Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 5

5 - عملية استعادة قاعة المدينة.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

5 - عملية استعادة قاعة المدينة.

“أيها العجوز فيل! احملها! لا أستطيع وقف النزيف هنا!”

 

رأى ,يلهيلم تغير ملامح وجهه، ففعل ما أُمر به وحمل جسد ميمي الملطخ بالدماء. هرع الاثنان خارج غرفة المؤتمرات بخطوات متعجلة، متجهين إلى المستشفى الميداني في قبو البناية.

 

 

بتحمل جزء من جروح أختهم، واجه الأخوان الصغيران نفس الخطر المميت. شجاعتهما جعلت أنياب ريكاردو ترتجف. في محاولة لتهدئته، وضع فيريس يده على كتفه وطمأنه.

نظرًا لعدم فعالية السحر العلاجي، لم يكن أمامهم خيار سوى الاعتماد على العلاجات الطبية العادية. ولحسن الحظ، كان فيريس بارعًا ليس فقط في السحر العلاجي، بل أيضًا في تقنيات الجراحة.

“واهااااه!!”

لو لم يكن الأمر كذلك، لكان من المرجح أن اليأس هو كل ما تبقى لهم.

 

 

بالنظر إلى السرير والبطانية، كان من المؤكد أن أحدهم ظل يعتني بها. ذكّرت نفسها بضرورة شكر هذا الشخص، ومعرفة ما حدث منذ أن فقدت وعيها، والتأكد مما جرى لسوبارو و —

“هل وصل يأسي إلى أي منكم ولو قليلًا؟ حقًا، بالنسبة لكائنات أدنى من الحشرات عالقة داخل صندوق، ما أبطأكم في الاستيعاب! أنا أعشقه! بوا-ها-ها-ها!!”

“أنا أيضًا أؤيدكما. إذا تركنا العدو يتصرف بحرية، ستتضاءل خياراتنا تدريجيًا. إذا كنا سنتحرك، فكلما كان ذلك أسرع أصبح أفضل.”

حتى في ظل جهود البعض البطولية لإنقاذ حياة، واصلت الشهوة بث تهديداتها الشريرة.

كان ذلك بفضل الأسلحة المخفية المعروفة باسم “مخالب النمر” التي كان ألفارد قد ثبتها على أطراف أصابع يديه.

 

 

في الحقيقة، لم يعد هذا بثًا يهدف إلى تخويف المستمعين. لقد أصبح مجرد وسيلة للسخرية والازدراء، والبصق على الجهود الشجاعة للآخرين. كان طقسًا ساديًا.

“…”

 

 

“…”

“دعوني أُعيد تقديم نفسي! أنا رئيسة أساقفة خطيئة الشهوة بطائفة الساحرة!!”

تحت هذا السيل من الكراهية، نظر سوبارو إلى غارفيل، الذي كان مستلقيًا على الحائط. يغطي وجهه بكلتا يديه ورأسه منكّس، وجسده مليء بالجروح. لم تكن من النوع الذي يمكن تجاهلها بالتأكيد.

 

 

“— هاهاها. توقفوا مكانكم، سيداتي وسادتي.”

لكن الجرح الأشد خطورة لم يكن في جسده، بل في قلبه.

“من المؤسف أن حدثًا مهمًا كهذا يحدث في ممر كئيب كهذا. ومع ذلك، بالتأكيد ستتذكرينه كذكرى خاصة تجمعنا. الناس مليؤون بالكثير من لحظات السعادة اليومية البسيطة. أعتقد أن ذلك سيكون صحيحًا بشكل خاص في وقتي معك. أليس كذلك، إيميليا؟”

 

أظهرت هجمات الرياح الخاصة بكروش قوتها الحقيقية ليس في المعارك طويلة المدى، بل عن قرب. في مساحة مغلقة لا يمكن الفرار منها، ظلت الشفرات غير المرئية تمزق جلد التنين الأسود بلا رحمة.

“أنتم أوغاد أدنى من الحشرات! والآن بعد أن آلمتموني بعمق، أرغب حقًا في الانتقام لهذا الألم في قلبي! سيتحقق ارتياح قلبي بما قلتُه سابقًا! أتوقع أشياء عظيمة من أكياس اللحم الأذكى بينكم!”

كانت التقنية المذهلة كافية لإجبار غارفيل على إطلاق صرخة ألم، بينما أطلق ويلهيلم أنينًا خافتًا.

ضاعفت الشهوة من خبثها في ذلك الوقت أيضًا. ركز سوبارو على صوتها، يبحث عن طريقة لتوجيه ضربة انتقامية واحدة على الأقل ضد هذا الشرير الذي استمر في الثرثرة دون اكتراث لمن أُجبروا على الاستماع إليها.

 

 

“لا! لقد تمكنا من الدفاع! لم أصب هدفًا!”

معلومات، نقاط ضعف، أدلة عن العدو، أي شيء قد ينفع — بهذه العقلية، لاحظ سوبارو صوتًا معينًا.

“بالطبع يؤلم! لقد قلت لك أنه يجب أن ترتاح، فلماذا تستمر في التصرف بتهور؟! ألديك مشكلة مع تشخيص فيري؟ لأنه ليس من الغريب أن تخسر على ساقك!”

بالإضافة إلى صوت الشهوة الحاد والمزعج، كان هناك صوت آخر…

“هناك من تورط في وفاتها، وفي تدنيس روحها. أقسم على سيفي والأيام التي قضيتها معها — سوف يدفعون الثمن.”

 

“هل هذه الفرس التي تحملها مهمة لك لهذه الدرجة؟! إذن من الأفضل أن تحتضنها جيدًا في حياتك القادمة، ألا تفلتها أبدًا! ذلك الجسد المثير للفتنة! تلك العيون التي تستجدي الشفقة! تلك الشفاه التي تهمس بالكلام العذب! ذلك اللحم الذي يثير الإحساس! لا يمكنك الحصول على ما يكفي، أليس كذلك؟! هذا هو السبب في أنك تبذل كل هذا الجهد، أليس كذلك؟!”

مصدره كان على الأرجح بجانب أداة البث السحرية، يختلط دون قصد مع صوتها ويصل إلى آذان سوبارو عبر البث.

 

ثم رفض عقل سوبارو بحدسه هوية ذلك الصوت.

 

 

“…”

لا تنتبه. توقف. لا تحتاج إلى معرفة ذلك — لا تستسلم لجبنك.

 

 

 

“!”

 

عض سوبارو بشدة على شفته، مستخدمًا الألم لاستعادة وعيه. ضغط على أسنانه وهو يفحص طبيعة ما رفضه للتو.

 

 

 

تركيز، رفض، فهم، رفض، فهم، فهم، فهم—

“مع ذلك، أنا متأكد أن هناك حدودًا لما يمكنك فعله بساقك هذه.”

 

 

كان هذا ما يطن في أذني سوبارو.

ظلت أنياب الأفعى، وفك الأسد، وذيل التنين، والأذرع الوحشية الضخمة، والريش الطائر المسخ يمزقون الغرفة إلى أشلاء.

 

“ا – التلاعب بنا بهذا الشكل…”

كان صوت طنين كمية غير معقولة من الحشرات مختلطًا مع بث التهديد. بدا مثيرًا للقلق بشدة، تجسيدًا لكابوس أثار اشمئزازًا غريزيًا، وفي اللحظة التي أدرك فيها سوبارو ذلك، كان —

 

 

بينما يعيد ارتداء سترته، تمتم ويلهيلم بهدوء. لم يتمكن سوبارو من إيجاد كلمات يقولها له. ومع ذلك، ما انعكس في عيني ويلهيلم لم يكن الأمل ولا الراحة، بل الغضب.

“على أي حال، ألا تعتقدون أن الوقت قد حان ليلاحظ أكياس اللحم الأذكى بينكم شيئًا كان من الأفضل لكم أن تتجاهلوه؟”

“— إذن، هذا هو الميتيا؟”

 

 

“— آه.”

“ـــــ هاه. بطريقة ما، استطعت انهاء العلاج.”

كانت تشير إلى حقيقة أنها خططت لجعلهم يسمعون كل هذا طوال الوقت، بتوقيت مخيف.

بابتسامة خفيفة، أظهرت أناستاشيا تفهمها لقرار مرؤوسيها — عائلتها.

 

 

“بوا-ها-ها-ها! كان عليكم فقط أن تُسحروا بجمال صوتي، لكن الآن تدفعون الثمن لأنكم اضطررتم لفعل شيء عديم الجدوى. بالمناسبة، الأوغاد الحمقى الذين حاولوا اقتحام المكان يجب أن يكونوا في حالة سيئة الآن.”

 

 

 

تجمد سوبارو. لقد كشفت بشكل أساسي أنهم لا يزالون يرقصون في قبضتها. اللعب بعقولهم بهذا الشكل لم يكن كافيًا لإشباع جشع الشهوة للخبث.

“…”

صفقت بشفتيها بطريقة جعلت الجميع يسمع ذلك.

ثم انتهت لحظة الشهوة المقلقة من الهدوء بسهولة وسرعة لدرجة أن سوبارو أمكنه أن يقسم أن التغيير كان مسموعًا.

 

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

“لقد جُرحت بعمق لدرجة أنكم رفضتم اليد التي مددتُها! لهذا السبب قررت أنه حان الوقت للتوقف عن التظاهر والبدء بتشديد الأمور قليلاً هنا. وبالنسبة لكل أكياس اللحم الذين تحمسوا عندما ذكرتُ التشديد الآن، سأعلمكم معنى الجدية الحقيقي! بوا-ها-ها-ها! بوا-ها-ها! بوا-ها-ها-ها-ها! …هاااه.”

“ما هذا بحق الجحيم؟!”

 

يبدو أنه لم يكن لدى أي منهما أي اعتراضات. بالإضافة إلى ذلك، كانت كروش تبتسم برقة أيضًا.

ضحكتها فقدت قوتها تدريجيًا، وفي النهاية، لم يخرج سوى تنهيدة مملة. ذلك الانحدار الحاد في العاطفة جعل الأمر يبدو وكأنها قررت التخلي عن الجميع وهي تتابع.

“ريكاردو…”

“— سأبدأ بتحويل أكياس اللحم عند قدمي إلى لحم مفروم.”

“التراخي في هذه المرحلة يجعل كل جهودك السابقة بلا جدوى!”

“!”

“لم أعتقد… أن دوري هو…”

“إذا كنتم تريدون تجنب ذلك، لديّ مطلب واحد فقط. إذا كنتم ستستسلمون، فانتهوا من الأمر بالفعل وانحنوا برؤوسكم لأقصى حد ممكن. هذا هو التصرف الذكي، أليس كذلك؟”

 

 

 

بهدوء، دون أي من الحماس الذي أظهرته منذ لحظات، فرضت الشهوة مطلبها على المدينة.

صفرت الضربات المتلاحقة في الهواء وجرّت على الأرض بينما تتداخل مساراتها، تصدّ كل هجوم وتعيد توجيهه وتهزمه.

ذلك التحول المفاجئ والتهديد الذي وعد بالعنف جعل سوبارو يلهث بحثًا عن الهواء.

 

 

تركيز، رفض، فهم، رفض، فهم، فهم، فهم—

ثم انتهت لحظة الشهوة المقلقة من الهدوء بسهولة وسرعة لدرجة أن سوبارو أمكنه أن يقسم أن التغيير كان مسموعًا.

 

 

 

“حسنًا، هذا كل شيء مني! …وقلت هذا بالفعل، لكن ها هي تذكرة ودية أن معسكرنا في أبراج التحكم، لذا لا تحاولوا أي شيء مضحك. رؤية وجه إنسان يغرق بشعة للغاية، لدرجة أنني بالكاد أتحمل رؤيتها مرة أخرى! بوا-ها-ها-ها!”

بالنسبة لسوبارو، ظلت إصابة ساقه، وهروبه المتعثر مع بياتريس، وقبل كل شيء، عدم معرفته إذا ما كانت إيميليا بخير أم لا، تلتهم روحه. أضف إلى ذلك الشعور المزعج بوجود الشراهة، مما جعل ذهنه على حافة الانهيار.

 

“لو كنت في مكانك، لشككت في قدرتي على البقاء هادئًا كما تفعل. في هذا الجانب، جهودك أكثر من كافية. يجب أن تفخر بذلك.”

مع ضحكة صاخبة أخيرة، انتهى البث الخبيث أخيرًا.

 

 

بينما ناداه شقيقه الأصغر العزيز، حدق سوبارو في كابيلا، التي ظلت تحلق في الأعلى، دون أن ينطق بكلمة. عند ملاحظتها لنظراته، ضاقت عيون التنين الأحمر، وكأنها وجدت الأمر غير سار.

لقد كان بيانًا أحادي الجانب من النوايا الشريرة، والذي اختفى فجأة كما بدأ. طريقتها في الحديث بدت تمامًا مثل ما يمكن توقعه من أحد رؤساء الخطايا السبع الكبرى — تجسيدًا جديدًا للقبح.

 

 

 

“ا – التلاعب بنا بهذا الشكل…”

 

 

 

في اللحظة التي انتهى فيها البث، لم يعد سوبارو يسمع الطنين الذي كان يضغط على قلبه. ارتخى جسده فورًا، وبمجرد أن حدث ذلك، كانت أولى الكلمات التي خرجت من فمه اللاهث مجرد تذمر.

“وأيضًا، أنتم فوضويون جدًا، ومن المؤلم أن أراكم! الأشخاص المهمون مثلكم يجب أن ينتظروا وقتهم ويظهروا واحدًا تلو الآخر! من بحق الجحيم يظهر فجأة دون أي اعتبار للإيقاع؟ من تظنون أنفسكم، تدوسون على حياة الناس اليومية بمظهركم هذا؟ هل تحاولون التظاهر بأنكم آلهة؟!”

 

بضحكة عالية، أعلنت كابيلا من جانب واحد أن وقت الحديث قد انتهى ثم استدارت في الحال. بعد ذلك، اختفت فجأة جثة التنين الأسود الضخمة داخل السقف. بدا أن الشهوة جادة في مغادرة ساحة المعركة.

بالطبع، التحدث بشكل سلبي عن شخص لا يستطيع سماع ذلك لم يكن أكثر من أنين كلب مهزوم من بعيد. قبض سوبارو يده في إحباط بسبب عجزه التام عن قول أي رد يصل إلى عدوه.

 

 

 

“— سوبارو، هل تسمعني؟”

 

 

 

فجأة، سمع سوبارو صوتًا ينادي باسمه قادمًا من الطاولة المستديرة. عندما نظر إلى هناك، رأى أن مرآة التواصل، التي تم التخلي عنها على عجل، لم تفقد توهجها وظلت تعرض وجه فارس مكتئب على سطحها.

 

 

 

“نعم، أسمعك. سمعتَ البث للتو، أليس كذلك؟”

 

“بالطبع. رغم كرهي للاعتراف بذلك، فإن هذا الصوت وصل بالتأكيد إلى كل ركن من أركان المدينة. يجب أن نضع حالة ميمي في الاعتبار أيضًا. سأعود أنا وتي بي إليك. سنتحدث مجددًا بمجرد وصولنا.”

لذا كانت خطته أن يخلق فجوة يتمكن خلالها من إنقاذ كروش ومن ثم —

“نعم…”

دون رفاهية التفكير الحر، لم يكن لدى سوبارو سوى أمنية واحدة — موت الوحش الواقف أمامه.

 

بالنسبة لغارفيل وريكاردو، كان الخصوم الذين ينتظرونهم في الساحة أهدافًا للانتقام. أما بالنسبة لويلهيلم… فقد كان هناك شيء ما في هذه المواجهة القادمة ذو أهمية خاصة بالنسبة له، وكان على سوبارو أن يعرفه.

بعد أن أنهى تلك المحادثة القصيرة مع يوليوس، أغلق سوبارو عينيه مرة واحدة قبل أن يتوجه نحو نافذة غرفة المؤتمرات.

 

 

رمشت الفتاة عدة مرات، دون أن تستجيب على الفور. ثم ببطء، بدا وكأنها تلهث بحثًا عن الهواء بينما حركت شفتيها عدة مرات.

“…يمكننا التحدث قريبًا.”

 

 

“بالطريقة التي قلتها للتو، يبدو وكأنك لديك خبرة في قتال التنانين.”

بدا العلم ذو العين الحمراء الذي يرفرف فوق برج التحكم في المسافة وكأنه يسخر من مدينة بوابة المياه.

عندما اراحت كابيلا جناحيها، كان كلا الجناحين ما يزالان مشتعلين بالنيران بسبب ملامسة الشفق، مع بروز العظام من الأغشية المصهورة في بعض الأماكن. ولم تنتهِ الأضرار هنا؛ إذ ظلت أعضاؤها الداخلية تغلي من الحرارة العميقة في بطنها المتفحم، والنصف الأيمن من رأس التنين قد طار بعيدًا، تاركًا لسانها السخيف في حالة ممزقة وأحد عينيها متدلية.

**

كل واحد منهم كان ملعونًا، لا أمل في إنقاذه، ومجنونًا تمامًا.

بعد وقت قصير، عاد يوليوس والآخرون الذين خرجوا إلى الملجأ المخصص.

“…في مثل هذا الوضع، حيث الأبرياء معرضون للأذى، من غير المعقول أن يظل راينهارد بلا حراك. حقيقة أنه لم يكشف عن نفسه حتى الآن تشير إلى وجود مشكلة كبيرة تواجهه. ربما يكون منشغلاً بمواجهة طائفة الساحرة في مكان آخر.”

 

“بعد زيارة عدة ملاجئ، أستطيع أن أقول بثقة أن سكان المدينة صمدوا بشكل جيد. ومع ذلك، لن ينتهي عدد الأشخاص الذين يعتبرون أن الوضع الحالي ميؤوس منه. دون أن يفهموا العواقب التي سيترتب عليها ذلك، قد يطالب البعض حتى بتسليم عظام الساحرة.”

“أختي الكبيرة، تماسكي…!”

 

 

“أستخدم اسمها؟ عما تتحدث…؟”

“اصمدي، أختي الكبيرة…”

“أحيانًا، أعجب بتهورك من أعماق قلبي.”

 

 

بقلق على شقيقتهم فاقدة الوعي، استمر هيتارو وتي بي في مناداتها. شعر كلا الشقيقين بجراح ميمي بسبب البركة المشتركة بينهما، ما نقش على وجهيهما ألمًا وحزنًا متساويين.

 

 

ومع صرخة يأس، بحث سوبارو عن أي بصيص أمل للنصر وسط عاصفة الدمار العارمة. حتى لو حاول الهروب، كانت كابيلا تسد مدخل الغرفة. ظل شكلها يتغير باستمرار، يتضخم وينكمش ويتحول بين امرأة وفتاة وصبي وعجوز، لتخلق مظهرًا شاذًا وقبيحًا بالكاد يبدو حقيقيًا.

“كل ثانية لها قيمتها! اضغطوا على الجرح لوقف النزيف… آااه! هذه الطريقة قديمة جدًا…!”

 

 

“هل يمكنك إرسال الأرواح لإلقاء نظرة داخل المبنى أيضًا؟ إذا استطعنا معرفة مكان العدو وكيف تمركزوا، فسيكون الأمر أسهل بكثير.”

بدا فيريس متوترًا للغاية لدرجة أن أحدًا لم يتمكن من مقاطعته. جميع الحاضرين فهموا الموقف الخطير. لم يمكن الوثوق بحياة ميمي الجريحة إلا بين يديه.

 

 

 

“السيد سوبارو.”

في الواقع، كان سوبارو قد مر بجولة سابقة رأى فيها راينهارد يشتبك مع طائفة الساحرة. لكن هذه المرة، لم يظهر الرجل منذ بدء هجوم الطائفة بشكل جدي.

 

 

حينها نادى ,يلهيلم سوبارو بنبرة صارمة.

تحطمت أفكار سوبارو السوداوية عندما رفعت كروش نظرها من بين ذراعيه ونادته. من قرب شديد، استطاع رؤية إصرار قوي للغاية وندم طفيف جدًا.

 

 

شعر سوبارو بالقلق الواضح في صوت الرجل المكبوت ورأى التجاعيد العميقة التي تملأ بينه، فأومأ برأسه. كان لديه فكرة جيدة عما يزعج كبير الخدم المسن.

 

 

 

“جرح ميمي لا ينغلق. ربما يكون…”

 

 

 

“…بالتأكيد بسبب بركة اله الارواح.”

 

 

في اللحظة التي أعلن فيها الصبي نفسه بوضوح على أنه يمثل الشراهة، أطلق سوبارو أقوى وأسرع ضربة بالسوط في حياته.

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

“!!”

 

“هي، هي، هي، هي، هل أنت متأكد من أنك تريد الهرب؟ أيها الصديق، لديك ضغينة ضدنا، أليس كذلك؟ الأعداء القدريون دائمًا ما يكونون، أعني، ألذ مذاقًا. قمة المتعة العميقة؟ أن تأكل، تنهش، تأكل، تلعق، تقضم، تأكل، تعض، تمزق، تسحق، تلتهم! اشرب!! دعني أفعل كل ذلك، حسنًا؟!”

كانت بركة حاصد الأرواح قوة مرعبة تؤثر على أي جرح تسبب به صاحب البركة بلعنة تمنع الجرح من الالتئام. وبناءً على ما رأوه، لم يكن هناك شك كبير في أن هذا هو السبب وراء عدم فعالية السحر العلاجي على إصابة ميمي.

 

 

 

وبالإضافة إلى ذلك، وفقًا لما سمعه سوبارو، لم يكن هناك سوى شخص واحد يعرف أنه يملك مثل هذه البركة.

 

 

 

تيريشيا فان أستريا، الجيل السابق من قديس السيف — زوجة ويلهيلم الراحلة.

بدا الوحش أمامه بعيونٍ سوداء قاتمة، عيونٍ لا ترى شيئًا، عيونٍ مليئة بظلام بلا قاع.

 

“— هاه؟”

“أنا خائف من السؤال… ولكن، ويلهيلم، ذراعك…؟”

“لا تظن أنك تستطيع استخدام كلمات جميلة وتغفل عن الباقي! كل هذا الهراء عن الداخل، بلا بلا، الشخصية، بلا بلا، توافق الطباع، بلا بلا — كلها مجرد ضوضاء! المظهر الخارجي، شكل الوجه — الشيء الوحيد الذي يجذب لحمًا إلى لحم آخر هو التحفيز البصري! إذا كان الحب حقًا ما يربط بين شخصين، فلماذا لا تحاول تزيين الأمور بتلك الكلمات البراقة، تنظر بتلك العيون البراقة، وتتحدث عن مستقبلك البراق بعد أن يتم تحويل محبوبتك إلى ذبابة؟! هل يمكنك أن تحبها؟ بالطبع لا تستطيع! إنها تُنفرك، أليس كذلك؟! إنه أمر مزعج، أليس كذلك؟! لا يمكنك إلا أن تشعر بالاشمئزاز، صحيح؟! أنت من قلت ذلك لي بصوت واضح ومسموع!!”

 

قال سوبارو ذلك وهو يلقي نظرة نحو كروش. هزت كروش رأسها يمينًا ويسارًا ردًا عليه.

“…”

 

 

في تلك اللحظة، تمتم يوليوس باقتراح بديل مع ظهور تجعيد خفيف في جبينه. بعد أن عاد مع تي بي وانضم إلى الاجتماع المجدد، مشَّط شعره إلى الجانب عندما لاحظ أن الأنظار تتركز عليه.

عندما سأل سوبارو، خلع ويلهيلم سترته دون أن ينطق بكلمة. كان الجرح القديم على كتفه الأيسر مخفيًا تحت الضمادات — الجرح الذي تركته زوجته عليه ولم يلتئم أبدًا.

“…”

 

 

بدت الضمادات التي تغطي الجرح الذي نُقِشَ عليه بسبب بركة حاصد الأرواح مبللة قليلاً ومُلطخة باللون الأحمر.

“حسنًا، أعتقد أن الوقت قد حان لأرى أي نوع من الكتل القبيحة يمكنني تحويلك إليه، أليس كذلك؟”

 

— إذا كان هذا هو الحال، فإن الحادثة المتعلقة بالتنين الأسود الذي أُطيح به خارج قاعة المدينة عبر النافذة لم تكن منطقية.

“إذا كان ذلك لا يزال ينزف، إذًا…”

 

 

 

“جُرحي القديم قد انفتح مجددًا. يبدو أنه لا يمكنني التظاهر بعدم التورط.”

المرشح الأول والأكثر احتمالًا كان بالتأكيد سوبارو. إذا كان هناك شخص سيأتي لإنقاذها، فقد أملت من أعماق قلبها أن يكون هو.

 

حاول ألفارد الالتفاف بسرعة لتجنب وميض السيف المتلألئ. ومع ذلك، تعقبت ضربة سيف “الأفضل” الهدف مباشرة، واستخرجت دماء جديدة من ألفارد الذي تدحرج على الأرض.

بينما يعيد ارتداء سترته، تمتم ويلهيلم بهدوء. لم يتمكن سوبارو من إيجاد كلمات يقولها له. ومع ذلك، ما انعكس في عيني ويلهيلم لم يكن الأمل ولا الراحة، بل الغضب.

 

 

في اللحظة التي أعلن فيها الصبي نفسه بوضوح على أنه يمثل الشراهة، أطلق سوبارو أقوى وأسرع ضربة بالسوط في حياته.

حتى مع اكتشافه لاحتمالية أن زوجته، التي كان يظن أنه فقدها منذ زمن بعيد، قد تكون لا تزال على قيد الحياة —

 

 

 

“— زوجتي توفيت قبل خمس عشرة سنة. هذه الحقيقة لم تتغير.”

أعادت الصرخة الحادة والموجة الصادمة الناتجة عن تصادم عنيف بين السيف والمخلب سوبارو إلى وعيه.

 

“حسنًا، أعتقد أن الوقت قد حان لأرى أي نوع من الكتل القبيحة يمكنني تحويلك إليه، أليس كذلك؟”

بينما يكبت المشاعر المضطربة التي يشعر بها، رفض ويلهيلم بوضوح ما كان سوبارو يفكر فيه وهو يثبت نظره عليه مباشرة. في تلك اللحظة، شعر سوبارو بجزء بسيط من رغبة ويلهيلم الملتهبة في القتال.

 

 

بالطبع، التحدث بشكل سلبي عن شخص لا يستطيع سماع ذلك لم يكن أكثر من أنين كلب مهزوم من بعيد. قبض سوبارو يده في إحباط بسبب عجزه التام عن قول أي رد يصل إلى عدوه.

“هناك من تورط في وفاتها، وفي تدنيس روحها. أقسم على سيفي والأيام التي قضيتها معها — سوف يدفعون الثمن.”

 

 

كان من المؤكد أنهما غريبان عن بعضهما، ومع ذلك، فإن الطريقة التي اقترب بها منها لمسافة خطوة واحدة جعلتها تشعر أنه يتصرف بشكل يشبه تفاعلها مع سوبارو.

بإصرار لا ينكسر، أصبح شيطان السيف صلبًا مثل الفولاذ.

“على أي حال، ألا تعتقدون أن الوقت قد حان ليلاحظ أكياس اللحم الأذكى بينكم شيئًا كان من الأفضل لكم أن تتجاهلوه؟”

 

 

أي شخص يرى هذا الرجل سيدرك أنه لا داعي لأي كلمات إضافية. التعازي الرخيصة والمواساة ستكون إهانة لتصميمه.

أراد حقًا استعادة إيميليا بأسرع وقت ممكن. كان هذا، دون شك، شعوره الحقيقي حيال الأمر. فكرة ترك إيميليا في يد شخص بمثل هذا التفكير المنحرف حتى لفترة قصيرة جعلته يشعر بالغثيان.

 

 

“…”

“…”

 

 

واقفًا بجانب ويلهيلم، أخذ سوبارو نفسًا عميقًا بهدوء.

 

 

لكن هذا النضال الشجاع انتهى فجأة بصوت مدوٍّ.

استمر فيريس في بذل كل ما بوسعه بينما ظل هيتارو وتي بي بجانب ميمي. وسرعان ما طلب منهم فيريس مغادرة الغرفة، مرسلًا إياهم إلى غرفة انتظار مجاورة. واصل سوبارو والآخرون مناقشة خططهم أثناء تغيير الموقع.

حتى لحظات قليلة قبل الآن، كان كيريتاكا يبذل قصارى جهده لفهم الوضع مع كبح الفوضى في جميع أنحاء المدينة بصفته أحد أعضاء مجلس العشرة، لكنه قرر المشاركة في الاجتماع الطارئ بعد سماع البث الأخير.

 

لقد غرز إخلاص ريكاردو عميقًا في قلب غارفيل، مما دفع الفتى إلى الغرق أكثر في قبضة الشعور بالذنب.

كان لا يزال قلقًا بشدة على حالة ميمي، لكن الوضع في المدينة لم يسمح له بالتركيز على ميمي وحدها. القضية الأكثر إلحاحًا التي كانوا بحاجة لمناقشتها كانت —

“لا تقولي لي أنكِ…تنين متخذة شكل بشري؟”

 

 

“— كما سمعتم جميعًا، رئيسة الأساقفة قامت ببث إذاعي ثانٍ. قد لا يكون أمام الرهائن في قاعة المدينة وقت طويل.”

ظل ريكاردو ضاغطاً رأسه إلى الأرض حتى أدلى بذلك التعليق. في لحظة، امتلأت الغرفة بحضور مخيف، شرس، وحيواني.

 

 

رفع أحدهم يده وخلع معطف بدلته البيضاء ليبدأ النقاش.

“ليس هناك شيء مميز. مجرد حدس، أيها الأخ! حدس! …جبل من الحدس اللي بنَيتُه من النجاة في عدد كبير من المعارك!”

 

“مهلاً، هل أنت جاد…؟! إذا كنت تملك مثل هذه السحر المفيد طوال الوقت، لماذا تبخل باستخدامه في وقت أبكر؟! نعم، نعم، نعم! أستطيع أن أتحرك! أستطيع أن…”

كان رجلاً بشعر مُصفف بعناية ووجه أنيق، ومع ذلك، بدت ملامحه مشدودة. هذا التصميم الواضح لمعالجة المشكلة الجسيمة التي تُركت أمامهم كان يخص الرئيس التنفيذي لشركة ميوز، كيريتاكا ميوز.

وافقت أناستاشيا بسرعة على فرضية سوبارو. جعلت نظرية الثنائي كيريتاكا يبدو متوترًا بوضوح قبل أن يطلق تنهيدة استسلام.

 

كانت قوة يوليوس مرتبطة مباشرة بعدد الأرواح التي لديه، والخيارات التي يتيحها وجودهن. بالإضافة إلى ذلك، أراد سوبارو تجنب خطر المبالغة في التجسس وكشف العدو لخطتهم الوشيكة.

حتى لحظات قليلة قبل الآن، كان كيريتاكا يبذل قصارى جهده لفهم الوضع مع كبح الفوضى في جميع أنحاء المدينة بصفته أحد أعضاء مجلس العشرة، لكنه قرر المشاركة في الاجتماع الطارئ بعد سماع البث الأخير.

— رأى كروش تنهار على الأرض، وابتسامة بشعة ترتسم على وجه الفتاة التي تركلها.

 

استمع غارفيل إلى كلمات الإساءة التي كانت لا تُحتمل تقريبًا، حيث نبشت نقطة ضعفه في قلبه. عند رؤية التعبير المؤلم على وجهه، تقدم سوبارو خطوة للأمام ليقف أمام غارفيل.

نظرًا لكونه شخصية محورية في المدينة، أراد سوبارو أن يتأكد من شيء ما معه فورًا.

 

 

 

“لا يوجد وقت، لذا سأدخل في صلب الموضوع مباشرةً — كيريتاكا، هل يمكنك أن تشرح لنا بشأن عظام الساحرة؟”

“أل؟ ماذا تعني؟”

 

في الواقع، كان سوبارو قد مر بجولة سابقة رأى فيها راينهارد يشتبك مع طائفة الساحرة. لكن هذه المرة، لم يظهر الرجل منذ بدء هجوم الطائفة بشكل جدي.

كانت أناستاشيا هي من قطعت النقاش دون أي تردد، متخذةً موقعًا أمام غرفة الانتظار. تخلت عن أسلوبها المعتاد المتسم بالتودد، موجهةً نظرة حادة وجدية نحو كيريتاكا.

 

 

“أسلوب رائع! لكن! ليس مصقولًا بما يكفي!! كما أنتِ الآن، بالكاد ستكونين وجبة خفيفة بالنسبة لنا!”

عندما أدرك من نظرتها الحادة أن أناستاشيا أصبحت جادة، أومأ كيريتاكا وأبدى موافقته على طلبها.

 

 

 

“أعتقد أنه لا فائدة من إخفاء الأمر في هذه المرحلة. لذلك، باختصار… عظام الساحرة موجودة بالفعل، وهي هنا في المدينة. فقط الأشخاص في مجلس العشرة يعرفون مكانها… وبالطبع، أنا واحد منهم.”

“نعم، لن يأتي شيء جيد من وقوعهن في فخ واستنزاف قوتك القتالية، أليس كذلك؟”

 

“— لا، لا أعتقد أنك بحاجة للقلق بشأن ذلك، أليس كذلك؟”

“…إذاً العظام موجودة حقًا؟”

 

 

 

عندما أكد كيريتاكا ذلك، التقط الجميع أنفاسًا قصيرة وصغيرة. كان ذلك دليلاً ملموسًا على أن تأسيس المدينة قبل أربعة قرون كان بالفعل مرتبطًا بساحرة.

 

 

ومع ذلك، ولسبب ما، بدا مقتنعًا أنه لا حاجة لمثل هذا القلق. وفي الواقع، لم يكن مخطئًا. لم يكن هناك أي من أعضاء طائفة الساحرة يقفون للحراسة داخل الغرفة.

لكن كيريتاكا واجه رد فعلهم العام بـ “ومع ذلك” قبل أن يكمل شرحه.

 

 

“واو، واو، واو، لم يُشفَ؟!”

“يجب أن أقول هذا بصراحة. عظام الساحرة لا يمكن تحريكها بأي حال من الأحوال. وبالتالي، لا يمكننا الامتثال لمطلب الخصم. العظام لا يمكن أن تُستخدم كأداة مساومة.”

“؟! أواه، آآآواااه؟!”

 

 

“سيد كيريتاكا، هل هو رأيك الشخصي فقط أنها لا يجب أن تُحرك؟”

“…لا توجد طريقة على الإطلاق أن يستمع سوبارو لما يقوله فيري، أليس كذلك؟”

 

“مرة واحدة، منذ ما يقارب أربعة عقود، تبادلت السيوف مع التنين الأسود فالغرين، الذي ظهر في جنوب المملكة. مقارنةً بذلك، هذا التنين صغير جدًا. لو قطعنا رأسها مرة واحدة، ستفنى بالتأكيد.”

“لا. أنا لا أقول إنها لا يمكن أن تُحرك بسبب العادات أو الالتزام بالتاريخ القديم. في وضعٍ تُهدد فيه أرواح البشر، لا تستحق هذه الأمور التفكير.”

بينما كانت كروش مستلقيةً في بركة من دمائها، ظلت الفتاة تدوس عليها وتقهقه بصوت عالٍ — وهو صوت أدرك سوبارو حينها فقط أنه مألوف له. لم يكن هناك شك.

 

 

“إذن هل تقصد أن…؟”

 

 

“هاه؟! انتظري—!”

“أنها لا يمكن تحريكها فعليًا.”

 

 

 

بدا رد كيريتاكا على سؤال كروش حاسمًا، لكن متابعته لكلمات سوبارو بدت تفتقر إلى الحزم.

حك أل مؤخرة رقبته وهو ينهض. ثم، بينما يضغط راحة يده على غمد السيف الكبير المثبت على وركه، أدار رأسه ونظر ببعض الانزعاج.

 

 

كانت طريقة ملتوية بشكل غريب لتوضيح أن العظام لا يمكن تحريكها، حتى لو أراد أحد ذلك. عظام الساحرة — إذا كان ما تمتم به آل صحيحًا، فإن احتمال كونها بقايا تايفون كان مرتفعًا. كانت فتاة صغيرة، بالكاد تختلف عن بياتريس في الحجم، لذا بدا من الصعب تخيل أن الصعوبة في تحريكها تعود إلى الحجم أو الوزن.

عندما أكد أل ضعفه الخاص، لم يستطع سوبارو سوى التحديق.

 

 

لا بد أن هناك سببًا آخر.

— بينما صرخ سوبارو، رأى عددًا لا يُحصى من النظرات الصامتة.

 

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

“ربما الأمر يتعلق أكثر بالمكان الذي توجد فيه حاليًا أو الدور الذي تلعبه؟”

ربما قد يتم تجاهل تأثير ضربات سوطه بسهولة، ولكن لا شك أن يوليوس وكروش يمكنهما إطلاق هجمات قد تكون حاسمة بين النصر والهزيمة.

 

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

“هذا يبدو منطقيًا. إذا كانت عظام الساحرة موجودة حقًا، ولكنها سُرية عن الجميع باستثناء مجلس المدينة، فلا بد من وجود سبب مهم جدًا لذلك.”

 

 

“إذا شعرنا أننا في وضع غير مواتٍ، علينا اتخاذ قرار التراجع على الفور… أليس كذلك؟”

وافقت أناستاشيا بسرعة على فرضية سوبارو. جعلت نظرية الثنائي كيريتاكا يبدو متوترًا بوضوح قبل أن يطلق تنهيدة استسلام.

“في جانبنا، لدينا غارفيل، وريكاردو، وويلهيلم، ويوليوس، صحيح؟”

 

وفقًا لتعاليم أنيروز، كانت إيميليا بوضوح طالبة فاشلة لتجولها في حالتها الحالية، شبه العارية.

“…كما استنتجتم، توجد قوة خاصة في عظام الساحرة — قوة كافية لتكون أساس هذه المدينة. بدون العظام، لن تستمر مدينة البوابات المائية.”

 

 

بالنظر إلى السرير والبطانية، كان من المؤكد أن أحدهم ظل يعتني بها. ذكّرت نفسها بضرورة شكر هذا الشخص، ومعرفة ما حدث منذ أن فقدت وعيها، والتأكد مما جرى لسوبارو و —

“ماذا سيحدث إذا تم تحريكها؟”

بتفحص سيفه، ألقى يوليوس نظرة على التنين الذي يحلق فوقهم بينما علق بصوت خافت. وبينما يتفق سوبارو معه ذهنياً، رأى أن المقاتلين بالسيوف الواقفين على السطح بدوا متيبسين بفعل الرهبة من ظهور رفيقتهم، التنين المجنح، التي يعلوهم.

 

 

“يبدو أن الجميع هنا يدركون كيف تأسست هذه المدينة. إذا تم تحريك العظام، فإن المدينة ستتعرض بالتأكيد لضرر يعادل ذلك الحدث الأسطوري… لا، ستكون كارثة أعظم من ذلك على الأرجح. ستصبح النتيجة مماثلة لما لو أن طائفة الساحرة فتحت بوابات المياه في هذه المدينة على مصراعيها.”

 

 

“لا أستطيع وصف ذلك إلا برأي ذاتي للغاية… ومع ذلك، فهو مقنع بطريقة غريبة.”

“…أفهم. ولهذا السبب لا يمكنكم نقلها.”

 

قال سوبارو ذلك وهو يلقي نظرة نحو كروش. هزت كروش رأسها يمينًا ويسارًا ردًا عليه.

“هل وصل يأسي إلى أي منكم ولو قليلًا؟ حقًا، بالنسبة لكائنات أدنى من الحشرات عالقة داخل صندوق، ما أبطأكم في الاستيعاب! أنا أعشقه! بوا-ها-ها-ها!!”

 

“مم؟ آه، تقصد هذه. حسنًا، حسنًا، حسنًا. أتساءل كيف تبدو لأكياس لحم مثلك؟”

كانت قوة نعمة قراءة الرياح تمكن كروش من التمييز بين الحقيقة والكذب في كلمات الآخرين. ورغم وجود بعض الثغرات في هذه القدرة، فإن ذلك يعني بشكل عام أن تصريح كيريتاكا لم يكن كذبًا متعمدًا.

“لا أستطيع وصف ذلك إلا برأي ذاتي للغاية… ومع ذلك، فهو مقنع بطريقة غريبة.”

 

بات يتم “إعادة كتابته” بشيء ليس هو. بدا هذا مختلفًا عن الألم أو العذاب. كان خوفًا ينبع من بُعد آخر تمامًا — نعم، الخوف هو الكلمة الوحيدة المناسبة. كان مخيفًا. مخيفًا. مرعبًا.

بعبارة أخرى، تسليم عظام الساحرة يعادل تدمير المدينة. بإضافة مثل هذا الشرط الرهيب إلى الصفقة المقترحة، يبدو أن الشهوة قد ارتكبت خطأً كبيرًا في التقدير.

“مع ذلك، أرجو منك ألا تجهدي نفسك أكثر من اللازم. أطلب باحترام أن تعطي الأولوية لسلامتك.”

 

لكن إذا كان هناك شيء، فقد جعل هذا النيران السوداء أكثر فاعلية.

“أو ربما ينبغي أن نفترض أنها وضعت شروطها وهي تدرك تمامًا ما تعنيه بالنسبة للمدينة.”

 

 

بطريقة معقدة وغير مباشرة، وصلت كلمات الشاب أخيرًا إلى صلب الموضوع.

في تلك اللحظة، تمتم يوليوس باقتراح بديل مع ظهور تجعيد خفيف في جبينه. بعد أن عاد مع تي بي وانضم إلى الاجتماع المجدد، مشَّط شعره إلى الجانب عندما لاحظ أن الأنظار تتركز عليه.

بإصرار لا ينكسر، أصبح شيطان السيف صلبًا مثل الفولاذ.

 

“ليس هناك شيء مميز. مجرد حدس، أيها الأخ! حدس! …جبل من الحدس اللي بنَيتُه من النجاة في عدد كبير من المعارك!”

“بعد زيارة عدة ملاجئ، أستطيع أن أقول بثقة أن سكان المدينة صمدوا بشكل جيد. ومع ذلك، لن ينتهي عدد الأشخاص الذين يعتبرون أن الوضع الحالي ميؤوس منه. دون أن يفهموا العواقب التي سيترتب عليها ذلك، قد يطالب البعض حتى بتسليم عظام الساحرة.”

 

 

 

“تقصد أن الشهوة تستمتع برؤية المدينة تمزق نفسها؟ …هذا مزاح مريض.”

“…”

 

“أخفّ مما توقعت”، فكر في نفسه؛ وبعد لحظة، انفصلت ساقاه عن الأرض وهو ينطلق في الهواء.

كانت تلك مجرد تكهنات تشاؤمية، ولكن في الوقت نفسه، بدا من الصعب استبعادها. عندما بثت كابيلا، مطران خطيئة الشهوة، رسالتها، حصل الجميع على لمحة عن المتعة التي تجدها في التلاعب القاسي بقلوب الناس.

 

 

“…”

ربما كان الهدف الحقيقي من جعل المدينة بأكملها تسمع صوتها هو ببساطة إرهاب قلوب الآخرين —

 

 

 

“— لن نسلم تلك العظام، ولن نرضخ لمطالبهم السخيفة. لن يُغير ذلك شيئًا.”

 

 

 

بدت تلك عبارة هادئة، لكن نبرة ذلك الصوت دفعت سوبارو ليرفع رأسه وهو يشعر بشيء غريب.

 

 

باتخاذ وضعية صارمة، وافقت كروش على استنتاج سوبارو وأناستاشيا.

وجد أن هدوء الصوت كان مزعجًا للغاية. والسبب هو أن الشخص الذي تحدث للتو كان دائمًا قويًا ومفعمًا بالحيوية — وهذا بعيد تمامًا عن الانطباع الذي أعطاه صوته الهادئ العاطفي الآن.

 

 

وبينما تتحدث بصراخ شديد، يتطاير لعابها في الهواء، بدت كابيلا وكأنها تفقد حتى قبضتها الضعيفة على عقلها، مدمّرة المزيد من الغرفة وهي تولول بهستيريا.

بفرائه البني المحترق وبنيته الكبيرة والعضلية، كان ريكاردو، الكلب – الإنسان شبه البشري، دائمًا جريئًا في كلماته وأفعاله. مثل يوليوس، عاد من مهمته، والآن وقف بصمت، عاقدًا ذراعيه القويتين، وكأنه يفكر بعمق في شيء ما.

كان هناك من لديه أجساد لا تعد ولا تحصى، ومن يجر الآخرين إلى القبور، ومن كان كائنًا لا يُهزم، ومن كان وحشًا خالدًا —

 

بينما كانت كروش مستلقيةً في بركة من دمائها، ظلت الفتاة تدوس عليها وتقهقه بصوت عالٍ — وهو صوت أدرك سوبارو حينها فقط أنه مألوف له. لم يكن هناك شك.

ثم سار ببطء نحو الحائط وكسر الصمت مرة أخرى.

 

 

“كل شيء على ما يرام. سأتفقد في لحظة… ماذا عن الشهوة؟”

“لم أشكرك بعد. يا أخي، لو لم تجلب ميمي هنا، ليس لدي شك في إنها كانت ستموت. أنا مدين لك، بشكل كبير. شكرًا جزيلًا.”

ريغولوس، الذي بدا كأنه يمتلك أذنين ولكنه لا يسمع، أمسك إيميليا من كتفيها. عبست إيميليا من شدة قبضته على أطراف أصابعه، لكن الشاب لم يكترث على الإطلاق لانزعاجها.

 

كان هذا عدوه. لم يُرِد أو يحتَج إلى أي معلومات أخرى.

جلس ريكاردو متربعًا على الأرض وضغط رأسه على الأرض وهو ينقل امتنانه. كانت كلماته موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال مستندًا إلى الحائط، رأسه متدلٍ كدمية خرقة.

“أعتقد أنه لا فائدة من إخفاء الأمر في هذه المرحلة. لذلك، باختصار… عظام الساحرة موجودة بالفعل، وهي هنا في المدينة. فقط الأشخاص في مجلس العشرة يعرفون مكانها… وبالطبع، أنا واحد منهم.”

 

وبينما تتحدث بصراخ شديد، يتطاير لعابها في الهواء، بدت كابيلا وكأنها تفقد حتى قبضتها الضعيفة على عقلها، مدمّرة المزيد من الغرفة وهي تولول بهستيريا.

“…”

 

 

 

مستسلمًا، بالكاد تمكن غارفيل من تنفيذ ما طلبه منه سوبارو، وألقى تعويذة شفاء على جراحه. فتح عينيه الزمرديتين، ليظهر نظرة ضعيفة ضبابية مليئة بالحيرة والندم.

“أي إجهاد تضعه على ساقك سيصبح له تأثيرات خطيرة تمامًا، لذا حاول أن تكون حذرًا!”

 

فجأة قاطع أل تفكير سوبارو. وبإمالة عنقه، قال: “كما تعلم؟” كتمهيد لما يريد قوله.

بناءً على ما صرخ به غارفيل عندما أحضر ميمي، بدا من الواضح أنه شعر بالمسؤولية عن حالتها. كوصيها، كان لريكاردو الحق في لومه على ما حدث.

كان الصوت الذي يصل إلى كل جزء من المدينة مرعبًا بما فيه الكفاية. كانت الشهوة على دراية واضحة بفعاليته، لكن لدى سوبارو قلق مختلف في ذهنه.

 

شعرت إيميليا بأن أحدهم ينادي اسمها، وبدأ وعيها يعود ببطء إلى الواقع.

ومع ذلك، بدلاً من اتهام غارفيل، اختار ريكاردو أن ينحني برأسه.

كل ما فعله هو تقريب وجهيهما حتى أصبحت جباههما تكاد تلامس بعضها، محدقًا في عينيها البنفسجيتين.

 

 

لقد غرز إخلاص ريكاردو عميقًا في قلب غارفيل، مما دفع الفتى إلى الغرق أكثر في قبضة الشعور بالذنب.

 

 

بينما يعيد ارتداء سترته، تمتم ويلهيلم بهدوء. لم يتمكن سوبارو من إيجاد كلمات يقولها له. ومع ذلك، ما انعكس في عيني ويلهيلم لم يكن الأمل ولا الراحة، بل الغضب.

“حسنًا؟ ألا ينبغي أن نتوقف عن المراوغة ونسأل ما نحتاج إلى معرفته؟”

عندما أصيب سوبارو بالذهول من إعلانه المفاجئ، قدم أل اعتذارًا غامضًا، لكن هذا لم يكن شيئًا يمكن حله باعتذار سريع. أراد سوبارو أن يعرف ما الذي يفكر فيه أل بالضبط.

كان “آل” هو من أشار إلى خمولهم من مكانه على الطاولة الطويلة.

بدت عيناها الكهرمانيتان متسعتين بينما تنظر نحو سطح مبنى البلدية. عندها أدرك سوبارو أن المتحدثة، الشهوة، كانت هناك، فوجه نظره في نفس الاتجاه.

وبينما يعبث بحواف خوذته، ألقى نظرة على جميع الحاضرين.

“حتى مع تدفق الدم المحدود في رأسك، ينبغي أن تفهم الآن من أين أتت تلك السحلية وتلك الذبابات، أليس كذلك؟”

“ذلك البث الغريب في وقت سابق لا يمكن أن يكون غير مرتبط بدخول الاثنين هنا بهذا الشكل الفوضوي. إنهما شاهدان مباشران عائدان للتو من قاعة المدينة. وهذا أمر مهم، أليس كذلك؟”

“بالطبع. رغم كرهي للاعتراف بذلك، فإن هذا الصوت وصل بالتأكيد إلى كل ركن من أركان المدينة. يجب أن نضع حالة ميمي في الاعتبار أيضًا. سأعود أنا وتي بي إليك. سنتحدث مجددًا بمجرد وصولنا.”

 

وبينما راقب يوليوس المشهد، ضيّق عينيه قليلاً دون أن ينبس ببنت شفة.

رغم جراحه، رفع غارفيل ذقنه. أشار “آل” بكتفيه بلا مبالاة مألوفة. بدت شخصيته المتراخية غير حساسة، لكنه أصر على أن الوضع يتطلب ذلك.

 

 

لم يكن هناك شك في أن غارفيل وميمي واجها أعداءهما في قاعة المدينة. ربما كان قرارًا متسرعًا، لكن الاثنين حاولا بطريقتهما بذل أقصى جهدهما.

“الهجوم بكل ما لدينا دون تحقيق أي شيء يُعتبر صدمة كبيرة.”

 

“— هيا بنا!”

وقد دفعا الثمن — في الواقع، لا تزال “ميمي” تدفعه حتى أثناء حديثهم.

لكن نوايا ريكاردو خُذلت عندما كشف العملاق عن خدعة أخرى. ظهرت ذراعان إضافيتان من تحت الرداء الأسود، ومعهما سيفان عظيمان آخران.

 

 

“غارفيل، قد يكون من الصعب الحديث عن هذا، لكن رجاءً أخبرنا بما حدث. أفهم أن خصمًا عاديًا ما كان ليسبب لك هذا الضرر. ولكن…”

“…”

“…”

كان رجلاً بشعر مُصفف بعناية ووجه أنيق، ومع ذلك، بدت ملامحه مشدودة. هذا التصميم الواضح لمعالجة المشكلة الجسيمة التي تُركت أمامهم كان يخص الرئيس التنفيذي لشركة ميوز، كيريتاكا ميوز.

“…علينا أن نلقن كل الحمقى الذين هاجموا هذه المدينة درسًا قاسيًا. سنحتاج إلى قوتك لتحقيق ذلك. لا يمكنني تحمل رؤيتك مستسلمًا هكذا.”

“آسف، لن أغير رأيي… على عكسكم، لم أتمكن من إعادة التواصل مع سيدتي.”

 

انسكب السائل الأسود القاتم بقوة لا تُصدق، متجهًا نحو الجرح في ساق سوبارو اليمنى. امتزج الدم بالدم. اختلط دم سوبارو الأحمر ودم كابيلا الأسود ، يندمجان معًا، مسببين رائحة عفنة ترتفع في الأجواء.

كان يعلم أنه طلب قاسٍ، لكن سوبارو خاطب غارفيل بوضوح وتحدث من قلبه.

 

 

 

كان غارفيل قد تحدى العدو بناءً على حكمه الشخصي، لكنه فشل في حماية “ميمي.” بدا من السهل على سوبارو أن يتخيل كم بات الندم والمسؤولية يسحقان صدر غارفيل.

 

 

 

كان ذلك طبيعيًا. سوبارو نفسه شعر بنفس الطريقة تمامًا كما شعر غارفيل.

 

 

 

“…سمعنا… ذلك البث. أنا والفتاة الصغيرة اتجهنا نحو مركز المدينة فقط لأنني أردت أن ألقن ذلك الوغد الذي كان يبث من قاعة المدينة درسًا.”

“…”

بدأ غارفيل يتحدث بتردد، بينما وجهه لا يزال موجهًا نحو الأرض. وبينما يوقف علاجه، قبض يده بقوة لدرجة كادت أن تكسر عظام يده. تلك كانت الطريقة الوحيدة التي يمكنه بها منع مشاعره المتلاطمة من الانفجار.

“ها نحن ذا. الحجة غير المنطقية التي لا يمكنك منع نفسك من التفوه بها بسبب قدراتك العقلية المحدودة وانعدام التفكير النقدي تمامًا! لقد كنت كريمة جدًا في نثر هذه الفتات من الأدلة، ولكن يبدو أن قمامة مثلك تحتاج إلى ركلة جيدة لتدرك الصورة كاملة!”

 

بعد تراجعها أمام الإعصار الناري، هاجمت المرأة مرة واحدة بسيفها الطويل — وكان ذلك كافياً فقط لقطع قلب الرياح، مما أربك التركيبة السحرية للإعصار وتسبب في انهياره واختفائه.

“كان هناك عدداً كبيراً من القتلى أمام قاعة المدينة. أعتقد أنهم كانوا حراس المدينة. أولئك الذين قتلوهم كانوا ثنائيًا: رجل ضخم وامرأة نحيفة. كلاهما قاتل بالسيوف، وهما…”

 

 

ارتجفت أنياب غارفيل بينما توقفت كلماته. ما لم يقال كان بلا شك هزيمته وسبب جرح ميمي الذي لم تنجح أي محاولات علاج في شفائها.

 

 

مجرد النظر إلى عينها اليسرى من هذا الوجه المشوه نصفه مشهدًا صادمًا أصاب قلب سوبارو. كان ينوي فقط أن يخلق فرصة، لكنه قام بشيء قد يصفه البعض بأنه أحمق للغاية.

ما جعل سوبارو يشكك في أذنيه هو أن هوية ذلك الثنائي كانت لغزًا كاملًا.

 

 

 

حقيقة أنهم كانوا يعملون بالتنسيق مع “الشهوة” تعني أنهم بالتأكيد تابعون لعبادة الساحرة. لكن بناءً على ما يعرفه سوبارو، لم يكن هناك أي رؤساء أساقفة تطابق أوصاف غارفيل الجسدية.

“ليس مستغربًا. بصراحة، لديك الكثير مما يشغل بالك. استعادة قاعة المدينة وضمان سلامة السيدة إيميليا. ثم هناك احتمال وجود عدوك القدري، الشراهة.”

 

“— هيا بنا!”

كانوا أعضاء غير معروفين من عبادة الساحرة، حتى أنهم لم يكونوا رؤساء أساقفة.

 

 

“— أنا أحبها لأنني تأثرت بقلبها! تأثرت بنبلها، بلطفها، بتعاطفها، بانفتاحها، بابتسامتها عندما تنظر إلى السماء، بتفانيها في حياتها، برفضها العنيد لأي ظلم، بجانبها الضعيف الذي لا تظهره إلا لي، بإصرارها على بذل ما بوسعها دائمًا، بصوتها الذي يبعث الراحة في قلبي، بعينيها الحنونتين، بنظرتها التي تثير مشاعري، بشفتيها التي تهمس بالحب، بيديها التي تدفئ يدي، بلمستها التي تجعل قلبي ينبض أسرع، وبشعرها الجميل الذي يتطاير مع الريح! أؤمن بكل قلبي أننا كنا مقدّرين لبعضنا البعض. لأنها الوحيدة التي اعترفت بي. لأنها من بقيت بجانبي عندما كانت الأمور صعبة. لأنها من علمتني ما هو مهم حقًا. لأننا كنا دائمًا، دائمًا معًا. لأنني أريد أن أعيش بقية حياتي أراها وأشعر بما تشعر به. لأننا وعدنا. لأنني لن أنسى ذلك الوعد أبدًا. لأنها تعرف النسخة مني التي لا أستطيع إظهارها لأي شخص آخر. لأنها الوحيدة التي تعرف حقيقتي. لأنها الوحيدة التي لا أستطيع خداعها بعيني. لأنها تعرف مدى عمق وحدتي. لأنها الوحيدة التي تسمح لي بنسيان ذكرياتي المرَّة. لأنها من علّمتني كيف أحب. لأنك كنتِ من تمسحين دموعي. لأنكِ وجدتني وسط كل الفوضى التي كانت تحدث. لأنكِ أريتني أشياءَ لم أرها من قبل. لأنكِ الوحيدة التي تفهمني حقًا. لأنني لا أستطيع العيش بدونك. لأنكِ كل شيء بالنسبة لي. لأنكِ تجعلين قلبي يخفق بحرارة. لأن وجودكِ يجعل كل ألوان العالم تبدو أكثر إشراقًا. لأنني بدونكِ لا أشعر بالسعادة. لأنني لم أعد أستطيع العيش بدونكِ. لأن وسط حياة مليئة بالأكاذيب، هذا هو الشعور الوحيد الذي يبدو حقيقيًا.”

والأكثر من ذلك —

رأى ,يلهيلم تغير ملامح وجهه، ففعل ما أُمر به وحمل جسد ميمي الملطخ بالدماء. هرع الاثنان خارج غرفة المؤتمرات بخطوات متعجلة، متجهين إلى المستشفى الميداني في قبو البناية.

“كلاهما يضاهيانني في القوة… في الواقع، أعتقد أنهما أقوى مني.”

 

 

 

بدا غارفيل ضعيفًا، وكأنه ينكمش على نفسه وهو يعاني من هذا التفكير. رهبة قوتهما وشعوره بالذنب لتعرض ميمي للأذى جعلا غارفيل يبدو صغيرًا للغاية.

 

 

صفع سوبارو وجنتيه بكلتا يديه، مبعدًا مشاعر الضعف المتصاعدة داخله بينما أطلق نفسًا قويًا وحادًا.

“— يبدو أنك لديك فهم جيد للقوة وضعف خصومك.”

 

“ريكاردو…”

عندما نقر سوبارو بلسانه بغضب، رفضته كابيلا باشمئزاز واضح. وفي تلك اللحظة، قام التنين الأسود، الذي انتهى جسده من التجدد إلى حد كبير، برفع وركيه ببطء.

 

ثم، تمامًا عندما بدا هجومهم المضاد على قاعة المدينة أمرًا ممكنًا حقًا —

ظل ريكاردو ضاغطاً رأسه إلى الأرض حتى أدلى بذلك التعليق. في لحظة، امتلأت الغرفة بحضور مخيف، شرس، وحيواني.

 

 

 

“أخبرني، أخي. من بين الاثنين الذين ذكرتهم، أيهما؟ أي منهما يجب أن أمزقه لأنتقم لـ ميمي؟”

“يجعل كل شعرة في جسدي تقف! أنتِ…! أنتم مجرد…!”

 

من باب الغرفة الأخرى، تدخل صوت آخر ضعيف النفس.

إذا كان امتنان ريكاردو العميق صادقًا، فقد كان بنفس الصدق في مدى استعداده للذهاب لتمزيق عدوه وإرواء عطشه للانتقام.

“…”

 

 

تردد غارفيل قليلًا، مذهولًا من هذا العرض المروع من الوحشية.

 

 

 

“…كانت المرأة هي من أصابت الفتاة الصغيرة. حدث ذلك عندما قامت ميمي بتغطية ظهري.”

 

“كان ذلك قرار ميمي. لن أنتقد قرارها.”

 

“أفهم. أفهمك. لا أحد… لا شخص واحد يلومني… لكنني ألوم نفسي! لهذا السبب يجب أن أنتقم من تلك المرأة…!”

“…”

 

“— سوبارو، هل تسمعني؟”

قفز غارفيل على قدميه كأنه يطير، مرتسمًا على وجهه تعبير غاضب ومليء بالحزن بينما يصرخ برغبته في الانتقام. وفي المقابل، وقف ريكاردو ونظر إلى الفتى من علوه بفارق طوله عنه.

صرخ غارفيل صرخة حرب بينما هو والعملاق يتبادلان الضربات الهائلة. كانت هذه مواجهة وحشية غير قابلة للمقارنة مع المعركة الأنيقة بين أساتذة السيوف.

 

“— رائحة دم. الكثير منه أيضًا.”

“كان عويلك جيدًا. الرجل لا يتراجع عن كلمته. الآن انهض وقاتل.”

ما استقبل سوبارو كان أزيزًا لا نهاية له جلب معه مشاعر الخوف، والبهجة، والرفض، والعديد من المشاعر الأخرى التي لا تُعد ولا تُحصى.

 

 

“نعم… نعم! هذا صحيح! سأفعلها…!”

“تغيير الشكل، التحول…!”

 

 

عوى غارفيل كما لو مزق شيئًا بفكيه، وعادت الحياة إلى عينيه المغيمتين. كان بعض من تصرفه جراء ادعاء الشجاعة، ولكن بعد أن اشتعل غضبه، تعهد غارفيل لريكاردو أنه سينتقم لميمي.

ارتجفت أنياب غارفيل بينما توقفت كلماته. ما لم يقال كان بلا شك هزيمته وسبب جرح ميمي الذي لم تنجح أي محاولات علاج في شفائها.

 

 

ومع إدراكه لمدى عزيمته، أومأ ريكاردو برأسه وألقى نظرة سريعة نحو سوبارو. كان يجب أن يكون سوبارو هو من يمنح غارفيل الدفعة التي يحتاجها، لكن ريكاردو تصرف عن وعي نيابة عنه.

— بينما صرخ سوبارو، رأى عددًا لا يُحصى من النظرات الصامتة.

 

 

كان قائد “الأنياب الحديدية” جيدًا في إعادة الناس إلى قوتهم كما توقع سوبارو.

 

 

 

“بفضل تقرير غارفيل، أصبحنا نعلم الآن درجة الخطر التي تنتظرنا في قاعة المدينة… وتعلمنا عن التضحيات التي قدمها الحراس الذين قاتلوا بعزيمة الموت للدفاع عن المدينة. والآن…”

“لا، هذا ليس سوى مجرد خدعة. إنه خام للغاية ليُستخدم كهجوم فعلي. وبالتالي…”

 

 

بعد أن أشعل ريكاردو الحماس في غارفيل، أعاد يوليوس المحادثة إلى صلب الموضوع، ضيقًا عينيه الصفراء قليلاً بينما ينظر إلى سوبارو.

 

 

بحسب غارفيل، كانت الساحة مليئة بجثث الحرس الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم استعادة قاعة المدينة. وبالفعل، كان المشهد الحالي للساحة يشير إلى هذه الحقيقة المروعة.

“سوبارو، ما الذي ستفعله؟”

 

 

“— كل تلك الكلمات مجرد زخرفات — كلها دون استثناء!!”

“…واو، هذا تسليم عشوائي للغاية للقيادة.”

 

 

كان سوبارو مستلقيًا على ظهره، بياض عينيه ظاهرًا، وهو يرتعش بضعف.

عبس سوبارو أمام أسلوب يوليوس غير المعتاد في الحديث. كان رد يوليوس الوحيد هو ابتسامة مغرورة.

“…فهمت. هذا يساعد كثيرًا. أنا مدين لك.”

 

 

“كنت فقط أفكر في المعركة مع الكسل. كنت آمل أن تصبح فعّالًا مرة أخرى ضد طائفة الساحرة. وبالتالي، افترضت أنك قد تخرج بخطة لم تخطر ببالي.”

“!!”

 

 

“لا تفرط في الحماسة، يا رجل. لو كنت بهذا الفعالية ضدهم، لما انتهى بي الأمر بهذا الساق.”

“أنتم فقط لا تريدون الاعتراف بشهواتكم الجسدية علنًا! لا تزينوها بكلمات مثل الحب. ما رأيك؟ ما رأيك في هذا؟! هذا هو مقدار جهدي لأُحب من قبلك! انظر إلى هذا! هل يمكنك التحدث بعد؟ هل لا يزال لديك شيء لتقوله؟ قل لي إنكارك الموعود والحتمي!”

 

 

“هذا مؤسف. ومع ذلك، هناك أيضًا مسألة السيدة إيميليا. بالتأكيد، لا ترغب في تركها في وضعها الحالي. أردت فقط أن أؤكد ما تنوي فعله.”

 

 

كان غارفيل قد تحدى العدو بناءً على حكمه الشخصي، لكنه فشل في حماية “ميمي.” بدا من السهل على سوبارو أن يتخيل كم بات الندم والمسؤولية يسحقان صدر غارفيل.

قد لا يكون هذا الجواب الذي كان يأمله، لكن يوليوس لم يبدُ خائب الأمل بشكل خاص. بالطبع، هو من بين الجميع لم يتوقع أن يتحول سوبارو إلى نوع من قاتل طائفة الساحرة الأسطوري.

 

 

“ا – التلاعب بنا بهذا الشكل…”

فهم سوبارو فورًا أن النقطة الثانية التي أثارها يوليوس كانت الأهم.

 

 

 

“…الجشع هو من اختطف إيميليا. حتى الآن، نظراته الأنانية تجعل كل شعرة في جسدي تقف. لا أريد أن أترك إيميليا مع هذا الوغد ثانية واحدة أكثر مما يجب.”

“الجرح لم يُغلق بعد. في الوقت الحالي، فعلتُ ما بوسعي وأوقفت النزيف بطرق بدائية… ثم استعنت بقوة البركة المشتركة بين ميمي وإخوتها الصغار، وبالكاد نحافظ على حياتها الآن.”

 

“انتظر، ماذا تقصد بذلك؟ لا، الأهم، ماذا تعني بـ ‘عروسي’…؟”

“هل تقصد بذلك أنك تعطي الأولوية لإنقاذ السيدة إيميليا؟”

“أيها العجوز ويلهيلم، اعتنِ بالسيدة كروش. عليك أن تحافظ على سلامتها مهما كان الثمن.”

 

كان هناك شيء غريب يبرز من خلفيتها الجذابة التي لوحت بها نحوه، شيء لا ينبغي أن يكون هناك. كان ذلك…ذيلًا أسود، سميكًا، يشبه الزواحف — لا، كان ذيل تنين. ذيل تنين يبرز من خلفها.

“بالتأكيد — هذا ما كنت أرغب في قوله، لكن…”

يبدو أنه لم يكن لدى أي منهما أي اعتراضات. بالإضافة إلى ذلك، كانت كروش تبتسم برقة أيضًا.

 

 

عندما حاول أن يعطي يوليوس إجابة واثقة، قطع كلامه بتنهد.

 

 

 

أراد حقًا استعادة إيميليا بأسرع وقت ممكن. كان هذا، دون شك، شعوره الحقيقي حيال الأمر. فكرة ترك إيميليا في يد شخص بمثل هذا التفكير المنحرف حتى لفترة قصيرة جعلته يشعر بالغثيان.

“— أوووغغ!”

 

“بالطريقة التي قلتها للتو، يبدو وكأنك لديك خبرة في قتال التنانين.”

لكن حالة المدينة الحرجة ومتطلبات الشهوة لم تسمح لسوبارو بالتصرف بدافع العاطفة.

“أنا خائف من السؤال… ولكن، ويلهيلم، ذراعك…؟”

 

 

“لا يمكننا ترك الشهوة تفعل ما يحلو لها. إذا لم نوقفها، فسوف تسبب دمارًا كاملاً في عقول الناس — بالإضافة إلى أن الميتيا تمثل مشكلة خطيرة.”

شعر سوبارو فورًا برغبة في التقيؤ عندما أدرك الخطة الدنيئة للشهوة، حيث استخدمت رهينة بطريقة ماكرة مشابهة لما فعلته الغضب. في النهاية، كان أساقفة الخطايا السبع القاتلة يلجؤون إلى الوسائل ذاتها لجعل خصومهم يترددون.

 

في الواقع، كان سوبارو قد مر بجولة سابقة رأى فيها راينهارد يشتبك مع طائفة الساحرة. لكن هذه المرة، لم يظهر الرجل منذ بدء هجوم الطائفة بشكل جدي.

“أتفق معك. الميتيا في قاعة المدينة هي سلسلة تقيد الجميع في المدينة.”

 

 

 

كان الصوت الذي يصل إلى كل جزء من المدينة مرعبًا بما فيه الكفاية. كانت الشهوة على دراية واضحة بفعاليته، لكن لدى سوبارو قلق مختلف في ذهنه.

 

 

ذراع ضخمة وحشية، ذيل تنين أسود، أجنحة طائر وحشي. كل هذا لم يكن يمكن وصفه إلا بأنه بشع.

هناك شخص آخر داخل المدينة، شخص يمتلك سلطة تضخم المشاعر وتجعلها تتردد في نفوس أي شخص بالقرب منه. إذا تم تعزيز هذه القدرة بدرجة يائسة بواسطة الميتيا، فما الذي سيحدث؟

مع فتح فكيه على مصراعيهما، بدت أنيابه الحادة تشبه إلى حد كبير وحشًا جائعًا متوحشًا. لكن مستوى الخطر الذي يمثله هذا الصبي كان بعيدًا عن أي حيوان عادي. لقد كان أحد مكونات الفوضى الكابوسية التي اجتاحت المدينة.

 

 

سيصبح هناك وباءً من الجنون المتفجر والمقاومة التي لا تُقاوم، وسينتهي الأمر بالمدينة إلى الدمار.

“إذا شعرنا أننا في وضع غير مواتٍ، علينا اتخاذ قرار التراجع على الفور… أليس كذلك؟”

 

“لا، هذا ليس سوى مجرد خدعة. إنه خام للغاية ليُستخدم كهجوم فعلي. وبالتالي…”

لإنقاذ إيميليا، كان عليهم منع دمار المدينة واستعادة السيطرة على الميتيا. تحقيق كلا الهدفين يتطلب هزيمة الشهوة في قاعة المدينة.

رأى في رفاقه التوتر، الحذر، وأكثر من أي شيء آخر، إرادة القتال. أومأ وأعطى الإشارة.

 

 

كان إنجاز هذا هو الخطوة الأولى على طريق إنقاذ إيميليا من قبضة الجشع.

كان لا يزال قلقًا بشدة على حالة ميمي، لكن الوضع في المدينة لم يسمح له بالتركيز على ميمي وحدها. القضية الأكثر إلحاحًا التي كانوا بحاجة لمناقشتها كانت —

 

ابتسمت، كما لو أنه لا شيء يمكن أن يجعلها أكثر سعادة.

“لقد استولى العدو على الأبراج الأربعة للتحكم، بالإضافة إلى المكاتب البلدية في مركز المدينة. ومع ذلك، فإن الهدف الأولي واضح. إخراج الشهوة من قاعة المدينة هو الأولوية. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الشهوة جادة في حديثها خلال ذلك البث السابق، فإن حياة الأشخاص داخل قاعة المدينة تصبح أكثر عرضة للخطر كلما طال انتظارنا.”

“لا تكن باردًا. أنا هنا، ملتزم بك في كل خطوة!”

 

 

“أرى… إنها وجهة نظر قيّمة للغاية. وتتطابق إلى حد كبير مع أفكاري.”

 

 

قبل كل شيء، كلما طال الوقت الذي يستغرقونه في التحرك، زاد الخطر الذي يواجه الرهائن في قاعة المدينة.

عندما عرض سوبارو خطته بتفصيل، أومأ يوليوس برضا ظاهر.

وبينما ينظر إلى شكلها، لم تخطر بباله كلمات أخرى. وإن خطرت على باله فكرة، فهي الاشمئزاز الفسيولوجي عند مواجهة كائن غير طبيعي لا ينبغي أن يوجد.

 

كانت كتل لحم وردية اللون. وبالنسبة للوصف، شعر سوبارو أن هذا كان الأكثر ملاءمة.

على الأرجح، كان الفارس الوسيم قد توصل داخليًا إلى نفس الاستنتاج منذ وقت طويل. وربما جعل سوبارو يعبر عنها بصوت عالٍ لاختبار ما إذا كان قد فقد رباطة جأشه واتخذ قرارًا متسرعًا.

بالطبع، كان من المنطقي التفكير بأنها تخدع سوبارو والبقية لجعلهم يخفضون حذرهم كجزء من نوع من الحيل، لكن —

 

 

“حسنًا، حسنًا. دعونا نراجع الأمر ونأخذ كل شيء بعين الاعتبار.”

 

 

 

بالتصفيق برفق، استأنفت أناستاشيا دورها المعيّن كقائدة للاجتماع. ثم، وقد فردت يديها، وجهت نظرتها نحو سوبارو بعينيها الزرقاوين الفاتحتين المستديرتين.

تيريشيا فان أستريا، الجيل السابق من قديس السيف — زوجة ويلهيلم الراحلة.

 

“أمم… ومن تكون؟”

“أنا أؤيد اتباع خطة ناتسكي. أوافق على أن ترك ميتيا البث في يد تلك الشخصية أمر خطير… كلما تركناها لفترة أطول، زادت احتمالية أن يفقد سكان المدينة إرادتهم للاستمرار، مما قد يضعنا في موقف صعب.”

 

 

تحت تأثير عيني سوبارو السوداوين المكثفتين من مسافة قريبة، تجهم فيريس وناضل لتشكيل رد.

“أنا أيضًا أؤيدكما. إذا تركنا العدو يتصرف بحرية، ستتضاءل خياراتنا تدريجيًا. إذا كنا سنتحرك، فكلما كان ذلك أسرع أصبح أفضل.”

 

 

“!!”

باتخاذ وضعية صارمة، وافقت كروش على استنتاج سوبارو وأناستاشيا.

 

 

— لأن هذا الوحش كان يحب سوبارو ناتسكي.

كما قالت، كانوا في الوقت الحالي مجهزين بشكل جيد ومستعدين للقتال. كانت شركة “ميوز” تستضيف حاليًا غارفيل، وريكاردو، ويوليوس، وويلهيلم، وجميعهم محاربون متميزون.

 

 

ضُربت على الجانب المكشوف من جمجمتها، وانشقت جبهتها، ملطخةً شعرها الأشقر بلون أحمر قاتم. وبينما كان يشاهد، تحطم وجه الفتاة الجميل القاسي وتشوه بشكل مرعب.

إضافة “الأنياب الحديدية” والقوات الخاصة بكيريتاكا، “حراشف التنين الأبيض”، سيعزز قوتهم بشكل أكبر.

 

 

 

ومع ذلك، قاطع كيريتاكا هذا الخط من التفكير، وهز رأسه جانبًا بوجه كئيب.

 

 

 

“أنا آسف للغاية. حاليًا، قواتي الخاصة تقوم بمهمة أخرى بناءً على توجيهاتي. إنهم يقومون بتأمين أعضاء مجلس العشرة ومرافقتهم إلى هنا.”

“ليس مستغربًا. بصراحة، لديك الكثير مما يشغل بالك. استعادة قاعة المدينة وضمان سلامة السيدة إيميليا. ثم هناك احتمال وجود عدوك القدري، الشراهة.”

 

ظلت الأخت الكبرى تواصل نومها بينما امسك الأخوان الأصغر بيديها بلطف. ومع ذلك، ظلت أيديهما الحرة مضغوطة على صدريهما، تظهر عليهما علامات واضحة للألم.

“اللعنة، هذا… لا، هذا شيء ضروري. إذا أفشى أحدهم شيئًا، قد تُدمَّر المدينة بشيء آخر غير بوابات المياه. ومع ذلك، أتمنى لو كان بإمكاننا تعزيز فرصنا بطريقة ما…”

 

 

 

لو كان ممكنًا، لفضل سوبارو مواجهة العدو بنفس القوة التي استطاعوا حشدها خلال معركتهم مع بيتيلغيوس – على الأقل. بعد كل شيء، كانوا يواجهون حاليًا ما لا يقل عن ثلاثة من رؤساء أساقفة الخطايا السبع المميتة، وبحساب بسيط، افترض أن المعركة ستصبح أصعب بثلاث مرات.

“أسلوب رائع! لكن! ليس مصقولًا بما يكفي!! كما أنتِ الآن، بالكاد ستكونين وجبة خفيفة بالنسبة لنا!”

 

لكن هذا المنظر المثير للقلق لم يكن هو السبب الذي جعل سوبارو يحبس أنفاسه، ويوليوس وريكاردو يضيّقان حاجبيهما، وكروش تطلق صرخة أنثوية لا إرادية.

“— لا، لا أعتقد أنك بحاجة للقلق بشأن ذلك، أليس كذلك؟”

“أي إجهاد تضعه على ساقك سيصبح له تأثيرات خطيرة تمامًا، لذا حاول أن تكون حذرًا!”

 

ظهر الاثنان كندين متضادين، أحدهما يحمل سيفين عظيمين، والآخر يحمل سيفًا طويلًا غير مزخرف. مثلت الأزياء السوداء التي تغطيهما من الرأس إلى أخمص القدمين الذوق المروع لأتباع طائفة الساحرة.

“أل؟ ماذا تعني؟”

أظهرت هجمات الرياح الخاصة بكروش قوتها الحقيقية ليس في المعارك طويلة المدى، بل عن قرب. في مساحة مغلقة لا يمكن الفرار منها، ظلت الشفرات غير المرئية تمزق جلد التنين الأسود بلا رحمة.

 

 

فجأة قاطع أل تفكير سوبارو. وبإمالة عنقه، قال: “كما تعلم؟” كتمهيد لما يريد قوله.

 

 

ومع ذلك، عندما لاحظ جولي نظرته، لم يسمح له بإضاعة الوقت في القلق بشأنه حتى يتم إنهاء كل شيء.

“يا صديقي، أنت قلق من أن تتحول قاعة المدينة إلى مأوى لرؤساء الخطايا السبع المميتة، أليس كذلك؟ لكن ألم يقولوا في البث الأخير أنهم نصبوا أنفسهم في كل برج تحكم؟”

 

 

بدا فيريس متوترًا للغاية لدرجة أن أحدًا لم يتمكن من مقاطعته. جميع الحاضرين فهموا الموقف الخطير. لم يمكن الوثوق بحياة ميمي الجريحة إلا بين يديه.

“…؟ وماذا عن ذلك؟ هل هناك شيء غريب في ذلك؟”

 

 

في الواقع، كان سوبارو قد مر بجولة سابقة رأى فيها راينهارد يشتبك مع طائفة الساحرة. لكن هذه المرة، لم يظهر الرجل منذ بدء هجوم الطائفة بشكل جدي.

“أوه، فهمت الآن! نعم، معك حق!”

 

 

كان غارفيل وريكاردو، اللذان يتمتعان بحاسة شم قوية، يقودان المجموعة من الأمام. تبعهما كروش وويلهيلم، بينما سوبارو ويوليوس يسيران في المؤخرة.

أعرب ريكاردو عن حيرته، لكن سوبارو فهم ما كان أل يحاول الوصول إليه. على ما يبدو، كانوا قد تمركزوا في أبراج التحكم المختلفة — وماذا يعني هذا التوزيع؟

 

 

“ماذااا؟!”

“استولى رؤساء الخطايا على أبراج التحكم في نفس الوقت… لكن لا أعتقد أنهم يعملون معًا كعائلة متماسكة وسعيدة. إنهم من النوع الذي قد يبدأ في الانقلاب على بعضهم البعض حتى في وجود أعدائهم.”

“…”

 

“الجرح لم يُغلق بعد. في الوقت الحالي، فعلتُ ما بوسعي وأوقفت النزيف بطرق بدائية… ثم استعنت بقوة البركة المشتركة بين ميمي وإخوتها الصغار، وبالكاد نحافظ على حياتها الآن.”

استعاد سوبارو بوضوح كيف كاد سيريوس وريغولوس أن يتعاركا.

لترك تلك الفرصة تفلت من بين يديه —

 

“ماذااا؟!”

لو لم يكن سوبارو في الطريق، لربما انتهت المواجهة في ساحة برج الزمن بإسقاط أحدهما الآخر. في الأصل، لم تكن مصطلحات مثل الانسجام أو النشاط الجماعي تناسبهم على الإطلاق.

“— كروش، الخطة باء!”

 

 

هل يمكن لمثل هذه الشخصيات الفردية المفرطة أن تكبح جماح نفسها وتنسق بشكل صحيح؟

“هذا صحيح، لقد نسيت شيئًا مهمًا جدًا! أوه، ما الذي كنت أفكر فيه؟ لقد كان ذلك قريبًا للغاية.”

 

نظرات. كانت نظرات. نظرات، نظرات، نظرات، نظرات.

“حقيقة أن أحدًا آخر لم يتحدث خلال بث الشهوة تبدو داعمة لهذه النظرية. إنهم جميعًا متحمسون جدًا للترويج لقضاياهم الخاصة بحيث لا يتركون شيئًا كهذا لأي شخص آخر.”

 

 

تحدث ريكاردو بصوت متقطع وهو ينظر إلى فيريس فوق رأس أناستاشيا، متأملًا سماع أخبار جيدة. خلف ريكاردو، حدق غارفيل في فيريس وكأنه يتشبث بكل كلمة يقولها.

“لا أستطيع وصف ذلك إلا برأي ذاتي للغاية… ومع ذلك، فهو مقنع بطريقة غريبة.”

 

 

 

قناعة سوبارو جعلت يوليوس يقطب حاجبيه المميزين وهو يغلق إحدى عينيه ويتمعن في إمكانية صحة الأمر.

“…”

 

 

لم يكن هناك شك أن هذه كانت أكثر النظريات تخمينًا والتي ناقشوها حتى الآن. ومع ذلك، بات سوبارو واثقًا من استنتاجاته. بعد أن واجه ثلاثة من رؤساء الخطايا السبع المميتة وجهًا لوجه، وبعد أن تعامل بشكل غير مباشر مع الرابع، آمن ناتسكي سوبارو تمامًا بطبيعتهم المشوهة.

“حتى لو صدّا هجمات السيدة كروش، فلا مفر من قيد قوس قزح!”

 

“أوووووه!!”

ثم، تمامًا عندما بدا هجومهم المضاد على قاعة المدينة أمرًا ممكنًا حقًا —

 

 

وعندما فعلت، رأت شابًا وحيدًا كان قد صادفها سابقًا في شوارع المدينة، يقف الآن في الممر. وبينما يبتسم وهو يراقب إيميليا، لاحظت شعره الأبيض وملابسه التي تكاد تكون بيضاء بالكامل.

“ـــــ هاه. بطريقة ما، استطعت انهاء العلاج.”

فُتِح باب الغرفة المجاورة، وخرج فيريس مغطىً بطبقة من العرق وهو يترنح إلى الأمام. كان جسده ملطخًا ببقع الدم رغم أنه قد غير ملابسه مرة واحدة بالفعل. مسح جبينه بمنشفة وهو يقدم تقريره إلى أناستاشيا.

 

 

فُتِح باب الغرفة المجاورة، وخرج فيريس مغطىً بطبقة من العرق وهو يترنح إلى الأمام. كان جسده ملطخًا ببقع الدم رغم أنه قد غير ملابسه مرة واحدة بالفعل. مسح جبينه بمنشفة وهو يقدم تقريره إلى أناستاشيا.

 

 

 

“سيدة أناستاشيا، فعلتُ كل ما بوسعي. الباقي…”

“لا تفترضي أنكِ تستطيعين الانسحاب بسهولة! يجب أن أتأكد من ذلك!”

 

 

“كيف حال ميمي؟ هل يمكنك إنقاذها؟ ستفعل، أليس كذلك؟”

“— غرااااه!!”

 

“الناس مخلوقات لا يمكنها العيش دون أن تحب أحدًا. لكن بما أنهم مخلوقات لا يمكنها أن تحب شيئًا غريبًا أو مقززًا، فمن خلال عملية الاستبعاد، لا يمكنهم العيش دون أن يحبوا شيئًا يمكنهم أن يحبوه.”

تحدث ريكاردو بصوت متقطع وهو ينظر إلى فيريس فوق رأس أناستاشيا، متأملًا سماع أخبار جيدة. خلف ريكاردو، حدق غارفيل في فيريس وكأنه يتشبث بكل كلمة يقولها.

 

 

 

تحت تركيز أنظارهم، ونداءاتهم المخلصة، واهتمام الجميع في الغرفة، خفض فيريس عينيه.

“رسمياً، أنا فارس أرواح. لقد سمعت شائعات أنك من عشاق الطعام، فهل ستمنح أزهاري الجميلة استقبالًا حارًا؟”

 

 

“الجرح لم يُغلق بعد. في الوقت الحالي، فعلتُ ما بوسعي وأوقفت النزيف بطرق بدائية… ثم استعنت بقوة البركة المشتركة بين ميمي وإخوتها الصغار، وبالكاد نحافظ على حياتها الآن.”

استمر ريكاردو في استكشاف الطريق بأنفه، وأومأ غارفيل بصمت.

 

تصاعد شعور الخوف في عمود سوبارو الفقري بينما واصل مشاهدة الخصمين ينفذان أعمالاً شبه خارقة للطبيعة، تتجاوز حتى ما سمع عنه سابقًا.

“بالبركة، هل تقصد بركة الثلاثة؟ وماذا سيحدث لهم؟”

“لا تظن أنك تستطيع استخدام كلمات جميلة وتغفل عن الباقي! كل هذا الهراء عن الداخل، بلا بلا، الشخصية، بلا بلا، توافق الطباع، بلا بلا — كلها مجرد ضوضاء! المظهر الخارجي، شكل الوجه — الشيء الوحيد الذي يجذب لحمًا إلى لحم آخر هو التحفيز البصري! إذا كان الحب حقًا ما يربط بين شخصين، فلماذا لا تحاول تزيين الأمور بتلك الكلمات البراقة، تنظر بتلك العيون البراقة، وتتحدث عن مستقبلك البراق بعد أن يتم تحويل محبوبتك إلى ذبابة؟! هل يمكنك أن تحبها؟ بالطبع لا تستطيع! إنها تُنفرك، أليس كذلك؟! إنه أمر مزعج، أليس كذلك؟! لا يمكنك إلا أن تشعر بالاشمئزاز، صحيح؟! أنت من قلت ذلك لي بصوت واضح ومسموع!!”

 

 

“تمنح البركة قوة مشاركة الجروح والإرهاق بين الثلاثة في الأصل، أليس كذلك؟ لقد قَوَّوا تلك الرابطة، مما جعلهم يتحملون قدرًا أكبر من جراح ميمي عما يتحملونه عادة. هذا منحنا وقتًا إضافيًا، ولكن…”

“في الواقع، بخصوص ذلك… هذا الاجتماع الحماسي رائع وكل شيء، ولكن…”

 

 

“— عندما تنتهي حياة الأخت الكبرى، يعني ذلك أننا سنموت أيضًا، أليس كذلك؟”

بالطبع، كان من المنطقي التفكير بأنها تخدع سوبارو والبقية لجعلهم يخفضون حذرهم كجزء من نوع من الحيل، لكن —

 

بدت تلك عبارة هادئة، لكن نبرة ذلك الصوت دفعت سوبارو ليرفع رأسه وهو يشعر بشيء غريب.

من باب الغرفة الأخرى، تدخل صوت آخر ضعيف النفس.

 

 

“السيد سوبارو.”

عندما تحرك فيريس جانبًا، تمكن الجميع من رؤية هيتارو وتي بي جالسين على أرضية الغرفة المجاورة. كان هناك سرير بسيط بينهما، وتمدّدت عليه ميمي.

 

 

 

ظلت الأخت الكبرى تواصل نومها بينما امسك الأخوان الأصغر بيديها بلطف. ومع ذلك، ظلت أيديهما الحرة مضغوطة على صدريهما، تظهر عليهما علامات واضحة للألم.

بالتصفيق برفق، استأنفت أناستاشيا دورها المعيّن كقائدة للاجتماع. ثم، وقد فردت يديها، وجهت نظرتها نحو سوبارو بعينيها الزرقاوين الفاتحتين المستديرتين.

 

تردد غارفيل قليلًا، مذهولًا من هذا العرض المروع من الوحشية.

“— أيها الأحمقان. أقسم أنكما لا تمتلكان ذرة من المنطق.”

 

 

 

“…عندما أفكر في هذا كألم الأخت الكبرى، أشعر ببعض السعادة لأني أستطيع مشاركته معها.”

 

 

 

“أنا لستُ مفتونًا بهذا كما يبدو أخي الأكبر. لذا، أيها القائد، أثق أنك ستفعل شيئًا حيال هذا في أسرع وقت ممكن — لأنه إذا متنا، فسنطاردك نحن الثلاثة بلا شك.”

 

 

 

بتحمل جزء من جروح أختهم، واجه الأخوان الصغيران نفس الخطر المميت. شجاعتهما جعلت أنياب ريكاردو ترتجف. في محاولة لتهدئته، وضع فيريس يده على كتفه وطمأنه.

 

 

 

“لا تغضب منهما. هؤلاء الأطفال يائسون فقط لإنقاذ ميمي.”

لقد كان بيانًا أحادي الجانب من النوايا الشريرة، والذي اختفى فجأة كما بدأ. طريقتها في الحديث بدت تمامًا مثل ما يمكن توقعه من أحد رؤساء الخطايا السبع الكبرى — تجسيدًا جديدًا للقبح.

 

كانت إيميليا تملك الأفضلية لفترة من الوقت أثناء القتال، لكن الأوضاع انقلبت في النهاية، وهاجمتها ألسنة اللهب العاتية —

وقف فيريس مدافعًا عن قرار الأخوين الصغيرين. ولكن في الحقيقة، بدا صوته مثقلًا بندم واضح على قلة قدرته.

 

 

“لا! لقد تمكنا من الدفاع! لم أصب هدفًا!”

“ليس هذا خطأك، فيريس. بالإضافة، أظن أن هذين الاثنين هما من خططا لهذه الفكرة بنفسيهما، أليس كذلك؟ هؤلاء الأطفال يصعب التعامل معهم. لا يتوقفون للتفكير عندما يتعلق الأمر بأختهم الكبرى المحبوبة.”

لإنقاذ إيميليا، كان عليهم منع دمار المدينة واستعادة السيطرة على الميتيا. تحقيق كلا الهدفين يتطلب هزيمة الشهوة في قاعة المدينة.

 

 

بابتسامة خفيفة، أظهرت أناستاشيا تفهمها لقرار مرؤوسيها — عائلتها.

 

 

“الشرااااهة!!!”

ثم بدا أن أناستاشيا عضّت على أسنانها ببطء.

 

 

 

“ريكاردو.”

 

 

“سوبارو، ما الذي ستفعله؟”

“إذا كنا سنفعلها، فلنفعلها بسرعة. وإلا، لن يكون هناك فائدة. هل أنا مخطئ، رئيسة؟”

الاستمرار في التوتر بشأن كل قلق يطرأ سيغرق أي محارب في ظلال قاتمة.

عندما دُعي للحديث، أجاب ريكاردو دون تردد. من زمجرته المنخفضة، بدا واضحًا أنه لا أحد يستطيع إيقاف عزمه على القتال — ولا أحد فشل في فهم المشاعر التي تدفعه للمضي قدمًا.

“مع ذلك، أرجو منك ألا تجهدي نفسك أكثر من اللازم. أطلب باحترام أن تعطي الأولوية لسلامتك.”

 

 

بضغطة من حذائه، اعتدل يوليوس واستقام ظهره، مقدمًا تحية فارس محترمة إلى أناستاشيا.

 

 

 

“السيدة أناستاشيا، إذا أمرتِ بذلك، يمكن لجميع أعضاء الأنياب الحديدية التحرك فورًا.”

بعد أن توصل إلى هذا الاستنتاج، أدرك متأخرًا أنه لا بد أن ذلك الذيل هو ما ضربه سابقًا.

 

 

“شكرًا. ستؤمن أنيابنا الحديدية الطريق إلى قاعة المدينة. بعد ذلك، من الناحية المثالية، ستشن النخبة هجومها وتسيطر على المبنى دون تأخير. أعداؤنا هم رجل ضخم، وامرأة نحيلة،  ومطران خطيئة الشهوة.”

“ريكاردو.”

 

“لقد استولى العدو على الأبراج الأربعة للتحكم، بالإضافة إلى المكاتب البلدية في مركز المدينة. ومع ذلك، فإن الهدف الأولي واضح. إخراج الشهوة من قاعة المدينة هو الأولوية. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الشهوة جادة في حديثها خلال ذلك البث السابق، فإن حياة الأشخاص داخل قاعة المدينة تصبح أكثر عرضة للخطر كلما طال انتظارنا.”

“في جانبنا، لدينا غارفيل، وريكاردو، وويلهيلم، ويوليوس، صحيح؟”

أدركت إيميليا غريزيًا أن حياتها أو موتها كانا مرتبطين مباشرة بأبسط حركة من يديه.

 

 

“— سأشارك أيضًا.”

“هناك من تورط في وفاتها، وفي تدنيس روحها. أقسم على سيفي والأيام التي قضيتها معها — سوف يدفعون الثمن.”

 

 

كانت كروش من رفعت صوتها.

عادت إلى شكل الفتاة ذات الشعر الأشقر والعينين الحمراوين مرة أخرى — حينها فجأة نظرت كابيلا خلفها.

 

“إذن، سأقدم لك المزيد من المفاجآت. ازدهري، أزهاري الجميلة!”

بدا شعرها الأخضر الطويل مربوطًا إلى الخلف، مع سيف طويل يتدلى من خصرها.

 

 

“…يا لكِ من سيدة عنيدة أخدمها. بالطبع، هذا بالضبط هو السبب الذي جعلني أكرس سيفي لكِ.”

أعادت ربط أحزمة حذائها بإحكام بينما تطوعت بجرأة لتصبح في الخطوط الأمامية.

 

 

“لقد أرسلتُ زهور البراعم لاستطلاع المنطقة، ولكن يبدو أنه لا يوجد أي أثر لقوات متربصة في كمين. ووفقًا للسيد كيريتاكا، فإن المدخل الوحيد إلى قاعة المدينة هو من الأمام — لا خيار لدينا سوى مواجهتهم مباشرة.”

“هل أنتِ متأكدة من أنكِ مستعدة لهذا، كروش؟”

 

 

“حتى مع تدفق الدم المحدود في رأسك، ينبغي أن تفهم الآن من أين أتت تلك السحلية وتلك الذبابات، أليس كذلك؟”

“قد لا أكون كما كنت من قبل، لكنني تدربت مجددًا تحت إشراف ويلهيلم. كما أن لدي قوة بركة قراءة الرياح. ليس لدي نية لأن أكون عبئًا على أحد.”

السيف مقابل السيف، والقبضة مقابل الضربة — التقت الضربات الغاضبة مرة بعد مرة، دون أن تسمح لأي أحد في الساحة بلحظة راحة.

 

إذا كانت سلطة الشهوة لدى كابيلا تتيح لها أن تحول جسدها وتغيره بحرية — فماذا لو لم يكن هذا مقتصرًا على جسدها فقط بل يمكن تطبيقه على الآخرين أيضًا؟

قبل أن تفقد ذاكرتها، كانت كروش قوية بما يكفي لتكون إحدى الأعضاء البارزين في معركة الحوت الأبيض. لكن الآن، لم يكن سوبارو متأكدًا من مدى قوتها. إذا كان صريحًا، حتى هيبتها لم تضاهِ كروش القديمة، ولم يعتقد أن شخصيتها الحالية ملائمة للقتال، ولكن —

 

 

 

— أصبحت مدينة بوابة المياه بريستيلا هادئة جدًا لدرجة أن أحداث ذلك الصباح بدت وكأنها سراب.

 

— عذرًا، ريم. من فضلك انتظري قليلاً بعد.

“قدرات السيدة كروش الطبيعية لم تضعف بأي شكل من الأشكال. قوتها بالسيف كافية تمامًا. أضمن ذلك.”

 

على ما يبدو، أراد ويلهيلم تبديد مخاوف سوبارو، فأعطى تأكيدًا قويًا. وهو يضع يده على مقبض سيفه، وجه عينيه الزرقاوين نحو سيدته.

 

 

بدا غارفيل ضعيفًا، وكأنه ينكمش على نفسه وهو يعاني من هذا التفكير. رهبة قوتهما وشعوره بالذنب لتعرض ميمي للأذى جعلا غارفيل يبدو صغيرًا للغاية.

“مع ذلك، أرجو منك ألا تجهدي نفسك أكثر من اللازم. أطلب باحترام أن تعطي الأولوية لسلامتك.”

 

 

بتفحص سيفه، ألقى يوليوس نظرة على التنين الذي يحلق فوقهم بينما علق بصوت خافت. وبينما يتفق سوبارو معه ذهنياً، رأى أن المقاتلين بالسيوف الواقفين على السطح بدوا متيبسين بفعل الرهبة من ظهور رفيقتهم، التنين المجنح، التي يعلوهم.

“واجب النبلاء هو الوقوف أمام العامة، وتحمل مشاق القتال، وإراقة الدماء إذا لزم الأمر. التهرب من تلك المسؤولية باسم الحفاظ على الذات سيؤدي فقط إلى معاناة الأبرياء. سأقاتل، ويلهيلم.”

بناءً على ندائه، انطلق سوبارو والبقية نحو قاعة المدينة كوحدة واحدة. عند الانعطاف حول زاوية، اندفعوا إلى الساحة التي تقع أمام قاعة المدينة. وكما هو الحال دائمًا، كان غارفيل يتقدم المجموعة، وعندما أصبحت الساحة مرئية، ضيق عينيه الخضراوين وصاح.

 

 

“…يا لكِ من سيدة عنيدة أخدمها. بالطبع، هذا بالضبط هو السبب الذي جعلني أكرس سيفي لكِ.”

 

 

 

تمسكت كروش بموقفها حتى مع تحذيرات ويلهيلم. وعندما وقف الأخير منتصبًا موافقًا على جواب سيدته، رفع فيريس يده بسرعة.

“مم؟ آه، تقصد هذه. حسنًا، حسنًا، حسنًا. أتساءل كيف تبدو لأكياس لحم مثلك؟”

 

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

“نعم! نعم! فيريس الرائع الخاص بكِ سيأتي معكِ! أرجوكِ، دعيني أرافقكِ!”

كان اهتمام سوبارو بالآخرين واحدًا من فضائله التي قد تبدو جبانة أحيانًا، لكن الشاب الواقف أمامها لم يمتلك أيًا من ذلك. بدا واضحًا أنه لم يكترث على الإطلاق بالمجاملة أو مراعاة مشاعر الآخرين في كلماته وأفعاله.

 

 

“فيريس، اذهب إلى الملاجئ الأخرى واعتنِ بمن يحتاج إلى علاج. أنا سعيدة لأنك تفكر بي، لكن حتى وإن كان ذلك من أجلي، لا تفقد تركيزك على ساحة المعركة التي يجب أن تكون فيها.”

 

 

 

“آآآآآه…”

ربما كانت كلمات كائن فضائي من الفضاء الخارجي.

 

كان هدفهم هو الباب المؤدي إلى الداخل — أو ربما لا. كان عليهم الانحراف نحو الدرابزين المنحني للسقف. قافزين فوقه بخطوة واحدة، دعم سوبارو كروش بينما ألقى نظرة أخيرة على المعركة التي تدور خلفهم.

بعد رفض طلبه، راح فيريس يجهد عقله بحثًا عن طريقة للاعتراض. ولكن، غير قادر على إيجاد أي خطأ في حجة كروش المعقولة للغاية، استسلم أخيرًا بوجه مليء بالحزن.

 

 

 

“أيها العجوز ويلهيلم، اعتنِ بالسيدة كروش. عليك أن تحافظ على سلامتها مهما كان الثمن.”

 

 

ذلك التحول المفاجئ والتهديد الذي وعد بالعنف جعل سوبارو يلهث بحثًا عن الهواء.

“بالطبع. سأحرص على ذلك، حتى لو يعني أنني سألاقي نهايتي في هذه الأرض.”

 

 

 

بدا رد ويلهيلم مفعمًا بعزيمة قوية ونبيلة.

بعد أن توصل إلى هذا الاستنتاج، أدرك متأخرًا أنه لا بد أن ذلك الذيل هو ما ضربه سابقًا.

 

 

في النهاية، مع انضمام كروش، بلغ العدد الأساسي للقوة المكلفة باستعادة قاعة المدينة خمسة أشخاص.

هذا الهجوم قد ألحق جروحًا عميقة بالحوت الأبيض في السابق، وهو الآن ينطلق نحو هدفه. وبعد لحظة، أصاب الهجوم مباشرة الشخصين في الهواء.

 

 

وبينما يراجع قائمتهم، لاحظ سوبارو وجود أل جالسًا على الدرج.

معلومات، نقاط ضعف، أدلة عن العدو، أي شيء قد ينفع — بهذه العقلية، لاحظ سوبارو صوتًا معينًا.

 

 

“هل يمكننا الاعتماد عليك في القتال القادم؟ لم يسبق لي أن رأيتك تقاتل، ولكن…”

تجاوز الألم الناتج عن فقدان ساقه تأثيرات تقنية فيريس الخاصة، وأصبح الألم الحاد يغلي في دماغه، وتحول مجال رؤيته إلى اللون الأحمر.

 

تحت تركيز أنظارهم، ونداءاتهم المخلصة، واهتمام الجميع في الغرفة، خفض فيريس عينيه.

“في الواقع، بخصوص ذلك… هذا الاجتماع الحماسي رائع وكل شيء، ولكن…”

 

 

“لا تفترضي أنكِ تستطيعين الانسحاب بسهولة! يجب أن أتأكد من ذلك!”

“ما الأمر؟”

كما قالت، كانوا في الوقت الحالي مجهزين بشكل جيد ومستعدين للقتال. كانت شركة “ميوز” تستضيف حاليًا غارفيل، وريكاردو، ويوليوس، وويلهيلم، وجميعهم محاربون متميزون.

 

 

حك أل مؤخرة رقبته وهو ينهض. ثم، بينما يضغط راحة يده على غمد السيف الكبير المثبت على وركه، أدار رأسه ونظر ببعض الانزعاج.

تحت هذا السيل من الكراهية، نظر سوبارو إلى غارفيل، الذي كان مستلقيًا على الحائط. يغطي وجهه بكلتا يديه ورأسه منكّس، وجسده مليء بالجروح. لم تكن من النوع الذي يمكن تجاهلها بالتأكيد.

 

 

“آسف بشأن هذا، لكن لا أستطيع الذهاب إلى قاعة المدينة. تغير الوضع. علي أن أنفصل عنكم للعثور على الأميرة والبقاء معها.”

بينما يصرخ، قام روي ألفارد بتدوير ذراعيه بشكل غريب، وكأنه لا يكترث بمفاصله. فجأة، مزق صوت خدش عنيف السماء الزرقاء، واندفعت ذراع كروش إلى الخلف على الفور.

 

 

“ماذا؟! ما الذي تقوله في وقت كهذا؟!”

 

 

“ياااااه!”

“قلت آسف، أليس كذلك؟ أنا جاد بخصوص هذا.”

 

 

رأى ,يلهيلم تغير ملامح وجهه، ففعل ما أُمر به وحمل جسد ميمي الملطخ بالدماء. هرع الاثنان خارج غرفة المؤتمرات بخطوات متعجلة، متجهين إلى المستشفى الميداني في قبو البناية.

عندما أصيب سوبارو بالذهول من إعلانه المفاجئ، قدم أل اعتذارًا غامضًا، لكن هذا لم يكن شيئًا يمكن حله باعتذار سريع. أراد سوبارو أن يعرف ما الذي يفكر فيه أل بالضبط.

“هاهاها، هذا شيء مذهل! كحيلة مسلية، أعنى.”

 

 

“للأساسيات، ألم تكن أنت من قال أنك لا تحتاج إلى القلق بشأن بريسيلا؟”

بينما ناداه شقيقه الأصغر العزيز، حدق سوبارو في كابيلا، التي ظلت تحلق في الأعلى، دون أن ينطق بكلمة. عند ملاحظتها لنظراته، ضاقت عيون التنين الأحمر، وكأنها وجدت الأمر غير سار.

 

 

“كان ذلك قبل أن أحصل على كل هذه المعلومات الجديدة واضطراري إلى إعادة تقييم كل شيء. بالإضافة، حتى لو كنت هناك، لن أكون ذا فائدة في قتال الزعماء في قاعة المدينة. إذا كنت سأعيق الفريق فقط، فمن الأفضل ألا أكون هناك. هل أنا مخطئ؟”

“كروش؟!”

 

وفي اللحظة التي استوعب فيها سوبارو كل هذا، انحنى الاثنان قليلاً للأمام وبدآ في تنفيذ هجماتهما المضادة.

“أنت…”

 

 

“أستطيع أن أفعل أشياء مثل… انتظر، ماذا؟”

عندما أكد أل ضعفه الخاص، لم يستطع سوبارو سوى التحديق.

“…”

 

 

كان أل مشاركًا بالكامل في الاجتماع حتى تلك اللحظة، لذلك فهم تمامًا ما هو على المحك. إذا لم يستعيدوا قاعة المدينة ويطردوا الشهوة، ستصبح المدينة بأكملها في خطر. لم يكن من الممكن ألا يفهم ذلك.

وضعت كابيلا قدمها على صدر كروش، وأخذت تضغط بكعبها. ومع أفعالها العنيفة المبتذلة وضحكاتها الساخرة، تجاوز غضب سوبارو كل الحدود. اشتعلت مشاعره بينما نهض عن الأرض، مستعدًا بسوطه.

 

 

“— يا سيد أل، ألن تعيد النظر في الأمر؟”

 

 

 

مع ترك دهشة سوبارو جانبًا للحظة، استغل يوليوس الفرصة لطرح سؤال إضافي على أل. ملتفتًا للحديث مع “فارس النبلاء”، قال أل ببساطة، “نعم”، وأومأ برأسه دون حماس.

 

 

 

“آسف، لن أغير رأيي… على عكسكم، لم أتمكن من إعادة التواصل مع سيدتي.”

في اللحظة التي تجمدت فيها أفكاره، جاءت ضحكة كابيلا الساخرة وإعصار أسود ضرب سوبارو من الجانب، وأطاح به.

 

في الحقيقة، لم يعد هذا بثًا يهدف إلى تخويف المستمعين. لقد أصبح مجرد وسيلة للسخرية والازدراء، والبصق على الجهود الشجاعة للآخرين. كان طقسًا ساديًا.

“من الطبيعي أن يفكر التابع في سيده. لن أنتقدك على ذلك.”

 

 

 

“أقدّر ذلك. أنا سعيد لأنك تفهم.”

“أنا خائف من السؤال… ولكن، ويلهيلم، ذراعك…؟”

 

“وكأنني سأدعك تفعل ذلك!”

جاء رد أل على كلمات يوليوس الأنيقة بنبرة باردة بطريقة ما. بدا أنه يشعر بالذنب لمعارضة قرار الجميع واختياره التصرف بمفرده. ثم نظر إلى سوبارو مرة أخرى.

“بوا-ها-ها-ها! حقًا، كيف يمكن أن تكونوا ساذجين إلى هذا الحد؟ هل اعتقدتم حقًا أنكم تتفوقون عليّ؟ أنا؟! هذا لا يستحق حتى الضحك! بوا-ها-ها-ها-ها!”

 

“آه، إلى متى سأظل أتخبط في الظلام؟ إذا لم يكن هنا، فهو ليس هنا. القلق لن يزيل المخاوف، وليس الأمر مسألة ما إذا كنا سنفوز؛ بل أننا سنفوز. حان الوقت لتركيز عقلي على المهمة…!”

“هذا ليس بالضبط ما كنت أتحدث عنه، لكنك في نفس الموقف، أليس كذلك، أيها الأخ؟ أعتقد أن عليّ إعطاء الأولوية لامرأة تهمني على الذهاب إلى قاعة المدينة.”

عندما حاول أن يعطي يوليوس إجابة واثقة، قطع كلامه بتنهد.

 

بدأت الأوعية الدموية تتلوى، والأنسجة تتمدد، والعظام تُصدر صوت تكسر مسموعًا، والأنسجة الممزقة تُصلح نفسها، وجسد كابيلا المدمّر يُعيد ترميم نفسه بسرعة تتحدى أي معيار طبيعي.

“…”

قرأت كابيلا أفكار سوبارو من خلال التغيرات الدقيقة في تعبيرات وجهه، وضحكت بازدراء.

 

 

“مع ذلك، أنا متأكد أن هناك حدودًا لما يمكنك فعله بساقك هذه.”

“أرغ…”

 

 

تسبب تأكيد أل في تجعيد وجه سوبارو كما لو أنه تلقى ضربة مؤلمة.

 

 

 

بمعنى ما، بدا موقف أل معقولًا تمامًا. بغض النظر عن المبررات التي قد يقدمها سوبارو، لم تكن سلامة إيميليا مضمونة على الإطلاق. من الممكن تمامًا أنها في خطر في تلك اللحظة بالذات.

منحنياً تحت رأسها، انزلق بين ساقيها، متجاوزًا الزجاج المكسور بعزيمة قوية وهو يتجه مباشرة نحو الفتاة. التقط جسدها المرتجف، وضرب بسوطه ظهر التنين الأسود. لم يلحق الضرر بشكل ظاهر، ولكنه بالتأكيد جعله يشعر بتحسن.

 

تحولت من شكلها البشع إلى شكل صبي بسيط المظهر، ثم طالت أطرافها وتحولت إلى امرأة فاتنة ممتلئة. وفي لمح البصر، تغيرت مرة أخرى، لتصبح النموذج المثالي لفتاة قروية بائسة، وبعد لحظة، اتخذت شكل فتاة صغيرة جدًا، مع ابتسامة غير لائقة ترتسم على وجهها الملائكي.

ومع إصابة ساقه بهذه الشدة، بات لدى سوبارو خيارات قليلة منطقية يختار منها.

 

 

 

— ردًا على كلمات أل، لم يكن هناك الكثير الذي يمكن لسوبارو فعله.

في اللحظة التي أعلن فيها الصبي نفسه بوضوح على أنه يمثل الشراهة، أطلق سوبارو أقوى وأسرع ضربة بالسوط في حياته.

 

ربما كان الهدف الحقيقي من جعل المدينة بأكملها تسمع صوتها هو ببساطة إرهاب قلوب الآخرين —

“آاااااااااااااه!”

 

 

بطريقة معقدة وغير مباشرة، وصلت كلمات الشاب أخيرًا إلى صلب الموضوع.

“و-انتظر— سوبارو؟! ماذا تفعل؟!”

“…ما…هذا؟”

 

“ماذا سيحدث إذا تم تحريكها؟”

بينما يتحمل الألم الشديد في ساقه اليمنى، تمكن سوبارو بطريقة ما من النهوض على قدميه. عندما شاهد فيريس هذا المشهد، هرع إليه بسرعة وضربه على رأسه.

 

 

“النظر إليّ بتلك النظرات المليئة بالعاطفة يعني أنكم جميعًا مفتونون بي، أليس كذلك؟ ماذا، هل أنتم حيوانات في موسم التزاوج طوال العام؟ هل تستمتعون بهذه الفرصة للتحديق بي؟ يااااه، ماذا سأفعل؟!”

“آآآه، هذا مؤلم.”

“لماذا فعلت…؟! كروش، اعذريني!”

 

 

“بالطبع يؤلم! لقد قلت لك أنه يجب أن ترتاح، فلماذا تستمر في التصرف بتهور؟! ألديك مشكلة مع تشخيص فيري؟ لأنه ليس من الغريب أن تخسر على ساقك!”

 

 

 

“أردت، نوعًا ما، إثبات عزيمتي، أو شيء من هذا القبيل. فيريس، أنت أكثر شخص يجب أن يفهم شعوري.”

هزيمته ستنقذ فتاة، وسيسمح له ذلك برؤيتها مرة أخرى.

 

 

“أوووه…”

 

 

“— ها-ها-ها-ها! أتيتم، أتيتم، لقد أتيتم فعلاً، أليس كذلك؟!”

تحت تأثير عيني سوبارو السوداوين المكثفتين من مسافة قريبة، تجهم فيريس وناضل لتشكيل رد.

كانت كروش من رفعت صوتها.

 

“لا تظن أنك تستطيع استخدام كلمات جميلة وتغفل عن الباقي! كل هذا الهراء عن الداخل، بلا بلا، الشخصية، بلا بلا، توافق الطباع، بلا بلا — كلها مجرد ضوضاء! المظهر الخارجي، شكل الوجه — الشيء الوحيد الذي يجذب لحمًا إلى لحم آخر هو التحفيز البصري! إذا كان الحب حقًا ما يربط بين شخصين، فلماذا لا تحاول تزيين الأمور بتلك الكلمات البراقة، تنظر بتلك العيون البراقة، وتتحدث عن مستقبلك البراق بعد أن يتم تحويل محبوبتك إلى ذبابة؟! هل يمكنك أن تحبها؟ بالطبع لا تستطيع! إنها تُنفرك، أليس كذلك؟! إنه أمر مزعج، أليس كذلك؟! لا يمكنك إلا أن تشعر بالاشمئزاز، صحيح؟! أنت من قلت ذلك لي بصوت واضح ومسموع!!”

كان هذا رد سوبارو، سواء على كلمات أل أو على رفاقه الذين سيتجهون نحو مكان الموت. إذا كانت خياراته قد تقلصت بسبب إصابة ساقه، فسيضطر ببساطة إلى تجاوز ذلك بقوة الإرادة وحدها.

“أمم… آه…”

 

“آسف بشأن هذا، لكن لا أستطيع الذهاب إلى قاعة المدينة. تغير الوضع. علي أن أنفصل عنكم للعثور على الأميرة والبقاء معها.”

كان أل قد استشهد بضعفه كسبب لعدم المشاركة. وانطبق ذلك بلا شك على سوبارو أيضًا. ولكن سوبارو يمتلك قلب مخادع. إذا استطاع على الأقل دعم الآخرين باستخدام ذلك، إذن —

كان هناك شيء غريب يبرز من خلفيتها الجذابة التي لوحت بها نحوه، شيء لا ينبغي أن يكون هناك. كان ذلك…ذيلًا أسود، سميكًا، يشبه الزواحف — لا، كان ذيل تنين. ذيل تنين يبرز من خلفها.

 

في اللحظة التالية، رن صوت الجرس البعيد لبرج الساعة عبر سماء المدينة.

“— هناك معنى في أن أضغط على نفسي. هذا ما يمكنني فعله من أجل إيميليا.”

مع فتح فكيه على مصراعيهما، بدت أنيابه الحادة تشبه إلى حد كبير وحشًا جائعًا متوحشًا. لكن مستوى الخطر الذي يمثله هذا الصبي كان بعيدًا عن أي حيوان عادي. لقد كان أحد مكونات الفوضى الكابوسية التي اجتاحت المدينة.

 

“ربما الأمر يتعلق أكثر بالمكان الذي توجد فيه حاليًا أو الدور الذي تلعبه؟”

“…هل تقول أنه حتى لو فقدت ساقك، فلن تندم؟”

كما قالت، كانوا في الوقت الحالي مجهزين بشكل جيد ومستعدين للقتال. كانت شركة “ميوز” تستضيف حاليًا غارفيل، وريكاردو، ويوليوس، وويلهيلم، وجميعهم محاربون متميزون.

 

 

“بالطبع سأندم. لكن سيكون الأمر أسوأ إذا تراجعت الآن.”

 

 

 

“هااه… إذا كنت ستذهب إلى هذا الحد، فمن الأفضل لو حافظت على تصرفك البارد حتى النهاية.”

“أحيانًا، أعجب بتهورك من أعماق قلبي.”

 

“— عندما تقاتل تنينًا، الشيء المهم هو كسر أجنحته بأسرع وقت ممكن، لإسقاطه على الأرض. إذا سمحنا له بالتحليق في السماء كما يشاء، سيُمطر علينا أنفاسه التنينية دون معارضة. يجب تجنب هذا بأي ثمن.”

أصدر فيريس زفرة محبطة بينما مد يده نحو سوبارو، الذي كان يتنفس بصعوبة وهو يتحمل الألم. ثم مرر يده فوق الضمادة السميكة على ساق مريضه اليمنى.

“بالطبع يؤلم! لقد قلت لك أنه يجب أن ترتاح، فلماذا تستمر في التصرف بتهور؟! ألديك مشكلة مع تشخيص فيري؟ لأنه ليس من الغريب أن تخسر على ساقك!”

 

“الناس مخلوقات لا يمكنها العيش دون أن تحب أحدًا. لكن بما أنهم مخلوقات لا يمكنها أن تحب شيئًا غريبًا أو مقززًا، فمن خلال عملية الاستبعاد، لا يمكنهم العيش دون أن يحبوا شيئًا يمكنهم أن يحبوه.”

“سأستخدم حيلتي الخاصة إذن.”

في اللحظة التي اندفعوا فيها إلى الساحة، تسللت رائحة الدماء التي ذكرها ريكاردو إلى أنف سوبارو. وملأت رؤيته كومة من الجثث، تمامًا كما قال غارفيل — أو لا.

 

في الواقع، لقد نجح. بالنسبة لسوبارو، كان هزيمة الشراهة هو الهدف الوحيد الذي سعى لتحقيقه لأكثر من عام. لقد حلم بهذا اليوم مرات لا تُحصى حتى فقد العد.

“ماذا؟ أم… انتظر — آه، هذا مؤلم! هذا مؤلم جدًا! انتظر، آه، آه، آه! حقًا… لا… يؤلم؟”

 

 

 

بالتدريج، أحاطت ساقه حرارة وضوء خفيف قادمين من يد فيريس. شيئًا فشيئًا، بدأ الألم المزعج يتلاشى، وسرعان ما شعر أن حال ساقه أفضل من ذي قبل.

 

 

 

“مهلاً، هل أنت جاد…؟! إذا كنت تملك مثل هذه السحر المفيد طوال الوقت، لماذا تبخل باستخدامه في وقت أبكر؟! نعم، نعم، نعم! أستطيع أن أتحرك! أستطيع أن…”

قفز غارفيل على قدميه كأنه يطير، مرتسمًا على وجهه تعبير غاضب ومليء بالحزن بينما يصرخ برغبته في الانتقام. وفي المقابل، وقف ريكاردو ونظر إلى الفتى من علوه بفارق طوله عنه.

 

 

مع اختفاء الألم تمامًا، بدأ سوبارو بالدوس بقوة على الأرض عدة مرات. وبعد ذلك، صفع ساقه حيث كانت الجرح. عندما فعل ذلك، شعر بشيء رطب على كفه. رأى أن يده أصبحت مغطاة باللون الأحمر العميق.

 

 

“تغيير الشكل، التحول…!”

كان الجرح في ساقه اليمنى قد انفتح مرة أخرى وبدأ ينزف بقوة كبيرة.

أي شخص يرى هذا الرجل سيدرك أنه لا داعي لأي كلمات إضافية. التعازي الرخيصة والمواساة ستكون إهانة لتصميمه.

 

 

“واو، واو، واو، لم يُشفَ؟!”

 

 

كان “آل” هو من أشار إلى خمولهم من مكانه على الطاولة الطويلة.

“لم أقل أبدًا إنني شفيته. فقط سألتك إذا كنت ستندم على فقدان الساق. كل ما فعلته هو إزالة إحساسك بالألم. إذا بذلت جهدًا كافيًا، يجب أن تكون قادرًا حتى على الركض.”

الإحساس المرعب والدقيق بالسيف الذي تباهت به المرأة المبارزة، إلى جانب السيوف العظيمة الأربعة والأذرع الثمانية للعملاق، جعلهما أشبه برُسُل الموت المزدوجين.

 

“…علينا أن نلقن كل الحمقى الذين هاجموا هذه المدينة درسًا قاسيًا. سنحتاج إلى قوتك لتحقيق ذلك. لا يمكنني تحمل رؤيتك مستسلمًا هكذا.”

تجمد سوبارو من الدهشة بسبب كمية الدماء التي تتدفق بينما يعيد فيريس ربط الجرح بضمادة جديدة. كما أوضح، ساقه لم تكن تؤلمه على الإطلاق.

وقفت كروش بجانب سوبارو وهي تصرخ، لتطلق هجومها الساحق، مهارة “ضربة واحدة، مئة يسقطون”، على ألفارد الشراهة.

 

أعرب ريكاردو عن حيرته، لكن سوبارو فهم ما كان أل يحاول الوصول إليه. على ما يبدو، كانوا قد تمركزوا في أبراج التحكم المختلفة — وماذا يعني هذا التوزيع؟

كان من الواضح جدًا أن هذا الوضع غير الطبيعي يعني أنه يمكنه تحمل بعض الإجهاد عليها.

“ماذا؟!”

 

“ــــ!! السيد سوبارو… آه.”

“أي إجهاد تضعه على ساقك سيصبح له تأثيرات خطيرة تمامًا، لذا حاول أن تكون حذرًا!”

 

 

“قد لا أكون كما كنت من قبل، لكنني تدربت مجددًا تحت إشراف ويلهيلم. كما أن لدي قوة بركة قراءة الرياح. ليس لدي نية لأن أكون عبئًا على أحد.”

“…فهمت. هذا يساعد كثيرًا. أنا مدين لك.”

 

 

 

“…لا توجد طريقة على الإطلاق أن يستمع سوبارو لما يقوله فيري، أليس كذلك؟”

تسبب تأكيد أل في تجعيد وجه سوبارو كما لو أنه تلقى ضربة مؤلمة.

 

 

في حين تحقق سوبارو من حالة ساقه مومئاً برأسه، نفخ فيريس وجنتيه وأدار وجهه بعيدًا بانزعاج.

“همم، ليس هذا الوقت المناسب لأكون محبطة. أنا متأخرة جدًا بالفعل؛ ليس لدي وقت للتوقف والتفكير. سأفكر أثناء المشي.”

 

أدركت إيميليا غريزيًا أن حياتها أو موتها كانا مرتبطين مباشرة بأبسط حركة من يديه.

كان سوبارو يتمنى أن يعترض ويقول: “هذا ليس صحيحًا”، لكنه لم يكن لديه أدنى فكرة عما قد يلجأ إليه حتى تحين اللحظة الحاسمة. لقد تعلم ألا يقدم وعودًا لا يستطيع الوفاء بها.

مستسلمًا، بالكاد تمكن غارفيل من تنفيذ ما طلبه منه سوبارو، وألقى تعويذة شفاء على جراحه. فتح عينيه الزمرديتين، ليظهر نظرة ضعيفة ضبابية مليئة بالحيرة والندم.

 

 

“حسنًا، سأضيف نفسي إلى الفريق الذي سيهاجم قاعة المدينة. فقط أخبركم مسبقًا، لا فائدة من محاولة إيقافي. صحيح أنني لا أستطيع المساهمة كثيرًا من حيث القوة الخام، لكن حتى أنا لدي أمور أستطيع فعلها…”

بعد أن توصل إلى هذا الاستنتاج، أدرك متأخرًا أنه لا بد أن ذلك الذيل هو ما ضربه سابقًا.

 

عندما نظر، كانت الإصابة الرهيبة التي سببتها الحجارة التي ألقاها قد شُفيت تمامًا، ولم يكن هناك أي علامة تدل على أنها أُصيبت. ربما غطّت الجرح بقدرتها التجديدية الهائلة أو باستخدام قدرتها على التحول.

“ما الذي تعنيه بـ’محاولة إيقافك’؟ شخص مثلك يعادل مئة رجل. نحن نعتمد عليك.”

قرأت كابيلا أفكار سوبارو من خلال التغيرات الدقيقة في تعبيرات وجهه، وضحكت بازدراء.

 

“— إذا ظهر الشراهة، لا تذكروا أسمائكم الحقيقية.”

“أستطيع أن أفعل أشياء مثل… انتظر، ماذا؟”

بينما شنجت التنين السوداء رأسها بعرضِ للخوف، قامت كروش بإنزال شفرتها عليها من الأمام.

 

ترك تقييم ريكاردو المفاجئ سوبارو عاجزًا عن إيجاد الكلمات. وعندما نظر حوله بحثًا عن إجابات، رأى يوليوس يهز كتفيه وويلهيلم يومئ برأسه بعمق.

كان سوبارو يتوقع موجة من الاعتراضات وكان مستعدًا لتبرير وجوده، لكن ريكاردو قبل اقتراحه دون أي تردد. وعندما لاحظ دهشة سوبارو من رده، شرح قائلاً. “يا أخي، رأيت كم بذلت من جهد، سواء خلال معركتنا مع الحوت الأبيض أو عندما قاتلنا الكسل. الأمر لا يقتصر على يوليوس وويلهيلم في تقديرهم لك.”

“آآآآه!”

 

 

“…”

 

 

**

ترك تقييم ريكاردو المفاجئ سوبارو عاجزًا عن إيجاد الكلمات. وعندما نظر حوله بحثًا عن إجابات، رأى يوليوس يهز كتفيه وويلهيلم يومئ برأسه بعمق.

“غارفيل! سنمضي لإيقاف الشهوة! بمجرد أن ننتهي هنا، علينا إنقاذ إيميليا! لا تخسر!”

 

انطلق صراخ مؤلم من حلقه بينما تمزق ظهره وتعرض للخدوش. وعندما اصطدم بالأرض مجددًا، حاول يائسًا أن يُعيد ذهنه للعمل مرة أخرى. لقد ضُرب، ثم قُذف، ثم قُطع — ماذا يعني ذلك؟

يبدو أنه لم يكن لدى أي منهما أي اعتراضات. بالإضافة إلى ذلك، كانت كروش تبتسم برقة أيضًا.

 

 

وقد دفعا الثمن — في الواقع، لا تزال “ميمي” تدفعه حتى أثناء حديثهم.

“لا حاجة للقول، سأكون مسرورة بدعمك. بكل تأكيد، السيد سوبارو، انضم إلينا.”

 

 

 

“أنتِ جادة؟ هذا يبدو غريبًا بعض الشيء، لكن…”

عندما رأت كابيلا أن قلوب سوبارو ورفاقه لم تنكسر، صاحت “ماذا؟”، كما لو كانت مذهولة تمامًا.

 

“أحيانًا، أعجب بتهورك من أعماق قلبي.”

كان سوبارو مرتبكًا تمامًا، غير معتاد على أن يُعتبر شخصًا يمكنه المساهمة في المعركة دون أدنى شك.

 

 

ثم تركه مع هذه الكلمات غير المبالية.

“تبا، هل ستكون متهورًا لهذا الحد هنا…؟”

 

 

 

عندما خرج هذا التذمر من أل بعد سلسلة التبادلات هذه، التفت سوبارو نحوه.

 

 

كان هدفهم هو الباب المؤدي إلى الداخل — أو ربما لا. كان عليهم الانحراف نحو الدرابزين المنحني للسقف. قافزين فوقه بخطوة واحدة، دعم سوبارو كروش بينما ألقى نظرة أخيرة على المعركة التي تدور خلفهم.

“أفهم ما تقوله، لكنني لا أزال أعتقد أن هذا هو القرار الأفضل. رغم ذلك، أشعر بالأسف.”

بالنظر إلى السرير والبطانية، كان من المؤكد أن أحدهم ظل يعتني بها. ذكّرت نفسها بضرورة شكر هذا الشخص، ومعرفة ما حدث منذ أن فقدت وعيها، والتأكد مما جرى لسوبارو و —

 

 

“لا حاجة للاعتذار لي. عليك فقط أن تفعل ما تريد، يا أخي. سأفعل الشيء نفسه — آه، لكن لدي نصيحة واحدة أعطيها لك.”

— لا، لم يكن الأمر أكثر من مجرد انطباع لسوبارو بأنهم ينظرون إليه. لم يكن لدى سوبارو طريقة لمعرفة ما إذا كانوا بالفعل يراقبون العالم من حولهم. لم يكن قادرًا على استيعاب مثل هذا الأمر.

 

تركيز، رفض، فهم، رفض، فهم، فهم، فهم—

“نصيحة؟”

ذراع ضخمة وحشية، ذيل تنين أسود، أجنحة طائر وحشي. كل هذا لم يكن يمكن وصفه إلا بأنه بشع.

 

 

عندما رفع أل إصبعه فجأة وقال شيئًا غير متوقع، أمال سوبارو رأسه بتساؤل. ثم، بصوت بدا خاليًا تمامًا من المشاعر، قال شيئًا واحدًا.

“مهلاً، هل أنت جاد…؟! إذا كنت تملك مثل هذه السحر المفيد طوال الوقت، لماذا تبخل باستخدامه في وقت أبكر؟! نعم، نعم، نعم! أستطيع أن أتحرك! أستطيع أن…”

 

“— جميع الذين قمتِ بتحوليهم أشخاص من قاعة المدينة؟”

“— إذا ظهر الشراهة، لا تذكروا أسمائكم الحقيقية.”

 

 

 

انتشرت قشعريرة على طول عمود سوبارو الفقري.

كان الجرح في ساقه اليمنى قد انفتح مرة أخرى وبدأ ينزف بقوة كبيرة.

 

 

تلك النصيحة، التي جاءت دون أي سابق إنذار، كانت كافية لتترك أثرًا عميقًا في قلبه.

 

 

 

بعينين متسعتين، حدق سوبارو مباشرة في أل. وأثناء نظره إلى وجه سوبارو المذهول، هز أل كتفيه بلا مبالاة.

 

 

 

“آمل أن نلتقي مرة أخرى سالمين يا أخي.”

 

 

 

ثم تركه مع هذه الكلمات غير المبالية.

مثلما هو حاله، كان باقي أعضاء الفريق يرزحون تحت وطأة قضايا مختلفة تؤرقهم.

 

 

**

“سحر الاندماج — أول غورا!!”

 

 

— أصبحت مدينة بوابة المياه بريستيلا هادئة جدًا لدرجة أن أحداث ذلك الصباح بدت وكأنها سراب.

ظلت الأخت الكبرى تواصل نومها بينما امسك الأخوان الأصغر بيديها بلطف. ومع ذلك، ظلت أيديهما الحرة مضغوطة على صدريهما، تظهر عليهما علامات واضحة للألم.

 

 

بينما يسير سوبارو على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة، كان يكفيه لمحة بسيطة إلى الجانب ليحصل على رؤية مثالية للقناة المائية الصافية بسلامها، متناقضةً تمامًا مع الأزمة التي تعصف بالمدينة. النظر إلى المياه التي تتدفق بهدوء قد يبدو وكأنه قد يزيل الدوامة الفوضوية التي تعصف داخل صدره، لكن ذلك سيكون كذبة. الكآبة التي شعر بها لم يمكن تخفيفها بوسائل بسيطة كهذه.

 

 

“أنتِ… ما الذي… بحق الجحيم… أنتِ؟”

“برسيلا وأتباعها دائمًا يتركون وراءهم فوضى… يا رجل، لقد ألقى قنبلة حقيقية قبل أن يغادر.”

“أوووه…”

 

 

تمتم سوبارو متذكراً الرسالة المدوية التي تلقاها عند اقترابهم من مغادرة شركة ميوز.

إضافة “الأنياب الحديدية” والقوات الخاصة بكيريتاكا، “حراشف التنين الأبيض”، سيعزز قوتهم بشكل أكبر.

 

ومع ذلك، قاطع كيريتاكا هذا الخط من التفكير، وهز رأسه جانبًا بوجه كئيب.

كانت مفاجأته بسماع أل يتحدث عن الجَشَع ليست بالأمر الصغير في حد ذاتها، لكن تلك لم تكن المعلومة الوحيدة التي قدمها الرجل الغامض. بعد ذلك، أضاف أل شيئًا آخر.

 

 

 

“…إذًا، من المحتمل أن جميع رؤساء الخطايا في بريستيلا الآن، أليس كذلك؟”

“هاه، يبدو أنك خصم عنيد، أليس كذلك؟”

 

“طرح أسئلة يمكنك استنتاج إجاباتها بمجرد النظر يجعلك أحمقًا بلا جدال، أليس كذلك؟ لكنني سأجيب بسبب عمق شفقتي. كما ترى، لقد تغلبت على الموت! أنا كائن كامل!!”

الآن بعد أن فكر في الأمر، بدا ذلك أكثر من محتمل.

 

 

“واو، واو، واو، لم يُشفَ؟!”

في الوقت الحالي، تم التأكد بالفعل من وجود ثلاثة رؤساء للخطايا السبع المميتة داخل المدينة. بالإضافة إلى ذلك، كانوا يعلمون أن طائفة الساحرة قد سيطرت على الأبراج الأربعة للتحكم، علاوة على استيلائها على قاعة المدينة.

“عقولكم ليست مهيأة للتفكير على أي حال، أليس كذلك؟ في هذا الوضع، لماذا قد تكون هناك لقمة سائغة فقط جالسة هنا في قاعة المدينة؟ كيف يمكنكم حتى العيش بعقلية غبية، حمقاء كهذه: آه، هناك فتاة في مشكلة — يجب أن أنقذها؟ هذا يفوق فهمي!”

 

 

نظرًا لأن خمس مواقع قد تم الاستيلاء عليها، وإذا كان كل منها تحت سيطرة أحد قادة طائفة الساحرة، فإن ذلك يعني أن الغضب، والجشع، والشهوة، والشراهة، والفخر جميعهم متواجدون.

على ما يبدو، أراد ويلهيلم تبديد مخاوف سوبارو، فأعطى تأكيدًا قويًا. وهو يضع يده على مقبض سيفه، وجه عينيه الزرقاوين نحو سيدته.

 

 

“— أنت تفكر بعمق شديد يا سوبارو. يجب أن تهدأ قليلاً.”

“بالطبع يؤلم! لقد قلت لك أنه يجب أن ترتاح، فلماذا تستمر في التصرف بتهور؟! ألديك مشكلة مع تشخيص فيري؟ لأنه ليس من الغريب أن تخسر على ساقك!”

“أرغ…”

كان أل مشاركًا بالكامل في الاجتماع حتى تلك اللحظة، لذلك فهم تمامًا ما هو على المحك. إذا لم يستعيدوا قاعة المدينة ويطردوا الشهوة، ستصبح المدينة بأكملها في خطر. لم يكن من الممكن ألا يفهم ذلك.

 

“يجعل كل شعرة في جسدي تقف! أنتِ…! أنتم مجرد…!”

غارقاً في التفكير، فاجأه أحدهم بالنقر على كتفه. لم يلاحظ سوبارو أنه نسي حتى أن يتنفس إلا حينها. وعندما نظر إلى جانبه، رأى يوليوس يقف بجانبه مباشرةً، محدقًا فيه بنظرة قلقة. تراجع سوبارو على الفور.

“أحيانًا، أعجب بتهورك من أعماق قلبي.”

 

في حالة قريبة من الموت، عند نقطة لم يعد فيها حتى الألم سوى مفهوم غامض، تلقى صدمة مفاجئة.

أثارت تلك المبالغة في رد الفعل ضحكة مكتومة من يوليوس الذي قال: “همف”، قبل أن يكمل حديثه.

 

“يبدو أنك استعدت وعيك.”

 

“نعم، في الحقيقة أنا ممتن لذلك… لقد تعمقت أكثر مما يجب.”

عبس سوبارو أمام أسلوب يوليوس غير المعتاد في الحديث. كان رد يوليوس الوحيد هو ابتسامة مغرورة.

“ليس مستغربًا. بصراحة، لديك الكثير مما يشغل بالك. استعادة قاعة المدينة وضمان سلامة السيدة إيميليا. ثم هناك احتمال وجود عدوك القدري، الشراهة.”

 

“…”

“…؟ وماذا عن ذلك؟ هل هناك شيء غريب في ذلك؟”

 

“غنغه، غااااه!!”

“لو كنت في مكانك، لشككت في قدرتي على البقاء هادئًا كما تفعل. في هذا الجانب، جهودك أكثر من كافية. يجب أن تفخر بذلك.”

 

“ما الذي يجري معك…؟ لا تجعلني أشعر بالغرابة هكذا…”

 

قطب سوبارو حاجبيه، وهو يشعر بقشعريرة بعد تلقيه ذلك الإطراء المبالغ فيه. كان يعلم أن يوليوس لم يحمل أي نوايا سيئة، لكن ما شعر به تجاه لطفه كان مسألة مختلفة.

كان عليها التأكد بأسرع وقت ممكن مما إذا تم حل الوضع مع أسقف الخطايا السبع. مستشهدةً بتلك الظروف كسبب مقنع، غادرت إيميليا الغرفة مع بطانية واحدة فوقها.

 

 

مع ذلك، وبفضل تفهم يوليوس، استعاد سوبارو ما يكفي من رباطة جأشه ليتمعن في محيطه بشكل صحيح.

“— توقفي عن الثرثرة! لا يهمني إن كنتِ سحلية كبيرة أو أسقف الخطايا السبع المميتة! أي شخص يقف في طريقي، سأحطمه، وأطيح به، وأهزمه!”

 

أطلقت كابيلا سيلًا آخر من الكلمات الفاحشة، بينما بدت سليمة وهي تهبط على سطح قاعة المدينة. ولكن هذا لم يكن بمعنى أنها لم تُصب — بل العكس تمامًا، إذ إن تأثير تعويذة يوليوس كان عميقًا.

— في الوقت الحالي، كان فريق استعادة قاعة المدينة، المكون من ستة أشخاص بما في ذلك سوبارو، يسير عبر المدينة.

لكن إذا تبين أنها خسرت أمام سوبارو بعد كل ذلك التكبر، فسيكون ذلك محرجًا للغاية.

 

 

كان غارفيل وريكاردو، اللذان يتمتعان بحاسة شم قوية، يقودان المجموعة من الأمام. تبعهما كروش وويلهيلم، بينما سوبارو ويوليوس يسيران في المؤخرة.

 

 

 

ساروا بتشكيل دفاعي، على أهبة الاستعداد لأي هجمات قد تشنها طائفة الساحرة. لكن لحسن الحظ، لم تكن هناك أي علامة على وجود العدو حتى الآن، ناهيك عن أي هجوم. بدلاً من ذلك، برزت بوضوح أكثر الأمور التي ظلت تشتعل بداخل كل عضو من أعضاء الفريق.

“غااااه! يا لها من مفاجأة! أوه…”

 

“لم تلمس شعرها؟ لم تلمس شفتيها؟ لم تحتضن جسدها؟ ألم تزخرف تلك الأفكار القذرة والعرقة لديك بذلك الكلمة الجميلة — الحب؟! توقف عن الهراء. أنت فقط تخلط الحب بشيء آخر. أنتم جميعًا تختارون، بأنانية، تزيين الرغبات الجسدية بكلمات وعبارات منمقة.”

بالنسبة لسوبارو، ظلت إصابة ساقه، وهروبه المتعثر مع بياتريس، وقبل كل شيء، عدم معرفته إذا ما كانت إيميليا بخير أم لا، تلتهم روحه. أضف إلى ذلك الشعور المزعج بوجود الشراهة، مما جعل ذهنه على حافة الانهيار.

وفقًا لتعاليم أنيروز، كانت إيميليا بوضوح طالبة فاشلة لتجولها في حالتها الحالية، شبه العارية.

 

 

مثلما هو حاله، كان باقي أعضاء الفريق يرزحون تحت وطأة قضايا مختلفة تؤرقهم.

عندما حاول أن يعطي يوليوس إجابة واثقة، قطع كلامه بتنهد.

 

“أردت، نوعًا ما، إثبات عزيمتي، أو شيء من هذا القبيل. فيريس، أنت أكثر شخص يجب أن يفهم شعوري.”

كان غارفيل وريكاردو قلقين بشأن سلامة ميمي، وكانت إصابة ويلهيلم، التي تركتها زوجته الراحلة، تحمل معانٍ عميقة. أما كروش، فبدت متأثرة باحتمالية وجود الشراهة، الذي كان مرتبطاً به أيضًا بقدرها، في مكان ما في المدينة.

” دوري الآن!!”

 

 

قبل المغادرة، أقسم سوبارو لبياتريس النائمة أنه سيعود بأخبار طيبة، لكن قلقه لم يهدأ ولو قليلاً.

بات يتم “إعادة كتابته” بشيء ليس هو. بدا هذا مختلفًا عن الألم أو العذاب. كان خوفًا ينبع من بُعد آخر تمامًا — نعم، الخوف هو الكلمة الوحيدة المناسبة. كان مخيفًا. مخيفًا. مرعبًا.

 

كان هذا شعورًا تعيشه يوميًا في الماضي، وأثاؤ ذكريات غائمة تضرب وتر الحنين في قلبها.

“في هذا الصدد، أنت الوحيد تقريبًا هنا الذي يبدو أنه يتمتع بذهن هادئ ومتزن، أليس كذلك؟”

 

“بالنظر إلى قلقي بشأن ميمي والآخرين، بالكاد يمكنني الادعاء بأنني هادئ. لكنني أحاول أن أظل هادئًا قدر الإمكان.”

 

“وأنا ممتن لذلك… هيه، هل تعتقد أننا سننتصر؟”

 

 

“اصمدي، أختي الكبيرة…”

بلطف، صرف سوبارو نظره وطرح سؤاله بصوت منخفض بحيث لا يسمعه أحد غير يوليوس. لاحظ تردد يوليوس لبرهة وجيزة.

“كيف حال ميمي؟ هل يمكنك إنقاذها؟ ستفعل، أليس كذلك؟”

 

 

“…من غير المعتاد أن تسألني، أنا بالذات.”

بعد أن توصل إلى هذا الاستنتاج، أدرك متأخرًا أنه لا بد أن ذلك الذيل هو ما ضربه سابقًا.

“أعتقد أنني أتصرف بحماقة أيضًا… لكنني كنت أفضل وجود أقوى شخص هنا حتى لا أضطر للقلق بهذا الشكل.”

 

 

 

“…في مثل هذا الوضع، حيث الأبرياء معرضون للأذى، من غير المعقول أن يظل راينهارد بلا حراك. حقيقة أنه لم يكشف عن نفسه حتى الآن تشير إلى وجود مشكلة كبيرة تواجهه. ربما يكون منشغلاً بمواجهة طائفة الساحرة في مكان آخر.”

“أوووه…”

 

هناك شخص آخر داخل المدينة، شخص يمتلك سلطة تضخم المشاعر وتجعلها تتردد في نفوس أي شخص بالقرب منه. إذا تم تعزيز هذه القدرة بدرجة يائسة بواسطة الميتيا، فما الذي سيحدث؟

على الرغم من أن سوبارو لم يذكر اسم أي شخص بعينه، أدرج يوليوس كل الاحتمالات التي يمكن أن تخطر بباله.

////

 

“أقدّر ذلك. أنا سعيد لأنك تفهم.”

في الواقع، كان سوبارو قد مر بجولة سابقة رأى فيها راينهارد يشتبك مع طائفة الساحرة. لكن هذه المرة، لم يظهر الرجل منذ بدء هجوم الطائفة بشكل جدي.

بالنسبة لها — شخص سُرقت ذكرياته بواسطة الشراهة، شخص اضطر للمضي قدمًا متلمسًا طريقه عبر عالم فارغ حيث لا ينبغي أن يكون كذلك — كان العدو أمامهم المفتاح لاستعادة ذكرياتها وذاتها القديمة. ومع أنها تدرك ذلك، اختارت أن تؤدي واجبها بدلاً من أن تساعد نفسها.

 

 

بطبيعة الحال، هذا الغياب اللافت للنظر، بالإضافة إلى السؤال عمن قابل راينهارد وفيلت قبل ذلك، كانا نقطتي قلق رئيسيتين.

كان سوبارو مرتبكًا تمامًا، غير معتاد على أن يُعتبر شخصًا يمكنه المساهمة في المعركة دون أدنى شك.

 

“أقدّر ذلك. أنا سعيد لأنك تفهم.”

“آه، إلى متى سأظل أتخبط في الظلام؟ إذا لم يكن هنا، فهو ليس هنا. القلق لن يزيل المخاوف، وليس الأمر مسألة ما إذا كنا سنفوز؛ بل أننا سنفوز. حان الوقت لتركيز عقلي على المهمة…!”

أطلقت كروش صرخة عالية، مفاجأةً من الإحساس المفاجئ بانعدام الوزن. استمر الاثنان في الطيران، عابرين الجدار المحيط بقاعة المدينة، ليصلا أخيرًا إلى السطح.

 

ثم سار ببطء نحو الحائط وكسر الصمت مرة أخرى.

الاستمرار في التوتر بشأن كل قلق يطرأ سيغرق أي محارب في ظلال قاتمة.

بدا غارفيل ضعيفًا، وكأنه ينكمش على نفسه وهو يعاني من هذا التفكير. رهبة قوتهما وشعوره بالذنب لتعرض ميمي للأذى جعلا غارفيل يبدو صغيرًا للغاية.

صفع سوبارو وجنتيه بكلتا يديه، مبعدًا مشاعر الضعف المتصاعدة داخله بينما أطلق نفسًا قويًا وحادًا.

 

وبينما راقب يوليوس المشهد، ضيّق عينيه قليلاً دون أن ينبس ببنت شفة.

 

شعر سوبارو أن هذا الرد فعل غريب، وهمّ بأن يسأل عنه حين —

“قدرات السيدة كروش الطبيعية لم تضعف بأي شكل من الأشكال. قوتها بالسيف كافية تمامًا. أضمن ذلك.”

“— رائحة دم. الكثير منه أيضًا.”

 

 

“أنا آسف للغاية. حاليًا، قواتي الخاصة تقوم بمهمة أخرى بناءً على توجيهاتي. إنهم يقومون بتأمين أعضاء مجلس العشرة ومرافقتهم إلى هنا.”

استمر ريكاردو في استكشاف الطريق بأنفه، وأومأ غارفيل بصمت.

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

 

لكن الأمر لم يكن مقتصرًا على سوبارو فقط. حتى الخمسة الآخرون لم يكونوا استثناءً. كان ذلك لأن المشهد الذي استقبلهم في الساحة تجاوز كل توقعاتهم تمامًا.

في تلك اللحظة، أكّد تقرير أفضل مستكشفيهم أنهم يقتربون من المبنى المرتفع الذي يظهر على الجانب الآخر من الشارع — قاعة المدينة. هنا توقف سوبارو والبقية للحظة لإجراء استعداداتهم الأخيرة.

“بفضل تقرير غارفيل، أصبحنا نعلم الآن درجة الخطر التي تنتظرنا في قاعة المدينة… وتعلمنا عن التضحيات التي قدمها الحراس الذين قاتلوا بعزيمة الموت للدفاع عن المدينة. والآن…”

 

 

“…”

هناك شخص آخر داخل المدينة، شخص يمتلك سلطة تضخم المشاعر وتجعلها تتردد في نفوس أي شخص بالقرب منه. إذا تم تعزيز هذه القدرة بدرجة يائسة بواسطة الميتيا، فما الذي سيحدث؟

 

“آاااااااااااااه!”

قام غارفيل بتثبيت دروعه على كلا ذراعيه، وعدّل ريكاردو طريقة حمل فأسه الكبير. ومع نظرة شبيهة بنسيم بحر هادئ في عيني ويلهيلم، بدا على الثلاثة ملامح توتر كبير.

 

بالنسبة لغارفيل وريكاردو، كان الخصوم الذين ينتظرونهم في الساحة أهدافًا للانتقام. أما بالنسبة لويلهيلم… فقد كان هناك شيء ما في هذه المواجهة القادمة ذو أهمية خاصة بالنسبة له، وكان على سوبارو أن يعرفه.

 

 

ومع إدراكه لمدى عزيمته، أومأ ريكاردو برأسه وألقى نظرة سريعة نحو سوبارو. كان يجب أن يكون سوبارو هو من يمنح غارفيل الدفعة التي يحتاجها، لكن ريكاردو تصرف عن وعي نيابة عنه.

“لقد أرسلتُ زهور البراعم لاستطلاع المنطقة، ولكن يبدو أنه لا يوجد أي أثر لقوات متربصة في كمين. ووفقًا للسيد كيريتاكا، فإن المدخل الوحيد إلى قاعة المدينة هو من الأمام — لا خيار لدينا سوى مواجهتهم مباشرة.”

 

 

 

كان يوليوس قد استخدم عددًا من الأرواح الستة التي تعاقد معها لتفقد المنطقة المحيطة؛ ظلت الأضواء الباهتة تغلفه بينما قدمت الأرواح تقاريرها. كان سوبارو ممتنًا ببساطة لخبر أنهم لن يتعرضوا لكمين أثناء تقدمهم.

 

 

لم تعد هناك كلمات يمكن أن تصف بدقة ما شعر به سوبارو.

“هل يمكنك إرسال الأرواح لإلقاء نظرة داخل المبنى أيضًا؟ إذا استطعنا معرفة مكان العدو وكيف تمركزوا، فسيكون الأمر أسهل بكثير.”

كانت قوة يوليوس مرتبطة مباشرة بعدد الأرواح التي لديه، والخيارات التي يتيحها وجودهن. بالإضافة إلى ذلك، أراد سوبارو تجنب خطر المبالغة في التجسس وكشف العدو لخطتهم الوشيكة.

“للأسف، لست ميالاً لإجبار السيدات على الذهاب إلى هذا الحد. لا يوجد ضمان بأن العدو لم يتعلم من هزيمة الكسل ولم يتخذ تدابير مضادة للأرواح.”

بتحمل جزء من جروح أختهم، واجه الأخوان الصغيران نفس الخطر المميت. شجاعتهما جعلت أنياب ريكاردو ترتجف. في محاولة لتهدئته، وضع فيريس يده على كتفه وطمأنه.

 

— كان بحاجة لاستعادة كروش، والهرب من هذا المكان، والانضمام إلى أحد رفاقه.

“نعم، لن يأتي شيء جيد من وقوعهن في فخ واستنزاف قوتك القتالية، أليس كذلك؟”

بعينين متسعتين، حدق سوبارو مباشرة في أل. وأثناء نظره إلى وجه سوبارو المذهول، هز أل كتفيه بلا مبالاة.

 

“…يا لكِ من سيدة عنيدة أخدمها. بالطبع، هذا بالضبط هو السبب الذي جعلني أكرس سيفي لكِ.”

كانت قوة يوليوس مرتبطة مباشرة بعدد الأرواح التي لديه، والخيارات التي يتيحها وجودهن. بالإضافة إلى ذلك، أراد سوبارو تجنب خطر المبالغة في التجسس وكشف العدو لخطتهم الوشيكة.

 

 

 

قبل كل شيء، كلما طال الوقت الذي يستغرقونه في التحرك، زاد الخطر الذي يواجه الرهائن في قاعة المدينة.

 

 

 

“هيا، تمامًا كما خططنا. التفاصيل الدقيقة ستعتمد على تكوين العدو وتمركزه، لكن بشكل أساسي، سنركز عدة أشخاص لمواجهة كل عدو على حدة ونستعيد قاعة المدينة. ولكن —”

منحنياً تحت رأسها، انزلق بين ساقيها، متجاوزًا الزجاج المكسور بعزيمة قوية وهو يتجه مباشرة نحو الفتاة. التقط جسدها المرتجف، وضرب بسوطه ظهر التنين الأسود. لم يلحق الضرر بشكل ظاهر، ولكنه بالتأكيد جعله يشعر بتحسن.

“إذا شعرنا أننا في وضع غير مواتٍ، علينا اتخاذ قرار التراجع على الفور… أليس كذلك؟”

 

 

 

عندما تحدث سوبارو، متولياً زمام المجموعة بشكل طبيعي، نظرت كروش إليه بجدية. ورد عليها بحزم، “هذا صحيح”، ثم نظر إلى وجوه الجميع.

بدا العلم ذو العين الحمراء الذي يرفرف فوق برج التحكم في المسافة وكأنه يسخر من مدينة بوابة المياه.

 

“رسمياً، أنا فارس أرواح. لقد سمعت شائعات أنك من عشاق الطعام، فهل ستمنح أزهاري الجميلة استقبالًا حارًا؟”

رأى في رفاقه التوتر، الحذر، وأكثر من أي شيء آخر، إرادة القتال. أومأ وأعطى الإشارة.

 

“— هيا بنا!”

ظل الاثنان يركعان كما لو كانا في رهبة أمام التنين المجنح الذي كان سيدتهم، مع إبقاء أنظارهما على سوبارو ورفاقه دون أن يخفضا حذرهما ولو للحظة. كانا خصمين قويين بما يكفي بمفردهما، وإضافة التنين الأسود إلى المعادلة جعلت الفريق في وضع لا يمكن تجاوزه.

 

 

بناءً على ندائه، انطلق سوبارو والبقية نحو قاعة المدينة كوحدة واحدة. عند الانعطاف حول زاوية، اندفعوا إلى الساحة التي تقع أمام قاعة المدينة. وكما هو الحال دائمًا، كان غارفيل يتقدم المجموعة، وعندما أصبحت الساحة مرئية، ضيق عينيه الخضراوين وصاح.

 

“الساحة مليئة بجثث الحرس! لا تدعوا هذا يهزكم أو يبطئكم…”

“ما الذي تعنيه بـ’محاولة إيقافك’؟ شخص مثلك يعادل مئة رجل. نحن نعتمد عليك.”

 

“الجرح لم يُغلق بعد. في الوقت الحالي، فعلتُ ما بوسعي وأوقفت النزيف بطرق بدائية… ثم استعنت بقوة البركة المشتركة بين ميمي وإخوتها الصغار، وبالكاد نحافظ على حياتها الآن.”

في اللحظة التي اندفعوا فيها إلى الساحة، تسللت رائحة الدماء التي ذكرها ريكاردو إلى أنف سوبارو. وملأت رؤيته كومة من الجثث، تمامًا كما قال غارفيل — أو لا.

 

“— هاه؟”

 

 

“إيميليا، هل أنتِ عذراء؟ هذا هو الشيء الوحيد المهم حقًا، كما ترين.”

كان غارفيل قد صرخ للتو ليحثهم على عدم التوقف. ومع ذلك، بمجرد أن وقع بصره على هذا المشهد، لم يستطع سوبارو إلا أن يتباطأ، مقللًا من سرعة ركضه.

 

 

“لا بأس بالنسبة لييي.”

لكن الأمر لم يكن مقتصرًا على سوبارو فقط. حتى الخمسة الآخرون لم يكونوا استثناءً. كان ذلك لأن المشهد الذي استقبلهم في الساحة تجاوز كل توقعاتهم تمامًا.

تألقت عيناها الحمراء بقسوة بينما ضحكت — الشهوة — بازدراء متجدد.

 

على الرغم من أن سوبارو لم يذكر اسم أي شخص بعينه، أدرج يوليوس كل الاحتمالات التي يمكن أن تخطر بباله.

“…”

 

 

“لكن لا أستطيع أن أشيد بك لمغادرتك بمجرد استيقاظك. لقد أرهقت جسدك بطرق عديدة. إذا حدث لك شيء، فقد يكون ذلك مشكلة لاحقًا، أليس كذلك؟ أود بصدق أن تهتمي بنفسك بشكل صحيح. أعني، جسدكِ لم يعد ملكًا لك وحدك.”

بحسب غارفيل، كانت الساحة مليئة بجثث الحرس الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم استعادة قاعة المدينة. وبالفعل، كان المشهد الحالي للساحة يشير إلى هذه الحقيقة المروعة.

وسط صدمتهم من تلك المخلوقات الغريبة، أجبر الجميع أنفسهم على النظر للأعلى. قفز من هناك شخصان مباشرة باتجاههم من الطابق العلوي لقاعة المدينة، وهما يهاجمان بسيوف في أيديهما.

 

على النقيض من ألفارد، وضعت كروش قوتها بالكامل في هجماتها بالسيف، مطلقةً طعنةً سريعةً جدًا بحيث لا يمكن تتبعها بالعين المجردة. كان هدفها وجه العدو، مصوبة بشكل لا يرحم نحو الدماغ وراءه —

كانت هناك رائحة كثيفة للدماء المسفوكة، وحجارة الرصف مغطاة باللون الأحمر، مما جعل تعبير “بحر من الدماء” يبدو ملائمًا. ومع ذلك، لم تكن هناك أي جثة واحدة ملقاة في المكان. عوضًا عن ذلك، كانت هناك مخلوقات غريبة.

 

 

 

كانت كتل لحم وردية اللون. وبالنسبة للوصف، شعر سوبارو أن هذا كان الأكثر ملاءمة.

 

بدت أسطحها الوردية لامعة، مشوهة، وغير منتظمة الشكل، مثل كتل الطين التي يصنعها الأطفال الصغار. كانت كبيرة بما يكفي بحيث لا يستطيع سوبارو إحاطة إحداها بذراعيه، وهناك ما لا يقل عن عشرين منها.

وبينما ينظر إلى شكلها، لم تخطر بباله كلمات أخرى. وإن خطرت على باله فكرة، فهي الاشمئزاز الفسيولوجي عند مواجهة كائن غير طبيعي لا ينبغي أن يوجد.

 

جلس ريكاردو متربعًا على الأرض وضغط رأسه على الأرض وهو ينقل امتنانه. كانت كلماته موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال مستندًا إلى الحائط، رأسه متدلٍ كدمية خرقة.

شكلت تلك الكتل اللحمية، مجهولة المصدر، خطًا متفرقًا. وبدا هذا المشهد كافيًا لتعكير خطوات الجميع —

 

 

“لم أشكرك بعد. يا أخي، لو لم تجلب ميمي هنا، ليس لدي شك في إنها كانت ستموت. أنا مدين لك، بشكل كبير. شكرًا جزيلًا.”

“— إنهم هنا!!”

“أنتم أوغاد أدنى من الحشرات! والآن بعد أن آلمتموني بعمق، أرغب حقًا في الانتقام لهذا الألم في قلبي! سيتحقق ارتياح قلبي بما قلتُه سابقًا! أتوقع أشياء عظيمة من أكياس اللحم الأذكى بينكم!”

 

اتسعت عينا إيميليا بدهشة من قوة الشاب وطريقة حديثه السريعة.

بعد لحظة قصيرة، وبينما يتقدم غارفيل المجموعة، رفع بصره للأعلى وأطلق صرخة حادة.

هذا الأسقف الشره من طائفة الساحرة كان المفتاح لإيقاظ ريم، التي لا تزال نائمة.

 

 

وسط صدمتهم من تلك المخلوقات الغريبة، أجبر الجميع أنفسهم على النظر للأعلى. قفز من هناك شخصان مباشرة باتجاههم من الطابق العلوي لقاعة المدينة، وهما يهاجمان بسيوف في أيديهما.

“ماذااا؟!”

 

“— سأشارك أيضًا.”

” دوري الآن!!”

 

 

“أوووووووووه!!”

بينما يهبط الأعداء أمامهم، تقدمت كروش بشجاعة ورفعت سيفها الطويل استعدادًا للهجوم.

— بينما تحلق عالياً في السماء فوق مبنى البلدية، واصلت التنين الأسود ضحكها الساخر.

 

كان عليها التأكد بأسرع وقت ممكن مما إذا تم حل الوضع مع أسقف الخطايا السبع. مستشهدةً بتلك الظروف كسبب مقنع، غادرت إيميليا الغرفة مع بطانية واحدة فوقها.

ثم أطلقت شفرات غير مرئية — كانت هذه هي مهارتها ضربة واحدة، مئة سقوط.

 

هذا الهجوم القطعي، الذي استغل تمامًا نعمة “قراءة الرياح” التي تمتلكها كروش، كان يمد مدى ضرباتها بالسيف عشرات الأمتار، مما وفر لها خيارًا بعيد المدى فائق الفعالية.

ومع صرخة يأس، بحث سوبارو عن أي بصيص أمل للنصر وسط عاصفة الدمار العارمة. حتى لو حاول الهروب، كانت كابيلا تسد مدخل الغرفة. ظل شكلها يتغير باستمرار، يتضخم وينكمش ويتحول بين امرأة وفتاة وصبي وعجوز، لتخلق مظهرًا شاذًا وقبيحًا بالكاد يبدو حقيقيًا.

 

وهي تهز رأسها الذي لا يزال ضبابيًا بعض الشيء، جلست إيميليا ببطء.

هذا الهجوم قد ألحق جروحًا عميقة بالحوت الأبيض في السابق، وهو الآن ينطلق نحو هدفه. وبعد لحظة، أصاب الهجوم مباشرة الشخصين في الهواء.

الكلمات اللاذعة التي أطلقها سوبارو بقوة أشبه بوابل من الأسهم جعلت كابيلا تفتح عينيها على مصراعيها، مدهوشةً للحظة.

 

 

“هل أصبتِهُما؟!”

 

 

“— آه.”

“لا! لقد تمكنا من الدفاع! لم أصب هدفًا!”

 

 

“— تذكر هدفك، أيها الساحر الصغير!”

عندما ارتفعت نبرة صوت سوبارو حماسةً، هزت كروش رأسها بمرارة.

 

 

ضاغطاً بلسانه داخليًا تجاه هذا الموقف المزعج، أقسم سوبارو أن يشكو لجولي وجهًا لوجه لاحقًا. ثم أمسك بكروش من خصرها النحيف وانطلق في الهواء مرة أخرى —

الرجل الضخم والمرأة النحيفة هبطا بعد أن صدا شفرات الرياح بأسلحتهما الخاصة. تحطمت حجارة الرصف تحت قدمي الرجل الضخم، بينما وقفت المرأة بهدوء وسط بركة الدماء دون أن تثير الهواء من حولها حتى.

“أي إجهاد تضعه على ساقك سيصبح له تأثيرات خطيرة تمامًا، لذا حاول أن تكون حذرًا!”

 

 

ظهر الاثنان كندين متضادين، أحدهما يحمل سيفين عظيمين، والآخر يحمل سيفًا طويلًا غير مزخرف. مثلت الأزياء السوداء التي تغطيهما من الرأس إلى أخمص القدمين الذوق المروع لأتباع طائفة الساحرة.

 

 

 

وفي اللحظة التي استوعب فيها سوبارو كل هذا، انحنى الاثنان قليلاً للأمام وبدآ في تنفيذ هجماتهما المضادة.

ربما قد يتم تجاهل تأثير ضربات سوطه بسهولة، ولكن لا شك أن يوليوس وكروش يمكنهما إطلاق هجمات قد تكون حاسمة بين النصر والهزيمة.

 

“لا تقولي لي أنكِ…تنين متخذة شكل بشري؟”

لكن قبل أن تصل تلك السيوف الشريرة إلى هدفها —

 

 

“…”

“حتى لو صدّا هجمات السيدة كروش، فلا مفر من قيد قوس قزح!”

جعل الحنين جفونها ثقيلة ومبللة.

 

 

— دارت ثلاث ألوان براقة مختلفة حول رأسيهما، مشكّلة شفقًا أسطوانيًا أحاط بالأعداء وقيد حركتهم.

 

 

“لقد أرسلتُ زهور البراعم لاستطلاع المنطقة، ولكن يبدو أنه لا يوجد أي أثر لقوات متربصة في كمين. ووفقًا للسيد كيريتاكا، فإن المدخل الوحيد إلى قاعة المدينة هو من الأمام — لا خيار لدينا سوى مواجهتهم مباشرة.”

ثلاثة من الأرواح الستة التي تخدم يوليوس تحركت معًا لتقييد الطائفيين. بدا أن الأسطوانة الضوئية تمتلك قوة هائلة، مما أجبر أعضاء الطائفة على الركوع تحت ضغط لا يُصدق.

 

 

كانت هذه…ذبابًا. لم تكن هناك أي شك في ذلك.

في هذه اللحظة، شنّ غارفيل وويلهيلم وريكاردو هجمات شرسة وقاتلة.

في اللحظة التي انتهى فيها البث، لم يعد سوبارو يسمع الطنين الذي كان يضغط على قلبه. ارتخى جسده فورًا، وبمجرد أن حدث ذلك، كانت أولى الكلمات التي خرجت من فمه اللاهث مجرد تذمر.

 

بالنسبة لغارفيل وريكاردو، كان الخصوم الذين ينتظرونهم في الساحة أهدافًا للانتقام. أما بالنسبة لويلهيلم… فقد كان هناك شيء ما في هذه المواجهة القادمة ذو أهمية خاصة بالنسبة له، وكان على سوبارو أن يعرفه.

“!!”

ثم، تمامًا عندما بدا هجومهم المضاد على قاعة المدينة أمرًا ممكنًا حقًا —

 

 

سواء كانت الهجمات بالأسلحة الحادة أو العنيفة، فإن كل ضربة منهم بدت قادرة على إحداث جرح قاتل.

 

 

كان هدف ريكاردو عمودًا من النيران السوداء الجائعة التي تلتهم شفق قوس قزح وتهبط نحو السطح.

استهدف ريكاردو رأس الرجل الضخم بفأسه الكبير، بينما وجه غارفيل قبضته وسيف ويلهيلم نحو المرأة، وكلهم كانوا يدخلون نطاق الهجوم القاتل —

“أختي الكبيرة، تماسكي…!”

 

 

“…”

كروش أو هو، كما قالت الوحش. إذاً، هل تتعرض لنفس العذاب الذي يتعرض له؟

 

“أتفق معك. الميتيا في قاعة المدينة هي سلسلة تقيد الجميع في المدينة.”

دارت المرأة التي كانت راكعة بسيفها الطويل، لتستهدف أقدام غارفيل وويلهيلم بضربة سريعة. قفز الاثنان على الفور لتجنب سيفها، لكنها دارت بجسدها لتتحرك بشكل متوازٍ تمامًا مع قوس السيف، وامتدت إحدى ساقيها الطويلتين لتلتف حول عنق غارفيل وتسحبه بعيدًا عن مدى تأثير التعويذة السحرية.

مع اعتبار هذه الضربة إشارة لاستئناف القتال، انطلق مقاتلا السيوف الراكعان مرة أخرى عن الأرض، متجهين سريعًا نحو سوبارو والبقية.

 

“— غغغغ!”

“ما هذا بحق الجحيم؟!”

“واجب النبلاء هو الوقوف أمام العامة، وتحمل مشاق القتال، وإراقة الدماء إذا لزم الأمر. التهرب من تلك المسؤولية باسم الحفاظ على الذات سيؤدي فقط إلى معاناة الأبرياء. سأقاتل، ويلهيلم.”

 

 

تسببت قوة قوس قزح التي قيدت حركات غارفيل بانحنائه، مما أتاح للمرأة الفرصة لتضرب جسر أنفه بركبة عنيفة. بعد ذلك، أمسكت بذراعه وهو يتراجع، واستغلت درعه بسهولة لصد هجمات ويلهيلم المتتالية بسيفه.

بينما يتحمل نظرات سوبارو القاسية، ابتسم الصبي ابتسامة قاسية تمثل قطاً يلعب بفأر. هذا السلوك أزعج سوبارو بشدة، لكنه تنفس بعمق محاولًا الحفاظ على هدوئه.

 

“الجرح لم يُغلق بعد. في الوقت الحالي، فعلتُ ما بوسعي وأوقفت النزيف بطرق بدائية… ثم استعنت بقوة البركة المشتركة بين ميمي وإخوتها الصغار، وبالكاد نحافظ على حياتها الآن.”

كانت التقنية المذهلة كافية لإجبار غارفيل على إطلاق صرخة ألم، بينما أطلق ويلهيلم أنينًا خافتًا.

“هل أنتِ متأكدة من أنكِ مستعدة لهذا، كروش؟”

 

 

وكان ثمن هذا التوقف المفاجئ ركلة دوارة غرست نفسها في بطن سيد السيف المخضرم، مما جعله ينحني للأمام؛ وبعد نصف دوران حول جسده المنحني، أطلقت المرأة ركلة خلفية دوارة أطاحت به أرضًا.

استعاد سوبارو بوضوح كيف كاد سيريوس وريغولوس أن يتعاركا.

 

“ــــ!! السيد سوبارو… آه.”

“…”

“هاه؟! انتظري—!”

 

 

في نفس اللحظة، دوى صوت انفجار بين ريكاردو والعملاق.

عندما رد يوليوس على سؤال سوبارو بمرارة، أثبت المشهد أمامهم صحة كلماته.

 

ربما كان الهدف الحقيقي من جعل المدينة بأكملها تسمع صوتها هو ببساطة إرهاب قلوب الآخرين —

تم صد الفأس الكبير، الذي هبط على الرجل المنحني، بواسطة سيفين عظيمين متقاطعين فوق رأسه. وبينما تعالت صرخات الصلب تحت الضغط، بدأ ريكاردو يوجه لكمات متتالية بقبضته الحرة.

ضُرب جانب جسده الأيمن بالكامل، كما لو أن يدًا عملاقة صفعته. ارتطم سوبارو بالأرض متدحرجًا، مما تسبب في اصطدامه بطاولة في الغرفة، قبل أن يتوقف عند الحائط البعيد.

 

 

دكّت ضربات قوية الفأس الكبير من الخلف، مما جعل القطع الحاد يقترب ببطء من رأس الرجل الضخم. لكن مع تصاعد الضغط عليه، رد العملاق سريعًا بإطلاق زوج جديد من الأذرع من داخل ردائه الأسود.

 

 

على النقيض من ألفارد، وضعت كروش قوتها بالكامل في هجماتها بالسيف، مطلقةً طعنةً سريعةً جدًا بحيث لا يمكن تتبعها بالعين المجردة. كان هدفها وجه العدو، مصوبة بشكل لا يرحم نحو الدماغ وراءه —

الآن، وباستخدام الكائن الغريب أربعة أذرع لصد الهجمات، أظهر وجه ريكاردو تعبيرًا مشوهًا معبرًا عن غضبه.

أسلوب العملاق في القتال بالسيف لم يمكن تصنيفه كفنون قتالية تقليدية. وفي مواجهة خصم يستخدم أسلوبًا هو في النهاية عنف مصقول، رد غارفيل بأسلوبه الخاص من القتال الوحشي.

 

باتخاذ وضعية صارمة، وافقت كروش على استنتاج سوبارو وأناستاشيا.

“سمعت عن قبيلتك من قبل، أيها المنتمي لقبيلة الأذرع الكثيرة! أربع أذرع لا تعني شيئًا!”

 

 

تحولت من شكلها البشع إلى شكل صبي بسيط المظهر، ثم طالت أطرافها وتحولت إلى امرأة فاتنة ممتلئة. وفي لمح البصر، تغيرت مرة أخرى، لتصبح النموذج المثالي لفتاة قروية بائسة، وبعد لحظة، اتخذت شكل فتاة صغيرة جدًا، مع ابتسامة غير لائقة ترتسم على وجهها الملائكي.

على الرغم من محاولات خصمه لصد هجماته، دفع ريكاردو نفسه للأمام، مستمرًا في الطرق على فأسه الكبير بلا هوادة. إذا كان خصمه يمتلك أربع أذرع، فسيبذل هو المزيد من القوة بأذرعه الاثنتين.

 

 

بناءً على ندائه، انطلق سوبارو والبقية نحو قاعة المدينة كوحدة واحدة. عند الانعطاف حول زاوية، اندفعوا إلى الساحة التي تقع أمام قاعة المدينة. وكما هو الحال دائمًا، كان غارفيل يتقدم المجموعة، وعندما أصبحت الساحة مرئية، ضيق عينيه الخضراوين وصاح.

لكن نوايا ريكاردو خُذلت عندما كشف العملاق عن خدعة أخرى. ظهرت ذراعان إضافيتان من تحت الرداء الأسود، ومعهما سيفان عظيمان آخران.

 

 

“أرجوك، لا تتركني!”

“ما هذا بحق الجحيم…؟!”

 

 

 

تم تخصيص الأذرع الأربع للدفاع بالسيفين العظيمين، بينما بدأت الأذرع الإضافية وسيفان آخران بالهجوم. مع تغير الأدوار بالكامل، اضطر ريكاردو للتراجع خطوة إلى الوراء بينما انقلبت الموازين ضده.

 

 

لكن حالة المدينة الحرجة ومتطلبات الشهوة لم تسمح لسوبارو بالتصرف بدافع العاطفة.

“— آاااااه!!”

“أخفّ مما توقعت”، فكر في نفسه؛ وبعد لحظة، انفصلت ساقاه عن الأرض وهو ينطلق في الهواء.

 

“الشرااااهة!!!”

زوج سابع وثامن من الأذرع انطلقا من ظهر العملاق، يوجهان لكمات متتالية إلى فك ريكاردو. دفع العملاق ريكاردو بعيدًا، متسببًا في تطاير الدم من فمه، ليصطدم بجانب الساحة الآخر.

 

 

لكن هذا المنظر المثير للقلق لم يكن هو السبب الذي جعل سوبارو يحبس أنفاسه، ويوليوس وريكاردو يضيّقان حاجبيهما، وكروش تطلق صرخة أنثوية لا إرادية.

“…”

اصطدمت النيران الكثيفة، التي بدت أكثر سوادًا من الظلام نفسه، مع موجة العواء في الهواء. وفي لحظة، أُخمدت النيران بفعل موجة الصدمة دون أي مقاومة، تاركةً شراراتها تتناثر هنا وهناك في ساحة المعركة.

 

— دارت ثلاث ألوان براقة مختلفة حول رأسيهما، مشكّلة شفقًا أسطوانيًا أحاط بالأعداء وقيد حركتهم.

كان من المفترض أن المجموعة قد حصلت على المبادرة، لكن الهجمات التي شنتها المجموعة الثلاثية القريبة المدى تم صدها جميعًا. ولم يكتفِ خصومهم، بل شنّت المرأة المبارزة بالسيف والعملاق هجمات متابعة بلا رحمة.

“أوووه…”

 

 

“وكأنني سأسمح بذلك!”

 

 

 

في تلك اللحظة، أخيرًا انضم سوبارو، الذي كان يتحرك ببطء، إلى المعركة واتخذ خطوته.

 

 

سارت كروش نحو النافذة التي سقطت منها التنين الأسود، دون أن تُنزل حذرها أبدًا. شعر سوبارو بالاطمئنان بينما يراقبها من الخلف، ثم أطلق الفتاة الأسيرة بلطف من قيودها.

أطلق سوطه من مسافة كبيرة، مصدراً صوتاً مدوياً عندما اصطدم بأحجار الرصف بقوة. تسبب الصوت الناتج عن السوط، الذي مزق الهواء بسرعة تقارب سرعة الصوت، في لحظة تردد من الطرفين الخصمين.

 

 

“…”

“سحر الاندماج — أول غورا!!”

“— ستنتهي الأمور هنا!”

 

“لا حاجة للاعتذار لي. عليك فقط أن تفعل ما تريد، يا أخي. سأفعل الشيء نفسه — آه، لكن لدي نصيحة واحدة أعطيها لك.”

على الفور، نطق يوليوس لتعويذة بينما عادت إليه الأرواح التي تخدمه، مولداً إعصاراً قرمزياً في لحظات. ثم ابتُلع الإعصار بالحرارة النارية، مما أجبر أتباع طائفة الساحرة على القفز بعيداً بحثاً عن الأمان.

“مرة واحدة، منذ ما يقارب أربعة عقود، تبادلت السيوف مع التنين الأسود فالغرين، الذي ظهر في جنوب المملكة. مقارنةً بذلك، هذا التنين صغير جدًا. لو قطعنا رأسها مرة واحدة، ستفنى بالتأكيد.”

 

لقد غرز إخلاص ريكاردو عميقًا في قلب غارفيل، مما دفع الفتى إلى الغرق أكثر في قبضة الشعور بالذنب.

أجبرت موجة الحرارة الناتجة عن اللهب الهائل سوبارو على التحديق دون قصد.

 

 

 

“ما هذا بحق الجحيم؟! منذ متى أصبحت ساحراً قوياً بهذا الشكل؟!”

“أممم، لماذا أنا عارية؟”

 

“…”

“لا، هذا ليس سوى مجرد خدعة. إنه خام للغاية ليُستخدم كهجوم فعلي. وبالتالي…”

كائن كامل — بمعنى آخر، كانت كابيلا تُعلن أنها خالدة. وبعد رؤية نصف رأسها يتفجر لتعيد ترميمه بسرعة مذهلة دون أن تفقد حياتها، كان هناك سبب قوي للاعتقاد بأنها تقول الحقيقة.

 

 

عندما رد يوليوس على سؤال سوبارو بمرارة، أثبت المشهد أمامهم صحة كلماته.

“إييييك! أوه لا، أوه لا، التحديق في أحدهم من زاوية قاسية كهذه يُثيرك، أليس كذلك؟ توقف، لا تنظر! توقف عن انتهاكي بعينيك! واهاهاهاهاها! إذا قلت إنه محرم لمس الراقصات، هل ستقول أن حرقهن بالسحر لا يُعد لمسًا؟ …واهاهاها!”

 

“ماذا؟! ما الذي تقوله في وقت كهذا؟!”

بعد تراجعها أمام الإعصار الناري، هاجمت المرأة مرة واحدة بسيفها الطويل — وكان ذلك كافياً فقط لقطع قلب الرياح، مما أربك التركيبة السحرية للإعصار وتسبب في انهياره واختفائه.

أطلق شيطان السيف المزيد من الهجمات دون رحمة. لكن المرأة استخدمت سيفها الطويل بمهارة، متصديةً لكل ضربة بينما تتهرب من المطاردة بخطواتها الموزونة بإتقان.

 

كانت الحجارة التي ألقاها كافية تمامًا لتحطيم جمجمة بشرية غير محمية. سواء تم صدها أو تفاديها، لم يكن بإمكانه إنقاذ كروش بينما لا تزال تحت قدمي تلك الفتاة.

الإحساس المرعب والدقيق بالسيف الذي تباهت به المرأة المبارزة، إلى جانب السيوف العظيمة الأربعة والأذرع الثمانية للعملاق، جعلهما أشبه برُسُل الموت المزدوجين.

 

تصاعد شعور الخوف في عمود سوبارو الفقري بينما واصل مشاهدة الخصمين ينفذان أعمالاً شبه خارقة للطبيعة، تتجاوز حتى ما سمع عنه سابقًا.

 

 

 

“الهجوم بكل ما لدينا دون تحقيق أي شيء يُعتبر صدمة كبيرة.”

“…”

 

 

عندما ألقى نظرة على غارفيل والآخرين الذين نجحوا في الهروب بفضل دعم يوليوس، وجدهم يمسحون الدماء عنهم ويلتقطون أنفاسهم. ولكن الإحساس باليأس الناتج عن حقيقة أن المقاتلين القريبين قد تم التغلب عليهم بشكل كبير لم يكن من السهل تجاوزه.

كان سوبارو مرتبكًا تمامًا، غير معتاد على أن يُعتبر شخصًا يمكنه المساهمة في المعركة دون أدنى شك.

 

 

ومع ذلك، كان من الخطأ الافتراض بأنهم قد استنفدوا جميع خياراتهم.

ومع ذلك، بدلاً من اتهام غارفيل، اختار ريكاردو أن ينحني برأسه.

 

 

“نحن نعلم أنهم بارعون بشكل جنوني في القتال القريب، لكنهم فعلاً ضعفاء أمام الهجمات بعيدة المدى.”

“…”

 

ثم تركه مع هذه الكلمات غير المبالية.

كانت سحر يوليوس، وشفرات الرياح الخاصة بكروش، وحتى السوط الخاص بسوبارو فعّالين بدرجات متفاوتة.

“…؟ وماذا عن ذلك؟ هل هناك شيء غريب في ذلك؟”

 

 

ربما قد يتم تجاهل تأثير ضربات سوطه بسهولة، ولكن لا شك أن يوليوس وكروش يمكنهما إطلاق هجمات قد تكون حاسمة بين النصر والهزيمة.

عندما نقر سوبارو بلسانه بغضب، رفضته كابيلا باشمئزاز واضح. وفي تلك اللحظة، قام التنين الأسود، الذي انتهى جسده من التجدد إلى حد كبير، برفع وركيه ببطء.

 

“هذا كلامي أنا. تأكد من أداء واجبك كفارس بديل لفالكيري!”

ظل تراكم الأكوام المقززة من اللحم التي تنتشر في المنطقة المحيطة يشغل تفكيره، لكنه أجبر نفسه على التركيز على الأولويات — إسقاط الاثنين الموجودين أمامهم.

 

 

لا يمكن لأي إنسان طبيعي أن يمتلك مثل هذه العيون المشوهة، التي بدت وكأن كل رذائل العالم تتخمر داخلها.

“جميعًا، لنهاجم مجددًا. سنجعل يوليوس وكروش المهاجمين الأساسيين، و…”

بضغطة من حذائه، اعتدل يوليوس واستقام ظهره، مقدمًا تحية فارس محترمة إلى أناستاشيا.

 

وأثناء انشغال سوبارو بالسماح للميتيا بسلب انتباهه دون وعي —

“— ها-ها-ها-ها! أتيتم، أتيتم، لقد أتيتم فعلاً، أليس كذلك؟!”

 

 

ومع صرخة يأس، بحث سوبارو عن أي بصيص أمل للنصر وسط عاصفة الدمار العارمة. حتى لو حاول الهروب، كانت كابيلا تسد مدخل الغرفة. ظل شكلها يتغير باستمرار، يتضخم وينكمش ويتحول بين امرأة وفتاة وصبي وعجوز، لتخلق مظهرًا شاذًا وقبيحًا بالكاد يبدو حقيقيًا.

“؟!!”

بقلق على شقيقتهم فاقدة الوعي، استمر هيتارو وتي بي في مناداتها. شعر كلا الشقيقين بجراح ميمي بسبب البركة المشتركة بينهما، ما نقش على وجهيهما ألمًا وحزنًا متساويين.

 

من باب الغرفة الأخرى، تدخل صوت آخر ضعيف النفس.

فجأة، قاطع المشهد ضحك عالي النبرة وصوت سخيف بدا غير مناسب تمامًا لساحة المعركة.

“أنتم أوغاد أدنى من الحشرات! والآن بعد أن آلمتموني بعمق، أرغب حقًا في الانتقام لهذا الألم في قلبي! سيتحقق ارتياح قلبي بما قلتُه سابقًا! أتوقع أشياء عظيمة من أكياس اللحم الأذكى بينكم!”

 

 

هذا الصوت المزعج بشدة جعل العملاق والمرأة يركعان على الفور. وفي نفس الوقت، دفع الخوف غير المحتمل سوبارو والآخرين إلى حبس أنفاسهم بينما لا يزال الصوت المليء بالسخرية يتردد بالضحك.

— لا، لم يكن الأمر أكثر من مجرد انطباع لسوبارو بأنهم ينظرون إليه. لم يكن لدى سوبارو طريقة لمعرفة ما إذا كانوا بالفعل يراقبون العالم من حولهم. لم يكن قادرًا على استيعاب مثل هذا الأمر.

 

— ردًا على كلمات أل، لم يكن هناك الكثير الذي يمكن لسوبارو فعله.

“كل ما تطلبه الأمر هو بعض التهديدات لجذب مثل هذه الأسماك الكبيرة. كيف يمكنكم، أيها الأكياس اللحمية، أن تعيشوا عندما تكونون بهذا الغباء، والقبح، وضحالة التفكير؟! أنا لن أتحمل ذلك! ها-ها-ها-ها!”

صفع سوبارو وجنتيه بكلتا يديه، مبعدًا مشاعر الضعف المتصاعدة داخله بينما أطلق نفسًا قويًا وحادًا.

 

 

“— لا يمكن أن يكون.”

“لم تلمس شعرها؟ لم تلمس شفتيها؟ لم تحتضن جسدها؟ ألم تزخرف تلك الأفكار القذرة والعرقة لديك بذلك الكلمة الجميلة — الحب؟! توقف عن الهراء. أنت فقط تخلط الحب بشيء آخر. أنتم جميعًا تختارون، بأنانية، تزيين الرغبات الجسدية بكلمات وعبارات منمقة.”

 

“— تبًا لكل شيء! حسنًا، فهمت! هيه، جولي! لا تجرؤ على أن تخسر!”

بحثًا عن مصدر الصوت، بدأ نظر سوبارو يتجول حتى لاحظ كروش تتنهد بجانبه.

 

 

 

بدت عيناها الكهرمانيتان متسعتين بينما تنظر نحو سطح مبنى البلدية. عندها أدرك سوبارو أن المتحدثة، الشهوة، كانت هناك، فوجه نظره في نفس الاتجاه.

— في الوقت الحالي، كان فريق استعادة قاعة المدينة، المكون من ستة أشخاص بما في ذلك سوبارو، يسير عبر المدينة.

 

حتى في ظل جهود البعض البطولية لإنقاذ حياة، واصلت الشهوة بث تهديداتها الشريرة.

عندها فقط فهم المعنى الحقيقي لصدمة كروش الظاهرة من كلماتها الخافتة.

كان سوبارو ضعيفًا للغاية، غير قادر على فعل… أي شيء.

 

“يا إلهي، مجموعة عنيدة، أليس كذلك؟ عادةً، بعد أن تُعاملوا هكذا، تأتي التعزيزات وتقول: أوه، انظروا، إنه الأسقف! الروتين المعتاد هو أن أمثالكم الضعفاء يهربون وهم يجرون أذيالهم بين أرجلهم. أم أنني أخطأت في تصنيف نوع الحشرة التي أنتم عليها؟”

“ها-ها-ها-ها!! ما هذا الوجه؟! يا له من وجهٍ غبي! هل تدربت عليه من أجلي؟! إذا فعلتِ، أود مكافأتكِ!! ما رأيك في لعابي؟ ألن يجعلكِ لعابي سعيدةً؟ هذا يجب أن يكون حرفياً مغريًا لأمثالكم من القمامة البشرية!!”

“لا تُظهر مؤخرتك وسط معركة! سأنتزع فراء ذيلك وأعطيك درسًا قاسيًا!!”

 

“لا تظن أنك تستطيع استخدام كلمات جميلة وتغفل عن الباقي! كل هذا الهراء عن الداخل، بلا بلا، الشخصية، بلا بلا، توافق الطباع، بلا بلا — كلها مجرد ضوضاء! المظهر الخارجي، شكل الوجه — الشيء الوحيد الذي يجذب لحمًا إلى لحم آخر هو التحفيز البصري! إذا كان الحب حقًا ما يربط بين شخصين، فلماذا لا تحاول تزيين الأمور بتلك الكلمات البراقة، تنظر بتلك العيون البراقة، وتتحدث عن مستقبلك البراق بعد أن يتم تحويل محبوبتك إلى ذبابة؟! هل يمكنك أن تحبها؟ بالطبع لا تستطيع! إنها تُنفرك، أليس كذلك؟! إنه أمر مزعج، أليس كذلك؟! لا يمكنك إلا أن تشعر بالاشمئزاز، صحيح؟! أنت من قلت ذلك لي بصوت واضح ومسموع!!”

تردد الضحك العبثي بينما كانت المتحدثة الواقفة على سطح مبنى البلدية — لا، فوقه — تنظر بازدراء نحو سوبارو والآخرين من مكانها المرتفع.

بالطبع، كان من المنطقي التفكير بأنها تخدع سوبارو والبقية لجعلهم يخفضون حذرهم كجزء من نوع من الحيل، لكن —

 

 

ثم رفرفت الأجنحة السوداء الكبيرة الشريرة على ظهرها مرة واحدة.

 

 

 

“دعوني أُعيد تقديم نفسي! أنا رئيسة أساقفة خطيئة الشهوة بطائفة الساحرة!!”

 

 

أومأ الشاب برأسه بسخاء ردًا على سؤالها، تاركًا أفكار إيميليا الداخلية جانبًا.

تألقت عيناها الحمراء بقسوة بينما ضحكت — الشهوة — بازدراء متجدد.

 

 

لا يمكن لأي إنسان طبيعي أن يمتلك مثل هذه العيون المشوهة، التي بدت وكأن كل رذائل العالم تتخمر داخلها.

التنين الأسود الوحيد الذي يحمل لقب أسقف الشهوة كان يحوم في السماء، يضحك بسخرية.

— كان يوليوس يخبره بأن يترك له أمر الشراهة بينما يتوجه سوبارو لإيقاف المجزرة والبث.

 

 

“كابيلا إميرادا لوغونيكا—هذا أناااا! الآن موتوا، أيها الأكياس اللحمية العفنة!!”

وكان ثمن هذا التوقف المفاجئ ركلة دوارة غرست نفسها في بطن سيد السيف المخضرم، مما جعله ينحني للأمام؛ وبعد نصف دوران حول جسده المنحني، أطلقت المرأة ركلة خلفية دوارة أطاحت به أرضًا.

 

انتشرت قشعريرة على طول عمود سوبارو الفقري.

**

 

 

“حـ – حسنًا، فهمت.”

— بينما تحلق عالياً في السماء فوق مبنى البلدية، واصلت التنين الأسود ضحكها الساخر.

 

 

كانوا أعضاء غير معروفين من عبادة الساحرة، حتى أنهم لم يكونوا رؤساء أساقفة.

كان لها أنياب حادة وشرسة، وأجنحة سوداء رائعة تجمع الرياح تحتها لتطير عبر السماء، بالإضافة إلى وجه مخيف، وكانت مغلفة بجلد كالصخر — هذا كان حقًا ما تخيله سوبارو عن تنين.

 

 

 

بعض ميزاتها تشبه باتلاش، التنين الأرضي، لكن الحجم الهائل والقوة الخام التي تمتلكها لا تقارن. إذا كان التنين الأرضي يعادل حصانًا، فإن التنين الأسود فوقهم يشبه فيلًا.

كان سوبارو مستلقيًا على ظهره، بياض عينيه ظاهرًا، وهو يرتعش بضعف.

 

عبس سوبارو أمام أسلوب يوليوس غير المعتاد في الحديث. كان رد يوليوس الوحيد هو ابتسامة مغرورة.

رؤية التنين الأسود وهو ينشر جناحيه ويحلق بسهولة في السماء لم تترك أي كلمات تخطر في البال سوى “كابوس”.

عندما خرجت ببطء من سباتها، كان أول ما لاحظته شيئًا ناعمًا يحيط بها. كان إحساسًا مريحًا، كما لو أنها محاطة بفراء حيوان دافئ وناعم.

 

ربما باتت رئيسة الأساقفة هشةً إلى هذا الحد عندما أُجبرت على الدفاع، إذ استمرت كابيلا في تحمل وابل من الهجمات، غير قادرة على مقاومة شفرة الفولاذ. تمزقت أجنحتها، تكسرت أنيابها، وقُطعت قشور رقبتها الطويلة، مما جعل التنين تصرخ من الألم.

“النظر إليّ بتلك النظرات المليئة بالعاطفة يعني أنكم جميعًا مفتونون بي، أليس كذلك؟ ماذا، هل أنتم حيوانات في موسم التزاوج طوال العام؟ هل تستمتعون بهذه الفرصة للتحديق بي؟ يااااه، ماذا سأفعل؟!”

“بالبركة، هل تقصد بركة الثلاثة؟ وماذا سيحدث لهم؟”

 

زوج سابع وثامن من الأذرع انطلقا من ظهر العملاق، يوجهان لكمات متتالية إلى فك ريكاردو. دفع العملاق ريكاردو بعيدًا، متسببًا في تطاير الدم من فمه، ليصطدم بجانب الساحة الآخر.

“…حسنًا، هذا التنين معبّر لدرجة أنه يُسبب القشعريرة.”

“…فقط…اقتليّني الآن.”

 

 

بينما كانت كابيلا — التنين الأسود — تتلوى في الهواء بأشكال فاضحة، تركت سلوكياتها سوبارو في حالة من الاشمئزاز الشديد. كيف يمكنه أن يأخذ أي شيء آخر من هذا الانطباع الأول المشوه؟

 

 

كروش أو هو، كما قالت الوحش. إذاً، هل تتعرض لنفس العذاب الذي يتعرض له؟

كان من المستحيل ألا يشعر بالنفور من كابيلا، التي تبدو بشرية ولكن بطرق كلها خاطئة.

 

 

بعد أن أنهى تلك المحادثة القصيرة مع يوليوس، أغلق سوبارو عينيه مرة واحدة قبل أن يتوجه نحو نافذة غرفة المؤتمرات.

“لو كان الأمر ممكنًا، لوددت مواجهة الشهوة بشكل منظم.”

 

 

 

بتفحص سيفه، ألقى يوليوس نظرة على التنين الذي يحلق فوقهم بينما علق بصوت خافت. وبينما يتفق سوبارو معه ذهنياً، رأى أن المقاتلين بالسيوف الواقفين على السطح بدوا متيبسين بفعل الرهبة من ظهور رفيقتهم، التنين المجنح، التي يعلوهم.

أوقف ألفارد طرف السوط بأسنانه، متحدثًا بهذه الكلمات دون ذرة خجل.

 

“كلاهما يضاهيانني في القوة… في الواقع، أعتقد أنهما أقوى مني.”

ظل الاثنان يركعان كما لو كانا في رهبة أمام التنين المجنح الذي كان سيدتهم، مع إبقاء أنظارهما على سوبارو ورفاقه دون أن يخفضا حذرهما ولو للحظة. كانا خصمين قويين بما يكفي بمفردهما، وإضافة التنين الأسود إلى المعادلة جعلت الفريق في وضع لا يمكن تجاوزه.

— كان بحاجة لاستعادة كروش، والهرب من هذا المكان، والانضمام إلى أحد رفاقه.

 

“آآآآآه…”

“— عندما تقاتل تنينًا، الشيء المهم هو كسر أجنحته بأسرع وقت ممكن، لإسقاطه على الأرض. إذا سمحنا له بالتحليق في السماء كما يشاء، سيُمطر علينا أنفاسه التنينية دون معارضة. يجب تجنب هذا بأي ثمن.”

في نفس اللحظة، دوى صوت انفجار بين ريكاردو والعملاق.

 

“…”

وسط القلق الذي تسبب فيه ظهور التنين، جاء إعلان ويلهيلم الواثق في قلب تشكيلتهم. كلماته، المليئة باليقين، جعلت سوبارو يلتفت لا شعوريًا نحو شيطان السيف.

 

 

 

“بالطريقة التي قلتها للتو، يبدو وكأنك لديك خبرة في قتال التنانين.”

 

 

 

“مرة واحدة، منذ ما يقارب أربعة عقود، تبادلت السيوف مع التنين الأسود فالغرين، الذي ظهر في جنوب المملكة. مقارنةً بذلك، هذا التنين صغير جدًا. لو قطعنا رأسها مرة واحدة، ستفنى بالتأكيد.”

 

 

جلس ريكاردو متربعًا على الأرض وضغط رأسه على الأرض وهو ينقل امتنانه. كانت كلماته موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال مستندًا إلى الحائط، رأسه متدلٍ كدمية خرقة.

“ماذا، ألم يكن قطع رأس بفالغرين مرة واحدة كافيًا؟”

 

 

“تبا، هل ستكون متهورًا لهذا الحد هنا…؟”

“ذلك لأنه كان هناك ثلاثة رؤوس يجب قطعها.”

 

 

“— كابيلا!”

بدت كلماته المشجعة تشير بوضوح إلى أن هذه المرة هناك رأس واحد فقط ليُقطع. هذه القصة الأسطورية المليئة بالبطولة رفعت معنويات سوبارو بينما عدّل قبضته على السوط. وقرر سرًا أنه بحاجة لسماع تفاصيل تلك القصة لاحقًا، قبل أن يستعد للعودة إلى المعركة.

“ها نحن ذا. الحجة غير المنطقية التي لا يمكنك منع نفسك من التفوه بها بسبب قدراتك العقلية المحدودة وانعدام التفكير النقدي تمامًا! لقد كنت كريمة جدًا في نثر هذه الفتات من الأدلة، ولكن يبدو أن قمامة مثلك تحتاج إلى ركلة جيدة لتدرك الصورة كاملة!”

 

 

استعادت معنويات الآخرين قوتها أيضًا.

ريغولوس، الذي بدا كأنه يمتلك أذنين ولكنه لا يسمع، أمسك إيميليا من كتفيها. عبست إيميليا من شدة قبضته على أطراف أصابعه، لكن الشاب لم يكترث على الإطلاق لانزعاجها.

 

“ها-ها! أعتقد أن الكلاب المهزومة التي تنبح من بعيد هي المزعجة. أوه، هذا صحيح، أنت لست كلبًا مهزومًا — أنت قط مهزوم، أليس كذلك؟ مواء، مواء، مواء، وجهك أصبح أحمراً كالشمندر عندما بكيت على موت تلك القطة الصغيرة، أليس كذلك؟ قطة صغيرة مسكينة!”

عندما رأت كابيلا أن قلوب سوبارو ورفاقه لم تنكسر، صاحت “ماذا؟”، كما لو كانت مذهولة تمامًا.

لذا كانت خطته أن يخلق فجوة يتمكن خلالها من إنقاذ كروش ومن ثم —

 

كانوا يفتقرون بشدة إلى الوقت والقوة لهزيمة عدوهم الأكبر بشكل حاسم. مواقف سوبارو وكروش كانت متشابهة. ولهذا السبب تحديدًا كان سوبارو الوحيد القادر على تقدير قرارها النبيل حقًا.

“يا إلهي، مجموعة عنيدة، أليس كذلك؟ عادةً، بعد أن تُعاملوا هكذا، تأتي التعزيزات وتقول: أوه، انظروا، إنه الأسقف! الروتين المعتاد هو أن أمثالكم الضعفاء يهربون وهم يجرون أذيالهم بين أرجلهم. أم أنني أخطأت في تصنيف نوع الحشرة التي أنتم عليها؟”

كل واحد منهم كان ملعونًا، لا أمل في إنقاذه، ومجنونًا تمامًا.

“— توقفي عن الثرثرة! لا يهمني إن كنتِ سحلية كبيرة أو أسقف الخطايا السبع المميتة! أي شخص يقف في طريقي، سأحطمه، وأطيح به، وأهزمه!”

وكان ثمن هذا التوقف المفاجئ ركلة دوارة غرست نفسها في بطن سيد السيف المخضرم، مما جعله ينحني للأمام؛ وبعد نصف دوران حول جسده المنحني، أطلقت المرأة ركلة خلفية دوارة أطاحت به أرضًا.

 

“— حسنًا، الكثير من الناس يحملون لنا ضغائن بسبب شراهتنا.”

عندما جعلت كابيلا لسانها الطويل يتحرك بطرق شريرة قائلة كلماتها، أدار غارفيل قبضته نحوها. مستشعرةً عداءً هائلًا موجهًا نحوها، ردت كابيلا بـ “آه؟ آهههههه؟” وضحكت.

ومع ذلك، كان من الخطأ الافتراض بأنهم قد استنفدوا جميع خياراتهم.

 

 

“ها-ها! أعتقد أن الكلاب المهزومة التي تنبح من بعيد هي المزعجة. أوه، هذا صحيح، أنت لست كلبًا مهزومًا — أنت قط مهزوم، أليس كذلك؟ مواء، مواء، مواء، وجهك أصبح أحمراً كالشمندر عندما بكيت على موت تلك القطة الصغيرة، أليس كذلك؟ قطة صغيرة مسكينة!”

“غنغه، غااااه!!”

 

ومع ذلك، قاطع كيريتاكا هذا الخط من التفكير، وهز رأسه جانبًا بوجه كئيب.

“!!”

 

 

صعد التنين الأسود من الأرض، حيث سقط، وأطلق زئيرًا عند رؤية عدوه اللدود، ثم أطلق سيلًا من اللهب الأسود باتجاه كابيلا من فمه المفتوح على مصراعيه.

استمع غارفيل إلى كلمات الإساءة التي كانت لا تُحتمل تقريبًا، حيث نبشت نقطة ضعفه في قلبه. عند رؤية التعبير المؤلم على وجهه، تقدم سوبارو خطوة للأمام ليقف أمام غارفيل.

 

 

 

“القائد…”

قد لا يكون هذا الجواب الذي كان يأمله، لكن يوليوس لم يبدُ خائب الأمل بشكل خاص. بالطبع، هو من بين الجميع لم يتوقع أن يتحول سوبارو إلى نوع من قاتل طائفة الساحرة الأسطوري.

 

 

بينما ناداه شقيقه الأصغر العزيز، حدق سوبارو في كابيلا، التي ظلت تحلق في الأعلى، دون أن ينطق بكلمة. عند ملاحظتها لنظراته، ضاقت عيون التنين الأحمر، وكأنها وجدت الأمر غير سار.

كما قالت، كانوا في الوقت الحالي مجهزين بشكل جيد ومستعدين للقتال. كانت شركة “ميوز” تستضيف حاليًا غارفيل، وريكاردو، ويوليوس، وويلهيلم، وجميعهم محاربون متميزون.

 

“…”

“هاه؟ ما مشكلتك؟ مقارنةً بأكياس اللحم الأخرى، لديك رائحة غريبة وغير مناسبة بالمرة، أتعلم؟ كيف انتهى بك الأمر في كل هذا؟ هل ضللت الطريق؟”

بضحكة عالية، أعلنت كابيلا من جانب واحد أن وقت الحديث قد انتهى ثم استدارت في الحال. بعد ذلك، اختفت فجأة جثة التنين الأسود الضخمة داخل السقف. بدا أن الشهوة جادة في مغادرة ساحة المعركة.

 

“أل؟ ماذا تعني؟”

اصمتي. كلما تكلمتِ أكثر، زدّتِ في تشويه صورتي الداخلية عن التنانين. وأيضًا، كفي عن استخدام اسم تلك الأميرة. أشعر بالأسف عليها.”

رمشت الفتاة عدة مرات، دون أن تستجيب على الفور. ثم ببطء، بدا وكأنها تلهث بحثًا عن الهواء بينما حركت شفتيها عدة مرات.

 

على الأرجح، ظل التنين الأسود يراقب مدخل الغرفة الرئيسي، مُركزًا لهبه نحو ذلك الجانب طوال الوقت. وبينما باتت منشغلة بحراسة ذلك الجانب، شن سوبارو وكروش هجومًا مباغتًا من السقف — كانت هذه خطتهما البديلة.

“أستخدم اسمها؟ عما تتحدث…؟”

 

 

 

“وأيضًا، أنتم فوضويون جدًا، ومن المؤلم أن أراكم! الأشخاص المهمون مثلكم يجب أن ينتظروا وقتهم ويظهروا واحدًا تلو الآخر! من بحق الجحيم يظهر فجأة دون أي اعتبار للإيقاع؟ من تظنون أنفسكم، تدوسون على حياة الناس اليومية بمظهركم هذا؟ هل تحاولون التظاهر بأنكم آلهة؟!”

“— أوووغغ!”

 

 

“…”

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

 

 

الكلمات اللاذعة التي أطلقها سوبارو بقوة أشبه بوابل من الأسهم جعلت كابيلا تفتح عينيها على مصراعيها، مدهوشةً للحظة.

 

 

 

رؤية تنين أسود يبدو مذهولًا كان مشهدًا استثنائيًا في حد ذاته، لكن هذا لم يكن هدف سوبارو. بالطبع، لم ينكر أن غضبه كان يحتوي على جزء كبير من مشاعره الحقيقية، لكن الغرض الفعلي كان —

 

 

 

“يكفي الآن من المماطلة! الآن، اضربها، يوليوس!”

 

 

وفي اللحظة التي استوعب فيها سوبارو كل هذا، انحنى الاثنان قليلاً للأمام وبدآ في تنفيذ هجماتهما المضادة.

“أحيانًا، أعجب بتهورك من أعماق قلبي.”

“بالنظر إلى قلقي بشأن ميمي والآخرين، بالكاد يمكنني الادعاء بأنني هادئ. لكنني أحاول أن أظل هادئًا قدر الإمكان.”

 

“إنها ليست شخصًا يجب على أمثالك أن يدوس عليها!!”

بينما صفق سوبارو يديه معًا، رد يوليوس على الفور من الخلف، جامعًا الضوء على طرف سيفه الفارس. وعندما تجمعت الأرواح الستة داخل النصل، لوّح الفارس الأمثل بسيفه كما يفعل قائد أوركسترا.

 

 

نظرًا لكونه شخصية محورية في المدينة، أراد سوبارو أن يتأكد من شيء ما معه فورًا.

“أوه، هل تخطط لاستخدام خدعة صغيرة ضدي؟!”

 

 

 

“احترقي تحت نور قوس قزح! —أل كلاوزيريا!”

محاولة الحفاظ على هدوئه أكثر كانت مستحيلة.

 

بصوت مرتجف، أشارت الفتاة إلى باب في الجانب الآخر من الغرفة لا يزال يحمل علامات المعركة الأخيرة.

انطلق شعاع قوس قزح من طرف السيف الذي دفعه للأمام، مطلقًا شفقًا دوارًا. الهجوم القوسي، الذي احتوى على القوة المشتركة للأرواح الستة، انطلق في خط مستقيم مستهدفًا التنين الأسود الذي يحلق فوقهم مباشرة.

” دوري الآن!!”

 

 

— في لحظة، انفجر الشعاع، مغطيًا سطح قاعة المدينة بانفجار من الضوء.

 

 

“أتفق معك. الميتيا في قاعة المدينة هي سلسلة تقيد الجميع في المدينة.”

تلونت السماء بألوان سريالية من الشفق الجميل — طقس تطهيري لطرد الشرور. التعويذة التي استُخدمت بشراسة في المعركة ضد بيتيلغيوس كشفت الآن أنيابها لكابيلا.

“آمل أن نلتقي مرة أخرى سالمين يا أخي.”

 

كان هذا شعورًا تعيشه يوميًا في الماضي، وأثاؤ ذكريات غائمة تضرب وتر الحنين في قلبها.

“غييييييه!!”

 

 

“— آه.”

تأوهت كابيلا بصوت حاد بعد إصابتها المباشرة بنور القوس قزح.

 

 

 

“…”

“أفهم ما تقوله، لكنني لا أزال أعتقد أن هذا هو القرار الأفضل. رغم ذلك، أشعر بالأسف.”

 

 

مع اعتبار هذه الضربة إشارة لاستئناف القتال، انطلق مقاتلا السيوف الراكعان مرة أخرى عن الأرض، متجهين سريعًا نحو سوبارو والبقية.

 

 

 

“كما لو أنني سأسمح لك!!”

 

 

 

برغبة مشتعلة للقتال رغم إرهاقه، تصدى غارفيل لسيوف العملاق الكبيرة باستخدام درعيه. الهجوم العنيف دفعه إلى الوراء قليلاً، لكنه لم يتراجع خطوة واحدة.

 

 

 

بجانبه، باتت المرأة المبارزة تتعرض للضغط بواسطة ضربات ويلهيلم الحادة بالسيف، مما أجبرها على التراجع.

 

 

“إذن كما ترى، أنا طيبة وعميقة العاطفة، وأنا ببساطة امرأة تغرق في حب الكثيرين. أحتكر كل الحب والإعجاب في العالم لنفسي، ولكن هذا يعني أنني لا يمكنني التهاون في جهودي لكي أُحَب. ترى، لكي تُحبني، سأتحول إلى النسخة التي تناسب أذواقك أكثر. لكي أجعلك تنظر إلي، سأسرق منك كل اهتمامك بأي شيء آخر. لا يهمني إذا كنتَ تحب شخصًا آخراً في البداية. بعد كل شيء، هذا هو نهايتك. ستأتي لتحبني. أنا أبذل قصارى جهدي للتأكد من ذلك، ترى؟ سحري الشخصي يرتفع أكثر فأكثر، وأعلى وأعلى وأعلى وأعلى! وسحر أكياس اللحم الذين ليسوا أنا ينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض!”

“لا تفترضي أنكِ تستطيعين الانسحاب بسهولة! يجب أن أتأكد من ذلك!”

“…”

 

 

أطلق شيطان السيف المزيد من الهجمات دون رحمة. لكن المرأة استخدمت سيفها الطويل بمهارة، متصديةً لكل ضربة بينما تتهرب من المطاردة بخطواتها الموزونة بإتقان.

 

 

بدا رد كيريتاكا على سؤال كروش حاسمًا، لكن متابعته لكلمات سوبارو بدت تفتقر إلى الحزم.

بدت وكأن جسدها مصمم خصيصًا لاستخدام السيف فقط.

 

 

شعور عدم الارتياح الذي شعرت به إيميليا نحوه شخصيًا، والإحساس الغريب المتكرر بوجوده المألوف — كلاهما أشعل نارًا داخلها، مما جعلها غير قادرة على صرف نظرها عن تصرفاته.

كان ويلهيلم يستعرض فن المبارزة على نفس المستوى الذي أظهره خلال معركته ضد الحوت الأبيض. وأظهرت السيدة التي تواجهه براعة في التقنية والإبداع، جنبًا إلى جنب مع إحساس فائق بالتوازن.

 

 

 

صفرت الضربات المتلاحقة في الهواء وجرّت على الأرض بينما تتداخل مساراتها، تصدّ كل هجوم وتعيد توجيهه وتهزمه.

“بالتأكيد — هذا ما كنت أرغب في قوله، لكن…”

 

هزيمته ستنقذ فتاة، وسيسمح له ذلك برؤيتها مرة أخرى.

بدا القتال بينهما مذهلًا، بحيث لم يكن من المبالغة وصفه بأنه قمة المبارزة.

رأى ,يلهيلم تغير ملامح وجهه، ففعل ما أُمر به وحمل جسد ميمي الملطخ بالدماء. هرع الاثنان خارج غرفة المؤتمرات بخطوات متعجلة، متجهين إلى المستشفى الميداني في قبو البناية.

 

“ليس هناك شيء مميز. مجرد حدس، أيها الأخ! حدس! …جبل من الحدس اللي بنَيتُه من النجاة في عدد كبير من المعارك!”

“أوووووووووه!!”

استمر فيريس في بذل كل ما بوسعه بينما ظل هيتارو وتي بي بجانب ميمي. وسرعان ما طلب منهم فيريس مغادرة الغرفة، مرسلًا إياهم إلى غرفة انتظار مجاورة. واصل سوبارو والآخرون مناقشة خططهم أثناء تغيير الموقع.

 

 

أما ساحة المعركة الأخرى القريبة فبدت أكثر خشونة، حيث اصطدم نصف الوحش والمحارب العملاق ببعضهما البعض في مواجهة مباشرة.

لم يكن هناك شك أن هذه كانت أكثر النظريات تخمينًا والتي ناقشوها حتى الآن. ومع ذلك، بات سوبارو واثقًا من استنتاجاته. بعد أن واجه ثلاثة من رؤساء الخطايا السبع المميتة وجهًا لوجه، وبعد أن تعامل بشكل غير مباشر مع الرابع، آمن ناتسكي سوبارو تمامًا بطبيعتهم المشوهة.

 

كان الدم الأسود الذي صُبّ عليه يتلوى فوق جرح سوبارو، يتغلغل ببطء شديد إلى داخل جسده.

صرخ غارفيل صرخة حرب بينما هو والعملاق يتبادلان الضربات الهائلة. كانت هذه مواجهة وحشية غير قابلة للمقارنة مع المعركة الأنيقة بين أساتذة السيوف.

 

 

عندما أكد كيريتاكا ذلك، التقط الجميع أنفاسًا قصيرة وصغيرة. كان ذلك دليلاً ملموسًا على أن تأسيس المدينة قبل أربعة قرون كان بالفعل مرتبطًا بساحرة.

أسلوب العملاق في القتال بالسيف لم يمكن تصنيفه كفنون قتالية تقليدية. وفي مواجهة خصم يستخدم أسلوبًا هو في النهاية عنف مصقول، رد غارفيل بأسلوبه الخاص من القتال الوحشي.

ولكن بينما واصلت تكرار الأسباب التي قد تجعل أحدهم يدعي حبه لشخص آخر، رفعت كابيلا رأسها. كان جمالها وجاذبيتها وقبحها ملتوياً في تعبير غريب ومشوّه يجمع بين العشق والكراهية، ثم صرخت.

 

 

تشققت العظام، وتمزقت الأجساد، وتصدعت الأرواح في معركة فوضوية عظيمة من الضربات الجبارة، حيث ظل تصادم الدروع مع السيوف الضخمة يتردد كأنه سيمفونية من الآلات الإيقاعية. معركة تسببت أيضًا في تطاير الشرر في كل مكان، مشتتةً الأنظار بالإضافة إلى الآذان.

دون أن تتيح المجال للشهوة للتحدث حتى النهاية، ضربت كروش شفرات الرياح خاصتها في جذع التنين الأسود وأجنحته، قبل أن تجتاح رقبته وتضرب جسده الضخم على الحائط مرة أخرى. أخيرًا، انهارت النافذة، وطُردت الشهوة بالكامل إلى الخارج.

 

 

بينما بدت مبارزة ويلهيلم صامتة بشكل مخيف، كانت ساحة معركة غارفيل صاخبة كالعاصفة الرعدية.

عندما أدركت كابيلا ما حدث للتو، ملأت عيناها بالكراهية الشديدة الشاملة.

 

رؤية تنين أسود يبدو مذهولًا كان مشهدًا استثنائيًا في حد ذاته، لكن هذا لم يكن هدف سوبارو. بالطبع، لم ينكر أن غضبه كان يحتوي على جزء كبير من مشاعره الحقيقية، لكن الغرض الفعلي كان —

نظرًا لعدم قدرته على التدخل في أي من هذه المواجهات، وجد سوبارو نفسه وحيدًا في المعركة الثلاثية. لكن لم يكن هناك وقت ليتحسر على ضعفه. قبل أن تسنح له الفرصة، كشفت قطعة جديدة نفسها على رقعة اللعبة.

 

 

بابتسامة خفيفة، أظهرت أناستاشيا تفهمها لقرار مرؤوسيها — عائلتها.

وكانت هذه —

كان هناك شيء غريب يبرز من خلفيتها الجذابة التي لوحت بها نحوه، شيء لا ينبغي أن يكون هناك. كان ذلك…ذيلًا أسود، سميكًا، يشبه الزواحف — لا، كان ذيل تنين. ذيل تنين يبرز من خلفها.

 

 

“سيد سوبارو، احذر!!”

“حسنًا، لا يمكن مساعدتك إن كان يجعلك تشعر بالسوء. لا يمكنك تجنب الشعور بالاشمئزاز — أهذا ما تقوله؟”

 

“…”

“تراجع!!”

 

 

 

بعد أن دوى صوتان في آنٍ واحد، انطلقت كروش من الجانب واندفعت باتجاه سوبارو، وأسقطته أرضًا بجسدها الناعم. وبينما كان تحتها، شاهد ريكاردو وهو يتقدم للأمام.

 

 

جعل الحنين جفونها ثقيلة ومبللة.

فتح ريكاردو فمه الكبير وأطلق عواءً مدويًا من بين صفوف أسنانه الحادة —

“حسنًا، سأضيف نفسي إلى الفريق الذي سيهاجم قاعة المدينة. فقط أخبركم مسبقًا، لا فائدة من محاولة إيقافي. صحيح أنني لا أستطيع المساهمة كثيرًا من حيث القوة الخام، لكن حتى أنا لدي أمور أستطيع فعلها…”

 

 

“واهااااه!!”

“؟!!”

 

 

صوته العاوي جعل الهواء نفسه يهتز، وتحولت الموجة الناتجة إلى صدمة تحمل قوة مدمرة بدت كافية لإعادة تشكيل العالم من حولهم.

 

 

 

كانت هذه “موجة العواء” — هجومًا مشابهًا لما استخدمه ميمي وأشقاؤها الصغار بشكل فعال خلال المعارك ضد الحوت الأبيض وبيتيلغيوس. ومع ذلك، فإن الأمر المروع كان أن ريكاردو، بمفرده، بدا قادرًا على إطلاق ضربة تعادل ما تطلب التعاون بين الإخوة الثلاثة لتحقيقه.

“هاه؟ ما مشكلتك؟ مقارنةً بأكياس اللحم الأخرى، لديك رائحة غريبة وغير مناسبة بالمرة، أتعلم؟ كيف انتهى بك الأمر في كل هذا؟ هل ضللت الطريق؟”

 

 

“…”

 

 

في نفس اللحظة، دوى صوت انفجار بين ريكاردو والعملاق.

كان هدف ريكاردو عمودًا من النيران السوداء الجائعة التي تلتهم شفق قوس قزح وتهبط نحو السطح.

“لكن لا أستطيع أن أشيد بك لمغادرتك بمجرد استيقاظك. لقد أرهقت جسدك بطرق عديدة. إذا حدث لك شيء، فقد يكون ذلك مشكلة لاحقًا، أليس كذلك؟ أود بصدق أن تهتمي بنفسك بشكل صحيح. أعني، جسدكِ لم يعد ملكًا لك وحدك.”

 

 

اصطدمت النيران الكثيفة، التي بدت أكثر سوادًا من الظلام نفسه، مع موجة العواء في الهواء. وفي لحظة، أُخمدت النيران بفعل موجة الصدمة دون أي مقاومة، تاركةً شراراتها تتناثر هنا وهناك في ساحة المعركة.

 

 

بينما يعيد ارتداء سترته، تمتم ويلهيلم بهدوء. لم يتمكن سوبارو من إيجاد كلمات يقولها له. ومع ذلك، ما انعكس في عيني ويلهيلم لم يكن الأمل ولا الراحة، بل الغضب.

لكن إذا كان هناك شيء، فقد جعل هذا النيران السوداء أكثر فاعلية.

 

 

جعلت هذه المطاردة سوبارو يعبس.

“ما الأمر مع هذه النار السوداء…؟ لم لا تنطفئ؟”

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

داخل تلك الغرفة ذات الإضاءة الخافتة، تألقت كمية هائلة من العيون المتعددة الجوانب باللون الأحمر وهي تتحرك هنا وهناك بينما تحدق في سوبارو الذي وقف في مكانه بلا حراك.

استمرت النيران السوداء الطائرة في الاشتعال بلا توقف، سواء أكانت فوق حجارة الرصف، أو قنوات المياه، أو كتل اللحم. المساحة التي غطتها موجة النيران المتلوية توسعت تدريجيًا، متوغلة في العالم أكثر وأكثر كما لو كانت حية.

“كل شيء على ما يرام. تلك السيدة القوية الجميلة هناك لقنت التنين السيئ درسًا. لا يمكننا أن نأخذ وقتنا الآن، لذا دعيني أسألك بسرعة… هل تعرفين ماذا حدث لـ…الآخرين؟”

 

“…”

مثل إشعال الزيت على سطح الماء، واصلت النيران السوداء تأكيد وجودها.

“في النهاية، أنت مجرد كيس لحم ذكر مهووس بلحم الأنثى، أليس كذلك؟ لا تكلف نفسك عناء إنكار ذلك. يمكنك وضع أي تبرير جميل عليه كما تشاء. أوه، تحب فتاة لأنها جميلة. أوه، تحب فتاة لأنها لطيفة. تحب الأشياء الناعمة التي تجعلك تشعر بالراحة، أليس كذلك؟ لا تتفاخر عليّ بذلك!!”

 

 

“…”

 

 

“هياا ، أصيبي الهدف!”

لم تصل أمطار النيران السوداء إلى سوبارو والبقية، حيث أزالت الشفق بدلًا من ذلك بتعطيل تكوينه السحري. لكن نظرة يوليوس الحذرة ظلت مركزة على التنين الأسود الذي أطلق هذه النيران.

لكن الاختلاف الحاسم بينه وبين سوبارو كان في الدفء، أو بالأحرى غيابه.

 

 

باتباعه، دخل مشهد التنين الأسود مجال رؤية سوبارو أيضًا —

 

 

 

“إييييك! أوه لا، أوه لا، التحديق في أحدهم من زاوية قاسية كهذه يُثيرك، أليس كذلك؟ توقف، لا تنظر! توقف عن انتهاكي بعينيك! واهاهاهاهاها! إذا قلت إنه محرم لمس الراقصات، هل ستقول أن حرقهن بالسحر لا يُعد لمسًا؟ …واهاهاها!”

رأت سقفًا عاليًا وغرفة تحتوي على أثاث غير مألوف. لم يكن مكانًا سبق أن زارته من قبل. كانت فوق سرير، ملفوفة ببطانيات تبدو فاخرة.

 

كان هذا رد سوبارو، سواء على كلمات أل أو على رفاقه الذين سيتجهون نحو مكان الموت. إذا كانت خياراته قد تقلصت بسبب إصابة ساقه، فسيضطر ببساطة إلى تجاوز ذلك بقوة الإرادة وحدها.

أطلقت كابيلا سيلًا آخر من الكلمات الفاحشة، بينما بدت سليمة وهي تهبط على سطح قاعة المدينة. ولكن هذا لم يكن بمعنى أنها لم تُصب — بل العكس تمامًا، إذ إن تأثير تعويذة يوليوس كان عميقًا.

 

 

بجوار سوبارو، صرخت كروش ببضع كلمات تشجيعية لشيطان السيف، الذي رد بإطلاق سلسلة من اللمعان الفضي المتتالي. أخيرًا، انطلق سوبارو وكروش نحو قاعة المدينة مباشرةً، يتقدمهم يوليوس. بالطبع، حاول المحاربان اللذان أوكلت إليهما الشهوة حراسة المكان أن يعرقلوا طريقهم، لكن —

عندما اراحت كابيلا جناحيها، كان كلا الجناحين ما يزالان مشتعلين بالنيران بسبب ملامسة الشفق، مع بروز العظام من الأغشية المصهورة في بعض الأماكن. ولم تنتهِ الأضرار هنا؛ إذ ظلت أعضاؤها الداخلية تغلي من الحرارة العميقة في بطنها المتفحم، والنصف الأيمن من رأس التنين قد طار بعيدًا، تاركًا لسانها السخيف في حالة ممزقة وأحد عينيها متدلية.

 

 

“مرة واحدة، منذ ما يقارب أربعة عقود، تبادلت السيوف مع التنين الأسود فالغرين، الذي ظهر في جنوب المملكة. مقارنةً بذلك، هذا التنين صغير جدًا. لو قطعنا رأسها مرة واحدة، ستفنى بالتأكيد.”

لم يكن وصفها بأنها نصف حية ونصف ميتة كافيًا. من هذا المشهد المروع، كانت بالفعل على حافة الموت.

أصدرت كابيلا صوتًا مليئًا بالمتعة في حلقها، ولكن لم يمكن لسوبارو الرد.

 

“هذا ليس بالضبط ما كنت أتحدث عنه، لكنك في نفس الموقف، أليس كذلك، أيها الأخ؟ أعتقد أن عليّ إعطاء الأولوية لامرأة تهمني على الذهاب إلى قاعة المدينة.”

لكن هذا المنظر المثير للقلق لم يكن هو السبب الذي جعل سوبارو يحبس أنفاسه، ويوليوس وريكاردو يضيّقان حاجبيهما، وكروش تطلق صرخة أنثوية لا إرادية.

 

 

بابتسامة خفيفة، أظهرت أناستاشيا تفهمها لقرار مرؤوسيها — عائلتها.

— كل تلك الإصابات المروعة باتت تتجدد بسرعة مثيرة للاشمئزاز.

 

 

“جُرحي القديم قد انفتح مجددًا. يبدو أنه لا يمكنني التظاهر بعدم التورط.”

بدأت الأوعية الدموية تتلوى، والأنسجة تتمدد، والعظام تُصدر صوت تكسر مسموعًا، والأنسجة الممزقة تُصلح نفسها، وجسد كابيلا المدمّر يُعيد ترميم نفسه بسرعة تتحدى أي معيار طبيعي.

بدا القتال بينهما مذهلًا، بحيث لم يكن من المبالغة وصفه بأنه قمة المبارزة.

 

أي شخص يرى هذا الرجل سيدرك أنه لا داعي لأي كلمات إضافية. التعازي الرخيصة والمواساة ستكون إهانة لتصميمه.

سرعة هذه القدرة العلاجية جعلت خلاياها تغلي، ما أدى إلى تبخير الدم الذي يتدفق عبرها وتصاعده كضباب أحمر مخيف.

أعيق أتباع طائفة الساحرة، وإذا أصروا على المطاردة، فسيوقفهم ريكاردو بالقوة. بفضل الحلفاء الموثوقين الذين يحمون ظهرهم، توجه سوبارو والبقية مباشرة إلى قاعة المدينة، ووصلوا إليها بأقصر طريق ممكن.

 

“أنا أيضًا أؤيدكما. إذا تركنا العدو يتصرف بحرية، ستتضاءل خياراتنا تدريجيًا. إذا كنا سنتحرك، فكلما كان ذلك أسرع أصبح أفضل.”

“إذن، هل تشعرون بالرضا الآن بعدما أجبرتم حتى أحشائي الجميلة على أن تُعرض للجميع؟ أنتم جميعًا منحرفون بشهوات غير قابلة للسيطرة تدفعكم لفعل أي شيء حتى تروا مؤخرة الكتلة اللحمية التي تعشقونها، أليس كذلك؟ هيه، هيه، هل أنتم راضون؟ هل أنتم غارقون في العرق الآن بعدما أخذتم كفايتكم؟”

 

 

“لكنني قلقة بشأن الآخرين الآن، وهذا وضع طارئ، لذا ربما ستستثني الأمر، أليس كذلك؟”

“أنتِ… ما الذي… بحق الجحيم… أنتِ؟”

 

 

 

“طرح أسئلة يمكنك استنتاج إجاباتها بمجرد النظر يجعلك أحمقًا بلا جدال، أليس كذلك؟ لكنني سأجيب بسبب عمق شفقتي. كما ترى، لقد تغلبت على الموت! أنا كائن كامل!!”

“أعتقد أنه لا فائدة من إخفاء الأمر في هذه المرحلة. لذلك، باختصار… عظام الساحرة موجودة بالفعل، وهي هنا في المدينة. فقط الأشخاص في مجلس العشرة يعرفون مكانها… وبالطبع، أنا واحد منهم.”

 

“آه، آسف. إنها عادة سيئة لدي أن أفقد التركيز عندما تتدفق مشاعري. حتى أنا أجد شخصيتي الحساسة المفرطة مزعجة عندما تصبح هكذا. هذه المرة، كنت أضيع في أحلام اليقظة بينما كنت أتحدث معك، ربما؟ آه، نعم، اسمي.”

بينما تعانق كابيلا نفسها بجناحيها المرممين، أثارت كلماتها العظيمة صدمة في نفس سوبارو.

 

 

“هذا كلامي أنا. تأكد من أداء واجبك كفارس بديل لفالكيري!”

كائن كامل — بمعنى آخر، كانت كابيلا تُعلن أنها خالدة. وبعد رؤية نصف رأسها يتفجر لتعيد ترميمه بسرعة مذهلة دون أن تفقد حياتها، كان هناك سبب قوي للاعتقاد بأنها تقول الحقيقة.

 

 

 

كان هناك من لديه أجساد لا تعد ولا تحصى، ومن يجر الآخرين إلى القبور، ومن كان كائنًا لا يُهزم، ومن كان وحشًا خالدًا —

“ما هذا بحق الجحيم…؟!”

 

والأكثر من ذلك —

“يا رؤساء الخطايا السبع المميتة الملعونون!”

بينما يحمل كروش، تراجع سوبارو مع ألفارد في مطاردة ساخنة خلفه، لعابه يسيل من فمه.

 

 

“آه، أشعر بطريقة ما أنك وضعتني مع هؤلاء الأغبياء للتو. هل يمكنك أن تتوقف عن ذلك؟ أعني، بحق السماء! الناس سيبدؤون بالتشكيك في شخصيتي!”

لكن الشريكين في الرقصات، اللذين انخرطا بشكل غامض في القتال قبل الأوان، لم يدعاهم يهربون دون مواجهة.

 

 

عندما نقر سوبارو بلسانه بغضب، رفضته كابيلا باشمئزاز واضح. وفي تلك اللحظة، قام التنين الأسود، الذي انتهى جسده من التجدد إلى حد كبير، برفع وركيه ببطء.

 

 

 

“أوه، لحظة. تفضلوا، سأمر الآن.”

 

 

“لا تفرط في الحماسة، يا رجل. لو كنت بهذا الفعالية ضدهم، لما انتهى بي الأمر بهذا الساق.”

في اللحظة التالية، رن صوت الجرس البعيد لبرج الساعة عبر سماء المدينة.

باتخاذها شكل فتاة ذات شعر فضي جميلة، صرخت الوحش وهي ترتسم على وجهها تعابير لم تكن لتصدر عنها أبدًا.

 

قفز غارفيل على قدميه كأنه يطير، مرتسمًا على وجهه تعبير غاضب ومليء بالحزن بينما يصرخ برغبته في الانتقام. وفي المقابل، وقف ريكاردو ونظر إلى الفتى من علوه بفارق طوله عنه.

عندما سمعت ذلك، توقفت حركة كابيلا تمامًا، وعندما أمال التنين الأسود رأسه الطويل، أطلقت تنهيدة خافتة “آه—” وهي تنظر بشوق إلى السماء، تراقب اقتراب المساء.

“أل؟ ماذا تعني؟”

 

“يبدو أنك استعدت وعيك.”

“يبدو أن الوقت المحدد قد حان. وجوهكم الغبية ليست سيئة، لكن هناك مسرح أكبر ينتظرني، لذا اسمحوا لي بالعودة إلى الداخل!”

ظلت تنطق الكلمات كما لو تردد لعنة، ووجه الوحش ذو الشعر الفضي يخبو تعبيره أكثر مع كل عبارة إضافية.

 

لقد وصل إلى هذه المرحلة مؤمنًا بذلك.

“هاه؟! انتظري—!”

 

 

 

“لماذا عليّ ذلك؟! صوتي الجميل بحاجة إلى أن يتردد في السماء! كيف سيعاني هؤلاء الحمقى العالقون في قفص الحشرات؟ تابعوا البث واكتشفوا! أما أنتم، فقوموا بتسلية أتباعي ثم موتوا وتعفنوا كما يحلو لكم! واهاهاهاها!”

استمر ريكاردو في استكشاف الطريق بأنفه، وأومأ غارفيل بصمت.

 

على ما يبدو، أراد ويلهيلم تبديد مخاوف سوبارو، فأعطى تأكيدًا قويًا. وهو يضع يده على مقبض سيفه، وجه عينيه الزرقاوين نحو سيدته.

بضحكة عالية، أعلنت كابيلا من جانب واحد أن وقت الحديث قد انتهى ثم استدارت في الحال. بعد ذلك، اختفت فجأة جثة التنين الأسود الضخمة داخل السقف. بدا أن الشهوة جادة في مغادرة ساحة المعركة.

ظل الشاب يبتسم ابتسامة ودية وهو يسير نحوها بخطوات هادئة.

 

“— حسنًا، الكثير من الناس يحملون لنا ضغائن بسبب شراهتنا.”

بالطبع، كان من المنطقي التفكير بأنها تخدع سوبارو والبقية لجعلهم يخفضون حذرهم كجزء من نوع من الحيل، لكن —

 

 

كل ما فعله هو تقريب وجهيهما حتى أصبحت جباههما تكاد تلامس بعضها، محدقًا في عينيها البنفسجيتين.

“إذا تركناها تذهب، لا يمكننا تخيل ما قد تفعله بالرهائن في النهاية. علينا الإسراع.”

“…”

 

وبينما راقب يوليوس المشهد، ضيّق عينيه قليلاً دون أن ينبس ببنت شفة.

“إذا بثت ذلك على الهواء مباشرة، فإن الروح المعنوية ستنهار، وسيعم الذعر أرجاء المدينة كالنار في الهشيم. تبًا! لا خيار أمامنا سوى التقدم، أليس كذلك؟ اللعنة، علينا ملاحقتها إلى هناك؟ في موقف كهذا؟”

 

 

 

من الواضح أنه كان قرارًا سيئًا، لكن لم يكن لديهم أوراق أخرى يلعبونها. في الأساس، كانوا قد تحدوا العدو في قاعة المدينة لأن إنقاذ الرهائن وإيقاف البث كانا أولوية قصوى. إذا عنى ذلك اللعب وفق خطة العدو، فعليهم فقط تحمل ذلك بابتسامة.

 

 

 

“حسنًا، يبدو أننا حسمنا الأمر. اتركوا الأشخاص في الخارج لي وأنا وهذين الاثنين. يوليوس، أيها الأخ، والسيدة كروش، ستقتحمون الداخل.”

هذا الهجوم قد ألحق جروحًا عميقة بالحوت الأبيض في السابق، وهو الآن ينطلق نحو هدفه. وبعد لحظة، أصاب الهجوم مباشرة الشخصين في الهواء.

 

“آمل أن نلتقي مرة أخرى سالمين يا أخي.”

أعلن ريكاردو خطته لسوبارو وكروش بينما يفكران. عينا سوبارو تساءلتا عما إذا كان لديه أي أساس لحكمه الواثق.

“أنا أؤيد اتباع خطة ناتسكي. أوافق على أن ترك ميتيا البث في يد تلك الشخصية أمر خطير… كلما تركناها لفترة أطول، زادت احتمالية أن يفقد سكان المدينة إرادتهم للاستمرار، مما قد يضعنا في موقف صعب.”

 

وقد دفعا الثمن — في الواقع، لا تزال “ميمي” تدفعه حتى أثناء حديثهم.

“ليس هناك شيء مميز. مجرد حدس، أيها الأخ! حدس! …جبل من الحدس اللي بنَيتُه من النجاة في عدد كبير من المعارك!”

انسكب السائل الأسود القاتم بقوة لا تُصدق، متجهًا نحو الجرح في ساق سوبارو اليمنى. امتزج الدم بالدم. اختلط دم سوبارو الأحمر ودم كابيلا الأسود ، يندمجان معًا، مسببين رائحة عفنة ترتفع في الأجواء.

 

ترك سوبارو خلفه وهو يصرخ، وانخرط التنين الأسود والفالكيري في معركة عنيفة شملت كل أنحاء الغرفة.

“إذن نحن فقط نثق بحدسك؟! ربما هذا أفضل ما يمكن الاعتماد عليه…!”

“لا تفرط في الحماسة، يا رجل. لو كنت بهذا الفعالية ضدهم، لما انتهى بي الأمر بهذا الساق.”

 

 

موافقًا على حكم ريكاردو، قفز سوبارو من مكانه. ثم مد يده إلى كروش، التي أنقذته من نيران التنين الأسود، وساعدها على الوقوف.

“الساحة مليئة بجثث الحرس! لا تدعوا هذا يهزكم أو يبطئكم…”

 

 

“لقد أنقذتِني حقًا هناك، كروش. عادةً، يكون العكس هو الصحيح.”

 

 

دافعًا بقوة على الأرض بيد واحدة، أطلق سوبارو صرخة أخرى بينما حرر كروش من قبضته. على الفور، استقر الاثنان ونظرا حولهما، مؤكدين أن هذا المكان كان بالفعل هدفهما.

“دعنا نجعل الأمر سرًا عن فيريس والسيدة إيميليا.”

 

 

 

اتسعت عيناه بدهشة من الرد غير المتوقع، لكنه أدرك أن هذه العبارة كانت طريقة كروش لتخفيف التوتر. بينما ركز على المهمة التي أمامه، شدّ سوبارو أسنانه ونادى غارفيل، الذي كان لا يزال محاصرًا في معركة ضربات محمومة.

“فيريس، اذهب إلى الملاجئ الأخرى واعتنِ بمن يحتاج إلى علاج. أنا سعيدة لأنك تفكر بي، لكن حتى وإن كان ذلك من أجلي، لا تفقد تركيزك على ساحة المعركة التي يجب أن تكون فيها.”

 

“أمم… آه…”

“غارفيل! سنمضي لإيقاف الشهوة! بمجرد أن ننتهي هنا، علينا إنقاذ إيميليا! لا تخسر!”

ثم تركه مع هذه الكلمات غير المبالية.

“نفّذ المهمة، أيها الجنرال! أنا، سأكمل هذا الطريق حتى النهاية!!”

////

بينما يتفادى بين ضربات السيوف العريضة المتلاحقة، أطلق غارفيل شرارات وهو يرد بصوت عالٍ.

“كلاهما يضاهيانني في القوة… في الواقع، أعتقد أنهما أقوى مني.”

 

كان سوبارو مستلقيًا على ظهره، بياض عينيه ظاهرًا، وهو يرتعش بضعف.

“ويلهيلم، سأترك هذا المكان لك!”

 

“مفهوم!”

اعترفت كابيلا بأفعالها القاسية والوحشية دون أي شعور بالندم على وجهها.

بجوار سوبارو، صرخت كروش ببضع كلمات تشجيعية لشيطان السيف، الذي رد بإطلاق سلسلة من اللمعان الفضي المتتالي. أخيرًا، انطلق سوبارو وكروش نحو قاعة المدينة مباشرةً، يتقدمهم يوليوس. بالطبع، حاول المحاربان اللذان أوكلت إليهما الشهوة حراسة المكان أن يعرقلوا طريقهم، لكن —

 

 

 

“اصطفوا بهذه الطريقة، وستكونون مجرد طعام لي!!!”

لكن هذا المنظر المثير للقلق لم يكن هو السبب الذي جعل سوبارو يحبس أنفاسه، ويوليوس وريكاردو يضيّقان حاجبيهما، وكروش تطلق صرخة أنثوية لا إرادية.

قفز ريكاردو نحوهم وأطلق صرخته القوية، ما أدى إلى إبعاد المقاتلين بالسيوف الذين حاولوا منع تقدم سوبارو والبقية. العملاق والسيدة المحاربة استخدما تقنيات المراوغة الخاصة بهما لتجنب الضرر الناتج عن الموجة العنيفة.

“غييييييه!!”

 

 

لكن الشريكين في الرقصات، اللذين انخرطا بشكل غامض في القتال قبل الأوان، لم يدعاهم يهربون دون مواجهة.

إذا كانت سلطة الشهوة لدى كابيلا تتيح لها أن تحول جسدها وتغيره بحرية — فماذا لو لم يكن هذا مقتصرًا على جسدها فقط بل يمكن تطبيقه على الآخرين أيضًا؟

 

 

“لا تكن باردًا. أنا هنا، ملتزم بك في كل خطوة!”

 

“لا تُظهر مؤخرتك وسط معركة! سأنتزع فراء ذيلك وأعطيك درسًا قاسيًا!!”

 

 

كانت طريقة ملتوية بشكل غريب لتوضيح أن العظام لا يمكن تحريكها، حتى لو أراد أحد ذلك. عظام الساحرة — إذا كان ما تمتم به آل صحيحًا، فإن احتمال كونها بقايا تايفون كان مرتفعًا. كانت فتاة صغيرة، بالكاد تختلف عن بياتريس في الحجم، لذا بدا من الصعب تخيل أن الصعوبة في تحريكها تعود إلى الحجم أو الوزن.

السيف مقابل السيف، والقبضة مقابل الضربة — التقت الضربات الغاضبة مرة بعد مرة، دون أن تسمح لأي أحد في الساحة بلحظة راحة.

كروش، بياتريس، ريم، إيميليا، الجميع، الجميع، الجميع —

أعيق أتباع طائفة الساحرة، وإذا أصروا على المطاردة، فسيوقفهم ريكاردو بالقوة. بفضل الحلفاء الموثوقين الذين يحمون ظهرهم، توجه سوبارو والبقية مباشرة إلى قاعة المدينة، ووصلوا إليها بأقصر طريق ممكن.

 

 

 

“سوبارو! سأفتح لك الطريق! أترك السيدة كروش لك!”

“!!!”

على وشك اقتحام المبنى، رفع يوليوس سيفه الفارس عاليًا بينما أضاءت الأرواح بإشعاع مبهر.

“لا تكن باردًا. أنا هنا، ملتزم بك في كل خطوة!”

بينما رمش سوبارو بدهشة مما يحدث، رأى يوليوس محاطًا برياح عاصفة انفجرت تحته، ما جعل عباءته ترفرف بينما طار يوليوس في السماء.

 

 

 

“لماذا فعلت…؟! كروش، اعذريني!”

 

شعر سوبارو بنفس الرياح تدفع ساقيه، فأمسك بكروش بقوة بينما تجري بجانبه.

متحررة من خوفها من الأماكن المرتفعة، أطلقت كروش صرخة معركة شجاعة وهي تسدد سيفها مرارًا وتكرارًا.

 

 

“أخفّ مما توقعت”، فكر في نفسه؛ وبعد لحظة، انفصلت ساقاه عن الأرض وهو ينطلق في الهواء.

بعد وقت قصير، عاد يوليوس والآخرون الذين خرجوا إلى الملجأ المخصص.

 

واقفًا بجانب ويلهيلم، أخذ سوبارو نفسًا عميقًا بهدوء.

“واااااااااااااه!!”

“وأيضًا، أنتم فوضويون جدًا، ومن المؤلم أن أراكم! الأشخاص المهمون مثلكم يجب أن ينتظروا وقتهم ويظهروا واحدًا تلو الآخر! من بحق الجحيم يظهر فجأة دون أي اعتبار للإيقاع؟ من تظنون أنفسكم، تدوسون على حياة الناس اليومية بمظهركم هذا؟ هل تحاولون التظاهر بأنكم آلهة؟!”

أطلقت كروش صرخة عالية، مفاجأةً من الإحساس المفاجئ بانعدام الوزن. استمر الاثنان في الطيران، عابرين الجدار المحيط بقاعة المدينة، ليصلا أخيرًا إلى السطح.

“…علينا أن نلقن كل الحمقى الذين هاجموا هذه المدينة درسًا قاسيًا. سنحتاج إلى قوتك لتحقيق ذلك. لا يمكنني تحمل رؤيتك مستسلمًا هكذا.”

 

 

“كروش، تمسكي جيدًا!”

“ريكاردو…”

صرخ سوبارو بينما دعم كروش بيد واحدة وأخرج سوطه باليد الأخرى. حابسةً أنفاسها، تشبثت كروش بسوبارو بكل قوتها بينما استخدم سوطه ليُلفه فورًا حول درابزين السطح.باستخدام هذا كقاعدة، اتبع سوبارو وكروش قوسًا نصف دائري باتجاه سطح قاعة المدينة. في اللحظة التي هبطا فيها، فرد سوبارو ساقيه على نطاق واسع وسقط على الأرض.

 

 

 

“غووووهه!!”

“إذن كما ترى، أنا طيبة وعميقة العاطفة، وأنا ببساطة امرأة تغرق في حب الكثيرين. أحتكر كل الحب والإعجاب في العالم لنفسي، ولكن هذا يعني أنني لا يمكنني التهاون في جهودي لكي أُحَب. ترى، لكي تُحبني، سأتحول إلى النسخة التي تناسب أذواقك أكثر. لكي أجعلك تنظر إلي، سأسرق منك كل اهتمامك بأي شيء آخر. لا يهمني إذا كنتَ تحب شخصًا آخراً في البداية. بعد كل شيء، هذا هو نهايتك. ستأتي لتحبني. أنا أبذل قصارى جهدي للتأكد من ذلك، ترى؟ سحري الشخصي يرتفع أكثر فأكثر، وأعلى وأعلى وأعلى وأعلى! وسحر أكياس اللحم الذين ليسوا أنا ينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض!”

شعر بخدر لا يمكن تجاهله يجري عبر ساقيه، وسرعان ما سمع صوتًا غريبًا قادمًا من ساقه اليمنى. بعد أن خان تحذير فيريس له بعدم الضغط على نفسه بهذه السرعة، حرر سوبارو كروش من ذراعه.

قام غارفيل بتثبيت دروعه على كلا ذراعيه، وعدّل ريكاردو طريقة حمل فأسه الكبير. ومع نظرة شبيهة بنسيم بحر هادئ في عيني ويلهيلم، بدا على الثلاثة ملامح توتر كبير.

 

 

“…كروش، هل أنت بخير؟”

“اصمدي، أختي الكبيرة…”

“أنا… أنا بخير. لكن، سيد سوبارو، ساقك…”

“ليس هناك شيء مميز. مجرد حدس، أيها الأخ! حدس! …جبل من الحدس اللي بنَيتُه من النجاة في عدد كبير من المعارك!”

“لا بأس — لا تقلقي بشأنها. لا تؤلمني. وأيضًا، إذا ذكرتِ هذا لفيريس، قد يقتلني، لذا، آه…”

“…علينا أن نلقن كل الحمقى الذين هاجموا هذه المدينة درسًا قاسيًا. سنحتاج إلى قوتك لتحقيق ذلك. لا يمكنني تحمل رؤيتك مستسلمًا هكذا.”

 

لم يفهم ما كانت تقصده. لم يمتلك الوسائل لفهم ذلك منذ البداية.

خائفًا حقًا من هذا المستقبل، حول سوبارو عينيه بحذر نحو السطح.

“كابيلا إميرادا لوغونيكا—هذا أناااا! الآن موتوا، أيها الأكياس اللحمية العفنة!!”

ما رآه لم يكن كابيلا، التي احترقت بفعل قوس قزح، بل مجرد سطح مدمر بسبب تحركات التنين الأسود. الشيء الوحيد الموجود على السطح نفسه كان بابًا واحدًا يؤدي إلى داخل المبنى.

 

 

“الشرااااهة!!!”

وفقًا لما قاله كيريتاكا، كان الميتيا موجودًا في الطابق الأعلى من المبنى. بعد أن نقل سوبارو وكروش إلى هنا واتخذ أقصر طريق لمطاردة كابيلا، عدل يوليوس عباءته ونظر إلى الاثنين.

أدرك عقله شبه المحطم بشكل مبهم أن كل ذلك الأحمر يمثل ما تبقى من حياة ناتسكي سوبارو.

 

وقد دفعا الثمن — في الواقع، لا تزال “ميمي” تدفعه حتى أثناء حديثهم.

رفَع سوبارو إصبعه الأوسط في وجه الفارس الوسيم، محاولًا التوجه نحو الباب المؤدي إلى الداخل عندما —

 

“— هاهاها. توقفوا مكانكم، سيداتي وسادتي.”

“…ما…هذا؟”

 

عندما دُعي للحديث، أجاب ريكاردو دون تردد. من زمجرته المنخفضة، بدا واضحًا أنه لا أحد يستطيع إيقاف عزمه على القتال — ولا أحد فشل في فهم المشاعر التي تدفعه للمضي قدمًا.

أوقف ضحك عالٍ سوبارو في مكانه. فجأةً، اندفع الباب المعدني من الداخل بركلة عنيفة، خرج عن مفاصله ووقع على الأرض. مع صوت خطوات حافية، ظهر شخص جديد، واقفًا على الباب الذي سقط بهذه الدراماتيكية.

 

 

كل ما كان بإمكانه فعله هو الصراخ. هذا هو المعنى الحقيقي للوقوع في عجز عن التعبير بالكلمات. تجمد عقله، غير قادر على تكوين حتى فكرة واحدة. ومع ذلك، كان يعرف شيئًا واحدًا.

“…”

 

 

“— أن تكون الطُعم دائمًا. حتى الآن، أنت فعال للغاية!”

— عند النظر للوهلة الأولى، بدا الخصم الجديد وكأنه صبي صغير.

تمسكت كروش بموقفها حتى مع تحذيرات ويلهيلم. وعندما وقف الأخير منتصبًا موافقًا على جواب سيدته، رفع فيريس يده بسرعة.

ربما لأنه قصير القامة ووجهه يوحي بالشباب، وصوته بدا وكأنه لم يتغير بعد بلوغه. ولكن نظرة واحدة إلى عيني الصبي بدت كافية لتدرك أن هذه الانطباعات كانت خاطئة تمامًا.

عندما رد يوليوس على سؤال سوبارو بمرارة، أثبت المشهد أمامهم صحة كلماته.

 

ضحكتها فقدت قوتها تدريجيًا، وفي النهاية، لم يخرج سوى تنهيدة مملة. ذلك الانحدار الحاد في العاطفة جعل الأمر يبدو وكأنها قررت التخلي عن الجميع وهي تتابع.

لا يمكن لأي إنسان طبيعي أن يمتلك مثل هذه العيون المشوهة، التي بدت وكأن كل رذائل العالم تتخمر داخلها.

كان هناك شيء غريب يبرز من خلفيتها الجذابة التي لوحت بها نحوه، شيء لا ينبغي أن يكون هناك. كان ذلك…ذيلًا أسود، سميكًا، يشبه الزواحف — لا، كان ذيل تنين. ذيل تنين يبرز من خلفها.

 

بالطبع، كان من المنطقي التفكير بأنها تخدع سوبارو والبقية لجعلهم يخفضون حذرهم كجزء من نوع من الحيل، لكن —

“نحن سعداء للغاية. نحن مسرورون جدًا. نحن ممتنون جدًا. نحن مبهجون جدًا. الأفكار السعيدة تجعلنا نشعر بالسعادة! اشرب! التهم!! كلما انتظرنا أكثر، زاد فراغ بطوننا! وكلما ازداد شوقنا لأول قضمة!”

لكن حالة المدينة الحرجة ومتطلبات الشهوة لم تسمح لسوبارو بالتصرف بدافع العاطفة.

 

“نصيحة؟”

كان شعره بنيًا محترقًا مربوطًا في ضفيرة، وجسده الصغير ملفوفًا في رداء طويل ذو أكمام وأطراف تتدلى بشكل مبالغ فيه. على وجهه الشباب، ارتسمت ابتسامة سادية مرسومة، تكشف عن أسنان تشبه أسنان القرش.

“تبا، هل ستكون متهورًا لهذا الحد هنا…؟”

 

“بالطبع سأندم. لكن سيكون الأمر أسوأ إذا تراجعت الآن.”

كل هذه السمات تطابق شخصية كان سوبارو قد سمع عنها من قبل.

 

 

— بينما تحلق عالياً في السماء فوق مبنى البلدية، واصلت التنين الأسود ضحكها الساخر.

“همم؟ لماذا تبدو منزعجًا هكذا، يا سيد؟ هل يمكن أن يكون لديك ضغينة ضد واحد منا؟ نحن نحاول ونجرب أن نتذكر، لكننا سيئون جدًا في تذكر الوجوه. حقًا، نحن غير جيدين في التذكر على الإطلاق…”

اتسعت عيناه بدهشة من الرد غير المتوقع، لكنه أدرك أن هذه العبارة كانت طريقة كروش لتخفيف التوتر. بينما ركز على المهمة التي أمامه، شدّ سوبارو أسنانه ونادى غارفيل، الذي كان لا يزال محاصرًا في معركة ضربات محمومة.

 

 

بينما يتحمل نظرات سوبارو القاسية، ابتسم الصبي ابتسامة قاسية تمثل قطاً يلعب بفأر. هذا السلوك أزعج سوبارو بشدة، لكنه تنفس بعمق محاولًا الحفاظ على هدوئه.

 

 

بدا القتال بينهما مذهلًا، بحيث لم يكن من المبالغة وصفه بأنه قمة المبارزة.

“اسمعني، أيها الوغد الصغير. إذا كنت قد وصلت إلى هنا لأنك أضعت الطريق، فهذه فرصتك لتستسلم. هذا تصرف غبي، لكنه قابل للغفران. ومع ذلك…”

“وأيضًا، أنتم فوضويون جدًا، ومن المؤلم أن أراكم! الأشخاص المهمون مثلكم يجب أن ينتظروا وقتهم ويظهروا واحدًا تلو الآخر! من بحق الجحيم يظهر فجأة دون أي اعتبار للإيقاع؟ من تظنون أنفسكم، تدوسون على حياة الناس اليومية بمظهركم هذا؟ هل تحاولون التظاهر بأنكم آلهة؟!”

 

 

“نحن رؤساء أساقفة طائفة الساحرة —”

كائن كامل — بمعنى آخر، كانت كابيلا تُعلن أنها خالدة. وبعد رؤية نصف رأسها يتفجر لتعيد ترميمه بسرعة مذهلة دون أن تفقد حياتها، كان هناك سبب قوي للاعتقاد بأنها تقول الحقيقة.

 

بذل سوبارو كل ما في وسعه ليظل هادئًا. حاول وحاول وحاول.

بذل سوبارو كل ما في وسعه ليظل هادئًا. حاول وحاول وحاول.

ولكن في هذا الصراع، مثلت هجمات كروش البارعة اليد العليا.

 

“ليس هذا خطأك، فيريس. بالإضافة، أظن أن هذين الاثنين هما من خططا لهذه الفكرة بنفسيهما، أليس كذلك؟ هؤلاء الأطفال يصعب التعامل معهم. لا يتوقفون للتفكير عندما يتعلق الأمر بأختهم الكبرى المحبوبة.”

“— الشراهة، روي ألفارد!”

 

 

قبل أن تفقد ذاكرتها، كانت كروش قوية بما يكفي لتكون إحدى الأعضاء البارزين في معركة الحوت الأبيض. لكن الآن، لم يكن سوبارو متأكدًا من مدى قوتها. إذا كان صريحًا، حتى هيبتها لم تضاهِ كروش القديمة، ولم يعتقد أن شخصيتها الحالية ملائمة للقتال، ولكن —

محاولة الحفاظ على هدوئه أكثر كانت مستحيلة.

بينما يتحمل الألم الشديد في ساقه اليمنى، تمكن سوبارو بطريقة ما من النهوض على قدميه. عندما شاهد فيريس هذا المشهد، هرع إليه بسرعة وضربه على رأسه.

“الشرااااهة!!!”

 

 

 

في اللحظة التي أعلن فيها الصبي نفسه بوضوح على أنه يمثل الشراهة، أطلق سوبارو أقوى وأسرع ضربة بالسوط في حياته.

“لن تهرب! استعد لمصيرك!”

 

 

مزق طرف السوط الهواء بلا رحمة، مستهدفًا وجه خصمه الأعظم. كان من المفترض أن تكون الضربة مباشرة، تقشر الجلد وتقطع اللحم، تاركةً ندبةً شنيعةً تجعل أي شخص يراها يشيح بنظره فورًا. لكن هذه الضربة —

“ليس هناك شيء مميز. مجرد حدس، أيها الأخ! حدس! …جبل من الحدس اللي بنَيتُه من النجاة في عدد كبير من المعارك!”

 

“من الطبيعي أن يفكر التابع في سيده. لن أنتقدك على ذلك.”

“— حسنًا، الكثير من الناس يحملون لنا ضغائن بسبب شراهتنا.”

“أوه، اصمت! هناك رائحة أنثوية فواحة تنبعث من ذلك اللحم الأنثوي! وكذلك الأمر بالنسبة لرائحة ذكورية من لحمك الذكوري! ألم يخطر في بالك أبدًا؟ هل يمكنك أن تقسم أنك لم تفكر ولو للحظة واحدة بطريقة غير لائقة؟ إذا فعلت ولو للحظة واحدة، فهذا يعني أنك مجرد قطعة لحم ذكرية يائسة تبحث عن قطعة لحم أنثوية! كيف أكون مخطئة؟ حاول فقط إخباري كيف أنني مخطئة!”

 

“…لا توجد طريقة على الإطلاق أن يستمع سوبارو لما يقوله فيري، أليس كذلك؟”

أوقف ألفارد طرف السوط بأسنانه، متحدثًا بهذه الكلمات دون ذرة خجل.

وقد دفعا الثمن — في الواقع، لا تزال “ميمي” تدفعه حتى أثناء حديثهم.

 

“— كروش، الخطة باء!”

“ماذا؟!”

بالنسبة لسوبارو، ظلت إصابة ساقه، وهروبه المتعثر مع بياتريس، وقبل كل شيء، عدم معرفته إذا ما كانت إيميليا بخير أم لا، تلتهم روحه. أضف إلى ذلك الشعور المزعج بوجود الشراهة، مما جعل ذهنه على حافة الانهيار.

 

بتفحص سيفه، ألقى يوليوس نظرة على التنين الذي يحلق فوقهم بينما علق بصوت خافت. وبينما يتفق سوبارو معه ذهنياً، رأى أن المقاتلين بالسيوف الواقفين على السطح بدوا متيبسين بفعل الرهبة من ظهور رفيقتهم، التنين المجنح، التي يعلوهم.

ضربة سوبارو القاسية، التي كانت بلا شك أقوى ضربة في حياته، توقفت بسهولة، وبدون أي احتفال.

لكن نوايا ريكاردو خُذلت عندما كشف العملاق عن خدعة أخرى. ظهرت ذراعان إضافيتان من تحت الرداء الأسود، ومعهما سيفان عظيمان آخران.

 

“إذا كنا سنفعلها، فلنفعلها بسرعة. وإلا، لن يكون هناك فائدة. هل أنا مخطئ، رئيسة؟”

ولا يزال ألفارد، الذي عرّف عن نفسه بصفته أحد رؤساء أساقفة الخطايا السبع المميتة، يمسك بطرف السوط بين أسنانه، بينما يلوح بيديه وكأنه يخاطب جمهورًا.

— في لحظة، انفجر الشعاع، مغطيًا سطح قاعة المدينة بانفجار من الضوء.

في مواجهة هذا الخصم، شعر سوبارو بالغليان داخله.

“اللعنة، هذا… لا، هذا شيء ضروري. إذا أفشى أحدهم شيئًا، قد تُدمَّر المدينة بشيء آخر غير بوابات المياه. ومع ذلك، أتمنى لو كان بإمكاننا تعزيز فرصنا بطريقة ما…”

 

“راااااااه!!”

هذا الأسقف الشره من طائفة الساحرة كان المفتاح لإيقاظ ريم، التي لا تزال نائمة.

ماسحةً تلك الدموع بظهر يدها، قررت قطع تعلقها بذلك الدفء، واختارت أن تستيقظ بدلًا من ذلك. ببطء، فتحت عينيها الطويلتين المحاطتين برموش كثيفة، ونظرت إلى العالم من حولها بعيونها البنفسجية الكبيرة المستديرة.

 

مدت كابيلا لسانها، وأغمضت عينها بطريقة ساخرة، وضحكت بازدراء مطلق على جرأة سوبارو.

“حظك انتهى!”

“كل شيء على ما يرام. تلك السيدة القوية الجميلة هناك لقنت التنين السيئ درسًا. لا يمكننا أن نأخذ وقتنا الآن، لذا دعيني أسألك بسرعة… هل تعرفين ماذا حدث لـ…الآخرين؟”

“لن تهرب! استعد لمصيرك!”

 

 

 

وقفت كروش بجانب سوبارو وهي تصرخ، لتطلق هجومها الساحق، مهارة “ضربة واحدة، مئة يسقطون”، على ألفارد الشراهة.

 

 

 

شق النصل العاصف الهواء الراكد على السطح، مما أدى إلى خلق أعاصير عنيفة تلتهم الأجواء المحيطة. تسببت في انتشار موجات الصدمة في كل الاتجاهات، وبطبيعة الحال، ظل الهجوم المروع يندفع بلا رحمة نحو ألفارد —

 

 

تناثرت شظايا الزجاج في كل مكان بينما دحرج سوبارو وكروش نفسيهما إلى داخل الغرفة التي استهدفاها.

 

 

وهي تهز رأسها الذي لا يزال ضبابيًا بعض الشيء، جلست إيميليا ببطء.

“هاهاها، هذا شيء مذهل! كحيلة مسلية، أعنى.”

 

“!!”

“نعم…”

 

 

انخفض ألفارد على أطرافه الأربعة، متجنبًا شفرة الرياح غير المرئية. ثم بدأ بثني أطرافه القصيرة بشكل غريب، وهو يلعق شفتيه قبل أن يلتفت تمامًا نحو كروش.

 

 

تيريشيا فان أستريا، الجيل السابق من قديس السيف — زوجة ويلهيلم الراحلة.

“من الإحساس بهذه الحركة الخاصة بك، قد يكون طعمك مناسبًا تمامًا لذوقنا!”

 

 

 

في اللحظة التالية، قفز ألفارد مثل رصاصة، مطلقًا قوة تفجيرية تكفي لتحطيم السقف.

“حسنًا، سأضيف نفسي إلى الفريق الذي سيهاجم قاعة المدينة. فقط أخبركم مسبقًا، لا فائدة من محاولة إيقافي. صحيح أنني لا أستطيع المساهمة كثيرًا من حيث القوة الخام، لكن حتى أنا لدي أمور أستطيع فعلها…”

 

“…”

مع فتح فكيه على مصراعيهما، بدت أنيابه الحادة تشبه إلى حد كبير وحشًا جائعًا متوحشًا. لكن مستوى الخطر الذي يمثله هذا الصبي كان بعيدًا عن أي حيوان عادي. لقد كان أحد مكونات الفوضى الكابوسية التي اجتاحت المدينة.

“هذا ليس بالضبط ما كنت أتحدث عنه، لكنك في نفس الموقف، أليس كذلك، أيها الأخ؟ أعتقد أن عليّ إعطاء الأولوية لامرأة تهمني على الذهاب إلى قاعة المدينة.”

 

“…؟ وماذا عن ذلك؟ هل هناك شيء غريب في ذلك؟”

على النقيض من ألفارد، وضعت كروش قوتها بالكامل في هجماتها بالسيف، مطلقةً طعنةً سريعةً جدًا بحيث لا يمكن تتبعها بالعين المجردة. كان هدفها وجه العدو، مصوبة بشكل لا يرحم نحو الدماغ وراءه —

 

 

 

“أسلوب رائع! لكن! ليس مصقولًا بما يكفي!! كما أنتِ الآن، بالكاد ستكونين وجبة خفيفة بالنسبة لنا!”

“لا تجهد نفسك كثيرًا، أيها الساحر الروحي!!”

 

 

بينما يصرخ، قام روي ألفارد بتدوير ذراعيه بشكل غريب، وكأنه لا يكترث بمفاصله. فجأة، مزق صوت خدش عنيف السماء الزرقاء، واندفعت ذراع كروش إلى الخلف على الفور.

 

 

“طرح أسئلة يمكنك استنتاج إجاباتها بمجرد النظر يجعلك أحمقًا بلا جدال، أليس كذلك؟ لكنني سأجيب بسبب عمق شفقتي. كما ترى، لقد تغلبت على الموت! أنا كائن كامل!!”

كان ذلك بفضل الأسلحة المخفية المعروفة باسم “مخالب النمر” التي كان ألفارد قد ثبتها على أطراف أصابع يديه.

 

 

كان هذا عدوه. لم يُرِد أو يحتَج إلى أي معلومات أخرى.

“وكأنني سأدعك تفعل ذلك!”

وعندما فعلت، رأت شابًا وحيدًا كان قد صادفها سابقًا في شوارع المدينة، يقف الآن في الممر. وبينما يبتسم وهو يراقب إيميليا، لاحظت شعره الأبيض وملابسه التي تكاد تكون بيضاء بالكامل.

 

واقفًا بجانب ويلهيلم، أخذ سوبارو نفسًا عميقًا بهدوء.

قبل لحظة من تمكن ألفارد من تمزيق وجه كروش الجميل، لف سوبارو سوطه حول خصرها النحيف.

كان الصوت الذي يصل إلى كل جزء من المدينة مرعبًا بما فيه الكفاية. كانت الشهوة على دراية واضحة بفعاليته، لكن لدى سوبارو قلق مختلف في ذهنه.

 

ابتسمت، كما لو أنه لا شيء يمكن أن يجعلها أكثر سعادة.

“آه!” صرخت كروش بينما سحبها سوبارو إلى بر الأمان، مبتعدًا بها عن مدى المخالب.

كانوا يفتقرون بشدة إلى الوقت والقوة لهزيمة عدوهم الأكبر بشكل حاسم. مواقف سوبارو وكروش كانت متشابهة. ولهذا السبب تحديدًا كان سوبارو الوحيد القادر على تقدير قرارها النبيل حقًا.

 

“رائع، ممتاز، مذهل، رائع! هل اعتقدت أنك ستتمكن من الهرب؟! على العكس، سنأخذك أنت ورفيقتك هناك أيضًا! اشرب!! التهم!!”

لكن ألفارد، الذي شعر بالإحباط بعد أن انتُزعت فريسته منه، غيّر مساره بقفزة واحدة —

عندما أكد أل ضعفه الخاص، لم يستطع سوبارو سوى التحديق.

 

 

“رائع، ممتاز، مذهل، رائع! هل اعتقدت أنك ستتمكن من الهرب؟! على العكس، سنأخذك أنت ورفيقتك هناك أيضًا! اشرب!! التهم!!”

“سيد سوبارو، احذر!!”

 

 

بينما يحمل كروش، تراجع سوبارو مع ألفارد في مطاردة ساخنة خلفه، لعابه يسيل من فمه.

 

 

عندما اراحت كابيلا جناحيها، كان كلا الجناحين ما يزالان مشتعلين بالنيران بسبب ملامسة الشفق، مع بروز العظام من الأغشية المصهورة في بعض الأماكن. ولم تنتهِ الأضرار هنا؛ إذ ظلت أعضاؤها الداخلية تغلي من الحرارة العميقة في بطنها المتفحم، والنصف الأيمن من رأس التنين قد طار بعيدًا، تاركًا لسانها السخيف في حالة ممزقة وأحد عينيها متدلية.

جعلت هذه المطاردة سوبارو يعبس.

“أوه لا — يبدو أنك تحتضر بطريقة ما. رؤية كيس لحم في مثل هذه المعاناة تجعل ألم القلب سهل الفهم جدًا. إنه مشهد شديد المرارة بالنسبة لي، حقًا.”

 

“آآآه، هذا مؤلم.”

“لم أعتقد… أن دوري هو…”

 

 

بلطف، صرف سوبارو نظره وطرح سؤاله بصوت منخفض بحيث لا يسمعه أحد غير يوليوس. لاحظ تردد يوليوس لبرهة وجيزة.

“— أن تكون الطُعم دائمًا. حتى الآن، أنت فعال للغاية!”

 

“ماذااا؟!”

“هذا كلامي أنا. تأكد من أداء واجبك كفارس بديل لفالكيري!”

 

هزيمته ستنقذ فتاة، وسيسمح له ذلك برؤيتها مرة أخرى.

من خلال متابعة ألفارد لسوبارو، الذي بدا وكأنه هدف سهل، ترك نفسه مكشوفًا تمامًا — وظل يوليوس، الذي كان في الهواء، ينتظر هذه اللحظة لتوجيه ضربة قوس قزح مباشرة.

كان سوبارو مستلقيًا على ظهره، بياض عينيه ظاهرًا، وهو يرتعش بضعف.

 

نظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظرات نظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظرات.

حاول ألفارد الالتفاف بسرعة لتجنب وميض السيف المتلألئ. ومع ذلك، تعقبت ضربة سيف “الأفضل” الهدف مباشرة، واستخرجت دماء جديدة من ألفارد الذي تدحرج على الأرض.

بالنسبة لسوبارو، ظلت إصابة ساقه، وهروبه المتعثر مع بياتريس، وقبل كل شيء، عدم معرفته إذا ما كانت إيميليا بخير أم لا، تلتهم روحه. أضف إلى ذلك الشعور المزعج بوجود الشراهة، مما جعل ذهنه على حافة الانهيار.

 

كانوا يفتقرون بشدة إلى الوقت والقوة لهزيمة عدوهم الأكبر بشكل حاسم. مواقف سوبارو وكروش كانت متشابهة. ولهذا السبب تحديدًا كان سوبارو الوحيد القادر على تقدير قرارها النبيل حقًا.

“غااااه! يا لها من مفاجأة! أوه…”

 

“إذن، سأقدم لك المزيد من المفاجآت. ازدهري، أزهاري الجميلة!”

“دعوني أُعيد تقديم نفسي! أنا رئيسة أساقفة خطيئة الشهوة بطائفة الساحرة!!”

 

 

عندما ضرب ألفارد الأرض ونهض على قدميه، لاحقه يوليوس بهجوم إضافي بلا رحمة. دارت الأرواح الستة فوق رأس الفارس، تتلألأ مثل قوس قزح وهي تجتاح السقف في عرض جميل.

أعيق أتباع طائفة الساحرة، وإذا أصروا على المطاردة، فسيوقفهم ريكاردو بالقوة. بفضل الحلفاء الموثوقين الذين يحمون ظهرهم، توجه سوبارو والبقية مباشرة إلى قاعة المدينة، ووصلوا إليها بأقصر طريق ممكن.

 

 

“لا تجهد نفسك كثيرًا، أيها الساحر الروحي!!”

 

“رسمياً، أنا فارس أرواح. لقد سمعت شائعات أنك من عشاق الطعام، فهل ستمنح أزهاري الجميلة استقبالًا حارًا؟”

 

“أوه، سأمنحهم استقبالًا حارًا حقًا! سأمزقهم إربًا كأنهم آفات مزعجة!!”

“هل هذه الفرس التي تحملها مهمة لك لهذه الدرجة؟! إذن من الأفضل أن تحتضنها جيدًا في حياتك القادمة، ألا تفلتها أبدًا! ذلك الجسد المثير للفتنة! تلك العيون التي تستجدي الشفقة! تلك الشفاه التي تهمس بالكلام العذب! ذلك اللحم الذي يثير الإحساس! لا يمكنك الحصول على ما يكفي، أليس كذلك؟! هذا هو السبب في أنك تبذل كل هذا الجهد، أليس كذلك؟!”

 

 

بينما يحرق الشفق القادم رؤيته، غمر ألفارد جوع وحشي. ولإغلاق طرق الهروب أمام عدوه، لاحق يوليوس ألفارد بسلسلة لا تنتهي من ضربات السيف من كل زاوية.

 

 

 

ودَّ سوبارو دعمه دون أي تأخير، لكن حركات ألفارد الشبه الحيوانية، التي ظلت تدفعه للقفز في كل أنحاء السقف، حالت دون أن يتمكن يوليوس من توجيه ضربة نظيفة. كان عليه أن يفعل شيئًا مع الشراهة — مع ألفارد هناك —

 

 

ثم، تمامًا عندما بدا هجومهم المضاد على قاعة المدينة أمرًا ممكنًا حقًا —

“— تذكر هدفك، أيها الساحر الصغير!”

“يبدو أنك استعدت وعيك.”

 

 

عندها فقط، وصلت صرخة صوت إلى السطح، تنادي بلقب غير مناسب تمامًا.

ومع ذلك، ظلت كابيلا تحدق في تعبير سوبارو المؤلم المليء بالغضب الصادق بينما واصلت.

 

 

“…”

ومع ذلك، بدلاً من اتهام غارفيل، اختار ريكاردو أن ينحني برأسه.

 

بتفحص سيفه، ألقى يوليوس نظرة على التنين الذي يحلق فوقهم بينما علق بصوت خافت. وبينما يتفق سوبارو معه ذهنياً، رأى أن المقاتلين بالسيوف الواقفين على السطح بدوا متيبسين بفعل الرهبة من ظهور رفيقتهم، التنين المجنح، التي يعلوهم.

متماشيًا مع تحذير آل، كان يوليوس يخفي اسم سوبارو الحقيقي بينما يتواصل معه فقط عبر عينيه الصفراء متى أمكن. بينما استمر الفارس في اللعب بسيف قوس قزح الخاص به، لم يكن سوبارو بحاجة إلى تفسير كل شيء ليفهم نيته.

 

 

عندما أصيب سوبارو بالذهول من إعلانه المفاجئ، قدم أل اعتذارًا غامضًا، لكن هذا لم يكن شيئًا يمكن حله باعتذار سريع. أراد سوبارو أن يعرف ما الذي يفكر فيه أل بالضبط.

— كان يوليوس يخبره بأن يترك له أمر الشراهة بينما يتوجه سوبارو لإيقاف المجزرة والبث.

جاء رد أل على كلمات يوليوس الأنيقة بنبرة باردة بطريقة ما. بدا أنه يشعر بالذنب لمعارضة قرار الجميع واختياره التصرف بمفرده. ثم نظر إلى سوبارو مرة أخرى.

 

 

“هي، هي، هي، هي، هل أنت متأكد من أنك تريد الهرب؟ أيها الصديق، لديك ضغينة ضدنا، أليس كذلك؟ الأعداء القدريون دائمًا ما يكونون، أعني، ألذ مذاقًا. قمة المتعة العميقة؟ أن تأكل، تنهش، تأكل، تلعق، تقضم، تأكل، تعض، تمزق، تسحق، تلتهم! اشرب!! دعني أفعل كل ذلك، حسنًا؟!”

كان لها أنياب حادة وشرسة، وأجنحة سوداء رائعة تجمع الرياح تحتها لتطير عبر السماء، بالإضافة إلى وجه مخيف، وكانت مغلفة بجلد كالصخر — هذا كان حقًا ما تخيله سوبارو عن تنين.

 

رفعت كابيلا معصمها في الهواء، ثم استخدمت يدها الأخرى لتشقّها عند المعصم، ما تسبب في تدفق الدم بغزارة.

ظل الشراهة يقفز حول المكان، وهو يلقي الإهانات، محاولًا أن يزرع التردد في نفس سوبارو.

عندما حاول أن يعطي يوليوس إجابة واثقة، قطع كلامه بتنهد.

 

 

في الواقع، لقد نجح. بالنسبة لسوبارو، كان هزيمة الشراهة هو الهدف الوحيد الذي سعى لتحقيقه لأكثر من عام. لقد حلم بهذا اليوم مرات لا تُحصى حتى فقد العد.

لم تحتوِ الغرفة فقط على الميتيا، بل أيضًا على طاولة اجتماعات، كراسي، وأثاث آخر موزع على طول الجدران. بالطبع، تم تدمير هذه الأثاثات واحدةً تلو الأخرى بفعل الموجات الصادمة القوية التي ميّزت المعركة العنيفة، تاركةً العناصر محطمةً وغير قابلة للتعرف.

 

“…”

هزيمته ستنقذ فتاة، وسيسمح له ذلك برؤيتها مرة أخرى.

هذا الأسقف الشره من طائفة الساحرة كان المفتاح لإيقاظ ريم، التي لا تزال نائمة.

لقد وصل إلى هذه المرحلة مؤمنًا بذلك.

“…واو، هذا تسليم عشوائي للغاية للقيادة.”

لترك تلك الفرصة تفلت من بين يديه —

 

 

 

“— سيد سوبارو.”

بينما يتفادى بين ضربات السيوف العريضة المتلاحقة، أطلق غارفيل شرارات وهو يرد بصوت عالٍ.

 

 

تحطمت أفكار سوبارو السوداوية عندما رفعت كروش نظرها من بين ذراعيه ونادته. من قرب شديد، استطاع رؤية إصرار قوي للغاية وندم طفيف جدًا.

 

 

كانت تشير إلى حقيقة أنها خططت لجعلهم يسمعون كل هذا طوال الوقت، بتوقيت مخيف.

— لم يكن هناك من لديه رابط قوي مع الشراهة مثل كروش.

“— أن تكون الطُعم دائمًا. حتى الآن، أنت فعال للغاية!”

بالنسبة لها — شخص سُرقت ذكرياته بواسطة الشراهة، شخص اضطر للمضي قدمًا متلمسًا طريقه عبر عالم فارغ حيث لا ينبغي أن يكون كذلك — كان العدو أمامهم المفتاح لاستعادة ذكرياتها وذاتها القديمة. ومع أنها تدرك ذلك، اختارت أن تؤدي واجبها بدلاً من أن تساعد نفسها.

 

 

“— هيا بنا!”

كانوا يفتقرون بشدة إلى الوقت والقوة لهزيمة عدوهم الأكبر بشكل حاسم. مواقف سوبارو وكروش كانت متشابهة. ولهذا السبب تحديدًا كان سوبارو الوحيد القادر على تقدير قرارها النبيل حقًا.

تجمد سوبارو من الدهشة بسبب كمية الدماء التي تتدفق بينما يعيد فيريس ربط الجرح بضمادة جديدة. كما أوضح، ساقه لم تكن تؤلمه على الإطلاق.

 

 

لقد كان مترددًا، متحفظًا، وربما سيشعر بالندم لاحقًا. لكن —

كان ذلك بفضل الأسلحة المخفية المعروفة باسم “مخالب النمر” التي كان ألفارد قد ثبتها على أطراف أصابع يديه.


 عذرًا، ريم. من فضلك انتظري قليلاً بعد.

 

 

“القائد…”

“— تبًا لكل شيء! حسنًا، فهمت! هيه، جولي! لا تجرؤ على أن تخسر!”

 

“هذا كلامي أنا. تأكد من أداء واجبك كفارس بديل لفالكيري!”

“احذري! انزلي…؟”

 

— بينما صرخ سوبارو، رأى عددًا لا يُحصى من النظرات الصامتة.

“دعنا نعتمد على السيد ‘جولي’ وننطلق، السيد ‘الساحر الصغير’!”

بدا رد كيريتاكا على سؤال كروش حاسمًا، لكن متابعته لكلمات سوبارو بدت تفتقر إلى الحزم.

 

 

بينما يحك رأسه، وضع سوبارو أفكاره الحزينة جانبًا وأمسك بيد كروش. ثم اعتمادًا على الخطوط الحدودية التي أنشأتها الهالة الشفقية، هربوا من نطاق هجوم الشراهة.

 

 

“…”

كان هدفهم هو الباب المؤدي إلى الداخل — أو ربما لا. كان عليهم الانحراف نحو الدرابزين المنحني للسقف. قافزين فوقه بخطوة واحدة، دعم سوبارو كروش بينما ألقى نظرة أخيرة على المعركة التي تدور خلفهم.

 

 

 

“— انطلقا!!”

 

 

لا تنتبه. توقف. لا تحتاج إلى معرفة ذلك — لا تستسلم لجبنك.

ومع ذلك، عندما لاحظ جولي نظرته، لم يسمح له بإضاعة الوقت في القلق بشأنه حتى يتم إنهاء كل شيء.

“تغيير الشكل، التحول…!”

 

 

ضاغطاً بلسانه داخليًا تجاه هذا الموقف المزعج، أقسم سوبارو أن يشكو لجولي وجهًا لوجه لاحقًا. ثم أمسك بكروش من خصرها النحيف وانطلق في الهواء مرة أخرى —

أثناء سقوطها مع بقايا النافذة، نشرت التنين الأسود أجنحتها على الفور، لكن أحد أجنحتها كان مكسورًا من الجذر، والآخر غير فعال بسبب عدد لا يحصى من الجروح. لم تكن قدرتها على التجدد سريعة بما يكفي — وبات سقوطها أمرًا محتومًا.

 

 

“— كروش، الخطة باء!”

عندما ألقى نظرة على غارفيل والآخرين الذين نجحوا في الهروب بفضل دعم يوليوس، وجدهم يمسحون الدماء عنهم ويلتقطون أنفاسهم. ولكن الإحساس باليأس الناتج عن حقيقة أن المقاتلين القريبين قد تم التغلب عليهم بشكل كبير لم يكن من السهل تجاوزه.

“أرجوك، لا تتركني!”

 

 

أظهرت هجمات الرياح الخاصة بكروش قوتها الحقيقية ليس في المعارك طويلة المدى، بل عن قرب. في مساحة مغلقة لا يمكن الفرار منها، ظلت الشفرات غير المرئية تمزق جلد التنين الأسود بلا رحمة.

فكر سوبارو في أن فيريس سيقتله إذا سمع عن هذا، بينما انحنى، ممسكًا بكروش بإحكام ثم قفز من فوق سطح مبنى قاعة المدينة دفعة واحدة.

 

 

“السيد سوبارو.”

بطبيعة الحال، جذبتهم الجاذبية نحو الأرض، وسرعان ما بدأوا في السقوط رأسًا على عقب باتجاه الساحة. في منتصف السقوط، وصل السوط، الذي ظل مثبتًا بالدرابزين أعلاهم، إلى حده الأقصى وأوقفهم، مما جعل سوبارو يتحمل وزن شخصين على كتفيه.

شعر سوبارو أن هذا الرد فعل غريب، وهمّ بأن يسأل عنه حين —

 

“أيا كيس اللحم، انظر إليّييي!”

“— غغغغ!”

كان الجرح في ساقه اليمنى قد انفتح مرة أخرى وبدأ ينزف بقوة كبيرة.

 

“لا تفرط في الحماسة، يا رجل. لو كنت بهذا الفعالية ضدهم، لما انتهى بي الأمر بهذا الساق.”

بتحمله الألم الناتج عن عظامه التي صارت تصرخ تحت الضغط بقوة إرادته وحدها، تبع سوبارو وكروش منحنىً كبيراً في الهواء أثناء تأرجحهما نحو الحائط. ثم بقدميه الممتدتين نحو النافذة الزجاجية التي في طريقهما، اندفع سوبارو عبرها محطمًا الزجاج.

 

 

ثلاثة من الأرواح الستة التي تخدم يوليوس تحركت معًا لتقييد الطائفيين. بدا أن الأسطوانة الضوئية تمتلك قوة هائلة، مما أجبر أعضاء الطائفة على الركوع تحت ضغط لا يُصدق.

“راااااااه!!”

 

“آآآآه!”

 

 

 

تناثرت شظايا الزجاج في كل مكان بينما دحرج سوبارو وكروش نفسيهما إلى داخل الغرفة التي استهدفاها.

 

 

“لا، هذا ليس سوى مجرد خدعة. إنه خام للغاية ليُستخدم كهجوم فعلي. وبالتالي…”

دافعًا بقوة على الأرض بيد واحدة، أطلق سوبارو صرخة أخرى بينما حرر كروش من قبضته. على الفور، استقر الاثنان ونظرا حولهما، مؤكدين أن هذا المكان كان بالفعل هدفهما.

 

 

“يا صديقي، أنت قلق من أن تتحول قاعة المدينة إلى مأوى لرؤساء الخطايا السبع المميتة، أليس كذلك؟ لكن ألم يقولوا في البث الأخير أنهم نصبوا أنفسهم في كل برج تحكم؟”

هذه هي الغرفة في الطابق العلوي من قاعة المدينة، حيث تم وضع الميتيا الخاصة بالبث.

 

 

في تلك اللحظة، تمتم يوليوس باقتراح بديل مع ظهور تجعيد خفيف في جبينه. بعد أن عاد مع تي بي وانضم إلى الاجتماع المجدد، مشَّط شعره إلى الجانب عندما لاحظ أن الأنظار تتركز عليه.

كانت خطة فريق الهجوم هي الصعود إلى الطابق العلوي مباشرة. ومن بين الطرق العديدة التي وضعها سوبارو، انتهى به الأمر باستخدام الطريقة الأكثر درامية، لكن باستثناء ما حدث لساقه، جرت العملية في الغالب دون أي مشاكل تُذكر.

 

 

 

تخيل سوبارو وجه فيريس الغاضب في ذهنه بينما نظر نحو الجزء الخلفي من الغرفة، إذ سرق وجود الجهاز الضخم المثبت في الحائط انتباهه.

لكن هذا المنظر المثير للقلق لم يكن هو السبب الذي جعل سوبارو يحبس أنفاسه، ويوليوس وريكاردو يضيّقان حاجبيهما، وكروش تطلق صرخة أنثوية لا إرادية.

 

ومع ذلك، ولسبب ما، بدا مقتنعًا أنه لا حاجة لمثل هذا القلق. وفي الواقع، لم يكن مخطئًا. لم يكن هناك أي من أعضاء طائفة الساحرة يقفون للحراسة داخل الغرفة.

حتى في هذه المدينة، كان هذا هو الشيء الأكثر قيمة وأهمية —

 

“— إذن، هذا هو الميتيا؟”

وفي اللحظة التي استوعب فيها سوبارو كل هذا، انحنى الاثنان قليلاً للأمام وبدآ في تنفيذ هجماتهما المضادة.

 

 

كان هذا الجهاز هو الأغرب بين جميع الميتيا التي رآها سوبارو حتى الآن. الجهاز الذي رآه كان مصممًا لتوسيع وتعزيز صوت المستخدم، وزيادة مدى وصوله. يعتمد فقط على البلورات السحرية كمصدر للطاقة، وبدا هذا “الجهاز” وكأنه آلة أنابيب الأرغن.

الآن، وباستخدام الكائن الغريب أربعة أذرع لصد الهجمات، أظهر وجه ريكاردو تعبيرًا مشوهًا معبرًا عن غضبه.

 

“— سأشارك أيضًا.”

وأثناء انشغال سوبارو بالسماح للميتيا بسلب انتباهه دون وعي —

 

“— سيد سوبارو!!”

نظرات. كانت نظرات. نظرات، نظرات، نظرات، نظرات.

 

 

أعادت الصرخة الحادة والموجة الصادمة الناتجة عن تصادم عنيف بين السيف والمخلب سوبارو إلى وعيه.

“آآآآآه…”

 

كان هذا رد سوبارو، سواء على كلمات أل أو على رفاقه الذين سيتجهون نحو مكان الموت. إذا كانت خياراته قد تقلصت بسبب إصابة ساقه، فسيضطر ببساطة إلى تجاوز ذلك بقوة الإرادة وحدها.

تجمد جسده عندما التفت ورأى كروش تخوض رقصة سيف مذهلة، تسدد ضربة مؤلمة إلى قشور التنين الأسود الجاثم في مؤخرة الغرفة.

ظل تراكم الأكوام المقززة من اللحم التي تنتشر في المنطقة المحيطة يشغل تفكيره، لكنه أجبر نفسه على التركيز على الأولويات — إسقاط الاثنين الموجودين أمامهم.

 

 

صرخ تنين الشهوة الأسود من الألم، وهو المسؤول عن الأفعال الشريرة المتكررة التي استهدفت سكان المدينة.

كانت كلماتها المليئة بالجنون، وهوسها الاضطهادي، وغيظها، وكراهيتها، وأوهامها العميقة هي الطريقة التي تمنع بها نفسها من الانهيار.

“— كابيلا!”

 

 

“وووووه؟!”

ترك سوبارو خلفه وهو يصرخ، وانخرط التنين الأسود والفالكيري في معركة عنيفة شملت كل أنحاء الغرفة.

 

 

ومع ذلك، ولسبب ما، بدا مقتنعًا أنه لا حاجة لمثل هذا القلق. وفي الواقع، لم يكن مخطئًا. لم يكن هناك أي من أعضاء طائفة الساحرة يقفون للحراسة داخل الغرفة.

لم تحتوِ الغرفة فقط على الميتيا، بل أيضًا على طاولة اجتماعات، كراسي، وأثاث آخر موزع على طول الجدران. بالطبع، تم تدمير هذه الأثاثات واحدةً تلو الأخرى بفعل الموجات الصادمة القوية التي ميّزت المعركة العنيفة، تاركةً العناصر محطمةً وغير قابلة للتعرف.

بدا الوحش أمامه بعيونٍ سوداء قاتمة، عيونٍ لا ترى شيئًا، عيونٍ مليئة بظلام بلا قاع.

 

“…انتظري… انتظري انتظري انتظري، توقفي للحظة.”

ولكن في هذا الصراع، مثلت هجمات كروش البارعة اليد العليا.

عندما أكد كيريتاكا ذلك، التقط الجميع أنفاسًا قصيرة وصغيرة. كان ذلك دليلاً ملموسًا على أن تأسيس المدينة قبل أربعة قرون كان بالفعل مرتبطًا بساحرة.

في تلك الغرفة، كان التنين في وضع غير مؤاتٍ بشكل واضح، غير قادر على تحريك جسده الكبير بحرية. ربما لأن التنين الأسود لم يتوقع أن يقتحم سوبارو وكروش الغرفة عبر النافذة.

بينما رمش سوبارو بدهشة مما يحدث، رأى يوليوس محاطًا برياح عاصفة انفجرت تحته، ما جعل عباءته ترفرف بينما طار يوليوس في السماء.

 

 

على الأرجح، ظل التنين الأسود يراقب مدخل الغرفة الرئيسي، مُركزًا لهبه نحو ذلك الجانب طوال الوقت. وبينما باتت منشغلة بحراسة ذلك الجانب، شن سوبارو وكروش هجومًا مباغتًا من السقف — كانت هذه خطتهما البديلة.

معلومات، نقاط ضعف، أدلة عن العدو، أي شيء قد ينفع — بهذه العقلية، لاحظ سوبارو صوتًا معينًا.

 

تحولت من شكلها البشع إلى شكل صبي بسيط المظهر، ثم طالت أطرافها وتحولت إلى امرأة فاتنة ممتلئة. وفي لمح البصر، تغيرت مرة أخرى، لتصبح النموذج المثالي لفتاة قروية بائسة، وبعد لحظة، اتخذت شكل فتاة صغيرة جدًا، مع ابتسامة غير لائقة ترتسم على وجهها الملائكي.

“ياااااه!”

 

 

“…”

متحررة من خوفها من الأماكن المرتفعة، أطلقت كروش صرخة معركة شجاعة وهي تسدد سيفها مرارًا وتكرارًا.

في تلك اللحظة، تمتم يوليوس باقتراح بديل مع ظهور تجعيد خفيف في جبينه. بعد أن عاد مع تي بي وانضم إلى الاجتماع المجدد، مشَّط شعره إلى الجانب عندما لاحظ أن الأنظار تتركز عليه.

 

 

أظهرت هجمات الرياح الخاصة بكروش قوتها الحقيقية ليس في المعارك طويلة المدى، بل عن قرب. في مساحة مغلقة لا يمكن الفرار منها، ظلت الشفرات غير المرئية تمزق جلد التنين الأسود بلا رحمة.

 

 

 

“— أوووووووووورغغغ!!”

 

 

 

“احذري! انزلي…؟”

 

 

 

منجذبًا للحظة، بذل سوبارو قصارى جهده للالتفاف والهرب عندما زأر التنين ونفث ألسنة اللهب السوداء الداكنة. ومع ذلك، أثناء هروبه الدرامي، أدرك سوبارو شيئًا.

في اللحظة التي انتهى فيها البث، لم يعد سوبارو يسمع الطنين الذي كان يضغط على قلبه. ارتخى جسده فورًا، وبمجرد أن حدث ذلك، كانت أولى الكلمات التي خرجت من فمه اللاهث مجرد تذمر.

 

بهدوء، دون أي من الحماس الذي أظهرته منذ لحظات، فرضت الشهوة مطلبها على المدينة.

— كانت هناك فتاة مربوطة، تتلوى أسفل أقدام التنين الأسود النازف.

“اللعنة، هذا… لا، هذا شيء ضروري. إذا أفشى أحدهم شيئًا، قد تُدمَّر المدينة بشيء آخر غير بوابات المياه. ومع ذلك، أتمنى لو كان بإمكاننا تعزيز فرصنا بطريقة ما…”

 

 

“…”

 

 

على الرغم من محاولات خصمه لصد هجماته، دفع ريكاردو نفسه للأمام، مستمرًا في الطرق على فأسه الكبير بلا هوادة. إذا كان خصمه يمتلك أربع أذرع، فسيبذل هو المزيد من القوة بأذرعه الاثنتين.

شعر سوبارو فورًا برغبة في التقيؤ عندما أدرك الخطة الدنيئة للشهوة، حيث استخدمت رهينة بطريقة ماكرة مشابهة لما فعلته الغضب. في النهاية، كان أساقفة الخطايا السبع القاتلة يلجؤون إلى الوسائل ذاتها لجعل خصومهم يترددون.

 

 

“كان عويلك جيدًا. الرجل لا يتراجع عن كلمته. الآن انهض وقاتل.”

لقد هُزم سابقًا بنفس الحيلة، ونتيجة لذلك، تم أخذ إيميليا بعيدًا عنه.

“— عندما تنتهي حياة الأخت الكبرى، يعني ذلك أننا سنموت أيضًا، أليس كذلك؟”

 

 

“أوووووه!!”

لوح بسوطه، مصطدمًا به عند قدميه. مذهولةً، تراجعت كابيلا على الفور، محررةً كروش أخيرًا. انحنى سوبارو وحملها.

 

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

أوقدت تلك الحقيقة شعلة في قلبه، وأظهر سوبارو أعلى مستوى من التركيز وهو ينزلق مباشرة تحت قدمي كابيلا.

 

 

 

منحنياً تحت رأسها، انزلق بين ساقيها، متجاوزًا الزجاج المكسور بعزيمة قوية وهو يتجه مباشرة نحو الفتاة. التقط جسدها المرتجف، وضرب بسوطه ظهر التنين الأسود. لم يلحق الضرر بشكل ظاهر، ولكنه بالتأكيد جعله يشعر بتحسن.

بدت كلماته المشجعة تشير بوضوح إلى أن هذه المرة هناك رأس واحد فقط ليُقطع. هذه القصة الأسطورية المليئة بالبطولة رفعت معنويات سوبارو بينما عدّل قبضته على السوط. وقرر سرًا أنه بحاجة لسماع تفاصيل تلك القصة لاحقًا، قبل أن يستعد للعودة إلى المعركة.

 

ازداد مزاج كابيلا سوءًا بسبب الاستنتاج الخاطئ الواضح لسوبارو، فلوّحت بذيلها الضخم نحوه مرة أخرى. وبقفزة سريعة إلى الجانب، تفادى سوبارو الهجوم بينما يشاهدها وهي تحطم الأرض بذيلها الطويل، محدثةً تشققات. ثم أخذ نفسًا —

ومع ذلك، تبعت كروش ذلك بهجوم بالسيف لم يكن لطيفًا على الإطلاق.

 

 

“هناك من تورط في وفاتها، وفي تدنيس روحها. أقسم على سيفي والأيام التي قضيتها معها — سوف يدفعون الثمن.”

“!!!”

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

“لا رحمة! ادفعي ثمن الأفعال الشريرة التي تسببت في الكارثة والفوضى في المدينة!”

تحولت من شكلها البشع إلى شكل صبي بسيط المظهر، ثم طالت أطرافها وتحولت إلى امرأة فاتنة ممتلئة. وفي لمح البصر، تغيرت مرة أخرى، لتصبح النموذج المثالي لفتاة قروية بائسة، وبعد لحظة، اتخذت شكل فتاة صغيرة جدًا، مع ابتسامة غير لائقة ترتسم على وجهها الملائكي.

 

لم يستطع أن يفهم. قيمها وطريقة حياتها نفسها كانت مختلفة جدًا.

بينما شنجت التنين السوداء رأسها بعرضِ للخوف، قامت كروش بإنزال شفرتها عليها من الأمام.

نظرات. كانت نظرات. نظرات، نظرات، نظرات، نظرات.

ربما باتت رئيسة الأساقفة هشةً إلى هذا الحد عندما أُجبرت على الدفاع، إذ استمرت كابيلا في تحمل وابل من الهجمات، غير قادرة على مقاومة شفرة الفولاذ. تمزقت أجنحتها، تكسرت أنيابها، وقُطعت قشور رقبتها الطويلة، مما جعل التنين تصرخ من الألم.

قد لا يكون هذا الجواب الذي كان يأمله، لكن يوليوس لم يبدُ خائب الأمل بشكل خاص. بالطبع، هو من بين الجميع لم يتوقع أن يتحول سوبارو إلى نوع من قاتل طائفة الساحرة الأسطوري.

 

 

رفعت كروش ساقها الطويلة النحيلة، وسددت ركلة قوية إلى جذع التنين. لا بد أن قوة تلك الركلة كانت أعظم بكثير من أي ركلة يستطيع سوبارو تسديدها. دفعت قوة تلك الهجمة التنين الضخم إلى الوراء، مما أجبرها على التراجع نحو نافذة لا تزال سليمة.

رفعت كابيلا صوتًا متظاهرة بالجهل، وفتحت عينيها على وسعهما بينما تابعت حركات سوبارو.

 

“بالتأكيد — هذا ما كنت أرغب في قوله، لكن…”

لم تعكس تصرفات كروش شخصًا لديه فرصة للنصر، بل طغت ببساطة بقوتها الساحقة على التنين الأسود.

أعرب ريكاردو عن حيرته، لكن سوبارو فهم ما كان أل يحاول الوصول إليه. على ما يبدو، كانوا قد تمركزوا في أبراج التحكم المختلفة — وماذا يعني هذا التوزيع؟

 

نظرت إلى سوبارو وهو يبتعد، وبدأت كابيلا بالصراخ وهي تطلق اللعاب، ممتدةً بكلتا ذراعيها.

“— ستنتهي الأمور هنا!”

 

“!!!”

 

 

 

دون أن تتيح المجال للشهوة للتحدث حتى النهاية، ضربت كروش شفرات الرياح خاصتها في جذع التنين الأسود وأجنحته، قبل أن تجتاح رقبته وتضرب جسده الضخم على الحائط مرة أخرى. أخيرًا، انهارت النافذة، وطُردت الشهوة بالكامل إلى الخارج.

استهدف ريكاردو رأس الرجل الضخم بفأسه الكبير، بينما وجه غارفيل قبضته وسيف ويلهيلم نحو المرأة، وكلهم كانوا يدخلون نطاق الهجوم القاتل —

 

 

أثناء سقوطها مع بقايا النافذة، نشرت التنين الأسود أجنحتها على الفور، لكن أحد أجنحتها كان مكسورًا من الجذر، والآخر غير فعال بسبب عدد لا يحصى من الجروح. لم تكن قدرتها على التجدد سريعة بما يكفي — وبات سقوطها أمرًا محتومًا.

“ـــــ هاه. بطريقة ما، استطعت انهاء العلاج.”

 

 

بعد بضع ثوانٍ، وصل صوت اصطدام الشهوة بالأرض إليهم. بدا صوتًا ثقيلًا، رطبًا، يشبه ضرب اللحم بجدار، أو إسقاط ممسحة مبللة على الأرض.

رؤية تنين أسود يبدو مذهولًا كان مشهدًا استثنائيًا في حد ذاته، لكن هذا لم يكن هدف سوبارو. بالطبع، لم ينكر أن غضبه كان يحتوي على جزء كبير من مشاعره الحقيقية، لكن الغرض الفعلي كان —

 

 

“سأقوم بالتحقق والمراقبة. السيد سوبارو، أرجو أن تهتم بالفتاة.”

ما جعل سوبارو يشكك في أذنيه هو أن هوية ذلك الثنائي كانت لغزًا كاملًا.

“حـ – حسنًا، فهمت.”

 

 

كانت إيميليا تملك الأفضلية لفترة من الوقت أثناء القتال، لكن الأوضاع انقلبت في النهاية، وهاجمتها ألسنة اللهب العاتية —

سارت كروش نحو النافذة التي سقطت منها التنين الأسود، دون أن تُنزل حذرها أبدًا. شعر سوبارو بالاطمئنان بينما يراقبها من الخلف، ثم أطلق الفتاة الأسيرة بلطف من قيودها.

وجه سوبارو نظره نحو ذلك الباب، لكنه كبح نفسه عن طرح السؤال الذي راود ذهنه فورًا — ما إذا كان الأشخاص الأسرى أحياءً أم أمواتاً.

 

تناثرت شظايا الزجاج في كل مكان بينما دحرج سوبارو وكروش نفسيهما إلى داخل الغرفة التي استهدفاها.

“أوووه…”

 

“كل شيء على ما يرام. تلك السيدة القوية الجميلة هناك لقنت التنين السيئ درسًا. لا يمكننا أن نأخذ وقتنا الآن، لذا دعيني أسألك بسرعة… هل تعرفين ماذا حدث لـ…الآخرين؟”

 

 

عندها فقط، وصلت صرخة صوت إلى السطح، تنادي بلقب غير مناسب تمامًا.

تحدث سوبارو إلى الفتاة التي بدت لا تزال مشوشة بسبب الخوف الشديد والارتباك الذي يصاحب طبيعيًا الوقوع في معركة بين محاربة وتنين. ركع ليتحدث معها بمستوى نظرها، وطرح عليها سؤاله بألطف طريقة ممكنة.

تسبب تأكيد أل في تجعيد وجه سوبارو كما لو أنه تلقى ضربة مؤلمة.

 

“ا-اصمتي. هناك الكثير مما أريد أن أسألك عنه الآن… لكن أولًا، أزيلي قدميك عنها.”

رمشت الفتاة عدة مرات، دون أن تستجيب على الفور. ثم ببطء، بدا وكأنها تلهث بحثًا عن الهواء بينما حركت شفتيها عدة مرات.

 

 

كان من الواضح جدًا أن هذا الوضع غير الطبيعي يعني أنه يمكنه تحمل بعض الإجهاد عليها.

“الغرفة هناك… الجميع فيها.”

“لقد استولى العدو على الأبراج الأربعة للتحكم، بالإضافة إلى المكاتب البلدية في مركز المدينة. ومع ذلك، فإن الهدف الأولي واضح. إخراج الشهوة من قاعة المدينة هو الأولوية. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الشهوة جادة في حديثها خلال ذلك البث السابق، فإن حياة الأشخاص داخل قاعة المدينة تصبح أكثر عرضة للخطر كلما طال انتظارنا.”

 

 

بصوت مرتجف، أشارت الفتاة إلى باب في الجانب الآخر من الغرفة لا يزال يحمل علامات المعركة الأخيرة.

 

 

“يبدو أن الجميع هنا يدركون كيف تأسست هذه المدينة. إذا تم تحريك العظام، فإن المدينة ستتعرض بالتأكيد لضرر يعادل ذلك الحدث الأسطوري… لا، ستكون كارثة أعظم من ذلك على الأرجح. ستصبح النتيجة مماثلة لما لو أن طائفة الساحرة فتحت بوابات المياه في هذه المدينة على مصراعيها.”

وجه سوبارو نظره نحو ذلك الباب، لكنه كبح نفسه عن طرح السؤال الذي راود ذهنه فورًا — ما إذا كان الأشخاص الأسرى أحياءً أم أمواتاً.

 

 

 

لكن توجيه مثل هذا السؤال إلى الفتاة بدا قاسيًا للغاية وغير مدروس تمامًا. ومع ذلك، بالنظر إلى أنه لم يكن هناك أي علامة على نشاط أو حياة من أي نوع بعد المعركة الكبرى التي حدثت للتو، لم يكن لديه أمل كبير.

 

 

بعد بضع ثوانٍ، وصل صوت اصطدام الشهوة بالأرض إليهم. بدا صوتًا ثقيلًا، رطبًا، يشبه ضرب اللحم بجدار، أو إسقاط ممسحة مبللة على الأرض.

“…”

 

 

 

ربت سوبارو برفق على رأس الفتاة القلقة، ثم استدار ببطء نحو الغرفة الأخرى.

 

أصبحت أطرافه ثقيلة وباردة. شعر سوبارو بشدة بعرق يتكون على ظهره. أراد أن يصدق أنه لكون هذه الغرفة مخصصة للبث، فإن عدم تسرب أي صوت كان بسبب العزل الصوتي فقط.

“إذا بثت ذلك على الهواء مباشرة، فإن الروح المعنوية ستنهار، وسيعم الذعر أرجاء المدينة كالنار في الهشيم. تبًا! لا خيار أمامنا سوى التقدم، أليس كذلك؟ اللعنة، علينا ملاحقتها إلى هناك؟ في موقف كهذا؟”

 

 

“السيد سوبارو؟”

 

“كل شيء على ما يرام. سأتفقد في لحظة… ماذا عن الشهوة؟”

 

“…لا توجد مشكلة من هنا أيضًا. لأي سبب كان، لا توجد علامة على تحركها من حيث سقطت.”

“…”

 

كانت كروش من رفعت صوتها.

أجابت كروش بينما تراقب الشهوة بحذر من الأسفل. عند سماع ذلك، أخذ سوبارو نفسًا عميقًا ووقف أمام الباب، ثم مد يده نحو المقبض.

 

 

 

كان من الممكن أن يكون هناك أعضاء من طائفة الساحرة مختبئين خلف هذا الباب أيضًا. ومع ذلك، وبالرغم من ذلك الاعتبار، لم يكن أمام سوبارو خيار أفضل سوى التحقق بنفسه.

تأوهت كابيلا بصوت حاد بعد إصابتها المباشرة بنور القوس قزح.

 

ألفارد الجشع كان مدنسًا يسرق أسماء وذكريات الناس، يدوس على إثبات وجودهم ذاته.

ومع ذلك، ولسبب ما، بدا مقتنعًا أنه لا حاجة لمثل هذا القلق. وفي الواقع، لم يكن مخطئًا. لم يكن هناك أي من أعضاء طائفة الساحرة يقفون للحراسة داخل الغرفة.

 

 

 

— لأنه لم يكن هناك حاجة لحراسة الغرفة على الإطلاق.

عندما دُعي للحديث، أجاب ريكاردو دون تردد. من زمجرته المنخفضة، بدا واضحًا أنه لا أحد يستطيع إيقاف عزمه على القتال — ولا أحد فشل في فهم المشاعر التي تدفعه للمضي قدمًا.

 

كان سوبارو مرتبكًا تمامًا، غير معتاد على أن يُعتبر شخصًا يمكنه المساهمة في المعركة دون أدنى شك.

“…”

“…واو، هذا تسليم عشوائي للغاية للقيادة.”

“…”

 

“…”

 

“…”

لقد غرز إخلاص ريكاردو عميقًا في قلب غارفيل، مما دفع الفتى إلى الغرق أكثر في قبضة الشعور بالذنب.

“…”

“…”

“…”

 

 

كانت خطة فريق الهجوم هي الصعود إلى الطابق العلوي مباشرة. ومن بين الطرق العديدة التي وضعها سوبارو، انتهى به الأمر باستخدام الطريقة الأكثر درامية، لكن باستثناء ما حدث لساقه، جرت العملية في الغالب دون أي مشاكل تُذكر.

نظرات. كانت نظرات. نظرات، نظرات، نظرات، نظرات.

“آآآآآه…”

نظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظرات
نظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظراتنظرات.

— رأى كروش تنهار على الأرض، وابتسامة بشعة ترتسم على وجه الفتاة التي تركلها.

 

“هل تقصد بذلك أنك تعطي الأولوية لإنقاذ السيدة إيميليا؟”

— بينما صرخ سوبارو، رأى عددًا لا يُحصى من النظرات الصامتة.

 

 

 

— لا، لم يكن الأمر أكثر من مجرد انطباع لسوبارو بأنهم ينظرون إليه. لم يكن لدى سوبارو طريقة لمعرفة ما إذا كانوا بالفعل يراقبون العالم من حولهم. لم يكن قادرًا على استيعاب مثل هذا الأمر.

 

كل ما كان بإمكانه فعله هو الصراخ. هذا هو المعنى الحقيقي للوقوع في عجز عن التعبير بالكلمات. تجمد عقله، غير قادر على تكوين حتى فكرة واحدة. ومع ذلك، كان يعرف شيئًا واحدًا.

 

— الآن عرف الطبيعة الحقيقية للضوضاء المزعجة التي سمعها أثناء بث تهديد الشهوة.

مزق طرف السوط الهواء بلا رحمة، مستهدفًا وجه خصمه الأعظم. كان من المفترض أن تكون الضربة مباشرة، تقشر الجلد وتقطع اللحم، تاركةً ندبةً شنيعةً تجعل أي شخص يراها يشيح بنظره فورًا. لكن هذه الضربة —

 

 

“…ما…هذا؟”

تغيرت هيئتها إلى امرأة رشيقة بشعر طويل يتمايل، ثم إلى رجل نبيل بشارب ولحية قرمزيين؛ وحتى نبرة صوتها تغيرت، تاركةً سوبارو يتساءل مع من يتحدث.

 

“أنتِ… ما الذي… بحق الجحيم… أنتِ؟”

عندما تمكن صوت غير واضح من الخروج أخيرًا، ملأت تلك الضوضاء الغرفة دفعة واحدة.

 

ما استقبل سوبارو كان أزيزًا لا نهاية له جلب معه مشاعر الخوف، والبهجة، والرفض، والعديد من المشاعر الأخرى التي لا تُعد ولا تُحصى.

النهاية

 

في اللحظة التالية، قفز ألفارد مثل رصاصة، مطلقًا قوة تفجيرية تكفي لتحطيم السقف.

داخل تلك الغرفة ذات الإضاءة الخافتة، تألقت كمية هائلة من العيون المتعددة الجوانب باللون الأحمر وهي تتحرك هنا وهناك بينما تحدق في سوبارو الذي وقف في مكانه بلا حراك.

“نحن سعداء للغاية. نحن مسرورون جدًا. نحن ممتنون جدًا. نحن مبهجون جدًا. الأفكار السعيدة تجعلنا نشعر بالسعادة! اشرب! التهم!! كلما انتظرنا أكثر، زاد فراغ بطوننا! وكلما ازداد شوقنا لأول قضمة!”

كانت هذه…ذبابًا. لم تكن هناك أي شك في ذلك.

 

— كانت الغرفة مكتظة…بعدد هائل من الذباب بحجم البشر.

“هياا ، أصيبي الهدف!”

 

 

“ــــ!! السيد سوبارو… آه.”

كان عليها التأكد بأسرع وقت ممكن مما إذا تم حل الوضع مع أسقف الخطايا السبع. مستشهدةً بتلك الظروف كسبب مقنع، غادرت إيميليا الغرفة مع بطانية واحدة فوقها.

“كروش؟!”

وبينما راقب يوليوس المشهد، ضيّق عينيه قليلاً دون أن ينبس ببنت شفة.

 

 

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

 

— رأى كروش تنهار على الأرض، وابتسامة بشعة ترتسم على وجه الفتاة التي تركلها.

 

 

 

كانت الفتاة تلمس شعرها الأشقر القصير بكفها، وعيناها الحمراوان تلمعان وهما تحدقان في سوبارو.

فجأة، قاطع المشهد ضحك عالي النبرة وصوت سخيف بدا غير مناسب تمامًا لساحة المعركة.

“بوا-ها-ها-ها! حقًا، كيف يمكن أن تكونوا ساذجين إلى هذا الحد؟ هل اعتقدتم حقًا أنكم تتفوقون عليّ؟ أنا؟! هذا لا يستحق حتى الضحك! بوا-ها-ها-ها-ها!”

 

 

 

بينما كانت كروش مستلقيةً في بركة من دمائها، ظلت الفتاة تدوس عليها وتقهقه بصوت عالٍ — وهو صوت أدرك سوبارو حينها فقط أنه مألوف له. لم يكن هناك شك.

“حظك انتهى!”

“إنها أنا، عزيزتك كابيلا! بوا-ها-ها-ها-ها!!”

 

 

لم يكن هناك شك في أن غارفيل وميمي واجها أعداءهما في قاعة المدينة. ربما كان قرارًا متسرعًا، لكن الاثنين حاولا بطريقتهما بذل أقصى جهدهما.

مدت كابيلا لسانها، وأغمضت عينها بطريقة ساخرة، وضحكت بازدراء مطلق على جرأة سوبارو.

 

 

 

خلفه، هناك قفص الحشرات العملاق المليء بالذباب. وبركة من دماء التنين الأسود، التي كانت قد تناثرت داخل الغرفة، تنتشر أكثر. واقفةً وسط هذا المشهد المروع الذي أحدثته بنفسها، ومدوسةً بقدمها على كروش، وقفت الفتاة الصغيرة — لا، رئيسة أساقفة الشهوة.

 

 

المرشح الأول والأكثر احتمالًا كان بالتأكيد سوبارو. إذا كان هناك شخص سيأتي لإنقاذها، فقد أملت من أعماق قلبها أن يكون هو.

ظهر ناب يشبه الأسنان من فم كابيلا إيميرادا لوغونيكا بينما استمرت في الضحك.

كان من الواضح جدًا أن هذا الوضع غير الطبيعي يعني أنه يمكنه تحمل بعض الإجهاد عليها.

“ما-ما هذا بحق الجحيم؟!”

“أنا لستُ مفتونًا بهذا كما يبدو أخي الأكبر. لذا، أيها القائد، أثق أنك ستفعل شيئًا حيال هذا في أسرع وقت ممكن — لأنه إذا متنا، فسنطاردك نحن الثلاثة بلا شك.”

“لا جدوى من أن تفكر أكياس اللحم أمثالك في الأمر! أليس الأفضل فقط قبول الحقائق أمام أعينكم؟ فتاة جميلة ترتعش أمامكم، ولكن انتبهوا! إنها في الواقع رئيسة أساقفة الخطايا السبع المميتة!”

 

 

 

لم يستطع سوبارو إخفاء اضطرابه الداخلي بينما ترقص كابيلا أمامه، وتخرج لسانها بطريقة مبتذلة. كروش كانت ملقاة عند قدمي كابيلا، وعيناها مقلوبتان.

 

بدت ارتجافاتها علامة خطيرة على حالتها الحالية. لم يكن هناك أي جروح ظاهرة على جسدها، ولم يعرف ما الذي حدث لها بالضبط. ولكن تلك الأعراض كانت خطيرة. إذا لم يخرجها من هنا فورًا، فسيفوت الأوان قريبًا.

 

 

“هي، هي، هي، هي، هل أنت متأكد من أنك تريد الهرب؟ أيها الصديق، لديك ضغينة ضدنا، أليس كذلك؟ الأعداء القدريون دائمًا ما يكونون، أعني، ألذ مذاقًا. قمة المتعة العميقة؟ أن تأكل، تنهش، تأكل، تلعق، تقضم، تأكل، تعض، تمزق، تسحق، تلتهم! اشرب!! دعني أفعل كل ذلك، حسنًا؟!”

 

سوبارو، الذي بات عقله مشوشًا بسبب هذا المشهد المقزز، التفت عندما سمع صرخة مفاجئة. حتى مع تغلغل أزيز أجنحة الذباب في أذنيه استجابةً للصراخ، نظر سوبارو ورأى ما حدث.

“عقولكم ليست مهيأة للتفكير على أي حال، أليس كذلك؟ في هذا الوضع، لماذا قد تكون هناك لقمة سائغة فقط جالسة هنا في قاعة المدينة؟ كيف يمكنكم حتى العيش بعقلية غبية، حمقاء كهذه: آه، هناك فتاة في مشكلة — يجب أن أنقذها؟ هذا يفوق فهمي!”

رؤية تنين أسود يبدو مذهولًا كان مشهدًا استثنائيًا في حد ذاته، لكن هذا لم يكن هدف سوبارو. بالطبع، لم ينكر أن غضبه كان يحتوي على جزء كبير من مشاعره الحقيقية، لكن الغرض الفعلي كان —

 

— كل تلك الإصابات المروعة باتت تتجدد بسرعة مثيرة للاشمئزاز.

“ا-اصمتي. هناك الكثير مما أريد أن أسألك عنه الآن… لكن أولًا، أزيلي قدميك عنها.”

ضاعفت الشهوة من خبثها في ذلك الوقت أيضًا. ركز سوبارو على صوتها، يبحث عن طريقة لتوجيه ضربة انتقامية واحدة على الأقل ضد هذا الشرير الذي استمر في الثرثرة دون اكتراث لمن أُجبروا على الاستماع إليها.

“هاه؟ ألا تبدو سعيدًا برؤية قدمي العاريتين لدرجة أنك تتصبب عرقًا؟ أم أنك مهووس بقطعة اللحم التي تستمتع الآن بأطراف قدمي؟ أنا أملك جسدًا مثيرًا جدًا، في النهاية. لا يمكنك الاكتفاء مني، أليس كذلك؟ بوا-ها-ها-ها!”

بهدوء، دون أي من الحماس الذي أظهرته منذ لحظات، فرضت الشهوة مطلبها على المدينة.

“إنها ليست شخصًا يجب على أمثالك أن يدوس عليها!!”

 

 

تشققت العظام، وتمزقت الأجساد، وتصدعت الأرواح في معركة فوضوية عظيمة من الضربات الجبارة، حيث ظل تصادم الدروع مع السيوف الضخمة يتردد كأنه سيمفونية من الآلات الإيقاعية. معركة تسببت أيضًا في تطاير الشرر في كل مكان، مشتتةً الأنظار بالإضافة إلى الآذان.

وضعت كابيلا قدمها على صدر كروش، وأخذت تضغط بكعبها. ومع أفعالها العنيفة المبتذلة وضحكاتها الساخرة، تجاوز غضب سوبارو كل الحدود. اشتعلت مشاعره بينما نهض عن الأرض، مستعدًا بسوطه.

 

“أوهه؟”

 

 

 

رفعت كابيلا صوتًا متظاهرة بالجهل، وفتحت عينيها على وسعهما بينما تابعت حركات سوبارو.

ظلت الأخت الكبرى تواصل نومها بينما امسك الأخوان الأصغر بيديها بلطف. ومع ذلك، ظلت أيديهما الحرة مضغوطة على صدريهما، تظهر عليهما علامات واضحة للألم.

لوّح سوبارو بسوطه، مستهدفًا ليس كابيلا مباشرة، ولكن قطعة من الحطام الناتج عن معركة كروش مع التنين الأسود. لفّ سوبارو سوطه حول حفنة من الأحجار، وأدار معصمه ليقذفها نحو رأس كابيلا.

“— رائحة دم. الكثير منه أيضًا.”

 

 

“…”

بدت تلك عبارة هادئة، لكن نبرة ذلك الصوت دفعت سوبارو ليرفع رأسه وهو يشعر بشيء غريب.

كان من الحماقة الشديدة أن يقترب للقتال اليدوي دون معرفة وسائل عدوه في الهجوم. في المقام الأول، لم يمتلك سوبارو القوة لمواجهة رئيسة الأساقفة مباشرة في معركة. ورغم ملئ الغضب لرأسه، إلا أنه ظل مدركًا لعجزه المؤلم.

 

 

لا تنتبه. توقف. لا تحتاج إلى معرفة ذلك — لا تستسلم لجبنك.

لهذا السبب، كان على سوبارو أن يعطي الأولوية، ليس لإبادة عدوه، ولكن لإيجاد طريقة للخروج من هذا الموقف.

“— سيد سوبارو!!”

— كان بحاجة لاستعادة كروش، والهرب من هذا المكان، والانضمام إلى أحد رفاقه.

لو لم يكن الأمر كذلك، لكان من المرجح أن اليأس هو كل ما تبقى لهم.

كانت الحجارة التي ألقاها كافية تمامًا لتحطيم جمجمة بشرية غير محمية. سواء تم صدها أو تفاديها، لم يكن بإمكانه إنقاذ كروش بينما لا تزال تحت قدمي تلك الفتاة.

 

لذا كانت خطته أن يخلق فجوة يتمكن خلالها من إنقاذ كروش ومن ثم —

 

 

 

“هياا ، أصيبي الهدف!”

كل هذه السمات تطابق شخصية كان سوبارو قد سمع عنها من قبل.

“لا بأس بالنسبة لييي.”

 

“؟!”

“السيد سوبارو.”

 

كان رجلاً بشعر مُصفف بعناية ووجه أنيق، ومع ذلك، بدت ملامحه مشدودة. هذا التصميم الواضح لمعالجة المشكلة الجسيمة التي تُركت أمامهم كان يخص الرئيس التنفيذي لشركة ميوز، كيريتاكا ميوز.

عندما صاح سوبارو لرفع معنوياته، ردت كابيلا بصوت هادئ وموزون.

 

 

 

في الحال، سمع صوت شيء صلب يخترق اللحم والعظام. ثم بدأ الدم يتدفق من رأس كابيلا وهي تُرجع رأسها للخلف.

“ربما ستموت أنثى اللحم أيضًا، أليس كذلك؟ كم هو مؤسف. لديها جسد يناسب ذوقي ، لذلك كنت لأرغب حقًا في تجربة المزيد من الأمور. — آه، هذا صحيح —”

ضُربت على الجانب المكشوف من جمجمتها، وانشقت جبهتها، ملطخةً شعرها الأشقر بلون أحمر قاتم. وبينما كان يشاهد، تحطم وجه الفتاة الجميل القاسي وتشوه بشكل مرعب.

كروش، بياتريس، ريم، إيميليا، الجميع، الجميع، الجميع —

“— أوووغغ!”

 

 

“— انطلقا!!”

مجرد النظر إلى عينها اليسرى من هذا الوجه المشوه نصفه مشهدًا صادمًا أصاب قلب سوبارو. كان ينوي فقط أن يخلق فرصة، لكنه قام بشيء قد يصفه البعض بأنه أحمق للغاية.

كانت هذه…ذبابًا. لم تكن هناك أي شك في ذلك.

 

 

“لماذا تشعرون يا رفاق بالرغبة في الوقوع في قبضتي بشكل لطيف للغاية؟ أنا فقط أعشق كونكم جميعًا حمقى ميؤوس منهم. بوا-ها-ها-ها!”

“سيدة أناستاشيا، فعلتُ كل ما بوسعي. الباقي…”

“— غرااااه!!”

 

 

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

في اللحظة التي تجمدت فيها أفكاره، جاءت ضحكة كابيلا الساخرة وإعصار أسود ضرب سوبارو من الجانب، وأطاح به.

 

ضُرب جانب جسده الأيمن بالكامل، كما لو أن يدًا عملاقة صفعته. ارتطم سوبارو بالأرض متدحرجًا، مما تسبب في اصطدامه بطاولة في الغرفة، قبل أن يتوقف عند الحائط البعيد.

بينما شنجت التنين السوداء رأسها بعرضِ للخوف، قامت كروش بإنزال شفرتها عليها من الأمام.

 

“على أي حال، ألا تعتقدون أن الوقت قد حان ليلاحظ أكياس اللحم الأذكى بينكم شيئًا كان من الأفضل لكم أن تتجاهلوه؟”

متألمًا ومهزومًا بالكامل، رفع سوبارو رأسه وهو يسعل، محاولًا فهم ما حدث. عندها رآها —

“لا تقولي لي أنكِ…تنين متخذة شكل بشري؟”

 

“حسنًا، سأضيف نفسي إلى الفريق الذي سيهاجم قاعة المدينة. فقط أخبركم مسبقًا، لا فائدة من محاولة إيقافي. صحيح أنني لا أستطيع المساهمة كثيرًا من حيث القوة الخام، لكن حتى أنا لدي أمور أستطيع فعلها…”

“بوا-ها، ما هذا الوجه؟ هل أنا جميلة جدًا لدرجة أن صوتك لا يخرج؟”

 

“…ما…هذا؟”

“ما الأمر مع هذه النار السوداء…؟ لم لا تنطفئ؟”

“مم؟ آه، تقصد هذه. حسنًا، حسنًا، حسنًا. أتساءل كيف تبدو لأكياس لحم مثلك؟”

 

 

قد لا يكون هذا الجواب الذي كان يأمله، لكن يوليوس لم يبدُ خائب الأمل بشكل خاص. بالطبع، هو من بين الجميع لم يتوقع أن يتحول سوبارو إلى نوع من قاتل طائفة الساحرة الأسطوري.

عندما نسي سوبارو ألمه، بالكاد خرج صوته. أدارت كابيلا ظهرها له ولوحت بأردافها بشكل ساخر.

“أوه، لحظة. تفضلوا، سأمر الآن.”

كان هناك شيء غريب يبرز من خلفيتها الجذابة التي لوحت بها نحوه، شيء لا ينبغي أن يكون هناك. كان ذلك…ذيلًا أسود، سميكًا، يشبه الزواحف — لا، كان ذيل تنين. ذيل تنين يبرز من خلفها.

 

 

 

بعد أن توصل إلى هذا الاستنتاج، أدرك متأخرًا أنه لا بد أن ذلك الذيل هو ما ضربه سابقًا.

ظهر ناب يشبه الأسنان من فم كابيلا إيميرادا لوغونيكا بينما استمرت في الضحك.

 

 

“لا تقولي لي أنكِ…تنين متخذة شكل بشري؟”

متألمًا ومهزومًا بالكامل، رفع سوبارو رأسه وهو يسعل، محاولًا فهم ما حدث. عندها رآها —

 

“ماذا؟!”

“ها نحن ذا. الحجة غير المنطقية التي لا يمكنك منع نفسك من التفوه بها بسبب قدراتك العقلية المحدودة وانعدام التفكير النقدي تمامًا! لقد كنت كريمة جدًا في نثر هذه الفتات من الأدلة، ولكن يبدو أن قمامة مثلك تحتاج إلى ركلة جيدة لتدرك الصورة كاملة!”

 

 

“إنها أنا، عزيزتك كابيلا! بوا-ها-ها-ها-ها!!”

ازداد مزاج كابيلا سوءًا بسبب الاستنتاج الخاطئ الواضح لسوبارو، فلوّحت بذيلها الضخم نحوه مرة أخرى. وبقفزة سريعة إلى الجانب، تفادى سوبارو الهجوم بينما يشاهدها وهي تحطم الأرض بذيلها الطويل، محدثةً تشققات. ثم أخذ نفسًا —

“ذلك لأنه كان هناك ثلاثة رؤوس يجب قطعها.”

“التراخي في هذه المرحلة يجعل كل جهودك السابقة بلا جدوى!”

“…”

“— غاه!”

عندما تحدث سوبارو، متولياً زمام المجموعة بشكل طبيعي، نظرت كروش إليه بجدية. ورد عليها بحزم، “هذا صحيح”، ثم نظر إلى وجوه الجميع.

 

كان من المستحيل ألا يشعر بالنفور من كابيلا، التي تبدو بشرية ولكن بطرق كلها خاطئة.

ارتطمت قبضة ضخمة بوجه سوبارو المفتوح دون أي تحذير. وبعد أن ارتد عن الأرض بفعل قوة الضربة، قُذف إلى السقف بواسطة الذيل الذي كان ينتظره. اصطدم جسده بالسقف، وبينما يدور ويسقط بلا حول ولا قوة، مزقت ريش حادة كالسكاكين جسده أثناء هبوطه، ناثرةً قطرات من الدماء في كل مكان.

بطبيعة الحال، جذبتهم الجاذبية نحو الأرض، وسرعان ما بدأوا في السقوط رأسًا على عقب باتجاه الساحة. في منتصف السقوط، وصل السوط، الذي ظل مثبتًا بالدرابزين أعلاهم، إلى حده الأقصى وأوقفهم، مما جعل سوبارو يتحمل وزن شخصين على كتفيه.

“غنغه، غااااه!!”

 

 

 

انطلق صراخ مؤلم من حلقه بينما تمزق ظهره وتعرض للخدوش. وعندما اصطدم بالأرض مجددًا، حاول يائسًا أن يُعيد ذهنه للعمل مرة أخرى. لقد ضُرب، ثم قُذف، ثم قُطع — ماذا يعني ذلك؟

 

لقد تعرض وجه سوبارو للضرب بذراع ضخمة تشبه ذراع وحش. وأُلقي في الهواء بذيل تنين أسود، وتمزق بواسطة ريش حاد تشبه شفرات الطيور — وكل هذا جاء من جسد الفتاة التي ظلت تنظر إليه بازدراء بينما يلهث من الألم.

مبتسماً لها، سألها.

 

عوى غارفيل كما لو مزق شيئًا بفكيه، وعادت الحياة إلى عينيه المغيمتين. كان بعض من تصرفه جراء ادعاء الشجاعة، ولكن بعد أن اشتعل غضبه، تعهد غارفيل لريكاردو أنه سينتقم لميمي.

“ألا ينبغي أن تكون قد عرفت الإجابة الآن؟”

 

 

لكن الأمر لم يكن مقتصرًا على سوبارو فقط. حتى الخمسة الآخرون لم يكونوا استثناءً. كان ذلك لأن المشهد الذي استقبلهم في الساحة تجاوز كل توقعاتهم تمامًا.

ذراع ضخمة وحشية، ذيل تنين أسود، أجنحة طائر وحشي. كل هذا لم يكن يمكن وصفه إلا بأنه بشع.

سارت كروش نحو النافذة التي سقطت منها التنين الأسود، دون أن تُنزل حذرها أبدًا. شعر سوبارو بالاطمئنان بينما يراقبها من الخلف، ثم أطلق الفتاة الأسيرة بلطف من قيودها.

وبينما ينظر إلى شكلها، لم تخطر بباله كلمات أخرى. وإن خطرت على باله فكرة، فهي الاشمئزاز الفسيولوجي عند مواجهة كائن غير طبيعي لا ينبغي أن يوجد.

ثم رفرفت الأجنحة السوداء الكبيرة الشريرة على ظهرها مرة واحدة.

 

“— آه، يبدو أنكِ قد استيقظتِ. أنا سعيدٌ للغاية. أشعر بارتياح حقيقي عندما أعلم أنك بأمان.”

لقد كانت وحشًا بشعًا، كائناً خبيثًا، وما إلى ذلك. طبيعتها الحقيقية كانت —

مستسلمًا، بالكاد تمكن غارفيل من تنفيذ ما طلبه منه سوبارو، وألقى تعويذة شفاء على جراحه. فتح عينيه الزمرديتين، ليظهر نظرة ضعيفة ضبابية مليئة بالحيرة والندم.

“تغيير الشكل، التحول…!”

بدت أخلاقها على ما يبدو معدومة تمامًا. رغم أن قدرتها تبدو بسيطة ومباشرة، إلا أن سلطة الشهوة الخاصة بها مكنتها من انتهاك وسحق أي نظام قيم لأي شخص. كانت متخصصة في عرض نفسها.

“بوا-ها!”

“لا تفترضي أنكِ تستطيعين الانسحاب بسهولة! يجب أن أتأكد من ذلك!”

 

 

لأول مرة، أثار رد سوبارو المتلعثم ضحكة رضا حقيقية من كابيلا.

 

“أنا رئيسة أساقفة الشهوة، كابيلا إميرادا لوغونيكا — أنا موجودة لأحتكر كل حب العالم وإعجابه لنفسي. أنا، التي تستحق الحب أكثر من أي أحد، يمكنني تلبية أي رغبات منحرفة. أنا التجسيد المطلق لأي جمالية موجودة. يمكنني حتى أن أتحول إلى فتاة جميلة وفقًا لذوقك. أنا امرأة مخلصة، بعد كل شيء! بوا-ها-ها-ها!!”

 

 

“هذا… صحيح. كنت في الساحة، أقاتل تلك المرأة الملفوفة بالضمادات…”

متحدثةً بما يحلو لها، غيرت كابيلا شكلها أمام سوبارو بكل حرية.

 

تحولت من شكلها البشع إلى شكل صبي بسيط المظهر، ثم طالت أطرافها وتحولت إلى امرأة فاتنة ممتلئة. وفي لمح البصر، تغيرت مرة أخرى، لتصبح النموذج المثالي لفتاة قروية بائسة، وبعد لحظة، اتخذت شكل فتاة صغيرة جدًا، مع ابتسامة غير لائقة ترتسم على وجهها الملائكي.

 

 

منجذبًا للحظة، بذل سوبارو قصارى جهده للالتفاف والهرب عندما زأر التنين ونفث ألسنة اللهب السوداء الداكنة. ومع ذلك، أثناء هروبه الدرامي، أدرك سوبارو شيئًا.

“أرأيت؟ إذن، أي نسخة مني تعجبك أكثر؟”

دارت المرأة التي كانت راكعة بسيفها الطويل، لتستهدف أقدام غارفيل وويلهيلم بضربة سريعة. قفز الاثنان على الفور لتجنب سيفها، لكنها دارت بجسدها لتتحرك بشكل متوازٍ تمامًا مع قوس السيف، وامتدت إحدى ساقيها الطويلتين لتلتف حول عنق غارفيل وتسحبه بعيدًا عن مدى تأثير التعويذة السحرية.

“…”

مدركًا أنه يُجبر على اتباع نصها، أجاب سوبارو بصوت مرتعش، وأسنانه تهتز في جذورها.

 

“إنهم قبيحون ومقززّون لأي عين تراهم. لقد حولت أكياس اللحم عديمة القيمة تلك إلى حشرات قذرة لا تستحق حتى النظر إليها. ولا يمكنك أن تحب أيًا منهم أيضًا. بالطبع لا يمكنك.”

لم يستطع سوبارو النطق. رفضت الكلمات التكون. كل ما استوعبه قلبه هو أن هذا كان أسوأ شيء ممكن.

 

 

 

بدت أخلاقها على ما يبدو معدومة تمامًا. رغم أن قدرتها تبدو بسيطة ومباشرة، إلا أن سلطة الشهوة الخاصة بها مكنتها من انتهاك وسحق أي نظام قيم لأي شخص. كانت متخصصة في عرض نفسها.

 

 

 

عندما نظر، كانت الإصابة الرهيبة التي سببتها الحجارة التي ألقاها قد شُفيت تمامًا، ولم يكن هناك أي علامة تدل على أنها أُصيبت. ربما غطّت الجرح بقدرتها التجديدية الهائلة أو باستخدام قدرتها على التحول.

بالنسبة لغارفيل وريكاردو، كان الخصوم الذين ينتظرونهم في الساحة أهدافًا للانتقام. أما بالنسبة لويلهيلم… فقد كان هناك شيء ما في هذه المواجهة القادمة ذو أهمية خاصة بالنسبة له، وكان على سوبارو أن يعرفه.

 

 

في كلتا الحالتين، اكتشف سوبارو الحيلة وراء التنين الأسود والفتاة الصغيرة، الشكلين اللذين اتخذتهما كابيلا. في البداية، اشتبه في أنها تمتلك قدرة مشابهة لتلك الخاصة ببيتليغيوس، تمكنها من امتلاك الآخرين، لكن —

 

— إذا كان هذا هو الحال، فإن الحادثة المتعلقة بالتنين الأسود الذي أُطيح به خارج قاعة المدينة عبر النافذة لم تكن منطقية.

“ليس مستغربًا. بصراحة، لديك الكثير مما يشغل بالك. استعادة قاعة المدينة وضمان سلامة السيدة إيميليا. ثم هناك احتمال وجود عدوك القدري، الشراهة.”

 

“لم أشكرك بعد. يا أخي، لو لم تجلب ميمي هنا، ليس لدي شك في إنها كانت ستموت. أنا مدين لك، بشكل كبير. شكرًا جزيلًا.”

“حقيقة أنه لم يفعل شيئًا سوى نفث النار كان ينبغي أن تكون دليلًا واضحًا. وأيضًا، إذا استبعدنا أنني تركت السحلية في المكان الذي تتوقع وجود فخ فيه، فأين ذهبت كل شكوكك عندما لم يتحرك على الفور للرد على اختراقك ولم يتحدث بصوتي الجمييييل؟”

“…ماذا؟”

 

“— سيد سوبارو!!”

“…انتظري… انتظري انتظري انتظري، توقفي للحظة.”

 

 

 

قرأت كابيلا أفكار سوبارو من خلال التغيرات الدقيقة في تعبيرات وجهه، وضحكت بازدراء.

وقد دفعا الثمن — في الواقع، لا تزال “ميمي” تدفعه حتى أثناء حديثهم.

تغيرت هيئتها إلى امرأة رشيقة بشعر طويل يتمايل، ثم إلى رجل نبيل بشارب ولحية قرمزيين؛ وحتى نبرة صوتها تغيرت، تاركةً سوبارو يتساءل مع من يتحدث.

 

ولكن في اللحظة التي نشأت فيها تلك الشكوك داخل صدره، قادته إلى استنتاج منطقي متماسك رفض أن يتلاشى.

قناعة سوبارو جعلت يوليوس يقطب حاجبيه المميزين وهو يغلق إحدى عينيه ويتمعن في إمكانية صحة الأمر.

إذا كانت سلطة الشهوة لدى كابيلا تتيح لها أن تحول جسدها وتغيره بحرية — فماذا لو لم يكن هذا مقتصرًا على جسدها فقط بل يمكن تطبيقه على الآخرين أيضًا؟

 

 

 

“حتى مع تدفق الدم المحدود في رأسك، ينبغي أن تفهم الآن من أين أتت تلك السحلية وتلك الذبابات، أليس كذلك؟”

“…”

 

 

وضعت يدًا على فمها، وتظاهرت كابيلا بأنها تؤدي دورًا على خشبة المسرح، بينما ضغطت على سوبارو ليقدم الإجابة.

تردد الضحك العبثي بينما كانت المتحدثة الواقفة على سطح مبنى البلدية — لا، فوقه — تنظر بازدراء نحو سوبارو والآخرين من مكانها المرتفع.

مدركًا أنه يُجبر على اتباع نصها، أجاب سوبارو بصوت مرتعش، وأسنانه تهتز في جذورها.

 

أسوأ كابوس، الأكثر فظاعة، كان —

 

 

“…كما استنتجتم، توجد قوة خاصة في عظام الساحرة — قوة كافية لتكون أساس هذه المدينة. بدون العظام، لن تستمر مدينة البوابات المائية.”

“— جميع الذين قمتِ بتحوليهم أشخاص من قاعة المدينة؟”

 

“نعم، هذا صحيح. لكنك كنتَ بطيئًا جدًا، لذلك لا جائزة لك! أنت كيس لحم بطيء وغبي، والغرض من وجودك، بشكل مذهل، يتجاوز حتى فهمي!”

ربما لأنه قصير القامة ووجهه يوحي بالشباب، وصوته بدا وكأنه لم يتغير بعد بلوغه. ولكن نظرة واحدة إلى عيني الصبي بدت كافية لتدرك أن هذه الانطباعات كانت خاطئة تمامًا.

 

كان يوليوس قد استخدم عددًا من الأرواح الستة التي تعاقد معها لتفقد المنطقة المحيطة؛ ظلت الأضواء الباهتة تغلفه بينما قدمت الأرواح تقاريرها. كان سوبارو ممتنًا ببساطة لخبر أنهم لن يتعرضوا لكمين أثناء تقدمهم.

“لا يمكنكِ… أن تفهمي؟ — هذا ما أريد قوله لكِ، تبًا لكِ!!”

“…”

 

— لا، لم يكن الأمر أكثر من مجرد انطباع لسوبارو بأنهم ينظرون إليه. لم يكن لدى سوبارو طريقة لمعرفة ما إذا كانوا بالفعل يراقبون العالم من حولهم. لم يكن قادرًا على استيعاب مثل هذا الأمر.

اعترفت كابيلا بأفعالها القاسية والوحشية دون أي شعور بالندم على وجهها.

 

في الغرفة ذات الإضاءة الخافتة، ظلت عيون الذباب المتعددة الجوانب تتوهج باللون الأحمر وتنظر إلى سوبارو كما لو كانت واحدة.

“إذن كما ترى، أنا طيبة وعميقة العاطفة، وأنا ببساطة امرأة تغرق في حب الكثيرين. أحتكر كل الحب والإعجاب في العالم لنفسي، ولكن هذا يعني أنني لا يمكنني التهاون في جهودي لكي أُحَب. ترى، لكي تُحبني، سأتحول إلى النسخة التي تناسب أذواقك أكثر. لكي أجعلك تنظر إلي، سأسرق منك كل اهتمامك بأي شيء آخر. لا يهمني إذا كنتَ تحب شخصًا آخراً في البداية. بعد كل شيء، هذا هو نهايتك. ستأتي لتحبني. أنا أبذل قصارى جهدي للتأكد من ذلك، ترى؟ سحري الشخصي يرتفع أكثر فأكثر، وأعلى وأعلى وأعلى وأعلى! وسحر أكياس اللحم الذين ليسوا أنا ينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض!”

رفرفت أجنحتها التي لم تكن قادرة على استخدامها للطيران، وبثت ذلك الصوت المستمر بشكل يائس.

 

ربما لأنها كانت تصرخ طلبًا للمساعدة.

 

 

رفع أحدهم يده وخلع معطف بدلته البيضاء ليبدأ النقاش.

“لا أفهم! تحويل الناس إلى… ذباب؟ ما معنى ذلك؟!”

 

“هل تقول إنه مثير للاشمئزاز؟”

صفقت بشفتيها بطريقة جعلت الجميع يسمع ذلك.

“يجعل كل شعرة في جسدي تقف! أنتِ…! أنتم مجرد…!”

“لم أقل أبدًا إنني شفيته. فقط سألتك إذا كنت ستندم على فقدان الساق. كل ما فعلته هو إزالة إحساسك بالألم. إذا بذلت جهدًا كافيًا، يجب أن تكون قادرًا حتى على الركض.”

“حسنًا، لا يمكن مساعدتك إن كان يجعلك تشعر بالسوء. لا يمكنك تجنب الشعور بالاشمئزاز — أهذا ما تقوله؟”

تحدث ريكاردو بصوت متقطع وهو ينظر إلى فيريس فوق رأس أناستاشيا، متأملًا سماع أخبار جيدة. خلف ريكاردو، حدق غارفيل في فيريس وكأنه يتشبث بكل كلمة يقولها.

“!!”

 

 

ظل الشراهة يقفز حول المكان، وهو يلقي الإهانات، محاولًا أن يزرع التردد في نفس سوبارو.

لم تعد هناك كلمات يمكن أن تصف بدقة ما شعر به سوبارو.

شق النصل العاصف الهواء الراكد على السطح، مما أدى إلى خلق أعاصير عنيفة تلتهم الأجواء المحيطة. تسببت في انتشار موجات الصدمة في كل الاتجاهات، وبطبيعة الحال، ظل الهجوم المروع يندفع بلا رحمة نحو ألفارد —

تحويل الناس إلى ذباب، اللعب بحياتهم — كان ذلك أسوأ من مجرد قتلهم. كان الأسوأ. كان الحضيض.

 

 

خلال ساعات قليلة فقط، التقى سوبارو بأربعة من رؤساء الأساقفة الذين لن يتمكن من التعايش معهم أبدًا حتى لو امتلك أبدية كاملة.

“لقد استولى العدو على الأبراج الأربعة للتحكم، بالإضافة إلى المكاتب البلدية في مركز المدينة. ومع ذلك، فإن الهدف الأولي واضح. إخراج الشهوة من قاعة المدينة هو الأولوية. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الشهوة جادة في حديثها خلال ذلك البث السابق، فإن حياة الأشخاص داخل قاعة المدينة تصبح أكثر عرضة للخطر كلما طال انتظارنا.”

سيريوس الغضب كانت تلعب بمشاعر الآخرين ومهووسة بحبها الأناني.

 

ريغولوس الطمع فرض قيمه على الآخرين وكان شريرًا يضع نفسه فوق الجميع.

بالإضافة إلى صوت الشهوة الحاد والمزعج، كان هناك صوت آخر…

ألفارد الجشع كان مدنسًا يسرق أسماء وذكريات الناس، يدوس على إثبات وجودهم ذاته.

 

وكابيلا الشهوة كانت وحشًا يبصق على القيم التي يقدسها البشر العاديون ويدمرها.

“أوه، أخيرًا استوعبت الأمر؟ حسنًا إذن، عبّر عن حبك لي بالكلمات، وذُب في الحب هنا، وتحول إلى كتلة من اللحم تناسب ذوقي…”

 

 

كل واحد منهم كان ملعونًا، لا أمل في إنقاذه، ومجنونًا تمامًا.

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

الفجوة بينه وبينهم لا يمكن سدها مطلقًا. وحده هذا الاستنتاج جعل رؤية سوبارو تتحول إلى اللون الأحمر.

 

ومع ذلك، ظلت كابيلا تحدق في تعبير سوبارو المؤلم المليء بالغضب الصادق بينما واصلت.

“آاااااااااااااه!”

 

 

“— نعم. أنت تكره ما تجده مثيرًا للاشمئزاز، ما يجعلك تشعر بالسوء. فما الذي يعنيه ذلك؟”

 

ابتسمت، كما لو أنه لا شيء يمكن أن يجعلها أكثر سعادة.

“…ماذا؟”

“…”

“لا حاجة للقول، سأكون مسرورة بدعمك. بكل تأكيد، السيد سوبارو، انضم إلينا.”

 

 

لم يفهم ما كانت تقصده. لم يمتلك الوسائل لفهم ذلك منذ البداية.

“…”

ربما كانت كلمات كائن فضائي من الفضاء الخارجي.

 

 

 

لم يستطع أن يفهم. قيمها وطريقة حياتها نفسها كانت مختلفة جدًا.

عندما أدركت كابيلا ما حدث للتو، ملأت عيناها بالكراهية الشديدة الشاملة.

 

صوته العاوي جعل الهواء نفسه يهتز، وتحولت الموجة الناتجة إلى صدمة تحمل قوة مدمرة بدت كافية لإعادة تشكيل العالم من حولهم.

“عندما رأيت هذه الذبابات الضخمة والغبية، شعرت باشمئزاز فطري. ظننت أنها مثيرة للاشمئزاز. حسنًا، أنت محق. لا يمكن لأي شخص أن يحب مخلوقات كهذه. سيكون ذلك غير طبيعي.”

 

ظلت تغير شكلها باستمرار، يمينًا ويسارًا، تتحدث بأصوات مختلطة بينما تغير حديثها بالتزامن مع مظهرها المتحول بسرعة.

 

 

 

“إنهم قبيحون ومقززّون لأي عين تراهم. لقد حولت أكياس اللحم عديمة القيمة تلك إلى حشرات قذرة لا تستحق حتى النظر إليها. ولا يمكنك أن تحب أيًا منهم أيضًا. بالطبع لا يمكنك.”

إذا أغمضت عينيها، كان بإمكانها تقريبًا رؤية تلك المجنونة، المرأة التي كان جسدها بأكمله مغلفًا بالضمادات، والتي أعلنت نفسها كأسقف الغضب. ارتجفت إيميليا وهي تتذكر الكراهية والقدرات القتالية المرعبة التي وجهت نحوها.

 

“— أنت تفكر بعمق شديد يا سوبارو. يجب أن تهدأ قليلاً.”

بدا الوحش أمامه بعيونٍ سوداء قاتمة، عيونٍ لا ترى شيئًا، عيونٍ مليئة بظلام بلا قاع.

بإصرار لا ينكسر، أصبح شيطان السيف صلبًا مثل الفولاذ.

 

 

“الناس مخلوقات لا يمكنها العيش دون أن تحب أحدًا. لكن بما أنهم مخلوقات لا يمكنها أن تحب شيئًا غريبًا أو مقززًا، فمن خلال عملية الاستبعاد، لا يمكنهم العيش دون أن يحبوا شيئًا يمكنهم أن يحبوه.”

“السيد سوبارو.”

تحدثت كابيلا بصوت مفعم بالعاطفة، كما لو كانت تتحدث عن كيفية وقوع العشاق العاديين في الحب.

“أنتِ جادة؟ هذا يبدو غريبًا بعض الشيء، لكن…”

 

 

“…”

 

 

عندما أصيب سوبارو بالذهول من إعلانه المفاجئ، قدم أل اعتذارًا غامضًا، لكن هذا لم يكن شيئًا يمكن حله باعتذار سريع. أراد سوبارو أن يعرف ما الذي يفكر فيه أل بالضبط.

أصبح عقل سوبارو فارغًا. لم يتمكن من فهم اعتراف الوحش الذي يميل رأسه وكأنه قد توصل إلى أعظم اكتشاف في العصر الحديث.

“— هيا بنا!”

أراد أن يهرب في تلك اللحظة بالذات. لم يرغب في أن يتنفس نفس الهواء الذي تتنفسه. لم يرغب في أن يكون في أي مكان يمكنه أن يراها فيه. لم يرغب في أن يشعر بوجودها على بشرته. لم يرغب في سماع صوتها.

ضاغطاً بلسانه داخليًا تجاه هذا الموقف المزعج، أقسم سوبارو أن يشكو لجولي وجهًا لوجه لاحقًا. ثم أمسك بكروش من خصرها النحيف وانطلق في الهواء مرة أخرى —

— لأن هذا الوحش كان يحب سوبارو ناتسكي.

 

 

 

لم يكن الأمر مقتصرًا على سوبارو فقط. الضحية التي حولتها إلى تنين أسود، والكثير من الناس الذين حولتهم إلى ذباب، كروش التي كانت تدوس عليها حتى الآن، يوليوس الذي كان يقاتل فوقهم، غارفيل، فيلهيلم، وريكاردو، والعملاق والمرأة الذين كانوا يقاتلون في الساحة، وكل الناس في المدينة — كانت تحبهم جميعًا.

مصدره كان على الأرجح بجانب أداة البث السحرية، يختلط دون قصد مع صوتها ويصل إلى آذان سوبارو عبر البث.

 

 

لقد كان حبها لهم هو الذي جعلها تفعل كل ما بوسعها لجعلهم يحبونها. بالنسبة لهذا الوحش، كان هذا ببساطة هو مفهوم الحب.

 

 

بات يتم “إعادة كتابته” بشيء ليس هو. بدا هذا مختلفًا عن الألم أو العذاب. كان خوفًا ينبع من بُعد آخر تمامًا — نعم، الخوف هو الكلمة الوحيدة المناسبة. كان مخيفًا. مخيفًا. مرعبًا.

“إذن كما ترى، أنا طيبة وعميقة العاطفة، وأنا ببساطة امرأة تغرق في حب الكثيرين. أحتكر كل الحب والإعجاب في العالم لنفسي، ولكن هذا يعني أنني لا يمكنني التهاون في جهودي لكي أُحَب. ترى، لكي تُحبني، سأتحول إلى النسخة التي تناسب أذواقك أكثر. لكي أجعلك تنظر إلي، سأسرق منك كل اهتمامك بأي شيء آخر. لا يهمني إذا كنتَ تحب شخصًا آخراً في البداية. بعد كل شيء، هذا هو نهايتك. ستأتي لتحبني. أنا أبذل قصارى جهدي للتأكد من ذلك، ترى؟ سحري الشخصي يرتفع أكثر فأكثر، وأعلى وأعلى وأعلى وأعلى! وسحر أكياس اللحم الذين ليسوا أنا ينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض وينخفض!”

أجابت كروش بينما تراقب الشهوة بحذر من الأسفل. عند سماع ذلك، أخذ سوبارو نفسًا عميقًا ووقف أمام الباب، ثم مد يده نحو المقبض.

 

 

“…فقط…اقتليّني الآن.”

رفعت كابيلا معصمها في الهواء، ثم استخدمت يدها الأخرى لتشقّها عند المعصم، ما تسبب في تدفق الدم بغزارة.

“هاه؟ لماذا؟ أنا كل ما يتعلق بجعل الناس يحبونني. لم أحلم حتى بفعل شيء همجي كهذا. حتى لو كنتً مجرد كيس لحم عديم الفائدة تمامًا، فأنت ذو قيمة طالما أن حبك مركز عليّ… رغبتي في التقدير أقوى بقليل فقط من معظم الناس. لهذا السبب أريد حتى شخصًا واحدًا إضافيًا ليقول لي كلمة محبة إضافية ويحبني لمدة ثانية إضافية. تفهم؟ هذا كل ما أطلبه.”

 

 

 

“فهمت.”

الصمت الذي حافظت عليه إيميليا بسبب شدة غرابة الموقف جعلها تحبس أنفاسها.

“أوه، أخيرًا استوعبت الأمر؟ حسنًا إذن، عبّر عن حبك لي بالكلمات، وذُب في الحب هنا، وتحول إلى كتلة من اللحم تناسب ذوقي…”

 

“موتي.”

 

 

في الوقت الحالي، تم التأكد بالفعل من وجود ثلاثة رؤساء للخطايا السبع المميتة داخل المدينة. بالإضافة إلى ذلك، كانوا يعلمون أن طائفة الساحرة قد سيطرت على الأبراج الأربعة للتحكم، علاوة على استيلائها على قاعة المدينة.

دون رفاهية التفكير الحر، لم يكن لدى سوبارو سوى أمنية واحدة — موت الوحش الواقف أمامه.

أراد أن يهرب في تلك اللحظة بالذات. لم يرغب في أن يتنفس نفس الهواء الذي تتنفسه. لم يرغب في أن يكون في أي مكان يمكنه أن يراها فيه. لم يرغب في أن يشعر بوجودها على بشرته. لم يرغب في سماع صوتها.

كان هذا عدوه. لم يُرِد أو يحتَج إلى أي معلومات أخرى.

 

 

 

لوح بسوطه، مصطدمًا به عند قدميه. مذهولةً، تراجعت كابيلا على الفور، محررةً كروش أخيرًا. انحنى سوبارو وحملها.

عندما ارتفعت نبرة صوت سوبارو حماسةً، هزت كروش رأسها بمرارة.

كم مرة فعل ذلك اليوم؟ كان جسدها الخفيف آمنًا في ذراعيه، فقفز بعيدًا على الفور.

 

 

استمر ريكاردو في استكشاف الطريق بأنفه، وأومأ غارفيل بصمت.

عندما أدركت كابيلا ما حدث للتو، ملأت عيناها بالكراهية الشديدة الشاملة.

— كل تلك الإصابات المروعة باتت تتجدد بسرعة مثيرة للاشمئزاز.

“في النهاية، أنت مجرد كيس لحم ذكر مهووس بلحم الأنثى، أليس كذلك؟ لا تكلف نفسك عناء إنكار ذلك. يمكنك وضع أي تبرير جميل عليه كما تشاء. أوه، تحب فتاة لأنها جميلة. أوه، تحب فتاة لأنها لطيفة. تحب الأشياء الناعمة التي تجعلك تشعر بالراحة، أليس كذلك؟ لا تتفاخر عليّ بذلك!!”

 

“وووووه؟!”

“أنتم فقط لا تريدون الاعتراف بشهواتكم الجسدية علنًا! لا تزينوها بكلمات مثل الحب. ما رأيك؟ ما رأيك في هذا؟! هذا هو مقدار جهدي لأُحب من قبلك! انظر إلى هذا! هل يمكنك التحدث بعد؟ هل لا يزال لديك شيء لتقوله؟ قل لي إنكارك الموعود والحتمي!”

 

 

نظرت إلى سوبارو وهو يبتعد، وبدأت كابيلا بالصراخ وهي تطلق اللعاب، ممتدةً بكلتا ذراعيها.

“— جميع الذين قمتِ بتحوليهم أشخاص من قاعة المدينة؟”

 

 

تحوّل ذراع إلى رأس أفعى بينما اتخذ الآخر شكل رأس أسد — امتدت الأطراف المشوهة لتلاحق سوبارو، تتلوى عبر الغرفة لتغرس أنيابها فيه وتمزقه إربًا.

 

 

 

بات الجرح في ساقه اليمنى ينزف مجددًا، لكنه لم يشعر بأي ألم، ولم يعد يكترث، حتى لو قُطعت ساقه بالكامل في هذه المطاردة. حشد كل طاقته في حماية الدفء الذي يحتضنه بين ذراعيه، وركّز كل مهاراته البدنية لتفادي مطاردة كابيلا.

 

 

كان سوبارو ضعيفًا للغاية، غير قادر على فعل… أي شيء.

“هل هذه الفرس التي تحملها مهمة لك لهذه الدرجة؟! إذن من الأفضل أن تحتضنها جيدًا في حياتك القادمة، ألا تفلتها أبدًا! ذلك الجسد المثير للفتنة! تلك العيون التي تستجدي الشفقة! تلك الشفاه التي تهمس بالكلام العذب! ذلك اللحم الذي يثير الإحساس! لا يمكنك الحصول على ما يكفي، أليس كذلك؟! هذا هو السبب في أنك تبذل كل هذا الجهد، أليس كذلك؟!”

 

 

 

“أيتها الحمقاء، توقفي عن وضع كلمات في فمي! هذا ليس ما بيني وبينها!”

في الواقع، لقد نجح. بالنسبة لسوبارو، كان هزيمة الشراهة هو الهدف الوحيد الذي سعى لتحقيقه لأكثر من عام. لقد حلم بهذا اليوم مرات لا تُحصى حتى فقد العد.

 

“راااااااه!!”

“أوه، اصمت! هناك رائحة أنثوية فواحة تنبعث من ذلك اللحم الأنثوي! وكذلك الأمر بالنسبة لرائحة ذكورية من لحمك الذكوري! ألم يخطر في بالك أبدًا؟ هل يمكنك أن تقسم أنك لم تفكر ولو للحظة واحدة بطريقة غير لائقة؟ إذا فعلت ولو للحظة واحدة، فهذا يعني أنك مجرد قطعة لحم ذكرية يائسة تبحث عن قطعة لحم أنثوية! كيف أكون مخطئة؟ حاول فقط إخباري كيف أنني مخطئة!”

“قدرات السيدة كروش الطبيعية لم تضعف بأي شكل من الأشكال. قوتها بالسيف كافية تمامًا. أضمن ذلك.”

 

 

ظلت أنياب الأفعى، وفك الأسد، وذيل التنين، والأذرع الوحشية الضخمة، والريش الطائر المسخ يمزقون الغرفة إلى أشلاء.

 

 

تم تخصيص الأذرع الأربع للدفاع بالسيفين العظيمين، بينما بدأت الأذرع الإضافية وسيفان آخران بالهجوم. مع تغير الأدوار بالكامل، اضطر ريكاردو للتراجع خطوة إلى الوراء بينما انقلبت الموازين ضده.

ومع صرخة يأس، بحث سوبارو عن أي بصيص أمل للنصر وسط عاصفة الدمار العارمة. حتى لو حاول الهروب، كانت كابيلا تسد مدخل الغرفة. ظل شكلها يتغير باستمرار، يتضخم وينكمش ويتحول بين امرأة وفتاة وصبي وعجوز، لتخلق مظهرًا شاذًا وقبيحًا بالكاد يبدو حقيقيًا.

كان هذا ما يطن في أذني سوبارو.

 

 

“لم تلمس شعرها؟ لم تلمس شفتيها؟ لم تحتضن جسدها؟ ألم تزخرف تلك الأفكار القذرة والعرقة لديك بذلك الكلمة الجميلة — الحب؟! توقف عن الهراء. أنت فقط تخلط الحب بشيء آخر. أنتم جميعًا تختارون، بأنانية، تزيين الرغبات الجسدية بكلمات وعبارات منمقة.”

قد لا يكون هذا الجواب الذي كان يأمله، لكن يوليوس لم يبدُ خائب الأمل بشكل خاص. بالطبع، هو من بين الجميع لم يتوقع أن يتحول سوبارو إلى نوع من قاتل طائفة الساحرة الأسطوري.

 

 

بدا في عيني كابيلا بريق جنون وهي تحدق في سوبارو، تتحول إلى شكلها الأكثر قبحًا حتى الآن.

ريغولوس، الذي بدا كأنه يمتلك أذنين ولكنه لا يسمع، أمسك إيميليا من كتفيها. عبست إيميليا من شدة قبضته على أطراف أصابعه، لكن الشاب لم يكترث على الإطلاق لانزعاجها.

 

 

بدا شعرها طويلًا وفضيًا، يتلألأ تحت ضوء القمر. بدت عيناها أرجوانيتين كالأحجار الكريمة المرصعة. بشرتها بيضاء، تُذكّر بثلوج البودرة. أطرافها طويلة ورشيقة، وجسدها ممتلئ بالأنوثة.

 

 

بتفحص سيفه، ألقى يوليوس نظرة على التنين الذي يحلق فوقهم بينما علق بصوت خافت. وبينما يتفق سوبارو معه ذهنياً، رأى أن المقاتلين بالسيوف الواقفين على السطح بدوا متيبسين بفعل الرهبة من ظهور رفيقتهم، التنين المجنح، التي يعلوهم.

رغم اختلاف بعض التفاصيل الدقيقة، إلا أن ما ظهر أمامه كان —

 

 

 

“أنتم فقط لا تريدون الاعتراف بشهواتكم الجسدية علنًا! لا تزينوها بكلمات مثل الحب. ما رأيك؟ ما رأيك في هذا؟! هذا هو مقدار جهدي لأُحب من قبلك! انظر إلى هذا! هل يمكنك التحدث بعد؟ هل لا يزال لديك شيء لتقوله؟ قل لي إنكارك الموعود والحتمي!”

“هاه؟ لماذا؟ أنا كل ما يتعلق بجعل الناس يحبونني. لم أحلم حتى بفعل شيء همجي كهذا. حتى لو كنتً مجرد كيس لحم عديم الفائدة تمامًا، فأنت ذو قيمة طالما أن حبك مركز عليّ… رغبتي في التقدير أقوى بقليل فقط من معظم الناس. لهذا السبب أريد حتى شخصًا واحدًا إضافيًا ليقول لي كلمة محبة إضافية ويحبني لمدة ثانية إضافية. تفهم؟ هذا كل ما أطلبه.”

 

تغيرت هيئتها إلى امرأة رشيقة بشعر طويل يتمايل، ثم إلى رجل نبيل بشارب ولحية قرمزيين؛ وحتى نبرة صوتها تغيرت، تاركةً سوبارو يتساءل مع من يتحدث.

باتخاذها شكل فتاة ذات شعر فضي جميلة، صرخت الوحش وهي ترتسم على وجهها تعابير لم تكن لتصدر عنها أبدًا.

 

 

 

“— أنا أحبها لأنني تأثرت بقلبها! تأثرت بنبلها، بلطفها، بتعاطفها، بانفتاحها، بابتسامتها عندما تنظر إلى السماء، بتفانيها في حياتها، برفضها العنيد لأي ظلم، بجانبها الضعيف الذي لا تظهره إلا لي، بإصرارها على بذل ما بوسعها دائمًا، بصوتها الذي يبعث الراحة في قلبي، بعينيها الحنونتين، بنظرتها التي تثير مشاعري، بشفتيها التي تهمس بالحب، بيديها التي تدفئ يدي، بلمستها التي تجعل قلبي ينبض أسرع، وبشعرها الجميل الذي يتطاير مع الريح! أؤمن بكل قلبي أننا كنا مقدّرين لبعضنا البعض. لأنها الوحيدة التي اعترفت بي. لأنها من بقيت بجانبي عندما كانت الأمور صعبة. لأنها من علمتني ما هو مهم حقًا. لأننا كنا دائمًا، دائمًا معًا. لأنني أريد أن أعيش بقية حياتي أراها وأشعر بما تشعر به. لأننا وعدنا. لأنني لن أنسى ذلك الوعد أبدًا. لأنها تعرف النسخة مني التي لا أستطيع إظهارها لأي شخص آخر. لأنها الوحيدة التي تعرف حقيقتي. لأنها الوحيدة التي لا أستطيع خداعها بعيني. لأنها تعرف مدى عمق وحدتي. لأنها الوحيدة التي تسمح لي بنسيان ذكرياتي المرَّة. لأنها من علّمتني كيف أحب. لأنك كنتِ من تمسحين دموعي. لأنكِ وجدتني وسط كل الفوضى التي كانت تحدث. لأنكِ أريتني أشياءَ لم أرها من قبل. لأنكِ الوحيدة التي تفهمني حقًا. لأنني لا أستطيع العيش بدونك. لأنكِ كل شيء بالنسبة لي. لأنكِ تجعلين قلبي يخفق بحرارة. لأن وجودكِ يجعل كل ألوان العالم تبدو أكثر إشراقًا. لأنني بدونكِ لا أشعر بالسعادة. لأنني لم أعد أستطيع العيش بدونكِ. لأن وسط حياة مليئة بالأكاذيب، هذا هو الشعور الوحيد الذي يبدو حقيقيًا.”

“على أي حال، ألا تعتقدون أن الوقت قد حان ليلاحظ أكياس اللحم الأذكى بينكم شيئًا كان من الأفضل لكم أن تتجاهلوه؟”

 

 

ظلت تنطق الكلمات كما لو تردد لعنة، ووجه الوحش ذو الشعر الفضي يخبو تعبيره أكثر مع كل عبارة إضافية.

كانت سحر يوليوس، وشفرات الرياح الخاصة بكروش، وحتى السوط الخاص بسوبارو فعّالين بدرجات متفاوتة.

ولكن بينما واصلت تكرار الأسباب التي قد تجعل أحدهم يدعي حبه لشخص آخر، رفعت كابيلا رأسها. كان جمالها وجاذبيتها وقبحها ملتوياً في تعبير غريب ومشوّه يجمع بين العشق والكراهية، ثم صرخت.

غارقاً في التفكير، فاجأه أحدهم بالنقر على كتفه. لم يلاحظ سوبارو أنه نسي حتى أن يتنفس إلا حينها. وعندما نظر إلى جانبه، رأى يوليوس يقف بجانبه مباشرةً، محدقًا فيه بنظرة قلقة. تراجع سوبارو على الفور.

 

كانت الحجارة التي ألقاها كافية تمامًا لتحطيم جمجمة بشرية غير محمية. سواء تم صدها أو تفاديها، لم يكن بإمكانه إنقاذ كروش بينما لا تزال تحت قدمي تلك الفتاة.

“— كل تلك الكلمات مجرد زخرفات — كلها دون استثناء!!”

تحت تركيز أنظارهم، ونداءاتهم المخلصة، واهتمام الجميع في الغرفة، خفض فيريس عينيه.

 

 

“…”

 

 

“إنهم قبيحون ومقززّون لأي عين تراهم. لقد حولت أكياس اللحم عديمة القيمة تلك إلى حشرات قذرة لا تستحق حتى النظر إليها. ولا يمكنك أن تحب أيًا منهم أيضًا. بالطبع لا يمكنك.”

“لا تظن أنك تستطيع استخدام كلمات جميلة وتغفل عن الباقي! كل هذا الهراء عن الداخل، بلا بلا، الشخصية، بلا بلا، توافق الطباع، بلا بلا — كلها مجرد ضوضاء! المظهر الخارجي، شكل الوجه — الشيء الوحيد الذي يجذب لحمًا إلى لحم آخر هو التحفيز البصري! إذا كان الحب حقًا ما يربط بين شخصين، فلماذا لا تحاول تزيين الأمور بتلك الكلمات البراقة، تنظر بتلك العيون البراقة، وتتحدث عن مستقبلك البراق بعد أن يتم تحويل محبوبتك إلى ذبابة؟! هل يمكنك أن تحبها؟ بالطبع لا تستطيع! إنها تُنفرك، أليس كذلك؟! إنه أمر مزعج، أليس كذلك؟! لا يمكنك إلا أن تشعر بالاشمئزاز، صحيح؟! أنت من قلت ذلك لي بصوت واضح ومسموع!!”

 

 

 

كانت كلماتها المليئة بالجنون، وهوسها الاضطهادي، وغيظها، وكراهيتها، وأوهامها العميقة هي الطريقة التي تمنع بها نفسها من الانهيار.

 

 

شعر سوبارو بنفس الرياح تدفع ساقيه، فأمسك بكروش بقوة بينما تجري بجانبه.

وبينما تتحدث بصراخ شديد، يتطاير لعابها في الهواء، بدت كابيلا وكأنها تفقد حتى قبضتها الضعيفة على عقلها، مدمّرة المزيد من الغرفة وهي تولول بهستيريا.

الكلمات البارعة التي استخدمها الشاب دون توقف جعلت إيميليا تشعر بأن أي رد قد تحاول تقديمه سيبدو غير ملائم.

 

 

ظلت الأفعى العظيمة تفح، والأسد يزأر، وسرعان ما لم يعد سوبارو قادرًا على سماع صرخات كابيلا.

 

تحولت إلى عاصفة من الضوضاء، وبدأت الغرفة تنهار في أماكن متعددة. وبين موجات الصدمة، لم يستطع سوبارو أن يحدد مكانًا يتحرك نحوه أو حتى يتجه بنظره، حيث غمره غبار الجدران المنهارة.

 

 

“أفهم. أفهمك. لا أحد… لا شخص واحد يلومني… لكنني ألوم نفسي! لهذا السبب يجب أن أنتقم من تلك المرأة…!”

هل قدماه لا تزالان تلامسان الأرض؟ هل ساقه الممزق نصفها لا تزال متصلة بجسده؟ الشيء الوحيد الذي كان متأكدًا منه هو نبض قلب المرأة التي يحتضنها بين ذراعيه. وهذا اليقين وحده بدا كافيًا ليملأ جسده بالشجاعة.

“في الواقع، بخصوص ذلك… هذا الاجتماع الحماسي رائع وكل شيء، ولكن…”

 

 

لكن هذا النضال الشجاع انتهى فجأة بصوت مدوٍّ.

لكن نوايا ريكاردو خُذلت عندما كشف العملاق عن خدعة أخرى. ظهرت ذراعان إضافيتان من تحت الرداء الأسود، ومعهما سيفان عظيمان آخران.

“أيا كيس اللحم، انظر إليّييي!”

 

 

“…الجشع هو من اختطف إيميليا. حتى الآن، نظراته الأنانية تجعل كل شعرة في جسدي تقف. لا أريد أن أترك إيميليا مع هذا الوغد ثانية واحدة أكثر مما يجب.”

“— غاه!!”

 

 

كان هدف ريكاردو عمودًا من النيران السوداء الجائعة التي تلتهم شفق قوس قزح وتهبط نحو السطح.

اخترق رأس الأسد سحابة الغبار بوحشية، واندفع نحو سوبارو ليغرس أنيابه في ساقه.

“ربما ستموت أنثى اللحم أيضًا، أليس كذلك؟ كم هو مؤسف. لديها جسد يناسب ذوقي ، لذلك كنت لأرغب حقًا في تجربة المزيد من الأمور. — آه، هذا صحيح —”

كانت ساقه اليمنى بالكاد متصلة بالفعل، وعندما مزقها الأسد، انفصلت عن جسده عند عظم الفخذ وطارت في الهواء.

صرخ غارفيل صرخة حرب بينما هو والعملاق يتبادلان الضربات الهائلة. كانت هذه مواجهة وحشية غير قابلة للمقارنة مع المعركة الأنيقة بين أساتذة السيوف.

تجاوز الألم الناتج عن فقدان ساقه تأثيرات تقنية فيريس الخاصة، وأصبح الألم الحاد يغلي في دماغه، وتحول مجال رؤيته إلى اللون الأحمر.

 

 

 

سقط على الأرض. انزلقت كروش من بين ذراعيه. بات يتلوى على الأرض، والدم ينزف بغزارة. لم يكن بمقدوره حتى الضغط على الجرح.

مع فتح فكيه على مصراعيهما، بدت أنيابه الحادة تشبه إلى حد كبير وحشًا جائعًا متوحشًا. لكن مستوى الخطر الذي يمثله هذا الصبي كان بعيدًا عن أي حيوان عادي. لقد كان أحد مكونات الفوضى الكابوسية التي اجتاحت المدينة.

لقد فقد ساقه، ودمه يتدفق كما لو كان شلالًا.

بالطبع، التحدث بشكل سلبي عن شخص لا يستطيع سماع ذلك لم يكن أكثر من أنين كلب مهزوم من بعيد. قبض سوبارو يده في إحباط بسبب عجزه التام عن قول أي رد يصل إلى عدوه.

 

 

أدرك عقله شبه المحطم بشكل مبهم أن كل ذلك الأحمر يمثل ما تبقى من حياة ناتسكي سوبارو.

 

 

 

“هاه، رأسي يؤلمني. أوه يا إلهي، يبدو أنني فقدت نفسي في لحظة إثارة. كم هو محرج. بوها-ها!”

 

 

 

كان سوبارو مستلقيًا على ظهره، بياض عينيه ظاهرًا، وهو يرتعش بضعف.

 

تمكن من وضع كفه على الجرح، لكنه لم يكن كافيًا لوقف النزيف.

“…”

ومع ذلك، بات تدفق الدم يتناقص تدريجيًا. كان ذلك لأن كل الدم في جسده ظل يستنزف بسرعة.

 

 

“— ها-ها-ها-ها! أتيتم، أتيتم، لقد أتيتم فعلاً، أليس كذلك؟!”

“أوه لا — يبدو أنك تحتضر بطريقة ما. رؤية كيس لحم في مثل هذه المعاناة تجعل ألم القلب سهل الفهم جدًا. إنه مشهد شديد المرارة بالنسبة لي، حقًا.”

 

 

 

“آه، آه، آه —”

 

 

 

“ربما ستموت أنثى اللحم أيضًا، أليس كذلك؟ كم هو مؤسف. لديها جسد يناسب ذوقي ، لذلك كنت لأرغب حقًا في تجربة المزيد من الأمور. — آه، هذا صحيح —”

أكمل ,يلهيلم العبارة بإصرار.

 

 

لم يستطع رؤية شيء. لم يستطع فهم شيء. شيءٌ ما… كان يتنفس بالقرب منه…

 

 

 

اقتربت كابيلا، الوحش المبتسم، وجلست على ركبة واحدة بجانب سوبارو، ووضعت يدها برفق على الجرح الذي في ساقه.

 

 

في تلك اللحظة، أكّد تقرير أفضل مستكشفيهم أنهم يقتربون من المبنى المرتفع الذي يظهر على الجانب الآخر من الشارع — قاعة المدينة. هنا توقف سوبارو والبقية للحظة لإجراء استعداداتهم الأخيرة.

“حسنًا، أعتقد أن الوقت قد حان لأرى أي نوع من الكتل القبيحة يمكنني تحويلك إليه، أليس كذلك؟”

كان اهتمام سوبارو بالآخرين واحدًا من فضائله التي قد تبدو جبانة أحيانًا، لكن الشاب الواقف أمامها لم يمتلك أيًا من ذلك. بدا واضحًا أنه لم يكترث على الإطلاق بالمجاملة أو مراعاة مشاعر الآخرين في كلماته وأفعاله.

 

 

رفعت كابيلا معصمها في الهواء، ثم استخدمت يدها الأخرى لتشقّها عند المعصم، ما تسبب في تدفق الدم بغزارة.

“حسنًا، هذا كل شيء مني! …وقلت هذا بالفعل، لكن ها هي تذكرة ودية أن معسكرنا في أبراج التحكم، لذا لا تحاولوا أي شيء مضحك. رؤية وجه إنسان يغرق بشعة للغاية، لدرجة أنني بالكاد أتحمل رؤيتها مرة أخرى! بوا-ها-ها-ها!”

انسكب السائل الأسود القاتم بقوة لا تُصدق، متجهًا نحو الجرح في ساق سوبارو اليمنى. امتزج الدم بالدم. اختلط دم سوبارو الأحمر ودم كابيلا الأسود ، يندمجان معًا، مسببين رائحة عفنة ترتفع في الأجواء.

 

 

تم تخصيص الأذرع الأربع للدفاع بالسيفين العظيمين، بينما بدأت الأذرع الإضافية وسيفان آخران بالهجوم. مع تغير الأدوار بالكامل، اضطر ريكاردو للتراجع خطوة إلى الوراء بينما انقلبت الموازين ضده.

وبعد لحظة —

 

 

كان هذا شعورًا تعيشه يوميًا في الماضي، وأثاؤ ذكريات غائمة تضرب وتر الحنين في قلبها.

“؟! أواه، آآآواااه؟!”

فجأة، سمع سوبارو صوتًا ينادي باسمه قادمًا من الطاولة المستديرة. عندما نظر إلى هناك، رأى أن مرآة التواصل، التي تم التخلي عنها على عجل، لم تفقد توهجها وظلت تعرض وجه فارس مكتئب على سطحها.

 

حك أل مؤخرة رقبته وهو ينهض. ثم، بينما يضغط راحة يده على غمد السيف الكبير المثبت على وركه، أدار رأسه ونظر ببعض الانزعاج.

“بوه-ها-ها!! هل يؤلمك؟ هيه، أخبرني، هل يؤلمك؟ دمي أرفع شأنًا بكثير من أمثالك. فبعد كل شيء، إنه ممزوج بدم تنين. سيكون الأمر مذهلاً حقًا إذا خسرت أمام اللعنة الموجودة في الدم. بينك وبين أنثى اللحم هناك، أتساءل من الذي سيتمكن من الصمود أكثر؟”

“من المؤسف أن حدثًا مهمًا كهذا يحدث في ممر كئيب كهذا. ومع ذلك، بالتأكيد ستتذكرينه كذكرى خاصة تجمعنا. الناس مليؤون بالكثير من لحظات السعادة اليومية البسيطة. أعتقد أن ذلك سيكون صحيحًا بشكل خاص في وقتي معك. أليس كذلك، إيميليا؟”

 

 

أصدرت كابيلا صوتًا مليئًا بالمتعة في حلقها، ولكن لم يمكن لسوبارو الرد.

 

في حالة قريبة من الموت، عند نقطة لم يعد فيها حتى الألم سوى مفهوم غامض، تلقى صدمة مفاجئة.

كان هذا ما يطن في أذني سوبارو.

كان الدم الأسود الذي صُبّ عليه يتلوى فوق جرح سوبارو، يتغلغل ببطء شديد إلى داخل جسده.

 

 

“…”

بات يتم “إعادة كتابته” بشيء ليس هو. بدا هذا مختلفًا عن الألم أو العذاب. كان خوفًا ينبع من بُعد آخر تمامًا — نعم، الخوف هو الكلمة الوحيدة المناسبة. كان مخيفًا. مخيفًا. مرعبًا.

“أيها العجوز ويلهيلم، اعتنِ بالسيدة كروش. عليك أن تحافظ على سلامتها مهما كان الثمن.”

 

وبينما يراجع قائمتهم، لاحظ سوبارو وجود أل جالسًا على الدرج.

لم يكن يفهم. لم يُسمح له حتى بأن يموت.

بدأت الأوعية الدموية تتلوى، والأنسجة تتمدد، والعظام تُصدر صوت تكسر مسموعًا، والأنسجة الممزقة تُصلح نفسها، وجسد كابيلا المدمّر يُعيد ترميم نفسه بسرعة تتحدى أي معيار طبيعي.

كروش أو هو، كما قالت الوحش. إذاً، هل تتعرض لنفس العذاب الذي يتعرض له؟

ربما كانت كلمات كائن فضائي من الفضاء الخارجي.

كان سوبارو ضعيفًا للغاية، غير قادر على فعل… أي شيء.

“حقيقة أن أحدًا آخر لم يتحدث خلال بث الشهوة تبدو داعمة لهذه النظرية. إنهم جميعًا متحمسون جدًا للترويج لقضاياهم الخاصة بحيث لا يتركون شيئًا كهذا لأي شخص آخر.”

 

 

كروش، بياتريس، ريم، إيميليا، الجميع، الجميع، الجميع —

بعد تراجعها أمام الإعصار الناري، هاجمت المرأة مرة واحدة بسيفها الطويل — وكان ذلك كافياً فقط لقطع قلب الرياح، مما أربك التركيبة السحرية للإعصار وتسبب في انهياره واختفائه.

 

 

“إيه، إييي، آآآغ—”

 

 

لم يكن هناك شك أن هذه كانت أكثر النظريات تخمينًا والتي ناقشوها حتى الآن. ومع ذلك، بات سوبارو واثقًا من استنتاجاته. بعد أن واجه ثلاثة من رؤساء الخطايا السبع المميتة وجهًا لوجه، وبعد أن تعامل بشكل غير مباشر مع الرابع، آمن ناتسكي سوبارو تمامًا بطبيعتهم المشوهة.

“بوه-ها-ها-ها!! أوه يا لي، أوه يا لي، مرةً أخرى ترفض حبي. هذا يعني أنك ستُولد من جديد كقطعة لحم قبيحة بائسة، أليس كذلك؟ الآن، حان الوقت أخيرًا لي لأــ”

 

 

بالتصفيق برفق، استأنفت أناستاشيا دورها المعيّن كقائدة للاجتماع. ثم، وقد فردت يديها، وجهت نظرتها نحو سوبارو بعينيها الزرقاوين الفاتحتين المستديرتين.

بينما تنظر بحب إلى سوبارو وهو يغمى عليه من شدة الألم، نهضت كابيلا ببطء.

 

عادت إلى شكل الفتاة ذات الشعر الأشقر والعينين الحمراوين مرة أخرى — حينها فجأة نظرت كابيلا خلفها.

 

 

 

هناك، حيث كان الزجاج والجدار مكسورين، هبت نسمة هواء نقية عبر المكان —

 

 

عندما رأت كابيلا أن قلوب سوبارو ورفاقه لم تنكسر، صاحت “ماذا؟”، كما لو كانت مذهولة تمامًا.

“هاه، يبدو أنك خصم عنيد، أليس كذلك؟”

“كل ثانية لها قيمتها! اضغطوا على الجرح لوقف النزيف… آااه! هذه الطريقة قديمة جدًا…!”

“ـــــــ!!”

“للأساسيات، ألم تكن أنت من قال أنك لا تحتاج إلى القلق بشأن بريسيلا؟”

 

 

صعد التنين الأسود من الأرض، حيث سقط، وأطلق زئيرًا عند رؤية عدوه اللدود، ثم أطلق سيلًا من اللهب الأسود باتجاه كابيلا من فمه المفتوح على مصراعيه.

كانت كتل لحم وردية اللون. وبالنسبة للوصف، شعر سوبارو أن هذا كان الأكثر ملاءمة.

 

 

— وفي اللحظة التالية، اجتاح الطابق العلوي من دار البلدية نيران سوداء قاتمة.

 

 

 

**

كان هذا رد سوبارو، سواء على كلمات أل أو على رفاقه الذين سيتجهون نحو مكان الموت. إذا كانت خياراته قد تقلصت بسبب إصابة ساقه، فسيضطر ببساطة إلى تجاوز ذلك بقوة الإرادة وحدها.

شعرت إيميليا بأن أحدهم ينادي اسمها، وبدأ وعيها يعود ببطء إلى الواقع.

“…”

عندما خرجت ببطء من سباتها، كان أول ما لاحظته شيئًا ناعمًا يحيط بها. كان إحساسًا مريحًا، كما لو أنها محاطة بفراء حيوان دافئ وناعم.

عندها فقط، وصلت صرخة صوت إلى السطح، تنادي بلقب غير مناسب تمامًا.

 

 

كان هذا شعورًا تعيشه يوميًا في الماضي، وأثاؤ ذكريات غائمة تضرب وتر الحنين في قلبها.

 

 

 

“— آه.”

 

 

“أيها العجوز ويلهيلم، اعتنِ بالسيدة كروش. عليك أن تحافظ على سلامتها مهما كان الثمن.”

جعل الحنين جفونها ثقيلة ومبللة.

كل ما فعله هو تقريب وجهيهما حتى أصبحت جباههما تكاد تلامس بعضها، محدقًا في عينيها البنفسجيتين.

ماسحةً تلك الدموع بظهر يدها، قررت قطع تعلقها بذلك الدفء، واختارت أن تستيقظ بدلًا من ذلك. ببطء، فتحت عينيها الطويلتين المحاطتين برموش كثيفة، ونظرت إلى العالم من حولها بعيونها البنفسجية الكبيرة المستديرة.

 

 

 

رأت سقفًا عاليًا وغرفة تحتوي على أثاث غير مألوف. لم يكن مكانًا سبق أن زارته من قبل. كانت فوق سرير، ملفوفة ببطانيات تبدو فاخرة.

“…”

 

 

“أين… أنا…؟”

 

 

بالإضافة إلى صوت الشهوة الحاد والمزعج، كان هناك صوت آخر…

وهي تهز رأسها الذي لا يزال ضبابيًا بعض الشيء، جلست إيميليا ببطء.

 

شعرت ببعض الخمول، لكنها لم تشعر بأي ألم أو ضيق في جسدها.

 

كان الشعور المألوف بالخمول ناتجًا عن الإفراط في استخدام السحر وإرهاق بوابتها، وهو ما لم تكن معتادة عليه بعد.

“…”

 

“ها-ها! أعتقد أن الكلاب المهزومة التي تنبح من بعيد هي المزعجة. أوه، هذا صحيح، أنت لست كلبًا مهزومًا — أنت قط مهزوم، أليس كذلك؟ مواء، مواء، مواء، وجهك أصبح أحمراً كالشمندر عندما بكيت على موت تلك القطة الصغيرة، أليس كذلك؟ قطة صغيرة مسكينة!”

وحين تذكرت هذا الحد، استعادت إيميليا تمامًا ما حدث.

“…”

 

كان غارفيل قد صرخ للتو ليحثهم على عدم التوقف. ومع ذلك، بمجرد أن وقع بصره على هذا المشهد، لم يستطع سوبارو إلا أن يتباطأ، مقللًا من سرعة ركضه.

“هذا… صحيح. كنت في الساحة، أقاتل تلك المرأة الملفوفة بالضمادات…”

 

 

 

إذا أغمضت عينيها، كان بإمكانها تقريبًا رؤية تلك المجنونة، المرأة التي كان جسدها بأكمله مغلفًا بالضمادات، والتي أعلنت نفسها كأسقف الغضب. ارتجفت إيميليا وهي تتذكر الكراهية والقدرات القتالية المرعبة التي وجهت نحوها.

“نحن سعداء للغاية. نحن مسرورون جدًا. نحن ممتنون جدًا. نحن مبهجون جدًا. الأفكار السعيدة تجعلنا نشعر بالسعادة! اشرب! التهم!! كلما انتظرنا أكثر، زاد فراغ بطوننا! وكلما ازداد شوقنا لأول قضمة!”

 

 

كانت إيميليا تملك الأفضلية لفترة من الوقت أثناء القتال، لكن الأوضاع انقلبت في النهاية، وهاجمتها ألسنة اللهب العاتية —

أسوأ كابوس، الأكثر فظاعة، كان —

 

 

“لقد… فقدت وعيي بعد ذلك. لكني ما زلت على قيد الحياة وبصحة جيدة.”

ظهر ناب يشبه الأسنان من فم كابيلا إيميرادا لوغونيكا بينما استمرت في الضحك.

 

“هاه؟ ألا تبدو سعيدًا برؤية قدمي العاريتين لدرجة أنك تتصبب عرقًا؟ أم أنك مهووس بقطعة اللحم التي تستمتع الآن بأطراف قدمي؟ أنا أملك جسدًا مثيرًا جدًا، في النهاية. لا يمكنك الاكتفاء مني، أليس كذلك؟ بوا-ها-ها-ها!”

لم يكن هناك شك في أنها كانت في موقف خاسر في ذلك القتال وتعرضت لخطر الموت. البقاء على قيد الحياة رغم تلك الظروف الخطيرة يعني أن أحدهم قد أنقذها. وبالطبع، كان وجه سوبارو هو أول ما خطر ببالها.

اتسعت عينا إيميليا بدهشة من قوة الشاب وطريقة حديثه السريعة.

المرشح الأول والأكثر احتمالًا كان بالتأكيد سوبارو. إذا كان هناك شخص سيأتي لإنقاذها، فقد أملت من أعماق قلبها أن يكون هو.

ومع صرخة يأس، بحث سوبارو عن أي بصيص أمل للنصر وسط عاصفة الدمار العارمة. حتى لو حاول الهروب، كانت كابيلا تسد مدخل الغرفة. ظل شكلها يتغير باستمرار، يتضخم وينكمش ويتحول بين امرأة وفتاة وصبي وعجوز، لتخلق مظهرًا شاذًا وقبيحًا بالكاد يبدو حقيقيًا.

لكن إذا تبين أنها خسرت أمام سوبارو بعد كل ذلك التكبر، فسيكون ذلك محرجًا للغاية.

وسط القلق الذي تسبب فيه ظهور التنين، جاء إعلان ويلهيلم الواثق في قلب تشكيلتهم. كلماته، المليئة باليقين، جعلت سوبارو يلتفت لا شعوريًا نحو شيطان السيف.

 

ومع ذلك، عندما لاحظ جولي نظرته، لم يسمح له بإضاعة الوقت في القلق بشأنه حتى يتم إنهاء كل شيء.

“همم، ليس هذا الوقت المناسب لأكون محبطة. أنا متأخرة جدًا بالفعل؛ ليس لدي وقت للتوقف والتفكير. سأفكر أثناء المشي.”

“بالطريقة التي قلتها للتو، يبدو وكأنك لديك خبرة في قتال التنانين.”

 

“…”

لمست خديها الشاحبين بيديها، وحفزت نفسها على النهوض، ثم انزلقت من السرير.

 

بالنظر إلى السرير والبطانية، كان من المؤكد أن أحدهم ظل يعتني بها. ذكّرت نفسها بضرورة شكر هذا الشخص، ومعرفة ما حدث منذ أن فقدت وعيها، والتأكد مما جرى لسوبارو و —

 

 

بعد وقت قصير، عاد يوليوس والآخرون الذين خرجوا إلى الملجأ المخصص.

“أممم، لماذا أنا عارية؟”

“كيف حال ميمي؟ هل يمكنك إنقاذها؟ ستفعل، أليس كذلك؟”

 

 

في اللحظة التي كانت على وشك المغادرة بشجاعة، أدركت إيميليا أنها لم تكن ترتدي حتى قميصًا بسيطًا. بجسدها العاري تمامًا، أمالت رأسها وهي تلف البطانية حول نفسها كعباءة.
بحثت في الغرفة، لكنها لم تجد أي شيء يمكن ارتداؤه.

 

 

“…”

“همم، ماذا سأفعل؟ أعتقد أنه من غير اللائق للنساء التجول بهذا الشكل، لكن…”

بدت الضمادات التي تغطي الجرح الذي نُقِشَ عليه بسبب بركة حاصد الأرواح مبللة قليلاً ومُلطخة باللون الأحمر.

 

“أقدّر ذلك. أنا سعيد لأنك تفهم.”

كانت عبارة “الخجل المتحفظ” واحدة من التعاليم التي رسخها باك فيها أثناء فترة لعبه دور والدها. والآن، بعد رحيل باك، واصلت تعليمها تحت إشراف أنيروز، التي كانت تعمل كمعلمة بديلة.

كما قالت، كانوا في الوقت الحالي مجهزين بشكل جيد ومستعدين للقتال. كانت شركة “ميوز” تستضيف حاليًا غارفيل، وريكاردو، ويوليوس، وويلهيلم، وجميعهم محاربون متميزون.

وفقًا لتعاليم أنيروز، كانت إيميليا بوضوح طالبة فاشلة لتجولها في حالتها الحالية، شبه العارية.

بدا غارفيل ضعيفًا، وكأنه ينكمش على نفسه وهو يعاني من هذا التفكير. رهبة قوتهما وشعوره بالذنب لتعرض ميمي للأذى جعلا غارفيل يبدو صغيرًا للغاية.

 

كان هذا شعورًا تعيشه يوميًا في الماضي، وأثاؤ ذكريات غائمة تضرب وتر الحنين في قلبها.

“لكنني قلقة بشأن الآخرين الآن، وهذا وضع طارئ، لذا ربما ستستثني الأمر، أليس كذلك؟”

 

 

 

كان عليها التأكد بأسرع وقت ممكن مما إذا تم حل الوضع مع أسقف الخطايا السبع. مستشهدةً بتلك الظروف كسبب مقنع، غادرت إيميليا الغرفة مع بطانية واحدة فوقها.

تلونت السماء بألوان سريالية من الشفق الجميل — طقس تطهيري لطرد الشرور. التعويذة التي استُخدمت بشراسة في المعركة ضد بيتيلغيوس كشفت الآن أنيابها لكابيلا.

 

 

خرجت إلى الممر، وتأكدت من أن هذا بالتأكيد مبنى لم تره من قبل. لكن تصميم الغرفة التي استيقظت فيها كان يتعارض بشدة مع بقية المكان.

ودَّ سوبارو دعمه دون أي تأخير، لكن حركات ألفارد الشبه الحيوانية، التي ظلت تدفعه للقفز في كل أنحاء السقف، حالت دون أن يتمكن يوليوس من توجيه ضربة نظيفة. كان عليه أن يفعل شيئًا مع الشراهة — مع ألفارد هناك —

كان هناك جو بارد ومعقم يبدو أنه يسود في الممر وباقي المبنى. ربما الغرفة التي كانت فيها هي الاستثناء الوحيد.

“— غغغغ!”

 

 

بالتفكير في هذا، تقبلت بسرعة التباين بين أجواء الغرفة والمبنى. لم يكن هذا المبنى للعيش فيه، بل بدا وكأنه مكان مخصص للعمل.

“— لن نسلم تلك العظام، ولن نرضخ لمطالبهم السخيفة. لن يُغير ذلك شيئًا.”

وكان الدليل هو الصوت الخافت للماء الجاري، وصوت ميكانيكي لشيء يشبه التروس التي تدور —

حتى لحظات قليلة قبل الآن، كان كيريتاكا يبذل قصارى جهده لفهم الوضع مع كبح الفوضى في جميع أنحاء المدينة بصفته أحد أعضاء مجلس العشرة، لكنه قرر المشاركة في الاجتماع الطارئ بعد سماع البث الأخير.

 

عادت إلى شكل الفتاة ذات الشعر الأشقر والعينين الحمراوين مرة أخرى — حينها فجأة نظرت كابيلا خلفها.

“— آه، يبدو أنكِ قد استيقظتِ. أنا سعيدٌ للغاية. أشعر بارتياح حقيقي عندما أعلم أنك بأمان.”

“أوه لا — يبدو أنك تحتضر بطريقة ما. رؤية كيس لحم في مثل هذه المعاناة تجعل ألم القلب سهل الفهم جدًا. إنه مشهد شديد المرارة بالنسبة لي، حقًا.”

 

نظرًا لأن خمس مواقع قد تم الاستيلاء عليها، وإذا كان كل منها تحت سيطرة أحد قادة طائفة الساحرة، فإن ذلك يعني أن الغضب، والجشع، والشهوة، والشراهة، والفخر جميعهم متواجدون.

عندما ناداها صوت فجأة، شعرت إيميليا بوميض من المفاجأة وهي تدير رأسها.

— كان بحاجة لاستعادة كروش، والهرب من هذا المكان، والانضمام إلى أحد رفاقه.

وعندما فعلت، رأت شابًا وحيدًا كان قد صادفها سابقًا في شوارع المدينة، يقف الآن في الممر. وبينما يبتسم وهو يراقب إيميليا، لاحظت شعره الأبيض وملابسه التي تكاد تكون بيضاء بالكامل.

ظلت الأخت الكبرى تواصل نومها بينما امسك الأخوان الأصغر بيديها بلطف. ومع ذلك، ظلت أيديهما الحرة مضغوطة على صدريهما، تظهر عليهما علامات واضحة للألم.

ظل الشاب يبتسم ابتسامة ودية وهو يسير نحوها بخطوات هادئة.

 

 

 

“لكن لا أستطيع أن أشيد بك لمغادرتك بمجرد استيقاظك. لقد أرهقت جسدك بطرق عديدة. إذا حدث لك شيء، فقد يكون ذلك مشكلة لاحقًا، أليس كذلك؟ أود بصدق أن تهتمي بنفسك بشكل صحيح. أعني، جسدكِ لم يعد ملكًا لك وحدك.”

“وكأنني سأدعك تفعل ذلك!”

 

بينما شنجت التنين السوداء رأسها بعرضِ للخوف، قامت كروش بإنزال شفرتها عليها من الأمام.

“أمم… ومن تكون؟”

 

 

 

اتسعت عينا إيميليا بدهشة من قوة الشاب وطريقة حديثه السريعة.

 

كان من المؤكد أنهما غريبان عن بعضهما، ومع ذلك، فإن الطريقة التي اقترب بها منها لمسافة خطوة واحدة جعلتها تشعر أنه يتصرف بشكل يشبه تفاعلها مع سوبارو.

 

لكن الاختلاف الحاسم بينه وبين سوبارو كان في الدفء، أو بالأحرى غيابه.

 

كان اهتمام سوبارو بالآخرين واحدًا من فضائله التي قد تبدو جبانة أحيانًا، لكن الشاب الواقف أمامها لم يمتلك أيًا من ذلك. بدا واضحًا أنه لم يكترث على الإطلاق بالمجاملة أو مراعاة مشاعر الآخرين في كلماته وأفعاله.

 

 

عندما عرض سوبارو خطته بتفصيل، أومأ يوليوس برضا ظاهر.

ظل هذا الانطباع الغريب عن الشاب يتسلل إلى إيميليا منذ تبادل الحديث الأول بينهما.

 

أومأ الشاب برأسه بسخاء ردًا على سؤالها، تاركًا أفكار إيميليا الداخلية جانبًا.

 

 

كانت هناك رائحة كثيفة للدماء المسفوكة، وحجارة الرصف مغطاة باللون الأحمر، مما جعل تعبير “بحر من الدماء” يبدو ملائمًا. ومع ذلك، لم تكن هناك أي جثة واحدة ملقاة في المكان. عوضًا عن ذلك، كانت هناك مخلوقات غريبة.

“آه، هذا صحيح. آسف، آسف. لقد أتيحت لي الفرصة لأرى وجهكِ أثناء نومك، لكن هذه هي المرة الأولى التي ترينني فيها، أليس كذلك؟ آه، بدقة أكبر، ليست المرة الأولى، ولكن لا فائدة من الحديث عن ذلك. حتى لو كنا نتشارك علاقة مباركة في المستقبل، لا يمكنني الإخلال بترتيب الأحداث. أعتذر بلا تردد. كما ترين، أنا شخص قادر على مثل هذا الشيء.”\

 

 

“حتى مع تدفق الدم المحدود في رأسك، ينبغي أن تفهم الآن من أين أتت تلك السحلية وتلك الذبابات، أليس كذلك؟”

“أمم… آه…”

 

 

 

الكلمات البارعة التي استخدمها الشاب دون توقف جعلت إيميليا تشعر بأن أي رد قد تحاول تقديمه سيبدو غير ملائم.

كان من المؤكد أنهما غريبان عن بعضهما، ومع ذلك، فإن الطريقة التي اقترب بها منها لمسافة خطوة واحدة جعلتها تشعر أنه يتصرف بشكل يشبه تفاعلها مع سوبارو.

كان ذلك جزئيًا بسبب قوة حضوره، ولكن أكثر من ذلك، ظل هناك شعور يتزايد داخل إيميليا بأن هناك خطبًا ما. ظل هذا الشعور يتوسل إليها من زاوية بعيدة في عقلها.

“إذا تركناها تذهب، لا يمكننا تخيل ما قد تفعله بالرهائن في النهاية. علينا الإسراع.”

— لم تستطع التخلص من الإحساس بأنها تعرف هذا الشاب من مكان ما.

جاء رد أل على كلمات يوليوس الأنيقة بنبرة باردة بطريقة ما. بدا أنه يشعر بالذنب لمعارضة قرار الجميع واختياره التصرف بمفرده. ثم نظر إلى سوبارو مرة أخرى.

 

“أستخدم اسمها؟ عما تتحدث…؟”

“من المؤسف أن حدثًا مهمًا كهذا يحدث في ممر كئيب كهذا. ومع ذلك، بالتأكيد ستتذكرينه كذكرى خاصة تجمعنا. الناس مليؤون بالكثير من لحظات السعادة اليومية البسيطة. أعتقد أن ذلك سيكون صحيحًا بشكل خاص في وقتي معك. أليس كذلك، إيميليا؟”

في الحقيقة، لم يعد هذا بثًا يهدف إلى تخويف المستمعين. لقد أصبح مجرد وسيلة للسخرية والازدراء، والبصق على الجهود الشجاعة للآخرين. كان طقسًا ساديًا.

 

 

“أنا… لا أذكر أنني أعطيتك اسمي… إذن، من أنت؟”

هذا الأسقف الشره من طائفة الساحرة كان المفتاح لإيقاظ ريم، التي لا تزال نائمة.

 

“…”

“آه، آسف. إنها عادة سيئة لدي أن أفقد التركيز عندما تتدفق مشاعري. حتى أنا أجد شخصيتي الحساسة المفرطة مزعجة عندما تصبح هكذا. هذه المرة، كنت أضيع في أحلام اليقظة بينما كنت أتحدث معك، ربما؟ آه، نعم، اسمي.”

 

 

 

بطريقة معقدة وغير مباشرة، وصلت كلمات الشاب أخيرًا إلى صلب الموضوع.

 

شعور عدم الارتياح الذي شعرت به إيميليا نحوه شخصيًا، والإحساس الغريب المتكرر بوجوده المألوف — كلاهما أشعل نارًا داخلها، مما جعلها غير قادرة على صرف نظرها عن تصرفاته.

“— هيا بنا!”

 

“أنتم فقط لا تريدون الاعتراف بشهواتكم الجسدية علنًا! لا تزينوها بكلمات مثل الحب. ما رأيك؟ ما رأيك في هذا؟! هذا هو مقدار جهدي لأُحب من قبلك! انظر إلى هذا! هل يمكنك التحدث بعد؟ هل لا يزال لديك شيء لتقوله؟ قل لي إنكارك الموعود والحتمي!”

أدركت إيميليا غريزيًا أن حياتها أو موتها كانا مرتبطين مباشرة بأبسط حركة من يديه.

 

فجأة، نشر الشاب ذراعيه على اتساعهما، وانحنى أمامها بانحناءة رسمية.

“هاه؟ لماذا؟ أنا كل ما يتعلق بجعل الناس يحبونني. لم أحلم حتى بفعل شيء همجي كهذا. حتى لو كنتً مجرد كيس لحم عديم الفائدة تمامًا، فأنت ذو قيمة طالما أن حبك مركز عليّ… رغبتي في التقدير أقوى بقليل فقط من معظم الناس. لهذا السبب أريد حتى شخصًا واحدًا إضافيًا ليقول لي كلمة محبة إضافية ويحبني لمدة ثانية إضافية. تفهم؟ هذا كل ما أطلبه.”

 

ثم انتهت لحظة الشهوة المقلقة من الهدوء بسهولة وسرعة لدرجة أن سوبارو أمكنه أن يقسم أن التغيير كان مسموعًا.

“اسمي هو ريغولوس كورنياس. أعمل في منظمة معينة. لكن هذا ليس مهمًا بالنسبة لكِ. بالنسبة لكِ، هناك شيء واحد فقط تحتاجين إلى معرفته عني. أنا زوجك العزيز، وأنت عروسي المحبوبة التاسعة والسبعون.”

انسكب السائل الأسود القاتم بقوة لا تُصدق، متجهًا نحو الجرح في ساق سوبارو اليمنى. امتزج الدم بالدم. اختلط دم سوبارو الأحمر ودم كابيلا الأسود ، يندمجان معًا، مسببين رائحة عفنة ترتفع في الأجواء.

 

 

“…ماذا؟”

بدت ارتجافاتها علامة خطيرة على حالتها الحالية. لم يكن هناك أي جروح ظاهرة على جسدها، ولم يعرف ما الذي حدث لها بالضبط. ولكن تلك الأعراض كانت خطيرة. إذا لم يخرجها من هنا فورًا، فسيفوت الأوان قريبًا.

 

كان هذا الجهاز هو الأغرب بين جميع الميتيا التي رآها سوبارو حتى الآن. الجهاز الذي رآه كان مصممًا لتوسيع وتعزيز صوت المستخدم، وزيادة مدى وصوله. يعتمد فقط على البلورات السحرية كمصدر للطاقة، وبدا هذا “الجهاز” وكأنه آلة أنابيب الأرغن.

الشاب الذي قدم نفسه باسم ريغولوس بدا مستمتعًا بينما يقول هذه الكلمات، لكن إيميليا لم تستوعب معناها.

 

كانت إيميليا في حالة حيرة، وعبست بحاجبيها الرقيقين. ومع ذلك، لم يلحظ ريغولوس حتى رفضها الضمني، حيث ظل يحدق بإعجاب نحو إيميليا وطبقة القماش الوحيدة التي تغطي جسدها.

 

 

ظهر الاثنان كندين متضادين، أحدهما يحمل سيفين عظيمين، والآخر يحمل سيفًا طويلًا غير مزخرف. مثلت الأزياء السوداء التي تغطيهما من الرأس إلى أخمص القدمين الذوق المروع لأتباع طائفة الساحرة.

“ذلك اللباس يؤذي العين. انتظري، سأطلب جلب ملابس جديدة لك. لا تقلقي. سيتم تغيير ملابسك من قِبل زوجاتي، اللواتي يشغلن نفس موقعك. هن معتادات على تجهيز العرائس بملابس الزفاف.”

 

 

باتخاذها شكل فتاة ذات شعر فضي جميلة، صرخت الوحش وهي ترتسم على وجهها تعابير لم تكن لتصدر عنها أبدًا.

“انتظر، ماذا تقصد بذلك؟ لا، الأهم، ماذا تعني بـ ‘عروسي’…؟”

 

 

“لم أشكرك بعد. يا أخي، لو لم تجلب ميمي هنا، ليس لدي شك في إنها كانت ستموت. أنا مدين لك، بشكل كبير. شكرًا جزيلًا.”

“هذا صحيح، لقد نسيت شيئًا مهمًا جدًا! أوه، ما الذي كنت أفكر فيه؟ لقد كان ذلك قريبًا للغاية.”

ظل الشاب يبتسم ابتسامة ودية وهو يسير نحوها بخطوات هادئة.

 

 

ريغولوس، الذي بدا كأنه يمتلك أذنين ولكنه لا يسمع، أمسك إيميليا من كتفيها. عبست إيميليا من شدة قبضته على أطراف أصابعه، لكن الشاب لم يكترث على الإطلاق لانزعاجها.

بينما يتحمل نظرات سوبارو القاسية، ابتسم الصبي ابتسامة قاسية تمثل قطاً يلعب بفأر. هذا السلوك أزعج سوبارو بشدة، لكنه تنفس بعمق محاولًا الحفاظ على هدوئه.

 

اصطدمت النيران الكثيفة، التي بدت أكثر سوادًا من الظلام نفسه، مع موجة العواء في الهواء. وفي لحظة، أُخمدت النيران بفعل موجة الصدمة دون أي مقاومة، تاركةً شراراتها تتناثر هنا وهناك في ساحة المعركة.

كل ما فعله هو تقريب وجهيهما حتى أصبحت جباههما تكاد تلامس بعضها، محدقًا في عينيها البنفسجيتين.

“…”

“لقد نسيت سؤالًا مهمًا للغاية. يأتي حفل الزفاف لاحقًا. إيميليا، هذا السؤال في غاية الأهمية، وأريدك أن تجيبيني عليه من أعماق قلبك. إنه مهم جدًا لمستقبلنا.”

الآن، وباستخدام الكائن الغريب أربعة أذرع لصد الهجمات، أظهر وجه ريكاردو تعبيرًا مشوهًا معبرًا عن غضبه.

“…”

“!”

الصمت الذي حافظت عليه إيميليا بسبب شدة غرابة الموقف جعلها تحبس أنفاسها.

“كان ذلك قبل أن أحصل على كل هذه المعلومات الجديدة واضطراري إلى إعادة تقييم كل شيء. بالإضافة، حتى لو كنت هناك، لن أكون ذا فائدة في قتال الزعماء في قاعة المدينة. إذا كنت سأعيق الفريق فقط، فمن الأفضل ألا أكون هناك. هل أنا مخطئ؟”

ابتسم ريغولوس، معتقدًا ربما أن صمت إيميليا يعني موافقتها الضمنية.

 

مبتسماً لها، سألها.

“حسنًا؟ ألا ينبغي أن نتوقف عن المراوغة ونسأل ما نحتاج إلى معرفته؟”

“إيميليا، هل أنتِ عذراء؟ هذا هو الشيء الوحيد المهم حقًا، كما ترين.”

ظهر ناب يشبه الأسنان من فم كابيلا إيميرادا لوغونيكا بينما استمرت في الضحك.

 

 

النهاية

 

 

 

 

“حـ – حسنًا، فهمت.”

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

بناءً على ما صرخ به غارفيل عندما أحضر ميمي، بدا من الواضح أنه شعر بالمسؤولية عن حالتها. كوصيها، كان لريكاردو الحق في لومه على ما حدث.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط