رواق الفأر الراقص
نظرت إلى الأسفل، إلى ما ظننته مجرد أرضية صلبة. كانت هناك ثلاثة كائنات تتحرك ببطء. ليس فئراناً، أو على الأقل ليس الفئران التي أعرفها.
“ثيودور، سمعت أن هناك تغييراً في الخطة. ماذا يحدث بالضبط؟”
لم يكن لدي وقت لفهم ما حدث. الباب خلفي انغلق بعنف، وكأن يدًا عملاقة لا تُرى سحبته بقوة من الجانب الآخر. صوت الإغلاق كان كافيًا ليُحدث رجفة في أعماق صدري. شعرت وكأن العالم من حولي قد توقف، وشيء لا يمكن تفسيره بدأ يتحكم بالمكان.
قبل أن أتمكن حتى من استيعاب الموقف، اختفى الضوء. الظلام لم يكن عادياً؛ لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان أقرب إلى كيان حي، يزحف نحوي ويبتلع كل شيء. أصبح المكان خانقاً، بلا أصوات سوى نبضات قلبي التي بدت وكأنها تدوي في الفراغ.
كانت أعينه تحدق بي، وكأنها تثقبني بنظراتها. كان هناك شيء في عينيه، مزيج من الذكاء البدائي والخطر. شعرت بشيء داخلي يتجمد، كأن جسدي كله قد استجاب تلقائياً لهذا الخطر، متحولاً إلى قطعة من الجليد.
“ريبلي، أعد الفتى!”
“تبا، ماذا يحدث هنا؟”
ضغطت على صدغي، محاولة لتخفيف الصداع الذي بدأ يشتعل كأن جمجمتي تُحترق. شعرت وكأن رأسي سينفجر من كمية التساؤلات المتراكمة. لكنني حاولت الحفاظ على تعبير وجه غير مبالٍ، وكأن هذا الحوار طبيعي تماماً بالنسبة لي.
حاولت العودة إلى الباب، محاولاً انتزاع نفسي من هذا الكابوس. أمسكت بمقبض الباب، أو على الأقل ما كان من المفترض أن يكون مقبضاً. لكن ما شعرت به تحت أصابعي لم يكن خشبًا، بل شيئًا رطبًا، لزجًا، ينبض كأنه قطعة من كائن حي. شعرت بتيار بارد يجري عبر جسدي، وتراجعت خطوة إلى الوراء بغريزة خائفة.
الرائحة التي كنت أشمها من قبل أصبحت الآن أقوى. كانت ثقيلة، خانقة، تحمل مزيجًا من التعفن واليأس. ليست رائحة عادية؛ بل شيء يجعل أنفاسك تلتصق بحلقك، كأن الهواء نفسه يرفض أن يدخل رئتيك.
وسط هذا الجنون، عاد صوت الجرس مجدداً، يتردد كصدى معدني ثقيل، يعيدني إلى الواقع، أو على الأقل إلى هذه النسخة المشوهة منه. أخذت نفساً عميقاً، محاولاً السيطرة على أعصابي، ثم نظرت إلى الأمام. لم أرَ شيئاً. مجرد الفراغ، الظلال، والضوء الخافت.
ثم سمعت ذلك الصوت. في البداية كان بعيدًا، خافتًا، أشبه برنين جرس صغير. لكن سرعان ما بدأ يتزايد، ليس فقط في شدته، بل في قربه. كأن الصوت لم يكن ينتقل في الهواء، بل كان يزحف نحوي، يتسلل عبر الظلام.
كان هذا شعورًا نادرًا، أن أفقد السيطرة بهذا الشكل. شعرت بأنني مُحاصر، ليس فقط في هذا الظلام، بل داخل نفسي أيضًا.
كان الصوت غريبًا، مزيجًا من النغمات المعدنية والصدى، أشبه بما تسمعه في حلم مزعج لا تستطيع الاستيقاظ منه. كان يطاردني، أو هكذا شعرت.
كان الصوت غريبًا، مزيجًا من النغمات المعدنية والصدى، أشبه بما تسمعه في حلم مزعج لا تستطيع الاستيقاظ منه. كان يطاردني، أو هكذا شعرت.
رائحة التعفن أصبحت خانقة أكثر، حتى شعرت بها وكأنها تغزو داخلي. الهواء ثقيل. الزمن نفسه بدا وكأنه توقف، وأصبح كل ما حولي جزءًا من هذا الكابوس.
“هذا جنون… هل هذا المكان مسكون؟”
لكن التفكير في كلماته جعل قلبي يتسارع مرة أخرى. “حامل الشموع…”
الرائحة التي كنت أشمها من قبل أصبحت الآن أقوى. كانت ثقيلة، خانقة، تحمل مزيجًا من التعفن واليأس. ليست رائحة عادية؛ بل شيء يجعل أنفاسك تلتصق بحلقك، كأن الهواء نفسه يرفض أن يدخل رئتيك.
“هل يقصد خطة مايكي؟ عملية السطو التي سمعت عنها؟”
“متى كنت مخطئاً من قبل؟ ههه.”
قبل أن أتمكن حتى من استيعاب الموقف، اختفى الضوء. الظلام لم يكن عادياً؛ لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان أقرب إلى كيان حي، يزحف نحوي ويبتلع كل شيء. أصبح المكان خانقاً، بلا أصوات سوى نبضات قلبي التي بدت وكأنها تدوي في الفراغ.
حاولت التفكير، محاولًا العثور على تفسير منطقي لما يحدث. لكن عقلي كان يقف عاجزًا. جسدي، على الجانب الآخر، كان يُظهر كل علامات الخوف.
حاولت أن أستجمع أفكاري، لكن صوت الجرس استمر في الاقتراب. خطوات الفئران أصبحت أكثر عدائية، حركاتها أكثر جنوناً. شعرت بأنني محاصر، وكأن كل شيء حولي يدفعني نحو هاوية لا فرار منها.
قلبي ينبض بعنف غير معهود، وكأنه يحاول الفرار من قفصي الصدري. كان الأمر أشبه بطبل يُدق بإيقاع مجنون، يصم أذنيّ في هذا الصمت المطبق. تنفسي أصبح متسارعًا، متقطعًا، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً لدرجة تجعلني أختنق.
“لا أستطيع السيطرة على نفسي. جسدي خائف، خائف بحق.”
كان هذا شعورًا نادرًا، أن أفقد السيطرة بهذا الشكل. شعرت بأنني مُحاصر، ليس فقط في هذا الظلام، بل داخل نفسي أيضًا.
استجمعت شجاعتي التي بالكاد شعرت بوجودها، وأخذت أنفاسي ببطء، محاولاً السيطرة على ارتجاف يدي. نظرت نحو الفأر الأخير. كانت عيناه غارقتين في برود عميق، تشبه عيون كائن ميت لم يعرف طعم الحياة قط. بدا وكأن روحه قد انتُزعت وتركت وراءها شيئاً يملأ فراغه بالخوف والرهبة.
استجمعت شجاعتي التي بالكاد شعرت بوجودها، وأخذت أنفاسي ببطء، محاولاً السيطرة على ارتجاف يدي. نظرت نحو الفأر الأخير. كانت عيناه غارقتين في برود عميق، تشبه عيون كائن ميت لم يعرف طعم الحياة قط. بدا وكأن روحه قد انتُزعت وتركت وراءها شيئاً يملأ فراغه بالخوف والرهبة.
ثم أدركت شيئًا. الجرس، مصدر الصوت… إنه لم يعد مجرد صوت. كان قريبًا جدًا الآن، أقرب مما كنت أتخيل. لم أعد أسمعه فقط؛ شعرت به. كان كأنه يتمدد في الهواء، يخترق أذني، ويهز كياني بالكامل.
“تبا، ماذا يحدث هنا؟”
قبضت يدي بقوة، محاولة يائسة لإيجاد شجاعة لم أكن متأكدًا من وجودها.
لم يكن لدي وقت لفهم ما حدث. الباب خلفي انغلق بعنف، وكأن يدًا عملاقة لا تُرى سحبته بقوة من الجانب الآخر. صوت الإغلاق كان كافيًا ليُحدث رجفة في أعماق صدري. شعرت وكأن العالم من حولي قد توقف، وشيء لا يمكن تفسيره بدأ يتحكم بالمكان.
“أمامك الآن. شيء هناك. افعل شيئًا!”
بحركة غريزية، لكمت الفراغ أمامي بكل ما أملك من قوة.
أفكاري كانت ضبابية، كأن عقلي يُسحب تدريجياً إلى هوة سحيقة. للحظات، كنت أظن أنني أفقد صوابي. لكن قبل أن أتمكن من الاستسلام لتلك الدوامة، انبعثت أضواء خافتة في الظلام، تتسلل كألسنة لهب مترددة من بعيد، قبل أن تنتشر تدريجياً، تلتف حولي كما لو أنها تُظهر طريقاً جديداً.
لكن ما شعرت به كان… لا شيء. قبضتي اخترقت الهواء، ولم أواجه أي مقاومة. كانت ضربة بلا معنى. وبدلاً من الشعور بالارتياح، شعرت بالفراغ يحيط بي أكثر. تراجعت خطوة للخلف، وشيء بداخلي تحطم عندما أدركت أنني فقدت توازني تقريبًا.
“تبا! هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا.”
رائحة التعفن أصبحت خانقة أكثر، حتى شعرت بها وكأنها تغزو داخلي. الهواء ثقيل. الزمن نفسه بدا وكأنه توقف، وأصبح كل ما حولي جزءًا من هذا الكابوس.
في داخلي، كان هناك صراع بين الرغبة في الهروب والرعب الذي قيدني في مكاني. كنت أعلم أنني بحاجة إلى فعل شيء، لكن جسدي كان قد تخلى عني تماماً. كل ما استطعت فعله هو الوقوف هناك، مشدوهاً، منتظراً ما سيأتي.
ثم رأيتها.
وقفت، متجمدًا في مكاني. أنفاسي كانت متسارعة، كأنني أركض في سباقٍ لا نهاية له. الظلام من حولي كان يبدو حيًا، يتنفس معي، يراقبني، ينتظر.
كانت ضخمة بشكل لا يُصدق، كل واحد منها بحجم كرة السلة. جلودها متشققة، متسخة، كأنها قد خرجت من أعماق مستنقع ملوث. أحدهم كان يقف على أطرافه الخلفية، ملتفتاً نحوي.
لكن الأسوأ كان الشعور. شعورٌ عميق بأنني لم أعد وحدي. شيء هناك، أمامي، في الظلام. قريب جدًا… لكنه لم يتحرك.
“هل يهددني؟ أنا، ثيودور؟ هل أصبحت خائفاً من مجرد فأر؟”
وقفت هناك، متجمداً في مكاني، مشاعري مشوشة ومرتجفة بين الرعب والارتباك، بينما الصوت المزعج لذلك الجرس يتردد في رأسي بلا انقطاع. كان الصوت أشبه بمطرقة تضرب أعماقي، تسبب قشعريرة جليدية تشق طريقها إلى قلبي، تُشعرني وكأن الزمن قد توقف، وكأن شيئاً أكبر مني يراقبني من العدم.
حاولت أن أبعد نظري عنه، لكن نظري قفز مباشرة إلى الفأر الثاني. كان يقف على أطرافه الخلفية أيضاً، لكن ما جذب انتباهي حقاً كان ما حول عنقه.
“ما هذا؟ لقد شعرت بهذا الإحساس من قبل… لكن أين؟ متى؟”
أفكاري كانت ضبابية، كأن عقلي يُسحب تدريجياً إلى هوة سحيقة. للحظات، كنت أظن أنني أفقد صوابي. لكن قبل أن أتمكن من الاستسلام لتلك الدوامة، انبعثت أضواء خافتة في الظلام، تتسلل كألسنة لهب مترددة من بعيد، قبل أن تنتشر تدريجياً، تلتف حولي كما لو أنها تُظهر طريقاً جديداً.
في داخلي، كان هناك صراع بين الرغبة في الهروب والرعب الذي قيدني في مكاني. كنت أعلم أنني بحاجة إلى فعل شيء، لكن جسدي كان قد تخلى عني تماماً. كل ما استطعت فعله هو الوقوف هناك، مشدوهاً، منتظراً ما سيأتي.
الكلمة تسللت إلى رأسي كإبرة تُثقب غشاء التفكير. حاولت أن أجمع أفكاري بسرعة، محاولاً ألا أبدو مثيراً للريبة أمام هذا الفأر الذي يبدو وكأنه يعرف أكثر مما ينبغي. كان واضحاً أن ثيودور، الشخص الذي يحتل هذا الجسد قبلي، له علاقة بهذه المخلوقات.
لأرى ذلك الجرس الأسود المعلق حول عنقه.
لم يكن الضوء عادياً. كان وهجه مُشوباً بلون أصفر باهت، كأنه انعكاس لشيء مريض. بدأت أعين الشموع المشتعلة تكشف عن منظر بدا وكأنه مستعار من أسوأ الكوابيس. الرواق الطويل الممتد أمامي لم يكن طبيعياً بأي شكل.
كان كل شيء فيه يصرخ بالجنون: مادة غريبة تغطي الجدران، سوداء بلون الليل، مختلطة بألوان غريبة: حمراء، أرجوانية، زرقاء، تتحرك كأنها تعيش. لم تكن مجرد ألوان، بل كائنات نابضة، تخدع عينيك لتظن أنها تراقبك من كل زاوية.
ثم رأيتها.
الشموع. لم تكن مثبتة على حوامل أو على جدران عادية. لا، كانت مغروسة في شيء أبعد عن العقل. فكرت للحظة أنني أرى أسنانًا، ولكن عندما دققت أكثر، أدركت الحقيقة المرعبة. تلك الشموع كانت مثبتة في أفواه! أفواه تمتد أفقياً على الجدران، بعضها بشفاه مشوهة، وبعضها الآخر بلا شفاه على الإطلاق، فقط أسنان تتشبث بالشموع السوداء كما لو أنها تلتهمها ببطء.
“هل يقصد خطة مايكي؟ عملية السطو التي سمعت عنها؟”
الشموع. لم تكن مثبتة على حوامل أو على جدران عادية. لا، كانت مغروسة في شيء أبعد عن العقل. فكرت للحظة أنني أرى أسنانًا، ولكن عندما دققت أكثر، أدركت الحقيقة المرعبة. تلك الشموع كانت مثبتة في أفواه! أفواه تمتد أفقياً على الجدران، بعضها بشفاه مشوهة، وبعضها الآخر بلا شفاه على الإطلاق، فقط أسنان تتشبث بالشموع السوداء كما لو أنها تلتهمها ببطء.
“ما هذا القرف؟ ما هذا الجنون؟!”
الجدران نفسها لم تكن صلبة كما اعتقدت. كانت لزجة، حية، تنبض بشكل غير منتظم كما لو أن المكان بأكمله يتنفس معي. شعرت وكأنني داخل كيان حي، شيء لا يجب أن يوجد.
تابع الفأر كلامه بنبرة تحمل تهديداً مستتراً:
وسط هذا الجنون، عاد صوت الجرس مجدداً، يتردد كصدى معدني ثقيل، يعيدني إلى الواقع، أو على الأقل إلى هذه النسخة المشوهة منه. أخذت نفساً عميقاً، محاولاً السيطرة على أعصابي، ثم نظرت إلى الأمام. لم أرَ شيئاً. مجرد الفراغ، الظلال، والضوء الخافت.
لكن ما شعرت به كان… لا شيء. قبضتي اخترقت الهواء، ولم أواجه أي مقاومة. كانت ضربة بلا معنى. وبدلاً من الشعور بالارتياح، شعرت بالفراغ يحيط بي أكثر. تراجعت خطوة للخلف، وشيء بداخلي تحطم عندما أدركت أنني فقدت توازني تقريبًا.
لكن حركة خفيفة أسفل قدمي جذبت انتباهي.
“تبا، ماذا يحدث هنا؟”
وقبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، انطلق الفأر صاحب قلادة الإصبع المبتور نحوي، وقفز على ظهري بسرعة. شعرت بوزنه الثقيل، كان كأنه يحمل كوابيس العالم بأسره معه.
نظرت إلى الأسفل، إلى ما ظننته مجرد أرضية صلبة. كانت هناك ثلاثة كائنات تتحرك ببطء. ليس فئراناً، أو على الأقل ليس الفئران التي أعرفها.
“تبا لي. تبا له. تبا للخطة. تبا لهذا العالم. هل هذا فأر يتحدث؟!”
كانت ضخمة بشكل لا يُصدق، كل واحد منها بحجم كرة السلة. جلودها متشققة، متسخة، كأنها قد خرجت من أعماق مستنقع ملوث. أحدهم كان يقف على أطرافه الخلفية، ملتفتاً نحوي.
لكن الأسوأ كان الشعور. شعورٌ عميق بأنني لم أعد وحدي. شيء هناك، أمامي، في الظلام. قريب جدًا… لكنه لم يتحرك.
لأرى ذلك الجرس الأسود المعلق حول عنقه.
كانت أعينه تحدق بي، وكأنها تثقبني بنظراتها. كان هناك شيء في عينيه، مزيج من الذكاء البدائي والخطر. شعرت بشيء داخلي يتجمد، كأن جسدي كله قد استجاب تلقائياً لهذا الخطر، متحولاً إلى قطعة من الجليد.
لكن ما شعرت به كان… لا شيء. قبضتي اخترقت الهواء، ولم أواجه أي مقاومة. كانت ضربة بلا معنى. وبدلاً من الشعور بالارتياح، شعرت بالفراغ يحيط بي أكثر. تراجعت خطوة للخلف، وشيء بداخلي تحطم عندما أدركت أنني فقدت توازني تقريبًا.
أحد تلك الفئران الضخمة كان يتحرك. لا، لم يكن يتحرك، بل كان… يرقص. أو هذا ما بدا لي. قفز بطريقة غير متزنة، حركاته كانت أقرب إلى أداء مسرحي مشوه. لكن الجرس المعلق حول عنقه كان يهتز مع كل قفزة، يُصدر صوتاً أشبه بصرخة معدنية مغموسة في الجنون.
نظرت إلى الأسفل، إلى ما ظننته مجرد أرضية صلبة. كانت هناك ثلاثة كائنات تتحرك ببطء. ليس فئراناً، أو على الأقل ليس الفئران التي أعرفها.
حاولت أن أبعد نظري عنه، لكن نظري قفز مباشرة إلى الفأر الثاني. كان يقف على أطرافه الخلفية أيضاً، لكن ما جذب انتباهي حقاً كان ما حول عنقه.
كانت أعينه تحدق بي، وكأنها تثقبني بنظراتها. كان هناك شيء في عينيه، مزيج من الذكاء البدائي والخطر. شعرت بشيء داخلي يتجمد، كأن جسدي كله قد استجاب تلقائياً لهذا الخطر، متحولاً إلى قطعة من الجليد.
إصبع.
قلبي ينبض بعنف غير معهود، وكأنه يحاول الفرار من قفصي الصدري. كان الأمر أشبه بطبل يُدق بإيقاع مجنون، يصم أذنيّ في هذا الصمت المطبق. تنفسي أصبح متسارعًا، متقطعًا، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً لدرجة تجعلني أختنق.
نعم، إصبع بشري عالق حول عنقه كأنه قلادة مقيتة. كان الإصبع متورماً، مشوهاً، كأن الحياة قد غادرته منذ زمن طويل.
لكن ما شعرت به كان… لا شيء. قبضتي اخترقت الهواء، ولم أواجه أي مقاومة. كانت ضربة بلا معنى. وبدلاً من الشعور بالارتياح، شعرت بالفراغ يحيط بي أكثر. تراجعت خطوة للخلف، وشيء بداخلي تحطم عندما أدركت أنني فقدت توازني تقريبًا.
ما لفت انتباهي أكثر كان تلك العين البشرية المعلقة حول عنقه. كانت مُعلقة بواسطة شريان أو وريد متيبس كأنه تحفة شيطانية. العين كانت متورمة، وحولها بقايا من جلد متعفن، مما زاد من إحساسي بالغثيان.
حاولت أن أستجمع أفكاري، لكن صوت الجرس استمر في الاقتراب. خطوات الفئران أصبحت أكثر عدائية، حركاتها أكثر جنوناً. شعرت بأنني محاصر، وكأن كل شيء حولي يدفعني نحو هاوية لا فرار منها.
بحركة غريزية، لكمت الفراغ أمامي بكل ما أملك من قوة.
في داخلي، كان هناك صراع بين الرغبة في الهروب والرعب الذي قيدني في مكاني. كنت أعلم أنني بحاجة إلى فعل شيء، لكن جسدي كان قد تخلى عني تماماً. كل ما استطعت فعله هو الوقوف هناك، مشدوهاً، منتظراً ما سيأتي.
كان الصوت غريبًا، مزيجًا من النغمات المعدنية والصدى، أشبه بما تسمعه في حلم مزعج لا تستطيع الاستيقاظ منه. كان يطاردني، أو هكذا شعرت.
الجدران نفسها لم تكن صلبة كما اعتقدت. كانت لزجة، حية، تنبض بشكل غير منتظم كما لو أن المكان بأكمله يتنفس معي. شعرت وكأنني داخل كيان حي، شيء لا يجب أن يوجد.
استجمعت شجاعتي التي بالكاد شعرت بوجودها، وأخذت أنفاسي ببطء، محاولاً السيطرة على ارتجاف يدي. نظرت نحو الفأر الأخير. كانت عيناه غارقتين في برود عميق، تشبه عيون كائن ميت لم يعرف طعم الحياة قط. بدا وكأن روحه قد انتُزعت وتركت وراءها شيئاً يملأ فراغه بالخوف والرهبة.
وقبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، انطلق الفأر صاحب قلادة الإصبع المبتور نحوي، وقفز على ظهري بسرعة. شعرت بوزنه الثقيل، كان كأنه يحمل كوابيس العالم بأسره معه.
لكنه لم يكن مجرد فأر.
ما لفت انتباهي أكثر كان تلك العين البشرية المعلقة حول عنقه. كانت مُعلقة بواسطة شريان أو وريد متيبس كأنه تحفة شيطانية. العين كانت متورمة، وحولها بقايا من جلد متعفن، مما زاد من إحساسي بالغثيان.
بينما كنت أتحدث، لاحظت أن الفأر الراقص توقف فجأة عن حركاته الغريبة. توقف الجرس المعلق حول عنقه عن الرنين. كان الصمت ثقيلاً، كأنه فراغ يمتص كل الأصوات من حولي.
“ثيودور، سمعت أن هناك تغييراً في الخطة. ماذا يحدث بالضبط؟”
وقفت، متجمدًا في مكاني. أنفاسي كانت متسارعة، كأنني أركض في سباقٍ لا نهاية له. الظلام من حولي كان يبدو حيًا، يتنفس معي، يراقبني، ينتظر.
للحظة، شعرت بأن الهواء تجمد من حولي. صوت الفأر كان غريباً، خشناً لكنه مليء بنبرة تحمل سلطة. نظرت نحوه بعدم تصديق.
“هل يقصد خطة مايكي؟ عملية السطو التي سمعت عنها؟”
“تبا لي. تبا له. تبا للخطة. تبا لهذا العالم. هل هذا فأر يتحدث؟!”
ثم رأيتها.
“ليس سيئاً، لم تخطئ عرافتك يا بيلي.”
حاولت أن أستعيد تركيزي، لكن عقلي كان مشوشاً تماماً. هل هذا طبيعي؟ لا، بالطبع لا. لكن بطريقة ما، في هذا الجنون الذي يحيط بي، شعرت بأن الأمور فقدت معناها. بدا أن هذه الأحداث لم تعد تدهشني كما كان يفترض بها.
“إنها فرصتك يا فتى. أحضر ذلك العنصر، وستصبح فرداً منا. لكن دعني أذكرك، إذا لم تحصل عليه… فمصيرك سيكون مثل حامل الشموع. سه سه سه.”
“الخطة؟”
الرائحة التي كنت أشمها من قبل أصبحت الآن أقوى. كانت ثقيلة، خانقة، تحمل مزيجًا من التعفن واليأس. ليست رائحة عادية؛ بل شيء يجعل أنفاسك تلتصق بحلقك، كأن الهواء نفسه يرفض أن يدخل رئتيك.
الكلمة تسللت إلى رأسي كإبرة تُثقب غشاء التفكير. حاولت أن أجمع أفكاري بسرعة، محاولاً ألا أبدو مثيراً للريبة أمام هذا الفأر الذي يبدو وكأنه يعرف أكثر مما ينبغي. كان واضحاً أن ثيودور، الشخص الذي يحتل هذا الجسد قبلي، له علاقة بهذه المخلوقات.
نعم، إصبع بشري عالق حول عنقه كأنه قلادة مقيتة. كان الإصبع متورماً، مشوهاً، كأن الحياة قد غادرته منذ زمن طويل.
“هل يقصد خطة مايكي؟ عملية السطو التي سمعت عنها؟”
ضغطت على صدغي، محاولة لتخفيف الصداع الذي بدأ يشتعل كأن جمجمتي تُحترق. شعرت وكأن رأسي سينفجر من كمية التساؤلات المتراكمة. لكنني حاولت الحفاظ على تعبير وجه غير مبالٍ، وكأن هذا الحوار طبيعي تماماً بالنسبة لي.
وقبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، انطلق الفأر صاحب قلادة الإصبع المبتور نحوي، وقفز على ظهري بسرعة. شعرت بوزنه الثقيل، كان كأنه يحمل كوابيس العالم بأسره معه.
بينما كنت أتحدث، لاحظت أن الفأر الراقص توقف فجأة عن حركاته الغريبة. توقف الجرس المعلق حول عنقه عن الرنين. كان الصمت ثقيلاً، كأنه فراغ يمتص كل الأصوات من حولي.
الكلمة تسللت إلى رأسي كإبرة تُثقب غشاء التفكير. حاولت أن أجمع أفكاري بسرعة، محاولاً ألا أبدو مثيراً للريبة أمام هذا الفأر الذي يبدو وكأنه يعرف أكثر مما ينبغي. كان واضحاً أن ثيودور، الشخص الذي يحتل هذا الجسد قبلي، له علاقة بهذه المخلوقات.
رفع الفأر الذي يحمل العين البشرية كقلادة رأسه نحوي، ثم قال بنبرة مليئة بالسخرية:
ثم رأيتها.
“ليس سيئاً، لم تخطئ عرافتك يا بيلي.”
التفتت نحو الفأر الآخر الذي يحمل إصبعاً بشرياً كقلادة. ابتسم بسخرية مرعبة وردّ:
رائحة التعفن أصبحت خانقة أكثر، حتى شعرت بها وكأنها تغزو داخلي. الهواء ثقيل. الزمن نفسه بدا وكأنه توقف، وأصبح كل ما حولي جزءًا من هذا الكابوس.
“متى كنت مخطئاً من قبل؟ ههه.”
صرخ الفأر الراقص فجأة:
بيلي. اسمه بيلي؟ متى حصلت الفئران على أسماء؟
حاولت أن أبعد نظري عنه، لكن نظري قفز مباشرة إلى الفأر الثاني. كان يقف على أطرافه الخلفية أيضاً، لكن ما جذب انتباهي حقاً كان ما حول عنقه.
تابع الفأر كلامه بنبرة تحمل تهديداً مستتراً:
التفت ببطء حولي. كنت في المرحاض. المرحاض الذي كنت قد دخلته أول مرة.
“إنها فرصتك يا فتى. أحضر ذلك العنصر، وستصبح فرداً منا. لكن دعني أذكرك، إذا لم تحصل عليه… فمصيرك سيكون مثل حامل الشموع. سه سه سه.”
شعرت برغبتي العارمة في ركل هذا الجرذ السمين بعيداً عني.
“هل يهددني؟ أنا، ثيودور؟ هل أصبحت خائفاً من مجرد فأر؟”
الكلمة تسللت إلى رأسي كإبرة تُثقب غشاء التفكير. حاولت أن أجمع أفكاري بسرعة، محاولاً ألا أبدو مثيراً للريبة أمام هذا الفأر الذي يبدو وكأنه يعرف أكثر مما ينبغي. كان واضحاً أن ثيودور، الشخص الذي يحتل هذا الجسد قبلي، له علاقة بهذه المخلوقات.
لكن التفكير في كلماته جعل قلبي يتسارع مرة أخرى. “حامل الشموع…”
وقفت هناك، متجمداً في مكاني، مشاعري مشوشة ومرتجفة بين الرعب والارتباك، بينما الصوت المزعج لذلك الجرس يتردد في رأسي بلا انقطاع. كان الصوت أشبه بمطرقة تضرب أعماقي، تسبب قشعريرة جليدية تشق طريقها إلى قلبي، تُشعرني وكأن الزمن قد توقف، وكأن شيئاً أكبر مني يراقبني من العدم.
هل كان يقصد تلك الأفواه في الرواق؟ مجرد التفكير في الفكرة جعلتني أرتجف مرة أخرى.
لكن التفكير في كلماته جعل قلبي يتسارع مرة أخرى. “حامل الشموع…”
“الخطة؟”
كان الصوت غريبًا، مزيجًا من النغمات المعدنية والصدى، أشبه بما تسمعه في حلم مزعج لا تستطيع الاستيقاظ منه. كان يطاردني، أو هكذا شعرت.
صرخ الفأر الراقص فجأة:
بحركة غريزية، لكمت الفراغ أمامي بكل ما أملك من قوة.
“ريبلي، أعد الفتى!”
وقبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، انطلق الفأر صاحب قلادة الإصبع المبتور نحوي، وقفز على ظهري بسرعة. شعرت بوزنه الثقيل، كان كأنه يحمل كوابيس العالم بأسره معه.
قبضت يدي بقوة، محاولة يائسة لإيجاد شجاعة لم أكن متأكدًا من وجودها.
قبل أن أفهم شيئاً، وجدت نفسي فجأة في مكان آخر.
كان كل شيء فيه يصرخ بالجنون: مادة غريبة تغطي الجدران، سوداء بلون الليل، مختلطة بألوان غريبة: حمراء، أرجوانية، زرقاء، تتحرك كأنها تعيش. لم تكن مجرد ألوان، بل كائنات نابضة، تخدع عينيك لتظن أنها تراقبك من كل زاوية.
كان كل شيء مظلماً للحظة، ثم لاحظت يدي تمسك بمقبض الباب القديم. شعرت وكأنني استيقظت من كابوس، لكن الرائحة الكريهة التي لا تزال تملأ أنفي، وصوت الجرس الذي لا يزال يتردد في ذاكرتي، أكد لي أن ما حدث لم يكن مجرد حلم.
وقبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، انطلق الفأر صاحب قلادة الإصبع المبتور نحوي، وقفز على ظهري بسرعة. شعرت بوزنه الثقيل، كان كأنه يحمل كوابيس العالم بأسره معه.
التفت ببطء حولي. كنت في المرحاض. المرحاض الذي كنت قد دخلته أول مرة.
“لا أستطيع السيطرة على نفسي. جسدي خائف، خائف بحق.”
