ضمان العدالة
الفصل 512: ضمان العدالة
يكاد يكون من غير المعقول أن يكون بهذه الصغار، حتى وسط انهيار عالمه بأسره.
آرثر ليوين
القاعة كانت الآن مكتظّةً بالأزوراس، ورأيت أن السادة العظام قد اجتمعوا جميعًا، حتى أدمير ثيستيس.
كان شعورًا غريبًا أن أخطو مجددًا إلى قاعة إندراث الكبرى.
لم أكن قد غادرتها سوى لحظات، ومع ذلك، كان المشهد في كلا العالمين قد تغيّر بالكامل خلال ساعةٍ واحدة.
تقدّم فيريون من جانبنا، ونظر إلى تشول.
لم نفشل في القبض على أغرونا فحسب، بل لقد وجّه ضربته المضادة، ممزقًا الصدع الذي يصل بُعد أفيتوس بالعالم الفيزيائي.
نظرت إليّ أمي بقلق، فأشرتُ لها بأن الأمر سيكون على ما يرام.
“لكن لا شكّ في أنك لم تجمعنا جميعًا هنا… لمجرد أن تكذب علينا؟”
ورغم أن رونيتي الجديدة لم تكن نشطة بعد الآن، إلا أنني لا أزال أشعر بالجرح في السماء خارجًا، أشبه بثقلِ عاصفةٍ وشيكة.
“اللورد إندراث يريد منكم جميعًا أن تعودوا إلى منازلكم. حافظوا على هدوء شعبكم. جهّزوهم لما هو قادم. لأنهم مذعورون، وعندما يرتعب الحكام، تبدأ الأمور السيئة—الغبية—في الحدوث.”
كانت يدا تيسيا مرفوعتَين جزئيًا، والمانا تتكثّف حولها.
كانت القاعة الكبرى قد بدأت تمتلئ مجددًا.
لكن، في النهاية، انكسر ذلك التجمّد البطيء.
ومن مظهر الحال، بعضهم لم يغادر أصلًا، بينما عاد آخرون مسرعين بعد ظهور الصدع.
كانت سيلفي وتشول قد اقتربا، وراحت رابطتي تعانق تيسيا بحنان من جانبها. تشول وقف على مسافةٍ محترمة، بينما بدأ ريجس يركض حول الشجرة.
كانت سيلفي، إذ علمتُ أنني قادم، قد أحضرت أمي وأختي ليقفنَ بالقرب من الباب في انتظاري.
“إحدى أفراد عشيرتك هنا. سولي، المعالجة. لقد كانت—”
كان تشول يقف على مقربة، مع بعض العنقاء الذين سبق أن وصلوا بالفعل.
“آه، سولي؟”
ألقى عليّ ابتسامةً سريعة، لكنه سرعان ما أعاد نظره إلى نيسيا أفينيس، ابنة نوفيس.
أدركتُ أنني لا أزال أحتفظ بحاجزٍ بيننا—طبقةً حرفية من الأثير المتصلّب، درعًا لم أخلعه أبدًا.
‘لقد أبقيتهم على اطّلاعٍ بكل ما فعلته، قدر استطاعتي.’ جاءت أفكار سيلفي بينما كنتُ أعبر المدخل الواسع إلى القاعة الفسيحة.
أسرعت أمي نحوي. لكن، بدلًا من أن تحتضنني، أسندت جبينها إلى صدري، ثم ضربتني بخفة على كتفي بقبضةٍ مرتخية.
“كفى.”
“لماذا، لماذا، يجب أن تكون في قلب كل شيء، آرثر؟”
لم أستطع أن أبتسم، لكنني رسمتُ على وجهي تعبيرًا باهتًا، بالكاد يشبه الابتسامة.
“إنها البوابة فقط.” قبل أن تستعيد توازنها بالكامل، هوى تشول من البوابة أيضًا. تنهّد بشتيمة، ثم بصق كومةً من الدم، قبل أن يستدير ليحدّق في التمزق الفضائي. “به! ما هذه الخدعة القذرة، بحقّ الجحيم الأسود؟”
“أنا مركز الكون، أمي.”
“بانثيون!”
أطلقت ضحكةً مختنقة، بلا مرح، ثم ضمّتني إليها أخيرًا.
“بالطبع هو كذلك.”
فيريون قضم ثمرته، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ غامضة.
“ماذا ستفعل؟”
“هذه حالة طوارئ. لا وقت لدينا لمثل هذه النزاعات. أنا أدعو إلى الإزالة الفورية لعشيرة ثيستيس من منصبها كعشيرةٍ عظمى للبانثيون.”
من فوق رأسها، راقبتُ المزيد من الأزوراس يتدفّقون إلى القاعة.
أولئك القادمون من العشائر البعيدة الذين لم يحضروا الاحتفال الأول بدأوا في الوصول، متوافدين جنبًا إلى جنب مع التنانين والضيوف الذين كانوا في أماكن أخرى من القصر.
“تيس!”
من بينهم كانت فيريا من عشيرة إنثريا.
“أرجوك، يا لورد إندراث! أخبرنا بما ينبغي علينا فعله لكي—”
سارعت بمسح القاعة بنظرةٍ متفحصة، وعندما التقت أعيننا، عضّت شفتها في عبوس، ثم أومأت سريعًا قبل أن تجرفها الحشود القادمة.
“عليّ أن أجد أغرونا.” قلتُ بهدوء.
انحنيتُ قليلًا، مخفّضًا صوتي.
“تحريض؟ إذا كنتُ ساخطًا، يا مولاي، فهو بسبب قيادتك الفاشلة. لقد بقيتَ لوقتٍ أطول مما ينبغي وأنت—”
تراجعت أمي خطوة إلى الوراء، بينما تقدّمت إيلي خطوة إلى الأمام.
أغلقتُ عقلي عن الجرح الذي يشقّ السماء، عن المعركة القادمة، عن المهمة المستحيلة لإنقاذ الأزوراس وموطنهم.
“ماذا؟” قالَتها الاثنتان في آنٍ واحد.
“إحضارهما؟ كيف أبدو لكِ، مستردًا ذهبيًا؟”
وضعتُ يدًا على كلٍ من كتفيهما.
انحنيتُ قليلًا، مخفّضًا صوتي.
“كان الأمر سيصل إلى هذه النقطة دائمًا، لكنني أحتاج إليكما هنا.”
انحنيتُ قليلًا، مخفّضًا صوتي.
“صمتًا!”
“ما يحدث في الخارج… لا عودة منه. لقد أحرزتُ بعض التقدّم هنا، خاصةً مع الأزوراس الأصغر سنًا، لكن…”
ثم فجأةً، صفعني بقوةٍ على عضدي.
هزّت رأسها بشعرها الفولاذي، وأطلقت تنهيدةً مُتعَبة. “هذا صحيح. لقد كان يضايقني بشأنك منذ أن كنتُ… ماذا؟ في الخامسة فقط؟” تلاشت البهجة من وجهها، واكتسى ملامحها الحزن. “يا للعجب، يبدو ذلك وكأنه كان منذ حيواتٍ عدّة.”
ركّزتُ نظري على إيلي، فالتقت عينَي بثبات.
قال فيريون، متذمرًا.
ارتدّت الكلمة عن الجدران، صداها يتردد عدة مراتٍ متتالية.
“لم يكن لديّ ما يكفي من الوقت. سيتوجّب عليكما أن تواصلا ما بدأته. أنتما الآن تمثّلان كل إنسان، وإلف، وقزم، وألاكريّ في ذلك العالم.”
“موطنكم يحتضر.”
أشرتُ إلى الأعلى، إلى حيث يمكنني أن أشعر بالجرح يصارع ضد الفضاء المطوي. “حسنًا؟”
ردّ انحنائي بجديّةٍ مبالغٍ بها، ثم انطلق، خطواته الثقيلة مسموعة حتى بدأ بالنزول عبر السلالم المتعرجة المؤدية إلى لودنهولد، القصر القزمي.
“نعم.”
سحبت أمي إيلي إلى جانبها، غير قادرةٍ على إخفاء الذعر في وجهها.
“سأشتري لك ثلاثين دقيقة.” أرسلت إليّ ابتسامةً ذات معنى، ثم استدارت على عقبها وسارت مبتعدة.
أما إيلي، ورغم شحوبها، فقد حافظت على تعبيرٍ متماسك.
“—نقف هنا بينما يجدر بنا أن نستعدّ من أجل—”
زمّت شفتيها، ثم أومأت مرةً واحدة، بجدية.
“هذه قد نمت كثيرًا منذ آخر مرة كنتُ هنا.”
وفوق كتفه، قال، “لكن عندما تنتهي من التودّد لحفيدتي، آمل أن تتمكّن من تخصيص عشر دقائقٍ لمعلمك العجوز، قبل أن تهرع مجددًا لإنقاذ العالم.”
من زاوية عيني، لمحتُ فيرون يقتحم القاعة الكبرى، وزيلينا خلفه مباشرةً. الليفياثان العتيق كان يتحرّك بسرعةٍ وحزمٍ لم أرهما منه من قبل.
العين الأرجوانية الساطعة على الجانب الأيمن من رأسه استقرت مباشرةً عليّ حين قال، “حتى مع نهاية عالمنا كما نعرفه، لا يزال كيزيس إندراث يسعى للوقوف على أفضل موطئ قدم—بكعبه فوق أعناقنا.”
“هل هذا صحيح؟”
“هل يمكننا الوثوق بهذه ‘الهدية’؟” سأل تشول، واقفًا بساقَيه متباعدتَين، وذراعَيه معقودتَين على صدره، يرمق ميرا بعبوس.
قال، متوقّفًا أمامي، أنفاسه متلاحقة.
أجاب كيزيس، وصوته الآن بارد، يكاد يخلو من أي انفعال.
“عن أغرونا، وخارناس فريترا؟ اللؤلؤة؟”
احترقت عينا أدمير في عينَي، ولم أشيح بنظري بعيدًا.
أحكم قبضته على كتفي، بقوةٍ مفاجئة بالنسبة إلى مظهره الواهن.
جاء صوتي خافتًا، لكنه مشدود.
“—إذًا، ما الذي ستفعله حيال ذلك؟!”
“هل هذا صحيح، آرثر؟”
أشرتُ إلى الأعلى، إلى حيث يمكنني أن أشعر بالجرح يصارع ضد الفضاء المطوي. “حسنًا؟”
ألقيتُ نظرةً سريعة حولي قبل أن أجيب، متعرّفًا على أكثر من أزوراس كانوا يصغون إلينا بانتباهٍ شديد.
“ريجيس، عليك الذهاب إلى المختبرات العميقة وإحضار ورين كاين وجيدون.”
“ما الذي ستفعلونه أنتم، أيها الإخوة؟!”
“نعم.”
“ما—”
جاء صوتي خافتًا، لكنه مشدود.
على غير توقّعي، أومأ فيرون، وعيناه اللبنيتان تتقلّبان بسرعةٍ قلقة.
سقطت يده إلى جانبه، وزفَرَ أنفاسه بسهولةٍ أكبر.
ظننتُ أنني فهمتُ قصدها، فسمحتُ لها بأن تضع يدها على صدري. تدفّق الأثير بيننا، تحرّك حولي، وتشابك مع جوهري، قنواتي، وكياني الأثيري نفسه، معقودًا ومتداخلًا كما لو أنه أصبح جزءًا مني.
“ما—”
“لكن… أكبر. مع الكثير من غرف الضيوف.”
قبل أن تتشكّل الكلمة بالكامل، اشتعلت أنوار القاعة الكبرى بضوءٍ أبيضٍ متوهّج، وظهر كيزيس أمام عرشه.
أغمضتُ عينَيّ بإحكام.
القاعة كانت الآن مكتظّةً بالأزوراس، ورأيت أن السادة العظام قد اجتمعوا جميعًا، حتى أدمير ثيستيس.
قال فيريون، متذمرًا.
فقد تركيزه للحظة، يبحث على الأرجح عن توقيع ماناها، ثم عاد إلى الواقع، وخطى بضع خطواتٍ قبل أن يتوقّف فجأة.
كوردري كان هناك أيضًا.
لكن لم يكن كيزيس هو من نطق بها، بل اللورد ثيستيس، الذي تقدّم خطوةً إلى الأمام، جاحظًا ببصره نحو الحشود المجتمعة من الأزوراس.
إنها تقلل من أهمية فقدان ابنتها، لكن ميرا شعرت بتلك الخسارة بعمق. لا تزال تشعر بها. ترددت هذه الفكرة في رأسي، محمولةً عبر مسارات وعيي المتشابكة، المعزّزة برونية الحاكم.
ذلك “البانثيون” رباعيّ الأعين، ذو الجسد العضلي، كان يتحرّك بحذر، محافظًا على مسافةٍ متساوية بين سيد عشيرته، ولورد إندراث، الذي كان يخدمه بشكلٍ مباشر كمدرّبٍ قتالي.
العين الأرجوانية الساطعة على الجانب الأيمن من رأسه استقرت مباشرةً عليّ حين قال، “حتى مع نهاية عالمنا كما نعرفه، لا يزال كيزيس إندراث يسعى للوقوف على أفضل موطئ قدم—بكعبه فوق أعناقنا.”
دون أن أدرك، كانت القاعة قد أصبحت صاخبة جدًا.
“جدي!” صاحت تيسيا، مصدومة.
لكن الضجيج تلاشى عند تغيّر الإضاءة. لم يُضِع كيزيس أي وقت. خطا خطوتين إلى أسفل من قاعدة عرشه. كانت ميرا واقفةً إلى الجانب، فتقدّمت برشاقة، ومرّرت ذراعها عبر ذراع كيزيس. معًا، أخذا خطوةً إضافية إلى الأمام، ثم خفتَ الضوء الأبيض الساطع، ليتركهما في بؤرةٍ مضيئة، تتألّق في عتمة القاعة المتنامية.
“أخي آرثر، أطلب إذنك للذهاب بحثًا عن أختي في العشيرة. أتوق لسماع ما جاء بها إلى خارج الموقد، وكذلك لمعرفة ما يخطط له موردين.”
“يا أهل أفيتوس المجتمعين، لا حاجة لأن أشرح سبب انعقاد هذا الاجتماع.”
“كان ذلك تصرفًا سخيفًا.”
“لا.”
بدأ كيزيس حديثه، صوته مهيبٌ يملأ القاعة.
“لقد رأى كلٌّ منكم الجرح العظيم في السماء، وبحلول الآن، لا بد أن معظمكم قد سمع أنه نجم عن هجومٍ مباشرٍ شنه أغرونا فريترا.”
“من تنعته بـ’الصغير‘؟” سأل ريجس، رغم أن نبرته كانت خافتةً قليلًا عن المعتاد.
لكن حتى هيبة كيزيس لم تكن كافيةً لكبح تصاعد مشاعر الخوف والسخط التي اجتاحت القاعة عند سماع هذه الكلمات.
“آرثر، رجاءً، اعلم أنك لا تُرسل وحدك.”
“بالطبع، تشول. أودّ أن أعرف كيف يمكن لموردين أن يساعدنا أيضًا.”
“أرجوك، يا لورد إندراث! أخبرنا بما ينبغي علينا فعله لكي—”
“عليّ أن أجد أغرونا.” قلتُ بهدوء.
“سأشتري لك ثلاثين دقيقة.” أرسلت إليّ ابتسامةً ذات معنى، ثم استدارت على عقبها وسارت مبتعدة.
“—نمنع أفيتوس من أن تنزف حتى الموت عبر ذلك الجرح—”
“الغيوم تتجمّع، وطائر العاصفة يحلّق على رياحٍ مريرة، أليس كذلك، أيها الفتى؟”
عقليًا، أرسلتُ رسالةً إلى سيلفي، التي نقلت كلماتي—بأسلوبٍ أكثر تهذيبًا—إلى فيرون وزيلينا.
“—نقف هنا بينما يجدر بنا أن نستعدّ من أجل—”
“أما نحن—”
“—إذًا، ما الذي ستفعله حيال ذلك؟!”
تشول كان قد غادر العنقاء، ووقف ينتظر مع بقية العشيرة.
“نحن نرسل أركونًا لمواجهة أغرونا فريترا. اللورد آرثر أمضى معظم حياته في التصدي لمخططات أغرونا ضد شعب عالمه، حاميًا أفيتوس من بعيد، وهو مؤهّلٌ على نحوٍ فريد لضمان تحقيق العدالة.”
“صمتًا!”
“عليّ أن أجد أغرونا.” قلتُ بهدوء.
ارتدّت الكلمة عن الجدران، صداها يتردد عدة مراتٍ متتالية.
“ما يحدث في الخارج… لا عودة منه. لقد أحرزتُ بعض التقدّم هنا، خاصةً مع الأزوراس الأصغر سنًا، لكن…”
لكن لم يكن كيزيس هو من نطق بها، بل اللورد ثيستيس، الذي تقدّم خطوةً إلى الأمام، جاحظًا ببصره نحو الحشود المجتمعة من الأزوراس.
“عالمنا ينزف، وأنتم، ممثلو عشائرنا العظمى المزعومة، تصرخون مثل صيصان الويفيرن، وتتوسلون إلى سيدكم؟”
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
“ما الذي سيفعله هو؟!”
“ما الذي ستفعلونه أنتم، أيها الإخوة؟!”
ارتفع حاجباي بدهشة. “سيريس هنا؟”
“ما الذي تفعلونه هنا، في هذه اللحظة؟!”
ورغم أن رونيتي الجديدة لم تكن نشطة بعد الآن، إلا أنني لا أزال أشعر بالجرح في السماء خارجًا، أشبه بثقلِ عاصفةٍ وشيكة.
“لكن لا شكّ في أنك لم تجمعنا جميعًا هنا… لمجرد أن تكذب علينا؟”
فجأةً، استدار البانثيون نحو كيزيس، عينيه مشتعلتين بالاتهام.
قاطع تشول، مستيقظًا فجأةً.
“لماذا جمعتنا جميعًا هنا، يا إندراث؟ لماذا نحن واقفون هنا، بدلاً من أن نكون هناك، نقاتل لإغلاق الجرح في السماء— أو، إن لزم الأمر، نستعد للفرار من منازلنا؟!”
سمحت تيسيا لانتباهها بأن يتجوّل للحظة، آخذةً وجود الآخرين في الحسبان. “إذًا، أنت هنا من أجل أغرونا.”
أمالت ميرا رأسها قليلًا إلى الجانب، ونظرت إليه بحزن. “أوه، يا ابن الجنّ والأسكليبيوس. كم أسأنا إليك.”
التقى كيزيس نظرة أدمير، والتوتر بين شخصيتيهما المتعارضتين كان محسوسًا في الهواء.
بمزاح، رفعتُها بين ذراعيّ، وأدرتُها في الهواء، ثم أوقعتُنا معًا على فراشٍ من الطحالب الكثيفة.
ظننتُ أنني فهمتُ قصدها، فسمحتُ لها بأن تضع يدها على صدري. تدفّق الأثير بيننا، تحرّك حولي، وتشابك مع جوهري، قنواتي، وكياني الأثيري نفسه، معقودًا ومتداخلًا كما لو أنه أصبح جزءًا مني.
إلى جانبي، ارتجفت إيلي خطوةً إلى الخلف. وضعتُ يدي على ظهرها، مثبتًا إياها.
“الطرف الآخر سيتصل بكيزيس.”
“نحن هنا جميعًا،”
تكلّمت ميرا، بصوتها الناعم، مُزيحةً انتباه الحضور بعيدًا عن المواجهة المتوترة التي تجري أمامنا، “لأننا لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بأن نستسلم للخوف والشك.” ابتسمت، وجهها الشاب يشعّ بهالةٍ مطمئنة.
“لقد جعل أغرونا ملاحقته صعبةً وخطيرةً علينا منذ زمنٍ بعيد، ولكن كما يعلم معظمكم، فإن عائلتنا الممتدة بين الأزوراس قد أصبحت الآن تضمّ عرقًا جديدًا.”
صاح أحدهم، دون أن أتمكّن من تمييز المتحدّث بين الحشد.
استدار معظم الحاضرين ناظرًا نحوي، أو نحو رفاقي—عشيرتي— تتفاوت تعابيرهم بين الأمل، والخوف، والارتباك.
لكن عندما واصلت ميرا حديثها، عاد انتباه الجميع ليستقرّ عليها.
إنها تقلل من أهمية فقدان ابنتها، لكن ميرا شعرت بتلك الخسارة بعمق. لا تزال تشعر بها. ترددت هذه الفكرة في رأسي، محمولةً عبر مسارات وعيي المتشابكة، المعزّزة برونية الحاكم.
“اللورد العظيم آرثر ليوين، من عرق الأركون، يمثّل أملًا جديدًا، وأفضل، لضمان تحقيق العدالة ضد هذا الاعتداء الشنيع الذي ارتكبه أغرونا، من عشيرة الفريترا المنفية—”
“نعم! أخي في الانتقام!”
دوى صوت تشول، قاطعًا الصمت كما لو كان انهيارًا جليديًا يهوي على قمة جبل.
“ماذا ستفعل؟”
لم يُظهر كيزيس أي التفاتةٍ إلى مقاطعته، وواصل حديثه دون انقطاع.
زمّت شفتيها، ثم أومأت مرةً واحدة، بجدية.
“وفيما يعود إلى عالمه الأصلي، فلتطمئنّوا إلى أن عشيرة إندراث ستعمل بلا كلل لضمان إغلاق الجرح.”
“أنت ترسل إنسانًا لمواجهة أغرونا فريترا؟!”
صاح أحدهم، دون أن أتمكّن من تمييز المتحدّث بين الحشد.
كان شعورًا غريبًا أن أخطو مجددًا إلى قاعة إندراث الكبرى.
“لا.”
“سأذهب.”
قال كيزيس، صوته يبتلع أي همهمةٍ بدأت تتصاعد في القاعة.
تكلّمت ميرا، بصوتها الناعم، مُزيحةً انتباه الحضور بعيدًا عن المواجهة المتوترة التي تجري أمامنا، “لأننا لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بأن نستسلم للخوف والشك.” ابتسمت، وجهها الشاب يشعّ بهالةٍ مطمئنة.
“نحن نرسل أركونًا لمواجهة أغرونا فريترا. اللورد آرثر أمضى معظم حياته في التصدي لمخططات أغرونا ضد شعب عالمه، حاميًا أفيتوس من بعيد، وهو مؤهّلٌ على نحوٍ فريد لضمان تحقيق العدالة.”
“ماذا؟” قالَتها الاثنتان في آنٍ واحد.
“أما نحن—”
“اعذرني، يا لورديّ وسيدتيّ.”
كانت القاعة الكبرى قد بدأت تمتلئ مجددًا.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
قاطع اللورد ثيستيس، بصوتٍ لم يحمل أي نبرة اعتذار.
يظهر بوضوحٍ في لغة جسد الحاضرين، الذين يزيد عددهم عن المئة. ‘ما الذي يفكّر فيه ثيستيس؟’
“لكن لا شكّ في أنك لم تجمعنا جميعًا هنا… لمجرد أن تكذب علينا؟”
“اللورد إندراث يريد منكم جميعًا أن تعودوا إلى منازلكم. حافظوا على هدوء شعبكم. جهّزوهم لما هو قادم. لأنهم مذعورون، وعندما يرتعب الحكام، تبدأ الأمور السيئة—الغبية—في الحدوث.”
ساد القاعة صمتٌ مطبق.
انحنيتُ قليلًا، مخفّضًا صوتي.
نظرت إليّ أمي بقلق، فأشرتُ لها بأن الأمر سيكون على ما يرام.
لكن الضجيج تلاشى عند تغيّر الإضاءة. لم يُضِع كيزيس أي وقت. خطا خطوتين إلى أسفل من قاعدة عرشه. كانت ميرا واقفةً إلى الجانب، فتقدّمت برشاقة، ومرّرت ذراعها عبر ذراع كيزيس. معًا، أخذا خطوةً إضافية إلى الأمام، ثم خفتَ الضوء الأبيض الساطع، ليتركهما في بؤرةٍ مضيئة، تتألّق في عتمة القاعة المتنامية.
من زاوية عيني، لمحتُ فيرون يقتحم القاعة الكبرى، وزيلينا خلفه مباشرةً. الليفياثان العتيق كان يتحرّك بسرعةٍ وحزمٍ لم أرهما منه من قبل.
‘يبدو أن الأمور قد تصبح ممتعة قبل أن نغادر.’ جاءت أفكار ريجس، وعيناه تتألّقان بتوقّعٍ متحمّس.
‘هذا ليس النوع من “المتعة” الذي نحتاجه الآن.’ ذكّرته سيلفي، والتوتّر الذي كان يموج عبر رابطنا بدا ملموسًا في القاعة،
“عن أغرونا، وخارناس فريترا؟ اللؤلؤة؟”
يظهر بوضوحٍ في لغة جسد الحاضرين، الذين يزيد عددهم عن المئة. ‘ما الذي يفكّر فيه ثيستيس؟’
أشعل هذا السؤال إدراكًا مفاجئًا.
ضيّقتُ عينيّ، مركّزًا بصري على كيزيس، الذي، بعد أن ضغط على يد ميرا برفق، تراجع عنها خطوةً إلى الوراء.
إلى جانبي، ارتجفت إيلي خطوةً إلى الخلف. وضعتُ يدي على ظهرها، مثبتًا إياها.
بدا الضوء وكأنه يخفت أكثر، ويركّز إضاءته بالكامل عليه وحده.
آرثر ليوين
ورغم أن رونيتي الجديدة لم تكن نشطة بعد الآن، إلا أنني لا أزال أشعر بالجرح في السماء خارجًا، أشبه بثقلِ عاصفةٍ وشيكة.
“حتى الآن، أدمير، لا تزال متمسكًا بهذه المسرحية الهزلية في البحث عن الأخطاء؟”
في مكانٍ ما وراء ذلك، فوق رمال صحراء دارفيش، سيكون الجرح نفسه الذي كان ظاهرًا في أفيتوس ممتدًا عبر السماء هنا أيضًا.
تكشّرت شفتا كيزيس عن أسنانه، مكشّرًا كحيوانٍ متأهّب للهجوم.
“هذا ليس وقت تحريضك. أأنتَ حقًا ستسعى لتفريق شعبنا في اللحظة ذاتها التي—”
معًا، لدقائق معدودة، كنّا فقط… نحن.
تأملتُ كيفية الرد، ثم أدركتُ أنه لم يكن هناك شيءٌ آخر ينبغي قوله، فخطوتُ عبر البوابة. غرستُ أسناني في فكي حين شعرتُ كما لو أن خطافًا معدنيًا قد انتُزع من بين أضلعي. أطلقتُ تأوّهًا متألّمًا، وارتجفتُ بينما تعثّرت في الظلام. قفز ريجس من الظل الخافت الذي تذبذب تحت قدمي، وهزّ جسده متململًا وهو يزمجر.
“البحث عن الأخطاء؟”
قهقه أدمير ساخرًا.
‘هذا ليس النوع من “المتعة” الذي نحتاجه الآن.’ ذكّرته سيلفي، والتوتّر الذي كان يموج عبر رابطنا بدا ملموسًا في القاعة،
آرثر ليوين
“تحريض؟ إذا كنتُ ساخطًا، يا مولاي، فهو بسبب قيادتك الفاشلة. لقد بقيتَ لوقتٍ أطول مما ينبغي وأنت—”
“اللورد العظيم آرثر ليوين، من عرق الأركون، يمثّل أملًا جديدًا، وأفضل، لضمان تحقيق العدالة ضد هذا الاعتداء الشنيع الذي ارتكبه أغرونا، من عشيرة الفريترا المنفية—”
هزّت رأسها بشعرها الفولاذي، وأطلقت تنهيدةً مُتعَبة. “هذا صحيح. لقد كان يضايقني بشأنك منذ أن كنتُ… ماذا؟ في الخامسة فقط؟” تلاشت البهجة من وجهها، واكتسى ملامحها الحزن. “يا للعجب، يبدو ذلك وكأنه كان منذ حيواتٍ عدّة.”
“بانثيون!”
“أوه، آرثر.” همست، وهي تعضّ شفتيها. “الجميع كانوا خائفين جدًا. السيدة سيريس قالت إنك على الأرجح ستكون هنا قريبًا، لكن…”
أمالت ميرا رأسها قليلًا إلى الجانب، ونظرت إليه بحزن. “أوه، يا ابن الجنّ والأسكليبيوس. كم أسأنا إليك.”
زمجر كيزيس، وصوته، إذ ارتدّ عن أحجار القلعة، تحوّل بالكامل إلى زئير تنينٍ هادر.
أدركتُ أننا في كهفٍ فسيح. ورغم أننا كنا تحت الأرض، إلا أن المكان كان مضاءً ساطعًا بعشرات المصابيح الطافية.
كان هناك شيءٌ بالغ الحميمية في إحساس يديها وهي تستقرّ على عمودي الفقري، حيث كانت الرونيات راقدةً في سباتٍ تحت جلدي.
“منازلكم قد تتهاوى قريبًا من خلال الصدع، لتتحطم على شواطئ ديكاثين! حاليًا، عشيرتا ليوين وإندراث تعملان على منع هذا المصير، مع ذلك، قائدكم يسعى لاستغلال هذه اللحظة ليحطّمنا من أجل رفع شأن نفسه!”
ساد القاعة صمتٌ مطبق.
زفر أدمير غاضبًا.
تقلّص وجهها في عبوسٍ بالكاد ملحوظ. “هل يمكنك…؟”
العين الأرجوانية الساطعة على الجانب الأيمن من رأسه استقرت مباشرةً عليّ حين قال، “حتى مع نهاية عالمنا كما نعرفه، لا يزال كيزيس إندراث يسعى للوقوف على أفضل موطئ قدم—بكعبه فوق أعناقنا.”
أمالت ميرا رأسها قليلًا إلى الجانب، ونظرت إليه بحزن. “أوه، يا ابن الجنّ والأسكليبيوس. كم أسأنا إليك.”
“كفى.”
“لماذا جمعتنا جميعًا هنا، يا إندراث؟ لماذا نحن واقفون هنا، بدلاً من أن نكون هناك، نقاتل لإغلاق الجرح في السماء— أو، إن لزم الأمر، نستعد للفرار من منازلنا؟!”
أجاب كيزيس، وصوته الآن بارد، يكاد يخلو من أي انفعال.
“هذه حالة طوارئ. لا وقت لدينا لمثل هذه النزاعات. أنا أدعو إلى الإزالة الفورية لعشيرة ثيستيس من منصبها كعشيرةٍ عظمى للبانثيون.”
كانت يدا تيسيا مرفوعتَين جزئيًا، والمانا تتكثّف حولها.
انفجرت القاعة بصيحات الاستياء والصراخ الغاضب.
“سيُعاد شغل هذا المنصب في الوقت المناسب، حين لا تعود أفيتوس مهددةً بالفناء.”
إلى جانبي، ارتجفت إيلي خطوةً إلى الخلف. وضعتُ يدي على ظهرها، مثبتًا إياها.
“هذه قد نمت كثيرًا منذ آخر مرة كنتُ هنا.”
أغمضتُ عينَيّ بإحكام.
“آه، سولي؟”
“لكن لا شكّ في أنك لم تجمعنا جميعًا هنا… لمجرد أن تكذب علينا؟”
كان أدمير على حق، بالطبع.
كانت سيلفي، إذ علمتُ أنني قادم، قد أحضرت أمي وأختي ليقفنَ بالقرب من الباب في انتظاري.
هذه كانت مناورةً محسوبة من كيزيس.
يكاد يكون من غير المعقول أن يكون بهذه الصغار، حتى وسط انهيار عالمه بأسره.
يكاد.
وفوق كتفه، قال، “لكن عندما تنتهي من التودّد لحفيدتي، آمل أن تتمكّن من تخصيص عشر دقائقٍ لمعلمك العجوز، قبل أن تهرع مجددًا لإنقاذ العالم.”
دون أن أدرك، كانت القاعة قد أصبحت صاخبة جدًا.
ومع ذلك، فبإزاحة أدمير، يُحكم قبضته على القيادة الأزوراسية، ويخلق بيئةً تدفع العشائر البانثيونية الأخرى إلى السعي لكسب رضاه، أملًا في الارتقاء إلى مرتبة العشيرة العظمى.
قبض أدمير يديه حول سلاحه، وللحظة، بدا أن الغرفة بأسرها معلّقةٌ على حدّ سكين، حيث يمكن لكلمةٍ خاطئة، همست في الأذن الخطأ، أن تميل الكفة نحو العنف.
“هذه قد نمت كثيرًا منذ آخر مرة كنتُ هنا.”
عاضًا على أسناني، فعّلتُ خطوة الحاكم، وحملتني المسارات الأثيرية عبر القاعة في لحظة. ظهرتُ بين كيزيس وأدمير، محاطًا ببرقٍ أثيريٍّ يتصاعد عبر ذراعيّ وينحدر على ساقيّ.
“نعم.”
نطاق القلب رفع شعري، وتاج النور الذي يمثّل مناورة الملك التفّ حوله، عائمًا فوق رأسي.
استدرتُ بسرعة، ناظرًا إلى البوابة، التي كانت على هذا الجانب تتأرجح وتتلوى بجنون. عندما عبرت سيلفي، شهقت، ثم تدلّت عيناها للخلف، وكادت تسقط أرضًا. “تمهّلي، سيلف، أنتِ بخير.”
“موطنكم يحتضر.”
أرسلتُ نظرةً طويلةً، قاسية، إلى الأزوراس المجتمعين في القاعة الكبرى.
“الطرف الآخر سيتصل بكيزيس.”
“اللورد إندراث يريد منكم جميعًا أن تعودوا إلى منازلكم. حافظوا على هدوء شعبكم. جهّزوهم لما هو قادم. لأنهم مذعورون، وعندما يرتعب الحكام، تبدأ الأمور السيئة—الغبية—في الحدوث.”
هززتُ رأسي نفيًا.
استدرتُ نحو كيزيس.
التقيتُ أعين أدمير الأربع الأمامية، وثبّتُّ نظرتي فيها.
انفجرت القاعة بصيحات الاستياء والصراخ الغاضب.
“جميعكم! مهمّتكم الآن هي الحدّ من هذه الحماقات، بينما أولئك الذين لديهم فرصةٌ لإصلاح الأمور… يفعلون ذلك.”
دوى صوت تشول، قاطعًا الصمت كما لو كان انهيارًا جليديًا يهوي على قمة جبل.
احترقت عينا أدمير في عينَي، ولم أشيح بنظري بعيدًا.
في كل أنحاء القاعة، كان الجميع يتحرّكون. السيلف بقيادة السيدة إيريند، كانوا بالفعل يُحلّقون مغادرين القاعة. الهامادرياد بدورهم، كانوا ينسحبون من القلعة، وإن بقيت موروينا في مكانها. أما نوفيس، فلا يزال يتحدّث مع قومه، لكنهم بدوا مستعدين للرحيل.
لكن تعويذتها المتنامية تلاشت في لحظة، وحلّت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، سرعان ما تكسّرت وتلاشت، بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
تشول كان قد غادر العنقاء، ووقف ينتظر مع بقية العشيرة.
أشعل هذا السؤال إدراكًا مفاجئًا.
أخيرًا، كسر أدمير اتصال أعيننا. استدار نصف استدارة، ثم توقّف، ناظرًا إليّ بعينه البنفسجية الساطعة للحظةٍ وجيزة، قبل أن يُكمل استدارته. ومع تقدّمه عبر القاعة بخطواتٍ سريعة، تبعه قومه، مُلقين نظراتٍ حانقة خلفهم. بعد بضع ثوانٍ، انفصل كوردري عنهم، ولحق بباقي أفراد عشيرة ثيستيس.
“سأذهب.”
تحوّلت عينا كيزيس، ذات اللون الأرجواني العاصف، إلى كوردري للحظةٍ خاطفة، النظرة كانت سريعةً جدًا بحيث لا تُلاحظ، لولا “مقام الملك”.
قلب ريجس عينَيه وبدأ بالركض خلفها.
قبل أن أتمكّن من الرد، طارَت ثمرة وردية بحجم خوخةٍ صغيرة نحوي. اضطررتُ إلى إمالة تيسيا جانبًا، كما لو كنتُ أقودها في رقصة، لأتمكّن من التقاطها في الهواء. ثمرةٌ ثانيةٌ طارت نحو ريجس، الذي قفز وأطبق عليها بين فكيه، وابتلعها دون مضغ. ثم ثمرتان أخريان، تحلّقان نحو سيلفي وتشول.
استدرتُ نحو كيزيس.
“كان ذلك تصرفًا سخيفًا.”
قلتُها بصوتٍ خافت، بحيث لم يسمعني إلا هو وميرا.
ثم، بصوتٍ أعلى، أضفتُ، “أنا ذاهبٌ حالًا. أتركُ أمي وأختي في رعايتك.” ارتفع حاجباي قليلًا. “أثق أنهما ستكونان في أيدٍ أمينة، بل في رعايةٍ ممتازة.”
كان شعورًا غريبًا أن أخطو مجددًا إلى قاعة إندراث الكبرى.
لكن، في النهاية، انكسر ذلك التجمّد البطيء.
عقليًا، أرسلتُ رسالةً إلى سيلفي، التي نقلت كلماتي—بأسلوبٍ أكثر تهذيبًا—إلى فيرون وزيلينا.
“كان كلامك صائبًا، لورد آرثر.” قال كيزيس، ثم تابع ببساطة، “حظًا موفقًا.”
قهقهت تيسيا، وهي تدفن رأسها في صدري. “يبدو ذلك جميلًا. أحب فكرة وجود الكثير من الضيوف. لكن… أنت تعلم أن هذا ليس ما قصدتُه.”
وهذا، على ما يبدو، كل ما كان لديه ليقوله، إذ استدار وسار مبتعدًا بخطواتٍ سريعة، متّجهًا نحو مجموعةٍ قريبة من التنانين، يتقدّمهم بريا إنثريا.
ابتسمت ميرا ابتسامةً واسعة.
“عالمنا ينزف، وأنتم، ممثلو عشائرنا العظمى المزعومة، تصرخون مثل صيصان الويفيرن، وتتوسلون إلى سيدكم؟”
“سأرافقك إلى الخارج.” قالت، ومدّت ذراعها. تركتُها تأخذ ذراعي، وسرنا نحو المخرج.
استدار معظم الحاضرين ناظرًا نحوي، أو نحو رفاقي—عشيرتي— تتفاوت تعابيرهم بين الأمل، والخوف، والارتباك.
أمالت ميرا رأسها قليلًا إلى الجانب، ونظرت إليه بحزن. “أوه، يا ابن الجنّ والأسكليبيوس. كم أسأنا إليك.”
سيلفي، ريجس، وتشول انضمّوا إلينا، يسيرون بخطى متناسقة. ريجس أصبح غير مادي، واندمج في داخلي. أمي وإيلي وقفتا في الخلف، وأمي متشبثةٌ بذراع أختي. التقت عيناي بعيني إيلي، واتسعت نظرتي قليلًا، كما لو كنتُ أقول لها كل ما يلزم دون الحاجة إلى النطق.
زمّت شفتيها، ثم أومأت مرةً واحدة، بجدية.
لم أرغب في إقلاقهما أكثر.
“ما الذي تفعلونه هنا، في هذه اللحظة؟!”
ثم خرجنا من القاعة الكبرى، وسرنا في ممرٍّ مزدحم، تصطف على جانبيه المفارش واللوحات والتماثيل. لم أكترث لها، فقد رأيتها معظمها من قبل—ولم يكن لديّ أدنى اهتمام بها في تلك اللحظة.
نطاق القلب رفع شعري، وتاج النور الذي يمثّل مناورة الملك التفّ حوله، عائمًا فوق رأسي.
“آرثر، رجاءً، اعلم أنك لا تُرسل وحدك.”
لم يُظهر كيزيس أي التفاتةٍ إلى مقاطعته، وواصل حديثه دون انقطاع.
قالت ميرا، نبرتها دافئة، لكن كلماتها خافتة. “لا أحد—وأعني ذلك حرفيًا—يفهم التهديد الذي يمثّله أغرونا أكثر من كيزيس. لا ينوي أن تقوم بهذا وحدك.”
كان هناك شيءٌ بالغ الحميمية في إحساس يديها وهي تستقرّ على عمودي الفقري، حيث كانت الرونيات راقدةً في سباتٍ تحت جلدي.
لم تُضف شيئًا آخر حتى وصلنا إلى الأبواب الضخمة التي تُفتح على الجسر الكريستالي.
“لديّ شيءٌ لك.”
ابتسمت ميرا ابتسامةً واسعة.
على غير توقّعي، أومأ فيرون، وعيناه اللبنيتان تتقلّبان بسرعةٍ قلقة.
مدّت يدها نحوي، وشعرتُ بجسدي يتوتّر للحظة، مما جعلها تتراجع قليلًا.
“إن سمحتَ لي؟” التوى طرف شفتيها بابتسامةٍ ساخرة.
ورغم أن رونيتي الجديدة لم تكن نشطة بعد الآن، إلا أنني لا أزال أشعر بالجرح في السماء خارجًا، أشبه بثقلِ عاصفةٍ وشيكة.
“على أي حال، يمكنك دائمًا كسرها بنفسك إن لم ترغب في استخدامها.”
وهذا، على ما يبدو، كل ما كان لديه ليقوله، إذ استدار وسار مبتعدًا بخطواتٍ سريعة، متّجهًا نحو مجموعةٍ قريبة من التنانين، يتقدّمهم بريا إنثريا.
أدركتُ أننا في كهفٍ فسيح. ورغم أننا كنا تحت الأرض، إلا أن المكان كان مضاءً ساطعًا بعشرات المصابيح الطافية.
ظننتُ أنني فهمتُ قصدها، فسمحتُ لها بأن تضع يدها على صدري. تدفّق الأثير بيننا، تحرّك حولي، وتشابك مع جوهري، قنواتي، وكياني الأثيري نفسه، معقودًا ومتداخلًا كما لو أنه أصبح جزءًا مني.
ذلك “البانثيون” رباعيّ الأعين، ذو الجسد العضلي، كان يتحرّك بحذر، محافظًا على مسافةٍ متساوية بين سيد عشيرته، ولورد إندراث، الذي كان يخدمه بشكلٍ مباشر كمدرّبٍ قتالي.
تقلّص وجهها في عبوسٍ بالكاد ملحوظ. “هل يمكنك…؟”
“الطرف الآخر سيتصل بكيزيس.”
سارعت بمسح القاعة بنظرةٍ متفحصة، وعندما التقت أعيننا، عضّت شفتها في عبوس، ثم أومأت سريعًا قبل أن تجرفها الحشود القادمة.
“لا.”
قالت ببساطة، متراجعةً خطوة إلى الوراء.
قبل أن تتشكّل الكلمة بالكامل، اشتعلت أنوار القاعة الكبرى بضوءٍ أبيضٍ متوهّج، وظهر كيزيس أمام عرشه.
“هل يمكننا الوثوق بهذه ‘الهدية’؟” سأل تشول، واقفًا بساقَيه متباعدتَين، وذراعَيه معقودتَين على صدره، يرمق ميرا بعبوس.
“هل لدينا أيّ مقاتلين في حالةٍ جيدة؟ فيلق الوحوش؟ نقابة المغامرين؟”
أمالت ميرا رأسها قليلًا إلى الجانب، ونظرت إليه بحزن. “أوه، يا ابن الجنّ والأسكليبيوس. كم أسأنا إليك.”
أومأت ميرا، وتراجعت خطوة إلى الوراء. “من أجل سيلفيا.”
تقطّع صوتها، واضطرت إلى التوقف للحظة، تبتلع مشاعرها. “أنا بالأحرى كنتُ سأشكّك لو أنك لم تكن تُشكّك بنا.”
مدّت يدها، وأمسكت بذقني. عندها أدركتُ أن يدها كانت مجعّدة، متغضّنةً بآثار السنين. “يمكنك الوثوق بي، آرثر. رجاءً.”
كلماتها اخترقت داخلي، أمسكت بشيءٍ باردٍ، حبيسٍ بداخلي… ثم حطمته. ذلك الجدار من الريبة الذي بنيته منذ أن اكتشفت الحقيقة وراء إبادة الجنّ.
“سأذهب.”
مقام الملك كان لا يزال نشطًا.
توتّرت للحظة، لكن سرعان ما مالت نحوي، مستسلمةً لها. بقينا على تلك الحال، شبه جامدين، مثل تمثالَين محبوسَين في تعبيرٍ رقيقٍ عن حبٍّ استغرق وقتًا طويلًا ليُكتسب، وكلاهما لا يزال خائفًا من الاستسلام لهيجانه، لكنهما أكثر خوفًا من التراجع، خشية أن يكون ذلك آخر مرة.
كنتُ قد استوعبتُ بالفعل كل تفاصيل اللحظة، مسجّلًا كل جانبٍ من ملامحها، ونبرتها، وكل مؤشرٍ على الصدق أو الخداع، مما تعلمته في أيٍّ من حياتي.
“من تنعته بـ’الصغير‘؟” سأل ريجس، رغم أن نبرته كانت خافتةً قليلًا عن المعتاد.
أمسكتُ بمعصمها، وخفّضتُ ذراعها عن وجهي برفق. “سنرى، أليس كذلك؟” لكنني سمحتُ لنفسي بأن أبتسم لها ابتسامةً صغيرة. “من أجل سيلفيا.”
“العودة؟ من يحتاج إلى ذلك؟ قريبًا ستكون هنا معنا على أي حال.” مسح تشول الدم عن شفتيه.
لم أكن أشعر بعقل سيلفي—كان متراجعًا بعيدًا عن مناورة الملك—لكنني سمعتُ شهقة أنفاسها الخفيفة.
شحبت شفتا ميرا بينما كانت تضغطهما معًا. ومن نظرات عينيها التي راحت تتنقل بين عينَي، ومن تصلّب وقفتها، ومن تقوّس حاجبيها، كنتُ أعلم أنني لمستُ وترًا حساسًا.
إنها تقلل من أهمية فقدان ابنتها، لكن ميرا شعرت بتلك الخسارة بعمق. لا تزال تشعر بها. ترددت هذه الفكرة في رأسي، محمولةً عبر مسارات وعيي المتشابكة، المعزّزة برونية الحاكم.
“—نقف هنا بينما يجدر بنا أن نستعدّ من أجل—”
أومأت ميرا، وتراجعت خطوة إلى الوراء. “من أجل سيلفيا.”
“ريجيس، عليك الذهاب إلى المختبرات العميقة وإحضار ورين كاين وجيدون.”
لوّحت أصابعها بحركةٍ دقيقة في الهواء، فانفتح بوّابٌ أمام الجسر.
أحكم قبضته على كتفي، بقوةٍ مفاجئة بالنسبة إلى مظهره الواهن.
“بانثيون!”
انعكست الهالة الذهبية للبوابة على الشفق القرمزي الدموي. كانت حوافها تتآكل وتلتوي، وتجلى على وجه ميرا الشاب تعبيرٌ من التركيز الشديد. “اذهبوا بسرعة. من الصعب جدًا إبقاؤها مفتوحة، مع الوضع الحالي للحاجز بين العوالم.”
أرسلتُ نظرةً طويلةً، قاسية، إلى الأزوراس المجتمعين في القاعة الكبرى.
ترددت للحظة، ثم أضافت، “لا تنسَ ربطي، آرثر.”
تأملتُ كيفية الرد، ثم أدركتُ أنه لم يكن هناك شيءٌ آخر ينبغي قوله، فخطوتُ عبر البوابة. غرستُ أسناني في فكي حين شعرتُ كما لو أن خطافًا معدنيًا قد انتُزع من بين أضلعي. أطلقتُ تأوّهًا متألّمًا، وارتجفتُ بينما تعثّرت في الظلام. قفز ريجس من الظل الخافت الذي تذبذب تحت قدمي، وهزّ جسده متململًا وهو يزمجر.
قبل أن أتمكّن من الرد، طارَت ثمرة وردية بحجم خوخةٍ صغيرة نحوي. اضطررتُ إلى إمالة تيسيا جانبًا، كما لو كنتُ أقودها في رقصة، لأتمكّن من التقاطها في الهواء. ثمرةٌ ثانيةٌ طارت نحو ريجس، الذي قفز وأطبق عليها بين فكيه، وابتلعها دون مضغ. ثم ثمرتان أخريان، تحلّقان نحو سيلفي وتشول.
استدرتُ بسرعة، ناظرًا إلى البوابة، التي كانت على هذا الجانب تتأرجح وتتلوى بجنون. عندما عبرت سيلفي، شهقت، ثم تدلّت عيناها للخلف، وكادت تسقط أرضًا. “تمهّلي، سيلف، أنتِ بخير.”
كلماتها اخترقت داخلي، أمسكت بشيءٍ باردٍ، حبيسٍ بداخلي… ثم حطمته. ذلك الجدار من الريبة الذي بنيته منذ أن اكتشفت الحقيقة وراء إبادة الجنّ.
قلتُ بلهجةٍ مهدئة، ممسكًا بها لأبقيها واقفة.
“إنها البوابة فقط.” قبل أن تستعيد توازنها بالكامل، هوى تشول من البوابة أيضًا. تنهّد بشتيمة، ثم بصق كومةً من الدم، قبل أن يستدير ليحدّق في التمزق الفضائي. “به! ما هذه الخدعة القذرة، بحقّ الجحيم الأسود؟”
“أنا بخير.” قالت سيلفي، متحرّرةً من قبضتي.
“إنها البوابة فقط.” قبل أن تستعيد توازنها بالكامل، هوى تشول من البوابة أيضًا. تنهّد بشتيمة، ثم بصق كومةً من الدم، قبل أن يستدير ليحدّق في التمزق الفضائي. “به! ما هذه الخدعة القذرة، بحقّ الجحيم الأسود؟”
وما إن نطقت، حتى مزّقت البوابة نفسها إلى أشلاء، ثم تلاشت تمامًا.
انحنيتُ قليلًا، مخفّضًا صوتي.
تقطّع صوتها، واضطرت إلى التوقف للحظة، تبتلع مشاعرها. “أنا بالأحرى كنتُ سأشكّك لو أنك لم تكن تُشكّك بنا.”
“يبدو أن العودة إلى أفيتوس ستكون صعبةً جدًا.” ريجس زمجر ساخرًا.
“يا أهل أفيتوس المجتمعين، لا حاجة لأن أشرح سبب انعقاد هذا الاجتماع.”
“العودة؟ من يحتاج إلى ذلك؟ قريبًا ستكون هنا معنا على أي حال.” مسح تشول الدم عن شفتيه.
“لنأمل ألّا يحدث ذلك، يا صغيري الذئبي.”
صرخت بمرح، ثم صفعتني بلطف، قبل أن تمسك بمؤخرة عنقي، وتسحبني إلى قبلةٍ أخرى، شفتيها تتحركان بتجربةٍ خجولةٍ فوق شفتيّ.
وفوق كتفه، قال، “لكن عندما تنتهي من التودّد لحفيدتي، آمل أن تتمكّن من تخصيص عشر دقائقٍ لمعلمك العجوز، قبل أن تهرع مجددًا لإنقاذ العالم.”
“من تنعته بـ’الصغير‘؟” سأل ريجس، رغم أن نبرته كانت خافتةً قليلًا عن المعتاد.
لم يكن قلبه في المزاح. كان قد بدأ بالفعل في التطلّع إلى المكان الذي ظهرنا فيه.
“سأشتري لك ثلاثين دقيقة.” أرسلت إليّ ابتسامةً ذات معنى، ثم استدارت على عقبها وسارت مبتعدة.
“أوه، انظروا إلى هذا.”
سمحت تيسيا لانتباهها بأن يتجوّل للحظة، آخذةً وجود الآخرين في الحسبان. “إذًا، أنت هنا من أجل أغرونا.”
استدار الجميع في الاتجاه الذي أشار إليه بأنفه.
“نحن نرسل أركونًا لمواجهة أغرونا فريترا. اللورد آرثر أمضى معظم حياته في التصدي لمخططات أغرونا ضد شعب عالمه، حاميًا أفيتوس من بعيد، وهو مؤهّلٌ على نحوٍ فريد لضمان تحقيق العدالة.”
أدركتُ أننا في كهفٍ فسيح. ورغم أننا كنا تحت الأرض، إلا أن المكان كان مضاءً ساطعًا بعشرات المصابيح الطافية.
غرقت قدماي في سجادةٍ كثيفة من الطحالب، وكانت الجدران مغطاةً بالمثل، مكسوّةً بحُلةٍ خضراء من النباتات المتسلّقة.
نطاق القلب رفع شعري، وتاج النور الذي يمثّل مناورة الملك التفّ حوله، عائمًا فوق رأسي.
لكنني لم أركّز انتباهي على الشجرة الضخمة التي نمت من مركز الكهف، بل على البستان الصغير من الأشجار الأصغر حجمًا، المزروعة في صفٍّ مرتبٍ على الطرف الآخر، مما جعل المكان يبدو أشبه بغابةٍ مصغّرة، تليق باسمه.
أومأت ميرا، وتراجعت خطوة إلى الوراء. “من أجل سيلفيا.”
لقد أرسلتنا ميرا مباشرةً إلى فيلدوريال، وإلى…
حدّقتُ إليها، بدت لي أشبه بالقلادة التي منحتُها لها في الليلة التي قطعنا فيها عهدنا فوق الجدار.
“تيس!”
صاحت سيلفي، وهي ترى تيسيا تخرج من خلف جذع الشجرة، عابسةً نحونا.
كانت يدا تيسيا مرفوعتَين جزئيًا، والمانا تتكثّف حولها.
أسرعتُ نحوها، مُسقطًا نطاق القلب ومناروة الملك. عندما اقتربتُ، توقفت تيسيا. ارتعاشةٌ خافتةٌ سرت من أطراف أصابعها، صاعدةً عبر ذراعيها، ثم منحدرةً عبر عمودها الفقري. أمسكتُ يديها وضغطتُ عليهما بقوةٍ مطمئنة.
لكن تعويذتها المتنامية تلاشت في لحظة، وحلّت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، سرعان ما تكسّرت وتلاشت، بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
استدار معظم الحاضرين ناظرًا نحوي، أو نحو رفاقي—عشيرتي— تتفاوت تعابيرهم بين الأمل، والخوف، والارتباك.
“جدي، آرثر وسيلفي هنا.” قالت، غير قادرةٍ على إخفاء التوتّر في صوتها.
لم أكن أشعر بعقل سيلفي—كان متراجعًا بعيدًا عن مناورة الملك—لكنني سمعتُ شهقة أنفاسها الخفيفة.
أسرعتُ نحوها، مُسقطًا نطاق القلب ومناروة الملك. عندما اقتربتُ، توقفت تيسيا. ارتعاشةٌ خافتةٌ سرت من أطراف أصابعها، صاعدةً عبر ذراعيها، ثم منحدرةً عبر عمودها الفقري. أمسكتُ يديها وضغطتُ عليهما بقوةٍ مطمئنة.
“لنأمل ألّا يحدث ذلك، يا صغيري الذئبي.”
“أوه، آرثر.” همست، وهي تعضّ شفتيها. “الجميع كانوا خائفين جدًا. السيدة سيريس قالت إنك على الأرجح ستكون هنا قريبًا، لكن…”
وضعتُ يدًا على كلٍ من كتفيهما.
لم أكن أشعر بعقل سيلفي—كان متراجعًا بعيدًا عن مناورة الملك—لكنني سمعتُ شهقة أنفاسها الخفيفة.
ارتفع حاجباي بدهشة. “سيريس هنا؟”
“أوه، لا تكلّف نفسك.”
أومأت تيسيا، وأصابعها تنزلق بين أصابعي لتشبك يدَينا معًا. رفعت يدها اليمنى ويدي اليسرى، وحدّقت فيهما بتمعّن عميق.
قالت سيلفي، وهي تتراجع بالفعل نحو المدخل الصغير الوحيد للكهف.
“بعد أقل من ساعة من ظهور… ذلك الشيء في السماء. تقول إن أغرونا فعل شيئًا.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
تقلّص وجهها في عبوسٍ بالكاد ملحوظ. “هل يمكنك…؟”
أومأت ميرا، وتراجعت خطوة إلى الوراء. “من أجل سيلفيا.”
“الطرف الآخر سيتصل بكيزيس.”
هززتُ رأسي نفيًا.
كانت سيلفي وتشول قد اقتربا، وراحت رابطتي تعانق تيسيا بحنان من جانبها. تشول وقف على مسافةٍ محترمة، بينما بدأ ريجس يركض حول الشجرة.
حدّقتُ إليها، بدت لي أشبه بالقلادة التي منحتُها لها في الليلة التي قطعنا فيها عهدنا فوق الجدار.
تشول كان قد غادر العنقاء، ووقف ينتظر مع بقية العشيرة.
سمحت تيسيا لانتباهها بأن يتجوّل للحظة، آخذةً وجود الآخرين في الحسبان. “إذًا، أنت هنا من أجل أغرونا.”
قبل أن أتمكّن من الرد، طارَت ثمرة وردية بحجم خوخةٍ صغيرة نحوي. اضطررتُ إلى إمالة تيسيا جانبًا، كما لو كنتُ أقودها في رقصة، لأتمكّن من التقاطها في الهواء. ثمرةٌ ثانيةٌ طارت نحو ريجس، الذي قفز وأطبق عليها بين فكيه، وابتلعها دون مضغ. ثم ثمرتان أخريان، تحلّقان نحو سيلفي وتشول.
ضحكت سيلفي وهي تلتقط ثمرتها بسلاسة، بينما تشول تفادى ثمرته، فارتطمت بالصخرة خلفه، محدثةً صوت ارتطامٍ رطب، متناثرةً بعصارتها على الأرض.
غرقت قدماي في سجادةٍ كثيفة من الطحالب، وكانت الجدران مغطاةً بالمثل، مكسوّةً بحُلةٍ خضراء من النباتات المتسلّقة.
فيريون قضم ثمرته، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ غامضة.
“عن أغرونا، وخارناس فريترا؟ اللؤلؤة؟”
“الغيوم تتجمّع، وطائر العاصفة يحلّق على رياحٍ مريرة، أليس كذلك، أيها الفتى؟”
يظهر بوضوحٍ في لغة جسد الحاضرين، الذين يزيد عددهم عن المئة. ‘ما الذي يفكّر فيه ثيستيس؟’
“جدي.” قلتُ، والشعور بالحنين يتدفّق داخلي.
لم نفشل في القبض على أغرونا فحسب، بل لقد وجّه ضربته المضادة، ممزقًا الصدع الذي يصل بُعد أفيتوس بالعالم الفيزيائي.
اقترب فيريون، ولمس جبهته بجبهتي، ثم قبّل تيسيا على جانب رأسها، بينما كانت عيناه تستقران على أيدينا المتشابكة.
“سعيدٌ بوجودك هنا، رغم أنني لا أعلم كيف ستتعامل مع ذلك.”
وأشار إلى السقف. رفعتُ نظري إلى القبة السجية، التي كانت تتلألأ وهي تعكس دفء المصابيح الطافية.
“أما نحن—”
في مكانٍ ما وراء ذلك، فوق رمال صحراء دارفيش، سيكون الجرح نفسه الذي كان ظاهرًا في أفيتوس ممتدًا عبر السماء هنا أيضًا.
“إذا كان ما تقوله السيدة سيريس صحيحًا، فإنه يمتدّ وصولًا إلى ألاكرِيا.” قال فيريون، وهزّ رأسه.
ثم فجأةً، صفعني بقوةٍ على عضدي.
قبل أن تتشكّل الكلمة بالكامل، اشتعلت أنوار القاعة الكبرى بضوءٍ أبيضٍ متوهّج، وظهر كيزيس أمام عرشه.
“على أي حال، الجميع يفقد صوابه، وهذا مفهوم. من الجيّد أنك وصلت قبل أن يقوم أحدهم بشيءٍ غبيٍ حقًا.” شعرتُ بالسخرية المتوازية بين كلمات فيريون وكلماتي التي وجهتها للأزوراس في وقتٍ سابق.
“هل لدينا أيّ مقاتلين في حالةٍ جيدة؟ فيلق الوحوش؟ نقابة المغامرين؟”
“إنها البوابة فقط.” قبل أن تستعيد توازنها بالكامل، هوى تشول من البوابة أيضًا. تنهّد بشتيمة، ثم بصق كومةً من الدم، قبل أن يستدير ليحدّق في التمزق الفضائي. “به! ما هذه الخدعة القذرة، بحقّ الجحيم الأسود؟”
“إنه ذاهبٌ لمطاردة أغرونا.”
ومن مظهر الحال، بعضهم لم يغادر أصلًا، بينما عاد آخرون مسرعين بعد ظهور الصدع.
“صمتًا!”
قالت تيسيا، نصف متأففة، نصف فخورة.
“آرثر، رجاءً، اعلم أنك لا تُرسل وحدك.”
“بالطبع هو كذلك.”
“هل يمكننا الوثوق بهذه ‘الهدية’؟” سأل تشول، واقفًا بساقَيه متباعدتَين، وذراعَيه معقودتَين على صدره، يرمق ميرا بعبوس.
ورغم أن رونيتي الجديدة لم تكن نشطة بعد الآن، إلا أنني لا أزال أشعر بالجرح في السماء خارجًا، أشبه بثقلِ عاصفةٍ وشيكة.
قال فيريون، وعيناه تتجهان إلى مسافةٍ غير مرئية، غارقًا في التفكير.
توتّرت للحظة، لكن سرعان ما مالت نحوي، مستسلمةً لها. بقينا على تلك الحال، شبه جامدين، مثل تمثالَين محبوسَين في تعبيرٍ رقيقٍ عن حبٍّ استغرق وقتًا طويلًا ليُكتسب، وكلاهما لا يزال خائفًا من الاستسلام لهيجانه، لكنهما أكثر خوفًا من التراجع، خشية أن يكون ذلك آخر مرة.
“من الأفضل إبلاغ سيريس وأسياد الأقزام فورًا.”
“سأذهب.”
“سأذهب.”
قالت سيلفي، وهي تتراجع بالفعل نحو المدخل الصغير الوحيد للكهف.
“الغيوم تتجمّع، وطائر العاصفة يحلّق على رياحٍ مريرة، أليس كذلك، أيها الفتى؟”
“سأشتري لك ثلاثين دقيقة.” أرسلت إليّ ابتسامةً ذات معنى، ثم استدارت على عقبها وسارت مبتعدة.
من بينهم كانت فيريا من عشيرة إنثريا.
“ريجيس، عليك الذهاب إلى المختبرات العميقة وإحضار ورين كاين وجيدون.”
قلب ريجس عينَيه وبدأ بالركض خلفها.
لكن عندما واصلت ميرا حديثها، عاد انتباه الجميع ليستقرّ عليها.
“إحضارهما؟ كيف أبدو لكِ، مستردًا ذهبيًا؟”
“عن أغرونا، وخارناس فريترا؟ اللؤلؤة؟”
تقدّم فيريون من جانبنا، ونظر إلى تشول.
“جدي.” قلتُ، والشعور بالحنين يتدفّق داخلي.
“صمتًا!”
“إحدى أفراد عشيرتك هنا. سولي، المعالجة. لقد كانت—”
“لكن… أكبر. مع الكثير من غرف الضيوف.”
“آه، سولي؟”
“إنه ذاهبٌ لمطاردة أغرونا.”
انعكست الهالة الذهبية للبوابة على الشفق القرمزي الدموي. كانت حوافها تتآكل وتلتوي، وتجلى على وجه ميرا الشاب تعبيرٌ من التركيز الشديد. “اذهبوا بسرعة. من الصعب جدًا إبقاؤها مفتوحة، مع الوضع الحالي للحاجز بين العوالم.”
قاطع تشول، مستيقظًا فجأةً.
“عليّ أن أجد أغرونا.” قلتُ بهدوء.
فقد تركيزه للحظة، يبحث على الأرجح عن توقيع ماناها، ثم عاد إلى الواقع، وخطى بضع خطواتٍ قبل أن يتوقّف فجأة.
“موطنكم يحتضر.”
“أخي آرثر، أطلب إذنك للذهاب بحثًا عن أختي في العشيرة. أتوق لسماع ما جاء بها إلى خارج الموقد، وكذلك لمعرفة ما يخطط له موردين.”
كتمتُ ابتسامة، ثم بدوتُ جادًا وأنا أنحني له باحترام.
لم يكن قلبه في المزاح. كان قد بدأ بالفعل في التطلّع إلى المكان الذي ظهرنا فيه.
كنتُ قد استوعبتُ بالفعل كل تفاصيل اللحظة، مسجّلًا كل جانبٍ من ملامحها، ونبرتها، وكل مؤشرٍ على الصدق أو الخداع، مما تعلمته في أيٍّ من حياتي.
“بالطبع، تشول. أودّ أن أعرف كيف يمكن لموردين أن يساعدنا أيضًا.”
وما إن نطقت، حتى مزّقت البوابة نفسها إلى أشلاء، ثم تلاشت تمامًا.
قبل أن تتشكّل الكلمة بالكامل، اشتعلت أنوار القاعة الكبرى بضوءٍ أبيضٍ متوهّج، وظهر كيزيس أمام عرشه.
ردّ انحنائي بجديّةٍ مبالغٍ بها، ثم انطلق، خطواته الثقيلة مسموعة حتى بدأ بالنزول عبر السلالم المتعرجة المؤدية إلى لودنهولد، القصر القزمي.
ما زلتُ ممسكًا بيد تيسيا، فبدأتُ بالسير نحو صفّ الأشجار.
لكن تعويذتها المتنامية تلاشت في لحظة، وحلّت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، سرعان ما تكسّرت وتلاشت، بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
“هذه قد نمت كثيرًا منذ آخر مرة كنتُ هنا.”
إنها تقلل من أهمية فقدان ابنتها، لكن ميرا شعرت بتلك الخسارة بعمق. لا تزال تشعر بها. ترددت هذه الفكرة في رأسي، محمولةً عبر مسارات وعيي المتشابكة، المعزّزة برونية الحاكم.
“أوه، لا تكلّف نفسك.”
“كان الأمر سيصل إلى هذه النقطة دائمًا، لكنني أحتاج إليكما هنا.”
قال فيريون، متذمرًا.
لقد أرسلتنا ميرا مباشرةً إلى فيلدوريال، وإلى…
“كلانا يعلم أنك لست هنا للحديث مع رجلٍ عجوزٍ عن بستانه.”
استدار ليبتعد، متجّهًا نحو بيت الشجرة الذي يقبع بين فروع الشجرة المركزية الضخمة.
وما إن نطقت، حتى مزّقت البوابة نفسها إلى أشلاء، ثم تلاشت تمامًا.
وفوق كتفه، قال، “لكن عندما تنتهي من التودّد لحفيدتي، آمل أن تتمكّن من تخصيص عشر دقائقٍ لمعلمك العجوز، قبل أن تهرع مجددًا لإنقاذ العالم.”
ورغم أن رونيتي الجديدة لم تكن نشطة بعد الآن، إلا أنني لا أزال أشعر بالجرح في السماء خارجًا، أشبه بثقلِ عاصفةٍ وشيكة.
“جدي!” صاحت تيسيا، مصدومة.
هذه كانت مناورةً محسوبة من كيزيس.
ابتسمتُ رغم نفسي، وللحظةٍ واحدة، خفّ الحمل الثقيل لكلّ ما ينتظرني في الخارج. “لا تكافئيه بإظهار صدمتك، فقط سيزداد سوءًا.”
إنها تقلل من أهمية فقدان ابنتها، لكن ميرا شعرت بتلك الخسارة بعمق. لا تزال تشعر بها. ترددت هذه الفكرة في رأسي، محمولةً عبر مسارات وعيي المتشابكة، المعزّزة برونية الحاكم.
هزّت رأسها بشعرها الفولاذي، وأطلقت تنهيدةً مُتعَبة. “هذا صحيح. لقد كان يضايقني بشأنك منذ أن كنتُ… ماذا؟ في الخامسة فقط؟” تلاشت البهجة من وجهها، واكتسى ملامحها الحزن. “يا للعجب، يبدو ذلك وكأنه كان منذ حيواتٍ عدّة.”
ضحكت سيلفي وهي تلتقط ثمرتها بسلاسة، بينما تشول تفادى ثمرته، فارتطمت بالصخرة خلفه، محدثةً صوت ارتطامٍ رطب، متناثرةً بعصارتها على الأرض.
انعكست الهالة الذهبية للبوابة على الشفق القرمزي الدموي. كانت حوافها تتآكل وتلتوي، وتجلى على وجه ميرا الشاب تعبيرٌ من التركيز الشديد. “اذهبوا بسرعة. من الصعب جدًا إبقاؤها مفتوحة، مع الوضع الحالي للحاجز بين العوالم.”
توقفتُ، وجذبتُ يدها بحيث استدارت لتواجهني. أمسكتُ جانبي وجهها بين يدي، وجذبتُها إلى قبلة.
“هذه قد نمت كثيرًا منذ آخر مرة كنتُ هنا.”
توتّرت للحظة، لكن سرعان ما مالت نحوي، مستسلمةً لها. بقينا على تلك الحال، شبه جامدين، مثل تمثالَين محبوسَين في تعبيرٍ رقيقٍ عن حبٍّ استغرق وقتًا طويلًا ليُكتسب، وكلاهما لا يزال خائفًا من الاستسلام لهيجانه، لكنهما أكثر خوفًا من التراجع، خشية أن يكون ذلك آخر مرة.
وفوق كتفه، قال، “لكن عندما تنتهي من التودّد لحفيدتي، آمل أن تتمكّن من تخصيص عشر دقائقٍ لمعلمك العجوز، قبل أن تهرع مجددًا لإنقاذ العالم.”
لكن، في النهاية، انكسر ذلك التجمّد البطيء.
خطت تيسيا خطوةً إلى الأمام، ولفّت ذراعيها حول أسفل ظهري، مستندةً برأسها على كتفي.
تساقطت ورقةٌ من إحدى الأشجار الصغيرة المتناثرة حولنا، لم يتجاوز ارتفاعها اثني عشر قدمًا، وراحت تتمايل في الهواء حتى استقرّت بين خصلات شعرها.
حدّقتُ إليها، بدت لي أشبه بالقلادة التي منحتُها لها في الليلة التي قطعنا فيها عهدنا فوق الجدار.
ألقى عليّ ابتسامةً سريعة، لكنه سرعان ما أعاد نظره إلى نيسيا أفينيس، ابنة نوفيس.
“ماذا سيحدث لاحقًا؟” سألت، مشدّدةً ذراعيها حولي كما لو أنها تخشى أن تُفزعني كلماتها بعيدًا.
لم أكن قد غادرتها سوى لحظات، ومع ذلك، كان المشهد في كلا العالمين قد تغيّر بالكامل خلال ساعةٍ واحدة.
كلماتها اخترقت داخلي، أمسكت بشيءٍ باردٍ، حبيسٍ بداخلي… ثم حطمته. ذلك الجدار من الريبة الذي بنيته منذ أن اكتشفت الحقيقة وراء إبادة الجنّ.
كان هناك شيءٌ بالغ الحميمية في إحساس يديها وهي تستقرّ على عمودي الفقري، حيث كانت الرونيات راقدةً في سباتٍ تحت جلدي.
‘هذا ليس النوع من “المتعة” الذي نحتاجه الآن.’ ذكّرته سيلفي، والتوتّر الذي كان يموج عبر رابطنا بدا ملموسًا في القاعة،
أدركتُ أنني لا أزال أحتفظ بحاجزٍ بيننا—طبقةً حرفية من الأثير المتصلّب، درعًا لم أخلعه أبدًا.
“موطنكم يحتضر.”
ببعض الجهد، تراجعتُ عنه، مُطلقًا الأثير ليُعاد امتصاصه في جوهري.
أمسكتُ بمعصمها، وخفّضتُ ذراعها عن وجهي برفق. “سنرى، أليس كذلك؟” لكنني سمحتُ لنفسي بأن أبتسم لها ابتسامةً صغيرة. “من أجل سيلفيا.”
تحرّكت تيسيا قليلًا عندما ذاب الحاجز بيننا، مُدركةً زواله دون أن تعرف بالضبط ما الذي تغيّر.
“—نقف هنا بينما يجدر بنا أن نستعدّ من أجل—”
دفنتُ وجهي في شعرها الفولاذي، وقبّلتُ قمة رأسها. “كنتُ أفكر ربما يمكننا إعادة بناء منزل والديّ القديم في آشبر.”
مرّرتُ أصابعي بلطفٍ على بشرتها الناعمة عند جانبها، والتي انكشف جزءٌ منها عندما ارتفع قميصها قليلًا بفعل اقترابها مني.
“يا أهل أفيتوس المجتمعين، لا حاجة لأن أشرح سبب انعقاد هذا الاجتماع.”
“لكن… أكبر. مع الكثير من غرف الضيوف.”
قهقهت تيسيا، وهي تدفن رأسها في صدري. “يبدو ذلك جميلًا. أحب فكرة وجود الكثير من الضيوف. لكن… أنت تعلم أن هذا ليس ما قصدتُه.”
“إنه ذاهبٌ لمطاردة أغرونا.”
“عليّ أن أجد أغرونا.” قلتُ بهدوء.
“أعلم.” قلتُها داخل شعرها. “لكن… لنتحدث عن أي شيء سوى أغرونا، وأفيتوس، والأزوراس، الآن.”
أغمضتُ عينَيّ بإحكام.
بمزاح، رفعتُها بين ذراعيّ، وأدرتُها في الهواء، ثم أوقعتُنا معًا على فراشٍ من الطحالب الكثيفة.
لكن، في النهاية، انكسر ذلك التجمّد البطيء.
صرخت بمرح، ثم صفعتني بلطف، قبل أن تمسك بمؤخرة عنقي، وتسحبني إلى قبلةٍ أخرى، شفتيها تتحركان بتجربةٍ خجولةٍ فوق شفتيّ.
سارعت بمسح القاعة بنظرةٍ متفحصة، وعندما التقت أعيننا، عضّت شفتها في عبوس، ثم أومأت سريعًا قبل أن تجرفها الحشود القادمة.
“جدي.” قلتُ، والشعور بالحنين يتدفّق داخلي.
وهناك، لفترةٍ وجيزة، تركنا أنفسنا ببساطةٍ نوجد في حضن بعضنا.
————————
“أخي آرثر، أطلب إذنك للذهاب بحثًا عن أختي في العشيرة. أتوق لسماع ما جاء بها إلى خارج الموقد، وكذلك لمعرفة ما يخطط له موردين.”
أغلقتُ عقلي عن الجرح الذي يشقّ السماء، عن المعركة القادمة، عن المهمة المستحيلة لإنقاذ الأزوراس وموطنهم.
“آه، سولي؟”
معًا، لدقائق معدودة، كنّا فقط… نحن.
“لديّ شيءٌ لك.”
————————
شحبت شفتا ميرا بينما كانت تضغطهما معًا. ومن نظرات عينيها التي راحت تتنقل بين عينَي، ومن تصلّب وقفتها، ومن تقوّس حاجبيها، كنتُ أعلم أنني لمستُ وترًا حساسًا.
لن أقرأ تعليقات الاستهجان في هذا الفصل.. أراكم الأسبوع القادم. لكني أرى أن الكاتب سيطبل لتيسيا قريبًا في هذه الحرب القادمة، لنرى.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
صرخت بمرح، ثم صفعتني بلطف، قبل أن تمسك بمؤخرة عنقي، وتسحبني إلى قبلةٍ أخرى، شفتيها تتحركان بتجربةٍ خجولةٍ فوق شفتيّ.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
سيلفي، ريجس، وتشول انضمّوا إلينا، يسيرون بخطى متناسقة. ريجس أصبح غير مادي، واندمج في داخلي. أمي وإيلي وقفتا في الخلف، وأمي متشبثةٌ بذراع أختي. التقت عيناي بعيني إيلي، واتسعت نظرتي قليلًا، كما لو كنتُ أقول لها كل ما يلزم دون الحاجة إلى النطق.
“آرثر، رجاءً، اعلم أنك لا تُرسل وحدك.”
