتهما الأقدار إلى المكان ذاته، شخصين لا يمكن أن يقبلا بفكر الآخر بأي حال.
«في هذا العالم، وفي هذه اللحظة، من المرجح أنني أحبكِ أكثر من أي شخص آخر.»
أسرت باندورا نفسها باعترافٍ بهمسٍ متقد. تلك الكلمات جعلت الرجل يغلق عينيه للحظة، ثم أطلق أنيابه نحو المرأة التي تجرأت على التصرف وكأنها الأكثر فهمًا له في العالم.
جيوس—لا، اسمه كان بيتيلجيوس روماني كونتي.
«لن تقتربي منهم. أنتِ… لن… تمرِّي!!»
《٢》
تتساقط دموع الدماء من عينيه، وقد سمح لذلك الشيء الأسود بأن يسكن داخله، صرخ جيوس بصوتٍ هائل.
ذلك المشهد المروع، ممزوجًا بعزيمةٍ مقدسة تفوق كل تصور، أرسل برودةً قاسية تخترق عمق عمود إميليا الفقري.

على الرغم من أن جيوس قد امتص ذلك الشيء منذ لحظات قليلة فقط، إلا أنه لم يروِّضه بأي حال من الأحوال. لقد سمح له فقط بانتهاك كيانه من الداخل بدلًا من الخارج.
«جيوس… ما الذي—؟ ماذا فعلت؟ ماذا…؟»
ماذا أخذ داخله؟ ما هي القوة التي استخدمها ليدفن ريغولوس بضربة واحدة؟ كان الأمر كما لو أن شيئاً حدث ولم تتمكن من رؤيته، ومع ذلك شعرت إميليا بشعور مألوف لم تستطع تفسيره.
—بنوعٍ ما، كان يشبه الضربة التي أنهى بها سوبارو مبارزته مع غارفيل.
«لقد أثبت عزمك بجدارة، يا رئيس الأساقفة بيتيلجيوس روماني كونتي.»
غير أن أفكار إميليا قاطعتها نبرة أشبه برنين الجرس.
بينما كانت تراقب جيوس وهو يلهث ويكحُّ دماءً، بقيت باندورا غير مكترثة وهي تعبر عن إعجابها. لم تُظهر أي ردة فعل لوفاة ريغولوس الذي كان يقف إلى جانبها؛ لم يتأثر جمالها الطبيعي بأدنى عيب.
«أنتَ، رغم أنك لم تمتلك الجسد المؤهل، قد نجحت في قبول عامل الساحرة بداخلك. باسم ساحرة الغرور، أمنحك شرفًا لعزيمتك وإرادتك الصلبة بمنحك لقب الكسل.»
«هل تظنين أنني أرغب في مثل هذا اللقب؟ في هذه اللحظة، أرغب بشيء واحد دون أدنى شك… الهدوء لتلك الأم وابنتها—!!»
مستحضرًا صورة فورتونا وإميليا اللتين ابتعدتا عن ساحة المعركة، سكب جيوس دم قلبه وحياته ذاتها في عزيمته ليمنح الثنائي فرصة للهرب، مادًا ذراعيه باتجاه باندورا.
«الحب… يا له من شيء رائع…»
«إنه يحتوي على دفء لن تصل إليه أبدًا أكاذيبك!»
بينما همست باندورا بنشوة، صرخ جيوس موجهًا أفكاره نحو الهجوم. في اللحظة التالية، استطاعت إميليا أن تشعر بضغط غير طبيعي يتشكل من الهواء، لكنها لم تستطع رؤية أي شيء.
لم يحدث شيء. لم يكن بإمكان شيء أن يحدث. ومع ذلك—
«الغابة تتداعى…؟!»
موجة من الدمار امتدت، كأنها أفاعٍ عملاقة شفافة تتلوى حول بيتيلجيوس.
اقتُلعت الأشجار، انشقت الأرض، وتبعثرت كتل من التراب والأزهار والعشب في كل مكان. ووفقًا لإرادة جيوس، تحولت هذه القوة تدريجيًا من تدمير عشوائي إلى دمار أكثر استهدافًا. انهيار الغابة، وكأن عملاقًا يدوس عليها، تقدم في خط مستقيم نحو باندورا التي كانت واقفة بلا حراك.
وبالتالي، سيتحول الدمار ليجعل من جسد باندورا الضئيل سحابةً من الدماء—
«انتظري لحظة.»
«—!!»
«لقد جئتُ هنا. أنا هنا. ما هذا التفكير، تمضين في الحديث متجاهلةً وجودي؟ أظن أنه قد حان الوقت لشخص سخي وغير أناني مثلي أن يغضب قليلًا…»
وقبل أن تصل الضربة غير المرئية إلى باندورا، اعترضها شخصٌ أبيض اللون.
في اللحظة التالية، وقع انفجار. ارتدت الرياح، وتغيرت جغرافيا الغابة بفعل الصدمة.
ومع ذلك، لم يتراجع الشاب الذي تلقى ذلك الهجوم القوي من الجهة الأمامية— ريغولوس الذي كان من المفترض أن يكون ميتًا— لم يظهر أي أثر للانسحاب. لم يظهر على جسده أي جروح من الأحداث السابقة ولا حتى خدش واحد.
«لا أصدق…»
تمكنت إميليا من تقبُّل حقيقة أنه صدَّ ضربة فورتونا الأولى دون خدش. إذا كان هناك فارق كبير في القوة بين المقاتلين، فربما يكون من الممكن صد هجمات شديدة مميتة.
لكن هجوم جيوس غير المرئي كان أمرًا مختلفًا تمامًا. لقد رأت إميليا بوضوح كيف سُحق ريغولوس على الأرض، غير قادر على فعل أي شيء حيال ذلك— لماذا لم يتعرض لأي جرح؟ لم يكن حتى متسخًا.
«ريغولوس كورنياس…!!»
«كم هو مزعج. أنت، مَن يرفض الاعتراف بعامل الساحرة، تجاهلت ثمنه وأجبرتَه على دخول جسدك، أليس كذلك؟ ألا يعتبر هذا إهانةً لنا نحن الذين نحمل مقاعدنا بحق؟ أليس هذا جرحًا لذاتي الصغيرة التي لا تتزعزع؟»
«قد تقول إنه بلا جدوى، ولكنني—!»
أثناء حديث ريغولوس المستفز، اهتز رأسه فجأة كما لو تلقى ضربة غير مرئية. لكن عندما أعاد عنقه الملتوي إلى موضعه السابق، لم يكن هناك أي أثر للضربة على وجهه مجددًا. الرجل المقيت عبس بانزعاج واضح، واقفًا بلا حماية، بينما واصل استقبال هجمات جيوس المتلاحقة.
واقفًا دون حراسة، لم يبذل أي محاولة للدفاع عن نفسه، ورغم أن جسده بأكمله تعرض لضربة تلو الأخرى، لم يسقط ريغولوس. كانت القوة التي راهن عليها جيوس بلا جدوى، ورغم ذلك لم يظهر عليه أي تراجع أو استسلام.
وحتى لو لم يستطع جيوس التقدم، فقد استطاع تأخير خصمه. واصل شن هجماته لإبقاء ريغولوس في مكانه.
«—هذا لن يوصلنا إلى أي مكان. خلال هذا الجمود، يبدو أن هناك تطورات في المكان الذي ذهبتِ إليه.»
تألفت المعركة من الهجوم الشجاع لجيوس وصد ريغولوس القاسي، وبينما كانت إميليا تراقب القتال، تحدثت إليها إيكيدنا من خلفها.
جعلها تصريحها الخالي من المشاعر ترفع حاجبيها الرقيقين وتضغط على أسنانها.
«هل تطلبين مني أن أترك هذا المكان؟ على الرغم من أن جيوس يقاتل بكل ما يملك؟!»
«قد أجادل بأن قوة المشاعر لا تؤثر في النتائج، لكن للأسف، لا أنوي مناقشة ذلك معك. ليس لديَّ اهتمام كبير بمضايقة الضعفاء، وأجد صوتك مزعجًا للغاية.»
«إذًا، لماذا لا تصمتي وتراقبي فقط؟ أنا…!»
—كانت ترغب في البقاء في ذلك المكان ومراقبة جيوس.
«—!»
عندما حاولت التفُوّه بهذه الكلمات، تجمدت إميليا، كما لو أوقفتها مشاعرها.
بسرعة، مدت يدها ولمست الكريستال المتصدع عند عنقها. ذكَّرها هذا الإحساس بهدفها. لقد جاءت لتحدي المحاكمة والتصالح مع ندمها على الماضي.
ربما كانت هذه اللحظة هي الفرصة الوحيدة التي تستطيع فيها مشاهدة معركة جيوس حتى نهايتها. لكن بذلك، ستخون كلًا من سوبارو، الذي ودَّعها عند مدخل القبر، وجيوس، الذي يضحي بكل شيء ليمنح إميليا الصغيرة وفورتونا فرصة الهروب.
كان هناك ماضٍ يتجاوز النضال الشجاع لجيوس، ماضٍ حقيقي نسيته إميليا.
«—بالتأكيد، حتى عقلك العاجز يستطيع فهم المسار الأكثر حكمة.»
«…أعتقد أنك كنتِ محقة بعد كل شيء. لنلحق بأمي وبنفسي. جيوس هو…»
«هذه معركة بين رئيسي أساقفة الخطايا السبع. لن تميل الكفة بسهولة. ومع ذلك، لو تورط شخص آخر، لكان الأمر مختلفًا… ولكن من غير المعقول أن تنضم هي إلى المعركة.»
ظلت إميليا تحمل بعض الندم وهي ترى الهجوم المتواصل أحادي الجانب لجيوس ضد ريغولوس يزداد ضراوةً أمام عينيها. دموعه المختلطة بالدم استمرت في النزيف، وسال الدم أيضًا من أنفه وزاوية فمه. وكلما زاد تأثير ذلك الشيء على جسده من الداخل، زادت قوة ودقة التدمير غير المرئي بشكل كبير.
لكن في المقابل، كانت قوة ريغولوس الدفاعية الغامضة ثابتة بلا تغيير. كان الموقف في حالة جمود تام.
«هااا…»
عندها، كما أشارت إيكيدنا، لاحظت إميليا كيف كانت باندورا مسحورة بمشاهدة القتال دون أن تُظهر أي نية للانضمام إليه. غرابة المشهد جعلت إميليا تشعر برعشة.
«إيكيدنا؟»
«—. لننتقل إلى مكان آخر ونتبعك أنت ووالدتك. لقد هربا إلى الغابة، أليس كذلك؟»
للحظة، بدا أن شيئًا آخر استحوذ على انتباه إيكيدنا. ومع ذلك، لم يستمر الأمر سوى للحظة عابرة. وعندما خاطبتها إميليا، عادت إيكيدنا إلى وعيها على الفور، وأشارت بأصابعها أمام عيني إميليا. في اللحظة التالية، تلاشت رؤيتها، وتغير المشهد.
ثم، بينما تم فصلهما عن ساحة المعركة الشرسة، أول ما وصل إلى أذن إميليا كان—
«لا! أمي، لا! من فضلكِ، لا تتركيني!!»
بمجرد سماع الصوت المرتفع والبكاء، استدارت إميليا بغريزة.
أمامها مباشرة، رأت إميليا شجرة عظيمة مألوفة— وأمام الباب الذي يؤدي إلى غرفة الأميرة، كانت فورتونا تحاول إقناع إميليا الصغيرة الباكية بالاستماع إليها.
«أرجوكِ، يا إميليا، افعلي ما أطلبه منكِ. لا تقلقي؛ قريبًا… نعم، قريبًا، سينتهي كل شيء، وسأعود إليكِ. لذا، من فضلكِ، فقط لبعض الوقت، ابقي هنا واختبئي.»
«لا! مستحيل! أمي، وجهكِ يشبه وجه جيوس! لماذا تبدين وكأنكِ لن تعودي؟! ماذا ستفعلين… لماذا تتركينني هنا…؟!»
بكل كيانها الصغير، تمسكت إميليا بأمها بشدة، حتى لا تبتعد عنها.
وبالنظر إلى أنها كانت طفلة صغيرة، كان من السهل إبعادها عنها. ومع ذلك، لم تستطع فورتونا أن تقسو على ابنتها. السبب كان واضحًا أمامها، يملأ عينيها.
فورتونا كانت والدة إميليا. ولهذا، لم تستطع ببساطة أن تتجاهل يد ابنتها الباكية.
«لا تتركيني! دعيني أذهب معكِ! لن أكذب بعد الآن! لن أخلف أي وعد بعد الآن!! سأكون فتاة صالحة! سأكون فتاة صالحة، لذا… من فضلكِ، لا تتركيني…!»
«إميليا… إميليا، إميليا، إميليا…!»
أرادت إميليا البقاء مع والدتها مهما كلف الأمر، فعرضت كل ما تستطيع التفكير فيه. صوتها جعل فورتونا تحتضنها فجأة بشدة. لو لم تفعل، لرأت إميليا الحالة التي كانت عليها وجه أمها.
—لرأت ابنتها أمها وهي تغرق في دموعها.
«أمي…»
وهكذا، بعينيها الواضحتين، رأت إميليا الحالية المشهد الذي لم تستطع إميليا الصغيرة رؤيته.
بالنسبة لإميليا، كانت فورتونا دومًا نموذجًا يُحتذى به، قوية وشامخة… والدتها كانت شخصًا تقدره، وكانت تؤمن بكل يقين أنه لا يوجد في جسدها عظمة ضعيفة واحدة. لم تتخيل يومًا أن تراها بهذه الدرجة من الألم، غارقة في حزن يكاد لا يُحتمل، والدموع الحارة تتدفق بحرية.
من خلال عدسة الماضي، دموع والدتها مزَّقت قلب إميليا. ورغم أنها وضعت كلتا يديها على وجهها بسرعة، لم تستطع إيقاف دموعها.
وهي ترى ذلك المشهد، وتشاهد وجه والدتها من الحاضر، فهمت إميليا بعمق.
لم تشك يومًا في الأمر، لكن في تلك اللحظة، اكتسبت يقينًا جديدًا.
«أمي… أنتِ أمي الحقيقية…»
لم يعد يهم مَن أنجبها بالفعل.
بغض النظر عن مدى إصرار فورتونا على أنها مجرد بديلة لأمها وكم طالبت إميليا بألا تنسى أمها الحقيقية، هذا الأمر لن يتغير أبدًا.
على الرغم من حبها واحترامها العميقين لفورتونا، إلا أن تلك الكلمات وحدها كانت ترفض قبولها.
«أمي… أنا أحبكِ…!»
«—السيدة فورتونا! وإميليا أيضًا!»
كانت فورتونا لا تزال غير قادرة على إبعاد إميليا عنها حينما ناداها صوت من خلفها.
ذلك الصوت جعل فورتونا تمسح دموعها بسرعة وتقف لترى من هناك. كان أرتشي، الشاب ذو الضفائر الثلاث المتمايلة. برغم القلق الذي بدا في عينيه الخضراوين، إلا أن رؤية فورتونا وإميليا معًا جعله يقول بارتياح ظاهر: «أنا سعيد لرؤيتكما».
«أرتشي! الغابة… هل الجميع في المستوطنة بخير؟!»
«—. للأسف لا. الذين جاؤوا مع السيد رئيس الأساقفة يشتبكون مع مجموعة من الرجال!»
من المؤكد أن أرتشي لاحظ آثار دموع فورتونا، لكنه لم يتطرق للأمر، مفضلًا تقديم تقريره. وعندما سمعت التفاصيل، خفضت فورتونا عينيها، مما جعل مخاوفها تنعكس على إميليا. في محاولة لتهدئتها، قال أرشي مطمئنًا:
«إميليا، ليس هناك داعٍ للخوف. لا تقلقي. ثقي بي وبالجميع في المستوطنة. بالإضافة إلى أن والدتكِ قوية ومرعبة جدًا أيضًا».
«حـ-حسنًا…»
«أرتشي، كلمة جدًا مبالغة. يا للعجب…»
عندما ابتسم أرتشي لإميليا، جعلت كلماته فورتونا تعقد ذراعيها باستياء. وبعد أن استعادت جزءًا من رباطة جأشها المعتادة، تنهدت بحدة تقديرًا لتصرف أرتشي اللطيف.
«أعتقد أنه حتى لو أعدت إميليا إلى غرفتها، فلن تبقى مخفية لفترة طويلة…»
«يؤسفني قول ذلك، لكن طالما أنها في هذه الغابة، فسيجدونها في نهاية المطاف. هدفهم…»
«—هو الختم، على ما أعتقد. لا أعلم كيف سمعوا عنه، لكن حتى تلك المرأة ظهرت من العدم…»
كانت مشاعر الغضب التي تغلي في قلب فورتونا تجاه المهاجمين -وبالأخص باندورا- لا تُصدق. لا بد أن شيئًا ما حدث بينهما جعل فورتونا تفقد هدوءها إلى هذا الحد.
حتى وإن لم يكن ذلك السبب، فقد اندلعت المعارك في كل ركن من أركان الغابة. لقد تحول وطن إميليا بالفعل إلى ساحة حرب.
«حسنًا. على أي حال، سأخرج الآن. لديَّ القوة القتالية الأكبر بين الجميع في الغابة، لذا ليس هذا وقت التباطؤ في مكان كهذا».
«لا! سنقاتل! سيدتي فورتونا، من فضلكِ خذي إميليا بعيدًا عن الغابة!»
«وإن هربنا من هنا، فماذا بعد؟ كل ما سنفعله هو السماح لهم بسرقة هذه الأرض المسالمة. وإذا خسرنا، فهذا يعني أن الختم سيقع في أيديهم. هذه المرة، سيتعرض العالم للدمار!»
عندما حاول أرتشي إقناعها بإعادة النظر، أسكتته فورتونا بنبرة أقوى. بعد ذلك، وبنوع من الإحراج بسبب ردها الغاضب، أضاف: «أنا آسف».
«أنت تكرهني، أليس كذلك؟ لم يكن يجب أن تتورط في كل هذا. كل هذا فقط لأنك استضفتني وإميليا… هذه محنة لم تكن بحاجة إليها».
«-!! لا أحد- ليس هناك شخص واحد بيننا يفكر بهذه الطريقة!!»
«أرتشي…»
قابل أرتشي صوت فورتونا الحزين بردة فعل حادة، وكأن ذلك هو الشيء الوحيد الذي لم يسمح لها بقوله. اشتد غضبه، وظهر الاحمرار على وجهه حتى أطراف أذنيه الطويلتين والمدببتين، وهي سمة مميزة للجان.
«من فضلكِ، توقفي عن معاملتنا كغرباء! صحيح أن أعمارنا الطويلة تجعل الوقت الذي قضيناه هنا يبدو كاللحظة العابرة! لكن— لكن رغم ذلك، هل نسيتِ الوقت الذي قضيناه معًا في هذه الغابة؟!»
«…»
«مَن يجرؤ على التفكير فيكِ… في العائلة كشيء غير مرغوب فيه؟! أنتِ، وأخوكِ، و… لا تصفينا كأننا ناكرون للجميل، لا يذكرون مدى امتنانهم لأم إميليا!»
انفجرت مشاعر أرتشي في وجهها، وكان صوته مشحونًا بالبكاء والتوسل. الجان الشاب، الذي لا يزال صبيًا في قلبه، جلس على ركبتيه، وهو يشهق بينما ينظر إلى فورتونا. كان وجهه قد جعل فورتونا تتسع عيناها من الدهشة.
«أنا آسفة— لقد كنت على وشك أن أرفض عائلتي مرة أخرى».
«سيدتي فورتونا… أنا-أنا لقد بالغت في كلامي…»
«لا، لقد ساعدتني على تذكر شيء مهم للغاية. لقد خيبت أمل مَن يحبونني مرارًا. ومع أنني ندمت على ذلك عدة مرات، إلا أنني أنسى مجددًا بعد فترة قصيرة. لهذا السبب…»
وهزت رأسها نحو أرتشي الذي كان راكعًا، ثم انحنت ببطء على إحدى ركبتيها أمام إميليا.
«إميليا، اسمعي جيدًا. لدى والدتكِ واجب لحماية الجميع. إنه أمر بالغ الأهمية. لهذا السبب سأغيب لبعض الوقت فقط».
«لـ…لا، أمي. أ…أنا…!»
«من فضلكِ. افعلي ما أقول، فقط لفترة قصيرة. أريدكِ أن تذهبي مع أرتشي وتخرجي من الغابة. هذه الغابة… خطيرة حقًا، لذا أرجوكِ».
تحدثت فورتونا إلى إميليا، التي كانت تهز رأسها وعيناها تدمعان، ثم التفتت إلى أرتشي. وعندما رأت العزيمة في عينيه البنفسجيتين، شعر أرتشي بأن جسده النحيف تيبس من التوتر.
«سـ-سيدتي فورتونا… أنا—!»
«أرتشي… ربما يكون الوقت مبكرًا، لكنني أوكل إليك مهمة الحارس. أرجوكَ، خذ إميليا معك خارج الغابة. صحيح أن العالم صعب، لكنني واثقة أن هناك أملًا. أعلم ذلك. لذا…»
«من فضلكِ، لا تتحدثي وكأن هذه هي النهاية! سأبقى معكِ ومع الجميع حتى…»
«اعتنِ بإميليا. من أجل أخي وزوجته، ومن أجلي، فهي ابنتنا الثمينة، التي لا يمكن أن نعوضها».
تحدثت فورتونا بصوت ضعيف، كأنه شبح هائم، بعيد عن شخصيتها القوية والجليلة المعتادة.
سماع كلمات فورتونا، كأم وكامرأة، جعل أرتشي يجهش بالبكاء، وقد غطى وجهه بيديه.
«هذا ليس عدلًا…! أنتِ تعلمين أنه لا يمكنني الرفض عندما تتحدثين بهذه الطريقة… أ-أنا أريد أن أقاتل مع الجميع أيضًا…! ومع ذلك…!»
«أنا آسفة لأنني أحملكم الكثير من الأعباء بهذه الطريقة. سامحونا على هذا الظلم الذي فرضناه عليكم».
وضعت فورتونا يدها على كتف الشاب الباكي، طالبة منه المغفرة بألم. لم ينطق أرتشي بكلمة، لكن دموعه التي لم تتوقف كانت دليلًا على أنه قد قبل طلبها بالفعل.
«إميليا».
«لا!! أمي، أريد أن أكون معكِ! من فضلكِ! أرجوكِ أرجوكِ! أنا أطلب منكِ بلطف! دعيني أبقى معكِ!! لا أريد… لا أريد أن أكون وحدي!!»
«أنتِ لستِ وحدكِ على الإطلاق. استمعي إليَّ.»
كانت إميليا تبكي وتنوح، وهي تغطي أذنيها محاولة منع نفسها من سماع كلمات الوداع من والدتها. رؤية ذلك جعلت إميليا الحالية تتمنى لو كانت تستطيع قرص خدود نفسها الصغيرة.
لم يكن الأمر لأنها أرادت توبيخ عنادها. بل لأنها كانت تريد أن توصل لها أن كل كلمة قالتها فورتونا، كل حرف وكل عبارة، كانت أمورًا يجب أن تتذكرها الفتاة تمامًا.
«إميليا».
انحنت فورتونا بلطف، احتضنت إميليا وسحبتها نحوها.
أمسكت بذراعي إميليا، رغم أن الفتاة حاولت يائسة أن تغطي أذنيها، ووضعت رأسها بين خصلات شعر ابنتها الفضي. ثم قربت وجهيهما، تداعب خدها بخدها بلمسة حانية، وكأنها تخشى أن تجرح شيئًا أكثر قيمة من أي شيء آخر في هذا الوجود.
«أمكِ دائمًا بجانبكِ. عندما تغلقين عينيكِ، سأكون هناك، داخل ذكرياتكِ. عندما تحتضنين نفسكِ، سأكون الدفء الذي يملأ صدركِ. وعندما تنادين، سأكون الصدى تحت السماء. أمكِ معكِ. دائمًا، دائمًا، إلى الأبد، معًا».
«كاذبة. كاذبة. كاذبة. كاذبة… أمي، أنتِ كاذبة…!»
«إميليا— أعدكِ».
رفضت إميليا كل مواسات والدتها، لكن تلك الكلمة الأخيرة جعلت نفسها تحبس أنفاسها.
أمها المبتسمة مدَّت كفها أمامها، وكأنها تجذب كف إميليا حتى تلتقيا أخيرًا.
«أمكِ وإميليا ستكونان معًا دائمًا. أعدكِ بذلك».
«هـ-هل سنكون حقًا… معًا…؟»
«نعم، حقًا. إميليا… ليا، أمكِ تحبكِ حقًا، أكثر من أي أحد في هذا العالم».
الصوت الحنون الذي نادت به ليا جعل إميليا، ومشاعرها، تتحطم.
اندلعت شهقات البكاء، وانهارت إميليا، في الماضي والحاضر، بالبكاء على الفور.
«أمي… أ-أنا أحبكِ أيضًا… أحب… أحب…!!»
«أحبكِ. أحبكِ، أمي. أحبكِ حقًا كثيرًا…»
في اللحظة نفسها، امتزجت مشاعر إميليا، في الماضي والحاضر، في محاولة يائسة لرد تلك المشاعر الحنونة.
صرخًا بأقصى قوتهما، وكأنهما يعلمان أن عليهما إخراج كل مشاعرهما الآن، وإن لم تشاركا أمَّهما كل ما يشعران به، فلن تتاح لهما فرصة أخرى.
«—ليا، أحبكِ».
طبعت فورتونا بلطف شفتيها الساخنتين على خد ابنتها، جفنها، وجبينها.
تلامسوا. تعانقوا. وفي تلك اللحظات الأخيرة، فعلت فورتونا كل ما في وسعها لتظهر حبها الأمومي— فقد كانت هذه هي اللحظة الوحيدة التي سمحت لنفسها فيها بأن تكون أم إميليا.
«…أرتشي، من فضلك».
«—نعم. فهمت».
بعد أن عبَّرت عن حبها الأبدي لابنتها الحبيبة بكل ما في قلبها، وقفت فورتونا وتوجهت إلى أرتشي.
تلقَّى الشاب الذي تملؤه الدموع إميليا من فورتونا، محتضنًا جسدها الصغير بين ذراعيه بقوة، بينما انحنى برأسه بعمق.
«ستتمكنون على الأرجح من الهروب بأمان…»
«نعم… فهمتُ! إميليا… لن يمسَّها أحد بسوء أبدًا!»
وبينما صاح أرتشي بهذه الكلمات كأنها عهد، ارتاحت فورتونا، وقد ارتسمت الراحة على وجهها.
ثم أشارت إلى الاتجاه الذي يؤدي إلى خارج الغابة.
«أرجوكم. اذهبوا».
أرتشي، الذي لم يعد لديه كلمات ليقولها، انطلق راكضًا نحو الاتجاه الذي أشارت إليه فورتونا.
كانت إميليا بين ذراعي الشاب الذي يجري عبر الأشجار، ونظرت خلف كتفه للمرة الأخيرة… نظرة وداع لأمها التي تبتعد، مرفوعةً صوتها المتحشرج غير المفهوم.
ذلك الصوت جعل الحدة في عيني فورتونا تتلاشى بهدوء ولطف.
«—أحبكِ، يا إميليا».
《٣》
كانت إميليا، التي يحملها أرتشي، تراقب بعزمٍ الاتجاه الذي كانت تقف فيه والدتها، والتي لم تعد تراها الآن.
لعلها لو واصلت النظر إلى هناك، قد يظهر طيف أمها المختفي فجأة. ربما لاحقتها أمها. ذلك كان الأمل الذي تعلقت به.
«إميليا…!»
وصلت آمال الطفلة البريئة حتى إلى أرتشي الذي احتضن جسدها الصغير. ماذا يمكن لأي شخص أن يقول لطفلة تم انتزاعها من حضن والدتها الحبيبة؟ لم يكن لأحد إجابة مرضية.
«لماذا… لماذا…؟! لماذا انتهى الأمر بهذه الطريقة…؟ هل لأنني خنتُ وعدي… لأنني خرجتُ من الغرفة…؟»
«لا. أنتِ مخطئة، إميليا. إميليا، ليس هذا خطؤكِ! إنه ليس خطأ السيدة فورتونا، وليس خطأ أي أحد! لا يوجد سبب يجعلكِ تلومين نفسكِ!»
«إذًا لماذا…؟ لماذا يتركونني…؟ أمي، جيوس… هل-هل لأنهم يكرهونني… لأنني فعلت أشياء سيئة…؟»
الفراق المفاجئ جدًا دفع قلب إميليا الصغيرة إلى شفا الانهيار.
نظرت إلى تصرفاتها، محاولة العثور على شيء يثبت أنها كانت السبب، السبب الذي أدى إلى حدوث كل هذه المآسي.
لقد خالفت وعودها. خرجت من غرفة ليس مسموحًا لها بمغادرتها مرات عديدة. ذهبت إلى مكان عميق في الغابة كان محظورًا عليها الوصول إليه، اكتشفت ختمًا ليس من المفترض أن تعرفه— لم تستطع منع نفسها من التفكير بأن كل تلك الأمور قد أدت إلى هذا الوضع.
«هل كان من الأفضل لو كنتُ وحدي… محبوسة في تلك الغرفة طوال الوقت؟ لو فعلت ذلك، هل كنت سأبقى مع الجميع… دون أن أخسر أحدًا…؟»
«إميليا…!»
«هل كنتُ فتاةً سيئة…؟ هل لهذا السبب يكرهني الجميع… لماذا سأبقى وحدي؟»
«أنتِ مخطئة… أنتِ مخطئة، إميليا. لا أحد— لا أحد يكرهكِ أبدًا. هذا العالم لم يوجد ليجعلكِ تتألمين. هذا العالم، وكل مَن فيه، موجود لجعلكِ سعيدة…!»
كانت دموع الطفلة تتساقط باستمرار بينما حاول أرتشي جاهدًا أن يوصل كلماته إليها. كان جزء من ذلك لأنه أراد من إميليا أن تتوقف عن البكاء. وأكثر من ذلك، كان أيضًا لأنه رغب بشدة في أن يؤمن بذلك.
لم يقتصر الأمر على فورتونا أو جيوس. بل كل مَن ارتبط بإميليا في الماضي كان يحبها، يحميها، وسيفعل المستحيل لمساعدتها.
«أنتَ، أيها الشاب هناك—!»
وبينما كان أرتشي يركض عبر الغابة، برز صوت حاد، وقد قفز شخص إلى الطريق أمامه.
رمق أرتشي بسرعة نظرة حذرة تجاه الشخص الذي ارتدي ثوبًا أسود وتسلل من خلال فجوة بين الأشجار. لكن الشخص الآخر استقبله برفع كلتا يديه، مشيرًا إلى أنه لا ينوي الأذى.
«انتظر! أنا أحد أصابع رئيس الأساقفة روماني كونتي!»
«رئيس الأساقفة…»
«نعم، اطمئن. أنت آمن هنـ… لحظة، هل يمكن أن تكون…؟!»
عرَّف الرجل الذي يرتدي الرداء نفسه، مما منح أرتشي شعورًا بالراحة. لم يمضِ وقت طويل حتى لاحظ الرجل أن أرتشي يحمل إميليا بين ذراعيه، وقد ظهرت عليه الصدمة. هزَّ أرتشي رأسه بجدية نحوه.
«لقد عهدت السيدة فورتونا إليَّ برعايتها. إنها تساعد الآخرين في المعركة. لن يمضي وقت طويل حتى تطهر الغابة من الأعداء…»
«… يؤسفني أن أقول، لكن ذلك سيكون صعبًا بعض الشيء».
ظهرت على وجه الرجل ملامح المرارة، ما جعل أرتشي يتمتم: «ماذا؟»
«لقد تأكدنا من وجود أحد رؤساء الخطايا السبع المميتة: الجشع، قائد الفصيل المتطرف. رئيس الأساقفة يقاتله، لكن لا يمكن حل الوضع بمجرد طرده».
«أحد رؤساء الخطايا السبع… لكن ما المشكلة التي تتجاوز ذلك؟»
«وحش الشيطان، الثعبان الأسود، قد أطلق في الغابة».
«الثـ-ثعبان الأسود—؟!»
صُدمت كلمات الرجل أرتشي. نظر بذهول نحو الغابة.
«هذا جنون -هذا غير ممكن! الثعبان الأسود هو كارثة خالصة، بل أكثر من الحوت الأبيض والأرنب العظيم- كارثة طبيعية لا تخضع لأحد. توقيت وصوله، بالتزامن مع هذا الهجوم— هذا…»
«هناك كائن… ساحرة، جعلت ذلك ممكنًا، وقد وصلت إلى هذه الغابة».
«ساحرة؟ ساحرة، تقول؟ هذا كلام مجنون أكثر! الساحرات بخلاف ساحرة الغيرة قد دُمرن منذ زمن، وينبغي أن تكون ساحرة الغيرة نفسها مختومةً في رمالٍ بعيدة…»
«كانت هناك ساحرة خفية— اسمها باندورا. إنها جزء من طائفة الساحرة، الساحرة المحرمة في هذا العالم».
تحدث الرجل كما لو كان يعصر كل كلمة، تاركًا أرتشي مذهولًا وكأن دلوًا من الماء قد صبَّ عليه ليوقظه من غفوته.
أحد رؤساء الخطايا السبع، وحتى ساحرة لم يسمع بها من قبل، قد وصلا— وكان ما أبقى قلب أرتشي من الانهيار في اليأس هو نبض صغير شعر به في صدره.
لقد عهدت إليه بمسؤولية. أرتشي لم يكن ليتراجع عن ذلك.
«… عهدت إليَّ السيدة فورتونا برعاية إميليا كي تهرب. مهما حدث لوطننا، عليَّ أن أحمي هذه الفتاة… أحمي أملنا!»
«… سأرافقك. رغم تقدمي في السن، إلا أنني ما زلت جزءًا من عائلة روماني كونتي».
استثير الرجل بكلمات أرتشي، وانحنى بعمق للجان الشاب الذي يضم طفلته الأمل بين ذراعيه بقوة.
وبحركة سريعة من ردائه، اندفع الرجل المسن إلى الأمام، موجهًا نظره نحو الطريق الذي يقود خارج الغابة، بنية توجيههم—
«—لا!»
في اللحظة التي بدأوا فيها الركض، صرخ الرجل فجأة، وصدى الاستعجال في صوته جعل أرتشي يتوقف على الفور. وبينما فتح أرتشي عينيه متسائلًا عن ما يجري، وقف الرجل وقد بسط ذراعيه.
«يا له من خطأ… أن يصل بهذه السرعة…»
«ماذا حدث…؟ ما الذي، هـا؟!»
تمتم الرجل بألم، مما أثار حيرة أرتشي— وفي اللحظة التالية، سقطت ذراعا الرجل من كتفيه. كدمية سيئة الخياطة، انخلعت أطرافه الممتدة تمامًا، هكذا فقط.
لم ينفجر الدم من الذراعين الساقطتين، ولا من موضع بترهما. في الواقع، كانت الذراعان متجعدتين على نحو غير طبيعي لا علاقة له بالشيخوخة، متعفنتين مثل جذور شجرة عطشى تفتقد الماء.
«لسان الثعبان الأسود السام…! أرجوك اهرب!»
«لكن!»
«فات الأوان بالنسبة لي…»
صرخ الرجل بقوة مطالبًا أترشي بالهرب، ونظر خلفه، ووجهه يفقد لونه بسرعة. ظهرت بقع حمراء وسوداء على عنقه البارز من تحت ردائه، ووجهه يتداعى لدرجة جعلت عينيه تبدوان على وشك السقوط.
«بـ-بـ…آه، بُو…!»
يئن بألم، انهار الرجل الذي فقد ذراعيه على الأرض، وأخذ جذعه العلوي يتلوى. تدفق الدم الأسود من محاجر عينيه، ومن أنفه، ومن شحمتَي أذنيه، ومن أماكن أخرى، حتى توقَّف عن الحركة تمامًا.
كانت لحظات الرجل الأخيرة كفيلة بإدخال أرتشي، ناهيك عن إميليا الصغيرة، في حالة من الذعر.
«بوتقة الأمراض… وحش الشيطان حامل الطاعون، الثعبان الأسود…!!»
بصوت أجش، غطَّى أرتشي عيني إميليا الصغيرة وهو يذكر اسم العدو الذي أهلك رفيقهم.
وبالطبع، لم يتفاعل العدو مع صوته. لكن وسط أصوات أنفاس أرتشي وإميليا المتقطعة، انبعث صوت مميز، مثل كائن ضخم يلعق شفتيه.
«كان الأمر أشبه بصيَّادٍ ينتظر أن يرتفع خوف فريسته قبل أن ينقضَّ عليها —»
«—تبـ… تبًا!!»
إدراكًا للخطر الذي يقترب، صرخ أرتشي بشتيمة وهرب. لم ج يعلم أي اتجاه يسلك، فهذه أرض الصيد للعدو، وقد جُرُّوا إليها دون أن يشعروا.
ابتعد قدر ما استطاع عن جثة الرجل، ولو أمكنه، لكان قد غادر الغابة بأسرها. مرتكزًا فقط على إحساسه بوجود إميليا المتشبثة بصدره، فرَّ أرتشي بشدة هربًا من التهديد.
هرب، فرَّ، تابع الكان الشاب الهروب بكل قوته— «آه—»
بينما كان يهمُّ بالانطلاق، شعر بحرارة حارقة ترتفع على كاحله الأيمن. في اللحظة التي أدرك فيها أنه قد تم لعقه، انهارت إرادته.
انزلق اللسان الشيطاني على جلده العاري، ناشرًا المرض الذي ظهر على بشرته كندوب حمراء وسوداء أشبه بحروق.
وفي اللحظة التي رأى فيها ما يحدث، رفع أرتشي كفه نحو ساقه اليمنى.
«…فولا!»
ودون تردد، استخدم شفرة من الرياح لقطع ساقه المصابة من الركبة.
وبحاجة إلى دعم ليبقى مستندًا، أسند جسده الساقط على جذع شجرة. أرتشي، الذي غمره العرق جراء الألم الشديد لفقدان ساقه، عضَّ على أسنانه، متحملًا إحساسًا أشبه بنار تشتعل في عقله وهو يواصل ترديد التعويذات.
«هيوما…!»
بصوت الهواء المتصدع، جمدَّ أرتشي جذع ساقه المقطوعة. تصاعد بخار أبيض من الجرح، وأطلق أرتشي صرخة جديدة نتيجة لطريقة توقف النزيف القاسية للغاية.
لقد كان قرارًا جريئًا وجذريًا. أظهرت السرعة والوسائل التي استخدمها عمق عزيمته ومهارته— ثم كان هناك ذلك العنصر المهم: لم يتخلَّ عن إميليا ولو للحظة واحدة خلال تلك العملية.
«أرتشي…؟»
بوجهها المضغوط بشدة إلى ذراعه، لم تستطع إميليا رؤية ما حدث. أرغم أرتشي ابتسامة على وجهه، جالسًا وهو يهون من أعظم ألم قد شعر به في حياته.
«لا شيء… الأمر بخير… بخير، لذا…!»
تقطعت كلماته، وأخبر أرتشي إميليا كذبًا أن شيئًا لم يحدث. كانت أفعاله تستحق الاحترام— ومع ذلك، فإن القدر القاسي كان على موعد مع عزيمته، مهما بلغت عظمتها، بالاستهزاء.
كان الجزء المتبقي من ساقه اليمنى المتجمدة يفقد لونه أعلى الركبة، متحجرًا كحجر مخبوز. بدا وكأن الأرض نفسها تجف.
بدأ ما تبقى من ساق أرتشي اليمنى بالموت؛ لم يكن المرض سيتوقف هناك.
«…إميليا. انظري، هناك، نحو الزهور البيضاء خلف هاتين الشجرتين؟»
«…نـ-نعم».
حررها أرتشي الذي جلس مستندًا إلى جذع شجرة كبيرة، فوضعت إميليا قدميها على الأرض ونظرت في الاتجاه الذي أشار إليه. تأملت الشجرتين والزهور البيضاء التي خلفهما، ثم أومأت برأسها.
«هل يمكنكِ الركض باتجاه الزهور؟ بعد الزهور… إلى الأمام مباشرة…»
«أ-أركض… أستطيع الركض. لكن…»
«إذًا، اركضي…»
تأملت إميليا الصغيرة الزهور البيضاء، وقد حبست أنفاسها بينما كانت تسمع كلمات أرتشي.
كانت كلمات قصيرة أطلقها ليبعثها في طريقها. حتى مع التردد الذي لاح في عينيها، أدركت أن حالة أرتشي ليست طبيعية إطلاقًا بينما كانت تنظر بينه وبين الزهور مرارًا وتكرارًا.
لو ركضت، ستكون بمفردها. مرة أخرى، سيختفي شخص آخر من حياتها.
«الأمر بخير، إميليا. لن… تكوني وحدك…»
«أرتشي…»
«الآن، اركضي. مهما سمعتِ، لا تستديري… اركضي!»
صوت أرتشي الحاد جعل إميليا تقفز. خطت خطوة للأمام، ثم بدأت بالجري. أجبرت نفسها على عدم النظر خلفها لأن أرتشي قال ألا تفعل ذلك.
كان صوت أرتشي، وصوت فورتونا، وصوت جيوس— كل تلك الأصوات تتردد في ذهن الفتاة الصغيرة.
—أرادت أن تؤمن بأنه إن فعلت ما قيل لها، فسيعود كل شيء كما كان عليه.
«نعم، هذا صحيح. انطلقي، انطلقي… تمامًا كما جريتِ دائمًا وتسببين لنا كل تلك المتاعب…»
تحدث أرتشي بتلك الكلمات مبتسمًا ابتسامة رقيقة، محدقًا بظهر الفتاة التي بات من الصعب رؤيتها في البعد، بينما كان يخلع أكمام ردائه.
لقد وصل الفساد المتقلص بالفعل إلى أسفل صدره. لم يعد يشعر أن بإمكانه تحريك أي من ساقيه. فقدت بشرته لونها، واكتسبت ملمسًا أشبه بالحجر، مظهرًا أشبه بمسخ شيطاني مقزز.

سمع صوتًا. سسس، سسس. كان صوت وحش شيطاني يلعق شفتيه بعدما لمح فريسته مباشرة أمامه.
تقدم الوحش كما لو كان لينتزع الفتاة الهاربة، أمل الغابة، ويسلب أي معنى متبقٍ من وهج الحياة الضعيف في جسد أرتشي المتداعي.
«كما لو… أن أحدًا سيسمح لك بالمرور…»
اشتعلت عيناه بعزيمة قتال لا تنطفئ، متجاهلًا ساقيه غير القادرتين على الحركة، واستخدم قوّة ذراعيه وحدها ليجلس منتصبًا. توقَّف الصوت المروع… كأن الوحش استعاد اهتمامه، مستحوذًا على الفريسة التي اعتقد أنها قد هلكت بالفعل.
بسبب إحساسه بدنوِّ أجله، أرسل الفتاة بعيدًا عن موتها قدر المستطاع.
«سيدتي فورتونا… تلك الفتاة… ربما ستكون بخير.»
صوت سسس، سسس، كان نذيرًا باقتراب النهاية.
سماع هذا الصوت، وإدراك أنه يمثل أقصى خطر على حياته، جعل أرتشي يبتسم بفخر.
«…»
ورغم أنها كانت ابتسامة مُنهكة، فإنها لم تتلاشَ.
《٤》
كانت الغابة قد تبدلت بصورة درامية، لدرجة بدت معها وكأنها نسيت شكلها الأصلي.
تحوَّلت إلى أرض حزينة، كأن ثعبانًا عملاقًا غاضبًا وعنيفًا قد اعتدى على الأرض أثناء مروره.
تم إسقاط العديد من الأشجار؛ وأخرى استقرت على جوانبها، وقد انكسرت عند الجذور. امتلأت الأرض بحفر عميقة لا يظهر لها قاع. لو ادعى أحدهم أن هذا كان أثر كائن غير طبيعي يجتاح سطح العالم، فإن هذا الدمار الطاغي كان ليقنع الكثيرين بتلك الحكاية العجيبة.
رجل واحد، الشخص الذي أوجد هذا المشهد الصادم، واقفًا في مركز الدمار. وجهه مشوَّه بدماء طازجة، وأنفاسه متقطعة، لكن روحه لم تتراجع. إنه المذنب العظيم الذي احتضن داخله خطيئة مميتة لم تناسب جسده، مكتسبًا القوة بثمن قضم حياته— بيتيلجيوس رومانِي كونتي.
بإرادة صلبة، قمع الرجل المدعو جيوس تلك القوة غير الطبيعية وهو واقف. السُلطة التي يُمكن أن نطلق عليها الأذرع غير المرئية قد منحت جيوس الوسيلة لتحدِّي أسقف الخطايا السبع المميتة—
«—كما تعلم، حان الوقت لتدرك أن هذا بلا جدوى حقًا.»
رغم أنه اكتسب تلك القوة بتكلفة باهظة، فإن هدفه ريغولوس ظلَّ غير متأثر، بل وكان يضحك عليه بسخرية.
واقفًا وسط سحابة من الغبار والدمار غير الطبيعي، بدا ريغولوس مستاءً. كان مشهد نجاته من كل هذا مشوهًا لدرجة بدت وكأن أحدهم قد وضع ملصقًا على لوحة مكتملة.
«بعد كل هذا…!»
«حان الوقت لتقبل الواقع وتدرك أننا مختلفان، صحيح؟ أنتَ وأنا ممثلان معدَّان لخشبات مسرح مختلفة. الأمر لا يتعلق بما إذا كنت تستطيع التغلب عليَّ أم لا. لا أحد يمكنه هزيمتي. لا أحد يمكنه إيذائي. سواء كان قديس السيف أو التنين، كل ذلك بلا جدوى. كل شيء، كل جزء منه… بلا فائدة.»
بحديثه المباشر إلى جيوس الذي كان يسعل دمًا، حرَّك ريغولوس ذراعه بلا مبالاة، وكأنه يبعد ذبابة. هذه الإيماءة، وكأنها طرد بسيط، جعلت جيوس في حالة تأهب، مُقدَّمًا جسده للقوة السوداء التي تتلوى داخله، مستعدًا لمواجهتها مهما كانت— ثم طارت ذراعه الأيمن بعيدًا.
«مـ… ماذا؟!»
«لقد سئمت رؤية رد الفعل هذا أيضًا. لقد تكبَّدت عناء منحتك وقتًا لتقضيه مع زوجتك وكل شيء. أردت على الأقل نوعًا من المكافأة على ذلك، لكن يبدو أنني توقعت أكثر من اللازم دون جدوى.»
«نغه… ماذا تكون…؟ غه، آغهه! وااه!!»
ضاغطًا على ما تبقى من ذراعه المبتورة، تعثر جيوس بشكل مذهل. وبفحص أدق، تبيَّن أنه تعرض لإصابات في كلا ساقيه، حيث ظهرت على فخذيه جروح بشعة وكأن وحوشًا التهمت لحمه بشراهة.
تحمَّل الألم، وقد غلى الدم في فمه طوال الوقت. جعل هذا المشهد البائس ريغولوس يعبس.
«في النهاية، انظر، هذه هي كل تلك العزيمة والإصرار التي تتحدث عنها. لكن لا تشغل بالك بذلك كثيرًا. الأمر ليس متعلقًا بك؛ إنه يشمل الجميع. لا يمكن لأي شخص أن يحمل أكثر مما يمكن ليديه الاثنتين أن تحملا. عليك أن تعيش ضمن حدودك. هذا هو الطبيعي. أليس كذلك؟»
«غاه، آاه، آاه…»
«حقًا، أكره هذا كله. قد تظن أنني أحب إيذاء الآخرين بدافع هواية سادية، لكنك ستكون مخطئًا، وسأعتبر ذلك تشويهًا عظيمًا لشخصيتي. لا أفعل هذا لأنني أرغب في ذلك. يبدو وكأنني أضايقك فقط لأنك ضعيف. ليس لديَّ رغبة في الاستمرار في القيام بأمور كهذه. للخير أو الشر، أنا رجل راضٍ، لا أريد أن أتدخل في حياة أحد آخر. أنا مكتفٍ، بلا حاجة. عليك أن تتقبل ذلك.»
ضعف النزف من جسده، وخفت صوت جيوس إلى درجة لم يعد فيها قادرًا على الصراخ. أنفاسه الخشنة المتقطعة وتشنجات جسده أثارت الشفقة، كحشرة توشك على الانتهاء من حياتها.
في تلك اللحظات، حين كان جيوس على شفا الموت، نظر إليه ريغولوس من الأعلى، وتحدث دون حقد أو كراهية أو أي مشاعر أخرى؛ فلم يجد حاجة في تدخل العواطف الشخصية حين اقتصر على سرد حقائق.
بالنسبة لريغولوس كورنياس، كانت أفعال جيوس اليائسة لا تختلف عن نسمة ريح خفيفة— بل إن تلك النسمة كان لها على الأقل أن تثير خصلات شعره؛ وبناءً على ذلك، لم يكن لأفعال جيوس أي تأثير يذكر.
وفي وسط الغابة المدمَّرة، وقفت باندورا بلا أي تغيير يُذكر، تمامًا كريغولوس. تجسيد للجمال، ملامحها الرقيقة، ناهيك عن الثوب الأبيض الذي يلف جسدها الصغير الرقيق، ظلت على حالها دون أدنى تأثر.
«بين العامة، ليس الجميع قادرًا على التفكير مثلك، وبالتأكيد ليس الجميع سيصل إلى المستوى الرفيع ذاته. أنت أكثر خصوصية من الآخرين، ويجب أن تكون راضيًا بذلك. تكوينك المكتمل رائع. وأما هم، الناقصون، فلهم روعتهم الخاصة.»
«لا أسعى لمديحك، ولا أؤيد رأيك بأنهم رائعون أو شيء من هذا القبيل. على أي حال، ليس هناك داعٍ لي أو للثعبان الأسود للحضور، سيدتي باندورا. كان بإمكانك التعامل مع هذا بنفسك.»
أشار ريغولوس إلى الغابة بكلتا يديه وهو يتحدث إلى باندورا، دون أن يظهر أيَّ سرور من كلمات مديحها، فأومأت برشاقة معترفةً بكلامه.
«نعم، قد يكون ذلك صحيحًا. ومع ذلك، كان عليَّ أن أرى بعينيَّ مدى إخلاص الناس في سعيهم لأهدافهم المقدسة، ومدى روعة ذلك في أثناء القيام به.»
«الخلاصة أنك أردت رؤية وجوه الناس اليائسة حين يتم حصرهم في زاوية، أليس كذلك؟ هاهاها، إذا كان هذا كل شيء، عليك فقط أن تعبِّري عنه ببساطة كي يفهم الآخرون. تقديم عذر لا داعي له يبدو أنه مجرد مضيعة لوقتي.»
«أجد هذا الفهم للأمر لطيفًا جدًا.»
ابتسمت باندورا بابتسامة ساحرة للقلوب، فبادلها ريغولوس بابتسامة خبيثة. ثم حول نظره نحو جيوس المتهالك، متجهًا نحوه ليوقع به الضربة القاضية.
«حسنًا، حتى لو مات هذا الجسد، فليس كما لو أنك لا تملك احتياطيًا آخر. سحب ما بداخلك والتمسك بعنقك سيجعل التعامل معك أسهل. بالنسبة لشخص جعلني أضيع كل هذا الوقت، فأنت فعلًا مجرد فاشل بلا موهبة.»
بينما كان يتحدث، رفع ريغولوس قدمه فوق رأس جيوس. كان واضحًا أنه سيقوم بسحق رأسه كشمامة ناضجة— وما إن أوشك على ذلك حتى قطع صوت ما الصمت.
«أل هيوما!!»
بموجب الترتيل، استجابت الطبيعة لتحول المانا؛ ومع صوت التصدع، تحول إلى تدمير ملموس. كان صوت تشقق الغلاف الجوي يجعل ريغولوس يرفع رأسه، وهو يزمجر باستياء.
«إن لم يكن هذا، فهو شيء آخر…!»
نقر ريغولوس بلسانه— وفي اللحظة التالية، ارتطمت رمحٌ جليدي ضخم يكاد يحجب السماء مباشرة بوجهه، وتحولت الهزة الناتجة عن الاصطدام إلى موجة صادمة هائلة أحاطت بريغولوس، محطمةً جسده النحيف بالكامل.
تتالت انفجارات الرياح واهتزازات الأرض بوتيرة جعلت من المستحيل عدَّها. تطايرت شظايا الجليد المحطم على سطح الأرض، مُغيرة المشهد لدرجة قد تجعلك تشك ما إذا كانت هذه الغابة يومًا ما.
انعكست أشعة الضوء على الجليد المتلألئ، وفي ذلك العالم المضيء الفوضوي— وقفت امرأة ذات شعر فضي بجوار الرجل الملقى أرضًا.
«جيوس! جيوس، تمسك! ماذا فعلوا بك…؟ آه، ماذا عليَّ أن أفعل…؟!»
«سيدتي فورتونا، هل هذا أنتِ…؟»
ردًا على الصوت، عاد النور إلى عيني جيوس، رغم أن أنفاسه بالكاد كانت تتردد. كان لا شك في أن حياته كانت في خطر، لكن مع استمرار جيوس في التشبث بوعيه بصعوبة، أومأت فورتونا له مرات عدة.
«نعم، نعم، صحيح، أنا. جيوس، لأراك بهذا الحال…»
«لا بأس… جسد من لحم سيفنى في يوم ما… الشخص الذي عهد إليَّ بهذا الجسد كان على علم بذلك بلا شك… الأهم، هل السيدة إميليا…؟»
«تركتها مع أرتشي… الحارس التالي، حتى تكون لديها فرصة للفرار. أنا واثقة أنهم بخير، بفضلك.»
«هل هذا كذلك…؟ هذا أمر… مطمئن جدًا.»
«—ليس هذا جيدًا على الإطلاق!!»
بينما أرخى جيوس ملامحه الدامية بارتياح، جاءت كلماته لتثير صوت ريغولوس الغاضب.
قام بتحطيم التربة المغطاة بالجليد، ودفع الضباب الأبيض بذراعيه، مظهرًا تعبيرًا غاضبًا. وشرع في تحريك رأسه بغضب، حيث استقر الحقد في عينيه، متجسدًا كما لم يكن من قبل.
«مَن تظنين نفسك، تعودين فجأة وتقومين بانتشاله هكذا دون سابق إنذار؟ كنت على وشك أن أسحق رأسه بقدمي الآن! بأي حق، وبإذن مَن ، تجرؤين على أن تتدخلي! معي… معي معي معي معي معي معي معي معي معي معي أنا؟!!»
في نوبة من الغضب، قرفص ريغولوس وغرس ذراعيه في الأرض، ثم رفعهما بعنف، متناثرًا بالتراب الطري نحو فورتونا وجيوس. بدا تصرفه أشبه بطفل صغير يلقي بنوبة غضب، يبعثر التراب حوله—
«لا! هذه الشظايا… يجب عليكِ أن تتجنبيها بالكامل…!»
«إيه؟»
تجاهلت فورتونا رشات التراب، محاولة تنقية المانا لتحضير هجوم مضاد، حين قام جيوس بدفعها نحو الأرض. اختار هذا التصرف عوضًا عن الدفاع أو الهجوم المضاد، فقد دفعها مباشرة نحو الأرض دون أن يكترث لكسر سقوطها— رفعت فورتونا صوتها، مستنكرة قرار جيوس… ثم رأت.
الرمال والحصى التي قذفها ريغولوس خلَّفت ثقوبًا لا تُعد ولا تُحصى في سطح الأرض.
كانت هذه الثقوب لا تُعد فعليًا، كآثار قطرات المطر على التربة المتشققة، فقد حفرت تلك الرمال الأرض بقوة اختراق هائلة لدرجة يصعب رؤية قعرها.
قوة الهجوم كانت جلية من نظرة واحدة إلى الأشجار الساقطة في محيطها؛ لقد تحولت إلى رقائق خشبية بسبب الثقوب الصغيرة التي غُرست فيها؛ جسد بشري يتعرض لنفس الهجوم لا شك أنه كان سيتحول إلى ضباب دموي.
كانت هذه قوة تدميرية تكاد لا تُصدق، والأكثر رعبًا—
«مهلًا الآن، لما قمتِ بتجنبها؟ فقط تقبليها وتحولي إلى لحم مفروم! هذا يشمل جيوس عديم الموهبة وتلك المرأة هناك! كنتُ لأقبل بضمك كزوجتي التاسعة والسبعين، فلمَ هذا التصرف الغبي، أليس كذلك؟ ها؟ ها؟!»
تذمر ريغولوس بصوتٍ عالٍ، ثم غرس ذراعيه مرة أخرى في سطح الأرض— كان بإمكانه تكرار هذا الهجوم.
لقد كان كائنًا لا تُصيبه أعظم التعويذات القاتلة ولكنه قادر على القتل بمجرد بعثرة بعض التراب والحصى. ورغم ذلك، كانت حالته العقلية غير ناضجة كطفل رضيع، يغرق في أنانية مدمرة لا يستطيع أحد الوصول إليها.
هذا الكائن الخطير، كطفل سيء التربية قد يعضُّ أي شخص حسب مزاجه، كان يتمتع بقوة توازي التنين— هذا ما استنتجته فورتونا وهي تقيِّم هذا الرجل الشرير أمامها.
«إذا كنتَ لا تحبذ فكرة انتزاع طرف واحد منك، سأنتزع الأطراف الأربعة جميعها! سأجعلك تندم على استهزائك بي… على استهزائك بالجشع!!»
«—تمهَّل، يا رئيس الأساقفة كورنياس.»
«آاه؟»
عندما كان ريغولوس على وشك استئناف هجماته، جاءت الفاتنة ذات الشعر البلاتيني تطلب منه الانتظار.
ظل ريغولوس في وضعيته، ينظر للخلف نحو باندورا. لا تزال عيناه لا مشبعتين بالغضب، ويبدو أن حتى باندورا، حليفته، قد تتعرض لهجمته.
ومع هذا النظرة الخطرة لا تزال في عينيه، تحدث ريغولوس إلى باندورا، وشفتيه ترتجفان.
«… ما الأمر، سيدتي باندورا؟ أنا الآن في خضم معاقبة هؤلاء السفهاء الذين يتعدون على حقوقي. ما الذي تريدينه مني؟ أيًا كان قصدك، اختاري كلماتك وأجيبي حالًا…!»
«أرجوك تمالك غضبك، يا رئيس الأساقفة كورنياس. لن أسمح لك بقتل أيٍ منهما هنا. ألا تشعر بشيء حين تنظر إليهما؟»
«…»
كانت كلمات باندورا غير متوقعة بالنسبة لفورتونا وجيوس على حدٍ سواء. لم يكن يُعقل أن تطلب هي، وهي عدوة لهما، من ريغولوس أن يعفو عن حياتهما.
ورغم ذلك، استجاب ريغولوس لكلماتها، متوقفًا عن الحركة. ثم نظر إلى فورتونا وجيوس، ليعود أخيرًا إلى باندورا.
«هل… أمرتِني لتوِّكِ بأن أتحكم في غضبي؟»
كان صوته هادئًا، خاليًا من أي مشاعر على ما يبدو. لكن هذا الهدوء تلاشى لحظة بعد ذلك.
«—لديكِ الجرأة لتتدخلي حيث لا يجب، أيتها المرأة!!!»
في هذا الوضع، حيث كان الجميع يحاول فرض إرادته، بلغ صبر ريغولوس القصير حده الأقصى وانفجر بأسوأ طريقة ممكنة.
ورغم أنهم كانوا على نفس الجانب، ورغم احترامه لمرؤوسه، ألقى ريغولوس الرمال نحو باندورا دون تردد، وكأنه نسي علاقتهم تمامًا.
كانت قوة شظايا الأرض هائلة. فقد اجتاحت الرمال التي بعثرها أي جزء من الغابة اعترض طريقها بقوة غاشمة، مهددةً الفتاة الجميلة— وهذه الفتاة، أسطورة الجمال، قطعة فنية حية، تحولت بوحشية إلى سحابة من الدم.
«—أأنتِ تمزحين معي.»
متذمرًا بصوتٍ عالٍ، غرس ريغولوس ذراعيه مجددًا في سطح الأرض— كان بإمكانه تكرار ذلك على التوالي.
دون حماية، وقد أمطرها التراب، تفتت جسد باندورا تاركًا فورتونا في حالة ذهول. كان رد فعلها طبيعيًا؛ فخصمها المكروه قد لقي حتفه مثل الكلاب على يد رفيقه السابق.
لم تكن لطبيعتها الخارقة أي جدوى، فقد كُتب على جسد الفتاة الميت أن يلتهم وسط غابة مدمرة.
«هذا ما يحدث لمَن يتجرأ على إساءة الكلام معي. لماذا لا يستطيع الناس أن يعاملوني بالاعتبار الذي يستحقه أي شخص؟ لا تعترضوا طريقي. لا تقاطعوني حين أتكلم. لا تعترضوا على ما أفعله. هل هذا مطلب صعب؟ هيه، أنتما هناك… ما رأيكما؟»
بعد أن قتل باندورا، ورغم أن الجنون الذي يسكن عينيه لم ينفد بعد، التفت ريغولوس نحو الاثنين الآخرين.
لم يكن هناك مجالٌ للتفكير بأن عدد أعدائهم قد نقص بواحد. ورغم أنهم لم يعودوا يواجهون عدوين جبارين، إلا أنهم لم يكونوا قادرين على التغلب على هذا المأزق دون وسيلة للتعامل مع خصمهم الذي يبدو منيعًا.
للمرة الثانية، تحمل ريغولوس هجمات فورتونا المفاجئة دون أن يصاب بأذى. كانت تكره أن تعترف بذلك، لكنها لم تستطع هزيمته— ولم يستطع جيوس أيضًا، وأي محاولة أخرى ستعرِّض حياته للخطر.
«لنحاول كسب الوقت كي تتمكن إميليا من الهرب…»
«في هذه الحالة… سيدتي فورتونا… اتركي الأمر لي…»
توصل جيوس إلى نفس الاستنتاج الذي توصلت إليه فورتونا، لكنه اختار طريقًا مختلفًا لتحقيق ذلك الهدف.
«مهما كلفني الأمر من دماء… حتى ينهار جسدي… سأشتري الوقت… لذا أرجوك، سيدتي فورتونا، اهربي…»
«لا تقول كلامًا سخيفًا.»
ردت فورتونا بصوت رقيق وهي تنظر إلى جيوس، الذي كان مستعدًا للتضحية بنفسه، وقد تراخت وجنتاها بابتسامة خفيفة.
على الرغم من خطورة الموقف، وجدت الأمر غريبًا ومشرفًا أن تكون قادرة على الابتسام هكذا.
«هل تطلب مني أن أتركك وأهرب؟ لو كنت سأفعل ذلك، لما عدت أصلًا. حتى أنني ودعت إميليا لأتمكن من العودة. كيف يمكنك أن تطلب مني الهرب الآن؟»
«لكن… لماذا إذًا عدتِ…؟ أنا…»
«—كي لا أدعك تموت… وإن كان لا بد أن تموت، فكي أكون إلى جانبك.»
حين التقت عينا فورتونا البنفسجيتان بعيني جيوس المليئتين بالدموع، اتسعت عينا جيوس، اللتان أضناهما النزيف.
ضمت فورتونا جيوس، الذي أصبح أخف وزنًا نتيجة فقدانه لذراع واحدة وكثير من الدماء، وضغطته بقوة إلى صدرها وهي تتحدث.
«ما الذي ينتظرني في عالم بدونك، في غابة لن تأتي إليها مجددًا؟ أنا أضعف من أن أعيش طويلًا في عالم لا تكون فيه.»
«أنتِ، ضعيفة…؟»
«أنا ضعيفة. كل ما فعلته هو التظاهر بالقوة من أجلك وأجل إميليا.»
رفعت فورتونا جيوس، ناظرةً إليه بوجه بدا وكأنه تحرر من كل الأعباء. ارتجف جيوس واتكأ على ذراعها طلبًا للدعم، واحتضنا بعضهما البعض وهما يتقدمان للأمام.
بينما نظر ريغولوس إلى الثنائي، أطلق تنهيدة تعبر عن اشمئزازه العميق.
«ليس فقط تتجاهلان سؤالي لفترة طويلة، بل الآن تبالغان في العواطف؟ أتساءل ما الذي قد تفكران فيه؟ ما معنى هذا؟ لقد أوضحت لكما تفوق قوتي وشرحت كل شيء بطرق سهلة الفهم، فلماذا تستمران في هذا التصرف؟ ماذا بحق تظنان؟»
«يا له من رجل مزعج وصاخب. متى ستفهم؟ بالنسبة لنا، هناك إجابة واحدة فقط.»
«أجـــــل، أعتقد ذلك…»
تبادلت فورتونا وجيوس نظراتهما، ونطقا بصوتين متناغمين ردًا على ريغولوس الغاضب.
««—منَ يعرفك ومَن يهتم؟ أحمق!»»
تداخل صوتاهما، ورفعت فورتونا إصبعها الأوسط في إشارة استخفاف إضافية.
بينما نطقا بتلك الكلمات اللاذعة معًا، جمعا قوتهما في تحدٍ أثار غضب ريغولوس، فتوهج وجهه بلون أحمر من شدة الغيظ.
«هذا يناسبني! سأحيلكما إلى برك من الدماء غير المميزة وأستخدمكما لتخصيب هذه الغابة القذرة—»
«—ألم أقل لك أن تنتظر، يا رئيس الأساقفة كورنياس؟»
من أجل مصلحتها، تدخلت باندورا للمرة الثالثة لتعيق ريغولوس— راقصةً بخفة في السماء، وضعت يدها النحيلة على رأس ريغولوس، مما دفع جسده المزعج للغوص في الأرض دون أي مقاومة ظاهرة. وفي لحظة، دُفن من أطراف قدميه حتى قمة رأسه.
وبينما حطت باندورا بجواره مباشرة، كان ريغولوس يحدق بها من الأسفل.
«مرةً تلو الأخرى… ما الذي يلزم لقتلك…؟!»
«أعفو عن أعمالك العنيفة، وأفعالك العنيفة، وكل ما فعلته. لقد أتممت بالفعل الغرض الذي جلبتك من أجله إلى هنا. يمكنك أن تذهب الآن.»
«بعد أن أحضرتني إلى هنا، تطلبين مني الرحيل الآن بعد أن أرضيتِ نفسك؟ كم تعتقدين أن بإمكانك السخرية مني…؟»
«أهذا غير مقبول إلى هذا الحد؟ إذًا سأعتني بالأمر. من المستحيل أن يكون رئيس الأساقفة كورنياس هنا. إنه يقضي وقته في قصره، محاطًا بزوجاته.»
«مـ-ما—»
وفي اللحظة التي ألقت فيها بذلك القول من طرف واحد، حاول ريغولوس أن يصرخ بشيء، لكنه اختفى فجأة عن الأنظار.
لم يكن الأمر أنه غاص في الأرض، بل إن حضوره بالكامل قد تلاشى فجأة. وفي الحقيقة، المكان الذي وقف فيه لم يظهر عليه أي أثر للدفن.
وكأنه، حينما قالت باندورا ”من المستحيل أن يكون هنا“، كانت كلماتها قد استُجيب لها من قِبل العالم نفسه.
«بطلبٍ مني، غادر المتطفل المسرح. الآن يمكننا أن نأخذ وقتنا للحديث، أليس كذلك؟»
«… قبل ذلك، هل لي أن أسألك شيئًا؟ يجب أن تكوني ميتة، وقد تحطمتِ إلى أشلاء، أليس كذلك؟»
وجهت فورتونا هذا السؤال إلى باندورا، التي ابتسمت برشاقة ووقفت هناك وكأن ذلك الأمر هو الأكثر طبيعية.
بالتأكيد، تلك الابتسامة، وذلك الجسد الرشيق، كانا قد تحولا إلى شظايا من اللحم الملطخ بالدماء وتبعثرت حول الغابة بأكملها.
ومع ذلك، اختفى المشهد المأساوي الذي كانت فورتونا واثقة أنها شهدته، وعادت الميتة إلى الحياة بطريقة غير طبيعية. أما فورتونا، التي لم تستطع إخفاء صدمتها، فقد أمالت باندورا رأسها نحوها برفق.
«ربما… أنتِ مخطئة في أمر ما؟»
«—!»
كلمات باندورا، التي نُطقت بدون خبث، جعلت فورتونا ترتجف بعمق.
رغم أن الأمر ليس كذلك، فإن العالم قد تغيَّر استجابةً لرأي باندورا. المشهد الذي رأته فورتونا بأم عينيها قد تم إنكاره، وأُعيد كتابة التاريخ بطريقة خارقة للطبيعة بمشهد لم تملك أي ذكرى له.
— لقد مُحيَت جثة، وعادت باندورا إلى الحياة. ريغولوس اختفى، ومعه كل أثر لوجوده.
لم تتوقف العواقب عند بقاء باندورا آمنة وسليمة، فقد اختفت الحفرة التي كان ريغولوس فيه الآن.
عندما أدركت فورتونا التأثيرات، كادت أن تطلق شهقة لا إرادية.
فتحت عينيها على وسعهما، وحركت أصابعها المرتجفة باتجاه جيوس، الذي كان على حافة الموت بلا شك— لقد شُفيت ذراعه المقطوعة، وكذلك جروحه العميقة في ساقيه.
«الأمر بسيط للغاية. بما أن رئيس الأساقفة كورنياس لم يكن هنا، فمن الطبيعي أن تتلاشى كل نتائج أفعاله. رغم ذلك، يمكنك اعتبار شفاء جروحك بادرة طيبة مني…»
«جـ-جيوس، تلك الذراع…»
«لا يوجد شيء خاطئ. جسدي… سليم، باستثناء ما يسكن داخله.»
«لم أذهب إلى حد محو حقيقة أنك استوعبت عامل الساحرة في نفسك. أود أن أثني على أفعالك وأفعال المرأة التي عادت من أجلك. أرجوكِ اعتبري هذا نوعًا من اللطف مني.»
شعر جيوس بالارتباك إزاء ابتسامة باندورا الأنيقة، رغم إدراكه بأن جسده قد شُفي.
سمعت فورتونا الكلمات من بعيد بينما شعرت بأن الأرض تتهاوى تحت قدميها.
كانت باندورا، عدوَّتها المكروهة، خصمًا لا يمكن لفورتونا مواجهته. كل ما حدث في الغابة في ذلك اليوم كان قد تجاوز خيال فورتونا الضئيل.
أو ربما، في تلك اللحظة، ستتلاشى كل الأحداث ببساطة في الهواء—
«سيدتي فورتونا، أرجوكِ تماسكي!»
«—! جيوس!»
بينما تهاوت عزيمتها، قام جيوس باستخدام يده اليمنى المستعادة ليمسك بخدَّها ويضغط عليه.
شعرت فورتونا بالدهشة من الألم، إذ كان جيوس يمسك كتفيها بكلتا يديه ويتابع حديثه.
«أنا متأكد أن لديكِ شكوكًا، ومتأكد أنكِ مرتبكة. ومع ذلك، فإن هذه الأشياء… يجب أن تُترك لوقت آخر. الأهم الآن… هو أن نفعل ما بوسعنا لأجل السيدة إميليا!»
شيئًا فشيئًا، أعاد توسل جيوس المُلِحُّ الحياة إلى روح فورتونا المنطفئة.
نعم. كان الأمر تمامًا كما قال جيوس. كانت تشعر بالخوف من هذا العدو الغامض وما قد يفعله. ولكن بالتأكيد، كانت تعلم بالفعل أكثر الأمور إثارةً للرعب—
— إذا كانت أهداف هذه المرأة تتعلق بابنتها العزيزة والحبيبة…
«بغض النظر عمَّا حدث، لا يهمني. الآن—!»
«يقع على عاتقنا نحن الاثنين إسقاطها! فإذا انهزمت، فإن الجنود المعتدين على الغابة سيتراجعون بلا شك! —سوف ننقذ السيدة إميليا!»
كلمات جيوس، ومشاعرها نحو ابنتها الحبيبة، جعلت كره فورتونا الداخلي يشتعل بشدة،
كانت قد استسلمت سابقًا لفكرة أنها لن ترى إميليا مرة أخرى، وحتى اللحظة السابقة، كانت عازمة على المضي في هذا القرار.
ولكن الآن، دقَّت آمالها وطموحاتها في صدرها بقوة.
سوف تنقذ إميليا. سوف تعود إلى إميليا. وسوف تكون مجددًا مع جيوس وإميليا معًا—
«—أيها الجليد العتيق الغامض، شديد البرودة، أبيض لدرجة تجعل الزمن يرتجف، جليد عظيمٌ تسكن فيه الروح للأبد.»
دارت المانا التي جمعتها لإسقاط ريغولوس حولها، تبحث عن مكان للانفجار. أعطت تلك الطاقة الكامنة شكلًا، هدفًا، ودورًا؛ لتتشكلَ مستعدة لتجميد العالم.
السماء والهواء أنفسهما أصدرا أنينًا، مولدين رماحًا من الجليد ضخمةً بحيث يمكن لعملاقٍ أن يستخدمها.
كانت أطراف تلك الرماح، التي تجاوزت العشرة، تشير إلى خصمها كأنها باقة من الزهور تدعو الخصم للانشطار والراحة في قبر جليدي أبدي.
«حياتي، واجبي، حبي… لأجلهم جميعًا، أنا…!»
إلى جانب فورتونا، كان جيوس يحتضن كتفيه بكلتا يديه، بينما لفظ تلك الكلمات المملوءة بالعزم الدموي.
تدفقت قوته تحت ردائه الممزق، وجسده المستعاد بدأ في التدهور مجددًا. انفجرت الدماء، تشققت العظام، وتلاشت الحياة.
رأت باندورا عزم الثنائي، فلم تزد على أن فتحت ذراعيها على اتساعهما، متوردتَ الخدين.
«تعالوا، إذًا— دعوني أذوق احتضان صمودكما حتى النهاية المريرة.»
بهدف تمزيق تلك الابتسامة عن وجهها، تسببت قوتهما في ارتجاف العالم.
ثم—
《٥》
—كانت قد تجاوزت منذ فترة طويلة الزهور البيضاء التي أشار إليها أرتشي.
ومع ذلك، لم تتوقف ساقاها عن الحركة. أُمرَت بألا تتوقف عن الركض، فاستمرت في تنفيذ ما طُلِب منها.
تسارع نَفَسُها. كانت إميليا تمدُّ خطواتها الصغيرة بجدية، وتركض بكل طاقتها عبر الغابة.
«أوه… آآآه!»
هزَّت رأسها. دموعها سالت على وجنتيها، بينما تحاول كبح شهقة كانت على وشك الخروج من زاوية فمها.
ما الذي كان يحدث الآن؟ ولماذا كان كل ذلك يحدث فجأة؟
من المحتمل أن الجميع كانوا على علم بأمرٍ ما تجهله هي.
لم تكن تعرف شيئًا عن ما يجب أن تفعله. أحقًا لا يوجد شيء يمكنها القيام به؟
مَن الذي كان يضايق فورتونا وجيوس وأرتشي؟ ما الذي يتوجب عليها فعله لتستعيدهم؟ ما الذي كانوا يسعون إليه—؟
«الـ…ـخـتـم…»
هناك، في المكان الذي افترقت فيه عن جيوس، كانت الفتاة ذات الجمال المرعب قد نطقت بتلك الكلمة. ألم يذكر كلٌ من فورتونا وأرتشي الختم نفسه؟
«…»
أُمرت بأن تستمر في الركض، لكنَّها توقفت فجأة. حتى إن نظرت خلفها، فقد ابتعدت بالفعل عن المكان الذي كان أرتشي فيه. لم تتمكن من رؤيته، ولا حتى رؤية فورتونا أو جيوس.
«لكن… إذا-إذا لم أفعل… شـ…ـيئًا…»
إذا كان الختم مرتبطًا بأولئك الذين اقتحموا الغابة، فقد عرفت إميليا إلى أين يجب أن تذهب. إن كان الجميع يتألمون بسبب شيء كهذا—
—إذا كانوا يريدون ذلك الشيء، فلم لا تعطيه لهم فحسب؟
لم تكن تعرف كيفية فتح الباب. لم تفهم المعنى الحقيقي وراء الختم. لم تعلم إن كان ذلك سيغير شيئًا للأفضل. لكن كلمة الختم وحدها كانت كافية.
لم يكن دافع الفتاة الصغيرة إلى التحرك رغبةً منها في إثبات قدرتها، بل كان الأمل-الأمل بأن الذهاب إلى هناك قد يغيِّر شيئًا، ذلك الأمل الذي دفعها للتحرك.
«إذا ذهبتُ إلى ذلك المكان… آااه، لكن…»
وهكذا، قررت إميليا الركض، لكنها ترددت قبل أن تخطو الخطوة الأولى. لقد ركضت كثيرًا دون هدف محدد. الآن، هذه الغابة -الغابة التي نشأت فيها- أصبحت مكانًا غريبًا عليها. فقدت الطريق المؤدي إلى الختم، وإلى المستوطنة، وحتى إلى مواقع والدتها وجيوس.
«أه، هوو…!»
إزاء عجزها البائس، لم تستطع إميليا الصغيرة أن تكتم شهقاتها بعد الآن.
مع أنها كانت تملك شيئًا يجب عليها القيام به، إلا أنها تفتقر للقوة اللازمة لتحقيقه. لم تكن والدتها هنا لتنقذها في هذه اللحظة الحرجة. كانت تحتاج لأن تفعل شيئًا من أجل تلك الأم ذاتها، ورغم ذلك…
—وفي تلك اللحظة، دفعت مشاعر إميليا الصادقة والمخلصة ذلك الكائن الذي كان يراقب روحها الشجاعة الصغيرة للتحرك.
عندما مسحت إميليا دموعها المتدفقة بيدها، اتسعت عيناها عندما لاح أمامها فجأة ضوء خافت. وحين رفعت وجهها، رأت جسدها محاطًا بأضواء متوهجة لا حصر لها.
«جنِّية…؟»
نادت إميليا على الجنيات، تلك الكائنات الخارقة التي أطلقت عليهما فورتونا وجيوس اسم الأرواح الصغرى. لم يكن لديهم كلمات، ومع ذلك استجابوا لإرادة إميليا، متحركين برفق نحو أعماق الغابة—
وبعد لحظة، أدركت إميليا نية الأضواء الفسفورية التي كانت تومض وكأنها ترشدها.
«ستدلونني على الطريق…؟»
لم يأتِها رد. الأرواح الصغرى شكَّل فقط دربًا من الضوء يقودها نحو أعماق الغابة.
«إذا تبعت هذا الطريق، سأصل إلى الختم؟ وسأتمكن من إنقاذ أمي والجميع…؟»
زاد توهُّج درب الضوء. مسحت إميليا دموعها بكل ما أوتيت من قوة.
لم يكن بوسعها البقاء هناك تبكي للأبد. لديها والدتها وجيوس وأشخاص آخرون لتُنقذهم، وعندما انهارت بالبكاء، جاءت الجنيات لمساعدتها. كيف لها أن تظلَّ منكِّسة الرأس؟
«نعم… نعم، نعم!»
أومأت برأسها شاكرةً ومصممة، وانطلقت إميليا تركض، متَّبعةً ذلك الشريط من الضوء. تتبعت المسار اللامع الذي صنعته الأضواء الفسفورية، مؤمنةً أنه الأمل الوحيد الذي يمكنها التعلق به.
تجاوزت الحفر، وتسلقَّت المنحدرات، وقلَّصت من حجم جسدها بينما كانت تركض بين الأشجار الكثيفة المتراصة.
كانت هناك مسارات عديدة يمكن للأرواح الصغرى المرور منها، ولكن لم يكن بوسع إميليا ذلك. تعثَّرت، وتعرَّض خدها للخدوش من فروع الأشجار، وسقطت، ثم بصقت التراب من فمها قبل أن تنهض مرة أخرى.
«هاه… هاه…!»
ألمت رئتيها. سائل يسيل من أنفها، مسحت وجهها المبلل بالدموع والمُتَّسخ بالطين، غاضبة من جراح ركبتيها المتورمتين، بينما استمرت في الركض.
مع نقص الأوكسجين، بدأت رؤيتها تتلاشى، وشعرت وكأنها في حلم يقظة، بينما بدأت ذكريات تفيض في ذهنها.
تذكرت إميليا كل اللحظات التي أمضتها في تلك الغابة، في تلك المستوطنة، حيث كانت محبوبة كما هي.
—تذكرت حب فورتونا.
تذكرت أيامًا كانت تُوبَّخ فيها. تذكرت بكاءها واعتذارها، وفورتونا التي قضت الليل بأكمله وهي تضمها بين ذراعيها، وتستمر في مداعبة رأسها حتى الصباح، وكأنها لا ترغب في أن تستيقظ إميليا وحدها.
لم تكن فورتونا تدللها، وكانت صارمة، لكنها أيضًا منحتها أشياءً ثمينة للغاية. على الرغم من قولها الدائم بأنها ليست أمَّها الحقيقية، إلا أن فورتونا كانت أمَّها، أمَّها الأولى والأهم.
—تذكرت كيف كان أرتشي وكل شخص في المستوطنة طيبين معها ومع والدتها.
كانت تفهم أن هناك مسافة صغيرة تفصل بينهم. كانوا مترددين، غير متأكدين تمامًا من كيفية التعامل معها. لكن الجميع كانوا دائمًا لطيفين معها، ولم يؤذوا إميليا أو فورتونا أبدًا. حتى غرفة الأميرة كانت شيئًا عمل الجميع بجد لتحسينه حتى تشعر إميليا براحة أكبر. ورغم صعوبة التواجد في ذلك المكان، إلا أنها أحبته على أية حال.
—تذكرت كراهيتها الشديدة لجيوس.
كان مرتبطًا بأسرار يخفيها الكبار، وأخذ الابتسامة التي كانت تخص إميليا وحدها، لذا ظنَّت أنها لن تستطيع مسامحته أبدًا.
ومع ذلك، عندما التقيا بالصدفة، بكى في اللحظة التي وقعت فيها عيناه على إميليا. بكى وبكى، سعيدًا لرؤيتها، وهكذا سامحته إميليا.
ففي النهاية، كانت تلك دموع طيبة. وتذكرت كيف هدئتها فورتونا عندما ضمتها، فقامت بمداعبة رأس جيوس، ورغبت في البقاء بجانبه حتى لا يشعر ذلك الطفل الباكي بالوحدة.
كانت تعتقد أنه ضعيف للغاية، وكانت ترى أنها لا تستطيع تركه وحيدًا.
—تذكرت كم كانت تحبهم جميعًا.
فورتونا، جيوس، أرتشي، الجميع… كانوا أشخاصًا غاليين على قلب إميليا، وكانوا أغلى الناس لديها.
«أستطيع… إنقاذ الجميع…!»
أرادت أن تنام مجددًا في السرير بجوار فورتونا.
أرادت أن تدعو أرتشي والجميع إلى غرفة الأميرة في المرة القادمة.
وأرادت أن تدوس بكل قوتها على قدم ذلك الطفل الباكي، جيوس، ليعرف حدوده.
أرادت أن تلتقي بالجميع مجددًا.
«سأكون فتاةً جيدة، لذا…»
وقد امتلأت عيناها بالدموع، تجاوزت فروع الأشجار المعتادة في الغابة المألوفة، متوقفة عند النقطة التي تحولت فيها الغابة إلى بياضٍ نقي. كان أنفاسها متقطعة ووجهها محمرًا عندما وصلت أخيرًا إلى الختم الذي كانت تبحث عنه—
«—مرحبًا. كنت بانتظارك.»
الفتاة ذات الشعر البلاتيني كانت واقفة أمام الختم، وذراعاها مفتوحتان، وكأنها ترحب بقدوم إميليا.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.