بينما وقف رين أمام بقايا الرقيب الممزقة، كانت أصوات العظام المكسورة والدماء المتساقطة تغمر المكان بصمت غريب. فجأة، عاد إليه وعيه الغارق في مشهد العنف، وشعر بشيء مختلف يتسلل إلى عقله، وكأن شيئاً أكبر كان في انتظاره. رفع رأسه ببطء، محاولاً فهم المكان المحيط به، لكنه واجه سواداً مطلقاً، مظلماً بشكل مخيف كأن الظلام نفسه كان يلتهم الهواء.
“ما الذي يحدث؟” تمتم رين بصوت قلق، محاولاً أن يرى حتى يديه أمامه، لكن رؤيته كانت معدومة تماماً. كل شيء حوله بدا وكأنه فقد تماسكه في بحر من الظلام الكثيف. حاول رين التحرك، لكنه شعر بشيء ثقيل يجمده في مكانه، وكأن جسده قد خضع لقوة قاهرة تمنعه من اتخاذ حتى خطوة واحدة.
صوت تصفيق بطيء ارتفع في الأجواء، مخترقاً ذلك السكون الرهيب، متبوعاً بضحكة باردة تملأ المكان برهبة قاتمة. الصوت كان مألوفاً، وصدم رين حتى جوهره.
“إذاً، هل استمتعت بتذوقي، يا طالب؟” جاء الصوت مشحوناً بالتهكم والسخرية، مجمداً دماء رين في عروقه. لم يكن يحتاج التفكير طويلاً؛ لقد تعرف على الصوت فوراً. “لا يمكن… هل هذا شبحه؟ أم أنني قد سقطت في شيء أكثر رعباً؟”
قبل أن يتمكن رين من استكمال أفكاره، تبدد الظلام فجأة. ظهرت أمامه مساحة جديدة، لكن المشهد الذي واجهه كان بعيداً كل البعد عن الراحة. وجد نفسه واقفاً بشكل مقلوب، رأسه متجهاً نحو الأرض وسلاسل سوداء قوية تحيط بجسده بإحكام. تلك السلاسل كانت مغلفة بأوراق وتمائم قديمة منقوشة بأشكال غريبة لا يمكن وصفها. كانت تشع طاقة غير طبيعية، وتبث شعوراً بالخطر المحيط.
أمامه، جلس رجل على كرسي بطريقة مهيبة وجدية. كان يملك عيوناً مغمضة قليلاً، وشعراً أزرق يميل إلى الرمادي، ولحية خفيفة تضيف لمسة من الغموض على وسامته الهادئة. كان يرتدي معطفاً أسوداً يليق به تماماً، ومع ذلك، كان هناك شعور كاسح بالهيبة والخطر ينبعث منه.
رين لم يستطع التفكير بوضوح، كان في حالة من التجميد العقلي. ذلك الشخص الجالس أمامه، على الرغم من مظهره الغريب، كان هو الرقيب الذي قتل للتو.
“ما الذي يحدث؟” همس رين لنفسه بصوت ضعيف، وهو ينظر إلى التاج الذهبي الذي يرتديه. “هل هذا التاج قد أوقعني في شيء أعمق مما توقعت؟ ولكنني متأكد… لقد قتلته لاستعادة جسدي!”
ومع ازدياد ارتباكه، لم يكن بمقدور رين سوى التفكير في الاحتمالات الرهيبة التي قد تكون بانتظاره.
عندما تكلم الرقيب بنبرة مليئة بالسخرية الهادئة، كان صوته يحمل تلاعبًا واضحًا بمشاعر رين المتوترة. ضحكته الخفيفة امتدت في الهواء، ملامسة تلك البرودة التي كانت تحيط بالمكان الغريب الذي وجد رين نفسه فيه. “يبدو أنك متوتر يا طالب،” قال الرقيب وهو ينظر إلى رين بعينين هادئتين رغم التوتر المتصاعد في الجو. “لا تقلق… هههه، كيف أصيغ هذا لك بطريقة مناسبة؟”
لم يكن لرين من رد سوى أن يشعر بأن عقله كان على حافة الانهيار. كيف يمكنه أن لا يقلق وهو عالق في موقف لا يملك فيه السيطرة على شيء؟ تردد كلمات الرقيب في رأسه كصفعة ساخرة أخرى على وجهه المرهق.
أكمل الرقيب دون تردد، “أردت شرح الأمور لك سابقًا، لكنني لم أتوقع أن يتم اكتشافي من قِبَل نسخة خادم النور المنسي بهذه السرعة… يمكنك القول إنه كان سوء تقدير من جانبي.”
بينما كان يتحدث، بدأ رين يستعيد ببطء مشاهد من اللقاء السابق، ذلك الكيان الغامض في البدلة السوداء. لوهلة، حاول رين أن يقاوم تلك الذكريات المزعجة؛ هذا ليس الوقت المناسب للتفكير في تلك التفاصيل. “ما الذي يعنيه الرقيب بقوله لا تقلق؟ وأنا في هذا الموقف؟”
كان الرقيب ما يزال يتلاعب بالجو من حوله، فأخذ يفتح عينيه الحمراء اللامعة ببطء، وكأنهما قد اشتعلتا فجأة بلهيب مجهول. “كما أنني لم أتوقع أن يكون معك تاج الأمير المجنون.”
كلمات الرقيب سقطت كالصاعقة على مسامع رين. “تاج الأمير المجنون! إذن، هذا هو اسمه؟ لكن ما هو حقًا؟ لقد كنت على يقين من أنه ليس تاجًا طبيعيًا، ولكن هذا…” أفكاره بدأت تنحدر في دوامة من الذهول والارتباك.
ثم تابع الرقيب حديثه بنبرة أكثر برودة، وكأن ما سيقوله هو المفتاح لكل ما كان يحدث. “لكن حتى أنا لم أتوقع أن أحلامك ومشاعرك ستتعرض لهذا القدر من التشويه تحت تأثيره.”
بدت تلك الكلمات وكأنها سيف اخترق عقله مباشرة. رين شعر وكأن كل ما مر به قد تم إعادة تشكيله، وكأن كل أحلامه ورغباته كانت تُعاد صياغتها ببطء من قبل شيء أعمق وأكثر خفاء مما أدركه في البداية.
واصل الرقيب كلامه، نبرته تنساب برودة وجدية في الهواء الثقيل، كما لو كان يستعد للكشف عن حقيقة قاتمة لا رجعة فيها. كانت عيناه تراقبان رين باهتمام هادئ، وكان الجو من حولهما يحمل توتراً خفياً، كأن اللحظات نفسها تكتم أنفاسها.
“دعني أوضح الأمور لك من البداية.” قال الرقيب، وصوته يحمل ثقة مريبة، كما لو أن ما سيقوله الآن يحمل وزناً يفوق قدرة رين على الفهم. “أنت، الطالب الذي التقى بالجرذ ذو الرؤوس الخمسة.” للحظة، كانت الكلمات كافية لجعل عقل رين يتوقف عن التفكير، كأنما سمع شيئًا غير معقول.
الرقيب تابع، وعيناه تتنقلان بين رين وبين الأرض، كما لو كان يستحضر مشاهد من معركة لم يحضرها بنفسه. “لو أن شخصًا عاديًا واجهه، لكان الأمر بمنزلة حكم إعدام فوري. لا فرصة للهروب أو النجاة. ولكن عندما تفحصت ساحة معركتك… لم أجد ما كنت أتوقعه. كان هناك شيء آخر. شيء… غريب.” ابتسم ابتسامة باردة قبل أن يضيف: “أنت لست شخصًا عاديًا، أظن أن جانبك، أو ربما قدرتك الفطرية، مرتبطة بالقتال.”
عندما قال الرقيب هذه الكلمات، شعر رين بأن الغرفة تدور من حوله، وأن كل شيء كان يغوص في ضباب كثيف. “جانب؟ قدرة فطرية؟” تمتم في داخله. كانت الكلمات تتردد في ذهنه كصدى، لكن المعنى كان يفلت منه. “عن أي قدرة يتحدث؟” تساءل، قلبه يخفق بسرعة غير مألوفة. حاول التحرك، لكنه شعر أن جسده مغلول بسلاسل غير مرئية، يكبلها شيء أكثر غموضاً من مجرد الخوف.
الرقيب توقف فجأة، وكأن شيئًا في عقله نبّهه إلى أنه قال أكثر مما يجب. نظر إلى رين بعينين حذرتين، ثم ضيق عينيه قليلاً قبل أن يضيف: “آه، نسيت. هذه معلومات سرية. ولكن لا تقلق، في حالتك، ستتعلم بشأنها قريبًا.”
كلماته كانت تتسلل إلى عقل رين كالدخان، تتشابك مع أفكاره وتزيد من حيرته. “قدرة فطرية؟ جانبي؟” كان يحاول أن يجد أي معنى لكلام الرقيب، لكنه بدا وكأن العالم من حوله أصبح أضيق، كأنه محاصر داخل هذا الغموض الذي يلفه من كل جهة. “لا، هذا خطأ. أنا لست شخصًا مميزًا. لا أملك أي قدرات.” حاول إقناع نفسه، لكن عقله كان يغرق في مزيد من الشكوك.
الرقيب استأنف حديثه، ونبرته هذه المرة كانت أكثر حدة، كأنه يريد أن يغلق الباب أمام أي تساؤل. “لم يكن مجرد نجاتك من الجرذ ذو الرؤوس الخمسة هو ما يثير الإعجاب.” قال ذلك بنبرة جافة، وعيناه تلمعان بتقييم صارم. “لقد قتلته. واجهته وقتلته. وهذا ليس شيئًا يمكن لأي شخص فعله. هذا إنجاز كبير… لدي آمال كبيرة فيما يمكنك تحقيقه عند الاستيقاظ.”
لكن تلك الآمال كانت مغلفة بشيء مظلم، رين شعر بذلك قبل أن ينطق الرقيب بكلماته التالية. كان الجو يزداد كثافة، وكأن الهواء ذاته يحمل أخباراً سيئة. “لكن للأسف، الجرذ الملعون فعّل قدرته الفطرية عليك بنجاح، وهذا ما تسبب لك بخسارة كبيرة.”
تردد صدى كلمات الرقيب في عقل رين كضربات مطرقة على باب ثقيل. “خسارة؟” فكر، لكن الفكرة لم تكتمل. كان عقله عالقًا بين الواقع والكابوس. “ما الذي يقصده؟” أراد أن يسأل، أن يصرخ، لكن جسده كان مقيدًا. شعور بالعجز بدأ يتسلل إلى روحه، كأنه محاصر في قفص لا يرى له مخرجًا.
الرقيب نظر إليه بهدوء، كأنه ينتظر اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية. “يبدو أنك لا تفهم. دعني أشرح لك بشكل أوضح. قدرة الجرذ ذو الرؤوس الخمسة تسمح له بتبادل الأجساد مع هدف واحد فقط، ولكن بشرط تفعيلها… وهو موته.”
كانت كلمات الرقيب تخرج ببطء، كأنما يستمتع بكل تفصيل صغير، ويعرف تمامًا مدى صدمتها لرين. “قد تبدو هذه القدرة عديمة القيمة لأول وهلة، لكن الحقيقة أنها لعنة مميتة. عند موته، سيتبادل جسده معك، وستُحبس داخل جسده، بينما جسمك يصبح مجرد قفص فارغ.”
تلك الكلمات كانت كصدى يتردد في عقل رين، صورة الجرذ المرعب بدأت تتضح في ذهنه: رأسه الكبير، وفكه المفتوح كأنه يستعد لالتهام كل شيء. شعور بالدوار اجتاحه، كأنما روحه نفسها بدأت تنفصل عن جسده.
الرقيب لم يتوقف، بل أضاف ببرود: “لكن هذه ليست النهاية. بالإضافة إلى فقدان جسدك، ستفقد نصف عمرك المتبقي.”
هنا، توقف الرقيب ليراقب ردة فعل رين، لكن وجه الأخير كان خاليًا من أي تعبير. داخله، كان كل شيء ينهار. “نصف عمري؟” ترددت الفكرة في ذهنه، لكنها لم تكن أكثر من ظلال كلمات. لم يعد عقله قادرًا على استيعاب الحقيقة. “كيف يمكن أن أفقد نصف حياتي؟”
الرقيب استأنف حديثه، وكأنه يسرد حقيقة معروفة للجميع: “إذا كان لديك 80 عامًا للعيش، فسوف تفقد 40 منها ببساطة.”
كانت الكلمات كالسيف الذي يشق أعماق قلب رين. “أربعون سنة… أربعون سنة تذهب في لمح البصر؟” كان هذا غير قابل للتصديق. كيف يمكن أن تختفي كل تلك السنوات هكذا؟ لم يعد قادرًا على التفكير بشكل منطقي. كل ما يشعر به كان ثقلًا يسحقه، كأنه محاط بجدران لا يراها.
“والأسوأ من ذلك”، أضاف الرقيب بنبرة أكثر خفوتًا، وكأنما كان يخشى من تأثير كلماته، “أن العمر الذي تفقده لا يختفي ببساطة. بل ينتقل إلى أقرب كائن، مهما كان نوعه.” توقف قليلًا، وكأنما كان يتلذذ بما سيقوله بعد ذلك. “وفي حالتك… كان أقرب كائن هو تاج الأمير المجنون.”
كان الصمت يسيطر على كل شيء الآن. “تاج الأمير المجنون؟” تساءل رين، لكن عقله كان غارقًا في ظلام غريب. لم يكن يفهم تمامًا ما الذي يعنيه الرقيب، لكن فكرة فقدان نصف حياته واستبدال جسده بجسد الجرذ كانت كافية لجعل كل شيء يبدو ككابوس مستمر لا نهاية له.
الرقيب اقترب خطوة أخرى، كأنه أراد التأكد أن كلماته الأخيرة تصل بوضوح إلى عقل رين المشوش. “وأخيرًا، إذا حاولت مرة أخرى الهروب من جسد الجرذ ذو الرؤوس الخمسة أو أن تنتقل إلى جسد آخر، فسوف تدفع الثمن مجددًا. سيفقد الهدف نصف عمره المتبقي.”
الكلمات الأخيرة كانت كالمطرقة التي تهوي بقوة على روح رين. كان كل شيء حوله يتلاشى في الظلام. الوقت، العمر، الجسد، كلها مفاهيم أصبحت غير واضحة، غارقة في فوضى مخيفة.
ابتسم الرقيب ابتسامة هازئة، ثم قال بنبرة مليئة بالسخرية: “هاه، أمر محبط أليس كذلك؟ حسنًا، حاول فقط أن تكون مفيدًا في المستقبل يا صديقي الصغير… أو ربما يجب أن أقول يا قصير العمر؟”
عندما ألقى الرقيب كلماته الأخيرة بنبرة هادئة لكنها مشبعة بالسخرية، كان الأمر أشبه بصب الزيت على نار مكبوتة في أعماق رين. جفلت أنفاسه وشعر بشيء ثقيل وغامض يغلي في صدره، كأن الغضب الذي كان يحاول كبحه بدأ يتسلل من داخله إلى سطح وعيه، مستعِدًا للانفجار. كان الرقيب يقف أمامه بلا حراك، كأنما يسخر ببرود من المصير المأساوي الذي فرضه على رين.
“تبا لك أيها الجندي الملعون!” فكر رين، والشعور بالغضب يزداد اشتعالاً. “هل يسخر مني هذا المعتوه؟”
الرقيب ابتسم بخبث، كأنه يقرأ أفكار رين بدقة، وقال بهدوء مستفز: “أظن أنني شرحت موضوع الجرذ بنجاح، أليس كذلك؟” كانت عيناه تسخران من رين، وكأنهما تذوقتا متعة خفية في إغراقه في يأسه. “كان من المفترض أن أشرح ذلك سابقًا، لكن…” رفع الرقيب يده بشكل مبالغ، وكأن يشرح موقفًا بسيطًا، “استنساخ خادم النور المنسي قطع لقائنا.” توقف للحظة، ناظرًا إلى رين ليشاهد رد فعله.
“خادم النور المنسي؟” تردد الاسم في عقل رين، لكن قبل أن يتمكن من التفكير فيه أكثر، تابع الرقيب بنفس النبرة الجافة: “ودعنا نتخطى هذا الجزء. مجرد معرفتك بالخادم قد يجعلك عرضة لخطر أكبر. لا حاجة لك بهذا العبء الآن.”
كان رين يحاول أن يتمالك نفسه، لكنه شعر بأن الحبل الذي كان يمسك به كان ينزلق من بين أصابعه، بسرعة لا يمكن السيطرة عليها. الرقيب استأنف الكلام، وصوته هذه المرة كان أخفّ، لكنه حمل ثقلًا هائلًا: “عندما اقتربت منك لوضع تميمة المسافر الملعون من أجل الهروب، لاحظت أخيرًا تاج الأمير المجنون الذي كان يخفي وجوده بقوة. وأدركت حينها أنه قد وصل إلى مركز عقلك بالفعل.”
عند هذه النقطة، لم يعد رين يسمع سوى كلمات الرقيب وهي تتردد في ذهنه. “التاج…؟” كانت فكرة أن شيئًا غريبًا وغامضًا قد سيطر على عقله تجعله يشعر وكأن الأرض تسحب نفسها من تحت قدميه. شيء غير مرئي، شيء أكبر منه، قد تلاعب به طوال هذا الوقت.
الرقيب أضاف، وعيناه تحملان نظرة شفقة مختلطة ببرود: “لهذا السبب، صنعت ذلك الوهم، حيث أكون مصابًا بشدة ولا أستطيع الحراك. كنت مهتمًا بطموحك المظلم… وبكيف سيشوه التاج ذلك الطموح رغم أنك لا تذكر ذالك بالكامل.”
كانت هذه العبارة الأخيرة هي التي وجهت الضربة القاضية لرين. شعور بالعار اجتاحه، وكأن كل أفعاله السابقة أصبحت واضحة أمامه فجأة. نظراته كانت فارغة، متلاشية، غير قادرة على التعامل مع الحقيقة المروعة. “لقد استخدموني…” تمتم لنفسه داخليًا، غير قادر على قبول الواقع المرير الذي انكشف أمامه.
“هيا…” قال الرقيب بابتسامة متكلفة، كأنما يحاول إضفاء نكهة ساخرة على الموقف. “لم أتوقع أبدًا أنك ستقتل دميتي تلك، بل وأكثر من ذلك… أكلتها أيضًا. أنت مجنون حقًا.” ضحك الرقيب ضحكة قصيرة، كما لو كان الموقف مجرد لعبة سخيفة في نظره. “نوعًا ما؟”
كانت كلمات الرقيب مثل مسامير تدق في عقل رين. “أنا… أكلتها؟” كانت الأفكار تتسارع في رأسه، لكن أي محاولة منه لتفسير ما حدث كانت تصطدم بحقيقة واحدة غير قابلة للنكران: لقد خسر. خسر جسده، خسر عمره، والآن… خسر نفسه.
الرقيب اختتم حديثه بنبرة أكثر برودة، كأنما يريد تثبيت الحقيقة النهائية في عقل رين الممزق: “من الواضح أنك لم تتقبل خسارة مظهرك السابق ووجودك داخل جسد الجرذ ذو الرؤوس الخمسة. لقد تلاعب التاج بأفكارك وخياراتك بنجاح.”
كلمات الرقيب كانت تثقل الهواء من حول رين، وكأنها تربط جسده بمزيد من القيود. لم يعد قادرًا على الهروب من هذه الحقيقة المروعة.
