المشكلة الأكبر في إدارة قلعة يسكنها الموتى الأحياء ليست التمرد ولا نقض العهود المظلمة بل “الصيانة”.
جلس ألكسندر في مكتبه الواسع والمظلم، يحدق في ورقة الفرز الشهري المصفرة أمامه بعينين شبه مغلقتين. صرير قلمه الريشي بينما يخط الأرقام على الورق الخشن هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الغرفة، كأنه يقرع أجراس الخطر المالي: الميزانية تنزف.
الجدار الغربي تعرض لانهيار جزئي بسبب رطوبة الخندق المائي، وترك فجوة تهدد السلامة الهيكلية للمبنى. الخندق نفسه تحول إلى مستنقع تفوح منه رائحة لا تطاق حتى بالنسبة للغيلان فاقدي حاسة الشم، وذلك بسبب تكاثر نوع طفيلي من الطحالب آكلة اللحوم. وإلى جانب ذلك، مستودع الأسلحة السفلي في حالة فوضى عارمة بعد أن قام فريق الهياكل العظمية بخلط السيوف الملعونة مع الخردة المعدنية.
بحسبة بسيطة أجراها عند تمرير إصبعه البارد على الجداول؛ فهو يحتاج إلى 300 قطعة ذهبية، وأسبوعين من العمل المتواصل لإعادة الأمور إلى نصابها. لكنه لا يملك أياً منهما.
قطع تفكيره الداخلي العميق دوي جرس الإنذار النحاسي العتيق. رنين متقطع، حاد، يعني شيئاً واحداً فقط: اختراق في المحيط الخارجي.
“سيدي!” دخل تيموثي المكتب بسرعة وهو يضم لوحاً خشبياً إلى صدره “لدينا اختراق من البوابة الجنوبية… مغامرون”.
“مغامرون… مجددا؟” تنهد ألكسندر ببطء ماسحا جسر أنفه “وفي منتصف الأسبوع؟ ألا يملكون وظائف حقيقية؟”.
“يبدو أنهم مجموعة مبتدئة يا سيدي. 3 أفراد: محارب يحمل سيفاً أكبر من حجمه، ساحرة ترتدي قبعة مدببة زرقاء، ومعالج يمسك صولجاناً خشبياً ويتمتم بصلوات الحماية. دمروا باب الساحة الخارجية المصنوع من خشب البلوط، وضربوا غولين من حراس البوابة”.
ظهر كالدور من خلف تيموثي وعيناه تشتعلان بنار زرقاء متلهفة تضيء عظام جمجمته. قبضت يده العظمية على مقبض سيفه بشدة حتى سُمع صرير احتكاك العظام بالمعدن.
“سيدي! دعني أسحقهم! سأقود كتيبة المدرعات العظمية ونجعل من جماجمهم كؤوساً لـ…”.
“توقف يا كالدور” قاطعه ألكسندر ببرود ثم وضع ورقة الفرز على المكتب بحركة حاسمة “لنفكر بواقعية. إذا أرسلتك لقتالهم، ماذا سيحدث؟ ستُكسر دروع نصف جنودك، وهذا سيكلفني 50 قطعة ذهبية في الحدادة. ستمزقون ملابس الساحرة وتنسفون الساحة مما يعني 20 قطعة أخرى للترميم. وفي النهاية، إذا قتلناهم ستقوم النقابة في العاصمة بإرسال مجموعة ‘مغامرين ذوي تصنيف ذهبي’ انتقاماً، وسندخل في حرب استنزاف خاسرة اقتصادياً”.
صمت كالدور لكن نيرانه ظلت ترتعش بغضب مكبوت “هل نتركهم يتجولون في القلعة ويسرقون كنوزنا إذن؟”.
“لا” وقف ألكسندر وبدأ يخطو في الغرفة.
حلل عقله البراغماتي يحلل الموقف بسرعة: 3 شبان، مليئون بالطاقة، الحماس، والغباء الأسطوري. يمتلكون قوة بدنية عالية، قدرات سحرية، وقدرة مذهلة على الشفاء الذاتي.
توقفت خطوات ألكسندر محدقا في ورقة الصيانة المعلقة على الجدار ثم نظر إلى تيموثي “تيموثي، كم تبلغ تكلفة تنظيف الخندق المائي، وبناء الجدار، وفرز المستودع؟”.
“كما تعلم يا سيدي، حوالي 300 قطعة ذهبية، والكثير من الجهد الذي ترفض الهياكل العظمية القيام به بحجة هشاشة العظام”.
ابتسم ألكسندر ابتسامة خالية تماماً من العاطفة. ابتسامة مهندس وجد للتو محركاً مجانياً يعمل بالطاقة الأبدية.
“أبلغ حراس الممرات بالانسحاب الفوري. لا أريد لأي وحش أن يعترض طريقهم. دعهم يصلون إلى القاعة الكبرى دون خدش واحد لأنني من سيستقبلهم”.
—-
في القاعة الكبرى، وقف المحارب الشاب “غاريث” بوضعية قتالية، رافعا سيفه الفضي الذي يعكس ضوء المشاعل الخافت. بجانبه حركت الساحرة “فيونا” أصابعها لتكوين شرارات نارية صغيرة استعداداً للهجوم، بينما يتنفس المعالج “إليان” بصعوبة ممسكا صولجانه وكأنه طوق نجاة.خاصة وأن القاعة فارغة وهادئة بشكل مريب.
“اخرج يا سيد الظلام!” صرخ غاريث بصوت حاول جعله يبدو خشناً لكنه كشف عن توتره “لقد اخترقنا حصنك الملعون! جيوشك الجبانة هربت من أمامنا! واجه مصيرك!”.
من أعلى الدرج الحجري المظلم سُمعت خطوات بطيئة وموزونة. نزل ألكسندر الذي لم يكن يرتدي درعاً شائكاً او يحمل سلاحاً، اكتفى بعباءته السوداء البسيطة المصنوعة من قماش فاخر، ووجهه الهادئ كسطح بحيرة متجمدة لا يُقرأ منه شيء.
توقف في منتصف الدرج، ونظر إليهم من أعلى حيث حللهم بصمت.
المحارب يمتلك أكتافاً عريضة وبنية عضلية ممتازة. الساحرة تمتلك تركيزاً عالياً وقدرة على التحكم بالعناصر. المعالج يمتلك طاقة استشفائية يمكنها إبقاء فريقه يعمل لساعات دون الحاجة للراحة.
‘إنهم ليسوا أبطالاً’ فكر ألكسندر ‘إنهم فريق مقاولات متكامل وسيعملون مجاناً’.
“أنتم تدعون أنفسكم مغامرين” قال ألكسندر بصوت منخفض، يتردد صداه في القاعة بفضل الهندسة الصوتية الممتازة للجدران “تظنون أن الوصول إلى هنا يعني أنكم مستعدون لمواجهة سيد الظلام؟ مجرد أطفال يحملون ألعاباً حادة”.
“نحن لسنا أطفالاً!” صرخت فيونا بغضب.
“العاطفة المفرطة وطيش الشباب…. سيد الظلام لا يضيع وقته في سحق حشرات لم تثبت جدارتها”.
“ماذا تقصد؟” سأل غاريث بينما يشد قبضته على السيف.
“لا يمكن لأحد أن يفتح البوابة المؤدية إلى غرفة العرش حيث يقبع سيد الظلام الحقيقي، إلا إذا أثبت جدارته عبر اجتياز المحاكمات الملحمية الثلاث” وضع ألكسندر يديه خلف ظهره “محاكمات صُممت لكسر الروح، الجسد، والعقل. الكثيرون جاؤوا قبلكم، وجميعهم فشلوا. إذا كنتم تبحثون عن الموت السريع يمكنني استدعاء جيوشي الآن. أما إذا كنتم تبحثون عن المجد الخالد… فالمحاكمات تنتظركم”.
صمت المغامرون الثلاثة متبادلين النظرات.
المجد الخالد… هذا بالضبط ما جاءوا من أجله. القصص التي تُروى عنهم في حانات العاصمة، الأغاني التي ستُكتب بأسماءهم…
“نحن نقبل التحدي” قال غاريث بثقة عمياء “مهما كانت شياطينك التي ستطلقها علينا فسنسحقها”.
“ممتاز” قال ألكسندر بهدوء تام “اتبعوني إلى المحاكمة الأولى”.
—-
قاد ألكسندر المجموعة إلى الجسر الحجري الذي يطل على الخندق المائي المحيط بالقلعة. انبعثت رائحة العفن والموت من المياه الخضراء اللزجة لتزكم الأنوف. تحركت الطحالب المتوحشة ببطء مخرجة فقاعات غازية سامة تنفجر بصوت مكتوم.
“هذا هو الخندق الملعون وتحته ترقد أرواح ملعونة تحرس مدخل الجذور” أعلن ألكسندر “المحاكمة الأولى هي ‘محاكمة الشجاعة’ وتطهير الهاوية. يجب عليكم النزول إلى الخندق لإقتلاع ‘الجذور الخضراء الملعونة’ من القاع بالكامل. يجب أن يصبح الماء صافياً حتى تُكسر اللعنة المانعة. لا يمكن استخدام السحر لتجفيف الماء، يجب أن يتم التطهير يدوياً لضمان زوال السحر الأسود”.
“هذا…” نظر غاريث إلى المياه المقززة مبتلعا ريقه بصعوبة “مقرف”.
“الشجاعة ليست في مواجهة التنانين فقط أيها المحارب” قال ألكسندر بنبرة فلسفية عميقة تليق بحكيم قديم “الشجاعة هي النزول إلى الوحل ومواجهة القذارة التي يخاف الآخرون لمسها. هل أنتم مغامرون حقاً؟ أم مجرد فرسان استعراض في موكب ملكي؟”.
كلماته أصابت غرورهم في مقتل.
“سندمره!” صرخ غاريث.
خلع درعه الفضي الثقيل الذي ارتطم بالأرض بصوت مدوٍ، قبل القفز في المياه اللزجة. بدأت فيونا بمساعدته عبر استخدام سحر الماء البسيط لدفع الطحالب نحوه، بينما وقف إليان على الحافة ملقيا تعاويذ تنقية لتخفيف الرائحة ومنع إصابتهم بالتسمم.
—-
بعد عدة ساعات من نافذة برج المراقبة العالي وقف ألكسندر بجوار تيموثي يراقبان المشهد بهدوء.
غاص غاريث في الطين مقتلعا الطحالب بيديه العاريتين وهو يصرخ بصرخات معركة ملحمية كلما اقتلع جذراً كبيراً من الوحل.
“من المذهل ما يمكن أن يفعله الإنسان عندما تقنعه أن تنظيف المجاري هو عمل بطولي” قال ألكسندر الذي يحتسي مشروباً عشبياً داكناً من كأس فخاري “هذا الشاب يمتلك طاقة استثنائية. لو استأجرت غيلاناً لفعل هذا لاشترطوا مضاعفة حصص اللحم”.
“لقد وفرنا للتو 100 قطعة ذهبية يا سيدي” دون تيموثي في دفتره وصوت قلمه يخدش الورق بنعومة ” والمعالج الخاص بهم يوفر علينا تكلفة الأدوية المضادة للتسمم الكيميائي”.
بعد ساعات من العمل الشاق المستمر صار الخندق خالياً تماماً من الطحالب. غطي غاريث بالوحل الأخضر من رأسه حتى قدميه بينما يلهث بشدة ويرتجف من البرد لكنه ظل يبتسم بفخر أبله.
“لقد أثبتم شجاعتكم” نزل ألكسندر إليهم “طهرتم الهاوية لكن الجسد الشجاع لا يكفي بدون صلابة لا تلين. اتبعوني إلى المحاكمة الثانية”.
بدا الجدار الغربي للقلعة وكأنه تعرض لقصف بكرات نارية ضخمة. إمتدت فجوة هائلة لعدة أمتار وتناثرت صخور الجرانيت السوداء في كل مكان. وقف الأبطال الثلاثة أمام الفجوة منهكين لكن نظراتهم لا تزال تحمل ذلك الإصرار الأعمى.
“المحاكمة الثانية هي ‘محاكمة التحمل’ وبناء جدار الصمود” قال ألكسندر مشيرا إلى الفجوة المدمرة “هذا الجدار ليس مجرد حجارة إنه حاجز سحري يحبس طاقات الفوضى. قوى النور التي بداخلكم يجب أن تعيد بناءه، المحارب يجب أن ترفع صخور الجرانيت الملعونة بيديك لترويض طاقتها. الساحرة، يجب أن تستخدمي سحر الأرض لدمج الصخور معاً بصهرها بدلاً من استخدام الملاط العادي… والمعالج، يجب أن تحافظ على تدفق طاقة الحياة في عروقهما لكي لا ينهارا تحت ضغط اللعنة”.
“بناء جدار؟” سألت فيونا بتشكك بينما تمسح العرق عن جبهتها “هذا يبدو كعمل البنائين وليس الأبطال”.
“البناؤون يبنون منازل للحماية من المطر وأنتم تبنون حاجزاً لمنع تمدد الظلام. كل صخرة تضعينها هي صلاة ضد الفناء” اقترب ألكسندر منها ببطء ونظر في عينيها مباشرة بنظرة جليدية ثاقبة “إذا كنتِ ترين هذا عملاً وضيعاً فهذا يثبت أن سحرك لا يعدو كونه ألعاباً نارية خالية من المعنى”.
“سأريك ما يمكن لسحري أن يفعله!” أشعلت كلماته شرارة العناد في داخلها.
بدأ العمل حيث إستخدم غاريث كل قوته العضلية لرفع صخور الجرانيت الثقيلة التي يزن كل منها ما لا يقل عن 100 كيلوغرام، وضعها فوق بعضها وهو يئن من ثقلها. ركزت فيونا طاقتها السحرية مطلقة موجات حرارية دقيقة من كفيها لصهر حواف الصخور ودمجها معاً، مما خلق لحاماً حجرياً مثالياً لا يمكن لأفضل بناء بشري أن يصنعه. وعندما هدد التعب بإسقاطهما تدخل إليان فوراً، اطلق موجات من سحر الشفاء الدافئ ذي اللون الذهبي الخافت، مزيلا حمض اللاكتيك من عضلات غاريث ومجددا مسارات المانا المنهكة في جسد فيونا.
في الظلال القريبة وقف كالدور بجانب ألكسندر مراقبا المشهد بصدمة تامة وفكه العظمي متدلٍ حرفياً.
“سيدي…” همس كالدور غير قادر على استيعاب ما يراه “هؤلاء الفانون… إنهم يبنون الجدار الدفاعي لقلعتنا. وبجودة أفضل مما يفعله عمالنا! الساحرة تصهر الجرانيت! هذا تكتيك معماري متقدم جداً!”.
“هذه هي البراغماتية يا كالدور” أجاب ألكسندر بهدوء شديد وذراعاه معقودتان “أنت كنت تريد قتلهم. لو قتلتهم لكنا خسرنا 100 قطعة ذهبية إضافية لشراء الملاط السحري ودفع أجور فريق الصيانة. القوة العسكرية الحقيقية ليست في القضاء على عدوك بل في إقناع عدوك بأن يبني تحصيناتك وهو يظن أنه يحاربك”.
“ولكن… هل هذا شرير بما فيه الكفاية؟” سأل كالدور بحيرة.
“استغلال طاقة الشباب المؤمنين بقضية خيالية لدفعهم للقيام بأعمال شاقة مجانية دون توفير جرعات استشفاء أو رعاية من كهنة الإشراق؟ يا كالدور هذا أقصى درجات الشر المؤسسي”.
بعد عدة ساعات ومع اقتراب خيوط الفجر الأولى وقف الجدار الغربي شامخاً، أقوى من أي وقت مضى. اللحام السحري جعل الفجوة تبدو كقطعة واحدة متلاحمة من الصخر الأسود.
سقط غاريث على ركبتيه لاهثا والوحل الممزوج بالعرق يغطي جسده المرتجف. جاست فيونا على الأرض محاولة إبقاء عينيها مفتوحتين بصعوبة بالغة. اصبح إليان شاحباً تماماً بعد استنزاف معظم طاقته الروحية.
“عمل مذهل” تقدم ألكسندر نحوهم وخطواته تكسر صمت الفجر لكنه قال بصدق تام هذه المرة “لقد أثبتم أن أجسادكم قادرة على تحمل العبء ولكن… الجسد بدون عقل هو مجرد أداة. المحاكمة الثالثة والأخيرة ستختبر عقولكم وحكمتكم”.
تم اقتياد الثلاثة إلى مستودع الأسلحة في الطوابق السفلية العميقة.
الغرفة شاسعة ومظلمة، تفوح منها رائحة الصدأ والزيت القديم، ومليئة بأكوام فوضوية تصل إلى السقف من السيوف الصدئة، الدروع المكسورة، التمائم الملعونة، والخردة المعدنية.
في وسط الغرفة جلس إغناطيوس المؤرخ مرتديا رداءً أسود عميقاً يخفي هيكله العظمي مع قناع حديدي مجهول الملامح. أمامه طاولة خشبية عريضة مليئة بالدفاتر الفارغة والمحابر.
“هذه هي ‘محاكمة الحكمة’ ومتاهة الأرواح المنسية” أعلن ألكسندر بصوت وقور “الأسلحة هنا ليست مجرد معدات لأن كل قطعة تحمل روحاً ملعونة وتاريخاً دموياً، لكي تفتحوا الباب النهائي لغرفة العرش يجب عليكم تصنيف هذه القطع. فصل السيوف عن الدروع، تحديد القطع الملعونة بدقة وتسجيلها في هذه المخطوطات. يجب أن يتم ترتيب المستودع بالكامل وفقاً للأبجدية القديمة. حارس الأسرار (أشار إلى إغناطيوس) سيشرف عليكم. إذا أخطأتم في التصنيف ستلتهمكم الأرواح المعذبة بداخلها”.
“ترتيب… أسلحة؟” نظر غاريث إلى الأكوام الضخمة بشعور من اليأس الحقيقي فهو يفضل قتال 100 تنين على هذا.
“القتال بالأسلحة يتطلب مهارة لكن فهم تاريخها وقوتها يتطلب حكمة” قال ألكسندر بنبرة حكيمة مصطنعة “البطل الغبي يموت بسيف ملعون لأنه لم يقرأ نقوشه… الأن ابدئوا”.
غادر ألكسندر المستودع تاركاً إياهم مع إغناطيوس.
هذه المحاكمة هي الأسوأ على الإطلاق، لم تكن تتطلب جهداً بدنياً بقدر ما تتطلب صبراً لا نهائياً. بدأ غاريث بحمل القطع الثقيلة، وفيونا تستخدم تعاويذ كشف السحر لتحديد التمائم الملعونة، وإليان يكتب ببطء في الدفاتر بحروف أنيقة.
المشكلة الأكبر لم تكن الفوضى بل إغناطيوس نفسه.
“خطأ!” صرخ إغناطيوس (الذي كان مستمتعاً جداً بدوره الرقابي) عندما وضع غاريث نصلاً في كومة السيوف القصيرة “هذا ليس سيفاً قصيراً! هذا نصل شعائري من العهد الثالث استخدم حصراً في طقوس التطهير الروحي لملوك الرماد! هل عيناك للزينة فقط أيها المحارب؟ ضعه في قسم ‘الآثار الشعائرية غير القتالية’!”.
تأفف غاريث ونقل القطعة.
بعد قليل أمسكت فيونا بقطعة معدنية مستديرة وثقيلة “هذا الدرع ينبض بسحر مظلم وكثيف”.
“هذا ليس درعاً أيتها الساحرة الجاهلة!” رد إغناطيوس بازدراء أكاديمي لاذع “هذا غطاء مرجل كيمياوي عالي الضغط استخدمه سحرة التحويل في العهد الثاني! السحر المظلم الذي تشعرين به هو بقايا تفاعل فاشل لاستخلاص زئبق الأرواح! ضعيه في كومة الخردة الكيميائية ولا تلوثي قسم الدروع العسكرية!”.
تعرض الأبطال لتعذيب نفسي وبيروقراطي قاسٍ، اضطروا لسماع محاضرات تاريخية طويلة ومملة عن أنساب كل سيف وكل درع. بمرور الساعات بدأوا يفقدون بريق الحماس في أعينهم. تحولت نظراتهم من نظرات أبطال ملحميين إلى نظرات موظفي أرشيف يعملون لوردية ليلية متأخرة بدون أجر إضافي.
—-
في الأعلى داخل مكتب ألكسندر راجع تيموثي الأرقام النهائية، ألقى ضوء الشمعة بظلاله على وجهه وهو يقلب صفحات دفتر الحسابات الضخم متذوقاً طعم الانتصار المالي.
“لقد انتهوا من المستودع يا سيدي” ابلغ تيموثي بحماس “أرسل إغناطيوس رسالة سحرية يقول فيها إنه لم يرَ تصنيفاً أدق من هذا منذ استيقاظه، قامت الساحرة بفهرسة القطع الملعونة بنظام ألوان معقد وكتب المعالج السجلات بخط واضح جداً وخالٍ من الأخطاء الإملائية”.
“تكلفة هذه العملية لو قمنا بها نحن؟” سأل ألكسندر ممررا إصبعه على الخريطة العمرانية للقلعة المنشورة أمامه ومتوقفاً عند علامة الجدار الغربي الذي تم إصلاحه.
“كنا سنحتاج إلى خبير آثار سحري، و3 عمال مهرة… التكلفة التقديرية 250 قطعة ذهبية”.
“لقد أنقذوا ميزانية الربع الحالي بأكمله” أومأ ألكسندر برأسه برضا تام “حان الوقت لإعطائهم الجائزة التي يستحقونها”.
تم استدعاء الأبطال الثلاثة إلى الساحة الرئيسية لكنهم اصبحوا محطمين كلياً. جر غاريث قدميه ودرعه الفضي مغطى بالوحل والصدأ. حدقت فيونا في الفراغ وكأنها تحسب مسارات المانا للقطع الملعونة في ذهنها، وتمتم إليان بصلوات غير مفهومة تتعلق بأصول الدروع الخشبية وتاريخها.
وقف ألكسندر أمام البوابات الحديدية الضخمة لـ “غرفة العرش”.
“لقد نجحتم” قال ألكسندر بصوت مهيب يتردد صداه في الساحة “لقد اجتزتم المحاكمات الثلاث: شجاعتكم، تحملكم، وحكمتكم… لا مثيل لها”.
“أخيراً… الآن… نقتل سيد الظلام” أمسك غاريث سيفه بضعف شديد بالكاد يقوى على رفعه.
دفع ألكسندر الأبواب الحديدية الضخمة التي أنّت بصوت عميق حيث انفتحت ببطء لتكشف عن غرفة عرش… فارغة تماماً.
اصبح العرش الحجري خالياً ولا يوجد أي أثر لأي وحش أو هالة شريرة.
“أين هو؟” سألت فيونا بإرتباك يملأ وجهها المنهك.
وضع ألكسندر يده على صدره وانحنى قليلاً في إيماءة احترام مزيفة ومتقنة “لقد رحل”.
“رحل؟!” صرخ الأبطال الثلاثة في نفس الوقت حيث اختلطت مشاعرهم بين الصدمة والخيبة.
“نعم” قال ألكسندر بجدية تامة “عندما رأى سيد الظلام إصراركم الأعمى وشعر بقوتكم وأنتم تطهرون الخندق، وتبنون الجدار، وتصنفون أسلحته بدقة أكاديمية… أدرك أنه لا أمل له في هزيمتكم. ألقي الرعب في قلبه فهرب عبر البوابات الخلفية… لقد أنقذتم هذا الوادي دون الحاجة لسفك قطرة دم واحدة”.
صمت الأبطال ونظروا إلى بعضهم البعض. لم يكن هناك وحش لقتاله؟ لم تكن هناك معركة ملحمية تملأ الجدران بالدماء في النهاية؟ لكن… إرهاقهم الجسدي والروحي حقيقي. لقد عملوا بجد وها هو “المرشد الغامض” يخبرهم أن مجرد عزيمتهم الجبارة كافية لهزيمة الشر المطلق. بطريقة ملتوية ومريحة لعقولهم المتعبة جداً هذا انتصار. انتصار سلمي لم يضطروا فيه للموت أو المخاطرة بأرواحهم.
أخرج ألكسندر لفافة من الرق الفاخر مختومة بشمع أحمر قاني يحمل ختماً رسمياً وقدمها لهم.
“ما هذا؟” سأل غاريث وهو ينظر إليها.
“شهادة البسالة العظمى” قال ألكسندر (في الواقع هذا إيصال استلام أعمال صيانة وتبرئة ذمة مكتوب بلغة قانونية قديمة معقدة لا يقرأها إلا النبلاء) “خذوها إلى نقابة الأبطال في العاصمة. هذه الشهادة تثبت أنكم اجتزتم محاكمات قلعة الرعب الأبدي وطردتم سيد الظلام… بها ستُفتح أمامكم كل الأبواب”.
أخذ غاريث اللفافة بيدين مرتعشتين وبدأت الدموع تتجمع في عينيه “نحن… فعلناها حقاً”.
“نعم… والآن عودوا إلى دياركم أيها الأبطال لأن القلعة فارغة والوادي آمن”.
استدار الأبطال الثلاثة وبدأوا يمشون نحو البوابة الخارجية بخطوات ثقيلة ومؤلمة لكن برؤوس مرفوعة عالياً. كانوا متعبين لدرجة أنهم لم يلاحظوا حتى أن القلعة لم تكن مدمرة كما ينبغي أن تكون بعد رحيل سيد ظلام، بل في الواقع أنظف، أمتن، وأكثر ترتيباً من أي وقت مضى.
وقف ألكسندر وتيموثي وكالدور يراقبونهم يبتعدون في الأفق مع شروق الشمس.
“لا أستطيع تصديق ذلك” قال كالدور بصوت يحمل مزيجاً غريباً من الإحباط العسكري والإعجاب غير الطوعي “لقد نظفوا الخندق، أصلحوا الجدار، رتبوا المستودع، وغادروا وهم يعتقدون أنهم منتصرون، بل وهم يحملون ورقة شكر على شكل شهادة بسالة”.
“البشر مخلوقات بسيطة يا كالدور” قال ألكسندر مستديرا ليعود إلى الداخل وعباءته تلتف حوله بهدوء “هم لا يبحثون عن الحقيقة بل عن المعنى. نحن فقط أعطيناهم المعنى الذي أرادوه في مقابل أيام من العمل الشاق المجاني”.
“الميزانية عادت إلى المنطقة الخضراء يا سيدي” نظر تيموثي إلى دفتر الحسابات الخاص به مجدداً ولمع الذهب في عينيه مجازياً “وفرنا ميزانية كافية لشراء لحم طازج للغيلان لشهرين قادمين”.
“ممتاز، دعنا نرسل رسالة شكر سرية إلى نقابة المغامرين، نطلب فيها بشكل غير مباشر إرسال المزيد من هذه ‘البعثات الملحمية’ في الربع القادم بحجة وجود نشاط مشبوه. السطح يحتاج إلى إعادة رصف وأعتقد أن ‘محاكمة السير على البلاط الحارق’ ستكون فكرة ممتازة”.
وهكذا استمرت قلعة الرعب الأبدي في الوقوف كرمز مرعب للظلام في نظر العالم الخارجي بينما في الداخل هي مجرد مؤسسة تعمل بكفاءة مطلقة، تعتمد في صيانتها الدورية على أبطال حالمين لا يعرفون أن أكبر عدو لهم لم يكن سحراً أسوداً بل البراغماتية الإدارية الباردة.
–+–
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.