تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل92

ذروة عالم الغموض الأرضي

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 23, 2026
Mortal
ترجمة ورفع الفصل Mortal
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل الثاني والتسعون: ذروة عالم الغموض الأرضي

 

«أيها الجنرال فانغ! لقد عدت في الوقت المناسب تمامًا!»

 

ما إن رأى نيو جويي فانغ تشين حتى أقبل عليه بوجه تغمره الحماسة، ثم أخذ يسرد عليه ما حدث دفعة واحدة، كأنما كان ينتظر عودته بفارغ الصبر ليزيح عن صدره كل ما تراكم من أخبار.

 

وقف حرس السيف الشجاع المحيطون بهما يتبادلون النظرات في حيرة. لم يستطيعوا فهم موقف نيو جويي؛ أكان واحدًا منهم، أم صار من رجال فانغ تشين؟

 

وحين علمت يو شيانزي أن جميع أفراد أسرة فانغ قد اقتيدوا إلى القصر الإمبراطوري، اشتعل غضبها. التفتت إلى فانغ تشين وخفضت صوتها، لكنها لم تستطع إخفاء السخط في نبرتها.

 

«أيها السيد الشاب، ذلك الإمبراطور الكلب.»

 

الإمبراطور الكلب!

 

تبدّل وجه نيو جويي في الحال. لم ينتظر حتى تكمل يو شيانزي كلامها، بل استدار وصاح في الحراس القريبين:

 

«ابتعدوا جميعًا! حالًا!»

 

«أمرك!»

 

لم يجرؤ أحد منهم على الاعتراض. انسحبوا مسرعين إلى مسافة بعيدة، وقد أدركوا أنهم ربما التقطوا للتو كلمات لم يكن ينبغي لهم سماعها أصلًا.

 

لم يبدُ أن فانغ تشين اكترث بالأمر. انشغل بما سمعه، ثم سأل بتروٍّ:

 

«المبعوث الذي أرسلته مملكة هانشوي هذه المرة اسمه جي لينغيوي، أليس كذلك؟»

 

ألقى نيو جويي نظرة خاطفة على يو شيانزي، ثم أومأ برأسه.

 

«نعم، جي لينغيوي. وقد جاء معه فريق من فرسان الكابوس. سمعت أن كل فارس منهم مقاتل بلغ ذروة عالم التشي الإمبراطوري، وأنهم، بمساعدة خيولهم الحربية، يستطيعون اختراق صفوف جيش شيا العظمى المؤلف من مئة ألف جندي، والاندفاع خلالها ذهابًا وإيابًا مرات عدة. وكل ذلك رغم أن عددهم لا يتجاوز بضع مئات.»

 

لم يُظهر فانغ تشين دهشة تُذكر. بدا كأنه يرتّب المعلومات في ذهنه، ثم قال:

 

«جي لينغيوي ليس من أبرز أفراد الجيل الشاب في عشيرة جي، ومع ذلك، فقد بلغ مستوى زراعته عالم الغموض الأرضي، وفقًا لما أعرفه.»

 

ثم تابع بصوت خافت، كأنه يحدّث نفسه:

 

«عشيرة جي ذات نفوذ هائل في مملكة هانشوي؛ فهي تسيطر على ما يقارب نصف البلاد. حتى إمبراطور هانشوي يعامل زعيم العشيرة كأنه أخوه. أما فرسان الكابوس، فلدى مملكة هانشوي منهم عشرة آلاف فارس، نصفهم تحت قيادة عشيرة جي.»

 

اتسعت عينا نيو جويي، وشعر كأن جرعة من الهواء البارد قد انزلقت إلى صدره.

 

عشرة آلاف فارس من فرسان الكابوس!

 

لم يكن الأمر مجرد عدد كبير من الفرسان؛ بل قوة عسكرية كاملة، يستطيع كل فرد فيها أن يبلغ ذروة عالم التشي الإمبراطوري، فما بالك حين يجتمعون في تشكيل واحد وتحت قيادة موحّدة؟

 

كان نيو جويي يظن أن تفوق مملكة هانشوي على شيا العظمى بعشرة أضعاف، أو حتى بعشرات الأضعاف، كافٍ ليجعل الفارق بينهما هائلًا. لكن المعلومات التي سمعها للتو هدمت تصوره كله. بدا له أن المسافة بين المملكتين أوسع بكثير مما تخيل، حتى إنه لم يعد يعرف كيف يقيسها.

 

ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة، وقال:

 

«لمملكة هانشوي ست عشرة مملكة تابعة، هل ظننت حقًا أن شيا العظمى وغوهي ويي تشو ولونغدو هي وحدها تلك الممالك؟ نحن لا نشغل سوى الجزء الشرقي من أراضي مملكة هانشوي.»

 

لم يكن فانغ تشين يتحدث من فراغ.

 

فمنذ أن تولّى قيادة القوات وأنشأ حرس شيا العظمى السري، لم يقتصر اهتمامه على جمع المعلومات عن الدول المجاورة، بل أولى اهتمامًا خاصًا بمملكتهم العليا، مملكة هانشوي. كان يدرك أن الجهل بحجم القوة التي تقف فوقهم قد يكون أخطر من مواجهة عدو يعرفون قدراته.

 

ولعل مملكة هانشوي لم ترَ في ممالكها التابعة خطرًا يستحق الحذر؛ فقد اعتقدت على الأرجح أن هذه الممالك لن تتمكن يومًا من تجاوزها، ولذلك لم تتكلف عناء إخفاء بعض أسرارها.

 

كانت المعلومات المتعلقة ببنية القوى في مملكة هانشوي وترتيب خبرائها من بين الأمور التي استطاع حرس شيا العظمى السري الحصول عليها بسهولة نسبيًا. ولهذا لم يكن فانغ تشين يجهل حقيقة الوضع هناك.

 

كما أن للمسألة صلة بماضي فانغ زيتيان؛ ففي شبابه، خاض مواجهة مع فرسان الكابوس التابعين لمملكة هانشوي، وكانت الإصابة الداخلية التي بقيت في جسده أثرًا من آثار تلك المعركة.

 

أما نيو جويي، فظل غارقًا في دهشته.

 

«إذًا، تمتلك مملكة هانشوي كل هذه الممالك التابعة، لا عجب في أنها بهذه القوة. فالإتاوات التي تقدمها تلك الممالك سنويًا وحدها لا بد أن تكون ثروة هائلة!»

 

لم يعلّق فانغ تشين على كلامه، بل انتقل إلى مسألة أخرى بدت أكثر إثارة لاهتمامه.

 

«لم أتوقع أن يكون النبيل تشو شيو نسلًا غير شرعي تركته عشيرة جي في لونغدو. تُرى، أي فرد من عشيرة جي كان لديه متسع من الوقت ليفعل شيئًا كهذا؟»

 

قالها كما لو كان يتأمل أمرًا عابرًا، ثم اقترب من يو شيانزي وهمس لها ببضع كلمات.

 

استمعت إليه يو شيانزي، وأومأت برأسها إيماءة خفيفة، ثم امتطت حصانها وانطلقت من دون إبطاء.

 

بعدها ربّت فانغ تشين على كتف نيو جويي، وقال:

 

«أيها القائد نيو، احرص على حماية دار أسرة فانغ. المكان خالٍ تمامًا الآن، وأخشى أن يستغل بعض اللصوص غياب أهله ليتسللوا إليه ويسرقوه.»

 

أنهى كلامه، ثم اصطحب رئيسة الدير تشنغهي متوجهًا إلى القصر الإمبراطوري.

 

ولم يجرؤ حرس السيف الشجاع على الاقتراب من نيو جويي مجددًا إلا بعدما ابتعد الاثنان.

 

تقدّم أحدهم بحذر، ثم سأله بصوت خافت:

 

«سيدي نيو، ألم تكن تلك يو شيانزي؟ ما قالته للتو يُعدّ إساءة إلى جلالة الإمبراطور، بل قد يُعدّ تمردًا على العرش!»

 

نظر إليه نيو جويي ببرود.

 

«من سمع شيئًا؟ ومن يملك دليلًا على ما قيل؟ اسمعوا جيدًا: لا تتدخلوا فيما لا يعنينا. هذه هي الطريقة التي تضمن لنا البقاء أحياء مدة أطول. هل فهمتم؟»

 

تبادل الحراس النظرات، لكن أحدهم ظل قلقًا. تردد لحظة، ثم تشجع على طرح السؤال الذي كان يؤرقه:

 

«سيدي، يبدو أن الجنرال فانغ لن ينجو هذه المرة. وأنت قريب منه إلى هذا الحد، ألا تخشى أن يحاسبك أحد بعد انتهاء هذه الأزمة؟ لقد صنع لنفسه أعداء كثيرين في العاصمة.»

 

فإذا سقط نيو جويه في حملة تصفية الحسابات، فلن يكون مرؤوسوه بمنأى عن العواقب.

 

تنفّس نيو جويه بعمق، ثم قال:

 

«أنتم لا تفهمون، أنا أراهن بكل شيء.»

 

«تراهن!»

 

ظهرت الحيرة على وجه أحد مرؤوسيه.

 

ارتسمت على شفتي نيو جويي ابتسامة ماكرة.

 

«إن خسرت، فلن يكون أسوأ ما يحدث لي سوى أن أُركن جانبًا وأُحرم من المناصب المهمة. وماذا بوسعهم أن يفعلوا بي أكثر من ذلك؟ أما إن ربحت، فسأقول لكم شيئًا: الجنرال فانغ لا ينسى المعروف، وستنتظرني منافع كثيرة في المستقبل!»

 

ثم أطلق ضحكة خبيثة، وأشار إليهم بإصبعه.

 

«أنتم أيها الصغار لا تزالون قليلي الخبرة. راقبوني وتعلموا مني جيدًا!»

 

«أمرك.»

 

أجابوه، لكن نظراتهم ظلت مترددة. لم يقتنعوا بأن رهان نيو جويي سينتهي لمصلحته؛ ففي نظرهم، كان الجنرال فانغ يواجه هذه المرة خطرًا لا يمكن الاستهانة به.

 

القصر الإمبراطوري — قاعة تايهي

 

لم يسبق أن احتشد هذا العدد من الناس في قاعة تايهي. ولم يقتصر الحاضرون على المسؤولين المدنيين والعسكريين، بل ضمّ الجمع عددًا كبيرًا من الخدم والخادمات أيضًا.

 

كانوا جميعًا من أفراد أسرة فانغ.

 

وقف المسؤولون على جانبي القاعة، يتبادلون النظرات المتوجسة. لم يكن المشهد عاديًا، ولم تكن الأجواء توحي بأن الأمر مجرد استدعاء رسمي.

 

وحين لمح فانغ كانغهاي والده، فانغ زيتيان، ظهر في القاعة، أسرع إلى الانحناء احترامًا له.

 

«أبي، هل أنهيت اعتكافك؟»

 

أومأ فانغ زيتيان برأسه بهدوء.

 

«نعم.»

 

توجّهت أنظار المسؤولين إليه دفعة واحدة. كان بعضهم قد عمل معه في الماضي، وعرف عن قرب مكانته وقدراته، بينما لم يعرفه آخرون إلا من خلال الروايات المتناقلة عن إنجازاته.

 

ومهما اختلفت معرفتهم به، فقد اتفقوا على أمر واحد: كان فانغ زيتيان رجلًا لا يُستهان به.

 

لكن ذلك لم يمنعهم من إدراك خطورة الموقف الراهن. فأسرة فانغ، مهما بلغت مكانتها في العاصمة، بدت اليوم وكأنها تقف على حافة الهاوية.

 

وتسللت الأنظار، واحدة تلو الأخرى، نحو جي لينغيوي.

 

كان فرسان الكابوس الذين جاء بهم مصطفّين خلفه داخل القاعة، بكامل عدّتهم، مستعدين للتحرك في أي لحظة. ولم يكن الحاضرون بحاجة إلى تخيل ما قد يحدث لو أصدر جي لينغيوي أمرًا بالهجوم؛ فهؤلاء الفرسان قادرون في نظرهم على تحويل القاعة إلى مسلخ قبل أن يتمكن أحد من الرد.

 

كان يكفي أن يأمرهم، حتى تنقلب هذه الجلسة إلى مذبحة.

 

وحين رأت الإمبراطورة فانغ زيتيان، ازدادت حدة القلق في عينيها. لم تستطع أداء التحية له بسبب الموقف، لكنها لم تستطع إخفاء اضطرابها.

 

وخلفها وقفت القرينة هوا وشيا يو وآخرون. تباينت تعابيرهم حين ظهر فانغ زيتيان، أما القرينة هوا، فلم تستطع إخفاء الشماتة التي ملأت عينيها.

 

قطع الإمبراطور الصمت، وقال ببطء:

 

«أيها الجنرال العجوز فانغ، لقد مضت سنوات طويلة منذ آخر لقاء بيننا. أخبرني، هل أفلحت خلال اعتكافك الطويل في اختراق عالم الدان تشي؟»

 

أرهف الحاضرون السمع على الفور.

 

لم يكن السؤال عابرًا. ففي مثل هذه اللحظة، قد يغيّر جواب واحد تقدير الجميع لما يمكن أن يحدث داخل القاعة.

 

ابتسم فانغ زيتيان، وضمّ قبضتيه أمام صدره تحيةً، ثم أجاب:

 

«للأسف، موهبتي متواضعة، ولم أتمكن من اختراق عالم الدان تشي.»

 

لم ينجح في الاختراق!

 

تضاربت مشاعر الحاضرين. بعضهم شعر بالارتياح، وبعضهم خاب أمله، بينما لم يعرف آخرون ما إذا كان عليهم أن يفرحوا أم يقلقوا أكثر.

 

أومأ الإمبراطور برأسه.

 

«هذا مفهوم. فطريق الفنون القتالية ليس سهلًا.»

 

ثم لم يلبث أن غيّر نبرة حديثه، والتفت إلى الحاضرين.

 

«لا بد أنكم تعرفون سبب استدعائي لكم اليوم، أليس كذلك؟»

 

وجّه نظره إلى جي لينغيوي، ثم قال:

 

«هذا هو السيد جي لينغيوي، مبعوث مملكة هانشوي.»

 

نظر فانغ زيتيان إلى الرجل الجديد، ثم سأله بابتسامة هادئة:

 

«جي لينغيوي، ما صلتك بجي تسونغيون؟»

 

تحرّكت عينا جي لينغيوي قليلًا.

 

«أتعرف جدّي؟»

 

لم يكن الحاضرون أقل دهشة منه. فلم يتوقعوا أن يكون فانغ زيتيان على معرفة بأحد كبار عشيرة جي، ولا سيما أن الأمر يعود إلى سنوات طويلة مضت.

 

ابتسم فانغ زيتيان وقال:

 

«سبق أن خضت مواجهة معه قبل سنوات طويلة.»

 

ارتسمت على وجه جي لينغيوي ابتسامة ساخرة.

 

«إذًا، أنت ذلك الرجل الذي هزمه جدّي! لقد أخبرنا جدّي أنه التقى، خلال إحدى رحلاته في عالم البشر، بمقاتل من شيا العظمى. وسمعت منه أنك أُصبت إصابة بالغة في تلك المعركة، وأن مستوى زراعتك لن يتقدم قيد أنملة، حتى لو نجوت من الموت.»

 

ما إن انتهى من كلامه حتى اشتعل الغضب في نفوس أفراد أسرة فانغ.

 

أما المسؤولون المدنيون والعسكريون، فقد تبادلوا نظرات الدهشة. لم يتوقعوا أن تكون عشيرة جي هي التي تسببت في أخطر إصابة داخلية يعاني منها فانغ زيتيان، ولا أن يجرؤ مبعوثها على استحضار تلك الهزيمة أمام الجميع بهذه الطريقة.

 

ومع ذلك، لم يتغير تعبير فانغ زيتيان كثيرًا. اكتفى بابتسامة خفيفة، ثم سأل:

 

«وما مستوى زراعة جي تسونغيون الآن؟»

 

أجاب جي لينغيوي، وهو يحدّق فيه بازدراء واضح:

 

«لقد بلغ جدّي منذ زمن ذروة عالم الغموض الأرضي. أما أنت، فلست في نظره اليوم سوى حشرة ضئيلة.»

 

ذروة عالم الغموض الأرضي!

 

اجتاح الذهول القاعة.

 

لم يكن الأمر مجرد مرتبة أعلى من المراتب التي عرفوها؛ بل كان مستوى يصعب على كثيرين منهم تصور القوة التي يتيحها لصاحبه. وحتى أولئك الذين سمعوا عن هذا العالم من قبل، لم يستطيعوا أن يتخيلوا حقيقة الفارق بينه وبين ما عرفوه من قوة المقاتلين.

 

تمتم فانغ زيتيان بإعجاب وتأمل:

 

«ذروة عالم الغموض الأرضي يبدو أن مقاتلًا بلغ هذا المستوى لم يعد من الممكن اعتباره إنسانًا عاديًا.»

 

ضحك جي لينغيوي بخفة.

 

«هذا صحيح. ففي مملكة هانشوي، ينظر الرعايا إلى جدّي باعتباره سيد.»

 

ثم توقف لحظة، قبل أن ينتقل إلى سبب حضوره.

 

«أما سبب مجيئي اليوم، فهو أن فانغ تشين، أحد أفراد أسرتكم، قتل النبيل تشو شيو، الذي ينتمي إلى سلالة عشيرة جي وكان يعيش في لونغدو.»

 

أجابه فانغ زيتيان بهدوء:

 

«لا إثم على من يجهل الحقيقة. عندما تخوض مملكتان صراعًا، لم يكن تشين إير ليتوقع أن يكون النبيل تشو شيو من سلالة عشيرتكم. وشيا العظمى ولونغدو كلتاهما من الممالك التابعة لهانشوي، لذا نأمل أن تعاملنا مملكة هانشوي بإنصاف في هذه المسألة.»

 

«لا إثم على من يجهل الحقيقة!»

 

انفجر جي لينغيوي بضحكة ساخرة.

 

«لا وجود لمثل هذا الكلام في مملكة هانشوي! ما دام فانغ تشين قد قتل أحد أفراد سلالة عشيرتي، فلن يُسدَّد هذا الدين إلا بالدم!»

 

تغيّرت وجوه فانغ كانغهاي والآخرين في الحال.

 

لم تعد المسألة تحتمل التأويل. لم يأتِ جي لينغيوي لمجرد الاستفسار عن مقتل تشو شيو، ولم يكن مستعدًا لقبول تفسير أو تسوية تحفظ ماء الوجه. لقد جاء ليطالب بحياة فانغ تشين.

 

التفت فانغ زيتيان إلى الإمبراطور. لمعت عيناه قليلًا، لكنه حافظ على هدوئه وهو يسأل:

 

«ما رأي جلالتكم في هذا الأمر؟»

 

أجاب الإمبراطور ببطء:

 

«لقد تشاورت مع السيد جي. وهو مستعد للعفو عن جميع أفراد أسرة فانغ، ولكن يجب أن يدفع فانغ تشين حياته ثمنًا لحياة النبيل تشو شيو.»

 

ساد الصمت للحظة.

 

كان معنى كلام الإمبراطور واضحًا: يمكن لبقية الأسرة أن تنجو، بشرط أن يُسلَّم فانغ تشين إلى الموت.

 

ابتسم جي لينغيوي ابتسامة باردة، وأضاف:

 

«هذا أقصى ما يمكن أن تقدمه عشيرتي من تنازلات. وإن لم تقبلوا، فلا مانع لديّ من أن أضمّكم جميعًا إلى فانغ تشين، لترحلوا معه إلى العالم الآخر.»

 

لم يترك في كلامه مجالًا للتفاوض. إما أن يُضحّوا بفانغ تشين، وإما أن يواجهوا جميعًا عاقبة رفضهم.

 

وفي تلك اللحظة، دخلت مجموعة من حرس السيف الشجاع إلى القاعة.

 

لم يأتوا وحدهم؛ فقد اصطحبوا أدباء دولة لونغدو الذين ظلوا محتجزين طوال هذه المدة في مقر الحرس، كما حملوا معهم جثة لم يبقَ منها إلا ما يشبه الهيكل العظمي.

 

كان أدباء لونغدو قد تلقوا الأخبار مسبقًا. وما إن وقعت أعينهم على جي لينغيوي حتى خرّوا على ركبهم وانفجروا في البكاء، وراحوا يتهمون فانغ تشين بالوحشية، ويصفون ما حلّ بالنبيل تشو شيو.

 

ارتفعت أصواتهم في القاعة، وتداخلت صيحات الشكوى مع البكاء والاتهامات، بينما ظل بقية الحاضرين صامتين.

 

لم يكن جي لينغيوي بحاجة إلى كثير من الكلام؛ فقد صار المشهد نفسه جزءًا من حجته.

 

ألقى نظرة على الجثة، ثم قال بهدوء بارد:

 

«مهما يكن، فقد كان يُعدّ ابن عمّي. أخبروني، إذا عومل أحد أفراد سلالة عشيرتي بهذه الطريقة، ثم اكتفيتُ بقتل فانغ تشين وحده، أفلا يُعدّ ذلك ضربًا من الرحمة؟»

 

«بلى، بالتأكيد!»

 

كان تاو مينغشنغ أول من أجاب.

 

وسرعان ما انضم إليه المسؤولون المدنيون المنتمون إلى تياره، مؤيدين كلامه. وعندما رأى المسؤولون المنتمون إلى تيار لي غوتشو ذلك، تبادلوا النظرات، ثم أيد عدد غير قليل منهم الموقف نفسه.

 

لم يكن أمامهم خيار مريح. فالضغط الذي تمارسه مملكة هانشوي جعل الاعتراض يبدو مخاطرة قد يدفعون ثمنها جميعًا. وكل ما أرادوه الآن هو إنهاء الأزمة في أسرع وقت، وإرسال جي لينغيوي ورجاله بعيدًا عن شيا العظمى.

 

ففرسان الكابوس كانوا أشبه بمقصلة معلّقة فوق رؤوسهم؛ يكفي أن تهوي حتى تنتهي حياة من في القاعة قبل أن يتمكنوا من فعل شيء.

 

أما القادة العسكريون، فقد التزموا الصمت.

 

لم يكن الصمت دليلًا على اقتناعهم، بل على عجزهم عن قبول ما يجري. فعندما نظروا إلى فانغ زيتيان، لم يروا سوى الرجل الذي يستحق احترامهم. وكان الوقوف في هذه اللحظة لتوجيه الاتهامات إلى حفيده أمرًا يصعب عليهم احتماله، حتى إنهم كانوا يفضّلون الموت عليه.

 

وفجأة، ارتفع صوت أحد أدباء لونغدو:

 

«أيها السيد القادم من المملكة العليا، لا ينبغي أن تقتل فانغ تشين وحده! فهناك عدد من الخبراء تحت إمرته، وقد ساعدوه على ارتكاب جرائمه!»

 

تحرّكت عينا جي لينغيوي قليلًا.

 

«أشيروا إليهم.»

 

لم يتردد الأدباء طويلًا. رفع أحدهم يده وأشار إلى الرجال الواقفين في القاعة.

 

«هو! وهو! وهو أيضًا!»

 

كان الذين أشار إليهم شو جي وتاي ما وهوانغ سيهاي ولي الداوي.

 

تجمّد لي الداوي في مكانه من شدة الذهول.

 

ما الذي حدث بالضبط؟ متى أصبح هو الآخر هدفًا لهذه المجموعة من الأوغاد؟!

 

قال جي لينغيوي بابتسامة خفيفة:

 

«إذًا، اقطعوا رؤوس هؤلاء أيضًا.»

 

«يا لك من وقح!»

 

لم يتمالك لي الداوي نفسه، فصاح بغضب:

 

«من تظن نفسك حتى تتجرأ على قطع رأس سيدك لي؟! أنتم مجرد عامة من إمبراطورية من الرتبة الثامنة، فما الذي يدعوكم إلى كل هذا الغرور؟!»

 

ساد صمت مطبق في قاعة تايخه.

 

توجّهت الأنظار إلى لي الداوي من كل جانب. أيّ رجل شجاع هذا الذي تجرّأ على وصف إمبراطورية من الرتبة الثامنة بهذه الطريقة، بل ونعَت جي لينغيوي بأنه مجرد واحد من عامة الناس؟!

 

شعر أحد الحاضرين بأن العرق البارد يتصبب من جسده، وتمتم:

 

«هل فقد جميع رجال فانغ تشين عقولهم؟!»

 

حدّق جي لينغيوي في لي الداوي، وقد اختفت الابتسامة عن وجهه.

 

«ماذا قلت للتو؟»

 

لم يحتج إلى تكرار السؤال. ففي اللحظة نفسها، سحب فرسان الكابوس الواقفون خلفه سيوفهم من أغمادها.

 

تردّد صوت احتكاك النصال في القاعة، ثم انبعثت من الفرسان هالة قتل كثيفة اجتاحت المكان بأسره. خيّم التوتر على الحاضرين، وتصلّبت الأجساد في أماكنها، بينما لم يستطع كثيرون إبعاد أعينهم عن السيوف المسلولة.

 

تغيّر وجه الإمبراطور قليلًا، وثبّت نظره على لي الداوي.

 

لكن لي الداوي شخر بازدراء، وكأن ما يجري لا يستحق أن يثير اهتمامه.

 

«قلت إنك مجرد واحد من عامة الناس في إمبراطورية من الرتبة الثامنة. أفي كلامي خطأ؟»

 

ثم أزاح حرس السيف الشجاع الواقفين بالقرب منه، وتقدّم مباشرة نحو جي لينغيوي، حتى وقف أمامه وأشار إلى أنفه.

 

«أنا لي الداوي، من مملكة اللهب المشتعل! هل سمعت يومًا بمملكة اللهب المشتعل، تلك المملكة من الرتبة السادسة؟! أتريد قطع رأسي؟! كم حياة تملك مملكة هانشوي حتى تتمكن من دفع ثمن قتلي؟!»

 

«مملكة اللهب المشتعل من الرتبة السادسة!»

 

شهق الحاضرون من شدة الدهشة.

 

لم يسمع كثير منهم من قبل باسم مملكة اللهب المشتعل، لكن ذكر الرتبة السادسة وحده كان كافيًا لإثارة رهبة غامضة في نفوسهم. بدا لهم أن هذه الكلمات تحمل وزنًا لا يستطيعون تجاهله، وكأن جبلًا ثقيلًا هبط فجأة على صدورهم.

 

تسارعت أنفاس عدد غير قليل منهم.

 

أما فانغ زيتيان، فقد نظر إلى فانغ كانغيو بشيء من الدهشة، وكأنه يريد أن يعرف ما إذا كان ادعاء لي الداوي حقيقيًا.

 

فخفض فانغ كانغيو صوته وقال:

 

«أبي، من المحتمل فعلًا أن يكون من مملكة اللهب المشتعل لكن عقله ليس بخير.»

 

أومأ فانغ زيتيان برأسه ببطء.

 

«يبدو أن تشين إير قد تعرّف إلى صديق غير عادي. حتى لو كان مختلّ التفكير بعض الشيء، فإن مكانته وحدها كافية لجعل مملكة هانشوي تحسب له ألف حساب.»

 

«مملكة اللهب المشتعل!»

 

تبدّل تعبير وجه جي لينغيوي.

 

كان قد سمع بهذا الاسم من قبل، لكن مجرد ذكره هنا بدا أمرًا يصعب تصديقه. كيف يمكن لشخص من مملكة اللهب المشتعل أن يصل إلى هذا المكان؟!

 

كانت مملكة هانشوي نفسها مملكة عليا بالنسبة إلى الممالك التابعة لها، أما المملكة العليا لها فإمبراطورية من الرتبة السابعة، والمملكة العليا لتلك الإمبراطورية من الرتبة السادسة.

 

وكان جي لينغيوي يعرف أن الفارق بين إمبراطورية من الرتبة السادسة وأخرى من الرتبة السابعة يتجاوز كل ما يمكن وصفه بهوّة عادية، مهما بلغت سعتها.

 

وتقول الشائعات إن الإمبراطوريات من الرتبة السادسة تضم مقاتلين من فنون القتال، لكن قوتها الحقيقية لا تكمن في هؤلاء المقاتلين وحدهم، بل في وجود فئة أخرى.

 

المزارعون!

 

أولئك الذين يمتلكون قدرات مرعبة تشبه قدرات الخالدين، ولا يمكن قياس قوتهم بالمقاييس المعتادة للمقاتلين.

 

وحتى جي لينغيوي، رغم انتمائه إلى عشيرة جي ذات النفوذ الهائل، لم تتح له فرصة الاقتراب من أمثال هؤلاء، فضلًا عن أن يختبر هذه القوة بنفسه.

 

لاحظ لي الداوي صمته، فظهرت في عينيه سخرية واضحة.

 

«هاه، هل خفت؟! ما دمت تعرف الخوف، فلماذا لا تغرب عن وجهي أنت ورجالك؟!»

 

لكن جي لينغيوي سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وشخر بازدراء.

 

«لا أدري من أين التقطت هذه المعلومات عن مملكة اللهب المشتعل، لكن أتظن أنك تستطيع استخدامها لتهديدي؟! أيمكن لشخص مثلك أن يكون حقًا من رعايا مملكة اللهب المشتعل؟!»

 

ثم صاح بصوت حاد:

 

«قطّعوه إربًا!»

 

«أمرك!»

 

هتف أكثر من مئة فارس من فرسان الكابوس في وقت واحد، وهمّوا بالهجوم.

 

لكن حركاتهم تجمّدت فجأة.

 

فقد بسط لي الداوي كفّه، وظهرت فوقها كرة نارية تدور في هدوء. لم تكن كرة عادية؛ إذ انبعثت منها حرارة شديدة وهالة مرعبة، حتى خُيّل للناظرين أن كل ما يلامسها سيحترق في الحال.

 

في لحظة واحدة، تبدّل وجه جي لينغيوي.

 

إنه مزارع!

 

غرق الإمبراطور والإمبراطورة والقرينة هوا والمسؤولون المدنيون والعسكريون وشيا يو وسائر الحاضرين في ذهول لا يوصف.

 

لم يعد الأمر مجرد ادعاء عن مملكة بعيدة أو رتبة عليا. لقد ظهرت أمام أعينهم قوة لم يألفوها، قوة جعلت فرسان الكابوس يتوقفون عن الحركة في اللحظة التي كانوا فيها على وشك الهجوم.

 

ضحك لي الداوي ببرود، وأبقى الكرة النارية معلّقة فوق راحة يده.

 

«هل رأيتم؟! هذه هي الفنون الغامضة! هذه قوة لا تستطيع الإمبراطوريات من الرتب السابعة والثامنة والتاسعة امتلاكها.»

 

ثم ثبّت نظره على جي لينغيوي.

 

«جي لينغيوي، أليس كذلك؟ بما أنك تنحدر من مملكة هانشوي، تلك الإمبراطورية من الرتبة الثامنة، فهل سبق أن سمعت بالمزارعين؟!»

 

كان وجه جي لينغيوي قد شحب، وتجمّع العرق البارد على جبينه.

 

أما شو جي والآخرون، فقد تبادلوا نظرات غريبة. لم يتوقعوا أن تكفي هوية لي الداوي بوصفه مزارعًا لإرباك جي لينغيوي إلى هذا الحد.

 

ومع ذلك، لم يكن هذا كل شيء.

 

فهم، وإن لم يكونوا مزارعين، يمتلكون هم أيضًا قوى تنتمي إلى هذا المجال.

 

أما سيدهم الشاب، فانغ تشين، فكان مزارعًا حقيقيًا، أقوى من لي الداوي بما لا يُقاس!

 

«وصول فانغ تشين!»

 

في تلك اللحظة، دوّى صوت أحد الخصيان من خارج القاعة معلنًا وصوله.

 

وبعد لحظات، دخل شخصان إلى قاعة تايهي بخطوات هادئة.

 

كانا فانغ تشين ورئيسة الدير تشنغهي.

 

توجّهت أنظار الجميع إليهما، وقد ارتسمت على وجوههم تعابير بالغة الغرابة.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

خالد العوالم التسعة

لا يوجد خزنة لهذه الرواية.