تصاعد الإلحاح
الفصل 513: تصاعد الإلحاح
“يمكنني أن أفترض فقط أنك عدتَ لأنك تنوي الذهاب خلفه.” تابعت سيريس قائلةً، “يبدو أن هدفه الأكبر لا يتطلّب بقاء أفيتوس أو هذا العالم سالمَين. إنه يُحرق شعبه نفسه كوقودٍ لتحقيق غايته.”
آرثر ليوين
تفحّصتني بنظرةٍ متفحصة، ثم قالت، “وكنتُ أتوقّع أنك أصبحتَ ذا بشرةٍ أرجوانية أو قرونٍ أو أجنحة بحلول الآن، يا لورد آرثر.” رغم برودة نبرتها، إلا أن عبوسها الأولي هدأ تدريجيًا، وراحت تطفو إلى الداخل متجاهلةً وجودنا.
انساب الوقت كالماء بين أصابعي. كنتُ مستلقيًا على ظهري فوق الطحالب، أحدّق في الغطاء النباتي الرقيق في بستان فيريون الصغير.
“أغلبهم محميون في المستوى الأول من الأطلال العتيقة، في انتظار الأوامر. سيكونون مستعدّين للقتال.”
كانت تيسيا مستلقيةً في حضن ذراعي، رأسها مستندٌ إلى صدري، وأصابعها تتبع خط عظم القصّ فوق نواتي. الإحساس أرسل قشعريرةً دافئةً تتسلل عبر ذراعي، بطريقةٍ وجدتها مبهجة بشكلٍ غريب.
شدّتني من يدي، قادتني نحو الشجرة المركزية والمنزل الصغير في أغصانها. وصلنا منتصف الطريق قبل أن يظهر فيريون، نازلًا من الدرج، متّجهًا نحونا.
“أستطيع أن أشعر بنواتك.” همست بصوتٍ ناعم، وأصابعها تتوقف عن حركتها المستمرة.
وصل الآخرون أخيرًا. كانت تيسيا تحدق في جراحي برعب، لكن الآخرين قد شهدوا إصابتي بأسوأ من ذلك من قبل. الأثير كان قد بدأ بالفعل في التدفق إلى الجرح، محاربًا السم ومُصلحًا الأنسجة المتضررة. لكن لو كان شخصًا آخر مكاني…
“ضغطه أشبه… ببطانيةٍ ثقيلة.” شعرتُ بابتسامتها ترتسم على صدري.
بقينا على هذه الحال لدقيقةٍ أو اثنتين، قبل أن يقطَع صوتٌ في ذهني هدوء اللحظة.
“في الواقع، إنه مريحٌ جدًا.”
تنحنحت سولي وقالت، “سيدي آرثر، اعذرني على عدم إخباري بذلك فورًا، لكن “مورداين” قرر أن الوقت قد حان لتقديم عشيرة أسكليبيوس دعمها أيضًا. منذ ساعةٍ مضت، كان يجمع كل من يرغب في القتال ويستعد لمغادرة الموقد. سيكون لديك دعم العنقاء في هذه المهمة، حتى لو لم ترسل أفيتوس مساعدتها.”
أطلقتُ ضحكةً خفيفة، مُتفاجئًا. “إذًا كل عملي الشاق لم يكن هباءً.”
‘آر—’
صفعتني بلطف. “أنا جادّة.”
تنحنحت سولي وقالت، “سيدي آرثر، اعذرني على عدم إخباري بذلك فورًا، لكن “مورداين” قرر أن الوقت قد حان لتقديم عشيرة أسكليبيوس دعمها أيضًا. منذ ساعةٍ مضت، كان يجمع كل من يرغب في القتال ويستعد لمغادرة الموقد. سيكون لديك دعم العنقاء في هذه المهمة، حتى لو لم ترسل أفيتوس مساعدتها.”
سحبتُها أقرب إليّ، ودفنتُ وجهي في شعرها. “وأنا كذلك…”
“أستطيع أن أشعر بنواتك.” همست بصوتٍ ناعم، وأصابعها تتوقف عن حركتها المستمرة.
بقينا على هذه الحال لدقيقةٍ أو اثنتين، قبل أن يقطَع صوتٌ في ذهني هدوء اللحظة.
لم أكترثُ لبقيّة الحاضرين، بل وضعتُ ساريا برفق على الأرض، ثم جذبتُ سيلفي وتشول وتيسيا وسيريس نحوي. بدت سيريس مُرتبكة للحظة، لكنني فعلتُ خطوة الحاكم مجددًا، وسُحِبنا جميعًا عبر المسارات الأثيرية.
‘لقد أقنعتُ سيريس وأسياد الأقزام بانتظار وصولك في لودنهولد،’ تواصلت سيلفي ذهنيًا، ‘لكن بالكاد. أمامك حوالي عشر دقائق قبل أن يقتحموا البستان بحثًا عنك.’
رفعتُ يدي إلى عنقي حيث أذابت الأحماض السامة جلدي، وعندما خطوتُ للأمام، شعرتُ بوخز الحرقان بينما السم يحاول إذابة ساقي من الداخل.
لابد أنني قد توترتُ دون وعي، إذ تيسيا انسحبت قليلًا، مستندةً على مرفقها، متفحصةً وجهي.
عندما غادرنا بستان إيلشاير وبدأنا في النزول عبر سلسلة السلالم الطويلة المؤدية إلى قصر لودنهولد، شرحتُ لفيريون وتيسيا كلّ ما حدث.
تبع صوتُ ريجس، ‘جيدون وبقية فريقه من المخترعين المجانين في طريقهم أيضًا. أما ورين كاين، فهو ليس هنا، غادر في اللحظة التي تشكّل فيها الثقب في السماء.’
كان من الصعب استيعاب حجم الكارثة. الجرح الآن يسيطر على السماء، ممتدًا من الأفق إلى الأفق. وبينما كانت قطع الصخور والتربة والأشجار تتفتت، بعضها سقط كغبارٍ في المسافة البعيدة، بينما كان البعض الآخر يزداد حجمًا كلما اقترب.
“حان وقت العودة إلى العمل؟” سألت تيسيا، بملامح متذمّرة بعض الشيء.
“اخرجوا! الجميع إلى الخارج!”
أومأتُ، فنهضَت برشاقةٍ، وراحت تزيل بعض خيوط الطحالب عن ملابسها. حتى بثياب العمل البسيطة، التي كانت ترتديها أثناء عملها في الأرض خلال الأسابيع الماضية، كانت مذهلة الجمال. نظرت إليّ، حاجباها مرفوعان، وابتسامةٌ ماكرة تلوح على شفتيها.
“لديه بقاياٌ أو شخصيةٌ من الجِن محبوسة داخل ‘المذخر’،” قالت تيسيا، وهي تنقل بصرها بين سيريس وبيني. “تتحكّم في العديد من الأمور، على حد فهمي… من خلال سيسيليا، ومن ذكرياتها.”
“لا تخبرني أنك ستغادر، ثم تنظر إليّ بتلك الطريقة، يا آرثر ليوين.”
وميضٌ من الضوء البنفسجي لمع حول القطع، للحظةٍ بدا وكأن شيئًا لم يحدث…
شعرتُ بالخجل يتدفّق في وجهي، فمسحتُ على عنقي وأنا أعتدل في وقوفي. أخذت تيسيا يدي، ضاحكة، “كل هذه القوة في العالم، ولا تزال تحمرّ خجلًا كطالبٍ في عامه الأول.”
رأيتُ فيريون، وتيسيا، وساريا جميعهم يتشنّجون عند ذكر التقنية الأزوراسية التي دمّرت إلينور.
شدّتني من يدي، قادتني نحو الشجرة المركزية والمنزل الصغير في أغصانها. وصلنا منتصف الطريق قبل أن يظهر فيريون، نازلًا من الدرج، متّجهًا نحونا.
لكنّ التوتر كان قد بدأ يتفجّر بالفعل في القاعة.
“بايرون أرسل رسالةً يقول إنهم بانتظارنا.”
بقينا على هذه الحال لدقيقةٍ أو اثنتين، قبل أن يقطَع صوتٌ في ذهني هدوء اللحظة.
تمتم، وهو يجفّف يديه المبللتين في سرواله الملطّخ بالتراب.
الأرض اهتزّت تحت أقدامنا بينما انطلق تشول في الهواء، جسده يتوهج بلون النار البرتقالية وهو يندفع نحو أكبر القطع الساقطة.
“لكنني سعيدٌ لأنكما، أيها العاشقان، حصلتما على دقيقةٍ أو اثنتين وحدكما.”
من زاوية عيني، لاحظتُ سيريس تُخرج لفافةً صغيرة من جيبٍ خفي في فستانها، حيث كانت كلماتٌ متوهجةٌ تُكتب تلقائيًا عليها.
ثم استدار نحوي، عينيه جادتين، “الآن، آرثر، قبل أن ننزل هناك… ما الذي يحدث بحقّ الجحيم في السماء؟”
وضعتُ يدي على كتفه، وأنا أتبعه بنظري. “ربما لا، لكن مهما حدث لأفيتوس… هناك مشكلة أخرى عليّ حلها أولًا.”
—
وفي الوقت ذاته، شعرتُ بتواقيع مانا قوية قادمة من الشرق.
عندما غادرنا بستان إيلشاير وبدأنا في النزول عبر سلسلة السلالم الطويلة المؤدية إلى قصر لودنهولد، شرحتُ لفيريون وتيسيا كلّ ما حدث.
بدأت سيريس في استدعاء رياح الفراغ، لتكوّن إعصارًا هائجًا يلتفّ حول إحدى الكتل.
“اللعنة…” تمتم فيريون. “بصراحة، كنتُ آمل أن تكون سيريس مخطئة. إذاً، كل هذا، وأغرونا لا يزال حيًا—ومعه سلاحٌ لا يمكننا حتى استيعابه.” رغم أنه لم يقلها، شعرتُ بأفكار فيريون تتّجه إلى إلينور، والتقنية الأزوراسية التي دمّرت موطن الإلف. “أتساءل لماذا انتظر كل هذا الوقت ليستخدمه.”
قطعةٌ من الأرض—غابةٌ كثيفة مليئة بأشجار الصفصاف ذات الأوراق الوردية المتناثرة—برزت عبر الجرح كقطعة عظمٍ مكسورة تخرج من جرحٍ مفتوح.
“أظن أن هذا لم يكن جزءًا من خطته،” أجبت، بعد أن فكرتُ في الأمر مليًّا.
صفعتني بلطف. “أنا جادّة.”
“يبدو لي يائسًا. أشبه بمحاولة أخيرة.”
سحبتُها أقرب إليّ، ودفنتُ وجهي في شعرها. “وأنا كذلك…”
واصلنا مناقشة التفاصيل حتى وصلنا إلى لودنهولد.
“لكنني سعيدٌ لأنكما، أيها العاشقان، حصلتما على دقيقةٍ أو اثنتين وحدكما.”
كان بايرون وفاراي بانتظارنا.
وحوش المانا القادمة من أفيتوس تكاد تكون كلها من التصنيف S أو أعلى، وفقًا لمعايير ديكاثين لتصنيف القوة. مجرد عدد قليل من هذه الوحوش يمكن أن يتسبب في كارثة إذا تُركت بالقرب من المناطق المأهولة.
أومأ لي بايرون بجدية. “آرثر. الجميع… يتطلّع لسماع ما لديك لتقوله.”
انطلقتُ نحو جيديون، متجاهلًا الأسئلة المذعورة التي كان يصرخ بها القادة الآخرون.
“آمل ألّا يتوقعوا أخبارًا سارّة.” قلتُها بنبرةٍ جافة.
سيريس استخدمت إعصارها لتمزيق إحدى الكتل إلى أجزاءٍ أصغر.
رسمت فاراي شبح ابتسامةٍ—ما يعادل ابتسامةً عريضةً على وجهها الذي نادرًا ما يعبّر عن شيء. “إنهم يتوقعون من الرمح تعويذة الحاكم، وصي ديكاثين، أن يلوّح بيديه ويُصلح العالم، بالطبع.”
“لديك فيلق الوحوش، بالطبع،” قال جيدون على الفور، ضاربًا بيده على الطاولة. “نجحنا في تشغيل بضع عشراتٍ من الوحدات الإضافية، وطياروها أصبحوا مدرّبين بما يكفي لئلّا يقتلوا أنفسهم أثناء تشغيل البدلات الآلية.”
رفعتُ حاجبًا، وأشرتُ للرمح لقيادتنا إلى الداخل. “كيف تسير عملية الاندماج؟”
“استعدوا.” قلتُ ببساطة. “بطريقة أو بأخرى… هذه هي بداية النهاية.”
رفعت فاراي يدها المصنوعة من الجليد، والتي كانت تعمل كطرفٍ اصطناعيٍ بديلٍ عن الذراع التي فقدتها أثناء قتالها ضد تاشي.
“لا يُعجبني هذا المشهد.” قال تشول ببساطة.
شعرتُ بتدفّق المانا عبر جسدها، تتغلغل في قنواتها وأوردتها بشكلٍ مستمر، رغم افتقارها لنواة.
هذا هو ما ترونه في السماء.”
“لستُ متأكدةً مما إذا كان عليّ اعتبار نفسي محظوظةً لأنني لم أخض هذه العملية أثناء الحرب،” قالت فاراي بسخريةٍ خافتة. “لا أعتقد أنني شعرتُ يومًا بهذا الضعف كما شعرتُ في الأسابيع التالية، ومع ذلك…”
“قلعة تايغرين كايلم أصبحت غير قابلةٍ للوصول منذ أن قُضي على الجسد الوهمي لأغرونا هنا في ديكاثين. لم تكن هناك طريقةٌ للتحقّق من شيءٍ بشكلٍ قاطع، لكنني طورتُ نظريةً محتملة.” توقفت للحظة، منتظرةً أي اعتراض، لكن لم يقاطعها أحد، فتابعت، “قلعة تايغرين كايلم هائلةٌ في الحجم، ومليئةٌ بأماكن لا يمكن لأي أحدٍ الوصول إليها سوى أغرونا. خلال سنوات تجسّسي على القلعة، اكتشفتُ جيوبًا من الآلات القديمة تجري في أعماق قلب الجبل. من الواضح الآن أن هذه الأجهزة جزءٌ من الآلية التي استخدمها لاستخلاص الطاقة من جميع سحرة ألاكرِيا. لن أزعم أنني أفهم تمامًا كيف حقّق هذا العمل السحري المستحيل، لكن… مع كل الوقت الذي أمضاه في تفكيك وإعادة بناء تقنيات الجِن القديمة، لا أستبعد أنه قد استخدم هذه التكنولوجيا لتغذية سلاحٍ لضرب الصدع، بعدما فشل سابقًا في السيطرة عليه.”
أومأتُ بتفهّم. “وها أنتِ الآن تمتلكين كل هذه القوة والسيطرة، لكن الحرب قد انتهت.”
بدأت الأرض الإيفيوثية تتفكّك، وتسقط كأمطار النيازك نحو ديكاثين، متوهجةً أثناء سقوطها.
“هل انتهت حقًا؟”
لم يكن بإمكاني البقاء والدفاع عن ديكاثين، لأن عليّ مواجهة أغرونا مباشرة. كان يجب منعه من امتصاص المزيد من القوة أو استخدام سلاحه مجددًا — ربما يستهدف هذه المرة زيروس، أو دارف، أو إتستين. بغض النظر عن المكان الذي سيضربه، كنتُ أعلم أنه إذا سمحنا له باستخدامه مرة أخرى، فإن الدمار الناتج سيجعل تحقيق الرؤية التي أظهرتها للمصير مستحيلًا.
جاء صوت فيريون من خلفنا مباشرةً.
لكن على بُعد ثلاثمائة قدم، اصطدمت كتلةٌ أخرى من الغابة أفيتوس بالصحراء، لتُرسل سحابةً ضخمة من الرمال الذهبية في السماء.
“قد تكون هناك حاجةٌ لاستخدام هذه القوة في خدمة ديكاثين، يا الرمح فاراي.”
التفّ الأثير حولي، وسحبتُ ساريا إلى المسارات الأثيرية، وظهرتُ في الممر خارج القاعة، على بعد أقدامٍ قليلة من الحشد.
وصلنا إلى المدخل الذي يؤدي إلى قاعة اللوردات، حيث كان هناك العديد من السحرة الأقزام المدرّعين يحرسونه.
الأرض اهتزّت تحت أقدامنا بينما انطلق تشول في الهواء، جسده يتوهج بلون النار البرتقالية وهو يندفع نحو أكبر القطع الساقطة.
كانت ميكا واقفةً مع أبناء عمومتها، هورنفلز وسكارن.
بدأت الخطة تتشكل في ذهني.
عند سماعهم لقدومنا، ارتفعت في الهواء، حتى تتمكن من النظر في عينيّ مباشرةً.
‘آرثر. نحن نبذل كل ما في وسعنا. لا يمكنني المخاطرة بترك الجرح، ولن أرسل أحدًا عبره حتى نتمكن من تثبيته مجددًا. هذا من فعل أغرونا… ابحث عنه واقتله. الآن.’
تفحّصتني بنظرةٍ متفحصة، ثم قالت، “وكنتُ أتوقّع أنك أصبحتَ ذا بشرةٍ أرجوانية أو قرونٍ أو أجنحة بحلول الآن، يا لورد آرثر.” رغم برودة نبرتها، إلا أن عبوسها الأولي هدأ تدريجيًا، وراحت تطفو إلى الداخل متجاهلةً وجودنا.
صفعتني بلطف. “أنا جادّة.”
سرتُ خلفها، لكنني توقفتُ للحظةٍ وأنا أدخل القاعة، مُتفاجئًا من اكتظاظها بالكامل.
تشول كان محاربًا لا يُضاهى، سواء في ديكاثين أو ألاكريا، وعلى الرغم من أن دفاعه عن الناس ضد سقوط أنقاض أفيتوس سيكون ذا تأثير كبير، إلا أنني كنتُ أعلم أنه لن يقبل إلا بمقاتلة أغرونا إلى جانبي.
كما هو الحال دائمًا، كان مكان الاجتماع يقع فوق لوحٍ عائمٍ من الكريستال، يمكن الوصول إليه عبر السير فوق سلسلةٍ من الألواح الأصغر، كأحجارٍ عائمةٍ فوق نهرٍ هادئ.
وقبل أن أنهي كلمتي، شعرتُ بقلبي يهبط في معدتي.
طاولة اللوردات الأقزام المعتادة صُغرت، لتوفير مساحةٍ أكبر حولها لصفٍ ثانٍ من المقاعد.
كانت ميكا واقفةً مع أبناء عمومتها، هورنفلز وسكارن.
ربما كان ذلك بسبب التوتر—أو ربما بسبب حالتي المزاجية—لكن البلورات العملاقة داخل الجيود لم تكن تتلألأ بالسطوع المعتاد.
رفعتُ ركبتي وأصبتُه تحت الذقن بينما كنتُ أدور بجسدي، ما جعل رأس الأفعى وردهتها الطويلة تتأرجح. ثم هوت شفرَتي الأثيرية على العنق، لتفصل الرأس عن الجسد، فطار في الهواء، واندفعت سوائل سامة بلون أخضر لامع من أنيابه، لترشّ عنقي.
كانت سيريس تتقدّم نحوي بالفعل، تسير فوق الألواح العائمة دون أي قلقٍ من الارتفاع، رغم اهتزاز الألواح تحت قدميها. “آرثر. سعيدٌ لأننا تمكّنّا أخيرًا من جذب انتباهك.”
عند سماعهم لقدومنا، ارتفعت في الهواء، حتى تتمكن من النظر في عينيّ مباشرةً.
“سيريس. إلى أي مدى الوضع سيء؟”
“قد تكون هناك حاجةٌ لاستخدام هذه القوة في خدمة ديكاثين، يا الرمح فاراي.”
“أقلّ من المُثلى.” أجابت، وهزّت رأسها قليلًا.
“لا تخبرني أنك ستغادر، ثم تنظر إليّ بتلك الطريقة، يا آرثر ليوين.”
في الضوء غير الطبيعي المنبعث من البلورات، كان شعرها يتوهّج بدرجةٍ أرجوانيةٍ خافتة، وبشرتها العاجية تعكس ألوان التكوينات الكريستالية المحيطة.
تشول كان محاربًا لا يُضاهى، سواء في ديكاثين أو ألاكريا، وعلى الرغم من أن دفاعه عن الناس ضد سقوط أنقاض أفيتوس سيكون ذا تأثير كبير، إلا أنني كنتُ أعلم أنه لن يقبل إلا بمقاتلة أغرونا إلى جانبي.
كانت ترتدي فستانًا قتاليًا أسود يغطيها من العنق حتى أخمص القدمين، وقرونها السوداء اللامعة تعكس الضوء بخفوت.
“لديك فيلق الوحوش، بالطبع،” قال جيدون على الفور، ضاربًا بيده على الطاولة. “نجحنا في تشغيل بضع عشراتٍ من الوحدات الإضافية، وطياروها أصبحوا مدرّبين بما يكفي لئلّا يقتلوا أنفسهم أثناء تشغيل البدلات الآلية.”
“الشعب يعاني، بلا قائد. أغرونا أرسل رسالةً قبل أن يهاجم الصدع. وحتى لو كانوا يخشون ما فعله، إلا أن استعراضه للقوة جذب الكثيرين للعودة إلى قضيته.”
“ما الذي حدث؟” سأل لورد سيلفرشيل، متلفّتًا حوله كما لو أن أحدًا هناك قد يملك الإجابة.
خلفها في القاعة المزدحمة، كان سيلريت وسيلفي يطفوان في الهواء بجوار الطاولة المركزية.
جلس والد ميكا في رأس الطاولة، وعلى يمينه جلس أفراد عشيرة سيلفرشيل الثلاثة: داجلون، دورجار، ودايمور.
ميكا، وبايرون، وفاراي تحرّكوا إلى الجانب الآخر من القاعة، بينما تشول وإحدى نساء العنقاء—سولي، المعالجة التي ساعدت في إنقاذ حياة تشول سابقًا—كانا واقفَين خلف اللورد كارنيليان إيرثبورن الجالس في مقدّمة الطاولة.
“الشعب يعاني، بلا قائد. أغرونا أرسل رسالةً قبل أن يهاجم الصدع. وحتى لو كانوا يخشون ما فعله، إلا أن استعراضه للقوة جذب الكثيرين للعودة إلى قضيته.”
جلس والد ميكا في رأس الطاولة، وعلى يمينه جلس أفراد عشيرة سيلفرشيل الثلاثة: داجلون، دورجار، ودايمور.
عقلي، المعزز بمناورة الملك، فرز كل هذه الأفكار وأكثر في اللحظة التي تفصل بين شهيق وزفير.
كان هناك ممثلون آخرون من العشائر القزمية القوية، بالإضافة إلى جيدون، وإيميلي، وكلير بلايدهارت، التي كانت خارج هيئتها الآلية.
“حان وقت العودة إلى العمل؟” سألت تيسيا، بملامح متذمّرة بعض الشيء.
ليورا دريد شغلت المقعد بجوار المكان الذي كانت تجلس فيه سيريس، وعلى الجانب الآخر جلست ساريا تريسكين، وهي امرأةٌ إلفية في منتصف العمر، تاركةً مقعدَين فارغَين على الأرجح لتيسيا وفيريون.
رفعتُ ركبتي وأصبتُه تحت الذقن بينما كنتُ أدور بجسدي، ما جعل رأس الأفعى وردهتها الطويلة تتأرجح. ثم هوت شفرَتي الأثيرية على العنق، لتفصل الرأس عن الجسد، فطار في الهواء، واندفعت سوائل سامة بلون أخضر لامع من أنيابه، لترشّ عنقي.
“يمكنني أن أفترض فقط أنك عدتَ لأنك تنوي الذهاب خلفه.” تابعت سيريس قائلةً، “يبدو أن هدفه الأكبر لا يتطلّب بقاء أفيتوس أو هذا العالم سالمَين. إنه يُحرق شعبه نفسه كوقودٍ لتحقيق غايته.”
تحوّلت قاعة اللوردات إلى مزيجٍ من الآهات والصيحات المرتعبة، وصرخات الألم. ضغط الجميع أيديهم على رؤوسهم وصدورهم، إذ كان الاهتزاز يخدش نواهم كما لو كان أظافرًا تجرح لوحًا زجاجيًا.
أخذت نفسًا عميقًا، وعادت عيناها تركزان عليّ. عندما التقَت نظراتُنا، رأيتُ في عينيها شيئًا لم أره من قبل، حتى عندما كادت تُفقد حياتها أثناء صدّ قوات أغرونا في مقابر الأثر.
سقوط الحطام نفسه يُمثل تهديدًا هائلًا. قطعة كبيرة بما يكفي يمكن أن تُدمر مدينةً بأكملها بضربة واحدة. إذا سقطت كتلة بحجم تلك على مدينة مثل زيروس، فقد يُباد السكان جميعًا في لحظة.
شعرتُ بانقلاب الأدوار بيننا، كما لو أننا عدنا إلى لقائنا الأول، عندما أنقذت حياتي من أوتو.
في العادة، كنتُ بحاجةٍ إلى رؤية الوجهة لأتمكن من الانتقال، لكن مع رونية الحاكم الجديد الذي حصلتُ عليه، باتت حواسي تتوسّع بشكلٍ هائل، ما سمح لي بالشعور بالمساحة من حولي كما لم أستطع من قبل.
“إنه ليس مجنونًا، آرثر. لن يفعل هذا”—أشارت بيدها نحو السقف، حيث يتراءى الجرح في السماء—”إلا إذا كان واثقًا من أنه لن ينجو فقط، بل أن هذا سيُحقّق غايته.”
استخدمتُ خطوة الحاكم، وظهرتُ على بُعد عشرة أقدام من الكومة المتصدعة، في اللحظة ذاتها التي قفز فيها وحش مانا يشبه الأفعى ذات الرؤوس الثلاثة من بين الأدغال. كانت الشفرة الأثيرية قد تكونت في يدي، وأرجحتها نحو الوحش قبل أن تلامس مخالبه الرمال، ومع ذلك، تمكن من الالتفاف بعيدًا عن ضربي، حيث اندفع رأسان إلى اليسار ليضيفا زخمًا لحركته، بينما انخفض الرأس الثالث ليهاجمني مباشرة.
عادت سيريس إلى مقعدها، وسمحتُ لفيريون وتيسيا بالتقدّم وأخذ مكانَيهما. قبل أن أتمكّن من التحدّث، دوّى صوت خطواتٍ سريعةٍ قادمةٍ من الباب المفتوح خلفي.
تكثّفت المانا، وانفجرت كرومٌ من الجدران، تشقّقت البلورة الجوفية بينما نسجت الكروم نفسها لتشكّل جسرًا.
استدرتُ لأرى كيرتيس وكاثلين غلايدر يقودهما هورنفلز.
أومأ لي بايرون بجدية. “آرثر. الجميع… يتطلّع لسماع ما لديك لتقوله.”
أومأت كاثلين له شكرًا باردًا، ثم دخلت القاعة بخطواتٍ واثقة. ركتُ البلورات العائمة جانبًا لأفسح لهما المجال.
سقوط الحطام نفسه يُمثل تهديدًا هائلًا. قطعة كبيرة بما يكفي يمكن أن تُدمر مدينةً بأكملها بضربة واحدة. إذا سقطت كتلة بحجم تلك على مدينة مثل زيروس، فقد يُباد السكان جميعًا في لحظة.
“حسنًا، يبدو أن الفريق قد اكتمل بالفعل.” قلتُ بحرارة، رغم التوتر الذي نشأ بيني وبين الغلايدرز بعد الحرب، إلا أنني كنتُ سعيدًا برؤيتهما. “تفضلا بالجلوس. كنا على وشك البدء.”
سقطت ساريا تريسكين أمامي، فالتقطتُها من الهواء. في الوقت ذاته، شعرتُ بالجاذبية تهتزّ في الغرفة بينما كانت ميكا تحاول التصدي لموجات الاضطراب السحرية.
“آرثر.” قالت كاثلين.
“يمكنني أن أفترض فقط أنك عدتَ لأنك تنوي الذهاب خلفه.” تابعت سيريس قائلةً، “يبدو أن هدفه الأكبر لا يتطلّب بقاء أفيتوس أو هذا العالم سالمَين. إنه يُحرق شعبه نفسه كوقودٍ لتحقيق غايته.”
رغم برودتها المعتادة، إلا أنني رأيتُ وميضًا في عينيها، وارتعاشةً في توقيع ماناها، عبّرت أكثر من كلماتها.
في الضوء غير الطبيعي المنبعث من البلورات، كان شعرها يتوهّج بدرجةٍ أرجوانيةٍ خافتة، وبشرتها العاجية تعكس ألوان التكوينات الكريستالية المحيطة.
كيرتيس عقد حاجبيه، وانحنى لي انحناءةً سطحية. “آرثر. مرّ وقتٌ طويل، يا صديقي القديم.”
لكن قبل أن تتمكّن من الرد، اهتزّت المانا التي تملأ الهواء والأرض حولنا اهتزازًا مرعبًا.
لكن لم يكن هناك وقتٌ للمجاملات. أخذ قادة سَابين مقاعدهم، ولم أُضِع المزيد من الوقت.
مددتُ حواسي الأثيرية نحو طيّات الفضاء التي كنتُ قد ثبتّها سابقًا لإيقاف توسّع الجرح، لكن الروابط كانت قد انهارت.
“الحاجز الذي يفصل أفيتوس عن عالمنا قد انهار. الجيب الفضائي الذي يحتوي على عالمهم ينهار.
بدلًا من ذلك، ارتفعتُ في الهواء واندفعتُ لملاقاة موردين.
هذا هو ما ترونه في السماء.”
استخدمتُ خطوة الحاكم، وظهرتُ على بُعد عشرة أقدام من الكومة المتصدعة، في اللحظة ذاتها التي قفز فيها وحش مانا يشبه الأفعى ذات الرؤوس الثلاثة من بين الأدغال. كانت الشفرة الأثيرية قد تكونت في يدي، وأرجحتها نحو الوحش قبل أن تلامس مخالبه الرمال، ومع ذلك، تمكن من الالتفاف بعيدًا عن ضربي، حيث اندفع رأسان إلى اليسار ليضيفا زخمًا لحركته، بينما انخفض الرأس الثالث ليهاجمني مباشرة.
انفجرت القاعة بصيحاتٍ مذعورة، لكنني صرختُ بهم ليصمتوا، فامتثلوا جميعًا.
“هل انتهت حقًا؟”
ألقيتُ نظرةً حادّةً وطويلةً على قادة ديكاثين، من رماح، ولوردات، وأمراء، وأميرات.
تكثّفت المانا، وانفجرت كرومٌ من الجدران، تشقّقت البلورة الجوفية بينما نسجت الكروم نفسها لتشكّل جسرًا.
“دعوني أوضّح شيئًا. لا وقت للذعر. غرائزكم قد تدفعكم الآن، كما فعلت في الحرب، للسعي لتحقيق الأفضل لشعوبكم، لكن أي أهدافٍ شخصيةٍ تمتلكونها الآن… لا قيمة لها. حتى يُحلّ هذا الوضع، سنعمل معًا، وسنبذل كل ما في وسعنا لضمان نجاة هذا العالم… وأفيتوس كذلك.”
في غمضة عين، وجدنا أنفسنا فوق كثبان الرمال المحترقة تحت شمس الصحراء.
ساد صمتٌ مطبقٌ في قاعة اللوردات.
“أغلبهم محميون في المستوى الأول من الأطلال العتيقة، في انتظار الأوامر. سيكونون مستعدّين للقتال.”
فكّت ساريا تريسكين فكّيها بصعوبةٍ كما لو أنها تردّدَت في الحديث، ورفعت ميكا حاجبها قليلًا، لكن البقية اكتفوا بمراقبتي بانتباه.
“آمل ألّا يتوقعوا أخبارًا سارّة.” قلتُها بنبرةٍ جافة.
“سيريس، ما الذي يمكنكِ إخبارنا به عن كيفية حدوث هذا؟”
ثم فجأة، انفجرت ستّ جزرٍ صغيرة في الهواء، متناثرةً إلى شظايا بدلاً من أن تتحطّم على الأرض بقوتها الكاملة.
استدار الجميع نحوها. تعلّقت نظرتها بالمسافة البعيدة، عبر القشرة البلورية العملاقة للجيود.
—
“قلعة تايغرين كايلم أصبحت غير قابلةٍ للوصول منذ أن قُضي على الجسد الوهمي لأغرونا هنا في ديكاثين. لم تكن هناك طريقةٌ للتحقّق من شيءٍ بشكلٍ قاطع، لكنني طورتُ نظريةً محتملة.” توقفت للحظة، منتظرةً أي اعتراض، لكن لم يقاطعها أحد، فتابعت، “قلعة تايغرين كايلم هائلةٌ في الحجم، ومليئةٌ بأماكن لا يمكن لأي أحدٍ الوصول إليها سوى أغرونا. خلال سنوات تجسّسي على القلعة، اكتشفتُ جيوبًا من الآلات القديمة تجري في أعماق قلب الجبل. من الواضح الآن أن هذه الأجهزة جزءٌ من الآلية التي استخدمها لاستخلاص الطاقة من جميع سحرة ألاكرِيا. لن أزعم أنني أفهم تمامًا كيف حقّق هذا العمل السحري المستحيل، لكن… مع كل الوقت الذي أمضاه في تفكيك وإعادة بناء تقنيات الجِن القديمة، لا أستبعد أنه قد استخدم هذه التكنولوجيا لتغذية سلاحٍ لضرب الصدع، بعدما فشل سابقًا في السيطرة عليه.”
لكن قبل أن تتمكّن من الرد، اهتزّت المانا التي تملأ الهواء والأرض حولنا اهتزازًا مرعبًا.
“لديه بقاياٌ أو شخصيةٌ من الجِن محبوسة داخل ‘المذخر’،” قالت تيسيا، وهي تنقل بصرها بين سيريس وبيني. “تتحكّم في العديد من الأمور، على حد فهمي… من خلال سيسيليا، ومن ذكرياتها.”
ركّزتُ على كاثلين، آملاً أن تتحدّث. رغم المسافة التي نمت بيننا خلال السنوات الأخيرة، كانت يومًا ما صديقةً قريبةً وموثوقة. حتى دعمها الرمزي كان كافيًا لتخفيف التوتر المتزايد بيننا.
تحدّثت سولي، المعالجة من عشيرة العنقاء، التي كانت تحوم قرب جدار الجيود. “لقد شعرتُ بالضربة. الطاقة والسحر المستخدمان… حملا نفس الشراسة والاضطراب في المانا الذي استخدمته تقنية ‘آكِل العوالم’ الخاصة بالأزوراس عندما ضربت إلينور.”
صرخ ابن سيلفرشيل الأصغر، وجهه محمرّ، وعيناه متّسعتان من الذعر. “كان علينا غزو ألاكرِيا قبل أسابيع! لقد أخبرناكم! حذّرناكم من هذا—”
رأيتُ فيريون، وتيسيا، وساريا جميعهم يتشنّجون عند ذكر التقنية الأزوراسية التي دمّرت إلينور.
من زاوية عيني، رأيتُ وحشًا آخر يندفع نحوي، لكن الكروم السميكة التي استدعتها تيسيا انطلقت كالأفاعي، لتلتف حوله وتسحبه إلى أعماق الغابة.
“يبدو من المحتمل أنه استند في هذا السلاح إلى نفس مبدأ التقنية السرّية الخاصة بالبانثيون.” أنهت سولي حديثها بتوتر. “وهذا يعني أنه لو وجّه السلاح نحو إحدى مدننا، قد تكون نهاية سابين أو دارف في غمضة عين!”
وفي نفس الوقت، وصول خبر النبضة الثالثة يعني أن أغرونا قد استعاد طاقته بالكامل بعد ضربته الأولى ضد الصدع. وإذا كان هذا صحيحًا، فمن المحتمل أنه قد يستخدم سلاحه مجددًا.
صرخ ابن سيلفرشيل الأصغر، وجهه محمرّ، وعيناه متّسعتان من الذعر. “كان علينا غزو ألاكرِيا قبل أسابيع! لقد أخبرناكم! حذّرناكم من هذا—”
“بقرون الفريترا…” تمتمت سيريس، واضعةً يدها على فمها.
صرخت ميكا فيه، “اصمت يا أحمق!”
“تحرّكوا!” صرخ فيريون.
لكنّ التوتر كان قد بدأ يتفجّر بالفعل في القاعة.
انطلقتُ نحو جيديون، متجاهلًا الأسئلة المذعورة التي كان يصرخ بها القادة الآخرون.
أطلقتُ نفسًا هادئًا، ثم قلتُ بصوتٍ منخفضٍ، لكنّه اخترق كلّ صرخةٍ في القاعة، “أغرونا لا يحتاج إلى مهاجمتنا.” تجمّدت الأصوات، واستدار الجميع إليّ. “إن لم نوقف هذا الآن، سينهار عالم الأزوراس فوق عالمنا… وسنُسحق جميعًا معًا.”
صرخ ابن سيلفرشيل الأصغر، وجهه محمرّ، وعيناه متّسعتان من الذعر. “كان علينا غزو ألاكرِيا قبل أسابيع! لقد أخبرناكم! حذّرناكم من هذا—”
“لقد حان وقت التحرك،” قلتُ بصوتٍ أعلى من صوت اللورد الشاب. “أولئك الألاكرِيين الذين اختاروا الوقوف مع أغرونا هم أعداؤنا، لكنني لا أتوقّع أن أجد الكثير منهم. سأهاجم تايغرين كايلم مباشرةً، وفي أقرب وقتٍ ممكن. أحتاج إلى أي قوة يمكن لديكاثين أو ألاكرِيا أن تحشدها.”
تلاشت توقيعات المانا الجماعية للحاضرين من الغرفة تمامًا، في اللحظة التي تحطّم فيها السقف فوقي.
“لديك فيلق الوحوش، بالطبع،” قال جيدون على الفور، ضاربًا بيده على الطاولة. “نجحنا في تشغيل بضع عشراتٍ من الوحدات الإضافية، وطياروها أصبحوا مدرّبين بما يكفي لئلّا يقتلوا أنفسهم أثناء تشغيل البدلات الآلية.”
“لكنني سعيدٌ لأنكما، أيها العاشقان، حصلتما على دقيقةٍ أو اثنتين وحدكما.”
“كلامٌ مُلهِمٌ للثقة…” تمتم كيرتيس غلايدر.
الأرض اهتزّت تحت أقدامنا بينما انطلق تشول في الهواء، جسده يتوهج بلون النار البرتقالية وهو يندفع نحو أكبر القطع الساقطة.
تحدثت سيريس بعده، “كايرا دينوار تعمل حاليًا على تنظيم ما تبقّى من قواتنا. بسبب استنزاف مانا سكان ألاكرِيا بشكلٍ متكرّر، ستكون قواتنا القتالية محدودة. كما أننا تلقينا تقارير عن لاجئين متملّقين يحاولون عبور جبال ناب الباسيليسك سيرًا على الأقدام للوصول إلى تايغرين كايلم، لكن لا يمكنني التأكيد على ما سنجده هناك. على الأقل، سيكونون ضعفاء أيضًا بسبب نبضات السحب.”
“اخرجوا! الجميع إلى الخارج!”
تنحنحت سولي وقالت، “سيدي آرثر، اعذرني على عدم إخباري بذلك فورًا، لكن “مورداين” قرر أن الوقت قد حان لتقديم عشيرة أسكليبيوس دعمها أيضًا. منذ ساعةٍ مضت، كان يجمع كل من يرغب في القتال ويستعد لمغادرة الموقد. سيكون لديك دعم العنقاء في هذه المهمة، حتى لو لم ترسل أفيتوس مساعدتها.”
“آرثر.” قالت كاثلين.
رمشتُ بدهشة، “هذا خبرٌ رائع، سولي. شكرًا لك.” كان خروج مورداين من الموقد ومشاركته مخاطرةً كبيرة، لكنه دعمٌ كنتُ في أمسّ الحاجة إليه.
كان من الصعب استيعاب حجم الكارثة. الجرح الآن يسيطر على السماء، ممتدًا من الأفق إلى الأفق. وبينما كانت قطع الصخور والتربة والأشجار تتفتت، بعضها سقط كغبارٍ في المسافة البعيدة، بينما كان البعض الآخر يزداد حجمًا كلما اقترب.
ركّزتُ على كاثلين، آملاً أن تتحدّث. رغم المسافة التي نمت بيننا خلال السنوات الأخيرة، كانت يومًا ما صديقةً قريبةً وموثوقة. حتى دعمها الرمزي كان كافيًا لتخفيف التوتر المتزايد بيننا.
“لا يُعجبني هذا المشهد.” قال تشول ببساطة.
لكن قبل أن تتمكّن من الرد، اهتزّت المانا التي تملأ الهواء والأرض حولنا اهتزازًا مرعبًا.
فكّت ساريا تريسكين فكّيها بصعوبةٍ كما لو أنها تردّدَت في الحديث، ورفعت ميكا حاجبها قليلًا، لكن البقية اكتفوا بمراقبتي بانتباه.
تحوّلت قاعة اللوردات إلى مزيجٍ من الآهات والصيحات المرتعبة، وصرخات الألم. ضغط الجميع أيديهم على رؤوسهم وصدورهم، إذ كان الاهتزاز يخدش نواهم كما لو كان أظافرًا تجرح لوحًا زجاجيًا.
قطعةٌ من الأرض—غابةٌ كثيفة مليئة بأشجار الصفصاف ذات الأوراق الوردية المتناثرة—برزت عبر الجرح كقطعة عظمٍ مكسورة تخرج من جرحٍ مفتوح.
مالت المنصة العائمة فجأةً نحو اليمين، وبدأت الكراسي تنزلق على سطحها. ارتطمت الطاولة بجانب جيدون، وكادت تأخذ معها عشرات الأشخاص إلى الحافة.
عقلي، المعزز بمناورة الملك، فرز كل هذه الأفكار وأكثر في اللحظة التي تفصل بين شهيق وزفير.
بلمحةٍ من البرق الأثيري، استخدمتُ “خطوة الحاكم” وظهرتُ أسفل المنصة، ممسكًا بها من الأسفل لمنعها من الانقلاب أكثر.
“بايرون أرسل رسالةً يقول إنهم بانتظارنا.”
سقطت ساريا تريسكين أمامي، فالتقطتُها من الهواء. في الوقت ذاته، شعرتُ بالجاذبية تهتزّ في الغرفة بينما كانت ميكا تحاول التصدي لموجات الاضطراب السحرية.
في تلك اللحظة، وصل الآخرون أخيرًا إلى السطح.
“اخرجوا! الجميع إلى الخارج!”
“وقواتك؟”
كان صوت كارنيليان يهدر في القاعة.
“يبدو لي يائسًا. أشبه بمحاولة أخيرة.”
شعرتُ بثقل الخطوات المتسارعة فوقي، وسمعتُ تحطّم الألواح الكريستالية الأصغر أثناء سقوطها وتحطّمها بين النتوءات البلورية الحادّة في الأسفل.
“لا…” همست سيلفي، نبضها يتسارع.
تكثّفت المانا، وانفجرت كرومٌ من الجدران، تشقّقت البلورة الجوفية بينما نسجت الكروم نفسها لتشكّل جسرًا.
لكنّ التوتر كان قد بدأ يتفجّر بالفعل في القاعة.
“تحرّكوا!” صرخ فيريون.
أطلقتُ نفسًا هادئًا، ثم قلتُ بصوتٍ منخفضٍ، لكنّه اخترق كلّ صرخةٍ في القاعة، “أغرونا لا يحتاج إلى مهاجمتنا.” تجمّدت الأصوات، واستدار الجميع إليّ. “إن لم نوقف هذا الآن، سينهار عالم الأزوراس فوق عالمنا… وسنُسحق جميعًا معًا.”
تشبّثَت ساريا بي بخوف. جعلها التعبير على وجهها تبدو أصغر سنًا، وكأنني أرى “آليا”، الالرمح الصغيرة التي وجدتها ميتةً منذ زمنٍ طويل، قبل أن نعرف حتى بوجود ألاكرِيا.
لم يكن هذا كافيًا، لكنني كنتُ أعلم أن الجدال معه سيكون مضيعة للوقت.
تلاشت توقيعات المانا الجماعية للحاضرين من الغرفة تمامًا، في اللحظة التي تحطّم فيها السقف فوقي.
تنحنحت سولي وقالت، “سيدي آرثر، اعذرني على عدم إخباري بذلك فورًا، لكن “مورداين” قرر أن الوقت قد حان لتقديم عشيرة أسكليبيوس دعمها أيضًا. منذ ساعةٍ مضت، كان يجمع كل من يرغب في القتال ويستعد لمغادرة الموقد. سيكون لديك دعم العنقاء في هذه المهمة، حتى لو لم ترسل أفيتوس مساعدتها.”
‘آر—’
“لا يُعجبني هذا المشهد.” قال تشول ببساطة.
التفّ الأثير حولي، وسحبتُ ساريا إلى المسارات الأثيرية، وظهرتُ في الممر خارج القاعة، على بعد أقدامٍ قليلة من الحشد.
وقبل أن أنهي كلمتي، شعرتُ بقلبي يهبط في معدتي.
‘—ثر!’
“لا…” همست سيلفي، نبضها يتسارع.
استدارت سيلفي برأسها حين شعرت بحركتي، بدت مرتاحةً رغم الغبار الذي كان يتدفّق من القاعة المدمّرة إلى الرواق.
رفعت فاراي يدها المصنوعة من الجليد، والتي كانت تعمل كطرفٍ اصطناعيٍ بديلٍ عن الذراع التي فقدتها أثناء قتالها ضد تاشي.
لكن بدلاً من النظر إلى الوراء، ارتفع نظرها إلى الأعلى.
“هل انتهت حقًا؟”
“ما الذي حدث؟” سأل لورد سيلفرشيل، متلفّتًا حوله كما لو أن أحدًا هناك قد يملك الإجابة.
مددتُ حواسي الأثيرية نحو طيّات الفضاء التي كنتُ قد ثبتّها سابقًا لإيقاف توسّع الجرح، لكن الروابط كانت قد انهارت.
لم أكترثُ لبقيّة الحاضرين، بل وضعتُ ساريا برفق على الأرض، ثم جذبتُ سيلفي وتشول وتيسيا وسيريس نحوي. بدت سيريس مُرتبكة للحظة، لكنني فعلتُ خطوة الحاكم مجددًا، وسُحِبنا جميعًا عبر المسارات الأثيرية.
تشول كان محاربًا لا يُضاهى، سواء في ديكاثين أو ألاكريا، وعلى الرغم من أن دفاعه عن الناس ضد سقوط أنقاض أفيتوس سيكون ذا تأثير كبير، إلا أنني كنتُ أعلم أنه لن يقبل إلا بمقاتلة أغرونا إلى جانبي.
في العادة، كنتُ بحاجةٍ إلى رؤية الوجهة لأتمكن من الانتقال، لكن مع رونية الحاكم الجديد الذي حصلتُ عليه، باتت حواسي تتوسّع بشكلٍ هائل، ما سمح لي بالشعور بالمساحة من حولي كما لم أستطع من قبل.
أخذت نفسًا عميقًا، وعادت عيناها تركزان عليّ. عندما التقَت نظراتُنا، رأيتُ في عينيها شيئًا لم أره من قبل، حتى عندما كادت تُفقد حياتها أثناء صدّ قوات أغرونا في مقابر الأثر.
في غمضة عين، وجدنا أنفسنا فوق كثبان الرمال المحترقة تحت شمس الصحراء.
“ضغطه أشبه… ببطانيةٍ ثقيلة.” شعرتُ بابتسامتها ترتسم على صدري.
“بقرون الفريترا…” تمتمت سيريس، واضعةً يدها على فمها.
وحوش المانا القادمة من أفيتوس تكاد تكون كلها من التصنيف S أو أعلى، وفقًا لمعايير ديكاثين لتصنيف القوة. مجرد عدد قليل من هذه الوحوش يمكن أن يتسبب في كارثة إذا تُركت بالقرب من المناطق المأهولة.
“لا يُعجبني هذا المشهد.” قال تشول ببساطة.
“لكنني سعيدٌ لأنكما، أيها العاشقان، حصلتما على دقيقةٍ أو اثنتين وحدكما.”
رفعتُ بصري إلى السماء، وقلبي ينكمش في صدري.
جلس والد ميكا في رأس الطاولة، وعلى يمينه جلس أفراد عشيرة سيلفرشيل الثلاثة: داجلون، دورجار، ودايمور.
الجرح كان يتمزّق من أطرافه، والفضاء نفسه ينشقّ كما ينشقّ اللحم تحت ضغطٍ هائل. الأضواء القرمزية الداكنة تتدفق من حواف الصدع، بينما كان يتمدّد أكثر فأكثر.
أطلقتُ ضحكةً خفيفة، مُتفاجئًا. “إذًا كل عملي الشاق لم يكن هباءً.”
مددتُ حواسي الأثيرية نحو طيّات الفضاء التي كنتُ قد ثبتّها سابقًا لإيقاف توسّع الجرح، لكن الروابط كانت قد انهارت.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
“تبًا…” تمتمتُ.
“قلعة تايغرين كايلم أصبحت غير قابلةٍ للوصول منذ أن قُضي على الجسد الوهمي لأغرونا هنا في ديكاثين. لم تكن هناك طريقةٌ للتحقّق من شيءٍ بشكلٍ قاطع، لكنني طورتُ نظريةً محتملة.” توقفت للحظة، منتظرةً أي اعتراض، لكن لم يقاطعها أحد، فتابعت، “قلعة تايغرين كايلم هائلةٌ في الحجم، ومليئةٌ بأماكن لا يمكن لأي أحدٍ الوصول إليها سوى أغرونا. خلال سنوات تجسّسي على القلعة، اكتشفتُ جيوبًا من الآلات القديمة تجري في أعماق قلب الجبل. من الواضح الآن أن هذه الأجهزة جزءٌ من الآلية التي استخدمها لاستخلاص الطاقة من جميع سحرة ألاكرِيا. لن أزعم أنني أفهم تمامًا كيف حقّق هذا العمل السحري المستحيل، لكن… مع كل الوقت الذي أمضاه في تفكيك وإعادة بناء تقنيات الجِن القديمة، لا أستبعد أنه قد استخدم هذه التكنولوجيا لتغذية سلاحٍ لضرب الصدع، بعدما فشل سابقًا في السيطرة عليه.”
وقبل أن أنهي كلمتي، شعرتُ بقلبي يهبط في معدتي.
“لا…” همست سيلفي، نبضها يتسارع.
قطعةٌ من الأرض—غابةٌ كثيفة مليئة بأشجار الصفصاف ذات الأوراق الوردية المتناثرة—برزت عبر الجرح كقطعة عظمٍ مكسورة تخرج من جرحٍ مفتوح.
“لا تخبرني أنك ستغادر، ثم تنظر إليّ بتلك الطريقة، يا آرثر ليوين.”
“لا…” همست سيلفي، نبضها يتسارع.
تشول هبط من السماء، مطرقته الملتهبة بنيران العنقاء تهوي على العمود الفقري للوحش الثاني، محطمةً إياه وقتلته على الفور.
بدأت الأرض الإيفيوثية تتفكّك، وتسقط كأمطار النيازك نحو ديكاثين، متوهجةً أثناء سقوطها.
وصل الآخرون أخيرًا. كانت تيسيا تحدق في جراحي برعب، لكن الآخرين قد شهدوا إصابتي بأسوأ من ذلك من قبل. الأثير كان قد بدأ بالفعل في التدفق إلى الجرح، محاربًا السم ومُصلحًا الأنسجة المتضررة. لكن لو كان شخصًا آخر مكاني…
كان من الصعب استيعاب حجم الكارثة. الجرح الآن يسيطر على السماء، ممتدًا من الأفق إلى الأفق. وبينما كانت قطع الصخور والتربة والأشجار تتفتت، بعضها سقط كغبارٍ في المسافة البعيدة، بينما كان البعض الآخر يزداد حجمًا كلما اقترب.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
“انظروا!” صاحت تيسيا، وهي تشدّ يدي بقوة. كانت تشير إلى سبع أو ثمانِ قطع ضخمة تتجه مباشرةً نحو الصحراء من حولنا.
تكثّفت المانا، وانفجرت كرومٌ من الجدران، تشقّقت البلورة الجوفية بينما نسجت الكروم نفسها لتشكّل جسرًا.
الأرض اهتزّت تحت أقدامنا بينما انطلق تشول في الهواء، جسده يتوهج بلون النار البرتقالية وهو يندفع نحو أكبر القطع الساقطة.
أومأ لي بايرون بجدية. “آرثر. الجميع… يتطلّع لسماع ما لديك لتقوله.”
بدأت سيريس في استدعاء رياح الفراغ، لتكوّن إعصارًا هائجًا يلتفّ حول إحدى الكتل.
الأرض اهتزّت تحت أقدامنا بينما انطلق تشول في الهواء، جسده يتوهج بلون النار البرتقالية وهو يندفع نحو أكبر القطع الساقطة.
تيسيا استدعت النباتات من الكتلة الأخرى، لتنفجر النباتات إلى الخارج وتبطئ من سقوط الأرض المتحطّمة.
عقلي، المعزز بمناورة الملك، فرز كل هذه الأفكار وأكثر في اللحظة التي تفصل بين شهيق وزفير.
أما ريجيس، فقد قفز من ظلي، جسده يتضخم ويتحول إلى شكله المدمّر، أجنحته تتوسّع والنيران الأرجوانية تتوهّج من صدره بينما يستعدّ لإحراق كتلة أخرى بالكامل.
تحوّلت قاعة اللوردات إلى مزيجٍ من الآهات والصيحات المرتعبة، وصرخات الألم. ضغط الجميع أيديهم على رؤوسهم وصدورهم، إذ كان الاهتزاز يخدش نواهم كما لو كان أظافرًا تجرح لوحًا زجاجيًا.
في تلك اللحظة، أطلقتُ موجة أثيرية، وأبطأت الزمن باستخدام خطوة الحاكم ومناورة الملك معًا.
وميضٌ من الضوء البنفسجي لمع حول القطع، للحظةٍ بدا وكأن شيئًا لم يحدث…
نظرتُ إلى سيلفي، وأرسلتُ لها فكرةً سريعة، ثم شكّلتُ شفرةً أثيريةً في يدي، ولوّحتُ بها في قوسٍ واسعٍ نحو القطع غير المستهدفة بعد.
كانت ترتدي فستانًا قتاليًا أسود يغطيها من العنق حتى أخمص القدمين، وقرونها السوداء اللامعة تعكس الضوء بخفوت.
وميضٌ من الضوء البنفسجي لمع حول القطع، للحظةٍ بدا وكأن شيئًا لم يحدث…
التفّ الأثير حولي، وسحبتُ ساريا إلى المسارات الأثيرية، وظهرتُ في الممر خارج القاعة، على بعد أقدامٍ قليلة من الحشد.
ثم فجأة، انفجرت ستّ جزرٍ صغيرة في الهواء، متناثرةً إلى شظايا بدلاً من أن تتحطّم على الأرض بقوتها الكاملة.
‘آر—’
سيريس استخدمت إعصارها لتمزيق إحدى الكتل إلى أجزاءٍ أصغر.
“ما الأمر؟” سألتُ، رغم أنني كنتُ أشكّ بالفعل في الجواب.
تشول هوى بمطرقته، التي كانت تشتعل بنيران العنقاء، على قطعةٍ دوّارة من الأرض والصخور، محطّمًا إياها تمامًا.
شعرتُ بانقلاب الأدوار بيننا، كما لو أننا عدنا إلى لقائنا الأول، عندما أنقذت حياتي من أوتو.
أما ريجيس، فقد أطلق نفثةً من اللهب البنفسجي المدمّر، وأحرق الكتلة إلى العدم.
في تلك اللحظة، وصل الآخرون أخيرًا إلى السطح.
لكن على بُعد ثلاثمائة قدم، اصطدمت كتلةٌ أخرى من الغابة أفيتوس بالصحراء، لتُرسل سحابةً ضخمة من الرمال الذهبية في السماء.
وفي نفس الوقت، وصول خبر النبضة الثالثة يعني أن أغرونا قد استعاد طاقته بالكامل بعد ضربته الأولى ضد الصدع. وإذا كان هذا صحيحًا، فمن المحتمل أنه قد يستخدم سلاحه مجددًا.
وفي الأفق، رأينا المزيد من الاصطدامات. سُحبٌ من الغبار والركام ترتفع في أكثر من اثني عشر موقعًا، تذكّرني بشكلٍ مؤلم بالقنابل التي كانت تسقط من الطائرات خلال الحرب الكبرى على الأرض.
في غمضة عين، وجدنا أنفسنا فوق كثبان الرمال المحترقة تحت شمس الصحراء.
من زاوية عيني، لاحظتُ سيريس تُخرج لفافةً صغيرة من جيبٍ خفي في فستانها، حيث كانت كلماتٌ متوهجةٌ تُكتب تلقائيًا عليها.
ثم استدار نحوي، عينيه جادتين، “الآن، آرثر، قبل أن ننزل هناك… ما الذي يحدث بحقّ الجحيم في السماء؟”
“ما الأمر؟” سألتُ، رغم أنني كنتُ أشكّ بالفعل في الجواب.
وصل طائر العنقاء العجوز، يحيط به ما يقرب من ثلاثين من بني جنسه، بعد لحظات فقط. لم يتوقف معظمهم، بل تفرقوا في السماء، مستمرين في تدمير الأنقاض المتساقطة ومطاردة وحوش المانا عبر رمال الصحراء.
“نبضةٌ أخرى من تايغرين كايلم.” قالت، وعيناها تنعكسان باللون الأحمر من الجرح في السماء. “كايرا تُبلغ عن خسائرٍ فادحة هذه المرة.”
شعرتُ بثقل الخطوات المتسارعة فوقي، وسمعتُ تحطّم الألواح الكريستالية الأصغر أثناء سقوطها وتحطّمها بين النتوءات البلورية الحادّة في الأسفل.
شعرتُ بالألم يتسلل إلى قلبي.
لكن بدلاً من النظر إلى الوراء، ارتفع نظرها إلى الأعلى.
“وقواتك؟”
“أستطيع أن أشعر بنواتك.” همست بصوتٍ ناعم، وأصابعها تتوقف عن حركتها المستمرة.
أخفضت سيريس عينيها للحظة، وكأن الذنب يثقل كتفيها.
وصلنا إلى المدخل الذي يؤدي إلى قاعة اللوردات، حيث كان هناك العديد من السحرة الأقزام المدرّعين يحرسونه.
“أغلبهم محميون في المستوى الأول من الأطلال العتيقة، في انتظار الأوامر. سيكونون مستعدّين للقتال.”
رفعتُ بصري لأجد تيسيا تركز على الكتلة الأرضية التي أنزلتها بهدوء عبر مظلتها النباتية. للحظة، ظننتُ أن الكروم العريضة والأوراق التي استدعتها كانت تتحرك من تلقاء نفسها، لكن لم يكن سوى وهمٍ لحظي.
“آرثر!”
عندما غادرنا بستان إيلشاير وبدأنا في النزول عبر سلسلة السلالم الطويلة المؤدية إلى قصر لودنهولد، شرحتُ لفيريون وتيسيا كلّ ما حدث.
رفعتُ بصري لأجد تيسيا تركز على الكتلة الأرضية التي أنزلتها بهدوء عبر مظلتها النباتية. للحظة، ظننتُ أن الكروم العريضة والأوراق التي استدعتها كانت تتحرك من تلقاء نفسها، لكن لم يكن سوى وهمٍ لحظي.
كان من الصعب استيعاب حجم الكارثة. الجرح الآن يسيطر على السماء، ممتدًا من الأفق إلى الأفق. وبينما كانت قطع الصخور والتربة والأشجار تتفتت، بعضها سقط كغبارٍ في المسافة البعيدة، بينما كان البعض الآخر يزداد حجمًا كلما اقترب.
استخدمتُ خطوة الحاكم، وظهرتُ على بُعد عشرة أقدام من الكومة المتصدعة، في اللحظة ذاتها التي قفز فيها وحش مانا يشبه الأفعى ذات الرؤوس الثلاثة من بين الأدغال. كانت الشفرة الأثيرية قد تكونت في يدي، وأرجحتها نحو الوحش قبل أن تلامس مخالبه الرمال، ومع ذلك، تمكن من الالتفاف بعيدًا عن ضربي، حيث اندفع رأسان إلى اليسار ليضيفا زخمًا لحركته، بينما انخفض الرأس الثالث ليهاجمني مباشرة.
تفحّصتني بنظرةٍ متفحصة، ثم قالت، “وكنتُ أتوقّع أنك أصبحتَ ذا بشرةٍ أرجوانية أو قرونٍ أو أجنحة بحلول الآن، يا لورد آرثر.” رغم برودة نبرتها، إلا أن عبوسها الأولي هدأ تدريجيًا، وراحت تطفو إلى الداخل متجاهلةً وجودنا.
رفعتُ ركبتي وأصبتُه تحت الذقن بينما كنتُ أدور بجسدي، ما جعل رأس الأفعى وردهتها الطويلة تتأرجح. ثم هوت شفرَتي الأثيرية على العنق، لتفصل الرأس عن الجسد، فطار في الهواء، واندفعت سوائل سامة بلون أخضر لامع من أنيابه، لترشّ عنقي.
تيسيا كانت واعية لمعظم معاناتها في ألاكريا. قضت وقتًا أطول مع أغرونا من سيريس نفسها، وشهدت الكثير من أسرار تايغرين كايلم من الداخل. لم تكن هناك أي رغبة في داخلي لأخذها إلى ذلك المكان مجددًا، لكنني كنتُ أعلم أن فرصنا في النجاح ستكون أكبر معها، لا بدونها.
تأوهتُ من الألم وتراجعتُ قليلًا، ما جعلني أُخطئ الرأس الثاني الذي اندفع ليعضّ ساقي بقوة، وغرز أنيابه في لحمي.
بقينا على هذه الحال لدقيقةٍ أو اثنتين، قبل أن يقطَع صوتٌ في ذهني هدوء اللحظة.
من زاوية عيني، رأيتُ وحشًا آخر يندفع نحوي، لكن الكروم السميكة التي استدعتها تيسيا انطلقت كالأفاعي، لتلتف حوله وتسحبه إلى أعماق الغابة.
سقوط الحطام نفسه يُمثل تهديدًا هائلًا. قطعة كبيرة بما يكفي يمكن أن تُدمر مدينةً بأكملها بضربة واحدة. إذا سقطت كتلة بحجم تلك على مدينة مثل زيروس، فقد يُباد السكان جميعًا في لحظة.
بحركة سريعة، قطعتُ العنق الثاني للوحش الذي كان يعضّ ساقي. ثم استدرتُ متفاديًا ضربة من الرأس الثالث، وقطعتُه بضربة حاسمة. الجسد، الذي بدا وكأنه أفعى منتفخة قد ابتلعت قطة برية، والتي انفجرت منها أرجلٌ بأظافر حادة، ترنّح للحظة، ثم سقط ميتًا على الرمال.
مددتُ يدي وأمسكتُ بيده بحزم. “وصولكم في الوقت المناسب. أعلم كم هي مخاطرة عظيمة بالنسبة لكم، وأنا ممتن لذلك. سكان هذه القارة بحاجة إلى مساعدتكم. يجب أن نوقف أكبر قدر ممكن من هذه الأنقاض.”
تشول هبط من السماء، مطرقته الملتهبة بنيران العنقاء تهوي على العمود الفقري للوحش الثاني، محطمةً إياه وقتلته على الفور.
أخذت نفسًا عميقًا، وعادت عيناها تركزان عليّ. عندما التقَت نظراتُنا، رأيتُ في عينيها شيئًا لم أره من قبل، حتى عندما كادت تُفقد حياتها أثناء صدّ قوات أغرونا في مقابر الأثر.
رفعتُ يدي إلى عنقي حيث أذابت الأحماض السامة جلدي، وعندما خطوتُ للأمام، شعرتُ بوخز الحرقان بينما السم يحاول إذابة ساقي من الداخل.
وفي الوقت ذاته، شعرتُ بتواقيع مانا قوية قادمة من الشرق.
وصل الآخرون أخيرًا. كانت تيسيا تحدق في جراحي برعب، لكن الآخرين قد شهدوا إصابتي بأسوأ من ذلك من قبل. الأثير كان قد بدأ بالفعل في التدفق إلى الجرح، محاربًا السم ومُصلحًا الأنسجة المتضررة. لكن لو كان شخصًا آخر مكاني…
“أرسلوا فيلق الوحوش فورًا. حددوا نقاط الضرب وركزوا على الدفاع عن المناطق المأهولة بالسكان. إذا كانت لدينا وحدات إكسوفورم قادرة على تدمير الكتل الأرضية قبل أن تصطدم بالأرض، فتأكدوا من تمركزها في المدن. أريد عشرة مقاتلين — كلير بلايدهارت وأفضل جنودها — مستعدين للانطلاق إلى ألاكريا على الفور. أثق في قدرتك على تفعيل أحد البوابات طويلة المدى.”
مسحتُ الأفق بعيني، فرصدتُ حركة على بُعد ربع ميل، حيث كان وحش مانا آخر، مماثل للأول، يزحف خارج إحدى مناطق الاصطدام.
تيسيا كانت واعية لمعظم معاناتها في ألاكريا. قضت وقتًا أطول مع أغرونا من سيريس نفسها، وشهدت الكثير من أسرار تايغرين كايلم من الداخل. لم تكن هناك أي رغبة في داخلي لأخذها إلى ذلك المكان مجددًا، لكنني كنتُ أعلم أن فرصنا في النجاح ستكون أكبر معها، لا بدونها.
“تبًا…” تمتمتُ. بدأت الخيارات تتكاثر أمامي تحت تأثير مناورة الملك، كما لو كنتُ في مجلس حرب، والقرارات تنتشر أمامي كالمخطوطات القديمة.
ألقيتُ نظرةً حادّةً وطويلةً على قادة ديكاثين، من رماح، ولوردات، وأمراء، وأميرات.
إذا كان الجرح يمتدّ بالفعل حتى يصل إلى ألاكريا، فإن هذه النبضة الأخيرة من آلة أغرونا قد تكون مزقت الطيات التي كانت تحافظ عليه، ما سمح له بالتوسع مجددًا. حتى مع جهود كيزيس وقومه في الطرف الآخر لإبقاء الجرح مغلقًا، فإن أفيتوس بدأت تتسلل بالفعل إلى عالمنا.
صفعتني بلطف. “أنا جادّة.”
سقوط الحطام نفسه يُمثل تهديدًا هائلًا. قطعة كبيرة بما يكفي يمكن أن تُدمر مدينةً بأكملها بضربة واحدة. إذا سقطت كتلة بحجم تلك على مدينة مثل زيروس، فقد يُباد السكان جميعًا في لحظة.
“استعدوا.” قلتُ ببساطة. “بطريقة أو بأخرى… هذه هي بداية النهاية.”
لقد أثبتنا للتو أنه من الممكن منع بعض الاصطدامات، لكن كم من السحرة في ديكاثين يمتلكون القوة الكافية لإيقاف هذه الكتل الضخمة قبل أن تسبب الدمار؟
عادت سيريس إلى مقعدها، وسمحتُ لفيريون وتيسيا بالتقدّم وأخذ مكانَيهما. قبل أن أتمكّن من التحدّث، دوّى صوت خطواتٍ سريعةٍ قادمةٍ من الباب المفتوح خلفي.
ولكن الأثر الفيزيائي ليس سوى نصف المشكلة.
تكثّفت المانا، وانفجرت كرومٌ من الجدران، تشقّقت البلورة الجوفية بينما نسجت الكروم نفسها لتشكّل جسرًا.
وحوش المانا القادمة من أفيتوس تكاد تكون كلها من التصنيف S أو أعلى، وفقًا لمعايير ديكاثين لتصنيف القوة. مجرد عدد قليل من هذه الوحوش يمكن أن يتسبب في كارثة إذا تُركت بالقرب من المناطق المأهولة.
بدلًا من ذلك، ارتفعتُ في الهواء واندفعتُ لملاقاة موردين.
الجروح التي تعافيتُ منها بالفعل كانت كفيلة بالقضاء على أي ساحر عادي، أو على الأقل إخراجه من المعركة. حتى جيش كامل من البشر والأقزام سيجد صعوبة في التصدي لموجة من هذه الكائنات.
“أقلّ من المُثلى.” أجابت، وهزّت رأسها قليلًا.
ديكاثين بحاجة إلى قيادة فورية وحازمة، وإلى مقاتلين قادرين على مواجهة هذه الوحوش الإيفيوثية.
الأرض اهتزّت تحت أقدامنا بينما انطلق تشول في الهواء، جسده يتوهج بلون النار البرتقالية وهو يندفع نحو أكبر القطع الساقطة.
وفي نفس الوقت، وصول خبر النبضة الثالثة يعني أن أغرونا قد استعاد طاقته بالكامل بعد ضربته الأولى ضد الصدع. وإذا كان هذا صحيحًا، فمن المحتمل أنه قد يستخدم سلاحه مجددًا.
بدأت الأرض الإيفيوثية تتفكّك، وتسقط كأمطار النيازك نحو ديكاثين، متوهجةً أثناء سقوطها.
إذا ضرب الصدع مرة أخرى، إلى أي مدى قد تتصاعد الأمور؟
ميكا، وبايرون، وفاراي تحرّكوا إلى الجانب الآخر من القاعة، بينما تشول وإحدى نساء العنقاء—سولي، المعالجة التي ساعدت في إنقاذ حياة تشول سابقًا—كانا واقفَين خلف اللورد كارنيليان إيرثبورن الجالس في مقدّمة الطاولة.
بينما كانت المزيد من قطع أفيتوس تنهار من السماء كالشهب، حاولتُ تخيل ما قد يحدث إذا انهارت قارة أفيتوس السحرية بأكملها على سلسلة جبال جراند ماونتين…
شعرتُ بتدفّق المانا عبر جسدها، تتغلغل في قنواتها وأوردتها بشكلٍ مستمر، رغم افتقارها لنواة.
لكن حتى عقلي المعزز بمناورة الملك لم يستطع استيعاب حجم الكارثة الكامنة في ذلك.
“لا يُعجبني هذا المشهد.” قال تشول ببساطة.
لم يكن بإمكاني البقاء والدفاع عن ديكاثين، لأن عليّ مواجهة أغرونا مباشرة. كان يجب منعه من امتصاص المزيد من القوة أو استخدام سلاحه مجددًا — ربما يستهدف هذه المرة زيروس، أو دارف، أو إتستين. بغض النظر عن المكان الذي سيضربه، كنتُ أعلم أنه إذا سمحنا له باستخدامه مرة أخرى، فإن الدمار الناتج سيجعل تحقيق الرؤية التي أظهرتها للمصير مستحيلًا.
“أرسلوا فيلق الوحوش فورًا. حددوا نقاط الضرب وركزوا على الدفاع عن المناطق المأهولة بالسكان. إذا كانت لدينا وحدات إكسوفورم قادرة على تدمير الكتل الأرضية قبل أن تصطدم بالأرض، فتأكدوا من تمركزها في المدن. أريد عشرة مقاتلين — كلير بلايدهارت وأفضل جنودها — مستعدين للانطلاق إلى ألاكريا على الفور. أثق في قدرتك على تفعيل أحد البوابات طويلة المدى.”
عقلي، المعزز بمناورة الملك، فرز كل هذه الأفكار وأكثر في اللحظة التي تفصل بين شهيق وزفير.
بدأت الخطة تتشكل في ذهني.
مسحتُ الوجوه من حولي، أفكر في كيفية استخدام كل مقاتل تحت قيادتي بأفضل طريقة ممكنة.
تيسيا كانت واعية لمعظم معاناتها في ألاكريا. قضت وقتًا أطول مع أغرونا من سيريس نفسها، وشهدت الكثير من أسرار تايغرين كايلم من الداخل. لم تكن هناك أي رغبة في داخلي لأخذها إلى ذلك المكان مجددًا، لكنني كنتُ أعلم أن فرصنا في النجاح ستكون أكبر معها، لا بدونها.
سيلفي وريجيس هما جزء مني، وبصيرتهما الطبيعية في التحكم بالزمن والحياة قد تكون ضرورية في المعركة القادمة.
“اخرجوا! الجميع إلى الخارج!”
تشول كان محاربًا لا يُضاهى، سواء في ديكاثين أو ألاكريا، وعلى الرغم من أن دفاعه عن الناس ضد سقوط أنقاض أفيتوس سيكون ذا تأثير كبير، إلا أنني كنتُ أعلم أنه لن يقبل إلا بمقاتلة أغرونا إلى جانبي.
“لديه بقاياٌ أو شخصيةٌ من الجِن محبوسة داخل ‘المذخر’،” قالت تيسيا، وهي تنقل بصرها بين سيريس وبيني. “تتحكّم في العديد من الأمور، على حد فهمي… من خلال سيسيليا، ومن ذكرياتها.”
كنتُ بحاجة إلى سيريس في ألاكريا، الآن أكثر من أي وقت مضى.
“أستطيع أن أشعر بنواتك.” همست بصوتٍ ناعم، وأصابعها تتوقف عن حركتها المستمرة.
وأخيرًا، استقرت عيناي على تيسيا.
عند سماعهم لقدومنا، ارتفعت في الهواء، حتى تتمكن من النظر في عينيّ مباشرةً.
لولا برودة العقل التي منحني إياها مناورة الملك، لشعرتُ بالمرارة في حلقي. مثل إيلي وأمي، لم أستطع أن أخفيها في مكان آمن.
كيرتيس عقد حاجبيه، وانحنى لي انحناءةً سطحية. “آرثر. مرّ وقتٌ طويل، يا صديقي القديم.”
إذا كانت هذه لعبة نزاع السيادة، فأنا بحاجة لاستخدام جميع قطعي بأفضل طريقة تخدمني وتخدمهم.
مسحتُ الأفق بعيني، فرصدتُ حركة على بُعد ربع ميل، حيث كان وحش مانا آخر، مماثل للأول، يزحف خارج إحدى مناطق الاصطدام.
تيسيا كانت واعية لمعظم معاناتها في ألاكريا. قضت وقتًا أطول مع أغرونا من سيريس نفسها، وشهدت الكثير من أسرار تايغرين كايلم من الداخل. لم تكن هناك أي رغبة في داخلي لأخذها إلى ذلك المكان مجددًا، لكنني كنتُ أعلم أن فرصنا في النجاح ستكون أكبر معها، لا بدونها.
ثم فجأة، انفجرت ستّ جزرٍ صغيرة في الهواء، متناثرةً إلى شظايا بدلاً من أن تتحطّم على الأرض بقوتها الكاملة.
في تلك اللحظة، وصل الآخرون أخيرًا إلى السطح.
سحبتُها أقرب إليّ، ودفنتُ وجهي في شعرها. “وأنا كذلك…”
ظهر سيلريت طائرًا من فتحة بعيدة مخفية داخل وادٍ، يتبعه بسرعة اللانس، ثم سولييل.
سقطت ساريا تريسكين أمامي، فالتقطتُها من الهواء. في الوقت ذاته، شعرتُ بالجاذبية تهتزّ في الغرفة بينما كانت ميكا تحاول التصدي لموجات الاضطراب السحرية.
ميكا وفاراي حملتا معظم أعضاء المجلس على صفائح من الحجر والجليد. لم يتجهوا نحونا، بل توقفوا خارج الوادي، يحدقون جميعًا في الحطام المحترق الذي يسقط من الجرح في السماء، وفي الصدع الغاضب نفسه.
في تلك اللحظة، وصل الآخرون أخيرًا إلى السطح.
وفي الوقت ذاته، شعرتُ بتواقيع مانا قوية قادمة من الشرق.
————————
أشعة من نار العنقاء البرتقالية الساطعة دمرت عشرات الكتل الساقطة بين دارف وسلسلة جراند ماونتن، وظهرت عدة نقاط في الأفق، تكبر بسرعة.
لكن على بُعد ثلاثمائة قدم، اصطدمت كتلةٌ أخرى من الغابة أفيتوس بالصحراء، لتُرسل سحابةً ضخمة من الرمال الذهبية في السماء.
بدأت الخطة تتشكل في ذهني.
سقطت ساريا تريسكين أمامي، فالتقطتُها من الهواء. في الوقت ذاته، شعرتُ بالجاذبية تهتزّ في الغرفة بينما كانت ميكا تحاول التصدي لموجات الاضطراب السحرية.
انطلقتُ نحو جيديون، متجاهلًا الأسئلة المذعورة التي كان يصرخ بها القادة الآخرون.
“قد تكون هناك حاجةٌ لاستخدام هذه القوة في خدمة ديكاثين، يا الرمح فاراي.”
“أرسلوا فيلق الوحوش فورًا. حددوا نقاط الضرب وركزوا على الدفاع عن المناطق المأهولة بالسكان. إذا كانت لدينا وحدات إكسوفورم قادرة على تدمير الكتل الأرضية قبل أن تصطدم بالأرض، فتأكدوا من تمركزها في المدن. أريد عشرة مقاتلين — كلير بلايدهارت وأفضل جنودها — مستعدين للانطلاق إلى ألاكريا على الفور. أثق في قدرتك على تفعيل أحد البوابات طويلة المدى.”
وأخيرًا، استقرت عيناي على تيسيا.
ثم توجهتُ إلى القادة المجتمعين.
خلفها في القاعة المزدحمة، كان سيلريت وسيلفي يطفوان في الهواء بجوار الطاولة المركزية.
“اجمعوا قواتكم. نحتاج إلى إرسال رسائل إلى مستوطنات ألاكريا: يجب عليهم الانسحاب خلف الجدار. أرسلوا نقابة المغامرين إلى المستوطنات النائية. الكثير يعتمد على المواقع التي تسقط فيها الأنقاض. إذا لزم الأمر، أجلوا المدنيين إلى الأنفاق العميقة في دارف، حيث سيكونون محميين من أسوأ آثار الاصطدام.”
“دعوني أوضّح شيئًا. لا وقت للذعر. غرائزكم قد تدفعكم الآن، كما فعلت في الحرب، للسعي لتحقيق الأفضل لشعوبكم، لكن أي أهدافٍ شخصيةٍ تمتلكونها الآن… لا قيمة لها. حتى يُحلّ هذا الوضع، سنعمل معًا، وسنبذل كل ما في وسعنا لضمان نجاة هذا العالم… وأفيتوس كذلك.”
استدرتُ مبتعدًا، متجاهلًا مرة أخرى توسلات الأسئلة والمتابعة من الأقزام والجان المتجمعين. شعرتُ بالطاقة الأثيرية في داخلي، ثم أمسكتُ بالخيط الأثيري الذي نسجته مير ومددتُ وعيي من خلاله.
لكن على بُعد ثلاثمائة قدم، اصطدمت كتلةٌ أخرى من الغابة أفيتوس بالصحراء، لتُرسل سحابةً ضخمة من الرمال الذهبية في السماء.
“كيزيس، إذا كنت تسمعني، نحن بحاجة إلى المزيد من المساعدة. أفيتوس يخترق الحاجز، يمطر على ديكاثين وربما ألاكريا أيضًا. الوحوش تتساقط مع الأنقاض. القارة بأكملها ستُسحق تحت وابلٍ من النيازك إذا لم نفعل شيئًا.”
مالت المنصة العائمة فجأةً نحو اليمين، وبدأت الكراسي تنزلق على سطحها. ارتطمت الطاولة بجانب جيدون، وكادت تأخذ معها عشرات الأشخاص إلى الحافة.
مرت لحظة من الصمت.
“لديك فيلق الوحوش، بالطبع،” قال جيدون على الفور، ضاربًا بيده على الطاولة. “نجحنا في تشغيل بضع عشراتٍ من الوحدات الإضافية، وطياروها أصبحوا مدرّبين بما يكفي لئلّا يقتلوا أنفسهم أثناء تشغيل البدلات الآلية.”
رأيتُ النقاط البعيدة التي تمثل موردين وجنوده من العنقاء تندفع نحونا بسرعة مذهلة.
قال موردين، وملامحه الهادئة عادةً كانت الآن ملتوية بالقلق والتردد، “آرثر. عشيرة أسكليبيوس جاءت لتقديم العون بكل ما نستطيع. وورن كاين والبقية قد انتشروا بالفعل، متجهين إلى أقاصي هذه القارة. البعض منهم بقي في غابات الوحوش لمحاولة استقرار الصدع من هذا الجانب.”
‘آرثر. نحن نبذل كل ما في وسعنا. لا يمكنني المخاطرة بترك الجرح، ولن أرسل أحدًا عبره حتى نتمكن من تثبيته مجددًا. هذا من فعل أغرونا… ابحث عنه واقتله. الآن.’
‘لقد أقنعتُ سيريس وأسياد الأقزام بانتظار وصولك في لودنهولد،’ تواصلت سيلفي ذهنيًا، ‘لكن بالكاد. أمامك حوالي عشر دقائق قبل أن يقتحموا البستان بحثًا عنك.’
تصلب فكيّ، واشتدت قبضتي حتى شعرتُ بالألم.
“لقد حان وقت التحرك،” قلتُ بصوتٍ أعلى من صوت اللورد الشاب. “أولئك الألاكرِيين الذين اختاروا الوقوف مع أغرونا هم أعداؤنا، لكنني لا أتوقّع أن أجد الكثير منهم. سأهاجم تايغرين كايلم مباشرةً، وفي أقرب وقتٍ ممكن. أحتاج إلى أي قوة يمكن لديكاثين أو ألاكرِيا أن تحشدها.”
لم يكن هذا كافيًا، لكنني كنتُ أعلم أن الجدال معه سيكون مضيعة للوقت.
تلاشت توقيعات المانا الجماعية للحاضرين من الغرفة تمامًا، في اللحظة التي تحطّم فيها السقف فوقي.
بدلًا من ذلك، ارتفعتُ في الهواء واندفعتُ لملاقاة موردين.
بقينا على هذه الحال لدقيقةٍ أو اثنتين، قبل أن يقطَع صوتٌ في ذهني هدوء اللحظة.
وصل طائر العنقاء العجوز، يحيط به ما يقرب من ثلاثين من بني جنسه، بعد لحظات فقط. لم يتوقف معظمهم، بل تفرقوا في السماء، مستمرين في تدمير الأنقاض المتساقطة ومطاردة وحوش المانا عبر رمال الصحراء.
“ضغطه أشبه… ببطانيةٍ ثقيلة.” شعرتُ بابتسامتها ترتسم على صدري.
قال موردين، وملامحه الهادئة عادةً كانت الآن ملتوية بالقلق والتردد، “آرثر. عشيرة أسكليبيوس جاءت لتقديم العون بكل ما نستطيع. وورن كاين والبقية قد انتشروا بالفعل، متجهين إلى أقاصي هذه القارة. البعض منهم بقي في غابات الوحوش لمحاولة استقرار الصدع من هذا الجانب.”
لولا برودة العقل التي منحني إياها مناورة الملك، لشعرتُ بالمرارة في حلقي. مثل إيلي وأمي، لم أستطع أن أخفيها في مكان آمن.
مددتُ يدي وأمسكتُ بيده بحزم. “وصولكم في الوقت المناسب. أعلم كم هي مخاطرة عظيمة بالنسبة لكم، وأنا ممتن لذلك. سكان هذه القارة بحاجة إلى مساعدتكم. يجب أن نوقف أكبر قدر ممكن من هذه الأنقاض.”
سحبتُها أقرب إليّ، ودفنتُ وجهي في شعرها. “وأنا كذلك…”
رسم موردين ابتسامة ضعيفة، لكن القوة التي كانت تنبعث منه لم تكن ضعيفة على الإطلاق. “بالطبع. سنفعل كل ما بوسعنا.” ارتفع بصره نحو السماء. “لا يمكننا التراجع عما حدث لأفيتوس، آرثر.”
فكّت ساريا تريسكين فكّيها بصعوبةٍ كما لو أنها تردّدَت في الحديث، ورفعت ميكا حاجبها قليلًا، لكن البقية اكتفوا بمراقبتي بانتباه.
وضعتُ يدي على كتفه، وأنا أتبعه بنظري. “ربما لا، لكن مهما حدث لأفيتوس… هناك مشكلة أخرى عليّ حلها أولًا.”
“قلعة تايغرين كايلم أصبحت غير قابلةٍ للوصول منذ أن قُضي على الجسد الوهمي لأغرونا هنا في ديكاثين. لم تكن هناك طريقةٌ للتحقّق من شيءٍ بشكلٍ قاطع، لكنني طورتُ نظريةً محتملة.” توقفت للحظة، منتظرةً أي اعتراض، لكن لم يقاطعها أحد، فتابعت، “قلعة تايغرين كايلم هائلةٌ في الحجم، ومليئةٌ بأماكن لا يمكن لأي أحدٍ الوصول إليها سوى أغرونا. خلال سنوات تجسّسي على القلعة، اكتشفتُ جيوبًا من الآلات القديمة تجري في أعماق قلب الجبل. من الواضح الآن أن هذه الأجهزة جزءٌ من الآلية التي استخدمها لاستخلاص الطاقة من جميع سحرة ألاكرِيا. لن أزعم أنني أفهم تمامًا كيف حقّق هذا العمل السحري المستحيل، لكن… مع كل الوقت الذي أمضاه في تفكيك وإعادة بناء تقنيات الجِن القديمة، لا أستبعد أنه قد استخدم هذه التكنولوجيا لتغذية سلاحٍ لضرب الصدع، بعدما فشل سابقًا في السيطرة عليه.”
التزم موردين الصمت بينما استدرتُ نحو رفاقي، وأجزاء خطتي بدأت تتشكل بسرعة في ذهني.
“انظروا!” صاحت تيسيا، وهي تشدّ يدي بقوة. كانت تشير إلى سبع أو ثمانِ قطع ضخمة تتجه مباشرةً نحو الصحراء من حولنا.
“استعدوا.” قلتُ ببساطة. “بطريقة أو بأخرى… هذه هي بداية النهاية.”
“الحاجز الذي يفصل أفيتوس عن عالمنا قد انهار. الجيب الفضائي الذي يحتوي على عالمهم ينهار.
————————
‘—ثر!’
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
في العادة، كنتُ بحاجةٍ إلى رؤية الوجهة لأتمكن من الانتقال، لكن مع رونية الحاكم الجديد الذي حصلتُ عليه، باتت حواسي تتوسّع بشكلٍ هائل، ما سمح لي بالشعور بالمساحة من حولي كما لم أستطع من قبل.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
تحوّلت قاعة اللوردات إلى مزيجٍ من الآهات والصيحات المرتعبة، وصرخات الألم. ضغط الجميع أيديهم على رؤوسهم وصدورهم، إذ كان الاهتزاز يخدش نواهم كما لو كان أظافرًا تجرح لوحًا زجاجيًا.
ألقيتُ نظرةً حادّةً وطويلةً على قادة ديكاثين، من رماح، ولوردات، وأمراء، وأميرات.
