حملت الرسالة الممزقة بين يديها , هذه هي الرسالة الثانية التي تتلقاها منهم
ريين: ” . . . “
حدقت ريين في يدها الشاحبة التي تركها الدم تماماً شعرت كأنها لم تعد مُلكها بعد الآن.
تحدثت الرسالة بشكل مباشر و بموضوعية تامة .
« لقد أنتظرتكِ خمسة عشر يوماً حتى هذه اللحظة , من فضلكِ أعطني إجابتكِ »
الأمر الذي تطرقت له هذه الرسالة هو نفسه في الرسالة التي سبقتها
« إلى أميرة قلعة نوك , زعيم مرتزقة تيواكان يرسل لكِ إقتراحه للزواج و نحن نتطلع لسماع إجابتكِ »
تبعاً لهذا الإقتراح , كان مرتزقة تيواكان يحاصرون قلعة نوك طوال الخمسة عشر يوما الماضية.
ماسلو :” أميرة “
بصوت مرتجف و مليء بالقلق ناداها ماسلو – مستشارها الأرستقراطي .
ماسلو : ” لن تقبلي إقتراحهم أليس كذلك أميرة ؟ فهؤلاء ليسوا سوى وحوش بربرية لا يعرفون شيئا عن اللباقة الإنسانية كما إنهم يفعلون ما يحلو لهم , بأن يتجروؤا ويرسلوا إقتراحاً كهذا .. ! هذا فقط يدل على وحشيتهم ! “
ريين: ” لكن إن لم نوافق عليه , كيف سنتمكن من مجابهتهم ؟ “
بذلت ريين قصارى جهدها لجعل صوتها ثابتاً .
ريين: ” أنت تعلم بإننا لا نملك القوة اللازمة لمجابهتهم “
فرموز القوة الوحيدة المتبقية في مملكتهم هي ريين , ماسلو و ويروز – قائد الفرسان و الذين لم يكونوا شيئاً يُذكر مقارنة بروعة وقوة مملكة نوك السابقة .
ويروز : ” ما زال بإستطاعتنا محاربتهم , أنا على إستعداد للتضحية بحياتي إذا لزم الأمر”
على الرغم من توتره , تحدث ويروز بصوت ثقيل و ثابت , لكن هو الآن يتجاوز سن الأربعين .
عرفت ريين بولاء ويروز و عرفت إنه لم يكن يكذب عندما قال بإنه مستعد للتضحية بحياته .
إلا إن هذا يعد سبباً إضافياً لموافقتها على هذا الإقتراح .
فهي لم تستطع أن تدع فرسانها يضحون بحياتهم هباءً.
ريين: ” سينتهي بنا المطاف بموتنا جميعاً “
ويروز: ” أميرة .. ! “
هز ويروز رأسه لكن ريين لم تستطع إجبار نفسها على الكذب .
لقد مرت خمسة عشر يوماً.
في غضون خمسة عشر يوماً فقط , تم عزل قلعة نوك تماماً , كما إنهم قاموا منذ وقت ليس ببعيد بقطع الإمدادات الأتية للقلعة . كان الشعب مرهق من القتال , و فقد الفرسان المتبقين معنوياتهم .
لم تكن لديهم الفرصة منذ البداية لمجابهتهم . فجيش مرتزقة تيواكان كان يبلغ حجمه عشرة أضعاف حجم القوات الإحتياطية للقلعة .
ناهيك عن إن مرتزقة تيواكان , معروفين بكونهم أعنف و أبشع جيش في القارة بأكملها حتى إنهم لم يتعرضوا لخسارة حقيقية أبداً . فبالنسبة لهم , لم يختلف هذا الحصار عن صيد الأرانب .
كما إنهم يستطيعون الصمود لأشهر إذا لزم الأمر حتى يموت كل من في مملكة نوك جوعاً.
تحدثت رين بعد أن أخذت نفساً عميقاً
ريين: ” سأوافق على إقتراحهم هذا “
صرخ كلٌ من ماسلو و يورز .
ويروز: ” أميرة , لا “
ماسلو: ” لا يجب عليكِ ذلك ! أنتِ تقولين ذلك فقط لأنكِ لا تعرفين من هؤلاء ! “
لكن ريين كانت قد سمعت ما يكفي من الشائعات عنهم .
جاء في تلك الشائعات بإن زعيم تيواكان هو ابن إله الحرب ، ولد بعد أن تعرضت والدته للإغتصاب . نتيجة لذلك ، لعنه إله الموت ، واستمر إله الأرض في رفض جسده .
فوجوده الملعون هذا لا يمكن أن يهلك في ساحات المعارك .
ماسلو: ” يقولون إنه أحد الذين أداروا ظهرهم للإله . كما… “
ريين: “ربما يميل إلى الرجال أكثر من النساء ؟ “
عند سماع ملاحظة ريين الصريحة ، تلعثم ويروز.
ويروز: “حسنًا ، كما تعلمين فلدى مرتزقة تيواكان عدد كبير من الرجال … في صفوفهم …”
بما إن ماسلو يعد مستشارًا متمرسًا ، إستخدم لغة أوضح لمنع ريين من الموافقة على الإقتراح .
ماسلو: ” إذا كان الأمر كذلك فإن النساء اللواتي يقضين الليل مع رجال كهؤلاء لا يستطعن العيش طويلاً ، يا أميرة”
بعد سماع ذلك ، إجتاحت العتمة عيون ريين . كان يكفي لجعلها ترتجف . ما هي طبيعة هذا الرجل يا ترى؟
ريين: “لكنني لا أعتقد أنه سيقتلني بعد ليلة واحدة ثم لم يكن ليطلب مني الزواج إذا كان هذا فقط ما يريده “
صرخ ماسلو بنبرة يملئها الخوف .
ماسلو : “لا يمكنكِ فعل ذلك يا أميرة , هل نسيتِ ما يحاول اللورد كلاينفيلدر فعله الآن من أجلك ؟ “
ريين: ” قال بإنه سيجلب تعزيزات من مملكة شاركا إلى هنا في غضون عشرة أيام “
لم تكن ريين من النوع الذي يتشائم ، لكنها لم ترغب في أن تتمسك بما يمكن أن تدعوه بأمل زائف .
بعد كل شيء ، تعد الأميرة ريين فرداً من عائلة أرساك ، كما إنها تعتبر حاكمة قلعة نوك ، والمسؤولة عن حياة كل من يعيش فيها.
ريين: ” لقد مرت عشرة أيام بالفعل و ليس هناك ما يضمن عودته أو أنه سيجلب التعزيزات التي وعد بها “
ماسلو: “ألا تثقين به ؟ هو يفعل هذا من أجلكِ ، يا أميرة ، أكثر مما يفعله من أجل نفسه أنا متأكد من أنه سيجلب التعزيزات “.
ريين: ” لو كان ذلك ممكنًا ، لكان إستطاع أن يجلبها في الوقت المحدد “
ريين تفكر في وعد رافيت كلاينفيلدر ، فارس من عائلة أرساك بنظرة يشوبها الشك .
عند سماعهم سابقاً إن مرتزقة تيواكان متوجهون إلى قلعة نوك , غادر رافيت بسرعة إلى مملكة شاركا حيث عائلة والدته التي تعد واحدة من أكبر العائلات في البلاد بأكملها .
هو يعلم بإنه الوحيد الذي بإمكانه الحصول على مساعدة منهم .
كان قد قال سابقاً إنه سوف يعود في غضون عشرة أيام فقط و إن عليهم الدفاع عن القلعة حتى ذلك الوقت.
أرادت ريين أن تثق به ، لكن وميض الأمل هذا لا يعتبر شيئًا مقارنة بالواقع المؤلم الذي أمامها.
ريين: ” لا نستطيع أن نماطل أكثر من ذلك . حتى لو نجح كلاينفيلدر في العودة فإن مملكة شاركا لن تزودنا بالتعزيزات الكافية لطرد مرتزقة تيواكان. أي دولة تريد أن تشن حربًا معهم الآن ؟ حتى مملكة ليكس العظيمة قررت أن تذل نفسها و توقع معاهدة سلام معهم “
لقد مرت خمسة أيام بعد الموعد المحدد و هذه كانت كل الأدلة التي يحتاجونها لإثبات ذلك.
حتى ماسلو و ويروز علموا أنه من غير المجدي إنتظار وصول التعزيزات.
ريين: “مهما كان السبب ، نعلم جميعًا أن إقتراح تيواكان حقيقي كما إنهم ينتظرون الرد أثناء محاصرة القلعة إذا لم يكن الأمر كذلك فإنهم بسهولة إختراق البوابات والجدران في أي وقت يريدونه “
بالنظر إلى الشخصين المتبقيين للدفاع عن قلعة نوك معها ، اتخذت ريين قرارها.
ريين: “بصفتي وريثةً لعائلة آرساك وآخر فرد منهم، من واجبي الدفاع عن نوك . إذا إستطعت بزواجي من رجل واحد أن أحمي حياة الجميع ، فساعتبره ثمن ضئيل يجب أن أدفعه “.
ويروز: “أميرة …”.
لم يستطع ويروز أن يجادلها في هذا الموضوع بعد الآن , أغلق عينيه بحسرة و وجهه مليء بالندم حتى ظهرت التجاعيد على حواف عينيه .
إلا إن ماسلو لم يكن مستعدًا بعد للإستسلام .
ماسلو: “إذاً ماذا سنفعل بخصوص اللورد كلاينفيلدر ؟ تعد عائلة كلاينفيلدر حاليًا واحدة من أقوى العائلات في جميع أنحاء نوك و هذه ليست علاقة يمكنك التخلص منها بسهولة لذلك يجب أن نتشاور معهم بشأن هذا الإقتراح “
كمستشار أرستقراطي حافظ ماسلو على علاقة جيدة مع آل كلاينفيلدرز لمدة طويلة و قد كان واحدًا من الكثيرين الذين توقعوا أن رافيت كلاينفيلدر سوف يتزوج ريين يوماً ما ويصبح حاكم نوك .
ريين: “لا فائدة من التشاور معهم”
ماسلو: ” هل يمكنكِ أن تقولِ ذلك لآل كلاينفيلدرز ، يا أميرة ؟ “
ريين: “وأخبرني إذا ، ما الذي كان يفعله أفراد عائلة كلاينفيلدر عندما قاموا فرساننا بانتظإر عودة اللورد كلاينفيلدر ؟ “
أصبح تعبير ريين بارداً .
على الرغم من أن اللورد كلاينفيلدر كان يعتبر فعلياً “عشيقها” ، إلا أن علاقتها معه لم تكن أبدًا علاقة محبة.
أحكموا آل كلاينفلدز بقبضتهم الحديدية على ثروة الأمة وقوتها ، وهذا أمر لم يمر دون عواقب حيث بدأت المملكة الصغيرة في الإنهيار يوما بعد يوم. مع هذه القوة التي بين يديه ، أجبر رافيت ريين على الزواج منه بعد وفاة والدها.
بطريقة أو بأخرى ، وقفت ريين ضد هذا الإتفاق الرسمي لدرء محاولات آل كلاينفيلدرز لإحكلم سيطرتهم على نوك.
ربما كان يمكن أن يكون هو حبيبًا حقيقيًا لها .
لكن آل كلاينفيلدرز كانوا جشعين للغاية , فهم كانوا دوماً يتغذون على ثروة نوك و التي هي كانت فقيرة بالفعل ولم يتركوا شيئًا فيها سوى العظام.
ريين: “سأرسل إجابتي النهائية إلى زعيم تيواكان”
نظر كل من ويروز وماسلو بوجوههم المشوهة إليها .
تحدثت ريين بصوت ثابت ومباشر ، فأعطت إجابتها إلى الشخصين اللذين عارضا قرارها لأسباب مختلفة.
ريين: ” أنا سأوافق على إقتراحه “
…
بعد مرور ساعة من إرسال إجابتها تلقوا الرد منهم .
تم تحديد المكان الذي ستلتقي فيه ريين بزعيم المرتزقة.
تم مرافقة ريين من قبل ويروز وعدد قليل من الفرسان الآخرين.
نظرت إليها من هناك…
مع تصاعد صوت الخيول في أذنها ، أدارت ريين رأسها إلى الخلف محدقة في القلعة التي تركتها ورائها و التي بدأت تصبح أصغر كلما إبتعدت عنها .
‘… أتساءل إن كنت سأعود بأمان ‘
***
كان مكان اللقاء في المنتصف بين قلعة نوك ومخيم تيواكان العسكري.
أقاموا تيواكان خيمة اللقاء بالفعل , دخلت ريين أولاً و تبعها مرافقها ويروز .
على الرغم من أن هدف اللقاء هو إقتراحاً للزواج إلا أن الجو بدا أقرب إلى ساحة معركة . القوات تحيط بها من جميع الجهات والخيمة هي الشيء الوحيد الذي يفصل بينهما ، التوتر في الهواء كان واضحًا .
ريين: “… إنه ليس هنا بعد”
بمجرد أن دخلت ريين لم تلاحظ شيء سوى طاولة وكرسيين يقابلان بعضهما البعض.
حدق ويروز بغضب في مقعد عدوهم الفارغ.
ويروز: “لم أكن أتوقع بأنهم لن يحترمونا هكذا “
ريين: “حسنًا ، الشكر لهم على الأقل لدي بعض الوقت لإعداد نفسي, ليس كل شيء يجري بشكل سيء “
على الرغم من إنها قالت هذا مازحة ، إلا إن هناك تلميح للخلاص في كلماتها .
لم يكن الحصول على بعض الوقت الإضافي سيئًا للغاية لأن ريين كانت قلقة من أن يكون توترها و إرتجافها واضحاً كما كان عند دخولها الخيمة أول مرة.
بالرغم من إنها وافقت مجبورة على هذا الاقتراح إلا إنها لم تُرِد أن تبدو خائفة أمامه .
ريين: “. . . “
عضت ريين شفتها ، جالسة على ما افترضت أنه مقعدها.
‘ في غضون لحظة ، سيدخل زعيم تيواكان الإبن الغير شرعي الذي تركه إله الحرب ‘
‘ لا تكونِ متوترة ‘
شبكت ريين يديها في حجرها.
‘ لا تدعيهم ينظرون إليكِ باستخفاف ‘
لم يكن هذا اقتراحاً بل كانت مفاوضات مهما أرادوا منها ، فلن تتخلى ريين عنه بسهولة.
ويروز: ” الأميرة “
فجأة ، نادى ويروز على ريين بصوت منخفض.
ويروز: ” أسمع شيئًا ما في الخارج “
ريين: ” . . . ما هذا الصوت ؟ “
ويروز: ” لقد كان بالتأكيد صوت لسيف “
ريين: ” ماذا تقصد ؟ “
ويروز: “شخص ما يقاتل بالخارج . حسناً , سيجد هؤلاء المتوحشون أي سبب للقتال ، حتى فيما بينهم … آه! “
تحول وجه ويروز إلى اللون الأحمر و ضرب ركبته ، لم يستطع إحتواء الفرح الواضح على وجهه .
ويروز: “يجب أن يكون هذا السيد كلاينفيلدر ! لا بد أنه قام بجلب التعزيزات مباشرة لمهاجمة مخيم تيواكان ! “
ريين: ” ماذا ؟ “
وقفت ريين والدموع في عينيها.
ريين: ” إذن هل هذا يعني … إنني لستُ مضطرة للموافقة على هذا الزواج ؟ “
ويروز: “بالطبع ، يا أميرة ! بناءً على طلبك ، اسمحِ لي بالتحقق من الخارج . إذا وقعوا في معركة ، سيحاولون إلقاء اللوم علينا لحنثنا بوعدنا “
تولى ويروز قيادة الطريق
ويروز: “أسرعي يا أميرة”
ولكن بمجرد أن بدأت ريين بالتحرك ، صدر صوت من ستارة الخيمة وهي تفتح وكأن هذا العالم يسخر منها.
رفرفة
تدفق ضوء قوي ومشرق إلى داخل الخيمة.
تركت رين يد ويروز و تراجعت ، مما سمح لعينيها بالتكيف مع الضوء ، وفي النهاية بدأت صورة ضبابية سوداء تستقر في بصرها.
كان الظل الذي ظهر فوقها هو كل ما تحتاجه لإدراك مدى ضخامة الشخص الذي يقف أمامها.
مهيب ، مظلم ، قاسي ، وعنيف بشكل لا يصدق.
… : ” أنا متأخر “
مرت نبرته الجافة وصوته الخشن في الهواء ، مثل الريح التي تهز العشب اليابس .
… : ” أميرة نوك “
وصل زعيم تيواكان , الذي حاولت بكل جهدها أن تبتعد عنه .

الضوء ساطع للغاية ، شعرت أن عينيها بدأت تدمع . فتحت ريين عينيها على مصراعيها وحدقت في الرجل الذي يقترب منها الآن.
مجرد النظر إليه جعلها تشعر وكأنها تختنق .
طغت هيبتهُ المخيفة عليها ، وفي كل مرة يقترب منها شعرت بأن جسدها يتخدر.
رجل ذو شعر أسود بشكل لا يوصف ، ولكن على النقيض من ذلك كانت عيناه الزرقاوتان شديدتا الصفاء مثل الماء . شعرت ريين وكأن حيوانًا برياً يحدق بها ، وليس شخصًا.
لم تقابل في حياتها شخصاً بمثل هذا المظهر العنيف. عندما نظرت إلى عينه ، أحست برعشة في عمودها الفقري إلا إنها لم تستطع أن تبعد بصرها عنه.
على الرغم من وصفه بأنه وحش أكثر من كونه إنسان ، لكنه كان جميلًا فهذا المزيج الرائع بين الشعر العميق والعيون الشفافة الشبيهة بالبحيرة يخطف الأنفاس .
‘كلام فارغ ‘
أغمضت ريين عينيها وفتحتهما مرة أخرى.
إلا إن الصدمة التي شعرت بها عند رؤية هذا الشخص المذهل لم تزول بسهولة.
‘تماسكِ. حسن المظهر أم لا ، الهمجي لا يزال همجياً ‘

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!