تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصلvol.14

4 - التجمد الأبدي لغابة إليور العظيمة.

المشاهدات 123 نشر في تاريخ يناير 3, 2025
Sins ReZero
ترجمة ورفع الفصل Sins ReZero
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

《١》

 

—في ذلك المشهد الخيالي، حيث تلوَّنت كل الأشياء بالبياض النقي، وقفت فتاة جميلة ترتدي قطعة قماش واحدة فقط.

 

بدا وكأن فنانًا قد باع ليس روحه فحسب، بل أرواح آخرين كُثر، بعد أن أبرم اتفاقًا مع شيطان ما ليبلغ قمة الرسم لأول مرة.

 

«أنا سعيدة للغاية لأنني وجدتك. لقد عثرت على الختم أخيرًا، لكنني لم أكن أعلم أين المفتاح. لكن بما أنني عثرت عليكِ، أشعر بارتياح عميق.»

 

«لماذا… أنتِ هنا…؟»

 

الابتسامة التي علت وجه الفتاة -باندورا- كانت كعطر يتلاعب بالحياة ذاتها. بدا صوت إميليا مرتجفًا وهي تسأل هذه الفتاة التي تملك حضورًا غريبًا إلى حد غير طبيعي. ردَّت باندورا بوضع كفيها أمامها، مبتسمةً ابتسامة واسعة كما لو كانت ستكشف سرًا في مشهد ختامي عظيم.

 

«تيي-هيي أليست مفاجأة؟ الأمر بسيط جدًا في الواقع. هذا الختم هو هدفنا. لقد أتينا للبحث عنه… لذا، كان وجودي هنا أمرًا محتومًا.»

 

الجواب الذي قدمته باندورا لم يكن ما تسعى إميليا إلى معرفته.

 

حاولت إميليا أن تسأل كيف تمكنت باندورا من الوصول إلى هنا. فقد كانت آخر مرة رأتها فيها حينما كان جيوس يمنع ذلك الكيان الأبيض الغريب من الذهاب لأي مكان.

 

«لماذا… أنتِ هنا…؟»

 

«—؟ آااه، أنا آسفة. قدَّمت إجابة غريبة، أليس كذلك؟ ما تريدين معرفته يتعلق برئيس الأساقفة روماني كونتي ووالدتك، أليس كذلك؟»

 

«—!»

 

فهم باندورا المتأخر جعل إميليا تطحن أسنانها بصوت مسموع.

 

كانت تحتاج إلى إجابة صحيحة على سؤالها الصحيح. أرادت أن تسأل. أرادت أن تعرف. لكن في نفس الوقت، كانت مترددة. ففي النهاية، إذا كانت باندورا هنا، ماذا حدث لجيوس؟

 

«أرجوكِ اطمئني.»

 

للتخفيف من معاناة إميليا الصغيرة، بدأت باندورا حديثها بتلك العبارة، وابتسامتها الساحرة تعمقت. وظهرت في ملامحها اعتبارات بسيطة، وكأنها تريد محو الغم من وجه إميليا.

 

«رئيس الأساقفة روماني كونتي ووالدتكِ، اللذان تقلقين بشأنهما، كلاهما بخير وسلامة.»

 

«حقًّا…؟»

 

«نعم، حقًّا— أنا وتابعيني نحاول تجنب إلحاق الأذى بأي أحد بقدر الإمكان. كما قلتُ لكِ سابقًا، هذا الختم هو هدفنا. ليس من الضروري التضحية بأي شخص من أجله.»

 

كلمات باندورا المتدفقة، والتي قيلت بألطف طريقة ممكنة، أذابت ببطء قلق وتوتر إميليا. تسلَّل شعور الراحة إلى صدرها شيئًا فشيئًا.

 

إن كان بإمكانها أن تصدق باندورا، فإن فورتونا وجيوس بخير، وربما لم تسر الأمور في الغابة كما توقعت بطريقة سيئة. إذا كان هذا صحيحًا—

 

«عندما تنتهين من التعامل مع الختم، ستغادرين…؟»

 

«…»

 

«بـ-بمجرد انتهائكِ من التعامل مع الـ-الختْم، ستغادرين الغابة؟ ستغادرين دون أن تفعلي شيئًا سيئًا للجميع؟»

 

«—نعم، بالطبع. ليس من رغبتي أن تكون هناك خسائر غير ضرورية.»

 

استجابةً لتوسل إميليا المتعثِّر، وعدتها باندورا، منحنيةً رأسها بانحناءة عميقة.

 

بعد ذلك، أشارت باندورا إلى الباب المختوم، مما دفع إميليا التي كانت تغالب دموعها إلى الميل برأسها بتساؤل.

 

«إذًا، هل تكرمينني بتسليم المفتاح؟ فور انتهائي من عملي، سأنسحب من هذه الغابة على الفور.»

 

«مـ-مفتاح…؟»

 

«نعم، المفتاح. هذا الختم يأخذ شكل باب لأنه لا يمكن فتحه دون المفتاح. ومن المؤكد أن المفتاح بحوزتك.»

 

«لا أعلم شيئًا عن ذلك…»

 

عندما أطلقت باندورا هذا التأكيد الصارم، هزَّت إميليا رأسها نافيه. في الواقع، ليس لديها أي ذكرى عن شيء كهذا. لم تتذكر أنها حملت شيئًا مثل المفتاح، وفوق ذلك، كان الختم ذاته سرًا لم تُطلع عليه. لم تستطع أن تتصور بأي حال من الأحوال أن يكون بحوزتها مفتاح لختم لم تعرف بوجوده إلا مؤخرًا. ومع ذلك—

 

«لا أعتبر إخفاء الأمر عني أمرًا حكيمًا جدًا.»

 

«أ-أنتِ مخطئة…!! حقًا— أنا حقًا لا أعلم! لا أملك أي شيء مثل المفتاح! لم يعطني أحد مفتاحًا! لا أستطيع فتح هذا الختم!»

 

«حقًا؟ —إذًا، سأضطر للبحث في كل زاوية من زوايا الغابة للعثور على المفتاح.»

 

بدا وكأن باندورا أصابها خيبة أمل من رد إميليا، فانخفضت عيناها، معبرةً عن حزن عميق.

 

كلماتها وحركاتها جعلت جسد إميليا يرتعش. بدت باندورا متعاطفة بصدق تجاه إميليا. لكن بغض النظر عن مشاعرها، كانت بلا شك تنوي ”التفتيش“ في الغابة وأهلها حتى تحصل على ما تريد.

 

كانت إميليا، وعلى نحو غريزي، تدرك أن باندورا قادرة تمامًا على تنفيذ تهديدها، وحاولت يائسةً أن تفكر في شيء.

 

«سـ-سأفتح الباب! سأفتح الباب!!»

 

«أووه، حقًا؟ أنا سعيدة جدًا. يبدو حقًا أن المفتاح بحوزتك، أليس كذلك؟»

 

عندما رفعت إميليا صوتها، وقد انتشر الخوف في داخلها، أشرق وجه باندورا كطلوع الشمس. دون أن تلاحظ كيف أن هذا التغيير المفاجئ أثار خوف الفتاة الصغيرة، استمرت باندورا.

 

«بالطبع لديكِ المفتاح. لا بد أنك تملكينه— فأيًا كان مظهرك، تظلين ابنة ساحرة.»

 

«ساحرة…؟»

 

«والآن، تفضلي بفتح الختم. إذا فتحتِ هذا الباب، فسأغادر على الفور.»

 

ارتسمت الفرحة على وجه باندورا، وكأنها بالكاد تستطيع كبح نفاد صبرها وهي تترك المسرح لإميليا.

 

رغم أن كلمات باندورا أقلقتها، اقتربت إميليا من الباب بدلًا عنها. كان مغلقًا بإحكام وطويلًا لدرجة أنها اضطرت إلى رفع رأسها لرؤية قمته، وشعرت بأنه ثقيل وكأنه يُلقي بثقله عليها.

 

«…»

 

لقد قالت بالفعل إنها ستفتحه، وها هي واقفة أمام الباب.

 

ولكن، ليس لديها أدنى فكرة عن كيفية فتحه.

 

في المرة الوحيدة التي حاولت فيها التحقق من الختم، جربت تجاوزه. مهما حاولت الدفع أو السحب أو حتى التسلق عليه، لم يتحرك الباب قط. ولن يتغير شيء الآن.

 

ظل الباب، باردًا كالثلج، يرفض بلا حراك وبلا مشاعر راحة يد إميليا الصغيرة.

 

«ها! …هااا… ها!… آه.»

 

بدأ قلبها ينبض بسرعة غير طبيعية، وسمعت صوت تدفق الدم في رأسها. اشتعلت حرارة داخل صدرها، بينما شعرت ببرودة تتسلل إلى أعماق بطنها. كان قلبها، الذي يقفز بجنون، يكاد يخرج من فمها، ومع ذلك، كانت أطراف أصابعها ثقيلة، وكأنها ممتلئة بالرصاص. رغم أنها أرادت تحريكها بكل ما أوتيت من قوة، لم تستجب لها.

 

—إن لم تفتح هذا الباب، سيحدث شيء فظيع للجميع، كانت متأكدة من ذلك.

 

بينما تملَّكها الخوف واليأس وجعل عقلها خاويًا، بدأت وعيها يبتعد شيئًا فشيئًا—

 

«—فكِّري بنفسكِ كأنكِ المفتاح.»

 

عندما سعت إميليا للتمسُّك بأي شيء، تسللت تلك الكلمات إلى مسامعها بهدوء.

 

—أنا… المفتاح.

 

أطاعت إميليا ذاك الصوت، فاستقرت أفكارها على إجابة واحدة.

 

في تلك اللحظة، شعرت بشيء ثقيل في راحة يدها التي لمست بها الباب. نظرت إلى يدها، لتجد مفتاحًا فضيًا قديمًا وكبيرًا ظهر بين أصابعها دون أن تعرف من أين أتى.

 

«أترينه؟ إذًا، أنتِ المفتاح بالفعل.»

 

وقفت باندورا بجوار إميليا همست. جاءت كلماتها بردَّة فعل خافتة من إميليا، ولكنها أدركت أن الفتاة لا تستطيع رؤية المفتاح بنفسها.

 

«ألا ترينه…؟»

 

«—. لا، لا أراه. هذا المفتاح لا يمكن أن يُعهد به لمَن لا يملك المؤهلات اللازمة. ربما يوجد شخصان فقط في هذا العالم يمكنهما حيازة هذا المفتاح.»

 

عندما تمتمت باندورا وهي تبدو عليها نظرة حسد، لاحظت إميليا لأول مرة شيئًا شبيهًا بالعاطفة في عينيها. لكنَّ ما أظهرته باندورا في تلك اللحظة كان بلا مغزى بالنسبة لإميليا، فرفعت وجهها وتوجهت نحو الباب.

 

بالتأكيد، المفتاح في يدها سيتطابق مع ثقب القفل في وسط الباب.

 

كان هذا الأمر واضحًا لإميليا دون الحاجة للتجربة. على نحوٍ غامض، شعرت يدها بأنها مألوفة مع المفتاح، كأنه مفتاح قد تستخدمه لفتح باب غرفتها الخاصة.

 

«الآن، افتحيه. افعلي هذا، وستتحقق أُمنيتكِ.»

 

عندما وصلت إليها كلمات باندورا من مكان ما، خطت إميليا خطوة واحدة إلى الأمام.

 

إذا وضعت المفتاح في ثقب القفل وأرادت بصدق أن ”يفتح“، فسيُفتح حينها. هذا كل ما كان يلزم لتحرير الختم من مهمته الطويلة والطويلة حقًا.

 

إذا فعلت ذلك، فبالتأكيد سينجو جيوس وفورتونا والجميع في الغابة… ومع ذلك—

 

إميليا— أعدكِ.

 

بينما كانت تهمُّ بلمس الختم، ترددت في ذهنها الكلمات التي همست بها والدتها عند فراقهما.

 

كانت كلمات تبادلوها في وعد لا علاقة له بهذا الختم. ومع ذلك، تذكرت إميليا. تذكرت أن والدتها وعدتها بحمايتها.

 

لم تكن تعرف شيئًا عن هذا الختم، وقد وعدت من قبل بألا تذهب إلى هذا المكان.

 

لم تكن تعرف هذا المكان، وليس من المفترض أن تعرفه. ليس من المفترض أن يكون لها أي علاقة به على الإطلاق.

 

لقد قطعت وعدًا مع فورتونا، وعليها أن تضع الحفاظ على وعودها فوق كل شيء. فالوعد خلقٌ للثقة، ولا يمكنها أن تخون تلك المشاعر.

 

إذا أصبحت فتاة سيئة، لن يغفر أحد لإميليا بعد الآن. ستصبح غير قابلة للغفران.

 

لذلك، فتح الختم يعني كسر الوعد.

 

«أ-أنا لا أستطيع فتحه…»

 

«—لماذا؟»

 

عندما هزَّت إميليا رأسها بتردد، تكلمت باندورا باختصار، وصوتها كان حازمًا لأول مرة.

 

لم تلاحظ إميليا تغير نبرة صوتها، وهزَّت رأسها بتردد أكبر.

 

«لقد… لقد قطعت وعدًا. لا أعلم شيئًا عن الختم، ويجب ألا أفتحه.»

 

«أحقًا؟ الوعود مهمة، أليس كذلك؟ أعتقد أن محاولتكِ للتمسك بها تُظهر الكثير من البرِّ وتستحق التقدير. لكن، لكل شيء زمان ومكان.»

 

برفق، احتضنت باندورا إميليا من الخلف. ارتجفت إميليا بين ذراعي باندورا الرقيقتين والجميلتين، شاعرة بدفء لا يشبه دفء والدتها.

 

«لقد قطعتِ هذا الوعد مع والدتكِ، أليس كذلك؟ والدتكِ شخصٌ يستحق التقدير حقًا. لقد ربتكِ على الفضيلة والصلاح. هذه الطموحات يجب أن تُقدَّر.»

 

«إذً-إذًا…»

 

«لكن أحيانًا، يحين الوقت الذي يتوجب عليكِ فيه اتخاذ قرارٍ بكسر الوعد. ربما يكون من القسوة أن يُطلب هذا من طفلة صغيرة. ولكن القدر لا يأبه بالظروف الشخصية. ما يعشقه القدر أكثر شيء هو النضال ضد التيارات واحتضان الأمل مهما كان الثمن. ما نوع الأمل الذي تسعين إليه؟»

 

«ما نوع…؟»

 

بينما تحدثت إميليا بصوتٍ متهدج، أجابت باندورا ”نعم“، مبتسمةً كأمٍ رحيمة وهي تهز رأسها.

 

«إحدى الخيارات هي الأمل الذي يكمن في الحفاظ على الوعد بينكِ وبين والدتكِ، فلا تفتحي الختم، مما يجعلنا أعداءً، ولكنكِ تتجاوزين هذه المحن رغم ذلك.»

 

رفعت باندورا يدها اليمنى لتشير إلى ذلك الأمل الخفي.

 

«أما الخيار الآخر، فهو الأمل الذي تكمن فيه بتحدي وعد والدتكِ وفتح الختم، فنحقق معًا أهدافنا ونختتم هذه القضية بسلام.»

 

ثم رفعت يدها اليسرى، مقدمةً لإميليا خيار الأمل الآخر الخفي.

 

«…»

 

بينما عُرض عليها هذين الخيارين، تجمدت إميليا، عاجزة عن رفع صوتها.

 

حلقها بدا متجمدًا حتى أنها لم تعد تعرف كيف تتنفس. إذا قالت شيئًا طائشًا، فهل ستسحب باندورا يديها في تلك اللحظة بالذات؟

 

هل ستفقد إميليا كلا الخيارين دون أن تقترب من لمس أيٍ منهما؟

 

«أي نوع من الأمل ستختارين؟ —مصيركِ يعتمد عليه.»

 

—الأمل في اليد اليمنى. الأمل في اليد اليسرى.

 

—اختيار الأمل الذي يحافظ على وعدها. اختيار الأمل الذي يكسر وعدها.

 

كان الصوت العذب الآسر يذيب عقلها. لقد أغراها اللحن اللطيف الذي تسللت منه حجج باندورا، وأسَرَ روحها.

 

في تلك اللحظة، لم تعد تسمع ضربات قلبها التي كانت صاخبة من قبل.

 

اختفى كل صوت من العالم. حتى الألوان تم محوها، تاركةً إميليا ضائعة ووحيدة.

 

لم تستطع حتى سماع ضربات قلبها، ولم يتبق سوى وعيها الصافي.

 

لم تستطع أن تختار. لم تستطع الاختيار. لم تستطع، لم تستطع، لم تستطع لم تستطع لم تستطع لم تستطع لم تستطع لم تستطع لم تستطع.

 

ما هو الخيار الصائب؟ ماذا يجب أن تفعل لإنقاذ الجميع؟ ماذا عليها أن تفعل لتقديم المساعدة؟ كانت تريد من أحدهم، أي أحد، أن يخبرها.

 

الأمل، الخلاص، تعاليم والدتها—

 

«—آه.»

 

«—إذًا، قد اتخذتِ قراركِ. هذا هو خياركِ، أليس كذلك؟»

 

بينما كانت أفكارها مشتعلة بعنف ورؤيتها ضبابية أشبه بسحابة باهتة، سمعت صوت باندورا. بنظرة مليئة بالرقة، نظرت باندورا إلى اليد التي مدت إليها إميليا كفها الصغير.

 

—لقد لمست إميليا يد باندورا اليمنى.

 

اختارت الأمل الذي لا يكسر وعدها، الأمل الذي لا يفتح الختم، الأمل الذي لا ينقذ أحدًا.

 

«لقد… قطعت وعدًا مع أمي. عليَّ أن أحافظ على وعودي… يجب أن أفعل ذلك، لذا… أمــي…»

 

«لقد وثقتِ في كلمات والدتكِ التي ربتكِ حتى النهاية. وفي نهاية صراعكِ، هذا هو الجواب الذي توصلتِ إليه، والخاتمة التي توصلت إليها روحكِ. وأنا أحترم ذلك.»

 

بينما كانت دموع إميليا تتدفق باستمرار، هزت باندورا رأسها كما لو كانت تتقبل الأمر.

 

ثم بهدوء أبعدت يد إميليا التي كانت تلامس يدها اليمنى، وهي تحدق في الفتاة الصغيرة بعينين ملؤهما العطف.

 

لو أرادت باندورا، لتمكنت من إجبار إميليا، حاملة المفتاح، على فتح الباب. لكن عدم إظهارها لأي نية لفعل ذلك كان يعني أن هناك بقايا من الخير الملموس داخل باندورا.

 

وإن كان ذلك صحيحًا، فإذًا —

 

«—ولكن، أرجو منكِ أن تحترمي القرار الذي اتخذته لأعلمكِ كيفية فتح هذا الباب.»

 

كان ذلك تعبيرًا عن خيرها الزائف. لم تتردد في تدمير كل شيء لا تراه ذا قيمة أو يستحق الاحترام.

 

«—ها؟»

 

بذهول، تسرب صوت إميليا نحو باندورا التي كانت تبتسم. لكن إميليا لاحظت أن باندورا كانت تنظر إلى الغابة خلفها وليس إليها. ومن بين الأشجار البيضاء، انطلقت شخصية وحيدة، تتقدم نحوهما بسرعة—

 

«—باندوووراااا!!»

 

صاحت امرأة ذات شعر فضي قصير، ملطخة بالدماء من المعارك، وكانت عيناها متوقدتين بشراسة لا تُصدق، كانت تلك فورتونا. يا ترى، إلى أي مدى كانت المعارك التي خاضتها عنيفة بعد عودتها إلى الغابة؟ ظهرت فورتونا وقد أصابتها الجروح في كل مكان، ومع ذلك، لم يخمد بريق العزم في عينيها وهي تطلق قوة سحرية هائلة لتطعن باندورا.

 

بدا كأن الهواء يتصدع بينما ظهرت رماح جليدية طويلة وعظيمة حول فورتونا. انطلقت بسرعة تفوق السهام، موجهة نحو باندورا مباشرة.

 

«تلقِّي هذا—!!»

 

«إطلاق هجوم دون النظر حولكِ أولًا أمرٌ خطير للغاية.»

 

بهدوء، تقدمت باندورا لتقف أمام إميليا كما لو كانت تحميها. وفي اللحظة التالية، اخترق رمح جليدي صدرها، ثم تتابعت الرماح الأخرى لتخترق وركيها وذراعيها وساقيها، وأخيرًا جاء المقذوف الأخير ليقطع رأسها.

 

«—آآآه!»

 

أمام عينيها، شاهدت إميليا مشهد الموت القاسي هذا، فأطلقت صرخة حادة. ومع سقوط جثة باندورا التي فقدت رأسها إلى الخلف، سقطت إميليا تحت ثقلها.

 

تجربة لا تُصدق، إذ وجدت إميليا نفسها محبوسة تحت جثة بلا رأس، مما جعلها تصرخ بصوت طويل وعالٍ.

 

«…إميليا؟»

 

عادت فورتونا إلى رشدها بعدما سمعت صرخة إميليا، ودعت بحب اسم ابنتها العزيزة. كانت عيناها البنفسجيتان تعبران عن دهشة أكثر من الإنجاز بعد قتل عدوها المميت، فقد تفاجأت بوجود إميليا في مكان ليس من المفترض أن تكون فيه. هرعت فورتونا نحو إميليا.

 

«لماذا أنتِ هنا، إميليا؟ كان يجب عليكِ مغادرة الغابة…»

 

«أليس من الظلم أن تسألي عن السبب؟ هذه الفتاة كانت تفكر بكِ، والدتها، وهي تتقدم بسرعة نحوكِ دون أي تفكير سوى إنقاذكِ. إن لم تتمكن الأم من احترام وتقدير نقاء تلك الأفكار، فإلى أي حال سيؤول العالم؟»

 

«—!»

 

ترددت فورتونا بينما كانت باندورا بجانبها ترفع حاجبيها في ملامح توبيخ واضحة.

 

تسارعت أنفاس كلاهما، حيث اتسعت عينا فورتونا بسبب ما حدث، واتسعت عينا إميليا لأن الجثة التي كان من المفترض أن تكون ميتة اختفت أمام عينيها.

 

«وحينما تتخذان نفس التعبير، تبدوان حقًا متشابهتين. هكذا هي الأم وابنتها.»

 

«—! أنا لست والدة إميليا! إنها زوجة أخي التي تشبهها إميليا!»

 

«آااه، تلك. لقد كان من الوقاحة مني ذلك، أعذريني.»

 

أطلقت فورتونا صرخة غضب، وفي اللحظة التي كانت باندورا في منتصف اعتذارها، قطعها سيف جليدي بلا رحمة. شطر جسدها إلى نصفين بقطعٍ مائل، وتدفقت دماء طازجة بينما انهارت باندورا للخلف على الأرض.

 

«إذًا، أفترض أنك الأم التي ربتها. إذا كان الأمر كذلك، فعليك أن تكوني فخورة بنفسك. إن لابنتكِ قلبًا يستحق الثناء. أنا واثقة أن والديها الحقيقيين سيكونان سعداء للغاية.»

 

«لا تتحدثي عن أخي وزوجته بلسانك القذر!!»

 

اختفى الجسد المسقوط، وظهرت باندورا بجانب فورتونا وكأن ذلك كان أمرًا طبيعيًا. قطعت فورتونا رقبتها بسيفها الجليدي، طاعنةً جسدها ومفتتةً إياه إلى شظايا. وفي اللحظة التالية، عندما عادت باندورا خلفها، اقتربت منها فورتونا وطعنتها، وعندما ظهرت الصورة الجميلة مرة أخرى بعيدًا، ألقت السيف نحوها. وفي اللحظة التي اخترق فيها طرف السيف جسدها النحيف، تحولت باندورا إلى تمثال جليدي، تشقق وسقط على الفور.

 

«ألا تتعبين من رفض الحديث دائمًا بالعنف بهذا الشكل؟ كنت أنتظر لحظة هدوء لنبدأ حوارًا حقيقيًا، فما رأيك أن نبدأ من جديد؟»

 

«—!! قلت لكِ أن تتوقفي عن التحدث!»

 

بينما كانت فورتونا تنظر إلى التمثال الجليدي المتناثر، ربتت باندورا على كتفها. ارتعدت فورتونا من هول المنظر، وضربت باندورا بكف مفتوحة على جانب وجهها—

 

«—آغ!»

 

«إميليا؟!»

 

انطلقت إميليا بفعل ضربة والدتها، متدحرجة على سطح الأرض دون أن تتمكن من كبح سقوطها. وفي حين شحب وجه فورتونا بسبب ضربها غير المقصود لابنتها، أسرعت مسرعةً إلى جانبها.

 

«لااا!! إميليا، أنا آسفة جداً! أوه لا! لم أقصد ذلك…!»

 

«إنه مؤلم حقًا أن يتم ضربكِ، وأنا واثقة أن قلبك يشعر بألم يعادل ذلك على الأقل. الآن، هل تفهمين كم هو قاسٍ تصرفكِ؟»

 

عندما رفعت فورتونا باندورا، صرخت بصوت عالٍ وأبعدت الفتاة عنها. وعندما نهضت ونظرت، رأت إميليا تقف بجانب الختم، تمامًا كما كانت من قبل. لم يكن هناك أي أثر لضربة على خدها.

 

«هل تشعرين بالارتياح لمعرفة أنها لم تتأذَ؟ ألن تتشاركي بعضًا من هذا الشعور مع خصم تكرهينه؟ لا أطلب منكِ أن تحبي الجميع كما لو كانوا أبناءكِ، أطلب فقط أن تكوني أكثر تفهمًا قليلًا. عليكِ أن تحتفظي ولو بقليل من هذا الشعور في ذهنكِ.»

 

«أي هراء هذا…؟ مَن … مَن الذي سيستمع لكلمة واحدة مما تقولين…؟!»

 

«—وماذا عن هذا؟ أقنعي ابنتكِ بكلماتكِ أنتِ. لقد تأكدتُ أن الفتاة تمتلك المفتاح، لكنها ترفض فتح الباب حفاظًا على الوعد الذي قطعته معكِ أنتِ.»

 

الحديث الذي أجرته باندورا مع إميليا جعل أنفاس فورتونا تتوقف. ارتجفت إميليا تحت نظرات والدتها، تصلب وجهها محاولة رفع عينيها الغارقتين بالدموع نحوها.

 

«إذا تراجعتِ عن هذا الوعد، فلن تبقى قيود لتقيد قلبها العنيد. كل ما أحتاجه هو أن يتم رفع الختم. وبمجرد حدوث ذلك، أعدكِ بأنني سأغادر هذه الغابة دون أن أفعل شيئاً آخر. وعد… يا له من كلمة رائعة، صحيح؟»

 

لم يظهر عليها أي نية للسخرية؛ بلا شك كانت تلك أفكارها الحقيقية. ليس في كلمات باندورا المليئة بالعطف والحسد أي ضغينة. بل إن خلو كلماتها من الضغينة جعلها تبدو ساخرة على نحو مؤلم ومخادع.

 

في مرمى بصر فورتونا، قبضت إميليا على كلتا يديها، منتظرةً كلمات والدتها. كانت يداها متورمتين من شدة الإمساك بشيء— لأنها حملت المفتاح الذي يستطيع فتح الختم.

 

إذا نطقت فورتونا بكلمة واحدة، فستفتح إميليا الباب المختوم. وإذا كان هذا الفعل سينقذ الغابة، فقد عقد قلبها الصغير العزم على تقديم كل شيء من أجله—

 

«—أنا آسفة، إميليا. آسفة لأنني جعلتك تمرين بكل هذا.»

 

تقدمت فورتونا نحو الباب— لا، بل نحو ابنتها، حيث احتضنت إميليا بقوة بينما تتحدث. ومن خلال هذا العناق، شعرت أن الفتاة الصغيرة كانت ترتعش.

 

حركت الأم وابنتها خصلات شعرهما الفضي على وجنات بعضهما البعض، تشاركتا الدفء وكأنما تتأكدان من وجود بعضهما البعض.

 

«إميليا، أنا حقاً آسفة… جئتِ إلى هنا وحدكِ؟ ماذا عن أرتشي؟»

 

«أرتشي… قال لي أن أركض حتى أبلغ زهور النرجس البيضاء… لهذا… ركضتُ…»

 

«—!»

 

عند سماع ما قاله أرتشي لإميليا، أدركت فورتونا أن حياة ذلك الجان الشاب قد وصلت إلى نهايتها. نهاية محزنة لشاب أخبرهما أنهما عائلته، ملأت قلب فورتونا بالحزن. لكنها لم تُظهر وجهًا دامعًا أمام ابنتها التي ضمتها.

 

كم من الأرواح سرقها ذلك التابع الساحر لتلك الساحرة الشريرة في أنحاء الغابة…؟

 

ومع ذلك، شعرت فورتونا بالفخر من القرار الذي اتخذته ابنتها.

 

«إميليا، إميليا… لقد أحسنتِ في الحفاظ على وعدكِ. فتاة طيبة. فتاة طيبة.»

 

«أمي…! أمي، أنا-أنا…!»

 

«إميليا… أنتِ فخري. أنتِ كنزي…»

 

بينما كانت ابنتها تحتضنها بحنان، احتضنتها فورتونا برفق.

 

أخذت ملامح باندورا تتورد بحرارة، وكأنها مسحورة بما تراه. كان تعبيرها يوحي بأنها أرادت أن تحتكر أجمل مشاهد العالم لنفسها.

 

«لقد استمتعتُ بما يكفي من مشاهد الحب الجميل بين الأم وطفلتها. أن تُحِب وتُحَب أمر رائع حقًا…»

 

«لا أجد في كلماتكِ هذه سوى التناقض— لن أكسر الختم. ولن أسلمكِ هذه الفتاة. جوابي هو ذاته جواب إميليا. تحولي إلى تمثالٍ جليدي وذوي هنا، ألن تفعلي ذلك؟»

 

«ألا ترين أن مثل هذا التصريح القاسي قد يؤثر سلبًا على تعليم ابنتكِ؟»

 

«لا شيء يمكن أن يكون أسوأ على تربيتها من التحدث إلى شخص مثلكِ.»

 

رافضةً وجود باندورا بالكامل، بدأت فورتونا تجمع المانا المحيطة بها مرة أخرى. ومع تصاعد العداء وتجدد القوى السحرية، عقدت باندورا شفتيها بتعبير حزين.

 

—وفي اللحظة التالية.

 

«بعد انتظارٍ طويييل، أخيرًا لحقت بكم—!»

 

كان صوته مشوبًا بالجنون، ومع ذلك، تمسك الرجل بشعورٍ أعظم بالواجب، وهو يندفع نحو ساحة المعركة.

 

كان رجلًا يرتدي رداءً -جيوس- يقفز عبر الأشجار البيضاء النقية، يعبر السماء بسرعة وقوة كأنما ألقاه عملاق.

 

«جيوس!»

 

«سيدتي فورتونااا!»

 

نادت فورتونا وجيوس بأسماء بعضهما، وكان هذا كافيًا لتوحيد إرادتيهما. مع وقوف باندورا بجانب الباب المختوم، كانت فورتونا وجيوس في وضع مثالي لتنفيذ هجوم مزدوج، مهاجمين من الأمام والخلف بأقصى قدر من القوة.

 

أمسكت فورتونا بيد إميليا اليمنى المرتعشة بيدها اليسرى.

 

حدقت إميليا إلى جانب وجه والدتها.

 

—بينما كانت تنظر أمامها مباشرة، مستعدة لمواجهة خصمها بشجاعة، بدت بجمالٍ يجعل المرء يرتجف.

 

 

صرخت فورتونا قائلة: «آل هيوما—!!»

 

وفي ذات اللحظة، علا صدى جيوس وهو يهتف: «الأيادي الخفيييية—!!!»

 

امتزج الدمار الذي لا يُضاهى، والذي نسجته قوى فورتونا الهائلة، بأقصى درجات الهرطقة التي استخرجها جيوس من قوة عامل الساحرة. ومع تصاعد تلك القوة الكارثية، بدا وكأن سماء غابة إليور العظمى تتوجع بآهات الألم.

 

«—أمي؟»

 

يد خفية اخترقت صدر فورتونا، مُغطية جسد إميليا بأكمله بدماء والدتها الطازجة.

 

《٢》

 

شعرت إميليا بيد والدتها التي تمسك بيدها تتراخى، بينما جسد فورتونا ينهار أمام عينيها.

 

صرخ جيوس هاتفًا: «بهذااا— انتهى الأمر!!»

 

هبط جيوس على الأرض، ملوحًا بيده الملطخة بالدماء. وكأن جسد فورتونا قد انساق إلى حركته، انطلق جسدها الضعيف في الهواء، ثم انهار كدمية على الأرض، وراحت الدماء تسيل منها بلا توقف.

 

قال جيوس بصوتٍ متقطع: «لقد… أصبتُها أخيرًا… بعد محاولات لا تُعد ولا تُحصى… هذه المرة…»

 

كانت أنفاسه مضطربة، بينما جثا في مكانه يهمس بصوت خافت.

 

لكن إميليا لم تكن تسمع صوته، ولم تكن ترى حالته. عيناها لم تتوجه إلا نحو فورتونا وحدها.

 

«…»

 

بخطواتٍ متعثرة، اتجهت إميليا نحو حيث سقطت والدتها.

 

ظهرت فجوات في جسد فورتونا، من صدرها وظهرها، وتدفقت الدماء بغزارة من جروحها الممزقة. وبحلول الوقت الذي جثت فيه إميليا في بركة الدماء، كانت تلك التدفقات قد بدأت تضعف شيئًا فشيئًا.

 

عانقت رأس والدتها الشاحبة، ووضعتها في حجرها بصعوبة. كانت خصلات شعر فورتونا الفضية الجميلة مرقطة وغارقة بالدماء، وإميليا تحاول بائسًا تنظيفها بأصابعها حتى لا يتشوه جمالها. ولكن، كلما لمست شعرها، زادت أصابعها تلوثًا بالدم، وكلما لمسته، ازداد الشعر تشوهًا.

 

«السيدة فورتونا! لا تخفضي حذرك! سأتحقق من الأمر…»

 

«جيوس…؟»

 

«…»

 

رفع جيوس راحة يده باتجاه فورتونا، وعندما سمع صوت إميليا، تغيرت ملامحه المتوترة للحظة.

 

طرف بعينيه للحظة، وكأنما يرى أمامه مشهدًا بعيدًا جدًا.

 

«السيدة إميليا؟»

 

راقب جيوس الطفلة الصغيرة الجاثية وسط بركة الدماء، وكأنه يراها لأول مرة.

 

ثم تحول ببطء نحو الرأس الذي تستقر على ركبة إميليا.

 

اتسعت عيناه بصدمة.

 

وقال بذهول: «…هذا… لا يمكن أن يكون.»

 

كان يقف بجانب جيوس بهدوء، امرأة بوجهٍ جميل لا تشوبه شائبة. تلك الساحرة باندورا، كانت تبتسم له ابتسامة وديعة، وملامحها تعكس سخرية غامضة.

 

ابتسمت وقالت: «لم يكن بوسعك سوى أن تكون… ”مخطئًا“ في ما رأيت.»

 

«آه، آاه…آاااااااا—؟!»

 

عندها فقط أدرك جيوس الحقيقة كاملة، غاصت أظافره في خده وهو يصرخ بملء صوته. دفعه الألم ليغرس أظافره أكثر، ممزقًا جلده وملونًا وجهه بالأحمر.

 

صاح بجنون: «عبث! عبث، عبث، عبث عبث عبث عبث! ماذا فعلتُ—؟! ما الذي… فعلته؟! لماذا، لماذا لماذا لماذا لماذا لماذا لماذا؟! هذا… إذًا ماذا كنتُ…؟ ولماذا كنتُ أقاتل من أجله…؟! آآآه! آآآآآه!!»

 

تجرع جيوس عامل الساحرة بداخله، متكئًا على إرادته الحديدية ليُبقي على قوة الخطيئة المميتة غير المتوافقة معه تحت السيطرة.

 

ومع ذلك، الجزء الأهم من روحه، ذلك الجزء الذي حافظ على إرادته التي لا تقهر، قد تحطم. كاد جيوس يسمع صوت انهياره بينما تساقطت كل دعائم شخصيته المتماسكة وتحطمت داخله.

 

بقوة خاطر بحياته لاكتسابها، هو نفسه دمَّر الحياة التي خاطر من أجل حمايتها.

 

«أنا… من أجل ماذا فعلتُ كل هذا…؟!»

 

«كل شيء كان لأجل الحب.»

 

أجابته باندورا بصوتٍ خافت، وسط جنونه الذي طغى على عقله، بصدى مخيف.

 

بصوت هادئ، ردَّت باندورا على سؤال جيوس المليء بالأسى.

 

«لقد ضحيت بروحك لتُنقذ مَن تحب. هذا شيء لا يقدر عليه سوى القليل من الناس. لقد دعمت طائفة الساحرة لوقت طويل، يومًا بعد يوم، لأجل الحب. كل أفعالك كانت نتاجًا للحب. طريق الحب هو الأعظم.»

 

«الحب… الحب، الحب… الحب، الحب… الحب…!!»

 

«نعم. لا يوجد ما يجعلك تخاف، ولا يوجد ما يدعو للندم. كل شيء كان حتميًا؛ مسار القدر قادك إلى هنا. لقد وصلت إلى هذا الحد، ويجب أن تستمر في هذا الطريق— ”حبك ليس خاطئًا“.»

 

«من أجل الحب…!»

 

وباستمرار تلك الكلمات الحلوة التي تتكرر على مسامعه، شعر جيوس أن عقله يتحطم بالكامل.

 

سقط على ركبتيه، والنور يغيب عن عينيه، لينحدر إلى ظلمة سحيقة، فاقدًا القدرة على الحركة.

 

وبينما تنظر باندورا إليه في هذا الحال البائس، ابتسمت وهي تشعر بالرضا التام.

 

«إميـ… ليا…»

 

وفي نفس اللحظة التي تهاوى فيها عقل جيوس، كانت حياة أخرى توشك على الانطفاء.

 

«أمي…»

 

حين سمعت اسمها يُنادى بصوت خافت واهن، نادت إميليا مجددًا وقد غمرتها حالة من الذهول.

 

احتضنت والدتها بذراعين مرتعشتين، لتشعر بانقباض قلبها كيف بات جسد فورتونا خفيفًا للغاية. لقد نزف دمها في وقتٍ ما بكميات كبيرة حتى توقف عن الخروج تمامًا.

 

فكرت إميليا في نفسها، إذا كان النزف قد توقف، فهل جرح والدتها بخير؟

 

كانت عقلية إميليا شابة للغاية؛ وليس هناك وسيلة لتحمي نفسها دون التشبث بشيء من الأمل. كان واضحًا لأي شخص أن فورتونا، التي لم يعد لديها القوة للتحرك، كانت على شفا الموت.

 

«…أخي… أنا… آسفة.»

 

«أمي.»

 

«لم أتمكن… من حماية أي شيء… أخبرتني أن أفعل…»

 

تحدثت بصوت نادم، نبرة تشبه نبرة طفلة تعتذر.

 

ومع نفاد الدماء، لم يكن هناك سوى دموع فورتونا المتساقطة.

 

شعرت إميليا بحرارة تلك الدموع وهي تلامس إصبعها، فحاولت بكل قوتها جمعها.

 

كانت تفعل هذا ظنًا منها أنها تمثل خلاصة قوة حياة والدتها في تلك اللحظة.

 

«أختي… ستغضب… هاه…؟ لن تسامحني… على هذا… أليس كذلك…؟»

 

بينما كانت تستمع لكلمات والدتها، أدركت إميليا متأخرة الحقيقة المروعة.

 

كان الضوء قد غاب منذ فترة طويلة عن عيني والدتها البنفسجيتين. تلك العيون لم تعد ترى وجه إميليا؛ لم تكن تلاحظ أنها بجانبها.

 

مهما لمستها، مهما احتضنتها، لم يكن هناك شيء يصل إليها.

 

إلى والدتها، فورتونا، التي بكت وتوسلت المغفرة كطفلة صغيرة، قالت إميليا—

 

«أمي، أنا أسامحك.»

 

«…»

 

«أمي… أمي كانت دائمًا تعتني بي… أحببتِني بقدر ما أحبني أبي وأمي…»

 

«…»

 

«لذا، لا يوجد شيء يستدعي الأسف. لا شيء أبدًا. إميليا لطالما، لطالما… أحبتكِ كثيرًا، يا أمي. أحبكِ كثيرًا. أحبكِ، أحبكِ… أحبكِ…!»

 

انهارت مشاعرها تمامًا.

 

فقد صوتها تماسكه، وسقطت الدموع التي لم تعد تستطيع كبحها واحدة تلو الأخرى على وجه فورتونا. لو كانت الدموع تحمل حقًا قوة الحياة، فلا شك أن دموع إميليا قد جلبت معها معجزة.

 

«… أمي؟»

 

«ليا.»

 

يد ترتفع ببطء لتمسح خد إميليا.

 

يدٌ لم يكن من المفترض أن تتحرك شعرت بخد إميليا، داعبت أذنها، وعبثت بشعرها. كانت تلمسها برقة وكأنها تلامس شيئًا غاية في النفاسة والهشاشة. ولكن فوق كل ذلك، كانت تلمسها بحب. بحب. بحب.

 

«تبكين بسهولة، حقًا.»

 

«…»

 

«انا حقًا أحبكِ كثيرًا…»

 

تلاشت قوتها تمامًا.

 

يدها سقطت بلطف، وارتطمت بصوت خافت.

 

بين ذراعي إميليا، شعرت بجسد فورتونا، التي كانت قد رفعت يدها لتلمس وجهها، يزداد خفة.

 

على الرغم من أن فقدان الطاقة كليًا كان يجب أن يجعلها أثقل، شعرت إميليا بأن فورتونا أصبحت أخف على نحوٍ ملموس، كما لو أن شيئًا ثمينًا قد خرج منها، شيئًا لم يكن يجب أن يغادر.

 

فورتونا لم تعد هناك… حتى إميليا أدركت ذلك.

 

«…»

 

أمها، فورتونا، رحلت.

 

عقل جيوس— بيتيلجيوس روماني كونتي تحطم بالكامل.

 

أما إميليا فقد كانت—

 

«إذًا، هل أنتِ مستعدة لاختيار أمل رفع الختم؟»

 

اقتربت باندورا منها، تخاطبها بينما كانت إميليا تحتضن بقايا فورتونا. بوجه هادئ، انتظرت باندورا إجابة إميليا بهدوء.

 

رفعت إميليا رأسها.

 

«…فتح الختم؟»

 

«نعم. للأسف، الأم التي قطعتِ معها ذلك الوعد قد رحلت. لم يعد هناك قيودٌ تسمى وعدًا تربطكِ. فما رأيكِ؟»

 

 

حينما قدمت باندورا تلك الحجة الشنيعة وكأنها شيء عادي، أدركت إميليا كل شيء.

 

فهمت تمامًا السبب الذي دفع هذا الشيطان، الذي يقف أمامها بهيئة بشرية، إلى ارتكاب هذه الأفعال. ليس لهذا الشيطان هدف سوى أن يجعل إميليا تخل بوعدها.

 

من أجل هذا فقط، تسببت في موت فورتونا، وفي انهيار عقل جيوس، ودمرت الغابة بكل وحشية.

 

«أوه، كدت أن أنسى شيئًا— تفضُّلوا، اخرجوا.»

 

بينما كانت إميليا تتخذ تعبيرًا خاليًا من المشاعر، أشارت باندورا بيدها أمام الهواء نحو إميليا، كإشارة دعوة. وعندما فعلت ذلك، بدأت توهجات ضوئية خافتة بالظهور من حول إميليا، تلك الأضواء المتألقة تحركت ببطء نحو باندورا، متجمعة حولها بينما كانت تدعوها بإيماءة منها. أضافت هذه الأضواء جمالًا سرياليًا على مظهرها الساحر.

 

كانت تلك الأضواء عبارة عن جنيات صغيرة— أو بالأحرى، أرواح أقل شأنًا.

 

كانت تلك هي الأرواح التي قادت إميليا نحو الباب المختوم، مظهرة لها الطريق.

 

لماذا اتجهت هذه الأرواح نحو باندورا…؟

 

«لم أكن واثقة أنكِ ستصلين إلى هنا بمفردك، لذا طلبت منها المساعدة، إنهن أطفال يعتمد عليهن.»

 

ابتسمت باندورا، شاكِرة الأرواح الأقل شأنًا، فكلماتها جعلت الأضواء تتمايل بفرح من حولها.

 

— متى بدأ كل هذا؟ لم تعد إميليا تعرف.

 

تمايل رأسها بتثاقل بينما رفعت بصرها نحو الباب المختوم.

 

نظر الباب إليها بهدوء، وكأنه ينتظر اللحظة التي سيفتح فيها. لاحظت متأخرةً الإحساس الثقيل بالمفتاح الذي استقر في كف يدها. في لحظة ما، عاد المفتاح للظهور بين يديها.

 

«المفتاح… أنا سعيدة بوجوده معك. إذًا، أنتِ تعلمين ما يجب عليكِ فعله، أليس كذلك؟»

 

بينما كانت باندورا تبتسم أمامها، ارتجفت إميليا بصمت.

 

أزاحت برفق رأس والدتها من على حضنها، ووضعتها بخفة فوق العشب. لامست شعر والدتها بأصابعها، وأخذت ترتب وجهها الجميل بعناية. كان شعرها قصيرًا، فضي اللون مثل شعر إميليا. أزالت الزهرة التي زينت شعر والدتها، واستبدلتها بزهراتها هي.

 

أخيرًا، وضعت زهرة والدتها في شعرها. الآن، ستبقى هي ووالدتها معًا… إلى الأبد.

 

ثم—

 

«موتي.»

 

— اندفعت برودة متجمدة تشكلت لتكوِّن شفرات لا تُحصى، محولة جسد باندورا إلى غبار من الدماء في لحظة واحدة.

 

تجمَّد الدم المتدفق على الفور. زهور من جليد أحمر تزهر بنمط فوضوي.

 

وقف هناك عمود واحد من الجليد في المركز، بينما تناثرت بتلات الدماء المتجمدة حوله. كان ذلك بمثابة تمثال للجليد والموت.

 

«كم كان ذلك عنيفًا. ما الذي دفعكِ لفعل هذا فجأة—؟»

 

«موتي.»

 

رماح من الجليد انهالت من الأعلى، وغرزت في أطراف باندورا، بينما انبثق رمح آخر من سطح الأرض، مغروزًا في جسدها من خصرها إلى أعلى جمجمتها. كان جسدها المتجمد، الذي تعرض لهذه الضربات القاسية من الأعلى والأسفل، يصدر صوتًا عاليًا بينما يتحطم إلى قطع صغيرة.

 

«أرجوكِ، اهدئي. بالتأكيد، يمكننا أن نفهم بعضنا البعض إذا تحدثنا فقط.»

 

«موتي.»

 

كتل جليدية ضخمة اقتربت من الجانبين، ساحقة جسد باندورا ومحوِّلة إياه بوحشية إلى كتل من اللحم المهترئ.

 

«أنتِ فتاة طيبة في أعماقك. فعل هذا سيجعل والدتكِ تشعر بالحزن.»

 

«موتي.»

 

انطلقت شفرة من الجليد تدور من أسفل قدمي باندورا، ممزقة جسدها إلى أشلاء، مرسلة قطعًا من الجليد القرمزي في الهواء.

 

«أنتِ تخونين الأمنيات الكثيرة التي وضعت فيكِ… أمنيات والديكِ، ورئيس الأساقفة روماني كونتي، ووالدتكِ أيضًا.»

 

«موتي—!!»

 

غطت سحابة بيضاء باندورا، محوِّلة جسدها إلى تمثال جليدي. وفي اللحظة التالية، نزل سيف جليدي ضخم من الأعلى، لا ليقطع التمثال، بل ليحطمه تمامًا، متناثرًا على الأرض بقوة هائلة.

 

قُتلت باندورا مرارًا وتكرارًا، وسط عاصفة من الغضب المتعطش للدماء وأساليب التدمير العنيفة التي لا تنتهي ولا تملَّ. ومع ذلك—

 

«يا للإزعاج. يبدو أن هذا قد أدى إلى عكس ما كنت أنوي.»

 

«موتي، موتي، موتي، موتي…!!»

 

بينما كانت تبكي وتنحب، استمرت إميليا في إغراق باندورا بالتدمير الجليدي مرة تلو الأخرى.

 

لكن، رغم أن باندورا كانت تموت بطريقة مؤكَّدة في كل مرة، فإنها تعود إلى الحياة فورًا، وكأن شيئًا لم يكن.

 

«مـ-موتي… موتي…»

 

كلما أجهدت إميليا جسدها الصغير لإلقاء التعويذات، اقتربت أكثر من حدود قدرتها. ألقت التعاويذ الواحدة تلو الأخرى رغم أن جسدها لم يعد قادرًا على تحمل ذلك؛ احمر وجهها وبدأ الجزء السفلي من جسدها يتجمد. لم تعد تستطيع التخلص من الطاقة السحرية بسرعة كافية، وبدأت كمية المانا المتزايدة التي جمعتها في جسدها تخرج عن السيطرة.

 

«يا لها من كمية مذهلة من المانا… وبوابة تستطيع تحمل كل هذا… يبدو أن أبناء الساحرات لا يهربون من مصيرهم— ربما جُلبت إلى هذه الغابة لضمان أن دمك سيبقى نائمًا.»

 

لم تفهم إميليا مغزى تعليق باندورا، لكنها هزَّت رأسها رافضة إياه بكل إصرار. لقد تجمدت ساقها اليمنى بالكامل؛ صار من الصعب عليها حتى أن تقف بثبات، فسقطت على ركبة واحدة. نظراتها البنفسجية المتقدة بالدماء اخترقت باندورا؛ مشهد الحقد في فتاة صغيرة جعل باندورا تخفض بصرها قليلًا.

 

«إنه لأمر مؤسف للغاية، فها هي أمنيتي العظيمة أمامي مباشرة، لكنني سأترك الأمر لهذا اليوم. إذ يبدو أن الاستمرار سيجعلكِ تدفعين نفسكِ أكثر من اللازم.»

 

«موتي، موتي، موتي، موتي…!»

 

«لقد أنجزنا الكثير اليوم: معرفة نسبك، تأكيد وجود المفتاح، وظهور رئيس أساقفة جديد لخطايا الموت السبعة— والأهم من ذلك، أخذ الختم والمغادرة يكفي… أوه يا لي من غافلة.»

 

خاتمتها الجازمة التي لم تترك مجالًا للنقاش كانت تجسيدًا للغرور.

 

ولكن بينما كانت باندورا تُسدل ستارًا خاصًا بها على الموقف، دخلت بلورات بيضاء مجال رؤيتها.

 

—ثلج.

 

لقد خرجت كمية المانا الهائلة لدى إميليا عن السيطرة، مُحرفة المناخ نفسه إلى حد بالغ مما أدى إلى تساقط الثلوج.

 

في البداية، كان هناك بلورة هنا وبلورة هناك؛ ولكن سرعان ما زادت شدة وكمية الثلج المتساقط، حتى أصبح عاصفة ثلجية حقيقية.

 

«—من مظهر الأمور، يبدو أنكِ على وشك الدخول في سبات طويل.»

 

رفعت باندورا بصرها نحو الثلج المتساقط، ثم نظرت إلى إميليا، مصدر هذا التغير الدرامي في الطقس.

 

كان الجليد قد وصل بالفعل إلى خصر إميليا؛ لم تعد قادرة على تحريك أي من ذراعيها.

 

«قوتك ستغطي هذه الغابة بجليد لن يذوب أبدًا. وفي وقت ما، ستصل المانا خاصتك إلى حدودها القصوى، أو ربما سيأتي مَن يقابلك في القوة ليوقف هذا المد. وحتى ذلك الحين…»

 

«موتي، موتي…!»

 

«للأسف، لن أفعل ذلك. عندما يذوب الثلج وينقضي هذا الشتاء الجليدي، سنلتقي مجددًا لا محالة. لكن سيكون مؤلمًا للغاية إذا كرهتني عندما يحين ذلك الوقت.»

 

بينما كانت إميليا تلهج باللعنات، لامست باندورا جبين الفتاة الصغيرة برفق بطرف إصبعها.

 

كانت عينا إميليا البنفسجيتان تموجان بالكراهية، في حين ابتسمت باندورا لها بوجه بريء.

 

«سوف ”تنسين تمامًا وجودي من ذاكرتك حتى هذا اليوم“.»

 

«—آه.»

 

«تابعي واملئي الفراغ كيفما تشائين. آه، نعم. لقد حافظتِ على وعدكِ بكل قلبكِ وروحكِ. انحتي هذا بعمق في قلبكِ. سأكون مسرورة إذا بقيتِ كما أنتِ الآن.»

 

وقد تجمدت حتى صدرها، شعرت إميليا بدوار، وتجولت نظرتها غير المركزة على العالم من حولها. دارت عيناها، وتسرب لعابها من زاوية شفتيها، وقد اختلطت أفكارها تمامًا.

 

بطريقة عشوائية، دون وعي، بدأت صفحات ذاكرتها المتناثرة تعيد ترتيب نفسها كما يحلو لها، لتخلق عددًا لا يحصى من التناقضات.

 

الكلمات التي تم تبادلها تلاشت بعيدًا، ونسي الحب الذي منح لها، ولم يتبقَ سوى الخوف والشعور بالذنب—

 

—والشيء المهم الذي لم يتلاشَ… كان وعدها.

 

لم تنسَ مطلقًا أنها حافظت على وعدها. ولم تنسَ أنه يجب عليها الوفاء بوعدها.

 

—لقد أوفت بوعدها. لقد تم الوفاء بالوعد.

 

«أتساءل ما الألوان التي ستزين قلبكِ وما الابتسامة التي ستظهرينها لي في لقائنا القادم؟ أنا أتطلع إلى ذلك اليوم.»

 

حتى وسط العاصفة الثلجية العاتية، ترددت كلمات باندورا بوضوح بينما هي تتقدم للأمام، تلامس شعرها البلاتيني.

 

أما جيوس، الذي كان ما يزال في غيبوبة وهو راكع، فقد دفن حتى منتصف جسده. وعندما همست باندورا بشيء في أذنه، نهض بوجه خالٍ من التعبير.

 

وغادرت باندورا وجيوس الغابة المكسوة بالثلوج، يسيران جنبًا إلى جنب.

 

وكل ما استطاعت إميليا فعله هو مشاهدة رحيلهما.

 

استمر جسدها في التجمُّد، ووصل الجليد بالفعل إلى جزء من وجهها. لكن وعي إميليا بقي في عينيها فقط.

 

فجأة، أدركت إميليا أنها تنظر إلى الأسفل.

 

كان هناك كومة غير طبيعية من الثلج على الأرض أمامها مباشرة.

 

كان وكأن شخصًا ما كان يُعانق من هذه الطبيعة النقية البيضاء كالثلج.

 

«…»

 

لم تستطع أن تحرك شفتيها. لم يعد بإمكانها أن تغمض عينيها.

 

جسدها، قلبها يتجمدان. وكذلك وعي إميليا—

 

«—مي.»

 

ستمضي الفتاة في سبات داخل جليد لا يذوب لمائة عام، حتى تظهر الروح التي سعت إليها، والتي وُهب الحياة من أجلها وحدها، ليجدها.

 

《٣》

 

—استمرت إميليا في نومها داخل الجليد، وحيدة إلى الأبد.

 

«…»

 

تحت نظرة مسيطرة على ماضيها العاصف، كانت ذكرياتها قد ذابت واختفت عند نقطة ما.

 

مشاهد لم يكن بإمكانها رؤيتها، أحداث لم يكن بإمكانها معرفتها، اللحظات الأخيرة لأرضها التي لم تستطع مشاهدتها أبدًا، كل ذلك— إميليا تذكرت أكثر مما فقدته من ذكريات.

 

—تذكرت كل ما حدث.

 

عبر هذه الرحلة، التي ملأت الفجوات في ذاكرتها، سارت على الدرب الذي قادها إلى ندمها. كم كانت خطيئة السكينة التي اكتسبتها بنسيانها لندمها؟

 

لقد شاهدت بنفسها أيام إميليا الصغيرة، كل ما نسيته لكي تستمر في الحياة حتى هذا اليوم.

 

موت فورتونا، جنون جيوس، السبب الذي جعل وطنها مغطًى بالجليد، كل شيء—

 

«إذا كنتِ ترغبين في لوم نفسكِ على تحريف ذكرياتكِ، أعتقد أنكِ ستخطئين في ذلك.»

 

فجأة، بينما كانت إميليا تنجرف بين الذاكرة والوعي، خاطبها صوت.

 

كانت الساحرة بجانبها— إيكيدنا. وجَّهت عينيها الباردتين نحو إميليا التي ضمت ركبتيها إلى صدرها. مثل إميليا، شهدت إيكيدنا هذه الندمات من البداية إلى النهاية. وراحت تتأمل صورة إميليا الصغيرة المتجمدة.

 

«أنتِ وعائلتكِ واجهتم ساحرة الغرور. مسلَّحة بمنطقها الأناني، استعملت قوتها لـ ”إعادة كتابة“ الظواهر كما يحلو لها. لا شك في أن سلطة الغرور هي ما تسبب في تحريف ذكرياتكِ.»

 

«ساحرة الغرور…»

 

«سلطة بالغة القذارة. لقد تفوقتِ على باندورا من حيث القوة البحتة، لكن ذلك لم يكن سوى لأنها كانت ضعيفة أمام قوتكِ فحسب.»

 

على ما يبدو، احتقرت إيكيدنا باندورا أيضًا. ربما كان على إميليا أن تقول: كما هو متوقع من ساحرة.

 

لم تتغير شخصية إيكيدنا الحادة منذ أن التقت بإميليا، لكن لم يسبق لها أن أجابت على أسئلتها بهذه السرعة.

 

«هل أستطيع أن أسألك عن باندورا؟»

 

«… أميل إلى التحدث مع الآخرين، لكن فيما يخصكِ، أرفض. لا أحب العقلية المتبجحة وراء هذه الأسئلة: ربما يكون الطلب زائدًا، لكنني سأسأل على أي حال، ونحو ذلك.»

 

«هل هذا هو الأمر…؟ حسنًا، شكرًا على أية حال.»

 

عندما سمعت إميليا تشكرها رغم الإهانة، التوت شفاه إيكيدنا باشمئزاز.

 

في الواقع، وجدت إميليا في موقف إيكيدنا الثابت راحة كبيرة في تلك اللحظة. كان ذلك بسبب مدى الصدمة التي عايشتها إميليا في ماضيها. بمعنى حقيقي، استعادة ذكرياتها قلبت حياتها بأكملها رأسًا على عقب.

 

—لقد كرَّست روحها وجسدها للاختيار الملكي لإنقاذ الجميع في الغابة المتجمدة، ومع ذلك…

 

«أنا منَ حوَّلتهم جميعًا إلى تماثيل جليدية… كل مَن حاول إنقاذي…»

 

غير قادرة على الاستجابة لمشاعرهم، انتهى بها الأمر بإغلاق الجميع تحت الثلج، وتجميدهم تمامًا.

 

عندما تحررت من الجليد، قضت إميليا وقتها في الغابة دون أي ذكريات عن ندمها. لقد أمضت كل يوم تواصل الحديث مع الأشخاص الذين تحولوا إلى تماثيل جليدية— دون أن تدرك أنها كانت تحاول التكفير عن شعورها بالذنب.

 

الآن فهمت سبب حجب ذكرياتها. حتى لو لم تتدخل باندورا فيها، ربما ودَّت نسيانها بنفسها في لحظة ضعف.

 

«لقد تذكرتِ الماضي ورأيتِ ندمكِ حتى النهاية. ومع ذلك، لم تنتهِ المحاكمة بعد.»

 

الذكريات التي قادتها إلى ندمها انتهت من العرض. علَّقت إيكيدنا وهي تحدق في منظر العالم الصامت المغطى بالثلوج.

 

«كُشف الماضي دون صعوبة. لقد خضتِ المحاكمة، وانتهت رحلتكِ إلى أسوأ وأفظع أخطائكِ التي ولَّدت مشاعر الندم لديكِ. والآن عليكِ تقديم إجابتكِ.»

 

«إجابة للمحاكمة…»

 

«تتمثل المحاكمة الأولى في التحقق مما إذا كنتِ قادرة على التحرر من ندمكِ الأعظم في الماضي. يمكنكِ قبول ماضيكِ أو إنكاره. الرفض هو أيضًا خيار. سأحترم أي قرار تختارينه.»

 

زفرت إميليا بعمق عندما سمعت كلمات إيكيدنا، التي بدا فيها نوع من الشغف.

 

باعتلائها مسرح المحاكمة، واجهت إميليا أخيرًا الماضي الذي تساءلت عنه كثيرًا.

 

بعد أن فقدت عهدها مع باك واستعادت ذاتها بعدما دللها لفترة طويلة، كشفت إميليا ذكرياتها أخيرًا وبلغت هذه المرحلة.

 

«مع كل ما قيل، ربما أنتِ الآن في حيرة أكبر. فالخطوة التي كانت نقطة البداية لعزمكِ قد تلوثت. الخطيئة التي حولت أمكِ، وصديقتكِ، وعائلتكِ إلى تماثيل جليدية تعود إليكِ وحدكِ.»

 

كلمات إيكيدنا اخترقت إميليا كسكين. الغابة المتجمدة، شعبها الذي تحول إلى تماثيل جليدية، الغابة التي اجتاحتها وحوش الشر المحملة بالوباء، فقدان والدتها، وتحطيم عقل جيوس—

 

تركت إميليا الغابة لأنها أرادت إنقاذ الجميع في القرية— إنقاذ والدتها.

 

ومع ذلك، تبيَّن أن دافع هذا القرار كان مجرد قصة خرافية خدعتها منذ الخطوة الأولى والأكثر أهمية في رحلتها، مما أدى إلى الألم وخيبة الأمل— فما الذي بقي لفتاة كهذه أن تفعله؟

 

«—لقد تعلمتُ الإجابة بالفعل.»

 

عندما تلاعبت شكوك النفس بقلب إميليا، كان هناك شيء واحد يمنحها القوة لتثبت نفسها.

 

—لا تستسلمي. انظري للأمام. ارفعي رأسكِ عاليًا. انظري إليَّ مباشرة.

 

مرات ومرات، في كل مرة، قال لها هذه الكلمات.

 

لقد وبخها على ضعفها، على استسلامها. وبدون أي دليل، أعلن: أنتِ الأفضل.

 

ألمهما كان عندما اصطدمت أسنانهما بطريقة خرقاء، لكن حرارة لقاء ألسنتهما أشعلت قلب إميليا.

 

«أمي كانت تحبني.»

 

«…»

 

«أردتُ مساعدة أمي… أمي فورتونا. أردتُ أن تحتضنني مجددًا، أن أنام بجانبها في نفس السرير. مرارًا وتكرارًا، قلتُ لها كم أحببتها.»

 

«هل تندمين على ذلك، إذًا؟»

 

طرحت الساحرة سؤالًا دون موضوع محدد، وقد حان الوقت لإميليا لتختار أملها.

 

قدمت باندورا لها أملين. في ذلك الوقت، لو اختارت إميليا أن تخلف وعدها، هل كانت فورتونا وجيوس والجميع سيظلون بأمان وسلام؟

 

لو كان من الممكن إعادة الماضي، لربما تمكنت من النظر إليه بأفكار ”ماذا لو“ و”ماذا كان يمكن أن يكون“.

 

ومع ذلك—

 

«لا أندم على شيء.»

 

«…»

 

«لا أندم على وفائي بوعدي وعدم التراجع. ما أندم عليه هو أنني لم أكن أملك القوة الكافية لفعل شيء في ذلك الوقت. أندم على عدم ذكائي الكافي وعدم اجتهادي بما فيه الكفاية. لكنني لا أندم أبدًا على اتباعي لتعليمات أمي ورفضي تنفيذ ما أمرتني به باندورا.»

 

ففي النهاية، ألم تقل فورتونا ذلك في آخر لحظة؟

 

قالت إنها فخورة بإميليا لوفائها بوعدها. قالت إن إميليا كانت كنزها.

 

—تلك الكلمات ذاتها كانت كنزًا ستحتفظ به إميليا للأبد.

 

«لا يمكنكِ إنقاذ والدتكِ. ألا يجعل ذلك كفاحكِ بلا معنى؟»

 

«ليس الأمر كذلك. أمي… لم أتمكن من إنقاذها. لكن لا أعلم إذا كان ذلك ينطبق على الجميع. ربما لا يزال الآخرون ينتظرون، نائمين داخل الجليد. وأنا الوحيدة القادرة على إنقاذهم وإخراجهم من هناك.»

 

«لقد ظلوا تماثيل جليدية لأكثر من مئة عام، والغابة تلوثت بأفعى الظلام. حتى لو تمكنتِ من إذابة الجليد، ماذا لو كانت أجسادهم قد التهمها الوباء؟ ماذا لو لم يبقَ شيء من أرض أجدادكِ؟»

 

«تلك مجرد تكهنات، بل تكهنات بائسة في ذلك. الجميع ينتظرون داخل الجليد ليتم إنقاذهم. وإذا لم أوقظهم بأسرع وقت ممكن، فسيكون لديهم بالتأكيد سبب وجيه للغضب مني. وإذا عاشوا بعدها حياة سعيدة، سأبتسم وأشعر بالسعادة من أجلهم.»

 

«وهمٌ أحمق.»

 

«لا، إنه تنبؤ بمستقبل سعيد!»

 

عندما حاولت إيكيدنا قطع كلامها، تقدمت إميليا للأمام، مصرة على إعلانها بصلابة.

 

مواجهة الساحرة ذات الشعر الأبيض بشجاعة، أشارت إميليا بيدها نحو الامتداد الواسع للمنظر المغطى بالثلج.

 

«لن أدع أحدًا ينكر أي احتمال لمجرد أنه لم يشاهده بعد! لن أقبل أن ينتهي كل ما تركته لي أمي بنهاية مأساوية كهذه! سأحقق أحلام أمي وأجعلها حقيقة!»

 

«أحلام؟ ما هو بالضبط ما تدعين أن والدتكِ سعت لتحقيقه؟»

 

«أمي أخبرتني. في يوم ما، سنغادر جميعًا الغابة ونعيش حياة طبيعية. عالم يمكن لجيوس وأهله أن يتعايشوا فيه مع جميع سكان القرية، حيث يمكن لس,بارو أن يخبرني بأنه يحبني، حيث يمكن لجيوس وأمي أن يمشيا جنبًا إلى جنب— أنا واثقة أن هذا العالم موجود!»

 

«وهل ترين سكان القرية المتجمدين في ذلك العالم؟ أولئك الذين جمدتهم بيدكِ ذاتها!»

 

«أشعر بأسفٍ كبير لذلك. سأعتذر مرارًا وتكرارًا حتى يغفروا لي! وإذا غفروا لي، سأُعرِّفهم على العالم حينها. سأخبرهم بأنه لم يعد هناك داعٍ للعيش في عزلة. سأخبرهم أن هذا هو العالم الذي تحدثت عنه أمي!»

 

بملء صدرها، صاحت إميليا الكلمات التي فاضت من قلبها.

 

وفي لحظة ما، وقف الاثنان في وسط عالم ليس من الثلج، بل من نور أبيض محيط.

 

اختفت الرياح الباردة التي كانت تلسع بشرتيهما؛ واختفى المشهد المليء بالندم. دون أن تلاحظ حتى ذلك، نفخت إميليا صدرها، وتحدثت بصوتٍ عالٍ.

 

«سأواصل التبشير بحلمها حتى ينفد صوتي وأظل أقول هذا حتى تسمعني أمي في السماء!»

 

«أنا سعيدة لأنني في العالم الذي أحبته أمي—!»

 

—في تلك اللحظة، انشق العالم بصوتٍ هدير.

 

ومع رؤية الشقوق تتوزع في المساحة البيضاء، أدركت إميليا أخيرًا أن المشهد من حولها قد تغيَّر. بينما اتسعت عيناها مندهشة، كانت إيكيدنا، التي وقفت أمامها الآن، تتنهد بعمق بينما ضمت يديها أمام صدرها.

 

«—فهمتُ الآن. كنتُ أظن أنني فهمت، لكنكِ أكثر إصرارًا، وجرأة، وتكبرًا، وتناقضًا مما تصورت.»

 

«أعتقد أنني كذلك. هل هذا سيء؟»

 

«ليس بالضرورة. فأنا لا أهتم على نحوٍ خاص، في النهاية. بل إنكِ في تلك الجوانب بالذات، تشبهين والدتكِ تمامًا.»

 

بينما عبست إيكيدنا، وهي تجعد حاجبيها بأناقة، رفعت إميليا حاجبيها باندهاش.

 

«أتعرفين أمي… ليس أمي، بل أمي الأخرى؟»

 

«أجل، أعرفها. وسيكون من الكذب الادعاء بأنها ليست جزءًا من السبب الذي يجعلني أشعر بهذه العواطف عندما أتفاعل معكِ. كانت دائمًا تمتلك ذلك الغيرة… لماذا تكونين أنتِ دائمًا…؟»

 

بلمسة من الغضب، أدارت إيكيدنا وجهها بعيدًا، مما ألقى بظلال من الارتباك على وجه إميليا التي فتحت عينيها بدهشة بالغة.

 

في ذات اللحظة، أخذت رؤيتها تزداد غبشًا، وشعرت بثقل يغشى وعيها. ببطء، بدأت حرارة تسري في أطرافها، وفي أعماق قلبها أدركت أنها تفيق من حلمٍ ضبابي وغامض.

 

«بهذا، تكون المحاكمة قد انتهت. ومهما كانت خاتمتكِ مغرورة، فلا شك أنكِ قد تصالحتِ مع الماضي. وبما أنكِ استمديتِ عزيمتكِ من تضحيات والدتكِ، حاولي أن تكملي رغباتكِ الأنانية والتعسفية حتى النهاية.»

 

«قولي ما تشائين، إيكيدنا. لقد اعتدتُ على إهاناتكِ الآن.»

 

وضعت إميليا يدها على خصرها، متجهةً مباشرةً نحو إيكيدنا، التي ظلت تبث كلماتها المليئة بالكراهية حتى آخر لحظة. وبهذا التحدي في ملامحها، هزت إيكيدنا رأسها بإرهاق.

 

«تتبقى محاكمتان. كنتُ أود أن أرى المزيد من العذاب البائس منكِ، ولكن…»

 

«إيه، لحظة! ما زالت هناك محاكمتان؟ اثنتان أخريان؟ ثلاث بالمجمل؟»

 

«نعم، هذا ما يعادل الأمر. اندهاشكِ هذا يجعلني أشعر ببعض الزهو… لكن، بكل أسف، لا أظن أن المحاكمتين المتبقيتين ستصمدان طويلًا أمامكِ.»

 

«حقًا؟»

 

«السخرية هي العدو الأكبر للشك الذاتي. المحاكمة، التي تُصمم لتسبر أغوار ما بداخلكِ، لا تتلاءم كثيرًا مع ما أصبحتِ عليه الآن. فقد تخليتِ عن المنطق، ولو جزئيًا، في سبيل ذلك.»

 

«مهلًا، وكأنكِ تلمحين إلى أنني لا أستعمل عقلي أبدًا، وهذا فيه وقاحة.»

 

كان توبيخ إيكيدنا كافيًا ليجعل إميليا تنتفخ وجنتاها في إشارة واضحة إلى استيائها. ولكن لم يكن هناك وقت للمزيد من تبادل الكلمات، فالمحاكمة، وفرصتها للحديث مع الساحرة، كانت تقترب من نهايتها.

 

غطى النور إيكيدنا، ووسط ذلك البريق، بدأ وعي إميليا بالتلاشي كذلك.

 

وفي اللحظة الأخيرة، بينما كانت تذوب في الضوء، ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه ساحرة الجشع.

 

«—أنا أكرهكِ.»

 

«أما أنا، فلا أكرهكِ إلى هذا الحد.»

 

رغم عدم رؤيتها، أدركت إميليا جيدًا نوع التعبير الذي قد أضفته كلمتها على وجه إيكيدنا.

 

—لقد انتهت المحاكمة.

 

《٤》

 

عندما استعادت وعيها، أصدرت إميليا همهمة صغيرة، إذ شعرت بشيء صلب خلف ظهرها.

 

اتضح أن ذلك الإحساس البارد كان بسبب الجدار الذي كانت مسندة إليه. ويبدو أنها كانت قد استندت عليه بثقلها خلال رحلتها في الحلم.

 

مدت يدها ولمست الجدار. بدا الجدار ممتلئًا بآثار نحتٍ خشن، وكان الجزء الذي لمسته يحمل عبارة ”أحبك“ محفورة بحروف قديمة. هذا التصادف الجميل أضفى ابتسامة على وجهها.

 

في تلك اللحظة، كانت تود سماع كلمات سوبارو أكثر من أي شيء آخر.

 

«—أنا ممتنة جدًا.»

 

ورغم أنه لا سبيل لسوبارو أن يسمعها، شكرته إميليا بصوت هادئ.

 

لقد انتهت المحاكمة. عادت إليها ذكريات الماضي المنسية، وواجهت ندوبها المكبوتة. بلا شك، كان سوبارو مَن منَحَها الشجاعة مرة تلو أخرى في تلك المشاهد.

 

وأخيرًا، أدركت بنفسها كم كانت محاطة بمشاعر الآخرين الحامية.

 

في الماضي، كان كل من فورتونا، وجيوس، وأرتشي هم مَن يحمون قلبها.

 

بعد ذلك، كانت دائمًا تعتمد على باك. وفي الحاضر، كان كل من سوبارو، رام، وأوتو هم مَن يدعمونها ويقفون إلى جانبها.

 

خائفة من ماضيها المحبوس، كانت تعتقد أنها لا تستطيع الاعتماد إلا على نفسها، رافضة إظهار أي ضعف— ثم تنقلب لياليها إلى بكاءٍ لا ينقطع، تتكسر فيه روحها الهشة.

 

لكن بفضل الجميع، لم تصل إلى تلك الحال. ففي الماضي والحاضر، كانت إميليا مباركة.

 

منذ تلك اللحظة القدرية، لم تكن إميليا وحدها أبدًا. ولهذا…

 

«—آسفة، أمي.»

 

تصلبت شفتاها التي بدت وكأنها استرخاء بسيط، وانسابت منها كلمات الاعتذار بصوت مكبوت.

 

تردد صدى كلماتها في الغرفة الحجرية الخافتة، ثم تبعه صوت شهيقٍ متقطع.

 

انهمرت الدموع، واحدة تلو الأخرى، بلا توقف. لم تستطع منعها. لم تعد قادرة على التحمل.

 

في ذلك القبر، بلا خوفٍ من أن يراها أحد بوجهها المغمور بالدموع، ذاك الوجه الذي رفضت عرضه أمام الساحرة بعناد خالص، ألصقت إميليا رأسها بالجدار الذي حُفرت عليه كلمات المحبة، مفسحة المجال لمشاعرها لتفيض.

 

«أمي… أمي…!»

 

سيول من الدموع وموجات من الحنين إلى ذكرياتها الأرقّ انهمرت دون انقطاع.

 

كانت دموعًا يجب أن تنساب منذ زمن… منذ قرن كامل.

 

في تلك الغرفة الحجرية، لم يكن أحد ليشاهد أخيرًا فرصة إميليا لتبكي على والدتها، تلك الأم التي لم تتذكرها منذ أمدٍ طويل.

 

وبهذه الطريقة، حين تغادر وتخرج أمام الآخرين، لن يحتاج أحد لرؤية وجهها المُبلل بالدموع.

 

ليست مضطرةً لإظهار ضعفها أمام الشخص الذي أخبرها بأنه يحبها رغم عيوبها الهشة.

 

بكت، وبكت، وانتحبت… بكت بحرقة. ثم…

 

بينما كانت تتأمل ذكرى والدتها، وحبها، وكل ما كانت ممتنة له من والدتها…

 

—استمرت إميليا بالبكاء، وقد ألصقت وجهها بـ ”أحبك“ طوال الوقت.

 

《٥》

 

مسحت دموعها وصفعت وجنتيها. رتبت شعرها المتشابك، وأصلحت بتأنٍ طيات أكمامها المجعدة.

 

تساءلت في نفسها إذا لم تكن ملامحها تظهرها في هيئة محرجة.

 

باك، الذي كان دائمًا دقيقًا في الاهتمام بمظهرها، لم يعد موجودًا. لم تشعر بالدفء المنبعث من البلورة المتشققة عند عنقها، التي رافقتها دائمًا.

 

«…لكنني سأجده بنفسي، بالتأكيد…»

 

مهما كان مكانه، لم تكن هناك علامة تدل على أن الروح القط قد تلاشى تمامًا من هذا العالم. كانت متأكدة من أن الروح الذي كان بمثابة والدٍ بديل طوال تلك المدة، كان هناك في مكانٍ ما.

 

«وعلاوة على ذلك، يبدو أنني أُهدر كميات هائلة من المانا بدون وجود باك…»

 

بينما تهمس لنفسها، بدأت تشعر بدوار من تلك الكمية الهائلة من المانا التي تتدفق من جسدها بالكامل. الآن، وقد استعادت ذاكرتها، لم يعد هناك مجال للشك في أن كل هذا كان من ماناها الخاصة.

 

كانت قوة إميليا كافية لتجميد الغابة التي كانت موطنها بيدٍ واحدة. من المرجح أن باك بذل جهدًا كبيرًا من وراء الكواليس ليبقي إميليا غير واعية بتلك القوة.

 

كل ذلك كان لحمايتها من مواجهة الذكريات التي أبقتها مختومة في أعماق نفسها بلا وعي.

 

«أوه، باك، حقًا أنت مفرط في حمايتي…»

 

بابتسامة خفيفة، نكزت إميليا البلورة بإصبعها برفق. وبعد ذلك، أخذت شهيقًا عميقًا.

 

وملأت صدرها بالهواء البارد، لتدفع كل مشاعر الضعف الكامنة داخل جسدها إلى الخارج.

 

«—حسنًا! أنا بخير الآن.»

 

أعلنت إميليا هذا التصريح بقوة، وكأنها تخاطب نفسها لتمنحها الثقة.

 

شعرت بألم في صدرها حين فكرت بفورتونا وجيوس. حتى في هذه اللحظة، أحست أنها قد تنفجر بالبكاء لو أرخَت حذرها ولو قليلًا. لكنها لم تستطع البكاء إلى الأبد.

 

أمام إميليا الكثير من الأمور التي يجب عليها القيام بها. ومن خلال إنجاز تلك الأمور، كانت على يقين بأنها ستفي بتطلعات فورتونا وجيوس، وستواصل المسير نحو المستقبل الذي تمنَّياه لها.

 

لمست الزهرة المزينة لشعرها، وفي قلبها كانت تتذكر أن هذا الإكسسوار كان أعرق وأثمن ما ورثته من والدتها. كما لو كانت رغبة قديمة لها، بقيت فورتونا معها— دومًا.

 

«بعد هذا، تبقَّى أمامي محاكمتان… لكن أولًا.»

 

قالت هذا وهي تتجه خارج الغرفة الحجرية مؤقتًا. لم تكن تعلم كيف تبدأ المحاكمة الثانية، لكنها رغبت في الذهاب إلى سوبارو والآخرين الذين كانوا ينتظرونها في الخارج.

 

لقد أقلقت الجميع إلى درجة جعلتها تخوض شجارًا كبيرًا مع سوبارو، بل وأبعدت حتى باك عنها في النهاية— لكنها واجهت ماضيها.

 

الذكريات التي استعادت بعضها عن ماضيها لم تكن كلها لطيفة، ولم تستوعبها بالكامل بعد، لكن كانت هناك فرصة كبيرة بأن تلك الذكريات هزَّت أسس كيانها.

 

ولكن في هذه اللحظة على الأقل، أرادت أن تعود وتواجه الآخرين بشعور بسيط من الإنجاز.

 

في نهاية الممر الحجري، هبَّ نسيم خفيف من خارج القبر. الوقت كان قد تجاوز المساء، وأضاء القبر باللون الأزرق ترحيبًا بتحديه المقبل. انسكب ضوء القمر الفضي من السماء.

 

كان ضوء القمر مشرقًا بدرجة جعلت إميليا تضيق عينيها. نظرت ببطء إلى الساحة المعشوشبة أسفلها حين—

 

«—مرحبًا بعودتك، السيدة إميليا.»

 

حقيقة أن رام كانت واقفة بمفردها وترحب بها بلباقة جعلت إميليا ترمش وتميل برأسها بحيرة.

 

////

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.