4 - النمر البديع..
بالعودة إلى اليوم السابق لاندفاع غارفيل نحو الملجأ —
في النهاية، شعر غارفيل بالذنب ولم يستطع أن يجد الكلمات المناسبة ليعبر عن شكره.
قفزت ميمي على غارفيل بينما يشرح المنطق وراء قراره. لكن ذيلها الطويل ارتفع على الفور، مشيرًا نحو المبنى الإداري.
بينما كان يمشي في أحد شوارع المدينة عند الغروب، توقف غارفيل فجأة عندما شعر بنظرات تراقبه.
على زاوية شارع على الجانب الآخر من الحشد، ظهرت أمامه ظلال سوداء لامرأة. انعكس شكلها بخفة على سطح الماء المتمايل.
كانت تلك شخصية مألوفة، لطالما لمحها عند أطراف رؤيته من حين لآخر — رغم أنه علم يقينًا أنها ليست حقيقية، بل شبح امرأة كانت موجودة ذات يوم.
“أنت… هل تعني أنك تعرف شيئًا عن زوجتي؟”
فلم يستطع شم رائحتها.
كان يستمع لنصف كلماتها فقط، لكن منظر الشمس الحمراء الغاربة المنعكسة على القناة لا يُنكر جماله.
مع حاسة الشم القوية التي يتمتع بها، كان من المستحيل ألا يلتقط رائحة شخص يقف على مرمى بصره — ناهيك عن رائحة الدم القوية التي تحيط بتلك المرأة، وهي رائحة لا تزال محفورة في ذاكرته ولم تتلاشَ مهما طال الزمن.
لهذا السبب، كان واثقًا تمامًا: هذه المرأة ليست سوى طيف.
“ناعم، أليس كذلك؟ سيدتنا تفعل هذا كثيرًا أيضًا. تقول إنه يمتلك خصائص علاجية!”
علاوة على ذلك، هو من أنهى حياتها بنفسه — إلزا غراهيلد — بيديه.
“أمي!” “أمي، هناك غريب مخيف!! ذلك النمر البديع أو أيًا كان اسمه كان يحتضن فريد، وأنا…!”
ربما كان ذلك بفضل الأطفال الذين أصبحوا الآن يوقرونه بلقب “النمر البديع”، والطاقة الغامضة التي غرستها ميمي فيه —
ومع ذلك، حتى بعد مرور كل هذا الوقت، ظل شبحها يحدق في غارفيل.
موشكاً على الغرق في مشاعر الحنين، ارتعشت أذناه عندما سمع ذلك الصوت الحاد ذي النبرة العالية.
بدت ابتسامتها مفعمة بسواد كالدماء القاتمة، حتى أنه كاد يشتم ألوانها الحادة. تلك الابتسامة ظلت تجعل صدره يعتصر ألمًا حتى يومنا هذا.
بعد أن أخذت المدينة بأكملها كرهينة، كشفت المتحدثة أخيرًا عن طلبها. كان العنصر الذي ذكرته، “عظام الساحرة”، كفيلًا بجعل غارفيل يقطب جبينه بقلق، بينما ازداد الاضطراب المحيط بهم سوءًا.
أول مرة لاحظ فيها هذا الطيف كانت بعد حوالي شهرين من مغادرته للملاذ.
بعد حادثة تورط فيها مع سوبارو وأوتو في إحدى المدن، بدأ يرى صورتها تظهر عند أطراف رؤيته بين الحين والآخر.
“الأطفال!”
بطريقة ما، أدرك السبب — هذا الطيف كان انعكاسًا لضعفه الداخلي.
لكن في الوقت نفسه، لم يستطع قلبه أن يتجاهل أشقاءه الصغار الذين اكتشفهم حديثًا، “غاليك”، ومشهد والدته أمام عينيه.
لم يكن غارفيل قادرًا على تجاوز تلك الحادثة بشكل كامل. رغم أنه يرى نفسه جبانًا، إلا أن سوبارو والبقية ظلوا يصرّون على أنه أدى أداءً رائعًا.
وعندما استرجع ذكرياته، أدرك أنهم دائمًا ما كانوا يتجاهلون عيوبه.
“غرااااااااه!!”
لكن غارفيل لم ينسَ يومًا كل ما فعله بالأشخاص الذين أصبحوا الآن رفاقه.
— لقد حان وقت الاختيار. قرار بات يضغط على غارفيل لتحديد أي طريق سيسلكه مصيره.
خطوة واحدة خاطئة كانت كفيلة بأن تجعل من السهل جدًا أن يستخدم مخالب الحماية التي يملكها الآن لتمزيق سوبارو وأوتو. حتى لو افتقر إلى الجرأة لفعل ذلك، فقد كان السقوط في اليأس أمرًا قريب المنال.
استمع غارفيل للقصة حتى النهاية، ثم رفع نظره بصمت إلى السماء الليلية الغائمة.
“من يرد بهذه السرعة على سؤال كهذا؟!”
لهذا السبب، لم يستطع مسامحة ضعفه أو جبنه.
وهكذا، تقبل غارفيل حقيقة أن رؤيته لإلزا — أول حياة أزهقها — كانت تمثل تجسيدًا لضعفه.
“!!”
ابتسامة الطيف الدموية ظلت تظهر ساخرة كلما ضعف قلبه —
كانت صاحبة الفرو البرتقالي والعينين المستديرتين تحمل براءة لا حد لها.
“هاي، غارف، هل تستمع؟ ميمي تتحدث الآن عن أشياء رائعة! أمور مذهلة!”
“هممم، لااا!”
ابتسامة مشرقة اخترقت مجال رؤيته، حاجبةً الابتسامة الدموية البعيدة. لو اقترب هذا الوجه المبتهج أكثر، لشعر بأنفاسها على وجهه. تراجع غارفيل قليلًا.
“…أوه، نعم، أستمع.”
كانت عظيمة لدرجة أن فكرة إعادة الموتى إلى الحياة بدت وكأنها في متناول اليد. شعر غارفيل وكأن روحه انفصلت عن جسده وهو يحدق في هذه القوة الإلهية في ذهول.
“رائع! على أي حال، هيتارو وتي بي مدللون جدًا. الأمر صعب جدًا عليّ كأخت كبيرة!”
رد غارفيل بدا فاتراً، لكن بالنظر إلى ضحكاتها المرحة، بدا أنها لم تلاحظ شيئًا.
“غارف؟”
كانت صاحبة الفرو البرتقالي والعينين المستديرتين تحمل براءة لا حد لها.
عندما حاول غارفيل الاعتذار بصوت متردد، نظرت إليه ميمي بقلق. لم تكن تلك نظرة لوم بسبب إصابتها في معصمها، بل نظرة خالصة من الاهتمام فقط.
لسبب ما، كانت ميمي، ظلت الفتاة القطة وعضوة معسكر منافس، تلاحق غارفيل في كل فرصة سانحة.
وكان غارفيل بالمثل مندهشًا. فكرة وجود أخت كبرى أخرى إلى جانب فريدريكا تهاجم أخاها الأصغر دون أي تحذير عند لقائهما مجددًا كانت جديدة عليه.
في الوقت الحالي، كان غارفيل وميمي يتجولان معًا في بريستيلا خلال المساء.
“— واه!”
فضل غارفيل أن يظل بمفرده، لكنه ارتكب خطأً عندما سمح لميمي برؤيته، وما إن فعلت ذلك حتى التصقت به. بدا واضحًا أنها لم تمتلك القدرة على التقاط الإشارات الاجتماعية الدقيقة.
استمرت ميمي في شد ذراعه، مُجبرةً غارفيل على مرافقتها أينما أرادت.
منذ وصولهم إلى بريستيلا — أو ربما منذ لقائهم الأول في قصر روزوال — أظهرت ميمي إعجابًا خاصًا بغارفيل. في البداية، ظن غارفيل أن الأمر ربما كان محاولة منها لتقييم قوة مقاتل من المعسكر المنافس. ولكن مع مرور الوقت، وطريقة حديثها وتصرفاتها، تبددت تلك الشكوك. وفي هذه المرحلة، اعتقد أنها ببساطة قد أعجبت به.
استمع غارفيل للقصة حتى النهاية، ثم رفع نظره بصمت إلى السماء الليلية الغائمة.
لم يفهم أبدًا السبب وراء ذلك، ولكنه كان يوافق عادة على معظم رغباتها بشكل تلقائي.
“غاه، آرغههه؟!”
تجعد أنف غارفيل من الإعجاب البريء الذي خرج من فم الصبي.
“غارف! وجهك غريب! هل حدث شيء مضحك؟”
لابد أنها شخص آخر. كان متأكدًا أنها ليست هي. ليارا تعاملت مع غارفيل كما لو كان مجرد صديق لأطفالها. علاوة على ذلك، لم تكن أمه ممثلة ماهرة لدرجة تمكنها من أداء هذا الدور ببراعة.
“هل يبدو لك هذا وجه شخص سعيد؟… لا أريد الحديث عن الأمر، وليس لدي أي التزام بذلك.”
كان هناك قارب يتحرك بمفرده في المجرى المائي الكبير الذي يمر عبر المدينة. يبدو أن الحبل الذي كان يربطه بالشاطئ المقابل قد انقطع. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في ذلك.
“لا يجب عليك استخدام كلمات صعبة مثل ‘التزام’ و’لياقة’ مثل جوشوا، حسنًا؟ ميمي تعتقد أنه من الأفضل استخدام كلمات بسيطة. بالإضافة إلى ذلك، الابتسام كالأحمق كما تفعل عادةً هو شيء رائع حقًا، غارف!”
“نمر!!”
“ماذا قلتِ لتوّك؟!”
ربما كانت تحاول مدحه بإخلاص، لكن كلماتها أزعجت غارفيل ودفعته لإظهار أنيابه.
“أختك؟ لماذا ستغضب؟”
صرخت الفتاة قائلة “واااه!” ثم ابتسمت وهي تندفع بالركض. وبعد أن قطعت مسافة قصيرة، توقفت ميمي وابتسمت وهي تنتظر أن يلحق بها — وفي الوقت نفسه، كان الشبح الذي كان موجودًا في السابق قد اختفى تمامًا.
ولهذا السبب تحديدًا —
كان غارفيل قد اندفع للخروج من نزل “رايمنت المائي” في ذلك المساء بسبب آثار اللقاء الذي جمعه مع راينهارد، قديس السيف.
يعُرف راينهارد الحالي بكونه الأقوى ليس فقط في مملكة لوغونيكا، بل في جميع الأمم الأربع الكبرى.
عندما حاول غارفيل الاعتذار بصوت متردد، نظرت إليه ميمي بقلق. لم تكن تلك نظرة لوم بسبب إصابتها في معصمها، بل نظرة خالصة من الاهتمام فقط.
لم يكن غارفيل قد سمع فقط الشائعات التقليدية عن هذا الرجل، بل سمع عنه أيضًا مباشرةً من سوبارو، الذي التقى بهذا الأسطورة الحيّة. لهذا السبب، ظل غارفيل يتوق بشدة لمقابلته يومًا ما.
“غارف! توقف!”
كان يعتقد اعتقادًا راسخًا أن هذه المواجهة ضرورية بالنسبة له ليصبح الأقوى.
“ميمي، يبدو الفراء حول أذنيكِ ناعمًا جدًا. أتساءل… هل يمكنني لمسه؟”
كان يائسًا لدرجة أنه بات على استعداد للتضحية بحياته من أجلها إن تطلب الأمر. ركز غارفيل كل طاقته على حاسة الشم لديه.
بالنسبة لغارفيل، حمل لقب “الأقوى” معنى خاصًا للغاية.
كان مقتنعًا بأن أي شخص وُلد رجلاً قد حلم يومًا بأن يصبح الأقوى. وكل من راودهم هذا الحلم نسوه في مرحلة ما من حياتهم، وأصبحوا يتوقون إلى ما تخلوا عنه. لكن غارفيل لم يرغب في نسيان هذا الحلم أبدًا.
بات هذا اللقب ضرورة مطلقة لغارفيل الجبان كي يتمكن من حماية ما هو أغلى عليه. مع هذا التفكير في ذهنه، ظل يلاحق هذا الحلم دون راحة.
لم يكن من الصواب أن تموت هذه الفتاة من أجله.
لهذا السبب، أصبح واقعاً أنه قد تراجع دون وعي في اللحظة التي واجه فيها “الأقوى” يدفعه حاليًا إلى اليأس.
“يا سيدي، ما اسمك؟ ماذا يجب أن نناديك؟”
على الرغم من أنه عاش خمسة عشر عامًا فقط، فإن غارفيل قد قضى معظم حياته في التدريب. بذل كل جهده في إتقان الفنون القتالية، لإثبات أنه يمكنه الوفاء بقسمه لحماية ما هو عزيز عليه بيديه العاريتين.
“النمر البديع، أليس كذلك؟”
لكن في اللحظة التي خسر فيها أمام القوة الحقيقية، شعر وكأنه خان هذا القسم.
قبل أن يجعل القديس بالسيف يسلّ سلاحه، قبل أن يضطر الرجل حتى إلى تفادي لكمته المدربة، كان غارفيل قد خسر بالفعل.
ما الخطأ الذي حدث؟ من هو المذنب؟ من يجب أن أسحقه، أو أمزقه، أو أطرحه أرضًا، حتى أتجاوز هذا الألم؟
بابتسامة بريئة تمامًا، قدمت ليارا لغارفيل أقسى الهدايا.
“غارفيل، سواء كنت قلقًا أم لا، فأنت قوي بحق.”
كانت هذه الكلمات التي استخدمها سوبارو لتعزية غارفيل بينما يتخبط في مستنقع الهزيمة. تلك الكلمات أكلت قلبه لدرجة أنه اعتبر حقيقة أنه لم ينفجر في البكاء في تلك اللحظة إنجازًا في حد ذاته.
كان قد اكتفى من “الصغار”، لكن مع ذلك أطلق على الفتاة هذا اللقب.
استفزته هذه المشاعر التي تتلاطم في صدره دون مخرج، فظهرت أمامه — المرأة التي قتلها. غير قادر على تجاهل وجودها، اندفع غارفيل إلى مدينة بوابة المياه عند الغسق بمفرده.
لكن بينما يجهز غارفيل نفسه، فتحت ميمي ذراعيها على مصراعيهما ووقفت أمامه وهي تصرخ.
“— نعم، شكرًا.”
على الأقل، هذا ما كان يخطط للقيام به.
لقد رُحِّب به في المنزل، لكنه الآن يهرب. لو كان هذا هو الحال، لما كان عليه قبول الدعوة في المقام الأول.
“غارف! غارف! انظر، انظر! يمكنك حقًا رؤية غروب الشمس على الماء — إنه أحمر جدًا! هذا مذهل! انظر! جميل جدًا!”
“فتى جييييد.”
كانت ميمي تركض متحمسة، تشد كم غارفيل، تسحب شعره، بل وتقفز على ظهره. رفيقته التي نصبت نفسها بنفسها بدت وكأنها لا تعرف معنى التأمل أو الرحمة.
بفضلها، لم يتمكن غارفيل حتى من إيجاد لحظة لينغمس في أفكاره وحزنه.
بسرعة، نزع ملابسها حول موضع النزيف وتفحص الجرح. لحسن الحظ، بدا أن الجرح لم يصب الأعضاء الحيوية. بالطبع، حياتها كانت في خطر إذا لم تُعالج فورًا، لكن مستخدمًا للسحر العلاجي كان موجودًا بجانبها.
“هيه، هدئي من روعك! ألا تفهمين أنني مكتئب؟!”
شعر بعاصفة من المشاعر تموج داخله، إلى جانب شعور عميق بالخسارة. طوال ذلك، ظلت ميمي تمسك بيده.
“هممم، لااا!”
قضت ليشا حياتها متنقلة بين المصائب المتتالية، إلى أن وصلت أخيرًا، مع ابنتها الصغيرة وبطنها المنتفخ، إلى رعاية روزوال في أرض الملجأ الهادئة.
“من يرد بهذه السرعة على سؤال كهذا؟!”
استمرت ميمي في شد ذراعه، مُجبرةً غارفيل على مرافقتها أينما أرادت.
شعر سوبارو أن هناك شيئًا خاطئًا، فسأل بحذر.
كان بإمكانه أن يدفعها بعيدًا ويهرب، لكنه يعلم أنها ستلاحقه عبر المدينة، وهو ما أراد تجنبه لتفادي أي متاعب قد تسبب مشاكل لسوبارو والآخرين.
“إذن أراهن أنك كنت تفكر: أنا لست متأكدًا من مكاني الآن، لكن ربما أنا في أحضان امرأة؟ هذا ما فكرت به، صحيح؟ نعم! الرجل يمكنه البكاء في أحضان المرأة التي يحبها!”
وبينما خطرت هذه الفكرة في ذهنه، كان غارفيل قد بدأ بالفعل بتهيئة ساقيه للقفز، و —
لقد حذرتاه رام وفريدريكا بشدة قبل أن تنطلق المجموعة إلى بريستيلا. طلبتا منه أن يحرص على أن غرابته لا تسبب الإزعاج لأحد سوى أوتو، الذي كان خبيرًا في التعامل مع فوضى الآخرين.
الجرح لم يُشفَ.
“مم؟ ماذا بك يا غارف؟ وجهك يبدو كئيبًا… هل تشعر بشيء مثل القمق…القلم… الغلق؟”
“— أمي؟”
“تحاولين قول ‘قلق’؟”
بدت ابتسامتها مفعمة بسواد كالدماء القاتمة، حتى أنه كاد يشتم ألوانها الحادة. تلك الابتسامة ظلت تجعل صدره يعتصر ألمًا حتى يومنا هذا.
“هذا صحيح، قلق! إذن ما الأمر؟ أخبرني، أخبرني!”
أحدث الجدار صوتًا يشبه تكسير الجليد بينما انزلقت الشفرة على سطح الحاجز وانغرست بلا أذى في الأرض.
في تلك اللحظة، أكدت ميمي طلبها بمد قبضتها للأمام بحماس. رؤية الفتاة متحمسة للحديث جعلت غارفيل يطقطق أنيابه، وكأن كل مشاعر المرارة قد تبخرت فجأة.
لقد جعل من نفسه أضحوكة، ببكائه طوال الليل، وقبل أن يدرك الأمر، استلقى ونام بين ذراعيها. كان يحتفظ بهدوئه بطريقة ما في تلك اللحظة، لكنه لم يكن قادرًا على مواكبة تصرفات ميمي العادية على الإطلاق ذلك اليوم.
نظر غارفيل إلى القناة المائية، وضيق عينيه بلون اليشم.
حتى مع اقتراب الموت من الأمام والخلف، لم يكن لدى غارفيل أي تحركات ليقوم بها.
“…أعتقد أن المنظر جميل، أليس كذلك؟”
في اليوم التالي، ومع تقدم وقت النار، كان غارفيل يتجول في المدينة برفقة ميمي، وعلامات الذنب بادية على وجهه.
“نعم، بالتأكيد! مذهل! رائع جدًا! أتمنى لو كانت الشابة تستطيع رؤيته أيضًا!”
حتى مع اقتراب الموت من الأمام والخلف، لم يكن لدى غارفيل أي تحركات ليقوم بها.
كان يستمع لنصف كلماتها فقط، لكن منظر الشمس الحمراء الغاربة المنعكسة على القناة لا يُنكر جماله.
“…أوه، نعم، أستمع.”
مع غروب الشمس الذي صبغ العالم باللون القرمزي، تركت أشعتها بقعًا زاهية من الأصفر والأبيض على سطح الماء، حافرةً هذا المشهد الرائع في قلوب كل من شاهدها.
“أنا من يريد أن يعرف عنها.”
الحقيقة أنها كانت تتمتع بقوة هائلة. لكن غارفيل لم يشعر أبدًا، ولا لحظة، بأنه سيخسر أمامها في مواجهة قوة.
“…”
“لا بد أن أقول، بالنسبة للأطفال الصغار، لقد ذهبتم بعيدًا عن منازلكم.”
ما زال غارفيل عاجزًا عن فهم سبب تردده للحظة، فوضع يده على رأس الصبي بينما يشرح.
أثناء انبهاره بالمشهد، أدرك غارفيل أن قلبه قد أصبح بشكل غريب هادئًا.
“ولأن ميمي هي ميمي البديعة!!”
من المفترض أن يكون وحيدًا، غارقًا في مشاعر العجز التي ظلت تلتهمه بسبب هزيمته المحبطة. لكن إشراق الفتاة بجانبه منعه من السقوط في حفرة من اليأس.
لكن اعتذار غاليك لم يكن شيئًا يريده غارفيل.
“هممم، هممم، هممم.”
وقفت ميمي بجانب غارفيل، وهي الفتاة المعنية، تغني بصوت خافت وفي حالة معنوية مرتفعة. كانت تشد سرواله بينما تهز رأسها ذهابًا وإيابًا، بوضوح مستمتعة بوقتها.
ومع ذلك، الجرح الذي كان يحتاج للالتئام لم يلتئم.
أمك… ليشا، أليس كذلك؟ لم تتح لي الكثير من الفرص للتحدث معها، كما تعلم. كانت امرأة غامضة جدًا. أو بالأحرى، هل أصفها بأنها غير مفهوووومة، ربما؟ هي امرأة بدت وكأنها تحافظ على السعادة قريبة جدًا منها. أعتقد أنها كانت تحفز نفسها بالعيش من أجل الغد منذ صغرها جدًا… آه، نعم. ربما كنت أشعر بالغيرة. ربما لهذا السبب—
فجأة، لاحظ غارفيل أن شعرها وذيلها كانا بلون غروب الشمس النابض. دون أن يدرك، مد يده ولمس رأسها، مما جعل ميمي تمد جسمها بسعادة واضحة.
في تلك اللحظة، استدارت الفتاة بسرعة، وأدارت كعبها على قدم غارفيل وهي تصرخ.
“ناعم، أليس كذلك؟ سيدتنا تفعل هذا كثيرًا أيضًا. تقول إنه يمتلك خصائص علاجية!”
“…ما هو الغريب؟”
“آه، القائد يتحدث عن الخصائص العلاجية والأشياء من هذا القبيل أيضًا. أعتقد أنني بدأت أفهم الآن ما يقصده.”
“النمر البديع!”
“هاي، غارف. هل الاستمتاع بملمس نعومة ميمي مفيد لك؟”
وبينما تراقب ليارا بذهول، استدار الاثنان لمواجهتها مجددًا.
“انتظري لحظة، جعلتِ الأمر يبدو غريبًا جدًا للتو!”
“لماذا تعتقدين…أنها…؟”
لم ترد ميمي سوى بـ “هاه؟” وأمالت رأسها ببراءة، مما جعل غارفيل ينفجر ضاحكًا.
أنا نمر، نمر!
التبادل بينه وبين ميمي جعل المشاعر السلبية التي كانت تعصف في صدره تتلاشى وتختفي. أمكنه أن يشعر أن روحه التنافسية، التي باتت مثبطة بفعل الإهانة والشعور بالهزيمة، قد انتعشت بعناد.
الشخص الوحيد الذي يعرفه غارفيل وله صلة بالساحرات هي الساحرة ذات الشخصية السيئة التي ترقد في ضريح الملاذ.
“…لا يصبح أحدٌ الأقوى بين يوم وليلة. أنا مازلت في منتصف طريق الصعود.”
بينما سيطرت النبرة الشريرة على المدينة مثيرةً الفوضى، وقف غارفيل وميمي بجانب بعضهما، متأهبين لما قد يُعلن لاحقًا.
“وووه، التل الذي عليك تسلقه لتصبح الأقوى يبدو طوييييلاً جدًا!”
“…ما هو الغريب؟”
“ههه، تفهمين بشكل مفاجئ، هاه؟ همم، بالضبط. هذا هو الطريق لأصبح الأقوى.”
أمسك بكم غارفيل محاولاً منعه من المغادرة.
عادت ميمي إلى ساحة المعركة، منقذةً غارفيل في الوقت المناسب.
عندما رفعت ميمي قبضتها بحماس، لمس غارفيل الندبة البيضاء على جبينه وأصدر صوتًا بفكيه.
ربما كان ذلك بفضل الأطفال الذين أصبحوا الآن يوقرونه بلقب “النمر البديع”، والطاقة الغامضة التي غرستها ميمي فيه —
كان يكره أن يعترف بذلك، لكن ميمي ساعدته على استعادة روحه القتالية. لو تُرك لوحده ليغرق في أفكاره، فمن يدري كم من الوقت سيحتاج للوصول إلى نفس النتيجة؟
“— آه! غارف، هناك!”
“تمت المهمة!”
“يا إلهي، هل هذا كل ما في الأمر؟ صحيح، منزلنا كبير بالفعل. تنظيفه يوميًا أمر مرهق للغاية ويستغرق وقتًا طويلاً… لكن الأمر غريب، حقًا.”
في حين شعوره بالامتنان بينما لا يستطيع التعبير عنه علنًا، جذبت ميمي كمه بشدة. بدت عيناها مثبتتين على المجرى المائي الكبير، الذي يتوهج بالأحمر اللامع. وعندما نظر غارفيل، رأى ما كانت تشير إليه.
“همم! نعم! دعنا نبذل قصارى جهدنا!”
“أوه، هذه فكرة رائعة! مثل قبضة السيدة المقدسة التي تشق الأرض!”
كان هناك قارب يتحرك بمفرده في المجرى المائي الكبير الذي يمر عبر المدينة. يبدو أن الحبل الذي كان يربطه بالشاطئ المقابل قد انقطع. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في ذلك.
“غارفيل؟!”
“الأطفال!”
ثم جاءت كلمات ليارا التالية، لتصيب روح غارفيل غير المحصنة بعمق.
— ليشا، أم غارفيل وفريدريكا، كانت امرأة غير محظوظة.
صاحت ميمي بقلق وهي تشير إلى القارب الذي يقف في مسار القارب الصغير الذي ينجرف. كان هناك خمسة أطفال يلعبون على القارب الراسي، غير مدركين للقارب الذي يقترب بسرعة.
عند سماع صوت ميمي، أدرك الناس القريبون من المجرى المائي بسرعة خطر الاصطدام. اندفع صاحب القارب القريب نحو الأطفال، لكنه لن يصل إليهم في الوقت المناسب. عندما لاحظ الأطفال الجلبة، شحبت وجوههم أخيرًا وهم يدركون الخطر.
بفضل ذلك، تذكر غارفيل وجه أمه وصوتها — وحبها. وهكذا علم غارفيل بموت أمه المؤسف الذي حدث بعد فترة وجيزة من انفصالها عن أطفالها.
في هذه المرحلة، لم يتبق سوى ثوانٍ قبل وقوع الكارثة —
عبس غارفيل مع ازدياد حدة الصوت السادي الذي كان يُبث في المدينة. في الوقت ذاته، بدأ الناس المحيطون يدركون ببطء خطورة الوضع، مما أدى إلى انتشار الفوضى والذعر.
“— هيه، أيها الصغار. الأفضل تشكروا الأخت الكبيرة هناك لأنها كانت أول من لاحظ.”
ابتسامة الطيف الدموية ظلت تظهر ساخرة كلما ضعف قلبه —
“غارف!”
“— نعم، شكرًا.”
عبر غارفيل المجرى المائي بقفزة واحدة، ليهبط على القارب الذي كان عليه الأطفال. اتسعت أعين الأطفال بدهشة من كيفية ظهوره على القارب في الماء دون أن يهتز تقريبًا.
مستغلًا دهشتهم، جمع غارفيل الأطفال الخمسة دفعة واحدة، وقفز مرة أخرى للهروب. وبعد لحظات فقط، اصطدم القاربان وغرقا في المجرى المائي.
ومع تقلص قوة الأمواج، أعاد غارفيل بعناية ربط الحبال التي تراخت، وابتسم للأطفال الذين أصبحوا الآن بأمان. بعد ذلك، ساعد في استعادة القاربين المنقلبين، واحنى صاحب القارب رأسه عدة مرات تعبيرًا عن امتنانه لقوة غارفيل وجهوده في تقليل الأضرار لأقصى حد ممكن.
أمك… ليشا، أليس كذلك؟ لم تتح لي الكثير من الفرص للتحدث معها، كما تعلم. كانت امرأة غامضة جدًا. أو بالأحرى، هل أصفها بأنها غير مفهوووومة، ربما؟ هي امرأة بدت وكأنها تحافظ على السعادة قريبة جدًا منها. أعتقد أنها كانت تحفز نفسها بالعيش من أجل الغد منذ صغرها جدًا… آه، نعم. ربما كنت أشعر بالغيرة. ربما لهذا السبب—
“وهكذا انتهى الأمر!!”
“بفضلي…؟”
تسببت الأمواج الناتجة عن انقلاب القاربين في ميلان قوارب أخرى مثل الدومينو. وبعد أن أنزل الأطفال على ضفة المجرى، أمسك غارفيل الحبل الذي يربط القوارب المتبقية بالمراسي، وسحبها بقوة لتثبيتها مرة أخرى.
— لقد حان وقت الاختيار. قرار بات يضغط على غارفيل لتحديد أي طريق سيسلكه مصيره.
بحسب ما قاله الأخوان، كانت هذه أمهم، لكن غارفيل بات يأمل بشدة ألا تأخذ الأم بكلامهم وتظن أنه شخص مشبوه. قد تصبح الأمور معقدة للغاية إذا صدقت ادعاء ابنتها.
“تمت المهمة!”
أحدث الجدار صوتًا يشبه تكسير الجليد بينما انزلقت الشفرة على سطح الحاجز وانغرست بلا أذى في الأرض.
ومع تقلص قوة الأمواج، أعاد غارفيل بعناية ربط الحبال التي تراخت، وابتسم للأطفال الذين أصبحوا الآن بأمان. بعد ذلك، ساعد في استعادة القاربين المنقلبين، واحنى صاحب القارب رأسه عدة مرات تعبيرًا عن امتنانه لقوة غارفيل وجهوده في تقليل الأضرار لأقصى حد ممكن.
أمسك بكم غارفيل محاولاً منعه من المغادرة.
وبينما يربت على كتف صاحب القارب المسكين، توقف غارفيل ليلتقط أنفاسه. في تلك اللحظة —
“سيدي، شكرًا جزيلًا!”
“ما الذي…؟”
— تحدث الأطفال الذين أنقذهم بصوت واحد. وعندما نظر غارفيل إليهم، وجد أن نظراتهم لم تعد تحمل الدهشة فقط — بل الإعجاب.
“— أمي؟”
مستمتعاً بتلك اللحظة مع الأطفال، بدأت التصفيقات تتصاعد من كل مكان من حوله.
“هل فهمتم؟ هل وصل الأمر إلى جماجمكم السميكة؟ أنتم بائسون للغاية، كل واحد منكم يركض في حالة من الذعر بينما تدركون أخيرًا ما كنت أقول لكم طوال الوقت! إنه أمر مثير للشفقة للغاية! على أي حال، لدي خبر سعيد لكم، أيها الأوغاد البائسون الذين لا يمكن إصلاحهم!”
متقبلاً الإشادة بملامح محرجة، مسح غارفيل ندبته بخفة على جبينه.
“فتى جييييد.”
على الأقل، هذا ما كان يخطط للقيام به.
“ليس هناك داعٍ للشكر. كانت مجرد صدفة إني كنت… الرياح الرطبة المسائية قالت لي، هذا كل شيء. لو بكى أحد في مدينة البوابات المائية هذه، لفاضت هذه الممرات!”
عائدةً بعد قفزة قصيرة، انطلقت ميمي نحو غارفيل وضغطت بإصبعها على جبهته. لم يكن ذلك مؤلمًا، لكنه شعر بأنه لا ينبغي تجاهله.
تراجعت أصوات التصفيق فجأة عندما رد غارفيل بفخر.
لسبب ما، أصبحت أصوات الإعجاب بعيدة، وأصبح التصفيق خفيفًا ومحرجًا. لكن على عكس الآخرين من حولهم، بقيت ردود فعل الأطفال كما هي، مليئة بالحماس.
“أنتِ لي —!”
“و-واو، كان ذلك جنونيًا!”
كانت تلك شخصية مألوفة، لطالما لمحها عند أطراف رؤيته من حين لآخر — رغم أنه علم يقينًا أنها ليست حقيقية، بل شبح امرأة كانت موجودة ذات يوم.
“رائع!”
“لا تراجع! لا استسلام!”
فورًا، اشتعل رأسه، متخليًا عن تلك الأفكار المظلمة. وصاح.
“أوه، هذه فكرة رائعة! مثل قبضة السيدة المقدسة التي تشق الأرض!”
“يا سيدي، ما اسمك؟ ماذا يجب أن نناديك؟”
“نعم! لم أنم حتى النهاية! هذا إنجاز ضخم! ميمي مذهلة، أليس كذلك؟ امدحوني!”
عندما انتفخ صدر غارفيل، طرح أحد الأطفال هذا السؤال. على الفور، كشف غارفيل عن أنيابه الحادة، مبتسمًا ابتسامة شرسة.
لم ترد ميمي سوى بـ “هاه؟” وأمالت رأسها ببراءة، مما جعل غارفيل ينفجر ضاحكًا.
كان الطفل يتحدث عن ليليانا، المغنية الشهيرة في بريستلا. على الرغم من أنه كان لقاءً قصيرًا، إلا أن غارفيل قد قابل الفتاة في شركة الميوزيك. وبصراحة، بدت كشخصية عنيدة للغاية، وشعر أنها تحمل عيوبًا قاتلة لا تتماشى مع الشائعات حول أنها مغنية ذات موهبة استثنائية.
“أنا لست شخصًا مهمًا بما فيه الكفاية لأعطي اسمي. إذا كنت مضطراً لتناديني بشيء، فـ… أنا نمر. نعم، نمر ذهبي. لذا الناس ينادونني — النمر البديع!”
“رائع!”
“نمر!!”
“…”
عندما اتخذ غارفيل وضعية، ممدًا ذراعيه إلى السماء، أصبح الأطفال أكثر حماسة، وقلدوه جميعًا.
“غارفي، هذا مذهل! سوبر رائع!!”
“غارف، هل أنت بخير مع ذلك؟”
في تلك اللحظة، وصلت ميمي، التي كانت تجري حول مجرى المياه، إلى غارفيل والأطفال أخيرًا. بدت عيناها تلمعان مثل باقي المجموعة عندما انضمت إليهم، مُقلدة نفس الوضعية الغامضة.
أخذت ميمي الحلوى بيدها الشاحبة بعض الشيء، وابتسمت وهي تؤدي تحية مرحة. ثم وضعت الحقيبة داخل حقيبتها التي تحملها على كتفها، واستخدمت ذيلها الطويل لتضرب غارفيل على ظهره.
“رائع!”
“رائع!”
“النمر البديع!!”
وبينما انتهت التصفيقات والتشجيعات منذ فترة، ظل مالك القارب هو الشخص الوحيد المتبقي في مجرى المياه، وقد كان خده يرتجف وهو يراقب في صمت.
**
مستمتعاً بتلك اللحظة مع الأطفال، بدأت التصفيقات تتصاعد من كل مكان من حوله.
بعد أن أحب الأطفال بسرعة، قرر غارفيل شراء الطعام لهم من كشك قريب. ثم وقف شامخًا منتصرًا وهو يتجول في المدينة.
“إضافة لذلك، حتى لو تراجعنا، لن يتركونا نرحل من هنا بسلام. يجب أن يواجههم أحد.”
“ثم قلت هذا: ‘لقد اكتشفت أفعالكم الشريرة، أيها الأوغاد. شروركم ووجوهكم الشريرة لن تمر على الزعيم وأخي!’ ”
“واو! هذا رائع!”
“هممم، هذا معقد جدًا! ميمي لا تعرف حتى إذا كان لديها أم!”
“واو! شعرت بالقشعريرة!”
يعُرف راينهارد الحالي بكونه الأقوى ليس فقط في مملكة لوغونيكا، بل في جميع الأمم الأربع الكبرى.
مع اقتراب الليل بسرعة، بدأ سماء بريستلا يتلون بالألوان، بينما كانت ميمي وطفل أشقر يشجعان غارفيل وهو يروي قصته. كان هذا الطفل في السادسة أو السابعة من عمره، وكان أحد الأطفال الذين أنقذهم غارفيل في مجرى المياه.
القصة التي يرويها غارفيل في ذلك الوقت كانت حادثة تمثال الإلهة الملعونة، والتي تركت أكبر انطباع عليه من بين كل ما حدث في العام الماضي.
موشكاً على الغرق في مشاعر الحنين، ارتعشت أذناه عندما سمع ذلك الصوت الحاد ذي النبرة العالية.
على أي حال، كان الثلاثي سوبارو، وأوتو، وغارفيل قد تورطوا بسرعة، وكالعادة، قابلوا مالك الميتيا. ومن غير المفاجئ أن العديد من المشاكل حدثت بعد ذلك.
ضحك غارفيل وهو يظهر أنيابه بفرح لوجود جمهور سعيد للاستماع إلى قصصه. كان الجميع في طريقهم إلى منزل الطفل الأشقر؛ فقد كانوا يرافقونه إلى منزله.
ابتسمت ليارا بخفة وكأنها تقول “كم هذا غريب”، بينما وضعت يدها على خدها.
بعد أن أخذ الأطفال إلى كشك الطعام، أصبح لدى غارفيل مسؤولية كأكبر شخص بين الحاضرين لإعادتهم إلى منازلهم بأمان. لقد سلم الأربعة الآخرين بأمان. هذا الطفل كان الأخير.
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
“لا بد أن أقول، بالنسبة للأطفال الصغار، لقد ذهبتم بعيدًا عن منازلكم.”
كان ذلك أداءً يائسًا. كانت تحاول ألا تحمل غارفيل وميمي أعباء ليست من واجبهما.
“أمم… في الواقع، ذهبنا إلى الحديقة في المنطقة الأولى للاستماع إلى المغنية…”
“أوه، هذه فكرة رائعة! مثل قبضة السيدة المقدسة التي تشق الأرض!”
“المغنية، أليس كذلك؟ وفقًا للزعيم، هي تمتلك صوتًا رائعًا جدًا…”
تجعد أنف غارفيل من الإعجاب البريء الذي خرج من فم الصبي.
كان الطفل يتحدث عن ليليانا، المغنية الشهيرة في بريستلا. على الرغم من أنه كان لقاءً قصيرًا، إلا أن غارفيل قد قابل الفتاة في شركة الميوزيك. وبصراحة، بدت كشخصية عنيدة للغاية، وشعر أنها تحمل عيوبًا قاتلة لا تتماشى مع الشائعات حول أنها مغنية ذات موهبة استثنائية.
“غارفي، لم تسمع المغنية تغني؟ يا للأسف! هي حقًا رائعة!”
كانت ميمي تركض متحمسة، تشد كم غارفيل، تسحب شعره، بل وتقفز على ظهره. رفيقته التي نصبت نفسها بنفسها بدت وكأنها لا تعرف معنى التأمل أو الرحمة.
“ماذا، هل استمعت لها بالفعل؟”
ازدياد شراسته المفاجئ قلّل قليلًا من حدة الهجمات القادمة. بدا هيكل وجه غارفيل وكأنه يتغير بشكل مسموع، فيما بدأت ذراعاه العضليتان تنتفخان أكثر، وفراء ذهبي يغطي جلده المكشوف.
“نعم! لم أنم حتى النهاية! هذا إنجاز ضخم! ميمي مذهلة، أليس كذلك؟ امدحوني!”
وفي اللحظة التي أراد فيها غارفيل أن يتخلى عن كل شيء، أدرك شيئًا.
عندما قدمت ميمي رأسها، ربّت غارفيل عليها باستخفاف.
بالنسبة لأمه، سلامة أو خطر الرجل الذي أنقذها كان —
لكن ميمي قالت، “ييييي!” على أي حال، وركضت للأمام بسعادة كبيرة بينما التفت غارفيل نحو الصبي.
ازدياد شراسته المفاجئ قلّل قليلًا من حدة الهجمات القادمة. بدا هيكل وجه غارفيل وكأنه يتغير بشكل مسموع، فيما بدأت ذراعاه العضليتان تنتفخان أكثر، وفراء ذهبي يغطي جلده المكشوف.
“هل تمكنت من لقاء هذه المغنية التي تعجبك؟”
“لا، يبدو أننا تأخرنا قليلًا… أتساءل إذا كانت أختي ستغضب.”
فتح فمه مرة، ثم أغلقه. تنفس داخلًا وخارجًا، مرارًا وتكرارًا.
“أختك؟ لماذا ستغضب؟”
“…لأني… غادرت دون أن أخبر أحدًا.”
“آه —”
من وجه الصبي الكئيب، بدا أن الخطة كانت أن يُبقي وعده مع أصدقائه سريًا عن عائلته. لكن بما أنه سيعود إلى المنزل في وقت متأخر أكثر مما كان متوقعًا، لم يستطع إلا أن يشعر بالخوف من رد فعل عائلته، خاصة هذه الأخت الكبرى له.
اقتربت ميمي قليلًا، تمشي بجانبه، ولكن خارج نطاق ذراعه. شعر غارفيل أن وجه ميمي كان محمرًا قليلًا، لكنها ابتسمت ابتسامة مشرقة من ذلك الموقع.
فهم غارفيل هذا الشعور بشكل مؤلم. الأخوات الكبريات هنَّ كائنات قوية. قد يذهب الأمر إلى حد القول أنهن جدران هائلة لا يمكن للإخوة الصغار تجاوزها. كان هذا هو الحال بالنسبة له عندما أعاد التواصل بأخته بعد أن قضى عشر سنوات في تقوية جسده. بمجرد النظر إلى الصبي الصغير الذي كانوا يرافقونه إلى المنزل، بدا من الواضح أن حتى المنافسات الجسدية كان محكومًا عليها بالفشل. كان هناك فارق محبط في القوة بين الأخوات الكبار وأشقائهم الصغار.
“فهمت. اترك الأمر لي.”
“سعيدٌ أن الجميع سالمون. الآن تحركوا نحو الملجأ. علينا أن…”
على الرغم من قلقه، أغمض الصبي عينيه بقوة عندما ربت غارفيل على صدره لتهدئته.
“…سأجد أطفالكِ وزوجكِ.”
“أعرف كم أن الأخوات الكبار يمكن أن يكن مخيفات، انظر، لدي أخت كبيرة، وهناك امرأة أحبها ولها أخت أصغر. يا فتى، إذا باتت أختك غاضبة، سأظل معك لأسمع محاضرتها.”
“النمر البديع!”
جعلت حركة غارفيل المترددة ميمي تنظر إليه بوجه مرتبك.
متحمسًا للغاية، عانق الصبي غارفيل بشدة. عانقه غارفيل أيضًا، فقط لتلتحق به ميمي من خلفه كذلك.
وبذلك، ومع حمله على الأمام والخلف، واصل غارفيل طريقه نحو منزل الصبي بخطوات غير ثابتة وعزيمة جديدة.
“النمر البديع، أليس كذلك؟”
“؟!!”
“أنا لست شخصًا مهمًا بما فيه الكفاية لأعطي اسمي. إذا كنت مضطراً لتناديني بشيء، فـ… أنا نمر. نعم، نمر ذهبي. لذا الناس ينادونني — النمر البديع!”
إن حقيقة أن الصبي قد ناداه بذلك جعل غارفيل يضغط على أنيابه.
— المتحدثة كانت ملتوية بشكل لا يصدق.
مشاعر العجز التي دفعته للمغادرة من النزل لم تختفِ تمامًا بأي حال. ما زال يفتقر إلى الثقة التي تمكنه من مواجهة راينهارد في الريوكان والحفاظ على هدوئه.
ومع ذلك، لم يكن هناك أثر للشبح الأنثوي التي ترتدي الأسود وترمز إلى إحساسه بالضعف.
“ثم قلت هذا: ‘لقد اكتشفت أفعالكم الشريرة، أيها الأوغاد. شروركم ووجوهكم الشريرة لن تمر على الزعيم وأخي!’ ”
ربما كان ذلك بفضل الأطفال الذين أصبحوا الآن يوقرونه بلقب “النمر البديع”، والطاقة الغامضة التي غرستها ميمي فيه —
اختيار غارفيل لكلماته جعل الفتاة تشد على أسنانها، معترفة بخطأ تصرفها.
“— فريد!”
على أي حال، كان الثلاثي سوبارو، وأوتو، وغارفيل قد تورطوا بسرعة، وكالعادة، قابلوا مالك الميتيا. ومن غير المفاجئ أن العديد من المشاكل حدثت بعد ذلك.
ومع ذلك، فإن كل شيء في حضورها — ذلك الوجه المبتسم، ذلك الصوت اللطيف، وأبسط الإيماءات — ظل يقود غارفيل نحو الحيرة.
موشكاً على الغرق في مشاعر الحنين، ارتعشت أذناه عندما سمع ذلك الصوت الحاد ذي النبرة العالية.
كان التأثير قويًا لدرجة أنه شعر وكأن جسده يتمزق —
عندما رفع وجهه، رأى شخصية صغيرة تندفع نحوه. شعرها الأشقر الطويل يتطاير بينما تقترب الغريبة منهم كأنها مذنّب.
إذا أمكن لغارفيل أن يحتفظ بكل ذلك داخله ويتخلى عن رغباته الحقيقية، فسيتم حل كل شيء مرة واحدة وإلى الأبد.
اندفعت مباشرة نحو الصبي الذي كان متشبثًا بغارفيل.
“من الآن فصاعدًا، هذا تصرف أناني مني فقط. عودي و…”
— لقد حان وقت الاختيار. قرار بات يضغط على غارفيل لتحديد أي طريق سيسلكه مصيره.
“آه، أختي الكبي… غواه!”
صرخت الفتاة قائلة “واااه!” ثم ابتسمت وهي تندفع بالركض. وبعد أن قطعت مسافة قصيرة، توقفت ميمي وابتسمت وهي تنتظر أن يلحق بها — وفي الوقت نفسه، كان الشبح الذي كان موجودًا في السابق قد اختفى تمامًا.
بعد كل شيء، كانت تلك المرأة الواقفة أمامه —
“إلى أي حد كنت تريد أن تجعلني أقلق عليك؟!!”
في تلك اللحظة، أصبحت رؤيتها أكثر إيلامًا من أي نصل مسموم بالنسبة لغارفيل.
كان الصبي يتشبث بغارفيل — حتى أرسلته ركلة أخته طائرًا. وجد غارفيل نفسه معجبًا بشكل ركلتها وطريقتها المدهشة في الهبوط.
لهذا السبب —
في تلك اللحظة، استدارت الفتاة بسرعة، وأدارت كعبها على قدم غارفيل وهي تصرخ.
شعر بعاصفة من المشاعر تموج داخله، إلى جانب شعور عميق بالخسارة. طوال ذلك، ظلت ميمي تمسك بيده.
“أيها المحتال المريب! ماذا كنت تفعل مع فريد خاصتي؟!”
ما الذي كان يقوله سوبارو؟ إنقاذ ميمي بفضل غارفيل؟ عما كان يتحدث؟
“أمي، أشعر بالجوع.”
“ذاك موجع… حسنًا، أعتقد أنه ليس مؤلمًا فعليًا، لكن هل يمكنك أن تزيلي قدمك عن قدمي، أيتها الصغيرة؟”
كان قد اكتفى من “الصغار”، لكن مع ذلك أطلق على الفتاة هذا اللقب.
“بفف…! مـ – ماذا تقولين؟! مقابلتها…؟ لا يمكن ذلك إطلاقًا!”
ومن ردة فعلها الصامتة، بدا أن الفتاة تفاجأت قليلًا بأن هجومها المباغت لم ينجح. ربما عند النظر إلى وجه غارفيل عن قرب، اشتبهت في أنها قد أثارت مشكلة مع شخص عنيف.
“فتى جيد.”
وكان غارفيل بالمثل مندهشًا. فكرة وجود أخت كبرى أخرى إلى جانب فريدريكا تهاجم أخاها الأصغر دون أي تحذير عند لقائهما مجددًا كانت جديدة عليه.
على أية حال، قفزت ميمي لتلتقط الصبي الطائر بصرخة “بواه!”، وانتهى الأمر بهما بالتدحرج معًا دون أن يصابا بأي أذى. ومع ذلك، شعر غارفيل بأنه مضطر للتعليق.
“لا أستطيع مدح أخت كبرى تركل أخوها الصغير!”
“آرغ… حسنًا، آسفة بشأن ذلك، لكن ما قصتك أنت على أي حال؟! فقط لتعلم، لن أسمح لك بلمس شعرة من فريد أو مني! أنا مرعبة عندما أغضب!!”
“النمر البديع، أليس كذلك؟”
اختيار غارفيل لكلماته جعل الفتاة تشد على أسنانها، معترفة بخطأ تصرفها.
ورغم أنها كانت الأخت الكبرى للصبي، إلا أنها لم تتجاوز العاشرة من عمرها، تقريبًا — العمر الذي يبدأ فيه الأطفال بالتباهي بشجاعتهم. وبناءً على مظهر غارفيل، افترضت أنه مشاغب من الشوارع وتحدّته بينما تستجمع كل شجاعتها بدموع في عينيها. على الأرجح، كانت تفعل ما بوسعها لتشتيت الانتباه عن شقيقها الصغير.
“— هيه، أيها الصغار. الأفضل تشكروا الأخت الكبيرة هناك لأنها كانت أول من لاحظ.”
لكن الأمور لم تسر وفق خطتها.
“غغ… آآآه!!”
“أيها النمر البديع… أرجوك، لا تأكل أختي…”
“…آه.”
تدخل الأخ الأصغر بين “النمر” وأخته الكبرى المليئة بالدموع. كلمات الصبي المتوسلة جعلت الفتاة الحامية تفتح عينيها على اتساعهما. ومع ذلك، شدت الفتاة على أسنانها ووقفت بثبات بجانب أخيها الأصغر.
حين ارتسمت ابتسامة غبية على وجه ميمي، ابتسم غارفيل أيضًا، شاعراً وكأن ثقلًا كبيرًا قد أُزيح عن كاهله.
اقتربت ميمي قليلًا، تمشي بجانبه، ولكن خارج نطاق ذراعه. شعر غارفيل أن وجه ميمي كان محمرًا قليلًا، لكنها ابتسمت ابتسامة مشرقة من ذلك الموقع.
لم يكن غارفيل متأكدًا تمامًا مما يجري، لكن بدا أن هذا الأخ والأخت يمتلكان علاقة جميلة مليئة بالاهتمام.
“لسبب ما، كنت أشعر بغرابة منذ الأمس. أشعر بشيء لزج ووخز عندما أقترب من غارف.”
“أعتذر بشدة لطرح هذا السؤال. لكن مع ذلك، أود أن أسأل.”
“لا يعني معاملتكم لي كشرير أنني أوافق على ذلك!”
كان ذلك أداءً يائسًا. كانت تحاول ألا تحمل غارفيل وميمي أعباء ليست من واجبهما.
***
“سيء، سيء! غارف، ليس من المفترض أن تكون شخصاً سيئاً! أنت غارف! أنت النمر البديع!”
— الجرح… لم يكن يلتئم.
عائدةً بعد قفزة قصيرة، انطلقت ميمي نحو غارفيل وضغطت بإصبعها على جبهته. لم يكن ذلك مؤلمًا، لكنه شعر بأنه لا ينبغي تجاهله.
وبينما يفكر غارفيل في كيفية تبرئة ساحته —
“!!”
“— عزيزي؟ هل وجدت فريد؟”
وبينما يتطاير في الهواء، طارده العملاق والمرأة، قافزين في وقت واحد. بات الموت قريبًا. محاولين إيقاعه في كماشة مميتة، هجم الاثنان من الجانبين، محافظين على غارفيل محاصرًا بينهما.
“أنا سعيدة جدًا لسماعك تقولين ذلك. أرجو أن تنقلي تحياتي لهذه السيدة.”
كان صوتًا ناعمًا وهادئًا لامرأة هو من حطم هذا الجمود.
في اللحظة التي سمع فيها الصوت، توقع غارفيل أن ينظر الأخ والأخت لبعضهما البعض، لكن بدلاً من ذلك، اندفعا نحو مصدر الصوت بسرعة كبيرة.
لم تبتسم حتى.
جاثيًا، محاولًا كبح كل ما يعتمل داخله، شعر برغبة شديدة تمزق قلبه.
“بحق الجحيم؟”
سماع صوتها خلفه بينما كان في حالته النصف متحولة، جعل غارفيل يدرك حماقته.
كان يعرف هذه الرائحة. وكانت هي ما يبحث عنه.
بينما يرمش غارفيل في ذهول من شدة اندفاعهما المفاجئ، ظهرت شخصية جديدة من بعيد. وعندما استدارت تلك الشخصية حول الزاوية وظهرت في مجال رؤيته، قفز الأخوان إلى أحضانها.
“أعلم! بسرعة، ضعها هنا!”
“أمي!” “أمي، هناك غريب مخيف!! ذلك النمر البديع أو أيًا كان اسمه كان يحتضن فريد، وأنا…!”
“غارف! وجهك غريب! هل حدث شيء مضحك؟”
استقبلتهم امرأة ذات شعر أشقر طويل ترتدي ملابس عادية، واحتضنتهم بينما كانوا يتشبثون بها باكين.
بحسب ما قاله الأخوان، كانت هذه أمهم، لكن غارفيل بات يأمل بشدة ألا تأخذ الأم بكلامهم وتظن أنه شخص مشبوه. قد تصبح الأمور معقدة للغاية إذا صدقت ادعاء ابنتها.
لم يكن يعرف. حقًا، كان هذا هو شعور غارفيل من أعماق قلبه.
ومع ذلك، فإن ظهور شخص بالغ قادر على إجراء حديث منطقي كان مساعدة عظيمة. تقدم غارفيل خطوة للأمام، راغبًا في شرح الموقف قبل أن يستدعي أحدهم حراس المدينة —
مع صوت خطوات سريعة، لحقت ميمي بغارفيل ووقفت بجانبه. وكما توقع، أصابها المشهد المروع للساحة بالذهول، لكن جسدها الصغير بدا متوترًا بشكل يفوق دهشتها، مما ملؤه الحذر.
“يكفي، يا صغيرة… ولكن الآن بعد أن ذكرتِ ذلك، بالفعل، لقد أنقذ فريد. ينبغي علينا أن نظهر له شكرنا، لذا ربما تقديم المال هو الأنسب.”
“— هاه؟”
بينما لا يزال الأطفال متشبثين بها، توقفت الابتسامة الهادئة التي وجهتها إليه غارفيل في مكانه.
“غارف؟”
دون أن ينطقا بكلمة، حوّل مهاجموه ضرباتهم الصامتة إلى شراسة بلا قلب، مستمرين في الهجوم على غارفيل.
“غارف! وجهك غريب! هل حدث شيء مضحك؟”
جعلت حركة غارفيل المترددة ميمي تنظر إليه بوجه مرتبك.
— وهكذا كان تهديداً خارجياً مثل غارفيل قادرًا على استغلالهم.
لكن غارفيل لم يستطع الرد على ندائها. كان منشغلًا تمامًا. قلبه وعيناه أصبحا مليئتين بالارتباك.
التبادل بينه وبين ميمي جعل المشاعر السلبية التي كانت تعصف في صدره تتلاشى وتختفي. أمكنه أن يشعر أن روحه التنافسية، التي باتت مثبطة بفعل الإهانة والشعور بالهزيمة، قد انتعشت بعناد.
عاصفة من المشاعر والأفكار أوقعته في فوضى تامة.
— فتح الباب أمامهما، وظهر رجل أنيق بلحية كثيفة ورفع حاجبيه عند رؤية المشهد غير المتوقع.
على الرغم من أنه عاش خمسة عشر عامًا فقط، فإن غارفيل قد قضى معظم حياته في التدريب. بذل كل جهده في إتقان الفنون القتالية، لإثبات أنه يمكنه الوفاء بقسمه لحماية ما هو عزيز عليه بيديه العاريتين.
بالطبع، كان ذلك متوقعًا. كان أمرًا طبيعيًا للغاية.
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
“أوه، يبدو أنك كنت تعتني بأطفالي. إن أردت، يمكننا أن نتحدث أكثر في منزلنا. إنه قريب جدًا من هنا.”
“ميمي، يبدو الفراء حول أذنيكِ ناعمًا جدًا. أتساءل… هل يمكنني لمسه؟”
تحدثت المرأة برفق، بنبرة لا تحمل أي شكوك على الإطلاق.
حتى مع خروج أنين الألم وكتل الدم من فمه، لم يتوقف عن البحث عن طريق يقوده للنجاة. لكن خصميه القويين لم يسمحا له بذلك.
وعندما اقتربت المرأة دون تحفظ، اتسعت عينا غارفيل عند رؤيتها. أسنانه الحادة رفضت الاصطفاف بشكل صحيح. أمالت المرأة رأسها بفضول عند سماع صوت اصطكاك أسنانه.
ذلك التعبير، تلك السلوكيات، ذلك الصوت — هزّ غارفيل في أعماق كيانه.
ثم وضع سوبارو يده برفق على كتفه. وعندما رفع غارفيل رأسه ببطء لينظر إليه، أومأ سوبارو. فقط الآن لاحظ غارفيل أن ساق سوبارو كانت مضمدة بشدة.
بعد كل شيء، كانت تلك المرأة الواقفة أمامه —
“— أمي؟”
أومأ غاليك نحو غارفيل بابتسامة ودودة.
ذلك الصوت المتصدع هو كل ما استطاع أن يخرجه من حلقه في مواجهة لقاء لم يكن من المفترض أن يحدث أبدًا.
**
بالعودة إلى اليوم السابق لاندفاع غارفيل نحو الملجأ —
“أنا آسفة للغاية. لم أظن أننا سنحظى بضيوف، لذا لم أحظَ بفرصة لتنظيف المكان جيدًا.”
“أوه، لا تقلقي بشأن ذلك! لا بأس! مقارنة بغرفة ميمي، هذا المكان أنظف بكثييير!”
“يا إلهي، أنتِ فتاة، لذا هذا أمر غير مقبول. عليكِ أن تحافظي على غرفتك نظيفة دائمًا.”
عبس غارفيل مع ازدياد حدة الصوت السادي الذي كان يُبث في المدينة. في الوقت ذاته، بدأ الناس المحيطون يدركون ببطء خطورة الوضع، مما أدى إلى انتشار الفوضى والذعر.
قامت المرأة بمداعبة رأس ميمي بلطف بينما كانت الأخيرة جالسة على الأريكة، تلوّح بقدميها. أطلقت ميمي صوتًا يشبه الهرير وسرعان ما بدت مرتاحة تمامًا.
أما غارفيل، فبقي صامتًا تمامًا، وهو يحدّق بهدوء إلى الاثنتين.
تمتعت المرأة بشعر أشقر طويل ومتألق، وبشرة ناصعة، وقوام رقيق. كان وجهها يحمل ملامح لطيفة، وعيناها ذات اللون اليشم — اللتان بدتا قريبتين جدًا من عيني شقيقته الكبرى — مليئتين بالحنان.
ومن مظهرها الشاب، بدت وكأنها في العشرينات من عمرها، لكن عمرها الحقيقي كان لا بد أن يكون في النصف الثاني من الثلاثينات.
قال غاليك هذه الكلمات بحزم وبساطة، متحدثًا بثقة وإخلاص.
بعد كل شيء، قد مر خمسة عشر عامًا منذ ذلك الحين. ومع ذلك، بالكاد تغير مظهرها منذ آخر مرة رآها فيها — وهو أمر ظل يمزق قلب غارفيل بشدة مروعة.
“سيدي، أمم، النمر البديع؟ ألا تحب الشاي؟ أنا آسفة. لقد قمت بإعداده دون أن أسألك ما الذي تفضله…”
بينما ظل غارفيل صامتًا، خفضت المرأة — التي تحمل اسم ليارا تومبسون — عينيها بتعبير متوتر، لذا رد غارفيل بسرعة.
“لا، الأمر ليس كذلك.” رفع كوبه على عجل. “ليس الأمر كذلك أبدًا. كنت فقط… متفاجئًا من حجم المكان.”
“!!”
“— آه، السيد البديع!”
“يا إلهي، هل هذا كل ما في الأمر؟ صحيح، منزلنا كبير بالفعل. تنظيفه يوميًا أمر مرهق للغاية ويستغرق وقتًا طويلاً… لكن الأمر غريب، حقًا.”
كان هذا التصريح المروع ممتلئًا بالخبث، مما جعل أنفاس غارفيل تتوقف.
“لكن ليارا هي والدة غارف، أليس كذلك؟ أليس لديك الكثير لتتحدث عنه معها؟”
“…ما هو الغريب؟”
بدا في صوت غارفيل نبرة حادة عندما توجه بالكلام إلى الرجل الذي لحق بهما.
“عادةً ما أسأل ضيوفي عن نوع أوراق الشاي التي يفضلونها، لكن هذه المرة اخترت النوع مباشرةً.”
كان بإمكانه أن يدفعها بعيدًا ويهرب، لكنه يعلم أنها ستلاحقه عبر المدينة، وهو ما أراد تجنبه لتفادي أي متاعب قد تسبب مشاكل لسوبارو والآخرين.
عبس غارفيل مع ازدياد حدة الصوت السادي الذي كان يُبث في المدينة. في الوقت ذاته، بدأ الناس المحيطون يدركون ببطء خطورة الوضع، مما أدى إلى انتشار الفوضى والذعر.
ابتسمت ليارا بخفة وكأنها تقول “كم هذا غريب”، بينما وضعت يدها على خدها.
“ميمي مستاءة لأن غارف يظن أنها ستتراجع بعد أن قال شيئًا بهذا الروعة! ميمي ستأتي، ستأتي تماماً!”
أما غارفيل، فقد رفع الكوب إلى شفتيه دون أن ينطق بكلمة. الطعم والحرارة كانا مناسبين تمامًا له.
مضطرباً بشدة من ذلك، بحث غارفيل عن أي فروقات بين ليارا التي أمامه والمرأة التي تسكن ذكرياته.
ثم جاءت كلمات ليارا التالية، لتصيب روح غارفيل غير المحصنة بعمق.
كانت ملابس ليارا وتصرفاتها ملائمة لشخص يعيش في قصر فخم. أما المرأة في ذكريات غارفيل، فقد كانت بسيطة، ترتدي ملابس متواضعة، وتُظهر سذاجة توحي بقلة معرفتها بالعالم من حولها. في هذا الجانب، كانتا مختلفتين تمامًا.
أراد أن يصرخ.
“التئم!! التئم، التئم، اللعنة! اشفِ، اشفِ، اشفِ اشفِ اشفِ!!!”
ومع ذلك، فإن كل شيء في حضورها — ذلك الوجه المبتسم، ذلك الصوت اللطيف، وأبسط الإيماءات — ظل يقود غارفيل نحو الحيرة.
كان هناك قارب يتحرك بمفرده في المجرى المائي الكبير الذي يمر عبر المدينة. يبدو أن الحبل الذي كان يربطه بالشاطئ المقابل قد انقطع. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في ذلك.
“…”
“غارف، لنذهب.”
“الأطفال!”
لابد أنها شخص آخر. كان متأكدًا أنها ليست هي. ليارا تعاملت مع غارفيل كما لو كان مجرد صديق لأطفالها. علاوة على ذلك، لم تكن أمه ممثلة ماهرة لدرجة تمكنها من أداء هذا الدور ببراعة.
في ذهنه، توصل غارفيل بيأس إلى استنتاج أن ليارا تومبسون ليست سوى شخص مختلف عن أمه، ليشا تينزيل. هذه المرأة فقط تشبهها بشكل كبير.
بعد حادثة تورط فيها مع سوبارو وأوتو في إحدى المدن، بدأ يرى صورتها تظهر عند أطراف رؤيته بين الحين والآخر.
عادت ميمي إلى ساحة المعركة، منقذةً غارفيل في الوقت المناسب.
آخر مرة رأى فيها أمه، كان لا يزال رضيعًا. والسبب في أن ذكرياته عن أمه كانت حية بهذه الدرجة رغم ذلك، هو أنه، بغض النظر عن مشاعره حيال الأمر، قد شاهد الماضي بتفاصيله في محاكمة الملجأ، التي كشفت له ما لا يمكن معرفته عادةً.
كان يستمع لنصف كلماتها فقط، لكن منظر الشمس الحمراء الغاربة المنعكسة على القناة لا يُنكر جماله.
كان يكره أن يعترف بذلك، لكن ميمي ساعدته على استعادة روحه القتالية. لو تُرك لوحده ليغرق في أفكاره، فمن يدري كم من الوقت سيحتاج للوصول إلى نفس النتيجة؟
بفضل ذلك، تذكر غارفيل وجه أمه وصوتها — وحبها. وهكذا علم غارفيل بموت أمه المؤسف الذي حدث بعد فترة وجيزة من انفصالها عن أطفالها.
لم يكن غارفيل قد سمع فقط الشائعات التقليدية عن هذا الرجل، بل سمع عنه أيضًا مباشرةً من سوبارو، الذي التقى بهذا الأسطورة الحيّة. لهذا السبب، ظل غارفيل يتوق بشدة لمقابلته يومًا ما.
لقد رُحِّب به في المنزل، لكنه الآن يهرب. لو كان هذا هو الحال، لما كان عليه قبول الدعوة في المقام الأول.
لذلك، كان لقاء أمه من جديد أمنية لن تتحقق أبدًا. هذه فقط امرأة أخرى تشبهها كثيرًا.
“يا إلهي، أنتِ فتاة، لذا هذا أمر غير مقبول. عليكِ أن تحافظي على غرفتك نظيفة دائمًا.”
كان ذلك أداءً يائسًا. كانت تحاول ألا تحمل غارفيل وميمي أعباء ليست من واجبهما.
ولكن إذا كانت شخصًا مختلفًا، فلماذا بدت رائحتها مألوفة جدًا؟
“ميمي، يبدو الفراء حول أذنيكِ ناعمًا جدًا. أتساءل… هل يمكنني لمسه؟”
“بفف…! مـ – ماذا تقولين؟! مقابلتها…؟ لا يمكن ذلك إطلاقًا!”
“بالطبع!”
لم يكن غارفيل قادرًا على تجاوز تلك الحادثة بشكل كامل. رغم أنه يرى نفسه جبانًا، إلا أن سوبارو والبقية ظلوا يصرّون على أنه أدى أداءً رائعًا.
عندما قدمت ميمي رأسها، قامت ليارا بمداعبته بسعادة، مستمتعة بنعومة الفراء المريح.
تلك الابتسامة البريئة، والطريقة التي لم تعرف بها الشك، والطريقة التي استضافت بها رجلاً مشبوهًا وفتاة قطة في منزلها دون تحفظ، كانت كلها أمورًا استثنائية.
“…”
متفقين الآن، استدارا معًا لمواجهة خصومهما. ظل الثنائي المقابل لهما يشاهد تبادلهما بصمت. لم يكن غريبًا أن يهاجموا خلال نقاش غارفيل وميمي، لكنهم لم يفعلوا ذلك، سواء كان بدافع الكبرياء، أو الرحمة، أو التماسك — غارفيل وميمي سيجعلانهم يندمون على ذلك.
كل شيء في سلوكها جعل غارفيل يشك أن هذه المرأة قد تكون حقًا أمه.
على أية حال، قفزت ميمي لتلتقط الصبي الطائر بصرخة “بواه!”، وانتهى الأمر بهما بالتدحرج معًا دون أن يصابا بأي أذى. ومع ذلك، شعر غارفيل بأنه مضطر للتعليق.
“بحق الجحيم؟”
— ليشا، أم غارفيل وفريدريكا، كانت امرأة غير محظوظة.
الأول كان رجلًا ضخمًا، لدرجة أن غارفيل اضطر للنظر للأعلى ليتمكن من رؤيته. كان يحمل سيفين كبيرين في يديه، وينظر بهدوء نحو غارفيل. أما الآخر، فكانت ذات جسد نحيف وهيئة أنثوية، تحمل شفرة طويلة وحادة بحافة واحدة، ووقفت بوضعية أظهرت جمالًا أرعب غارفيل.
عندما كانت عائلتها تعاني من ديون ساحقة، بيعت وهي صغيرة لتاجر عبيد غير قانوني. وبعد أن تعرض هذا التاجر لغارة من قطاع طرق شبه بشريين، أصبحت عبدة لدى أولئك القوم.
عندما قدمت ميمي رأسها، قامت ليارا بمداعبته بسعادة، مستمتعة بنعومة الفراء المريح.
بعد عدة سنوات، تخلى قطاع الطرق عن ليشا بسهولة عندما حملت بفريدريكا. بعد ذلك، وبعد سلسلة من الأحداث المتقلبة، أنجبت فريدريكا بينما كانت أسيرة لمجموعة أخرى من قطاع الطرق.
كانت عينا ميمي مغمضتين. الكثير من الدماء لا يزال يخرج من صدرها المطعون.
عندما حاول غارفيل صد الرجل المثابر، غاليك، توقفت كلماته فجأة في حلقه.
كان غارفيل قد سمع من شقيقته الكبرى، فريدريكا، أن أولى ذكرياتها كانت من فترة وجودها مع قطاع الطرق. لم تتحدث شقيقته عما حدث خلال ذلك الوقت، ولكن بالنظر إلى الطريقة التي اختفى بها قطاع الطرق بمجرد أن حملت ليشا بغارفيل، فمن المؤكد أن البيئة لم تكن سليمة بأي حال من الأحوال.
قضت ليشا حياتها متنقلة بين المصائب المتتالية، إلى أن وصلت أخيرًا، مع ابنتها الصغيرة وبطنها المنتفخ، إلى رعاية روزوال في أرض الملجأ الهادئة.
ثم وجه لكمة إلى خده، قاطعًا شفته بأنيابه الخاصة، واستخدم الألم ليوقظ نفسه. لم يكن هذا وقت الاستسلام لليأس. لا بد أن هناك طريقة. كان يعلم أن هناك حلاً. بالطبع كان موجودًا. لكنه كان أحمقاً للغاية ليدركه. كان عليه أن يفكر. الجهل ليس عذرًا للاستسلام.
أمك… ليشا، أليس كذلك؟ لم تتح لي الكثير من الفرص للتحدث معها، كما تعلم. كانت امرأة غامضة جدًا. أو بالأحرى، هل أصفها بأنها غير مفهوووومة، ربما؟ هي امرأة بدت وكأنها تحافظ على السعادة قريبة جدًا منها. أعتقد أنها كانت تحفز نفسها بالعيش من أجل الغد منذ صغرها جدًا… آه، نعم. ربما كنت أشعر بالغيرة. ربما لهذا السبب—
في اللحظة التي حاول فيها غارفيل التقدم باتجاه رائحة الدم، أمسكت ميمي بقماشة وسطه. ظلت تهز رأسها رافضةً، ودموعها تكاد تنهمر وهي تكرر: “لا تفعل.”
كانت تلك كلمات روزوال غير المعتادة لوصف والدة غارفيل.
“هل فهمتم؟ هل وصل الأمر إلى جماجمكم السميكة؟ أنتم بائسون للغاية، كل واحد منكم يركض في حالة من الذعر بينما تدركون أخيرًا ما كنت أقول لكم طوال الوقت! إنه أمر مثير للشفقة للغاية! على أي حال، لدي خبر سعيد لكم، أيها الأوغاد البائسون الذين لا يمكن إصلاحهم!”
كانت تلك الليلة الأولى التي أقنع فيها أوتو غارفيل بتجربة الكحول. في تلك الليلة نفسها، زار غارفيل روزوال وهو في حالة سكر شديد. وفي حين ما ظل غارفيل يهاجمه بنبرة أكثر عدائية من المعتاد، تحدث روزوال فجأة عن انطباعاته عن والدة الفتى.
رائحة الماء، رائحة الدم، رائحة العنف التي تؤججها العواطف الهائجة، رائحة اللحم المحترق — وسط تلك الروائح التي لا حصر لها، التقط أنف غارفيل الرائحة التي كان يبحث عنها.
إحساسه بالهزيمة تجاه رينهارد، إحساسه بالعجز بعد أن خان حلمه، صدمته عند رؤيته الأولى لليارا — كل ذلك بدا تافهًا مقارنةً بتأثير تلك العبارة.
شعر غارفيل وكأنه سيموت من شدة الصداع في صباح اليوم التالي، لكنه لم يفقد ذكريات الليلة السابقة. وبالتالي، ظلت ذكرى حديث روزوال عن أمه حية في ذهنه. وكان غارفيل ممتنًا للكحول إلى حد ما لأنه ترك له تلك الذكرى.
لسبب ما، أصبحت أصوات الإعجاب بعيدة، وأصبح التصفيق خفيفًا ومحرجًا. لكن على عكس الآخرين من حولهم، بقيت ردود فعل الأطفال كما هي، مليئة بالحماس.
عندما قطع غارفيل حديثه بشكل مباشر، بدا على وجه غاليك تعبيراً من الارتباك الواضح. فتح وأغلق فمه عدة مرات، لاهثًا بحثًا عن الهواء والكلمات.
على أي حال، من خلال النظر إلى الصورة الكبيرة، بدت أمه وكأنها شخص بسيط ذو عقل مبرمج دائمًا على الشعور بالسعادة. لو لم يكن الأمر كذلك، لماذا كانت ستترك مكانًا مليئًا بالسلام للبحث عن والد غارفيل، الذي لم يكن لديه سوى ذكريات مؤلمة عنه؟
عندما حاول غارفيل صد الرجل المثابر، غاليك، توقفت كلماته فجأة في حلقه.
“نعم، بالتأكيد! مذهل! رائع جدًا! أتمنى لو كانت الشابة تستطيع رؤيته أيضًا!”
وفي النهاية، انتهى بها الأمر إلى الموت بعد وقت قصير من انطلاقها.
“أمي!” “أمي، هناك غريب مخيف!! ذلك النمر البديع أو أيًا كان اسمه كان يحتضن فريد، وأنا…!”
ما الذي كان يدور في عقلها؟
ألم يكن غارفيل هو السبب في أن ميمي انتهى بها الأمر بهذا الشكل في المقام الأول؟
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
نظر غارفيل إلى القناة المائية، وضيق عينيه بلون اليشم.
“أمي، أشعر بالجوع.”
في تلك اللحظة، عاد الشقيقان ممسكين بأيدي بعضهما البعض بعد أن ارتديا ملابس جديدة.
نظرت الأخت الكبرى فوق رؤوس الضيوف لتنادي والدتها وسارعت إلى جانبها، موجهةً نظرات صارمة بعينيها الزمرديتين نحو غارفيل طوال الوقت.
جلس غارفيل ببطء في مكانه، مائلًا رأسه المُرهق إلى الخلف. فوقه، كانت النجوم والقمر في السماء يحدقون فيه، لمعانهم ثابت كما كان من قبل.
“أمي، حان وقت العشاء بالفعل، ألا ينبغي لضيوفنا أن يعودوا إلى منازلهم؟”
على أي حال، كان عليه أن يفعل أي شيء لإنقاذ هذه الفتاة.
“أوه، كيف يمكنكِ قول ذلك؟ السيد البديع والآنسة ميمي ساعدا فريد، كما تعلمين. كان على ما يبدو في خطر الغرق أثناء اللعب في قارب.”
يا نمر، أين أنت؟ أرني الطريق الصحيح، الطريقة الصحيحة للتصرف.
“همف، هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ أليس من الممكن أن يكون هذا البديع هو من قلب القارب في المقام الأول؟ أراهن أنه كان يخطط للمجيء هنا ليحاول ابتزازنا للكثير من المال.”
عندما حول نظره نحوها، ابتسمت ميمي بابتسامة طفولية قائلة: “هيه-هيه”.
“يكفي، يا صغيرة… ولكن الآن بعد أن ذكرتِ ذلك، بالفعل، لقد أنقذ فريد. ينبغي علينا أن نظهر له شكرنا، لذا ربما تقديم المال هو الأنسب.”
“إنها أنا، كابيلا إميرادا لوغونيكا! ها-ها-ها-ها-ها!! اجثوا، اعبدوا، ابكوا، وتبولوا على أنفسكم وأنتم تبكون بائسين، أيها الحمقى! ها-ها-ها-ها!!”
“أمي!!”
كان يتوق لأن يصبح الأقوى. كان يملك كبرياءً داخليًا، وكان واعيًا لدوره كدرع لأصدقائه الأعزاء. وبشكل مختلف عما يتمنى، اجتمع مجددًا بوالدته وعائلتها الجديدة.
على ما يبدو، شعرت الفتاة أنها بحاجة إلى فعل كل ما في وسعها لحماية عائلتها. ومع ذلك، لم تتناغم جهودها الحماسية تمامًا مع والدتها؛ لم يستطع غارفيل سوى أن يشعر بأنها كانت تحاول جاهدة لكنها بلا جدوى.
لكن التبادل الدافئ بين الأم وطفليها ظل يسبب لغارفيل ألمًا مريرًا، وكأنه يسير حافي القدمين على طريق من الأشواك. كان ذلك مؤلمًا لدرجة أنه بالكاد تمكن من البقاء هناك لفترة أطول.
“رائع!”
“لماذا…؟ الجرح…لا يلتئم! لا أستطيع مساعدتها بهذا الشكل! لا أفهم!!”
“…يبدو أننا لسنا موضع ترحيب كبير هنا، لذا ربما علينا المغادرة.”
بابتسامة، صدم غارفيل الدروع المغطية لذراعيه أمام صدره في محاولة لتحفيز نفسه. صوت احتكاك المعدن بالمعدن ورشقات الشرر أضاءت الوحش المحتجز داخل قلبه المتردد.
“إييييه، لماذَا؟ دعنا نبقى لفترة أطول قليلاً!”
“لا يمكن. هذا يشبه نحت الكوكران، اللعنة.”
“أمي!!”
اعترضت ميمي على محاولة غارفيل الرحيل، لكن غارفيل لم يسمح بأي اعتراضات وهو يحاول سحب الفتاة معه بالقوة. أظهرت ليارا وجهًا حزينًا عندما أعلن غارفيل ذلك، بينما استغلت ابنتها الفرصة لتخرج لسانها له وهي تراقب مغادرته.
لكن في الوقت نفسه، لم يستطع قلبه أن يتجاهل أشقاءه الصغار الذين اكتشفهم حديثًا، “غاليك”، ومشهد والدته أمام عينيه.
بطريقة ما، أدرك السبب — هذا الطيف كان انعكاسًا لضعفه الداخلي.
أما الأخ الصغير —
أول مرة لاحظ فيها هذا الطيف كانت بعد حوالي شهرين من مغادرته للملاذ.
“لا ترحل، أيها النمر البديع!”
“أبي، هذا هو النمر البديع!”
أمسك بكم غارفيل محاولاً منعه من المغادرة.
“ها-ها! أوه، لاااا، إن لم أعرّف بنفسي أخيرًا، قد يبدأ أمثالكم بمحاولة الهروب من الواقع الآن، أليس كذلك؟ لهذا السبب، أنا، الحكيمة والرائعة، سأشرح لكم بصوت عالٍ وواضح ما يحدث هنا حتى يستطيع حتى أمثالكم فهمه!”
تردد غارفيل للحظة عن نزع تلك الأصابع الصغيرة من على كمه. لم يكن متأكدًا لماذا تردد، لكن…
الفتاة بين ذراعيه لم تتحرك. عصاها… ظلت تتساقط نحو الأرض.
“آسف يا صغير، لدي أشخاص ينتظرونني. سيشعرون بالقلق إذا تأخرت. لهذا السبب سأرحل، حسنًا؟”
جعل الصوت غير المريح غارفيل يقبض قبضته بغضب، بينما تشد ميمي على كُمّه، وقد خفّت بهجتها المعتادة وهي تحدق في السماء بقلق.
ما زال غارفيل عاجزًا عن فهم سبب تردده للحظة، فوضع يده على رأس الصبي بينما يشرح.
رد غارفيل بصدق على سؤال غاليك المتردد.
تبادل غارفيل وميمي نظرات أثناء استمرار الصوت في الثرثرة، ثم رفعا رأسيهما نحو السماء في وقت واحد. كان السبب هو أن الصوت بدا وكأنه يناديهم من هناك.
لقد رُحِّب به في المنزل، لكنه الآن يهرب. لو كان هذا هو الحال، لما كان عليه قبول الدعوة في المقام الأول.
في النهاية، شعر غارفيل بالذنب ولم يستطع أن يجد الكلمات المناسبة ليعبر عن شكره.
ندم، ندم، ندم — لم يكن هناك سوى الندم ينبض بعمق في صدره.
ثم وضع سوبارو يده برفق على كتفه. وعندما رفع غارفيل رأسه ببطء لينظر إليه، أومأ سوبارو. فقط الآن لاحظ غارفيل أن ساق سوبارو كانت مضمدة بشدة.
أرني القوة لتحمل أي شيء، لتحمل كل شيء، والوقوف رغم ذلك.
“فريد، أعلم أنك حزين، لكن عليك أن تترك ملابس السيد البديع.”
حتى لو تم الاعتراف بليارا كليشيا حينها، فإن الوحيد الذي سيشعر بالراحة من ذلك هو غارفيل.
استجابةً لكلمات غارفيل، قامت ليارا بلطف بفك أصابع ابنها. شعر غارفيل بالارتياح عندما تحرر كُمّه مرة أخرى.
في اللحظة التي سمع فيها الصوت، توقع غارفيل أن ينظر الأخ والأخت لبعضهما البعض، لكن بدلاً من ذلك، اندفعا نحو مصدر الصوت بسرعة كبيرة.
“يجب ألا نسبب الإزعاج لضيوفنا بإجبارهم على البقاء. كما يقول المثل، للنزلاء حسن الضيافة والسوارية.”
وفجأة، طرأت عليه فكرة — ربما، زوج ليارا هذا يعرف حقيقتها.
ثم جاءت كلمات ليارا التالية، لتصيب روح غارفيل غير المحصنة بعمق.
في تلك اللحظة، وصلت ميمي، التي كانت تجري حول مجرى المياه، إلى غارفيل والأطفال أخيرًا. بدت عيناها تلمعان مثل باقي المجموعة عندما انضمت إليهم، مُقلدة نفس الوضعية الغامضة.
بعد أن شعر بالارتياح الأولي، تهاوت دفاعاته ليجد أن تلك العبارة الوحيدة شقت طريقها إلى ذكرياته، مما أطلق العنان لشعوره بالعجز.
هز غارفيل يد ميمي التي تمسك به وانطلق يجري عبر الشارع. عند التفافه حول الزاوية، اتسعت رؤيته — المبنى الإداري كان أمامه، والمشهد في الساحة المؤدية إليه بدا مأساويًا.
إحساسه بالهزيمة تجاه رينهارد، إحساسه بالعجز بعد أن خان حلمه، صدمته عند رؤيته الأولى لليارا — كل ذلك بدا تافهًا مقارنةً بتأثير تلك العبارة.
عندما انطلقت ميمي مع تلويحة كبيرة بيدها، بادلتها ليارا تلويحة صغيرة. ومع تبادل التلويحات بينهما، ظل الرجلان يراقبان الموقف بوجوه عابسة.
كان التأثير قويًا لدرجة أنه شعر وكأن جسده يتمزق —
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
“غارف، لنذهب.”
في تلك اللحظة، ميمي، التي بدت مترددة في المغادرة، سحبت ذراع غارفيل بلطف. عندما توجهت نحو الباب، تبعها غارفيل بصمت.
وبينما كانا يتوجهان إلى المدخل —
ما لم يتحدث غارفيل، فلن تتمكن عائلة ليارا أيضًا من اكتشاف الماضي. وستظل حياتهم العائلية السعيدة كما هي، محمية وغير متأثرة، ومليئة بالسلام.
“لقد عدت… أوه، لدينا ضيوف؟”
“بفف…! مـ – ماذا تقولين؟! مقابلتها…؟ لا يمكن ذلك إطلاقًا!”
— فتح الباب أمامهما، وظهر رجل أنيق بلحية كثيفة ورفع حاجبيه عند رؤية المشهد غير المتوقع.
ترى، كيف أبدو الآن؟
كان يرتدي ملابس أنيقة ويبدو عليه الحيوية. وجهه يشير إلى شخص هادئ وفعّال في منزله. كانت مكانته واضحة حتى قبل أن يتفاعل الأطفال مع عودته.
“آه، القائد يتحدث عن الخصائص العلاجية والأشياء من هذا القبيل أيضًا. أعتقد أنني بدأت أفهم الآن ما يقصده.”
كيف أبدو الآن؟
“آآآه، لا أعتقد أننا التقينا من قبل. من قد تكون؟”
رؤية تعبيرها ذاك أثار شيئًا في نفس غارفيل بطريقة ما. ذلك النوع من التعابير لا يليق بوجهها على الإطلاق.
عندما انطلقت ميمي مع تلويحة كبيرة بيدها، بادلتها ليارا تلويحة صغيرة. ومع تبادل التلويحات بينهما، ظل الرجلان يراقبان الموقف بوجوه عابسة.
“أبي، هذا هو النمر البديع!”
كانت صاحبة الفرو البرتقالي والعينين المستديرتين تحمل براءة لا حد لها.
كان صوتًا ناعمًا وهادئًا لامرأة هو من حطم هذا الجمود.
“شخص مشبوه!”
“أعتذر بشدة لطرح هذا السؤال. لكن مع ذلك، أود أن أسأل.”
التوصيفات المتناقضة تمامًا التي قدمها ابنه وابنته تركت الرجل — والدهما — في حالة من الحيرة. بحثًا عن الخلاص، نظر إلى ليارا التي تقف بجانب الأطفال.
رائحة الماء، رائحة الدم، رائحة العنف التي تؤججها العواطف الهائجة، رائحة اللحم المحترق — وسط تلك الروائح التي لا حصر لها، التقط أنف غارفيل الرائحة التي كان يبحث عنها.
نظرة الرجل الدافئة جعلت ليارا تبتسم برقة. كان ذلك بلا شك تعبيرًا عن الحب.
“آسف يا صغير، لدي أشخاص ينتظرونني. سيشعرون بالقلق إذا تأخرت. لهذا السبب سأرحل، حسنًا؟”
وصل غارفيل إلى أقصى تحمله.
لسبب ما، كانت ميمي، ظلت الفتاة القطة وعضوة معسكر منافس، تلاحق غارفيل في كل فرصة سانحة.
“نحن لا شيء. لا داعي للقلق. حان وقت مغادرتنا.”
**
ودع غارفيل بسرعة، ممسكًا بيد ميمي وهو يغادر الغارفة معها. دفع الرجل الذي أفسح له الطريق على عجل، وغادر المنزل مسرعًا.
“لا بأس. أمـ… تلك الشخص لا ينبغي أن تعرف أنني ابنها.”
على ما يبدو، شعرت الفتاة أنها بحاجة إلى فعل كل ما في وسعها لحماية عائلتها. ومع ذلك، لم تتناغم جهودها الحماسية تمامًا مع والدتها؛ لم يستطع غارفيل سوى أن يشعر بأنها كانت تحاول جاهدة لكنها بلا جدوى.
“النمر البديع!”
وفي النهاية، انتهى بها الأمر إلى الموت بعد وقت قصير من انطلاقها.
من الخلف، نادى الصبي على غارفيل بصوت حزين. ومع ذلك، لم يكن لدى غارفيل ما يكفي للرد — لا، لم يكن يستحق الرد.
“ما هذا الصوت الغبي؟”
— عندما نظر حوله، رأى شبحًا أسوداً يتسلل إلى حافة رؤيته. ابتسمت له امرأة، ميتة بالتأكيد، بسخرية.
وهي تعبر عن قلقها، عضّت ليارا شفتها وهي تنظر باتجاه المبنى.
“ماذا الآن!”
“بديع؟ نمر؟ أين النمر الذهبي بداخلي الآن؟”
“هل فهمتم؟ هل وصل الأمر إلى جماجمكم السميكة؟ أنتم بائسون للغاية، كل واحد منكم يركض في حالة من الذعر بينما تدركون أخيرًا ما كنت أقول لكم طوال الوقت! إنه أمر مثير للشفقة للغاية! على أي حال، لدي خبر سعيد لكم، أيها الأوغاد البائسون الذين لا يمكن إصلاحهم!”
“ماذا، هل استمعت لها بالفعل؟”
النمر قوي. النمر عظيم. لا شيء يهز النمر. أي جزء مني كان نمرًا في تلك اللحظة؟
علاوة على ذلك، هو من أنهى حياتها بنفسه — إلزا غراهيلد — بيديه.
هل يمكن لنمر حقيقي أن ينكسر بسبب شيء كهذا؟!!
“غارف! توقف!”
“— آه، السيد البديع!”
“!”
بينما كان يمشي في أحد شوارع المدينة عند الغروب، توقف غارفيل فجأة عندما شعر بنظرات تراقبه.
بينما غرقت أفكاره في ضباب أحمر قانٍ، أعدته ذلك الصوت إلى وعيه.
عندما استدار، أدرك غارفيل أنه كان يجر ميمي نصف جر.
لم يكن الوضع معه كحال ليارا والأطفال، لكنه كان أيضًا مصدر قلق بالنسبة لغارفيل. لم ينوِ غارفيل الحديث لفترة طويلة. كل ما أراده هو أن يبتعد بأسرع ما يمكن.
لقد توسلت إليه بوجع.
وفي اللحظة التي أراد فيها غارفيل أن يتخلى عن كل شيء، أدرك شيئًا.
وعندما دقق أكثر، رأى أن معصم الفتاة النحيل قد أصبح أزرقاً بسبب قبضته.
وبفضلها، عمل غاليك في هذه المدينة كرجل وزوج وأب حتى يومنا هذا.
“آآه… آسف… لم أقصد ذلك…”
“زوجتي، ليارا… ليس لديها أي ذكريات من قبل أن ألتقي بها قبل خمسة عشر عامًا.”
“غارف، هل أنت بخير؟ تبدو غريبًا جدًا منذ قليل. هل يؤلمك بطنك؟”
ما فكّر فيه أعداؤهما عن قدراتهما لم يكن مهمًا في تلك اللحظة. بعد أن قفز خمس مرات إضافية ليزيد المسافة عن الساحة، حطم غارفيل سقف المبنى الذي اختار الهبوط عليه، ثم وضع الفتاة التي كان يحملها.
“و-واو، كان ذلك جنونيًا!”
عندما حاول غارفيل الاعتذار بصوت متردد، نظرت إليه ميمي بقلق. لم تكن تلك نظرة لوم بسبب إصابتها في معصمها، بل نظرة خالصة من الاهتمام فقط.
دفع ذلك قلب غارفيل، الذي كان يغرق بالفعل، إلى أعماقه.
كان لديها إخوة صغار وأشخاص آخرين ترغب في حمايتهم أيضًا. لم يمكنه إجبارها على الانصياع لرغباته بعد الآن.
سقط صمت محرج بين الاثنين بينما هبت نسمة ليلية رطبة عليهما. كانت الشمس قد غربت بالفعل، وأضواء الشوارع في المدينة تحت السماء الليلية تلمع بمصابيح سحرية. ومع انعكاس ضوء المصابيح السحرية على مياه القنوات، بدت المياه هادئة ومفعمة بجمال غامض. لكن غارفيل لم يكن لديه مساحة في قلبه للاستمتاع بالمشهد.
“آه، صحيح.”
“عذرًا، كلاكما!”
وعندما استرجع ذكرياته، أدرك أنهم دائمًا ما كانوا يتجاهلون عيوبه.
في تلك اللحظة، اقترب صوت رجل لاهث من الثنائي الواقف في الشارع ليلاً.
كان مديح ميمي مبالغًا فيه، لكن غارفيل وجد النكهة رائعة كذلك. كانت الحلوى مدهشة — غير حلوة جدًا وناعمة للغاية. ربما ستصبح ألذ لو كانت طازجة. لو كانت هذه الحلوى من تخصصات والدته، لربما حظي بعدة فرص لتذوقها بنفسه —
عندما نظرا، رأيا الرجل الذي قابلاه سابقًا مضاءً تحت أضواء المصابيح السحرية. كان قد خلع معطفه، ووصل أخيرًا إليهما وهو يلهث، مستندًا على ركبتيه.
“إخباري لها بحقيقتي لن يفيد بأي شيء…”
“هاه! هاه! تمكنت من اللحاق بكما. هذا أمر لا يليق حقًا… كنت أتمتع بطاقة بدنية كبيرة في الماضي، لكنني ضعفت منذ أن بدأت العمل المكتبي فقط…”
“…ما الأمر؟ هل لديك عمل معنا أم ماذا؟”
عبس غارفيل مع ازدياد حدة الصوت السادي الذي كان يُبث في المدينة. في الوقت ذاته، بدأ الناس المحيطون يدركون ببطء خطورة الوضع، مما أدى إلى انتشار الفوضى والذعر.
بدا في صوت غارفيل نبرة حادة عندما توجه بالكلام إلى الرجل الذي لحق بهما.
لم يكن الوضع معه كحال ليارا والأطفال، لكنه كان أيضًا مصدر قلق بالنسبة لغارفيل. لم ينوِ غارفيل الحديث لفترة طويلة. كل ما أراده هو أن يبتعد بأسرع ما يمكن.
“أنتِ حقًا لم تنتبهي لأي شيء قيل بالأمس، أليس كذلك؟”
قفزت ميمي على غارفيل بينما يشرح المنطق وراء قراره. لكن ذيلها الطويل ارتفع على الفور، مشيرًا نحو المبنى الإداري.
رأى الرجل في موقف غارفيل أنه لم يُستقبل بأذرع مفتوحة.
كان التأثير قويًا لدرجة أنه شعر وكأن جسده يتمزق —
“سمعت القصة من زوجتي. أنتما أنقذتما ابني، أليس كذلك؟ ومع ذلك، تركتكما ترحلان دون أن أقول كلمة شكر واحدة. تلك قمة الجفاء.”
“ثم قلت هذا: ‘لقد اكتشفت أفعالكم الشريرة، أيها الأوغاد. شروركم ووجوهكم الشريرة لن تمر على الزعيم وأخي!’ ”
“…ليس هناك داعٍ. تضخيم الأمور مثل تلك دائماً ما يسبب لي الصداع.”
“كل شيء يتعلق بأطفالي مهم جدًا بالنسبة لي. أرجو أن تسمح لي بشكرك. أنا غاليك تومبسون، أحد المسؤولين عن إدارة هذه المدينة. إذا كان هناك أي شيء يمكنني القيام به من أجلكما…”
“هل رأيت أطفالي؟ خرجوا في وقت مبكر هذا الصباح للعب… لكن لم يكن أي منهم في أقرب ملجأ.”
بدا غاليك صامتًا، متعمقًا في التفكير، بعدما التقط الشعور الصادق الذي تضمنه رد غارفيل. وبينما انتظر غارفيل الكلمات التي ستأتي، شعر بميمي تمسك بيده الأخرى بيدها الحرة.
“ليس هناك حاجة…”
“…لا… يمكن.”
عندما حاول غارفيل صد الرجل المثابر، غاليك، توقفت كلماته فجأة في حلقه.
أنا نمر، نمر!
وفجأة، طرأت عليه فكرة — ربما، زوج ليارا هذا يعرف حقيقتها.
“هاي، غارف. هل الاستمتاع بملمس نعومة ميمي مفيد لك؟”
كان غارفيل قد اندفع للخروج من نزل “رايمنت المائي” في ذلك المساء بسبب آثار اللقاء الذي جمعه مع راينهارد، قديس السيف.
“هناك شيء واحد أريد أن أسألك عنه.”
كان على وشك أن يبكي كصبي صغير وضعيف.
نظر غاليك إلى غارفيل بنظرة مليئة بالتصميم الهادئ والثابت. حتى غارفيل لم يكن غافلًا عن أهمية تلك الكلمات والمشاعر التي حملتها.
“نعم، بالطبع. إذا كان ذلك شيئًا يسمح لي موقعي بالإجابة عنه، فسأفعل.”
أومأ غاليك نحو غارفيل بابتسامة ودودة.
كان الحال كذلك بالنسبة لليارا وابنه فريد. وعندما أُضيف غاليك، بدا واضحًا أن عائلة تومبسون كانوا ودودين للغاية تجاه الناس. كانت تلك الابنة هي الوحيدة التي تمتلك قدرًا مناسبًا من الحذر بينهم.
إلى أين ذهبت؟
ظهر في ذهن غارفيل كل من سوبارو، إميليا، بياتريس، وأوتو.
— وهكذا كان تهديداً خارجياً مثل غارفيل قادرًا على استغلالهم.
“إذن، هل أنا محقة؟ هل ليارا هي أم غارف؟”
“— نعم، شكرًا.”
“زوجتك… هل اسمها الحقيقي ليارا؟”
“ما الذي…؟”
“…”
“من يرد بهذه السرعة على سؤال كهذا؟!”
على الفور، تغيرت الأجواء.
بعد حادثة تورط فيها مع سوبارو وأوتو في إحدى المدن، بدأ يرى صورتها تظهر عند أطراف رؤيته بين الحين والآخر.
عندما طرح غارفيل سؤاله، أسقط غاليك الابتسامة التي ظل يرتديها حتى تلك اللحظة. بدا صوته وتعابير وجهه هادئة بينما يكرر سؤال غارفيل في ذهنه.
جعلته هذه الفكرة المرعبة يضغط على أسنانه بقوة حتى لا يرتجف.
“أتساءل — ماذا تقصد بذلك؟”
كانت ميمي مسترخية في ذراعيه بلا حراك. عندما نظر إلى الأسفل، رأى المرأة تنظر نحوهما من الأرض، وهي تسحب سيفها الطويل الذي طعنت به.
“أعني ما قلت. كان ريد يواجه خصومه دائمًا وجهاً لوجه. لا أحب الطرق الملتوية. زوجتك… هل اسمها الحقيقي ليارا أم لا؟”
“ميمي، يبدو الفراء حول أذنيكِ ناعمًا جدًا. أتساءل… هل يمكنني لمسه؟”
“— آه، السيد البديع!”
عندما قطع غارفيل حديثه بشكل مباشر، بدا على وجه غاليك تعبيراً من الارتباك الواضح. فتح وأغلق فمه عدة مرات، لاهثًا بحثًا عن الهواء والكلمات.
كان يتوق لأن يصبح الأقوى. كان يملك كبرياءً داخليًا، وكان واعيًا لدوره كدرع لأصدقائه الأعزاء. وبشكل مختلف عما يتمنى، اجتمع مجددًا بوالدته وعائلتها الجديدة.
“أنت… هل تعني أنك تعرف شيئًا عن زوجتي؟”
“غارف؟”
“أنا من يريد أن يعرف عنها.”
رد غارفيل بصدق على سؤال غاليك المتردد.
لم يكن غارفيل متأكدًا تمامًا مما يجري، لكن بدا أن هذا الأخ والأخت يمتلكان علاقة جميلة مليئة بالاهتمام.
كانت تلك الليلة الأولى التي أقنع فيها أوتو غارفيل بتجربة الكحول. في تلك الليلة نفسها، زار غارفيل روزوال وهو في حالة سكر شديد. وفي حين ما ظل غارفيل يهاجمه بنبرة أكثر عدائية من المعتاد، تحدث روزوال فجأة عن انطباعاته عن والدة الفتى.
بدا غاليك صامتًا، متعمقًا في التفكير، بعدما التقط الشعور الصادق الذي تضمنه رد غارفيل. وبينما انتظر غارفيل الكلمات التي ستأتي، شعر بميمي تمسك بيده الأخرى بيدها الحرة.
**
عندما حول نظره نحوها، ابتسمت ميمي بابتسامة طفولية قائلة: “هيه-هيه”.
لم تكن فريدريكا أو ريوزو ليعرفا أن ليشيا قد نجت بهذه الطريقة. وإذا لم يخبرهما غارفيل، فلن يعرفا أبدًا.
“…يبدو أنه يجب أن أكون صادقًا معك.”
مع بقاء سيفها في مكانه حيث صدّه الدرع آخر مرة، وجه مخلبه نحو جذعها المكشوف.
كسر غاليك الصمت بتلك الكلمات مصحوبة بزفرة.
“وووه، التل الذي عليك تسلقه لتصبح الأقوى يبدو طوييييلاً جدًا!”
امتزج صوته بإرهاق عميق وشعور لا يمكن إخفاؤه بالذنب، مما جعل غارفيل يضيق حاجبيه.
مستغلًا دهشتهم، جمع غارفيل الأطفال الخمسة دفعة واحدة، وقفز مرة أخرى للهروب. وبعد لحظات فقط، اصطدم القاربان وغرقا في المجرى المائي.
ثم بينما التزم غارفيل الصمت، بدأ غاليك يتحدث.
كان أعداؤهم بوضوح أساتذة تجاوزوا حدود البشر العاديين — وما لم يتخطَ غارفيل هؤلاء الحراس، لن يتمكن من الوفاء بقسمه.
“زوجتي، ليارا… ليس لديها أي ذكريات من قبل أن ألتقي بها قبل خمسة عشر عامًا.”
ومن مظهرها الشاب، بدت وكأنها في العشرينات من عمرها، لكن عمرها الحقيقي كان لا بد أن يكون في النصف الثاني من الثلاثينات.
على الرغم من أنه عاش خمسة عشر عامًا فقط، فإن غارفيل قد قضى معظم حياته في التدريب. بذل كل جهده في إتقان الفنون القتالية، لإثبات أنه يمكنه الوفاء بقسمه لحماية ما هو عزيز عليه بيديه العاريتين.
“!لا ذكريات، تقول؟”
وبينما يتعرض لهذين النمطين المتناقضين تمامًا من المبارزة، والتي تقبع على طرفي نقيض من حيث الإيقاع والحركة، أوشك عقل غارفيل أن يصل إلى حدوده. ظل يتجنب ويصد الموت بالحدس البحت، هاربًا بصعوبة من عدة ضربات قاتلة.
“كانت ليلة عاصفة. كنت مجرد تاجر عائد من صفقة تجارية عندما مررت بموقع انهيار أرضي كبير. زوجتي المستقبلية كانت قد علقت في تلك الكارثة ودُفنت حية.”
المصطلحات التي استخدمها غاليك — انهيار أرضي، دفن حي — جعلت أنفاس غارفيل تتوقف.
“فهمت. اترك الأمر لي.”
“أنا آسف… أنا آسف جدًا، أيها القائد!! أنا…! أنا عديم الفائدة! لا أساوي شيئًا…!”
تدفقت إلى ذهنه لمحة من الماضي الذي شاهده في الملاذ. ماضٍ لا يمكن إنقاذه، حيث تركت والدته غارفيل وفريدريكا خلفها، وانطلقت من المستوطنة لتُدفن في انهيار أرضي وتفقد حياتها —
— ولكن هل ماتت والدته حقًا؟ لم يفكر أبدًا في احتمالات أخرى.
وبينما خطرت هذه الفكرة في ذهنه، كان غارفيل قد بدأ بالفعل بتهيئة ساقيه للقفز، و —
“…”
جعلته هذه الفكرة المرعبة يضغط على أسنانه بقوة حتى لا يرتجف.
عائدةً بعد قفزة قصيرة، انطلقت ميمي نحو غارفيل وضغطت بإصبعها على جبهته. لم يكن ذلك مؤلمًا، لكنه شعر بأنه لا ينبغي تجاهله.
متجاوزًا العقبات، راكضاً بجنون، وصل غارفيل إلى وجهته وهو محموم. وصل إلى نفس المبنى الذي زاره في اليوم السابق واندفع إلى إحدى الغرف بداخله. تفاجأ عدد كبير من الأشخاص برؤية شكله الملطخ بالدماء. لم يكن لديه وقت لشرح شيء. وهو يدير رأسه بسرعة، بحث عن الرجل الذي يمكنه الاعتماد عليه.
كان يعتقد بكل تأكيد أن والدته قد ماتت. حتى لو نجت والدته، إذا كانت لا تزال على قيد الحياة، لم يستطع تخيل سبباً لعدم عودتها إلى غارفيل وفريدريكا.
“بعد إنقاذها، كانت على حافة الحياة والموت، واستعادت وعيها بعد أيام قليلة عندما جئت لأتفقدها. ثم قالت هذه الكلمات بصوت عالٍ وواضح — ‘من أنا؟’.”
عندما طرح غارفيل سؤاله، أسقط غاليك الابتسامة التي ظل يرتديها حتى تلك اللحظة. بدا صوته وتعابير وجهه هادئة بينما يكرر سؤال غارفيل في ذهنه.
خفض غاليك عينيه، وهز رأسه من جانب إلى آخر.
“— حقيقة أن صوتي يصل إليكم تعني أنني… أو بالأحرى، نحن، قد استولينا على قلب هذه المدينة، أليس كذلك؟ آه، بالمناسبة، أبراج التحكم الأربعة على أطراف المدينة تحت سيطرتنا أيضًا!”
“ربما كان ذلك نتيجة توقف قلبها لفترة قصيرة. لم تتذكر شيئًا. كل ما عرفته، من الشارة التي كانت على ملابسها، هو أن اسمها يحتوي على ‘لي’ في اسمها العائلي أو الأول. وهكذا اخترت اسماً تيمناً بزهرة الليل، ومنذ ذلك الحين، أسميتها ليارا.”
لسبب ما، كانت ميمي، ظلت الفتاة القطة وعضوة معسكر منافس، تلاحق غارفيل في كل فرصة سانحة.
جلس غارفيل ببطء في مكانه، مائلًا رأسه المُرهق إلى الخلف. فوقه، كانت النجوم والقمر في السماء يحدقون فيه، لمعانهم ثابت كما كان من قبل.
بعد ذلك، بدأ غاليك يتحدث بنظرة بعيدة، لكن لم يكن هناك الكثير ليُروى بعدها.
وفي النهاية، انتهى بها الأمر إلى الموت بعد وقت قصير من انطلاقها.
بعد أن أخذها تحت رعايته، تعمقت الروابط بينهما بشكل طبيعي، ولم يمض وقت طويل حتى وقعا في الحب. ومنذ أن أخذ ليارا تحت جناحه، شهدت أعمال غاليك التجارية ازدهارًا كبيرًا.
إن حقيقة أن الصبي قد ناداه بذلك جعل غارفيل يضغط على أنيابه.
لم يشك غاليك أبدًا في أن هذا الحظ الجيد جاء نتيجة إعادة ليارا معه.
شقيقاه الصغيران غير المرئيين، “غاليك” الذي ترك في منطقة الخطر، ليارا التي ظلت تركض في تلك اللحظة قلقًا على عائلتها — في مواجهة هذا الخطر، لم يستطع غارفيل أن يقف بهدوء متفرجًا.
علاوة على ذلك، هو من أنهى حياتها بنفسه — إلزا غراهيلد — بيديه.
وبفضلها، عمل غاليك في هذه المدينة كرجل وزوج وأب حتى يومنا هذا.
لهذا السبب —
“يا إلهي، أنتِ فتاة، لذا هذا أمر غير مقبول. عليكِ أن تحافظي على غرفتك نظيفة دائمًا.”
“— أنا أحب زوجتي. أحب أطفالي كثيرًا. في وقت من الأوقات، كان ماضيها يشغل ذهني، لكنه لم يعد كذلك. مهما كان ما حدث لها قبل أن نلتقي، هي زوجتي، المرأة الأثمن بالنسبة لي.”
على الرغم من أنها غريزيًا أصابت جوهر الموضوع، يبدو أن ميمي لم تلتقط أيًا من التفاصيل الدقيقة.
قال غاليك هذه الكلمات بحزم وبساطة، متحدثًا بثقة وإخلاص.
“غارف، هل أنت بخير؟ تبدو غريبًا جدًا منذ قليل. هل يؤلمك بطنك؟”
كانت تلك المشاعر الراسخة التي شعر بها تجاه زوجته، والتي حملها منذ لحظة لقائهما وحتى يومنا هذا.
وبينما يشعر بالموت يقترب، رأى في زاوية نظره ظلًا يبتسم له بابتسامة ملطخة بالدماء وهي تضحك —
“…”
استمع غارفيل للقصة حتى النهاية، ثم رفع نظره بصمت إلى السماء الليلية الغائمة.
شعر غارفيل بالامتنان لوجود ميمي بجانبه. لقد أنقذته مرارًا وتكرارًا.
كيف شعرت النجوم والهلال المتزايد أثناء نظرها إليه في تلك اللحظة؟
مع اقتراب الليل بسرعة، بدأ سماء بريستلا يتلون بالألوان، بينما كانت ميمي وطفل أشقر يشجعان غارفيل وهو يروي قصته. كان هذا الطفل في السادسة أو السابعة من عمره، وكان أحد الأطفال الذين أنقذهم غارفيل في مجرى المياه.
اختار غارفيل الصمت، بينما ارتجفت شفتا غاليك أكثر من مرة. بدا مترددًا، لكنه أغلق عينيه بإحكام، وتغلب على تردده.
لم يكن يعرف. حقًا، كان هذا هو شعور غارفيل من أعماق قلبه.
في ذهنه، توصل غارفيل بيأس إلى استنتاج أن ليارا تومبسون ليست سوى شخص مختلف عن أمه، ليشا تينزيل. هذه المرأة فقط تشبهها بشكل كبير.
“أعتذر بشدة لطرح هذا السؤال. لكن مع ذلك، أود أن أسأل.”
بعد ذلك، بدأ غاليك يتحدث بنظرة بعيدة، لكن لم يكن هناك الكثير ليُروى بعدها.
“هل فهمتم؟ هل وصل الأمر إلى جماجمكم السميكة؟ أنتم بائسون للغاية، كل واحد منكم يركض في حالة من الذعر بينما تدركون أخيرًا ما كنت أقول لكم طوال الوقت! إنه أمر مثير للشفقة للغاية! على أي حال، لدي خبر سعيد لكم، أيها الأوغاد البائسون الذين لا يمكن إصلاحهم!”
“…”
“أوه، هذه فكرة رائعة! مثل قبضة السيدة المقدسة التي تشق الأرض!”
“ما هي علاقتك بزوجتي، ليارا؟”
كان عدد الجثث ثلاثين تقريبًا، لكن هذا التفصيل المروع لم يكن أكثر ما جذب انتباه غارفيل.
يا لقسوة أن يُطرح مثل هذا السؤال على أحدهم.
“لا، يبدو أننا تأخرنا قليلًا… أتساءل إذا كانت أختي ستغضب.”
أخذت ميمي الحقيبة من يد ليارا بروح مرحة وابتسامة مشرقة، بدت في حالة مناقضة تمامًا للأجواء التي سادت قبل لحظات. كان الأمر غير متوقع لدرجة أن غاليك استغرق بعض الوقت ليقبل ما يحدث. ولكن ليارا، غير مدركة للظروف، قابلت فرحة ميمي الصادقة بابتسامة مشرقة.
أمام هذا السؤال الذي كان آخر شيء يود سماعه، حوّل غارفيل نظره ببطء من السماء إلى الأرض، وأخيرًا إلى غاليك.
حين سألت ميمي، ضاغطةً عليه لاتخاذ قرار، سأل غارفيل نفسه السؤال ذاته.
نظر غاليك إلى غارفيل بنظرة مليئة بالتصميم الهادئ والثابت. حتى غارفيل لم يكن غافلًا عن أهمية تلك الكلمات والمشاعر التي حملتها.
“…لا أعرف. هل هذه المرأة…حقًا أمي؟”
بل أكثر من ذلك، كان يعلم جيدًا ما الرد الذي يجب أن يعطيه.
“…تبدو عائلتكم كبيرة جدًا، أليس كذلك؟”
اعتذار غارفيل البسيط جلب ابتسامة بريئة على وجه ميمي. لم يكن بإمكانه رفع رأسه على الإطلاق.
“…”
“نعم، احرصا على الحذر. أيها السيد الرائع، احرص ألا تسقط في القناة المائية ليلاً.”
فتح فمه مرة، ثم أغلقه. تنفس داخلًا وخارجًا، مرارًا وتكرارًا.
في اللحظة التالية، انتشرت كمية هائلة من طاقة الشفاء السحرية. بدت هذه القوة لا تُقارن بما يمكن لغارفيل أن يفعله. إذا كان سحر الشفاء الخاص بغارفيل بمثابة قطرة مطر، فإن قوة هذه الشخصية بدت كالشلال الهادر.
ظل نبضه يتسارع. شعر بتذبذب في رؤيته. وصداع مؤلم في رأسه.
لم تكن فريدريكا أو ريوزو ليعرفا أن ليشيا قد نجت بهذه الطريقة. وإذا لم يخبرهما غارفيل، فلن يعرفا أبدًا.
كلاهما كان يرتدي ملابس سوداء من الرأس إلى القدمين. لم يتمكن غارفيل من رؤية ملامح وجهيهما بوضوح.
باتت الرغبة في التقيؤ تتصاعد بداخله.
كان عليهم التعامل مع هذا الموقف بسرعة واستعادة المبنى بالقوة. وبالرغم من تقديم غارفيل خطته لميمي كعملية استطلاع، إلا أنه في قرارة نفسه كان ينوي التغلب على الأعداء بسرعة وبعنف.
شعر بعاصفة من المشاعر تموج داخله، إلى جانب شعور عميق بالخسارة. طوال ذلك، ظلت ميمي تمسك بيده.
شعر غارفيل وكأنه سيموت من شدة الصداع في صباح اليوم التالي، لكنه لم يفقد ذكريات الليلة السابقة. وبالتالي، ظلت ذكرى حديث روزوال عن أمه حية في ذهنه. وكان غارفيل ممتنًا للكحول إلى حد ما لأنه ترك له تلك الذكرى.
“أنا، أنا…”
“هاي، غارف. هل الاستمتاع بملمس نعومة ميمي مفيد لك؟”
ولكن إذا كانت شخصًا مختلفًا، فلماذا بدت رائحتها مألوفة جدًا؟
“…”
ومع تقلص قوة الأمواج، أعاد غارفيل بعناية ربط الحبال التي تراخت، وابتسم للأطفال الذين أصبحوا الآن بأمان. بعد ذلك، ساعد في استعادة القاربين المنقلبين، واحنى صاحب القارب رأسه عدة مرات تعبيرًا عن امتنانه لقوة غارفيل وجهوده في تقليل الأضرار لأقصى حد ممكن.
“لا تربطني… أي علاقة بزوجتك.”
////
قالها.
“أ-آه، فهمت. يبدو هذا مزعجًا… ربما يجب أن نمشي متباعدين قليلاً، إذن؟”
لقد قالها بصوت عالٍ.
بل أكثر من ذلك، كان يعلم جيدًا ما الرد الذي يجب أن يعطيه.
مع تلك الكلمات، تلاشى السيل العارم من المشاعر التي اجتاحت صدره بسرعة. ما تبقى كان فراغًا شاسعًا، إحساسًا بالخسارة جعله يشعر بالبرد في أطرافه.
“أنا… آسف جدًا…”
توقفي، توقفي، من فضلكِ توقفي.
خفض غاليك رأسه، وأغمض عينيه، واهتزت كتفاه، بينما قدم اعتذاره لغارفيل.
حتى مع خروج أنين الألم وكتل الدم من فمه، لم يتوقف عن البحث عن طريق يقوده للنجاة. لكن خصميه القويين لم يسمحا له بذلك.
لكن اعتذار غاليك لم يكن شيئًا يريده غارفيل.
لم يكن من الصواب أن تموت هذه الفتاة من أجله.
كفى. فقط توقف. لا تؤذيني أكثر.
ما الخطأ الذي حدث؟ من هو المذنب؟ من يجب أن أسحقه، أو أمزقه، أو أطرحه أرضًا، حتى أتجاوز هذا الألم؟
كانت ميمي مسترخية في ذراعيه بلا حراك. عندما نظر إلى الأسفل، رأى المرأة تنظر نحوهما من الأرض، وهي تسحب سيفها الطويل الذي طعنت به.
كسر غاليك الصمت بتلك الكلمات مصحوبة بزفرة.
ما الذي يفترض بي فعله تجاه الألم الذي في قلبي والذي يرفض أن يزول؟
كانت عظيمة لدرجة أن فكرة إعادة الموتى إلى الحياة بدت وكأنها في متناول اليد. شعر غارفيل وكأن روحه انفصلت عن جسده وهو يحدق في هذه القوة الإلهية في ذهول.
“— عزيزي! آه، أنا سعيدة جدًا لأنك مع السيد البديع والسيدة ميمي.”
على أي حال، كان عليه أن يفعل أي شيء لإنقاذ هذه الفتاة.
“النمر البديع!”
“؟!”
لكن التبادل الدافئ بين الأم وطفليها ظل يسبب لغارفيل ألمًا مريرًا، وكأنه يسير حافي القدمين على طريق من الأشواك. كان ذلك مؤلمًا لدرجة أنه بالكاد تمكن من البقاء هناك لفترة أطول.
أراد أن يصرخ.
“همف، هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ أليس من الممكن أن يكون هذا البديع هو من قلب القارب في المقام الأول؟ أراهن أنه كان يخطط للمجيء هنا ليحاول ابتزازنا للكثير من المال.”
كان على وشك أن يبكي كصبي صغير وضعيف.
ولهذا السبب تحديدًا —
**
في تلك اللحظة، أصبحت رؤيتها أكثر إيلامًا من أي نصل مسموم بالنسبة لغارفيل.
“يكفي، يا صغيرة… ولكن الآن بعد أن ذكرتِ ذلك، بالفعل، لقد أنقذ فريد. ينبغي علينا أن نظهر له شكرنا، لذا ربما تقديم المال هو الأنسب.”
“ليارا، لماذا…؟”
لقد قالها بصوت عالٍ.
بسرعة، نزع ملابسها حول موضع النزيف وتفحص الجرح. لحسن الحظ، بدا أن الجرح لم يصب الأعضاء الحيوية. بالطبع، حياتها كانت في خطر إذا لم تُعالج فورًا، لكن مستخدمًا للسحر العلاجي كان موجودًا بجانبها.
“لأنني ظننت أنك ركضت على عجل، وأنك ربما ستتمكن من اللحاق بهما. اعتقدت أنه من السيئ أن يغادرا فارغَي اليدين أيضًا…”
كان هؤلاء هم من أتى غارفيل إلى “مدينة البوابة المائية” لحمايتهم. ماذا سيكون نفعه إذا لم يكن بجانبهم الآن؟ فهو لا يقدم سوى قدراته القتالية.
بينما كانا يتحدثان بصوت عالٍ تقريبًا ليسمع أحدهما الآخر، انطلق غارفيل وميمي في سباق عبر مدينة البوابات المائية وكأنهما يطيران.
بدا غاليك متفاجئًا تمامًا من ظهور زوجته المفاجئ، بينما اقتربت ليارا بخطوات صغيرة، متجاوزة زوجها. ثم، بينما ظل غارفيل جامدًا من الصدمة، مدت حقيبة بلطف نحوه.
“النمر البديع، أليس كذلك؟”
أنا الأقوى.
“هذه بعض الحلوى التي أعددتها من السواري. ربما لا تُعتبر مكافأة عظيمة، لكنني أثق في مذاقها. أرجو أن تأخذها.”
“آه…”
كانت تلك شخصية مألوفة، لطالما لمحها عند أطراف رؤيته من حين لآخر — رغم أنه علم يقينًا أنها ليست حقيقية، بل شبح امرأة كانت موجودة ذات يوم.
بابتسامة بريئة تمامًا، قدمت ليارا لغارفيل أقسى الهدايا.
خفض غاليك وجهه بمرارة أثناء هذا التبادل بين غارفيل وزوجته. بدا الأمر مؤلمًا للغاية بحيث لا يمكن لأي شخص التدخل.
عندما حاول غارفيل صد الرجل المثابر، غاليك، توقفت كلماته فجأة في حلقه.
إذا لم يكن النمر ليصرخ أبدًا من الألم، فكيف أبدو الآن؟!
كان الألم ظاهرًا للغاية لمن فهم الطبيعة الحقيقية لهذا اللقاء، مما جعل من المستحيل القيام بأي شيء أكثر.
ولهذا السبب تحديدًا —
على أي حال، يجب القضاء على مطران خطيئة الشهوة لتحرير المدينة.
أرني القوة لتحمل أي شيء، لتحمل كل شيء، والوقوف رغم ذلك.
“أوهه! ياااي! أحب الحلويات! سأتباهى بها أمام السيدة!”
أخذت ميمي الحقيبة من يد ليارا بروح مرحة وابتسامة مشرقة، بدت في حالة مناقضة تمامًا للأجواء التي سادت قبل لحظات. كان الأمر غير متوقع لدرجة أن غاليك استغرق بعض الوقت ليقبل ما يحدث. ولكن ليارا، غير مدركة للظروف، قابلت فرحة ميمي الصادقة بابتسامة مشرقة.
“نعم! لم أنم حتى النهاية! هذا إنجاز ضخم! ميمي مذهلة، أليس كذلك؟ امدحوني!”
كانت ميمي مسترخية في ذراعيه بلا حراك. عندما نظر إلى الأسفل، رأى المرأة تنظر نحوهما من الأرض، وهي تسحب سيفها الطويل الذي طعنت به.
“أنا سعيدة جدًا لسماعك تقولين ذلك. أرجو أن تنقلي تحياتي لهذه السيدة.”
رغم أن ميمي ما تزال تحاول دفعه للتراجع، أصر غارفيل بشدة على موقفه.
“نعم، نعم، فهـــمت! فهمت خااارقة!”
تفاجأ غارفيل من هذا التطور غير المتوقع، فمزق إحدى خصلات شعره الذهبي القصير بإحباط.
أخذت ميمي الحلوى بيدها الشاحبة بعض الشيء، وابتسمت وهي تؤدي تحية مرحة. ثم وضعت الحقيبة داخل حقيبتها التي تحملها على كتفها، واستخدمت ذيلها الطويل لتضرب غارفيل على ظهره.
“يا سيدي، ما اسمك؟ ماذا يجب أن نناديك؟”
بعد أن أخذها تحت رعايته، تعمقت الروابط بينهما بشكل طبيعي، ولم يمض وقت طويل حتى وقعا في الحب. ومنذ أن أخذ ليارا تحت جناحه، شهدت أعمال غاليك التجارية ازدهارًا كبيرًا.
“حان الوقت للرحيل حقًا! النمر البديع وميمي الرائعة سيغادران الآن!”
“نعم، احرصا على الحذر. أيها السيد الرائع، احرص ألا تسقط في القناة المائية ليلاً.”
عندما انطلقت ميمي مع تلويحة كبيرة بيدها، بادلتها ليارا تلويحة صغيرة. ومع تبادل التلويحات بينهما، ظل الرجلان يراقبان الموقف بوجوه عابسة.
“غارف، لا تفعل! لا…!”
“…”
“أعني ما قلت. كان ريد يواجه خصومه دائمًا وجهاً لوجه. لا أحب الطرق الملتوية. زوجتك… هل اسمها الحقيقي ليارا أم لا؟”
“ميمي، يبدو الفراء حول أذنيكِ ناعمًا جدًا. أتساءل… هل يمكنني لمسه؟”
من هناك، تبع غارفيل جذب يد ميمي وسار خلفها. لم يقل أي منهما شيئًا لفترة، وواصلا السير بينما تلاشت ليارا وغاليك عن الأنظار.
الأرضية باردة.
وأخيرًا، عندما رأى غارفيل أنهما ابتعدا بما يكفي، توقف.
“حان الوقت للرحيل حقًا! النمر البديع وميمي الرائعة سيغادران الآن!”
“هااي ، أيتها الصغيرة… أوه، ماذا؟!”
“هيااااا!”
الأرضية باردة.
في اللحظة التالية، قفزت ميمي، مما شد ذراع غارفيل. انطلقت من الأرض فجأة، وقفز الاثنان على سطح مبنى قريب.
“غوه!”
بعد أن ارتفعا ثلاث طوابق في قفزة واحدة، تمددت ميمي بظهرها.
“ممم!! رائع! الشعور جيد جدًا!”
“ميمي مستاءة لأن غارف يظن أنها ستتراجع بعد أن قال شيئًا بهذا الروعة! ميمي ستأتي، ستأتي تماماً!”
“مهلاً، لا تعطيني هذا! ما الذي تفعلينه فجأة…؟”
لسبب ما، أصبحت أصوات الإعجاب بعيدة، وأصبح التصفيق خفيفًا ومحرجًا. لكن على عكس الآخرين من حولهم، بقيت ردود فعل الأطفال كما هي، مليئة بالحماس.
كانت ميمي تستمتع بالنسيم المنعش بينما اقترب منها. ولكن عندما نظرت إليه بعينيها المستديرتين، لم يجد غارفيل كلمات ليقولها. كان يشعر بعدم ارتياح غريب عندما رأى انعكاس مظهره في عينيها.
“— فريد!”
“همم، ولكن لا بأس! حتى لو لم يقع غارف في حب ميمي، فإن ميمي قد وقعت في حبه بالفعل! والآن أنت في أحضان ميمي! أحضان الفتاة التي تحب غارف! لذا، لا بأس أن تبكي!”
ومع صمت غارفيل، أمالت ميمي رأسها فجأة.
“هل يبدو لك هذا وجه شخص سعيد؟… لا أريد الحديث عن الأمر، وليس لدي أي التزام بذلك.”
“غارف، تبدو وكأنك على وشك البكاء.”
لقد حذرتاه رام وفريدريكا بشدة قبل أن تنطلق المجموعة إلى بريستيلا. طلبتا منه أن يحرص على أن غرابته لا تسبب الإزعاج لأحد سوى أوتو، الذي كان خبيرًا في التعامل مع فوضى الآخرين.
“…ماذا؟ ما الذي تقولينه؟ مستحيل أن أفعل ذلك.”
كان هذا التصريح المروع ممتلئًا بالخبث، مما جعل أنفاس غارفيل تتوقف.
“أنا أعرف أنك قوي، غارف، ولكن هذا لا يعني أنك تحتاج للتظاهر بالقوة. ليارا هي أم غارف، صحيح؟”
“!”
لذلك، قرر أن الوقت قد حان للضربة. كشف غارفيل عن أنيابه وقفز باتجاه المرأة.
تراجعت أصوات التصفيق فجأة عندما رد غارفيل بفخر.
عندما دخلت ميمي في جوهر الموضوع، سحب غارفيل أنفاسه، غير مستعد تمامًا لذلك.
“الأطفال؟!!”
“لماذا تعتقدين…أنها…؟”
بينما يرمش غارفيل في ذهول من شدة اندفاعهما المفاجئ، ظهرت شخصية جديدة من بعيد. وعندما استدارت تلك الشخصية حول الزاوية وظهرت في مجال رؤيته، قفز الأخوان إلى أحضانها.
“أعني، رائحة غارف وليارا متشابهة جدًا. ورائحة أطفال ليارا تشبه رائحة غارف قليلاً أيضًا. لذلك فكرت، ربما…”
لم تعرف ميمي عن عائلة غارفيل من خلال المحادثة. بل وصلت إلى الحقيقة بدقة اعتمادًا على حاسة الشم الفطرية والغريزة الأساسية.
تلاشت المسافة بينه وبين العملاق. كانت تلك الهالة المروعة التحذير الوحيد الذي حصل عليه غارفيل. أوقف هجومه على الفور، وقلب جسده للخلف وقفز عاليًا. وفي اللحظة التالية، نزل سيف عظيم ليحطم جسده على الأرض.
الكلمات يمكن أن تُختلق أو تُخفى. ولكن غارفيل لم يكن لديه رد على شيء يعتمد على جزء لا يتغير منك.
“ما هذا؟”
“ما الذي…؟”
“غرااااااااه!!”
جلس غارفيل ببطء في مكانه، مائلًا رأسه المُرهق إلى الخلف. فوقه، كانت النجوم والقمر في السماء يحدقون فيه، لمعانهم ثابت كما كان من قبل.
“إذن، هل أنا محقة؟ هل ليارا هي أم غارف؟”
“…لا أعرف. هل هذه المرأة…حقًا أمي؟”
شخص ما، في أي مكان، أرجوكم أظهروا لي معجزة. أخبروني. إذا كان هناك أي شيء يمكنني فعله، فأخبروني كيف أنقذ هذه الفتاة.
مشاعر العجز التي دفعته للمغادرة من النزل لم تختفِ تمامًا بأي حال. ما زال يفتقر إلى الثقة التي تمكنه من مواجهة راينهارد في الريوكان والحفاظ على هدوئه.
لم يكن يعرف. حقًا، كان هذا هو شعور غارفيل من أعماق قلبه.
غير قادر على تقبل الواقع أمامه، بصق غارفيل كلمات واهنة مرة أخرى.
ولكن كما قال غاليك، وكما أظهرت تصرفات ليارا نفسها، فقد نسيت تمامًا ماضيها كـليشا.
بينما يرمش غارفيل في ذهول من شدة اندفاعهما المفاجئ، ظهرت شخصية جديدة من بعيد. وعندما استدارت تلك الشخصية حول الزاوية وظهرت في مجال رؤيته، قفز الأخوان إلى أحضانها.
“لا أستطيع مدح أخت كبرى تركل أخوها الصغير!”
بعد أن نسيت كل شيء، أنجبت أطفالًا كـليارا، وعاشت معهم كعائلة سعيدة.
“نحن لا شيء. لا داعي للقلق. حان وقت مغادرتنا.”
“هاه. الآن بعد أن فكرت في الأمر، ألا يجعل ذلك هذين الاثنين أخي وأختي الصغيرين؟”
لم يكن قد استوعب الأمر تمامًا بعد، ولكن إذا كانوا أشقاء من أب مختلف، فإن علاقته بهم ستكون بالضبط مثل علاقته بفريدريكا. بعبارة أخرى، ذلك الصبي وتلك الفتاة هما شقيقاه الصغيران العزيزان. لطالما كان الابن الأصغر، وها قد أصبح لغارفيل أخوان أصغر منه، وهو الشيء الذي تمناه دائمًا.
— رغم أن لا أحد أراد مثل هذه العلاقة.
“غارف، هل أنت بخير مع ذلك؟”
“إخباري لها بحقيقتي لن يفيد بأي شيء…”
ومع ذلك، لم يكن هناك أثر للشبح الأنثوي التي ترتدي الأسود وترمز إلى إحساسه بالضعف.
انفصلت ليارا عن حياتها السابقة كليشيا.
هذا —
حتى لو كشف غارفيل كل ما يعرفه، فلن يغير ذلك حقيقة أنها أمضت خمسة عشر عامًا كليارا، أو أن ليشيا فقدت تلك الخمسة عشر عامًا. سيجلب ذلك فقط عبء خمسة عشر عامًا من الذنب إلى ليارا ويثير شعورًا بالفقد على الوقت الذي لن تعود ليشيا لاسترجاعه أبدًا.
“على الرحب والسعة! ياي!”
سيضطر غاليك إلى مشاهدة زوجته تعاني، ولن يتمكن أطفالها بالتأكيد من فهم معاناة والدتهم عندما لا يعرفون شيئًا عن الظروف.
— كل هذا من أجل إرضاء غارفيل فقط.
إحساسه بالهزيمة تجاه رينهارد، إحساسه بالعجز بعد أن خان حلمه، صدمته عند رؤيته الأولى لليارا — كل ذلك بدا تافهًا مقارنةً بتأثير تلك العبارة.
عندما قطع غارفيل حديثه بشكل مباشر، بدا على وجه غاليك تعبيراً من الارتباك الواضح. فتح وأغلق فمه عدة مرات، لاهثًا بحثًا عن الهواء والكلمات.
حتى لو تم الاعتراف بليارا كليشيا حينها، فإن الوحيد الذي سيشعر بالراحة من ذلك هو غارفيل.
لم تكن فريدريكا أو ريوزو ليعرفا أن ليشيا قد نجت بهذه الطريقة. وإذا لم يخبرهما غارفيل، فلن يعرفا أبدًا.
من المفترض أن يكون وحيدًا، غارقًا في مشاعر العجز التي ظلت تلتهمه بسبب هزيمته المحبطة. لكن إشراق الفتاة بجانبه منعه من السقوط في حفرة من اليأس.
ما لم يتحدث غارفيل، فلن تتمكن عائلة ليارا أيضًا من اكتشاف الماضي. وستظل حياتهم العائلية السعيدة كما هي، محمية وغير متأثرة، ومليئة بالسلام.
“سنجدهم. عودي إلى أقرب ملجأ. من الأفضل أن تبقي مع الآخرين وتنتظري حتى نتولى الأمر.”
إذا أمكن لغارفيل أن يحتفظ بكل ذلك داخله ويتخلى عن رغباته الحقيقية، فسيتم حل كل شيء مرة واحدة وإلى الأبد.
عندما قدمت ميمي رأسها، ربّت غارفيل عليها باستخفاف.
“ما الذي…؟”
ومع ذلك —
“هاه! هاه! تمكنت من اللحاق بكما. هذا أمر لا يليق حقًا… كنت أتمتع بطاقة بدنية كبيرة في الماضي، لكنني ضعفت منذ أن بدأت العمل المكتبي فقط…”
“لماذا…؟”
القدرة على التخلي عنهم، القرار بالنسيان، الشجاعة لحبس كل شيء بعيدًا — لماذا هذا صعب جدًا؟
“شخص مشبوه!”
يا نمر، أين أنت؟ أرني الطريق الصحيح، الطريقة الصحيحة للتصرف.
أرني القوة لتحمل أي شيء، لتحمل كل شيء، والوقوف رغم ذلك.
العديد من الأشخاص قد لقوا حتفهم بالفعل، وجثثهم متناثرة في برك من دمائهم — وبناءً على تجهيزاتهم، كان هؤلاء من حراس بريستيلا. على الأرجح، استجابوا للبث وهرعوا بشجاعة للدفاع عن مدينتهم.
— يا نمر، أرجوك أخبرني… لأن النمر الحقيقي لن يخسر أمام أي أحد.
“سنجدهم. عودي إلى أقرب ملجأ. من الأفضل أن تبقي مع الآخرين وتنتظري حتى نتولى الأمر.”
“غرااااااااه!!”
“…”
“…لأني… غادرت دون أن أخبر أحدًا.”
جاثيًا، محاولًا كبح كل ما يعتمل داخله، شعر برغبة شديدة تمزق قلبه.
بالنسبة لأمه، سلامة أو خطر الرجل الذي أنقذها كان —
وفي اللحظة التي أراد فيها غارفيل أن يتخلى عن كل شيء، أدرك شيئًا.
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
“فتى جييييد.”
حتى عندما حاول غارفيل أن يودعها بسرعة، استمرت ليارا بصوت متردد. ثم جمعت يديها معًا أمامها.
كان هناك من يحتضن رأسه ضد صدره الصغير ويمسّد على شعره.
المصطلحات التي استخدمها غاليك — انهيار أرضي، دفن حي — جعلت أنفاس غارفيل تتوقف.
“…”
“غارفي، لم تسمع المغنية تغني؟ يا للأسف! هي حقًا رائعة!”
بينما ظل غارفيل جالسًا هناك، كانت ميمي تعانقه من الخلف.
وضعت ذقنها على قمة رأسه وبدأت تمسّد رأس غارفيل بلطف بكفها الصغيرة. بدا الإحساس الناعم وكأنه يخفف من ألم الأفكار المشتعلة التي تمزق عقله.
“لا أريد. لذا يجب أن نقف ليس قريبًا جدًا ولا بعيدًا جدًا!”
“— هذا هو الوقت الذي تقول فيه شكرًا!”
“ما الذي…تعتقدين أنك تفعلينه…؟”
ما لم يتحدث غارفيل، فلن تتمكن عائلة ليارا أيضًا من اكتشاف الماضي. وستظل حياتهم العائلية السعيدة كما هي، محمية وغير متأثرة، ومليئة بالسلام.
إذا لم يكن النمر ليصرخ أبدًا من الألم، فكيف أبدو الآن؟!
“همم، فكرت أن غارف يريد البكاء، أليس كذلك؟ لكنك تعلم، سمعت أن الرجال لا يبكون إلا إذا وفّرت لهم مكانًا لفعل ذلك، وهذا يبدو مزعجًا جدًا! هذا بالتأكيد ما قالته لي السيدة!”
لم يحمِ عائلته. فشل في الوفاء بوعده بأن يصبح درعًا. تحدى العدو بناءً على حكمه الخاص وتعرض لهزيمة ساحقة، ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الفتاة الطيبة القلب على وشك الموت.
كان ذلك شيئًا يشبه الجواب، لكنه لم يكن مكتملًا تمامًا.
على أي حال، كان الثلاثي سوبارو، وأوتو، وغارفيل قد تورطوا بسرعة، وكالعادة، قابلوا مالك الميتيا. ومن غير المفاجئ أن العديد من المشاكل حدثت بعد ذلك.
في تلك اللحظة، ظهر فجأة صوت وصل إلى أذني غارفيل وميمي.
محاولًا إبقاء قلبه وصوته من الارتجاف، استوعب غارفيل تلك الكلمات المتفرقة والمتقطعة بعناية فائقة.
وبينما لا تزال تحتضنه، ابتسمت ميمي له بابتسامة ماكرة.
ممسكةً بعصاها، كانت كلمات ميمي الأولى توبيخًا مباشرًا لرفض غارفيل اتباع خطتهم.
“السيد البديع؟”
“إذن أراهن أنك كنت تفكر: أنا لست متأكدًا من مكاني الآن، لكن ربما أنا في أحضان امرأة؟ هذا ما فكرت به، صحيح؟ نعم! الرجل يمكنه البكاء في أحضان المرأة التي يحبها!”
“زوجتك… هل اسمها الحقيقي ليارا؟”
“…من سيقع في حب طفلة صغيرة مثلك؟”
عادت ميمي إلى ساحة المعركة، منقذةً غارفيل في الوقت المناسب.
أول شخص خطر في بال غارفيل عن ذلك لم تتصرف مثل ميمي أبدًا، كانت باردة ومتعجرفة في الأوقات التي كان فيها بأمس الحاجة إلى اللطف. وفجأة، تعامله بلطف حين لا يتوقع، فقط لتلكمه بشدة مضاعفة لاحقًا. يا لها من امرأة خطيرة.
الفتاة التي أمامه الآن لم تشترك في أي من هذه الصفات معها — ومع ذلك، استمرت ميمي في الابتسام.
“!!”
“همم، ولكن لا بأس! حتى لو لم يقع غارف في حب ميمي، فإن ميمي قد وقعت في حبه بالفعل! والآن أنت في أحضان ميمي! أحضان الفتاة التي تحب غارف! لذا، لا بأس أن تبكي!”
ظل يسكب كل المانا التي يمكن لجسده أن يوفرها في السحر العلاجي. متجاهلًا جراحه، أرسل موجات من الطاقة العلاجية إلى جسد ميمي الممزق، ليملأه بقوة لطيفة.
“— آه.”
لكن غارفيل لم يستطع الرد على ندائها. كان منشغلًا تمامًا. قلبه وعيناه أصبحا مليئتين بالارتباك.
رأيها كان سخيفًا للغاية.
ما هذا؟ نوع من اللعب بالكلمات؟ طفلة تختلق الأمور كما تمضي؟ إنه مجرد عذر ملائم — لا أكثر.
“أوه، هذه فكرة رائعة! مثل قبضة السيدة المقدسة التي تشق الأرض!”
لا شيء، لذا كفي عن العبث معي.
— يا نمر، يا نمر، أين ذهبت؟
في تلك اللحظة، أصبحت رؤيتها أكثر إيلامًا من أي نصل مسموم بالنسبة لغارفيل.
عد إلى داخل هذا الصدر الآن. أطلق زئيرًا عظيمًا، اضرب هذا الظهر المتراجع، أعدني إلى قدمي، وافعل شيئًا حيال هذه المشاعر التي لا تُحتمل.
“لا يجب عليك استخدام كلمات صعبة مثل ‘التزام’ و’لياقة’ مثل جوشوا، حسنًا؟ ميمي تعتقد أنه من الأفضل استخدام كلمات بسيطة. بالإضافة إلى ذلك، الابتسام كالأحمق كما تفعل عادةً هو شيء رائع حقًا، غارف!”
إذا لم تفعل… فلن أتمكن من النجاة هذه المرة.
“فتى جيد.”
“أمي...”
توقفي، توقفي، من فضلكِ توقفي.
“إذن ماذا سنفعل هذا الصباح؟ هل ستذهب لمقابلة والدتك؟”
لا أريد أن أبكي، لا أريد أن أكون ضعيفًا، لا أريد أن أتحدث بصوت مليء بالدموع كهذا.
القصة التي يرويها غارفيل في ذلك الوقت كانت حادثة تمثال الإلهة الملعونة، والتي تركت أكبر انطباع عليه من بين كل ما حدث في العام الماضي.
فضل غارفيل أن يظل بمفرده، لكنه ارتكب خطأً عندما سمح لميمي برؤيته، وما إن فعلت ذلك حتى التصقت به. بدا واضحًا أنها لم تمتلك القدرة على التقاط الإشارات الاجتماعية الدقيقة.
أنا نمر، نمر!
كانت ميمي مسترخية في ذراعيه بلا حراك. عندما نظر إلى الأسفل، رأى المرأة تنظر نحوهما من الأرض، وهي تسحب سيفها الطويل الذي طعنت به.
اختار غارفيل الصمت، بينما ارتجفت شفتا غاليك أكثر من مرة. بدا مترددًا، لكنه أغلق عينيه بإحكام، وتغلب على تردده.
أنا الأقوى.
بدت ابتسامتها مفعمة بسواد كالدماء القاتمة، حتى أنه كاد يشتم ألوانها الحادة. تلك الابتسامة ظلت تجعل صدره يعتصر ألمًا حتى يومنا هذا.
مستغلًا دهشتهم، جمع غارفيل الأطفال الخمسة دفعة واحدة، وقفز مرة أخرى للهروب. وبعد لحظات فقط، اصطدم القاربان وغرقا في المجرى المائي.
أنا الأعظم.
“أمي، أشعر بالجوع.”
عندما كانت عائلتها تعاني من ديون ساحقة، بيعت وهي صغيرة لتاجر عبيد غير قانوني. وبعد أن تعرض هذا التاجر لغارة من قطاع طرق شبه بشريين، أصبحت عبدة لدى أولئك القوم.
أنا درعٌ أقوى وأصلب من أي شخص آخر.
“أنتِ لي —!”
كلمات ميمي التي حاولت بها إيقاف غارفيل غرست نفسها في الشقوق الموجودة داخل قلبه. وهو يضغط بأسنانه على مخاوفه العميقة، أشار غارفيل بذقنه نحو الثنائي.
هذا —
“أمي…! أمي……! أمي!!!”
“فتى جيد.”
لقد حذرتاه رام وفريدريكا بشدة قبل أن تنطلق المجموعة إلى بريستيلا. طلبتا منه أن يحرص على أن غرابته لا تسبب الإزعاج لأحد سوى أوتو، الذي كان خبيرًا في التعامل مع فوضى الآخرين.
“لماذا؟! لماذا نسيتني؟! بعد كل هذا… لقاؤك بعد كل هذا الوقت!! حتى أنكِ لن تقولي اسمي… أنتِ لن… تـ – تَغفري لي……!”
في الوقت الحالي، كان غارفيل وميمي يتجولان معًا في بريستيلا خلال المساء.
“لا بأس. غارف، أنت فتى جيد جدًا!”
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
“أمي!!… أمي!!!!… أمي!!!!!!”
مضطرباً بشدة من ذلك، بحث غارفيل عن أي فروقات بين ليارا التي أمامه والمرأة التي تسكن ذكرياته.
— أيها النمر، أيها النمر.
— ولكن هل ماتت والدته حقًا؟ لم يفكر أبدًا في احتمالات أخرى.
من وجه الصبي الكئيب، بدا أن الخطة كانت أن يُبقي وعده مع أصدقائه سريًا عن عائلته. لكن بما أنه سيعود إلى المنزل في وقت متأخر أكثر مما كان متوقعًا، لم يستطع إلا أن يشعر بالخوف من رد فعل عائلته، خاصة هذه الأخت الكبرى له.
إلى أين ذهبت؟
لم تكن فريدريكا أو ريوزو ليعرفا أن ليشيا قد نجت بهذه الطريقة. وإذا لم يخبرهما غارفيل، فلن يعرفا أبدًا.
ترى، كيف أبدو الآن؟
“نتتبعهم بالرائحة. ما زلت أتذكر رائحتهم جيدًا!!”
أيتها النجوم، أيها القمر، أيتها السماء، ألا تخبرونني؟
“هممم…؟ أي غرض غير إثارة أعصاب الجميع…؟”
كيف أبدو الآن؟
“أوه، هذه فكرة رائعة! مثل قبضة السيدة المقدسة التي تشق الأرض!”
إذا أمكن لغارفيل أن يحتفظ بكل ذلك داخله ويتخلى عن رغباته الحقيقية، فسيتم حل كل شيء مرة واحدة وإلى الأبد.
إذا لم يكن النمر ليصرخ أبدًا من الألم، فكيف أبدو الآن؟!
سماع صوتها خلفه بينما كان في حالته النصف متحولة، جعل غارفيل يدرك حماقته.

***
“…من سيقع في حب طفلة صغيرة مثلك؟”
لم يكن يعرف. حقًا، كان هذا هو شعور غارفيل من أعماق قلبه.
“جف كل شيء!”
بهذا المعدل، بات من المؤكد أنه لا مفر من أن يُقطع إربًا أو يُسحق تحت وطأة السيوف الثقيلة —
“اصمتي — لا تقولي ذلك مرارًا وتكرارًا!”
“لا بأس… آه، لم أفكر فيما إذا كنت سأخبر أختي أو جدتي، رغم ذلك.”
“ما الذي…تعتقدين أنك تفعلينه…؟”
في اليوم التالي، ومع تقدم وقت النار، كان غارفيل يتجول في المدينة برفقة ميمي، وعلامات الذنب بادية على وجهه.
ظلت ميمي تضحك بصوت عالٍ وهي تشد على الجزء من ردائها الأبيض فوق صدرها، والذي كان لا يزال متسخًا بدموع غارفيل ومخاطه ولعابه، رغم أنه قد جف تمامًا الآن.
“هذا مقرف. اغسليه عند أي بركة ماء في مكان ما.”
كان عدد الجثث ثلاثين تقريبًا، لكن هذا التفصيل المروع لم يكن أكثر ما جذب انتباه غارفيل.
“هممم، أليس من الجيد تركه؟ سأغير ملابسي عندما نعود إلى النزل… لم أعد بالأمس، لذا السيدة بالتأكيد غاضبة جدًا! هيتارو و تي بي قد يكونان يبكيان!”
“غارف! توقف!”
“…آسف بشأن ذلك.”
“لماذا…؟”
“لا تقلق بشأنه… ميمي قالت لغارف إنه ولد جيد وجيد جدًا وتركته يبكي حتى يجف — هذا كل شيء.”
هز غارفيل يد ميمي التي تمسك به وانطلق يجري عبر الشارع. عند التفافه حول الزاوية، اتسعت رؤيته — المبنى الإداري كان أمامه، والمشهد في الساحة المؤدية إليه بدا مأساويًا.
بدا في صوت غارفيل نبرة حادة عندما توجه بالكلام إلى الرجل الذي لحق بهما.
اعتذار غارفيل البسيط جلب ابتسامة بريئة على وجه ميمي. لم يكن بإمكانه رفع رأسه على الإطلاق.
تجعد أنف غارفيل من الإعجاب البريء الذي خرج من فم الصبي.
متفقين الآن، استدارا معًا لمواجهة خصومهما. ظل الثنائي المقابل لهما يشاهد تبادلهما بصمت. لم يكن غريبًا أن يهاجموا خلال نقاش غارفيل وميمي، لكنهم لم يفعلوا ذلك، سواء كان بدافع الكبرياء، أو الرحمة، أو التماسك — غارفيل وميمي سيجعلانهم يندمون على ذلك.
لقد جعل من نفسه أضحوكة، ببكائه طوال الليل، وقبل أن يدرك الأمر، استلقى ونام بين ذراعيها. كان يحتفظ بهدوئه بطريقة ما في تلك اللحظة، لكنه لم يكن قادرًا على مواكبة تصرفات ميمي العادية على الإطلاق ذلك اليوم.
“سيء، سيء! غارف، ليس من المفترض أن تكون شخصاً سيئاً! أنت غارف! أنت النمر البديع!”
كل شيء في سلوكها جعل غارفيل يشك أن هذه المرأة قد تكون حقًا أمه.
في النهاية، شعر غارفيل بالذنب ولم يستطع أن يجد الكلمات المناسبة ليعبر عن شكره.
“إذن ماذا سنفعل هذا الصباح؟ هل ستذهب لمقابلة والدتك؟”
حتى مع اقتراب الموت من الأمام والخلف، لم يكن لدى غارفيل أي تحركات ليقوم بها.
“بفف…! مـ – ماذا تقولين؟! مقابلتها…؟ لا يمكن ذلك إطلاقًا!”
كان غارفيل غارقًا في أفكاره عندما جعله هذا الاقتراح المفاجئ يفتح عينيه على مصراعيها بصدمة. أما ميمي، فردت ببساطة بقولها: “حقًا؟” مع إمالة رأسها بتعبير بريء على وجهها.
“ليارا، لماذا…؟”
“لكن ليارا هي والدة غارف، أليس كذلك؟ أليس لديك الكثير لتتحدث عنه معها؟”
“أنتِ حقًا لم تنتبهي لأي شيء قيل بالأمس، أليس كذلك؟”
لم يفهم أبدًا السبب وراء ذلك، ولكنه كان يوافق عادة على معظم رغباتها بشكل تلقائي.
على الرغم من أنها غريزيًا أصابت جوهر الموضوع، يبدو أن ميمي لم تلتقط أيًا من التفاصيل الدقيقة.
يا نمر، أين أنت؟ أرني الطريق الصحيح، الطريقة الصحيحة للتصرف.
وبفضلها، عمل غاليك في هذه المدينة كرجل وزوج وأب حتى يومنا هذا.
بينما كان غارفيل يفكر في كيفية شرح موقفه الصعب مع تلك العائلة، تراجع بسرعة عن الفكرة. لقد خرجت الإجابة مع دموعه الليلة الماضية.
“لا بأس. أمـ… تلك الشخص لا ينبغي أن تعرف أنني ابنها.”
“غارف، هل أنت بخير مع ذلك؟”
لسبب ما، كانت ميمي، ظلت الفتاة القطة وعضوة معسكر منافس، تلاحق غارفيل في كل فرصة سانحة.
“لا بأس… آه، لم أفكر فيما إذا كنت سأخبر أختي أو جدتي، رغم ذلك.”
ألم يكن غارفيل هو السبب في أن ميمي انتهى بها الأمر بهذا الشكل في المقام الأول؟
— ما نوع الأضرار التي ألحقها مرتكب هذا البث القاسي والمجنون بالأشخاص في مبنى البلدية؟
إذا عرفتا الحقيقة، فربما ستعاني فريدريكا وريوزو من الألم كما يعاني هو. إذا حدث ذلك حقًا، فقد ينتهي الأمر بغارفيل نادمًا على الحديث معهما عن الأمر.
لكن إذا انعكس الوضع، لودَّ غارفيل بالتأكيد معرفة الحقيقة. بعد كل شيء، حتى لو كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتحقق هو تقاسم هذا الاستنتاج المؤلم، فإن كلتا المرأتين لا تزالان عائلة بالنسبة لغارفيل.
“هممم، هذا معقد جدًا! ميمي لا تعرف حتى إذا كان لديها أم!”
الثنائي أمام عينيه كانا حائطًا. حاجزان يقفان أمام طريقه بقوة هائلة، يمثلان عائقًا يجب عليه تحديه وتجاوزه.
“…أنتِ لا تعرفين والدتكِ؟”
“أمي!!… أمي!!!!… أمي!!!!!!”
“صحيح… ميمي وهيتارو و تي بي — ولا أحد منا يعرف أي شيء عن والدينا. يبدو أنه تم التخلي عنا لأنه كان من الصعب تربية ثلاثة توائم. لذا أخذنا روسي، والآن نحن مع السيدة والقائد! كلنا عائلة!”
في أعماق صدره، ظل نبض قلب غارفيل يدق كجرس إنذار، وأصبحت أفكاره محدودة للغاية.
“…تبدو عائلتكم كبيرة جدًا، أليس كذلك؟”
“هناك شيء واحد أريد أن أسألك عنه.”
في تلك اللحظة، رفع غارفيل درعه الأيمن ليصد السيف بينما ركل نحو صدر المرأة المفتوح. تجنبت الركلة دون أي حركة غير ضرورية. وبينما يلتف جسدها مبتعدًا، تحرر سيفها، الذي كان عالقًا في درعه، ليهاجم من جديد.
تمكن من فهم أن ميمي عاشت حياة صعبة. ومن الطريقة العفوية التي تحدثت بها، لم تكن حياتها كلها مأساوية، لكنه أدرك بطريقة ما أنها لم تكن سهلة بالتأكيد.
“جف كل شيء!”
ومع ذلك، لم تظهر ميمي أيًا من ذلك. وبدون أي تفكير عميق وراءه، قام غارفيل بربت رأسها.
“— واه!”
ظل يسكب كل المانا التي يمكن لجسده أن يوفرها في السحر العلاجي. متجاهلًا جراحه، أرسل موجات من الطاقة العلاجية إلى جسد ميمي الممزق، ليملأه بقوة لطيفة.
فورًا، دفعت ميمي يد غارفيل بعيدًا وقفزت للخلف. تفاجأ غارفيل بردة فعلها الدرامية، بينما بدأت ميمي تصدر أصواتًا مثل “أوووو” ووجهها محمر.
“…”
“لسبب ما، كنت أشعر بغرابة منذ الأمس. أشعر بشيء لزج ووخز عندما أقترب من غارف.”
“أنا لست شخصًا مهمًا بما فيه الكفاية لأعطي اسمي. إذا كنت مضطراً لتناديني بشيء، فـ… أنا نمر. نعم، نمر ذهبي. لذا الناس ينادونني — النمر البديع!”
“أ-آه، فهمت. يبدو هذا مزعجًا… ربما يجب أن نمشي متباعدين قليلاً، إذن؟”
“لا أريد. لذا يجب أن نقف ليس قريبًا جدًا ولا بعيدًا جدًا!”
— دماء طازجة… من أين تأتي بحق الجحيم؟
كان يتوق لأن يصبح الأقوى. كان يملك كبرياءً داخليًا، وكان واعيًا لدوره كدرع لأصدقائه الأعزاء. وبشكل مختلف عما يتمنى، اجتمع مجددًا بوالدته وعائلتها الجديدة.
اقتربت ميمي قليلًا، تمشي بجانبه، ولكن خارج نطاق ذراعه. شعر غارفيل أن وجه ميمي كان محمرًا قليلًا، لكنها ابتسمت ابتسامة مشرقة من ذلك الموقع.
استجابةً لكلمات غارفيل، قامت ليارا بلطف بفك أصابع ابنها. شعر غارفيل بالارتياح عندما تحرر كُمّه مرة أخرى.
الثنائي أمام عينيه كانا حائطًا. حاجزان يقفان أمام طريقه بقوة هائلة، يمثلان عائقًا يجب عليه تحديه وتجاوزه.
“آه، بالمناسبة، لدينا سواري! دعنا نأكل بعضها!”
“آه، صحيح.”
بدت ميمي وكأنها تحاول إلهاءه عن احمرار وجنتيها، فأخرجت كيس الحلوى من حقيبة كتفها. للحظة، شعر غارفيل بألم في صدره عند رؤية الكيس، لكنه قبل الحلوى التي قدمتها له، متأملًا القطعة في راحة يده.
“غوه!”
كانت السواري حلوى مخبوزة لذيذة مصنوعة من عجينة الخبز ومحشوة بالكريمة ومعجون الفاصولياء؛ وهي وجبة خفيفة شهية ومشبعة. بالنظر إلى وقت النهار، كانت بمثابة فطور متأخر لهم.
“غارفي، هذا مذهل! سوبر رائع!!”
“هممم! حلوة! لذيذة! يا لروعتها!”
“غرااااااااه!!”
“…طعمها جيد، أليس كذلك.”
“أنا غير عادلة تمامًا معكَ الآن. لا بأس بذلك. هؤلاء الأطفال يسمعون بث المدينة كل يوم، ومنذ زمن بعيد لم يخطئ ذلك الرجل في شيء من هذا القبيل…”
كان مديح ميمي مبالغًا فيه، لكن غارفيل وجد النكهة رائعة كذلك. كانت الحلوى مدهشة — غير حلوة جدًا وناعمة للغاية. ربما ستصبح ألذ لو كانت طازجة. لو كانت هذه الحلوى من تخصصات والدته، لربما حظي بعدة فرص لتذوقها بنفسه —
“نحن لا شيء. لا داعي للقلق. حان وقت مغادرتنا.”
“— آه، السيد البديع!”
“— أوه، أصبحت عاطفيًا أكثر من اللازم.”
لهذا السبب، أصبح واقعاً أنه قد تراجع دون وعي في اللحظة التي واجه فيها “الأقوى” يدفعه حاليًا إلى اليأس.
نقر غارفيل لسانه مستاءً من تلك التعلقات في ذهنه، وحشا ما تبقى من السواري في فمه دفعة واحدة. فتحت ميمي فمها على اتساعه محاولة تقليده، لكنها انتهت بتلطيخ وجهها بالكريمة.
صرخت الفتاة قائلة “واااه!” ثم ابتسمت وهي تندفع بالركض. وبعد أن قطعت مسافة قصيرة، توقفت ميمي وابتسمت وهي تنتظر أن يلحق بها — وفي الوقت نفسه، كان الشبح الذي كان موجودًا في السابق قد اختفى تمامًا.
وبينما كان يساعدها في مسح وجهها، غرق غارفيل مرة أخرى في أفكاره. في الحقيقة، كان اليوم السابق مليئًا بالتقلبات. كل حدث كان بمثابة اختبار، لكن شيئًا واحدًا إيجابيًا حدث بلا شك.
“رائع!”
ابتسمت ليارا بخفة وكأنها تقول “كم هذا غريب”، بينما وضعت يدها على خدها.
رغم أنه أظهر منظرًا غير جميل في اليوم السابق، لم يظهر الطيف الوهمي في هذا الصباح.
إذا كان ذلك الطيف يمثل ضعفًا في قلب غارفيل، لم يكن من الغريب أن تؤدي أحداث الليلة الماضية إلى ظهوره بوضوح أكبر. لكن ذلك لم يحدث على الإطلاق.
أسلوب قتال الرجل الضخم كان وحشيًا وعنيفًا، لكن الفوضى وانعدام الصقل في هجماته زادت من تدميرها. ظل يلوّح بسيوف يعجز الشخص العادي عن رفعها بكلتا يديه، بينما يستخدم يد واحدة لكل سيف، هائجًا كعاصفة لا تُقهر مجسدة في هيئة بشرية.
ربما، لن يظهر ذلك الطيف أمامه مرة أخرى أبدًا. إذا كان الأمر كذلك، فهذه كانت فرصة منحت له بفضل وجود الفتاة التي بقيت بجانبه —
سقط على ركبتيه أمام سوبارو، ورفع ميمي بين ذراعيه. ثم استسلم لليأس، لاعناً غباءه.
“— إحم، إحم! هل تسمعني أيها اللحم البشري؟”
“غرااااااااه!!”
في تلك اللحظة، ظهر فجأة صوت وصل إلى أذني غارفيل وميمي.
“إذا كنتم تستمعون إلى صوتي، فاهتزوا في أحذيتكم، وأي لحم بشري لا يستمع، فقط ليتفضل بالموت ويوفر لي الكثير من العناء! هو-هو-هو-هو!”
رغم أن ميمي بدت مترددة في البداية بسبب المخاطر، وافقت في النهاية على خطة غارفيل.
تبادل غارفيل وميمي نظرات أثناء استمرار الصوت في الثرثرة، ثم رفعا رأسيهما نحو السماء في وقت واحد. كان السبب هو أن الصوت بدا وكأنه يناديهم من هناك.
بدا هجومها أشبه برقصة سيف جميلة. وفي حالته الحالية، كان من السهل عليها أن تقطع رأس غارفيل كما لو كان مجرد فزاعة.
“ما هذا الصوت الغبي؟”
“ميمي تعرف! هذا الصوت يأتي من ميتيا خارقة رائعة! في هذه المدينة، يمكنك سماع الغناء كل صباح بفضلها. لكنني نمت طوال الأمس!”
صك غارفيل أنيابه بينما تحدث إلى الشخصين اللذين وقفا بجرأة في تلك الساحة الدامية. لكن لم يستجب أي منهما لاستفزازاته. شعر بندبته على جبهته تخفق بشدة.
بينما يتساءل غارفيل عن مصدر الصوت، رفعت ميمي يدها وشرحت بسرعة. افترض غارفيل أنها تقصد أنهم يسمعون شخصًا عبر قوة ميتيا خاصة وليس مجرد صوت عالٍ جدًا.
“— إحم، إحم! هل تسمعني أيها اللحم البشري؟”
كان عدد الجثث ثلاثين تقريبًا، لكن هذا التفصيل المروع لم يكن أكثر ما جذب انتباه غارفيل.
خلال كل هذا النقاش، استمر ذلك الصوت الحاد في الانسكاب من السماء.
صاح صوت قوي، مستدعيًا جدارًا سحريًا أزرقاً صد سيف المرأة.
“إذًا، إذًا، إذًا — هل هناك أي أغبياء أخذوا عرضي للتو وماتوا؟ إذا لم يكن هناك أي منهم، فلا بأس، لكن ذلك سيخيب أملي لأنني كنت متحمسةً جدًا للثرثرة!”
“…المبنى الإداري — هناك بالتحديد تتحصن رئيسة الأساقفة التي بثت ذلك الخطاب الملعون سابقًا.”
ظل الصوت المزعج يتردد في جميع أنحاء “مدينة البوابة المائية”، مما أثار دهشة وارتباك المارة الذين سمعوه. بدا أنهم، مثل غارفيل وميمي، لا يملكون أي فكرة عن هوية المتحدث، فكانوا يحدقون في السماء في حيرة.
“لا أريد. لذا يجب أن نقف ليس قريبًا جدًا ولا بعيدًا جدًا!”
وفقًا لشرح ميمي، تُستخدم الـ “ميتيا” عادة لإرسال الأغاني إلى كل ركن من أركان المدينة كل صباح، ولكن غارفيل كان مقتنعًا تمامًا أن صاحبة هذا الصوت لا تمتلك أدنى حساسية تمكنها من تقديم شيء كهذا. أما هدفها فكان غامضًا. شخصيتها كانت مبتذلة. ما كان يعرفه هو…
“جف كل شيء!”
“شهيق ، زفير. هذا كل ما يتطلبه الأمر ليخرب أشباهكم مزاجي. أنتم حقًا مجرد قطع قمامة بلا قيمة تُذكر، أليس كذلك؟ إذا كنتم تقضون حياتكم فقط في الأكل، والشهوة، والترويل دون أي هدف، فالأفضل أن تكونوا جثثًا بدلًا من ذلك! أتعرفون؟ فقط موتوا بالفعل! أرجوكم فقط موتوا! حقًا، أتوسل إليكم! هو-ها-ها-ها-ها!”
“و – لكن… لماذا تفعلون كل هذا من أجلي؟”
— المتحدثة كانت ملتوية بشكل لا يصدق.
“غارف… هذا مخيف جدًا.”
جعل الصوت غير المريح غارفيل يقبض قبضته بغضب، بينما تشد ميمي على كُمّه، وقد خفّت بهجتها المعتادة وهي تحدق في السماء بقلق.
“هاي، أيتها القصيرة؟”
رؤية تعبيرها ذاك أثار شيئًا في نفس غارفيل بطريقة ما. ذلك النوع من التعابير لا يليق بوجهها على الإطلاق.
كان صوتًا ناعمًا وهادئًا لامرأة هو من حطم هذا الجمود.
ومع ذلك، فإن كل شيء في حضورها — ذلك الوجه المبتسم، ذلك الصوت اللطيف، وأبسط الإيماءات — ظل يقود غارفيل نحو الحيرة.
“والآن، أيها اللحم البشري الذي يتجاهل رأيي المنطقي تمامًا، هل لاحظ أي منكم، أخيرًا، الغرض الحقيقي من هذا البث؟ الغرض الحقيقي؟”
“هممم…؟ أي غرض غير إثارة أعصاب الجميع…؟”
“— حقيقة أن صوتي يصل إليكم تعني أنني… أو بالأحرى، نحن، قد استولينا على قلب هذه المدينة، أليس كذلك؟ آه، بالمناسبة، أبراج التحكم الأربعة على أطراف المدينة تحت سيطرتنا أيضًا!”
الثنائي المنتظر في الساحة كان خطيرًا وعدائيًا بشكل واضح لدرجة جعلت من الجليٍّ أنهما خصمان شديدا الصعوبة. شعر غارفيل بتهديد كبير لدرجة أن حلقه جف فجأة، وكأن طرف سيف يضغط على قلبه النابض.
“أبراج التحكم؟!”
“آه، القائد يتحدث عن الخصائص العلاجية والأشياء من هذا القبيل أيضًا. أعتقد أنني بدأت أفهم الآن ما يقصده.”
“زوجتك… هل اسمها الحقيقي ليارا؟”
كان هذا التصريح المروع ممتلئًا بالخبث، مما جعل أنفاس غارفيل تتوقف.
رأيها كان سخيفًا للغاية.
كان قد سمع أن الأبراج الأربعة في المدينة هي مرافق حيوية لتنظيم تدفق المياه في كافة أنحاء “بريستيلا”. وقيل إن وظائفها لم تتغير منذ أن استُخدمت “مدينة البوابة المائية” لاحتجاز كائن ذي قوة هائلة منذ زمن بعيد — والآن، أصبحت في قبضة هذه الكيان الغامض.
رغم أنه لم يكن مناسبًا تمامًا لهذا الدور، إلا أنه وضع روحه في تعلم السحر العلاجي. أراد تلك القوة ليتمكن من التصرف إذا حدث شيء لأي شخص في الملاذ. لهذا السبب ركز غارفيل جهوده على دراسة السحر العلاجي، وفي هذه العملية، تعلم قدرًا كبيرًا عن معالجة الجروح بشكل عام.
كان ذلك بمثابة أخذ المدينة بأكملها رهينة.
“غغ… آآآه!!”
“الآن أصبحت هذه المدينة حديقة صغيرة يمكننا فيها التجول والتسلية بأنفسنا، وإساءة معاملتكم، واللعب بكم كما يحلو لنا، يا إلهي! أنتم أيها اللحم البشري مجرد حشرات داخل قفص، أليس كذلك؟ لا أوراق رابحة! لا آمال زاهية! لا أحلام أو تطلعات! هل تفهمون ما يعنيه ذلك؟ ها؟!”
في تلك اللحظة، ظهر فجأة صوت وصل إلى أذني غارفيل وميمي.
عبس غارفيل مع ازدياد حدة الصوت السادي الذي كان يُبث في المدينة. في الوقت ذاته، بدأ الناس المحيطون يدركون ببطء خطورة الوضع، مما أدى إلى انتشار الفوضى والذعر.
“— عزيزي! آه، أنا سعيدة جدًا لأنك مع السيد البديع والسيدة ميمي.”
يبدو أن المتحدثة باتت مسرورة بالاضطراب المتزايد، فازداد صوتها حدة وانغماسًا في ذاتها.
صد غارفيل السيف الطويل القادم من الأمام بدرعه، وتجنب ضربة سيف عظيمة شرسة من الخلف عبر ركل السلاح في اللحظة الأخيرة. ومع تخمينه لمسار السيف، تمكن من صدّه بشكل معجزة. لكن، بينما تحرق شرارات النار وجنتيه، سُحق جسده بضربات السيف العظيم من الأعلى والأسفل.
“هل فهمتم؟ هل وصل الأمر إلى جماجمكم السميكة؟ أنتم بائسون للغاية، كل واحد منكم يركض في حالة من الذعر بينما تدركون أخيرًا ما كنت أقول لكم طوال الوقت! إنه أمر مثير للشفقة للغاية! على أي حال، لدي خبر سعيد لكم، أيها الأوغاد البائسون الذين لا يمكن إصلاحهم!”
في سعيه اليائس لتحقيق النتائج، خاطر بالموت من خلال سوء تقديره لقوة خصومه. لو لم تكن ميمي موجودة، لانتهى غارفيل بالتأكيد نهاية مأساوية — حياته تُختتم دون أن يحقق حلمه بأن يصبح الأقوى.
“…”
“هدفي هو عظام الساحرة المحفوظة في مكان ما داخل هذه المدينة! أريدها. أريدها لدرجة أنني لا أستطيع النوم ليلًا، لذا هل يمكنكم بذل القليل من الجهد؟ إذا سلمتم ما أطلبه… ربما سأعيد النظر في أمر أبراج التحكم!”
اندفعت مباشرة نحو الصبي الذي كان متشبثًا بغارفيل.
“…أوه، نعم، أستمع.”
**
“…”
“عذرًا، كلاكما!”
بعد أن أخذت المدينة بأكملها كرهينة، كشفت المتحدثة أخيرًا عن طلبها. كان العنصر الذي ذكرته، “عظام الساحرة”، كفيلًا بجعل غارفيل يقطب جبينه بقلق، بينما ازداد الاضطراب المحيط بهم سوءًا.
انفجر الصوت الحاد بالضحك، كما لو أن المتحدثة ظلت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
“!!”
“تقصد استكشافًا؟ هممم… حسنًا! لنقم ببعض الاستكشاف!”
“ها-ها! أوه، لاااا، إن لم أعرّف بنفسي أخيرًا، قد يبدأ أمثالكم بمحاولة الهروب من الواقع الآن، أليس كذلك؟ لهذا السبب، أنا، الحكيمة والرائعة، سأشرح لكم بصوت عالٍ وواضح ما يحدث هنا حتى يستطيع حتى أمثالكم فهمه!”
ترى، كيف أبدو الآن؟
“أمي، أشعر بالجوع.”
بينما سيطرت النبرة الشريرة على المدينة مثيرةً الفوضى، وقف غارفيل وميمي بجانب بعضهما، متأهبين لما قد يُعلن لاحقًا.
كان هناك قارب يتحرك بمفرده في المجرى المائي الكبير الذي يمر عبر المدينة. يبدو أن الحبل الذي كان يربطه بالشاطئ المقابل قد انقطع. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في ذلك.
— وهكذا كان تهديداً خارجياً مثل غارفيل قادرًا على استغلالهم.
عندها، صرّح الصوت المألوف في البث بنبرة مليئة بالرضا التام —
“أنا مطران خطيئة الشهوة في طائفة الساحرة —
“إنها أنا، كابيلا إميرادا لوغونيكا! ها-ها-ها-ها-ها!! اجثوا، اعبدوا، ابكوا، وتبولوا على أنفسكم وأنتم تبكون بائسين، أيها الحمقى! ها-ها-ها-ها!!”
في اللحظة التالية، انتشرت كمية هائلة من طاقة الشفاء السحرية. بدت هذه القوة لا تُقارن بما يمكن لغارفيل أن يفعله. إذا كان سحر الشفاء الخاص بغارفيل بمثابة قطرة مطر، فإن قوة هذه الشخصية بدت كالشلال الهادر.
— ومباشرة بعد ذلك الإعلان الشرير، بدأت الأوضاع تتحرك بسرعة، وكأنها مياه تتدفق بلا توقف.
“أنا، أنا…”
ظهور طائفة الساحرة وشخص يدعي أنه أحد رؤساء الأساقفة الممثلين للخطايا السبع الكبرى زرع الفوضى والارتباك، لكن يمكن القول إن سكان بريستيلا استمروا في التحرك بشكل منظم نسبيًا. رغم اضطرابهم، قاموا بما تدربوا عليه يوميًا، وبدأ الأشخاص المحيطون بتوجيه غير المقيمين إلى أقرب ملاجئ.
أما الأخ الصغير —
كانت تلك الليلة الأولى التي أقنع فيها أوتو غارفيل بتجربة الكحول. في تلك الليلة نفسها، زار غارفيل روزوال وهو في حالة سكر شديد. وفي حين ما ظل غارفيل يهاجمه بنبرة أكثر عدائية من المعتاد، تحدث روزوال فجأة عن انطباعاته عن والدة الفتى.
بات المواطنون يرشدون الغرباء الذين لا يعرفون الإجراءات. حتى الأشخاص القريبون من غارفيل وميمي حاولوا دعوتهما للانضمام إليهم، لكنهما رفضا، متعجلين للارتباط مجددًا مع رفاقهما.
بينما كانا يتحدثان بصوت عالٍ تقريبًا ليسمع أحدهما الآخر، انطلق غارفيل وميمي في سباق عبر مدينة البوابات المائية وكأنهما يطيران.
وبينما يفكر غارفيل في كيفية تبرئة ساحته —
إن لم يتمكنا من الالتقاء بـ “سوبارو” والبقية عند “رذاذ الماء” ووضع حد لطغيان طائفة الساحرة —
على أي حال، كان عليه أن يفعل أي شيء لإنقاذ هذه الفتاة.
أمك… ليشا، أليس كذلك؟ لم تتح لي الكثير من الفرص للتحدث معها، كما تعلم. كانت امرأة غامضة جدًا. أو بالأحرى، هل أصفها بأنها غير مفهوووومة، ربما؟ هي امرأة بدت وكأنها تحافظ على السعادة قريبة جدًا منها. أعتقد أنها كانت تحفز نفسها بالعيش من أجل الغد منذ صغرها جدًا… آه، نعم. ربما كنت أشعر بالغيرة. ربما لهذا السبب—
“— آه، السيد البديع!”
“!؟”
بهذا الإعلان المقتضب، انطلق الاثنان ركضًا نحو المبنى الإداري.
جعل الصوت غارفيل يتوقف في مكانه على الفور.
إذا كان سيعتمد في اختياراته على روابط الدم، فلا واجب عليه لإنقاذ غاليك. لكن ماذا سيحدث لليارا والأطفال إذا فقدوه؟
عندما التفت إلى الخلف، كانت “ليارا” تركض في الشارع خلفه هو وميمي، وقد بدا عليها الارتياح لرؤيتها أشخاصًا تعرفهم. متجاهلًا الألم الذي يشعر به في صدره، استدار غارفيل لمواجهتها.
يبدو أن المتحدثة باتت مسرورة بالاضطراب المتزايد، فازداد صوتها حدة وانغماسًا في ذاتها.
“السيدة ميمي، أنا سعيدة لأنك بخير أيضًا. ذلك البث كان يقلقني.”
مشاعر العجز التي دفعته للمغادرة من النزل لم تختفِ تمامًا بأي حال. ما زال يفتقر إلى الثقة التي تمكنه من مواجهة راينهارد في الريوكان والحفاظ على هدوئه.
“نعم، أنا بخير تمامًا! آه، لقد كانت السواري لذيذة! أقمنا وليمة!”
بما أن غارفيل لم يستجب على الفور، أجابت ميمي بدلًا عنه. شعر غارفيل أنه مثير للشفقة لعدم تمكنه من الرد، حتى مع شعوره بالارتياح لرؤية “ليارا” بخير.
وبينما يشعر بالموت يقترب، رأى في زاوية نظره ظلًا يبتسم له بابتسامة ملطخة بالدماء وهي تضحك —
“سعيدٌ أن الجميع سالمون. الآن تحركوا نحو الملجأ. علينا أن…”
“نعم، أنا بخير… لكن، أممم، السيد البديع…”
حتى عندما حاول غارفيل أن يودعها بسرعة، استمرت ليارا بصوت متردد. ثم جمعت يديها معًا أمامها.
كان ذلك بمثابة أخذ المدينة بأكملها رهينة.
كان أعداؤهم بوضوح أساتذة تجاوزوا حدود البشر العاديين — وما لم يتخطَ غارفيل هؤلاء الحراس، لن يتمكن من الوفاء بقسمه.
“هل رأيت أطفالي؟ خرجوا في وقت مبكر هذا الصباح للعب… لكن لم يكن أي منهم في أقرب ملجأ.”
ودع غارفيل بسرعة، ممسكًا بيد ميمي وهو يغادر الغارفة معها. دفع الرجل الذي أفسح له الطريق على عجل، وغادر المنزل مسرعًا.
حتى جرح خطير كهذا يجب أن يلتئم بسرعة باستخدام القليل من مانا العلاج.
“الأطفال؟!!”
ما فكّر فيه أعداؤهما عن قدراتهما لم يكن مهمًا في تلك اللحظة. بعد أن قفز خمس مرات إضافية ليزيد المسافة عن الساحة، حطم غارفيل سقف المبنى الذي اختار الهبوط عليه، ثم وضع الفتاة التي كان يحملها.
رؤية تعبيرها ذاك أثار شيئًا في نفس غارفيل بطريقة ما. ذلك النوع من التعابير لا يليق بوجهها على الإطلاق.
تفاجأ غارفيل من هذا التطور غير المتوقع، فمزق إحدى خصلات شعره الذهبي القصير بإحباط.
“إذا كنتم تستمعون إلى صوتي، فاهتزوا في أحذيتكم، وأي لحم بشري لا يستمع، فقط ليتفضل بالموت ويوفر لي الكثير من العناء! هو-هو-هو-هو!”
كان هذا التصريح المروع ممتلئًا بالخبث، مما جعل أنفاس غارفيل تتوقف.
“اللعنة، بالطبع أنتِ قلقة بسبب هذا…”
“أعرف كم أن الأخوات الكبار يمكن أن يكن مخيفات، انظر، لدي أخت كبيرة، وهناك امرأة أحبها ولها أخت أصغر. يا فتى، إذا باتت أختك غاضبة، سأظل معك لأسمع محاضرتها.”
“نـ – نعم. وأيضًا، ذلك البث… الميتيا اللازمة لتشغيله موجودة في مبنى البلدية، حيث يعمل زوجي… أنا قلقة بشأن ما إذا كان قد حدث له شيء.”
صد غارفيل السيف الطويل القادم من الأمام بدرعه، وتجنب ضربة سيف عظيمة شرسة من الخلف عبر ركل السلاح في اللحظة الأخيرة. ومع تخمينه لمسار السيف، تمكن من صدّه بشكل معجزة. لكن، بينما تحرق شرارات النار وجنتيه، سُحق جسده بضربات السيف العظيم من الأعلى والأسفل.
“أختك؟ لماذا ستغضب؟”
وهي تعبر عن قلقها، عضّت ليارا شفتها وهي تنظر باتجاه المبنى.
يقع مبنى البلدية في مركز بريستيلا، والتي تنقسم إلى أربع مناطق: الشمالية، الجنوبية، الشرقية، والغربية. إنه المكان الذي يتم فيه إدارة كل الوظائف الأساسية للمدينة. وهو أيضًا المكان الذي أعلنت “الشهوة” أنها تحت سيطرتها.
لقد حذرتاه رام وفريدريكا بشدة قبل أن تنطلق المجموعة إلى بريستيلا. طلبتا منه أن يحرص على أن غرابته لا تسبب الإزعاج لأحد سوى أوتو، الذي كان خبيرًا في التعامل مع فوضى الآخرين.
— ما نوع الأضرار التي ألحقها مرتكب هذا البث القاسي والمجنون بالأشخاص في مبنى البلدية؟
“هممم! حلوة! لذيذة! يا لروعتها!”
في أعماق صدره، ظل نبض قلب غارفيل يدق كجرس إنذار، وأصبحت أفكاره محدودة للغاية.
“رائع! على أي حال، هيتارو وتي بي مدللون جدًا. الأمر صعب جدًا عليّ كأخت كبيرة!”
شقيقاه الصغيران غير المرئيين، “غاليك” الذي ترك في منطقة الخطر، ليارا التي ظلت تركض في تلك اللحظة قلقًا على عائلتها — في مواجهة هذا الخطر، لم يستطع غارفيل أن يقف بهدوء متفرجًا.
الأول كان رجلًا ضخمًا، لدرجة أن غارفيل اضطر للنظر للأعلى ليتمكن من رؤيته. كان يحمل سيفين كبيرين في يديه، وينظر بهدوء نحو غارفيل. أما الآخر، فكانت ذات جسد نحيف وهيئة أنثوية، تحمل شفرة طويلة وحادة بحافة واحدة، ووقفت بوضعية أظهرت جمالًا أرعب غارفيل.
كان يعتقد بكل تأكيد أن والدته قد ماتت. حتى لو نجت والدته، إذا كانت لا تزال على قيد الحياة، لم يستطع تخيل سبباً لعدم عودتها إلى غارفيل وفريدريكا.
“الزعيم ، السيدة إميليا…”
بطريقة ما، أدرك السبب — هذا الطيف كان انعكاسًا لضعفه الداخلي.
ظهر في ذهن غارفيل كل من سوبارو، إميليا، بياتريس، وأوتو.
كان هؤلاء هم من أتى غارفيل إلى “مدينة البوابة المائية” لحمايتهم. ماذا سيكون نفعه إذا لم يكن بجانبهم الآن؟ فهو لا يقدم سوى قدراته القتالية.
جعل الصوت غير المريح غارفيل يقبض قبضته بغضب، بينما تشد ميمي على كُمّه، وقد خفّت بهجتها المعتادة وهي تحدق في السماء بقلق.
لكن في الوقت نفسه، لم يستطع قلبه أن يتجاهل أشقاءه الصغار الذين اكتشفهم حديثًا، “غاليك”، ومشهد والدته أمام عينيه.
“لننطلق.”
— لقد حان وقت الاختيار. قرار بات يضغط على غارفيل لتحديد أي طريق سيسلكه مصيره.
“أنا آسفة لإزعاجك بهذا الشكل… أرجوك، انسَ كل ما قلته لك، أيها البديع.”
“…آه.”
اقتربت ميمي قليلًا، تمشي بجانبه، ولكن خارج نطاق ذراعه. شعر غارفيل أن وجه ميمي كان محمرًا قليلًا، لكنها ابتسمت ابتسامة مشرقة من ذلك الموقع.
“أنا غير عادلة تمامًا معكَ الآن. لا بأس بذلك. هؤلاء الأطفال يسمعون بث المدينة كل يوم، ومنذ زمن بعيد لم يخطئ ذلك الرجل في شيء من هذا القبيل…”
“ميمي، يبدو الفراء حول أذنيكِ ناعمًا جدًا. أتساءل… هل يمكنني لمسه؟”
“التئم!! التئم، التئم، اللعنة! اشفِ، اشفِ، اشفِ اشفِ اشفِ!!!”
حاولت ليارا أن ترسم ابتسامة شجاعة لتهدئة غارفيل المتردد. لكن يديها، التي بدت وكأنها مطوية في صلاة، كانتا ترتجفان. وجهها شاحب وكأن الدم قد نزف منه تمامًا.
إلى أين ذهبت؟
كان ذلك أداءً يائسًا. كانت تحاول ألا تحمل غارفيل وميمي أعباء ليست من واجبهما.
ألم يكن غارفيل هو السبب في أن ميمي انتهى بها الأمر بهذا الشكل في المقام الأول؟
التبادل بينه وبين ميمي جعل المشاعر السلبية التي كانت تعصف في صدره تتلاشى وتختفي. أمكنه أن يشعر أن روحه التنافسية، التي باتت مثبطة بفعل الإهانة والشعور بالهزيمة، قد انتعشت بعناد.
— تمامًا كما فعلت حين تركته هو وأخته الكبرى في الملاذ للبحث عن والده في العالم الخارجي.
تأرجح قلبه بين الخيارين، لكن تلك الذكرى المؤلمة جعلته يتخذ قرارًا سريعًا.
“همف، هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ أليس من الممكن أن يكون هذا البديع هو من قلب القارب في المقام الأول؟ أراهن أنه كان يخطط للمجيء هنا ليحاول ابتزازنا للكثير من المال.”
“…سأجد أطفالكِ وزوجكِ.”
“السيد البديع؟”
فتحت ليارا عينيها على اتساعهما بدهشة عند رده غير المتوقع. أومأ غارفيل بثبات نحو ليارا، ثم نظر إلى يد ميمي وهي تمسك بيده. أثناء تفكيره واتخاذه للقرار، انتظرت ميمي بصمت، تاركةً له حرية الاختيار.
“لماذا…؟ لا، فهمتُ — آسف.”
“لأنني ظننت أنك ركضت على عجل، وأنك ربما ستتمكن من اللحاق بهما. اعتقدت أنه من السيئ أن يغادرا فارغَي اليدين أيضًا…”
كان لديها إخوة صغار وأشخاص آخرين ترغب في حمايتهم أيضًا. لم يمكنه إجبارها على الانصياع لرغباته بعد الآن.
الرجل الضخم المترنح لن يتمكن من الإمساك بميمي. لن يكون من الصعب عليها الهروب دون أن تصاب بأذى. أما بالنسبة للمرأة التي دفعها غارفيل للخلف، فلم تكن في وضع يسمح لها بتحمل هجوم آخر.
سيضطر غاليك إلى مشاهدة زوجته تعاني، ولن يتمكن أطفالها بالتأكيد من فهم معاناة والدتهم عندما لا يعرفون شيئًا عن الظروف.
“من الآن فصاعدًا، هذا تصرف أناني مني فقط. عودي و…”
“آآآي!!”
“…لا… يمكن.”
“ماذا الآن!”
“بحق الجحيم؟”
في منتصف وداعه، ضغطت ميمي بكعب قدمها على قدم غارفيل. كان جسدها خفيفًا، لكن تلك الركلة كانت موجهة بزاوية لتحقيق أقصى تأثير. تأوه غارفيل من الألم بينما انتفخت ميمي صدرها بفخر.
“أنا مطران خطيئة الشهوة في طائفة الساحرة —
“ميمي مستاءة لأن غارف يظن أنها ستتراجع بعد أن قال شيئًا بهذا الروعة! ميمي ستأتي، ستأتي تماماً!”
“أعني ما قلت. كان ريد يواجه خصومه دائمًا وجهاً لوجه. لا أحب الطرق الملتوية. زوجتك… هل اسمها الحقيقي ليارا أم لا؟”
“لماذا…؟ لا، فهمتُ — آسف.”
“— هذا هو الوقت الذي تقول فيه شكرًا!”
“— نعم، شكرًا.”
عائدةً بعد قفزة قصيرة، انطلقت ميمي نحو غارفيل وضغطت بإصبعها على جبهته. لم يكن ذلك مؤلمًا، لكنه شعر بأنه لا ينبغي تجاهله.
“على الرحب والسعة! ياي!”
بعد أن ارتفعا ثلاث طوابق في قفزة واحدة، تمددت ميمي بظهرها.
حين ارتسمت ابتسامة غبية على وجه ميمي، ابتسم غارفيل أيضًا، شاعراً وكأن ثقلًا كبيرًا قد أُزيح عن كاهله.
لم يكن غارفيل متأكدًا تمامًا مما يجري، لكن بدا أن هذا الأخ والأخت يمتلكان علاقة جميلة مليئة بالاهتمام.
“الآن أصبحت هذه المدينة حديقة صغيرة يمكننا فيها التجول والتسلية بأنفسنا، وإساءة معاملتكم، واللعب بكم كما يحلو لنا، يا إلهي! أنتم أيها اللحم البشري مجرد حشرات داخل قفص، أليس كذلك؟ لا أوراق رابحة! لا آمال زاهية! لا أحلام أو تطلعات! هل تفهمون ما يعنيه ذلك؟ ها؟!”
وبينما تراقب ليارا بذهول، استدار الاثنان لمواجهتها مجددًا.
“نعم، أنا بخير تمامًا! آه، لقد كانت السواري لذيذة! أقمنا وليمة!”
“لماذا…؟”
“سنجدهم. عودي إلى أقرب ملجأ. من الأفضل أن تبقي مع الآخرين وتنتظري حتى نتولى الأمر.”
“و – لكن… لماذا تفعلون كل هذا من أجلي؟”
رأيها كان سخيفًا للغاية.
— حقًا، لماذا؟
لم ترد ميمي سوى بـ “هاه؟” وأمالت رأسها ببراءة، مما جعل غارفيل ينفجر ضاحكًا.
تلك العيون المرتجفة من ليارا ظلتا تبحثان عن السبب الحقيقي وراء قرار غارفيل. لم يكن ذلك بدافع القلق أو الشك. كانت لديها فقط شعور بسيط بالريبة — كان هذا تصرفًا خيرًا دون أي مبرر يمكنها التفكير فيه.
مستغلًا دهشتهم، جمع غارفيل الأطفال الخمسة دفعة واحدة، وقفز مرة أخرى للهروب. وبعد لحظات فقط، اصطدم القاربان وغرقا في المجرى المائي.
ضغط غارفيل على أنيابه عند كلماتها وأطلق ابتسامة شرسة.
“غارفيل، سواء كنت قلقًا أم لا، فأنت قوي بحق.”
“لأنني النمر الذهبي! أنا النمر البديع!!”
كان رئيس الأساقفة الممثل لإحدى الخطايا السبع الكبرى، الذي هزمه سوبارو قبل عام، يمتلك عددًا لا بأس به من التابعين. لم يكن لديهم قوة قتالية كبيرة، ولكنهم كانوا جيدين في الاندماج وسط الحشود.
“ولأن ميمي هي ميمي البديعة!!”
“غارفي، هذا مذهل! سوبر رائع!!”
صرخ الاثنان بهذه الكلمات بصوت عالٍ جدًا، ثم نظرا نحو ليارا، التي رمشت بدهشة، قبل أن ينطلقا معًا بعيدًا.
لكن إذا انعكس الوضع، لودَّ غارفيل بالتأكيد معرفة الحقيقة. بعد كل شيء، حتى لو كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتحقق هو تقاسم هذا الاستنتاج المؤلم، فإن كلتا المرأتين لا تزالان عائلة بالنسبة لغارفيل.
“الآن فهمت! إذاً هذان الاثنان خرجا مجددًا هذا الصباح لزيارة المغنية في ذلك المتنزه؟!”
مع والدته في الأسفل بعيدًا، استدار غارفيل لمواجهة الريح واستغلال أنفه إلى أقصى حد.
“أنا مطران خطيئة الشهوة في طائفة الساحرة —
“غارف، ما الذي سنفعله الآن؟”
“يا سيدي، ما اسمك؟ ماذا يجب أن نناديك؟”
“نتتبعهم بالرائحة. ما زلت أتذكر رائحتهم جيدًا!!”
كان هناك قارب يتحرك بمفرده في المجرى المائي الكبير الذي يمر عبر المدينة. يبدو أن الحبل الذي كان يربطه بالشاطئ المقابل قد انقطع. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في ذلك.
“حسناً!”
رفع غارفيل حاجبًا عندما شعر بخفة وزن المرأة.
“غارف! هذه الرائحة! إنها قادمة من ذلك الاتجاه!”
بينما كانا يتحدثان بصوت عالٍ تقريبًا ليسمع أحدهما الآخر، انطلق غارفيل وميمي في سباق عبر مدينة البوابات المائية وكأنهما يطيران.
جعلته هذه الفكرة المرعبة يضغط على أسنانه بقوة حتى لا يرتجف.
كانت ميمي تسانده في لحظة تهوره، حيث وضع مسؤولياتها جانبًا وفضلت متابعة أموره الشخصية، على الرغم من العوامل التي حاولت إقناعها بالعدول عن هذا القرار.
“بفف…! مـ – ماذا تقولين؟! مقابلتها…؟ لا يمكن ذلك إطلاقًا!”
بينما يُصارع هذه الأفكار، لمس غارفيل الندبة على جبهته. قرر أن يترك التفكير في الأمر لوقت لاحق، واختار ببساطة أن يتبع قلبه. في النهاية، كان هذا الخيار أسرع. لم تكن هناك حاجة للاختيار بين هذا وذاك إذا أمكنه الحصول على كل شيء.
هذا هو أسلوب فصيل إيميليا — الشيء الذي تعلمه غارفيل خلال العام الماضي.
“غارف! هذه الرائحة! إنها قادمة من ذلك الاتجاه!”
“— نعم، لا شك في ذلك! عمل رائع!”
تراجعت أصوات التصفيق فجأة عندما رد غارفيل بفخر.
ورغم أنها كانت الأخت الكبرى للصبي، إلا أنها لم تتجاوز العاشرة من عمرها، تقريبًا — العمر الذي يبدأ فيه الأطفال بالتباهي بشجاعتهم. وبناءً على مظهر غارفيل، افترضت أنه مشاغب من الشوارع وتحدّته بينما تستجمع كل شجاعتها بدموع في عينيها. على الأرجح، كانت تفعل ما بوسعها لتشتيت الانتباه عن شقيقها الصغير.
أكد غارفيل متأخرًا أن ميمي قد التقطت الرائحة التي كانا يبحثان عنها. وجدوا آثارًا باقية للرائحة التي تخص الأخوين الصغيرين. كانت تقودهم نحو المنطقة الأولى — مما ذكره بالمحادثة التي أجراها مع فريد الليلة السابقة.
“— غاه!”
“…”
“الآن فهمت! إذاً هذان الاثنان خرجا مجددًا هذا الصباح لزيارة المغنية في ذلك المتنزه؟!”
ما يعني أن الأخ الأصغر استيقظ مبكرًا بعد أن فكر في خطأه في اليوم السابق، وانتهى الأمر بأخته سليطة اللسان بمرافقته نتيجة لذلك. ومن ثم، بات من المنطقي أنهما في الملجأ القريب من هناك.
كان المتنزه قريبًا من قاعة المياه، وهو مكان يمكنهم من خلاله الالتقاء سريعًا بسوبارو والبقية —
وبينما يفكر غارفيل في كيفية تبرئة ساحته —
القصة التي يرويها غارفيل في ذلك الوقت كانت حادثة تمثال الإلهة الملعونة، والتي تركت أكبر انطباع عليه من بين كل ما حدث في العام الماضي.
“— المبنى الإداري.”
حان الوقت لتطبيق كل هذا العمل الجاد. كانت فرصة لإظهار مدى تقدمه. هذا بالتأكيد الموقف الذي أراد أن يكون مستعدًا له.
قبل أن ينطلق عن الأرض بلحظة، لمح غارفيل المبنى الإداري. هناك، في مركز المدينة الذي أصبح تحت سيطرة “الشهوة”، كان يقبع الشخص الأخير الذي يبحث عنه. ومرة أخرى، حان وقت الاختيار.
غير قادر على تقبل الواقع أمامه، بصق غارفيل كلمات واهنة مرة أخرى.
“غارف، ما الذي سنفعله الآن؟”
حين سألت ميمي، ضاغطةً عليه لاتخاذ قرار، سأل غارفيل نفسه السؤال ذاته.
تمتعت المرأة بشعر أشقر طويل ومتألق، وبشرة ناصعة، وقوام رقيق. كان وجهها يحمل ملامح لطيفة، وعيناها ذات اللون اليشم — اللتان بدتا قريبتين جدًا من عيني شقيقته الكبرى — مليئتين بالحنان.
ما نوع الشخص الذي يجب أن يراه غارفيل في غاليك؟
“شهيق ، زفير. هذا كل ما يتطلبه الأمر ليخرب أشباهكم مزاجي. أنتم حقًا مجرد قطع قمامة بلا قيمة تُذكر، أليس كذلك؟ إذا كنتم تقضون حياتكم فقط في الأكل، والشهوة، والترويل دون أي هدف، فالأفضل أن تكونوا جثثًا بدلًا من ذلك! أتعرفون؟ فقط موتوا بالفعل! أرجوكم فقط موتوا! حقًا، أتوسل إليكم! هو-ها-ها-ها-ها!”
هل يراه الرجل البغيض الذي سرق والدته، أم المنقذ العظيم الذي أنقذ حياتها؟ على عكس الأخوين اللذين تربطهما به رابطة الدم، لم يكن بينه وبين غاليك أي صلة مباشرة.
“لا، الأمر ليس كذلك.” رفع كوبه على عجل. “ليس الأمر كذلك أبدًا. كنت فقط… متفاجئًا من حجم المكان.”
إذا كان سيعتمد في اختياراته على روابط الدم، فلا واجب عليه لإنقاذ غاليك. لكن ماذا سيحدث لليارا والأطفال إذا فقدوه؟
الفراغ الذي يتركه شخص ما في العائلة لا يمكن ملؤه أبدًا — وغارفيل يعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر.
تلك الابتسامة البريئة، والطريقة التي لم تعرف بها الشك، والطريقة التي استضافت بها رجلاً مشبوهًا وفتاة قطة في منزلها دون تحفظ، كانت كلها أمورًا استثنائية.
“…المبنى الإداري — هناك بالتحديد تتحصن رئيسة الأساقفة التي بثت ذلك الخطاب الملعون سابقًا.”
“هممم، ربما، نعم.”
كان هذا التصريح المروع ممتلئًا بالخبث، مما جعل أنفاس غارفيل تتوقف.
“لقد هزّت المدينة بأكملها، وبين الزعيم وإخوانكِ الصغار، هناك الكثير من القلق… لكن قلب المشكلة يكمن في مصدرها. إذا دمرنا سبب كل ذلك، يمكننا إنهاء الأمر بسرعة.”
“يعني يمكننا إنقاذ الجميع! مذهل! هذا مذهل!”
لكن إذا انعكس الوضع، لودَّ غارفيل بالتأكيد معرفة الحقيقة. بعد كل شيء، حتى لو كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتحقق هو تقاسم هذا الاستنتاج المؤلم، فإن كلتا المرأتين لا تزالان عائلة بالنسبة لغارفيل.
قفزت ميمي على غارفيل بينما يشرح المنطق وراء قراره. لكن ذيلها الطويل ارتفع على الفور، مشيرًا نحو المبنى الإداري.
“…”
“لكن هل هذا حقًا جيد؟ لدي شعور سيئ يجعل شعري يقف من الخوف.”
ممسكةً بعصاها، كانت كلمات ميمي الأولى توبيخًا مباشرًا لرفض غارفيل اتباع خطتهم.
قضت ليشا حياتها متنقلة بين المصائب المتتالية، إلى أن وصلت أخيرًا، مع ابنتها الصغيرة وبطنها المنتفخ، إلى رعاية روزوال في أرض الملجأ الهادئة.
“لا يمكننا تجاهل الحدس. أذني أنهكتا من عدد المرات التي قال لي فيها الزعيم أن رؤساء الأساقفة الممثلين للخطايا السبع الكبرى هم خطر كبير. ومع ذلك…”
الشخص الوحيد الذي يعرفه غارفيل وله صلة بالساحرات هي الساحرة ذات الشخصية السيئة التي ترقد في ضريح الملاذ.
“ميمي تعرف! هذا الصوت يأتي من ميتيا خارقة رائعة! في هذه المدينة، يمكنك سماع الغناء كل صباح بفضلها. لكنني نمت طوال الأمس!”
الحقيقة أنها كانت تتمتع بقوة هائلة. لكن غارفيل لم يشعر أبدًا، ولا لحظة، بأنه سيخسر أمامها في مواجهة قوة.
بدا الجدار باردًا.
على أي حال، يجب القضاء على مطران خطيئة الشهوة لتحرير المدينة.
“— واه!”
“سيكون رائعًا إذا استطعنا إسكاتها فقط. على الأقل، أريد أن أرى وجه العدو.”
“تقصد استكشافًا؟ هممم… حسنًا! لنقم ببعض الاستكشاف!”
متحمسًا للغاية، عانق الصبي غارفيل بشدة. عانقه غارفيل أيضًا، فقط لتلتحق به ميمي من خلفه كذلك.
رغم أن ميمي بدت مترددة في البداية بسبب المخاطر، وافقت في النهاية على خطة غارفيل.
مع صوت خطوات سريعة، لحقت ميمي بغارفيل ووقفت بجانبه. وكما توقع، أصابها المشهد المروع للساحة بالذهول، لكن جسدها الصغير بدا متوترًا بشكل يفوق دهشتها، مما ملؤه الحذر.
استعدت ميمي بعصاها المحببة التي تحملها على ظهرها، بينما ثبت غارفيل دروعه الفضية على ذراعيه. وبعد التأكد من تجهيزاته وأن الفولاذ ملفوف بإحكام حول ذراعيه القويتين، أصبح جاهزًا للقتال.
“أنا سعيدة جدًا لسماعك تقولين ذلك. أرجو أن تنقلي تحياتي لهذه السيدة.”
“أنا آسف… أنا آسف جدًا، أيها القائد!! أنا…! أنا عديم الفائدة! لا أساوي شيئًا…!”
“لننطلق.”
“غارف، هل أنت بخير مع ذلك؟”
بهذا الإعلان المقتضب، انطلق الاثنان ركضًا نحو المبنى الإداري.
أما الأخ الصغير —
— ولكن هل ماتت والدته حقًا؟ لم يفكر أبدًا في احتمالات أخرى.
كان رئيس الأساقفة الممثل لإحدى الخطايا السبع الكبرى، الذي هزمه سوبارو قبل عام، يمتلك عددًا لا بأس به من التابعين. لم يكن لديهم قوة قتالية كبيرة، ولكنهم كانوا جيدين في الاندماج وسط الحشود.
“آه، بالمناسبة، لدينا سواري! دعنا نأكل بعضها!”
شعر غارفيل وكأنه سيموت من شدة الصداع في صباح اليوم التالي، لكنه لم يفقد ذكريات الليلة السابقة. وبالتالي، ظلت ذكرى حديث روزوال عن أمه حية في ذهنه. وكان غارفيل ممتنًا للكحول إلى حد ما لأنه ترك له تلك الذكرى.
كان عليهم التعامل مع هذا الموقف بسرعة واستعادة المبنى بالقوة. وبالرغم من تقديم غارفيل خطته لميمي كعملية استطلاع، إلا أنه في قرارة نفسه كان ينوي التغلب على الأعداء بسرعة وبعنف.
بعد حادثة تورط فيها مع سوبارو وأوتو في إحدى المدن، بدأ يرى صورتها تظهر عند أطراف رؤيته بين الحين والآخر.
— على الأقل، كان هذا هو المخطط حتى التقط رائحة كثيفة بشكل استثنائي للدم المتسرب من المبنى الإداري.
قامت المرأة بمداعبة رأس ميمي بلطف بينما كانت الأخيرة جالسة على الأريكة، تلوّح بقدميها. أطلقت ميمي صوتًا يشبه الهرير وسرعان ما بدت مرتاحة تمامًا.
“…”
بمعنى آخر، في ساحة معركة يُقرر فيها المصير خلال لحظة، أصبحت حياته الآن مكشوفة وغير محمية.
— دماء طازجة… من أين تأتي بحق الجحيم؟
عندما توقف الاثنان، رأى عبق الحديد الكثيف يتصاعد من الشارع أمامهما. إذا واصلا السير مباشرة ولفا عند الزاوية، سيجدان المبنى الإداري أمامهما مباشرة. لم يكن هناك شك في مصدر الرائحة.
وفجأة، طرأت عليه فكرة — ربما، زوج ليارا هذا يعرف حقيقتها.
“غارف، لا تفعل! لا…!”
“أنا مطران خطيئة الشهوة في طائفة الساحرة —
لم يكن من الصواب أن تموت هذه الفتاة من أجله.
في اللحظة التي حاول فيها غارفيل التقدم باتجاه رائحة الدم، أمسكت ميمي بقماشة وسطه. ظلت تهز رأسها رافضةً، ودموعها تكاد تنهمر وهي تكرر: “لا تفعل.”
لكنه لم يستطع التراجع. إذا تراجع، فلن يتمكن من تحقيق رغبة ليارا — أو ليشا.
“…من سيقع في حب طفلة صغيرة مثلك؟”
“إذا لم ترغبي في الذهاب، ابقي هنا. أما أنا، فسأمزق رأس هذا الوغد وحدي إذا اضطررت!”
عبس غارفيل مع ازدياد حدة الصوت السادي الذي كان يُبث في المدينة. في الوقت ذاته، بدأ الناس المحيطون يدركون ببطء خطورة الوضع، مما أدى إلى انتشار الفوضى والذعر.
“غارف!”
“غارف!”
فورًا، دفعت ميمي يد غارفيل بعيدًا وقفزت للخلف. تفاجأ غارفيل بردة فعلها الدرامية، بينما بدأت ميمي تصدر أصواتًا مثل “أوووو” ووجهها محمر.
هز غارفيل يد ميمي التي تمسك به وانطلق يجري عبر الشارع. عند التفافه حول الزاوية، اتسعت رؤيته — المبنى الإداري كان أمامه، والمشهد في الساحة المؤدية إليه بدا مأساويًا.
وبينما يربت على كتف صاحب القارب المسكين، توقف غارفيل ليلتقط أنفاسه. في تلك اللحظة —
“؟!!”
وفجأة، طرأت عليه فكرة — ربما، زوج ليارا هذا يعرف حقيقتها.
باتت رائحة الدم قوية جدًا لدرجة أنها جعلته يزم أنفه، وبدت نظرة واحدة كافية للتعرف على آثار مذبحة بشعة. الساحة أمام المبنى الإداري، المحاطة بالمجاري المائية من ثلاث جهات، أصبحت غارقة في الدماء لدرجة أنه بات من المستحيل تقريبًا تمييز لون الحجارة المبلطة الأصلية.
العديد من الأشخاص قد لقوا حتفهم بالفعل، وجثثهم متناثرة في برك من دمائهم — وبناءً على تجهيزاتهم، كان هؤلاء من حراس بريستيلا. على الأرجح، استجابوا للبث وهرعوا بشجاعة للدفاع عن مدينتهم.
ودع غارفيل بسرعة، ممسكًا بيد ميمي وهو يغادر الغارفة معها. دفع الرجل الذي أفسح له الطريق على عجل، وغادر المنزل مسرعًا.
بطريقة ما، أدرك السبب — هذا الطيف كان انعكاسًا لضعفه الداخلي.
ثم انتهت حياتهم بوحشية.
كانت أمنية غارفيل واحدة سيتم تحقيقها. بعد كل شيء، العالم لم يكن رحيمًا إلى هذا الحد.
كانت تلك شخصية مألوفة، لطالما لمحها عند أطراف رؤيته من حين لآخر — رغم أنه علم يقينًا أنها ليست حقيقية، بل شبح امرأة كانت موجودة ذات يوم.
كان عدد الجثث ثلاثين تقريبًا، لكن هذا التفصيل المروع لم يكن أكثر ما جذب انتباه غارفيل.
العديد من الأشخاص قد لقوا حتفهم بالفعل، وجثثهم متناثرة في برك من دمائهم — وبناءً على تجهيزاتهم، كان هؤلاء من حراس بريستيلا. على الأرجح، استجابوا للبث وهرعوا بشجاعة للدفاع عن مدينتهم.
“هل فهمتم؟ هل وصل الأمر إلى جماجمكم السميكة؟ أنتم بائسون للغاية، كل واحد منكم يركض في حالة من الذعر بينما تدركون أخيرًا ما كنت أقول لكم طوال الوقت! إنه أمر مثير للشفقة للغاية! على أي حال، لدي خبر سعيد لكم، أيها الأوغاد البائسون الذين لا يمكن إصلاحهم!”
— بل كان الشخصين اللذين يقفان جنبًا إلى جنب في مركز الساحة، محاطين بالجثث.
“…”
الأول كان رجلًا ضخمًا، لدرجة أن غارفيل اضطر للنظر للأعلى ليتمكن من رؤيته. كان يحمل سيفين كبيرين في يديه، وينظر بهدوء نحو غارفيل. أما الآخر، فكانت ذات جسد نحيف وهيئة أنثوية، تحمل شفرة طويلة وحادة بحافة واحدة، ووقفت بوضعية أظهرت جمالًا أرعب غارفيل.
كان قد سمع أن الأبراج الأربعة في المدينة هي مرافق حيوية لتنظيم تدفق المياه في كافة أنحاء “بريستيلا”. وقيل إن وظائفها لم تتغير منذ أن استُخدمت “مدينة البوابة المائية” لاحتجاز كائن ذي قوة هائلة منذ زمن بعيد — والآن، أصبحت في قبضة هذه الكيان الغامض.
أما غارفيل، فقد رفع الكوب إلى شفتيه دون أن ينطق بكلمة. الطعم والحرارة كانا مناسبين تمامًا له.
كلاهما كان يرتدي ملابس سوداء من الرأس إلى القدمين. لم يتمكن غارفيل من رؤية ملامح وجهيهما بوضوح.
لسبب ما، كانت ميمي، ظلت الفتاة القطة وعضوة معسكر منافس، تلاحق غارفيل في كل فرصة سانحة.
“…لكن بالنظر إلى طريقة وقوفكما كرُوَّاد قتال ورائحة الدم التي تنبعث منكما، أنتما المسؤولان عن هذا، صحيح؟”
جعل الصوت غارفيل يتوقف في مكانه على الفور.
عندما كانت عائلتها تعاني من ديون ساحقة، بيعت وهي صغيرة لتاجر عبيد غير قانوني. وبعد أن تعرض هذا التاجر لغارة من قطاع طرق شبه بشريين، أصبحت عبدة لدى أولئك القوم.
صك غارفيل أنيابه بينما تحدث إلى الشخصين اللذين وقفا بجرأة في تلك الساحة الدامية. لكن لم يستجب أي منهما لاستفزازاته. شعر بندبته على جبهته تخفق بشدة.
— أيها النمر، أيها النمر.
“غارف… هذان الشخصان… قويااان جدًا!”
كان عدد الجثث ثلاثين تقريبًا، لكن هذا التفصيل المروع لم يكن أكثر ما جذب انتباه غارفيل.
مع صوت خطوات سريعة، لحقت ميمي بغارفيل ووقفت بجانبه. وكما توقع، أصابها المشهد المروع للساحة بالذهول، لكن جسدها الصغير بدا متوترًا بشكل يفوق دهشتها، مما ملؤه الحذر.
“أختك؟ لماذا ستغضب؟”
وبينما يشعر بالموت يقترب، رأى في زاوية نظره ظلًا يبتسم له بابتسامة ملطخة بالدماء وهي تضحك —
كان انطباعه السابق بأن خصومهم لم يظهروا أي رد فعل خطأً — فما إن دخل غارفيل وميمي الساحة، حتى اجتاحهما جو مروع مليء بالشر وهالة حادة كأنها نصل سيف بحد ذاته.
“ما هي علاقتك بزوجتي، ليارا؟”
الثنائي المنتظر في الساحة كان خطيرًا وعدائيًا بشكل واضح لدرجة جعلت من الجليٍّ أنهما خصمان شديدا الصعوبة. شعر غارفيل بتهديد كبير لدرجة أن حلقه جف فجأة، وكأن طرف سيف يضغط على قلبه النابض.
“بفضلي…؟”
كان أعداؤهم بوضوح أساتذة تجاوزوا حدود البشر العاديين — وما لم يتخطَ غارفيل هؤلاء الحراس، لن يتمكن من الوفاء بقسمه.
باتت رائحة الدم قوية جدًا لدرجة أنها جعلته يزم أنفه، وبدت نظرة واحدة كافية للتعرف على آثار مذبحة بشعة. الساحة أمام المبنى الإداري، المحاطة بالمجاري المائية من ثلاث جهات، أصبحت غارقة في الدماء لدرجة أنه بات من المستحيل تقريبًا تمييز لون الحجارة المبلطة الأصلية.
“هاه، الأمور تصبح مشوقة…!”
ظهر في ذهن غارفيل كل من سوبارو، إميليا، بياتريس، وأوتو.
بابتسامة، صدم غارفيل الدروع المغطية لذراعيه أمام صدره في محاولة لتحفيز نفسه. صوت احتكاك المعدن بالمعدن ورشقات الشرر أضاءت الوحش المحتجز داخل قلبه المتردد.
“يعني يمكننا إنقاذ الجميع! مذهل! هذا مذهل!”
لكن بينما يجهز غارفيل نفسه، فتحت ميمي ذراعيها على مصراعيهما ووقفت أمامه وهي تصرخ.
كان يرتدي ملابس أنيقة ويبدو عليه الحيوية. وجهه يشير إلى شخص هادئ وفعّال في منزله. كانت مكانته واضحة حتى قبل أن يتفاعل الأطفال مع عودته.
“لا تفعل! غارف! لا يمكننا مجابهة هذين! إنهما أقوى مما نستطيع مواجهته بمفردنا! توقف!”
“ليارا، لماذا…؟”
“ــــ! لن نعرف حتى نحاول. من المستحيل أن أقبل حقائق مطلقة على أنها محسومة.”
توقفت ضربة غارفيل بواسطة أذرع العملاق الهائلة. لكن هذه لم تكن نفس الأذرع التي كانت تحمل السيوف العظيمة. حينما فتح العملاق ملابسه، اتضح أنه يستخدم أذرعًا إضافية مخبأة لصد هجوم غارفيل بقوة لا تُصدّق.
أنا الأقوى.
كلمات ميمي التي حاولت بها إيقاف غارفيل غرست نفسها في الشقوق الموجودة داخل قلبه. وهو يضغط بأسنانه على مخاوفه العميقة، أشار غارفيل بذقنه نحو الثنائي.
عندما قدمت ميمي رأسها، قامت ليارا بمداعبته بسعادة، مستمتعة بنعومة الفراء المريح.
“إضافة لذلك، حتى لو تراجعنا، لن يتركونا نرحل من هنا بسلام. يجب أن يواجههم أحد.”
“…لا… يمكن.”
“إذًا فقط مرة واحدة! ندخل ونواجههم سريعًا ثم ننسحب ونهرب. أي شيء آخر غير مقبول! ميمي وغارف وحدهما ليسا كافيين! الأمر مستحيل من دون القائد وجوليوس!”
صرخت الفتاة قائلة “واااه!” ثم ابتسمت وهي تندفع بالركض. وبعد أن قطعت مسافة قصيرة، توقفت ميمي وابتسمت وهي تنتظر أن يلحق بها — وفي الوقت نفسه، كان الشبح الذي كان موجودًا في السابق قد اختفى تمامًا.
رغم أن ميمي ما تزال تحاول دفعه للتراجع، أصر غارفيل بشدة على موقفه.
“لا بأس. أمـ… تلك الشخص لا ينبغي أن تعرف أنني ابنها.”
بدت توسلات ميمي صحيحة. كل من الاثنين أمامهما يمتلكان قوة تفوق البشر— مستواهما الخطير يعادل، إن لم يكن يتجاوز، مستوى “صيادة الأمعاء”. وعلى الرغم من اتفاق غارفيل الكبير على أن مواجهتهما دون استعداد كان انتحارًا، فإن تقبل ذلك كحقيقة أمر مختلف تمامًا.
الثنائي أمام عينيه كانا حائطًا. حاجزان يقفان أمام طريقه بقوة هائلة، يمثلان عائقًا يجب عليه تحديه وتجاوزه.
بالمجمل، أصبح لديه الآن أربع أذرع، دون أي فتحات واضحة يمكن استغلالها. هذا المزيج الساحق من الهجوم والدفاع أعاق هجوم غارفيل المضاد بالكامل. في لحظة، توقف النمر القوي الذي كان رمزًا للعدوان في مكانه.
“؟!”
بعد هزيمته على يد راينهارد دون قتال، هل يستطيع حقًا تحمل الفرار من خصومه مرتين؟
نظر غاليك إلى غارفيل بنظرة مليئة بالتصميم الهادئ والثابت. حتى غارفيل لم يكن غافلًا عن أهمية تلك الكلمات والمشاعر التي حملتها.
نظرت الأخت الكبرى فوق رؤوس الضيوف لتنادي والدتها وسارعت إلى جانبها، موجهةً نظرات صارمة بعينيها الزمرديتين نحو غارفيل طوال الوقت.
كان يتوق لأن يصبح الأقوى. كان يملك كبرياءً داخليًا، وكان واعيًا لدوره كدرع لأصدقائه الأعزاء. وبشكل مختلف عما يتمنى، اجتمع مجددًا بوالدته وعائلتها الجديدة.
“إذا لم ترغبي في الذهاب، ابقي هنا. أما أنا، فسأمزق رأس هذا الوغد وحدي إذا اضطررت!”
— ما نوع الأضرار التي ألحقها مرتكب هذا البث القاسي والمجنون بالأشخاص في مبنى البلدية؟
بالنسبة لأمه، سلامة أو خطر الرجل الذي أنقذها كان —
في اللحظة التي خطرت فيها فكرة الموت، دوى ذلك الصوت الحلو والمظلم، دعوةً إلى ما وراء الحياة، بداخل نفسه.
“…”
تحدثت المرأة برفق، بنبرة لا تحمل أي شكوك على الإطلاق.
نظرت ميمي إلى غارفيل بقلق بينما تعصف هذه المشاعر المتشابكة بداخله. رؤيتها تنتظر قراره جعلته يتذكر الليلة التي قضاها محميًا بدفئها.
على ما يبدو، شعرت الفتاة أنها بحاجة إلى فعل كل ما في وسعها لحماية عائلتها. ومع ذلك، لم تتناغم جهودها الحماسية تمامًا مع والدتها؛ لم يستطع غارفيل سوى أن يشعر بأنها كانت تحاول جاهدة لكنها بلا جدوى.
“هل يبدو لك هذا وجه شخص سعيد؟… لا أريد الحديث عن الأمر، وليس لدي أي التزام بذلك.”
على الفور، هز غارفيل رأسه، إذ تلاشى العناد الذي كان يثبته في مكانه.
بالعودة إلى اليوم السابق لاندفاع غارفيل نحو الملجأ —
“…حسنًا. سنفعل كما قلتِ. نبذل كل ما لدينا في ضربة واحدة، ثم ننسحب. سنجمع فريقنا ونعود لشن هجومنا الحقيقي — هذا مقبول، صحيح؟”
“همم! نعم! دعنا نبذل قصارى جهدنا!”
بدت ميمي مرتاحة لأن غارفيل تراجع عن تهوره.
رؤية تعبيرها ذاك أثار شيئًا في نفس غارفيل بطريقة ما. ذلك النوع من التعابير لا يليق بوجهها على الإطلاق.
متفقين الآن، استدارا معًا لمواجهة خصومهما. ظل الثنائي المقابل لهما يشاهد تبادلهما بصمت. لم يكن غريبًا أن يهاجموا خلال نقاش غارفيل وميمي، لكنهم لم يفعلوا ذلك، سواء كان بدافع الكبرياء، أو الرحمة، أو التماسك — غارفيل وميمي سيجعلانهم يندمون على ذلك.
قامت المرأة بمداعبة رأس ميمي بلطف بينما كانت الأخيرة جالسة على الأريكة، تلوّح بقدميها. أطلقت ميمي صوتًا يشبه الهرير وسرعان ما بدت مرتاحة تمامًا.
العنق، الكتف، الذراع — دار السيف الطويل كالأفعى ليحميهم جميعًا بينما تعالت أصوات السيف وهو يضرب الدرع. وبينما يتفادى إحدى الضربات، رد غارفيل فورًا بركلة أخرى؛ صدتها المرأة بغمدها، لكنها طارت للخلف.
“!!”
ما يعني أن الأخ الأصغر استيقظ مبكرًا بعد أن فكر في خطأه في اليوم السابق، وانتهى الأمر بأخته سليطة اللسان بمرافقته نتيجة لذلك. ومن ثم، بات من المنطقي أنهما في الملجأ القريب من هناك.
دون أي إشارة، اندفع غارفيل وميمي نحو خصومهما في نفس اللحظة.
عندما دخلت ميمي في جوهر الموضوع، سحب غارفيل أنفاسه، غير مستعد تمامًا لذلك.
واجه غارفيل المرأة بقوته، بينما واجهت ميمي الرجل الضخم بمهارتها في المناورة.
لم ترد ميمي سوى بـ “هاه؟” وأمالت رأسها ببراءة، مما جعل غارفيل ينفجر ضاحكًا.
بينما اقترب غارفيل بسرعة السهم، ظلت المرأة واقفة بثبات، دون أن تتحرك قيد أنملة. تلاشت المسافة بينهما في طرفة عين، وعند خمسة إلى أربع خطوات فقط، شن غارفيل الهجوم الأول، ملوحًا بمخلبه الوحشي.
“بفضلي…؟”
— فجأة، لمع السيف بجمال ساحر يكفي لإبهار أي شخص يشاهد.
“أنا آسفة للغاية. لم أظن أننا سنحظى بضيوف، لذا لم أحظَ بفرصة لتنظيف المكان جيدًا.”
“فيريس، ما الأمر…؟”
“— غاه!”
في تلك اللحظة، رفع غارفيل درعه الأيمن ليصد السيف بينما ركل نحو صدر المرأة المفتوح. تجنبت الركلة دون أي حركة غير ضرورية. وبينما يلتف جسدها مبتعدًا، تحرر سيفها، الذي كان عالقًا في درعه، ليهاجم من جديد.
وفي اللحظة التي أراد فيها غارفيل أن يتخلى عن كل شيء، أدرك شيئًا.
“أمي، أشعر بالجوع.”
العنق، الكتف، الذراع — دار السيف الطويل كالأفعى ليحميهم جميعًا بينما تعالت أصوات السيف وهو يضرب الدرع. وبينما يتفادى إحدى الضربات، رد غارفيل فورًا بركلة أخرى؛ صدتها المرأة بغمدها، لكنها طارت للخلف.
“النمر البديع!”
“ما هذا؟”
رفع غارفيل حاجبًا عندما شعر بخفة وزن المرأة.
كانت تلك المشاعر الراسخة التي شعر بها تجاه زوجته، والتي حملها منذ لحظة لقائهما وحتى يومنا هذا.
على يمينه، ركضت ميمي في دوائر حول خصمها الضخم وتسللت تحت سيوفه العظيمة، ملوحةً بعصاها لتنفيذ هجوم سحري. عندما هز انفجار أزرق خصمها ووضعه في موقف ضعيف، بدا أن هذا هو الوقت المناسب لهما للانسحاب من الساحة.
الرجل الضخم المترنح لن يتمكن من الإمساك بميمي. لن يكون من الصعب عليها الهروب دون أن تصاب بأذى. أما بالنسبة للمرأة التي دفعها غارفيل للخلف، فلم تكن في وضع يسمح لها بتحمل هجوم آخر.
شخص ما، في أي مكان، أرجوكم أظهروا لي معجزة. أخبروني. إذا كان هناك أي شيء يمكنني فعله، فأخبروني كيف أنقذ هذه الفتاة.
“سنجدهم. عودي إلى أقرب ملجأ. من الأفضل أن تبقي مع الآخرين وتنتظري حتى نتولى الأمر.”
“للبداية، سنُسقط واحدًا!!”
ظل الصوت المزعج يتردد في جميع أنحاء “مدينة البوابة المائية”، مما أثار دهشة وارتباك المارة الذين سمعوه. بدا أنهم، مثل غارفيل وميمي، لا يملكون أي فكرة عن هوية المتحدث، فكانوا يحدقون في السماء في حيرة.
لذلك، قرر أن الوقت قد حان للضربة. كشف غارفيل عن أنيابه وقفز باتجاه المرأة.
رد غارفيل بدا فاتراً، لكن بالنظر إلى ضحكاتها المرحة، بدا أنها لم تلاحظ شيئًا.
هل يراه الرجل البغيض الذي سرق والدته، أم المنقذ العظيم الذي أنقذ حياتها؟ على عكس الأخوين اللذين تربطهما به رابطة الدم، لم يكن بينه وبين غاليك أي صلة مباشرة.
مع بقاء سيفها في مكانه حيث صدّه الدرع آخر مرة، وجه مخلبه نحو جذعها المكشوف.
“…”
“أنتِ لي —!”
كان لديه كل ما يريده — وفي اللحظة التي أصبح متأكدًا من ذلك، اقترب الموت منه من الخلف.
تردد هذا التقرير المؤلم في أنحاء الغرفة، بينما سقط غارفيل على الحائط وانهار على الأرض.
“!!”
“السيدة ميمي، أنا سعيدة لأنك بخير أيضًا. ذلك البث كان يقلقني.”
“رائع! على أي حال، هيتارو وتي بي مدللون جدًا. الأمر صعب جدًا عليّ كأخت كبيرة!”
تلاشت المسافة بينه وبين العملاق. كانت تلك الهالة المروعة التحذير الوحيد الذي حصل عليه غارفيل. أوقف هجومه على الفور، وقلب جسده للخلف وقفز عاليًا. وفي اللحظة التالية، نزل سيف عظيم ليحطم جسده على الأرض.
مع اقتراب الليل بسرعة، بدأ سماء بريستلا يتلون بالألوان، بينما كانت ميمي وطفل أشقر يشجعان غارفيل وهو يروي قصته. كان هذا الطفل في السادسة أو السابعة من عمره، وكان أحد الأطفال الذين أنقذهم غارفيل في مجرى المياه.
“غاه، آرغههه؟!”
“هاه، الأمور تصبح مشوقة…!”
انفجر غارفيل عبر موجة الصدمة، لتتلاشى أفكاره بينما يسعل كتلة من الدم.
بعد ارتطامه بالأرض، شعر بضربة أخرى تقترب من جانبه. كان محظوظًا أن ذراعه تحركت في الوقت المناسب لصد السيف العظيم بدرعه. حتى مع تقليل حدة الضربة، ظل يُقذف على الأرض وعلى سطح الماء، مرتطمًا بعنف.
لسبب ما، أصبحت أصوات الإعجاب بعيدة، وأصبح التصفيق خفيفًا ومحرجًا. لكن على عكس الآخرين من حولهم، بقيت ردود فعل الأطفال كما هي، مليئة بالحماس.
“غارف، هل أنت بخير مع ذلك؟”
وبينما يتطاير في الهواء، طارده العملاق والمرأة، قافزين في وقت واحد. بات الموت قريبًا.
محاولين إيقاعه في كماشة مميتة، هجم الاثنان من الجانبين، محافظين على غارفيل محاصرًا بينهما.
في أعماق صدره، ظل نبض قلب غارفيل يدق كجرس إنذار، وأصبحت أفكاره محدودة للغاية.
صد غارفيل السيف الطويل القادم من الأمام بدرعه، وتجنب ضربة سيف عظيمة شرسة من الخلف عبر ركل السلاح في اللحظة الأخيرة. ومع تخمينه لمسار السيف، تمكن من صدّه بشكل معجزة. لكن، بينما تحرق شرارات النار وجنتيه، سُحق جسده بضربات السيف العظيم من الأعلى والأسفل.
“غوه!”
“…”
صرخت عظام وركه وأضلاعه ، ثم تحطمت. الألم البليغ وحده جعل رؤيته تتلون بالدماء، وهو يُدفع إلى شفير الموت.
رأيها كان سخيفًا للغاية.
حتى مع خروج أنين الألم وكتل الدم من فمه، لم يتوقف عن البحث عن طريق يقوده للنجاة. لكن خصميه القويين لم يسمحا له بذلك.
لكن في الوقت نفسه، لم يستطع قلبه أن يتجاهل أشقاءه الصغار الذين اكتشفهم حديثًا، “غاليك”، ومشهد والدته أمام عينيه.
في تلك اللحظة، اقترب صوت رجل لاهث من الثنائي الواقف في الشارع ليلاً.
دون أن ينطقا بكلمة، حوّل مهاجموه ضرباتهم الصامتة إلى شراسة بلا قلب، مستمرين في الهجوم على غارفيل.
بدت مهارة المرأة في استخدام السيف حادة، تمثل قمة الجمال القاتل. وزن ضرباتها الفردية لم يضاهِ العملاق، لكن التقنية والمهارة التي أظهرتها في استخدام سيفها الطويل جعلت أي زلة من غارفيل تؤدي حتمًا إلى ضربة قاتلة تتجاوز دفاعاته.
ورغم أنها كانت الأخت الكبرى للصبي، إلا أنها لم تتجاوز العاشرة من عمرها، تقريبًا — العمر الذي يبدأ فيه الأطفال بالتباهي بشجاعتهم. وبناءً على مظهر غارفيل، افترضت أنه مشاغب من الشوارع وتحدّته بينما تستجمع كل شجاعتها بدموع في عينيها. على الأرجح، كانت تفعل ما بوسعها لتشتيت الانتباه عن شقيقها الصغير.
أسلوب قتال الرجل الضخم كان وحشيًا وعنيفًا، لكن الفوضى وانعدام الصقل في هجماته زادت من تدميرها. ظل يلوّح بسيوف يعجز الشخص العادي عن رفعها بكلتا يديه، بينما يستخدم يد واحدة لكل سيف، هائجًا كعاصفة لا تُقهر مجسدة في هيئة بشرية.
ترى، كيف أبدو الآن؟
“غغ… آآآه!!”
صرخت الفتاة قائلة “واااه!” ثم ابتسمت وهي تندفع بالركض. وبعد أن قطعت مسافة قصيرة، توقفت ميمي وابتسمت وهي تنتظر أن يلحق بها — وفي الوقت نفسه، كان الشبح الذي كان موجودًا في السابق قد اختفى تمامًا.
من جانب، ظلت ضربات السيف اللامعة تتدفق مثل الماء. ومن الجانب الآخر، تدفقت ضربات تدميرية تسحق كل ما يعترض طريقها، مثل إعصار لا يرحم.
“هيااااا!”
وبينما يتعرض لهذين النمطين المتناقضين تمامًا من المبارزة، والتي تقبع على طرفي نقيض من حيث الإيقاع والحركة، أوشك عقل غارفيل أن يصل إلى حدوده. ظل يتجنب ويصد الموت بالحدس البحت، هاربًا بصعوبة من عدة ضربات قاتلة.
“…”
عندها، صرّح الصوت المألوف في البث بنبرة مليئة بالرضا التام —
بهذا المعدل، بات من المؤكد أنه لا مفر من أن يُقطع إربًا أو يُسحق تحت وطأة السيوف الثقيلة —
في تلك اللحظة، ظهر فجأة صوت وصل إلى أذني غارفيل وميمي.
لأنك ستقتلني، أنت حبي الأول، غارفيل تينزل.
عندما نظرا، رأيا الرجل الذي قابلاه سابقًا مضاءً تحت أضواء المصابيح السحرية. كان قد خلع معطفه، ووصل أخيرًا إليهما وهو يلهث، مستندًا على ركبتيه.
“ههه، تفهمين بشكل مفاجئ، هاه؟ همم، بالضبط. هذا هو الطريق لأصبح الأقوى.”
في اللحظة التي خطرت فيها فكرة الموت، دوى ذلك الصوت الحلو والمظلم، دعوةً إلى ما وراء الحياة، بداخل نفسه.
فورًا، اشتعل رأسه، متخليًا عن تلك الأفكار المظلمة. وصاح.
“ماذا الآن!”
“غرااااااااه!!”
ازدياد شراسته المفاجئ قلّل قليلًا من حدة الهجمات القادمة. بدا هيكل وجه غارفيل وكأنه يتغير بشكل مسموع، فيما بدأت ذراعاه العضليتان تنتفخان أكثر، وفراء ذهبي يغطي جلده المكشوف.
تحوُّل غارفيل الجزئي في جسده العلوي كان عادةً يقلل من قدرته على التفكير المنطقي، ويستبدله بغريزة قتالية حيوانية. لكن هذه المرة، بدا أن أفكاره أصبحت أكثر وضوحًا.
“نـ – نعم. وأيضًا، ذلك البث… الميتيا اللازمة لتشغيله موجودة في مبنى البلدية، حيث يعمل زوجي… أنا قلقة بشأن ما إذا كان قد حدث له شيء.”
زأر في وجه الخصمين الصامتين، مستخدمًا بركة روح الأرض لتفجير الأرض تحت قدميه. أدى تطاير الدم والحصى بينما يندفع عبر ساحة المعركة الغارقة في الدماء إلى إرباك تنسيق العدو.
“هناك شيء واحد أريد أن أسألك عنه.”
فقدت المرأة توازنها بسبب وزنها الخفيف بعد التغيير المفاجئ في الأرضية. مخلب غارفيل الوحشي، الحاد كأي شفرة، لم يُضِع الفرصة. وقبل أن تضرب ضربته القصبة الهوائية للمرأة، تدخل العملاق ليحميها.
“لا يمكننا تجاهل الحدس. أذني أنهكتا من عدد المرات التي قال لي فيها الزعيم أن رؤساء الأساقفة الممثلين للخطايا السبع الكبرى هم خطر كبير. ومع ذلك…”
باتت ضربة النمر القوية على وشك أن تمزق كتلة اللحم الضخمة —
حاولت ليارا أن ترسم ابتسامة شجاعة لتهدئة غارفيل المتردد. لكن يديها، التي بدت وكأنها مطوية في صلاة، كانتا ترتجفان. وجهها شاحب وكأن الدم قد نزف منه تمامًا.
“؟!!”
تحدثت المرأة برفق، بنبرة لا تحمل أي شكوك على الإطلاق.
دوى انفجار صوتي هائل، تاركًا غارفيل في حالة من الصدمة.
عيناها السوداوان الجوفاوان لم تبوحا له بشيء.
توقفت ضربة غارفيل بواسطة أذرع العملاق الهائلة. لكن هذه لم تكن نفس الأذرع التي كانت تحمل السيوف العظيمة. حينما فتح العملاق ملابسه، اتضح أنه يستخدم أذرعًا إضافية مخبأة لصد هجوم غارفيل بقوة لا تُصدّق.
ربما كان ذلك بفضل الأطفال الذين أصبحوا الآن يوقرونه بلقب “النمر البديع”، والطاقة الغامضة التي غرستها ميمي فيه —
بالمجمل، أصبح لديه الآن أربع أذرع، دون أي فتحات واضحة يمكن استغلالها. هذا المزيج الساحق من الهجوم والدفاع أعاق هجوم غارفيل المضاد بالكامل. في لحظة، توقف النمر القوي الذي كان رمزًا للعدوان في مكانه.
كان مقتنعًا بأن أي شخص وُلد رجلاً قد حلم يومًا بأن يصبح الأقوى. وكل من راودهم هذا الحلم نسوه في مرحلة ما من حياتهم، وأصبحوا يتوقون إلى ما تخلوا عنه. لكن غارفيل لم يرغب في نسيان هذا الحلم أبدًا.
المصطلحات التي استخدمها غاليك — انهيار أرضي، دفن حي — جعلت أنفاس غارفيل تتوقف.
بمعنى آخر، في ساحة معركة يُقرر فيها المصير خلال لحظة، أصبحت حياته الآن مكشوفة وغير محمية.
من خلف العملاق، دارت المهاجمة الأنثى مقتربةً من غارفيل من زاوية عمياء، وسيفها مرفوع وجاهز.
“المغنية، أليس كذلك؟ وفقًا للزعيم، هي تمتلك صوتًا رائعًا جدًا…”
بدا هجومها أشبه برقصة سيف جميلة. وفي حالته الحالية، كان من السهل عليها أن تقطع رأس غارفيل كما لو كان مجرد فزاعة.
“…”
حتى مع اقتراب الموت من الأمام والخلف، لم يكن لدى غارفيل أي تحركات ليقوم بها.
تجعد أنف غارفيل من الإعجاب البريء الذي خرج من فم الصبي.
وبينما يشعر بالموت يقترب، رأى في زاوية نظره ظلًا يبتسم له بابتسامة ملطخة بالدماء وهي تضحك —
من خلف العملاق، دارت المهاجمة الأنثى مقتربةً من غارفيل من زاوية عمياء، وسيفها مرفوع وجاهز.
“تشوياسااااا!!”
صاح صوت قوي، مستدعيًا جدارًا سحريًا أزرقاً صد سيف المرأة.
“هااي ، أيتها الصغيرة… أوه، ماذا؟!”
أحدث الجدار صوتًا يشبه تكسير الجليد بينما انزلقت الشفرة على سطح الحاجز وانغرست بلا أذى في الأرض.
عادت ميمي إلى ساحة المعركة، منقذةً غارفيل في الوقت المناسب.
“غارف! قلت إنك ستنسحب فورًا!”
عندما قطع غارفيل حديثه بشكل مباشر، بدا على وجه غاليك تعبيراً من الارتباك الواضح. فتح وأغلق فمه عدة مرات، لاهثًا بحثًا عن الهواء والكلمات.
ممسكةً بعصاها، كانت كلمات ميمي الأولى توبيخًا مباشرًا لرفض غارفيل اتباع خطتهم.
بينما غرقت أفكاره في ضباب أحمر قانٍ، أعدته ذلك الصوت إلى وعيه.
سماع صوتها خلفه بينما كان في حالته النصف متحولة، جعل غارفيل يدرك حماقته.
في سعيه اليائس لتحقيق النتائج، خاطر بالموت من خلال سوء تقديره لقوة خصومه. لو لم تكن ميمي موجودة، لانتهى غارفيل بالتأكيد نهاية مأساوية — حياته تُختتم دون أن يحقق حلمه بأن يصبح الأقوى.
“ليارا، لماذا…؟”
“— أوهووووووووااااااغ!!”
— بل كان الشخصين اللذين يقفان جنبًا إلى جنب في مركز الساحة، محاطين بالجثث.
دافعًا جانبًا شعور الارتياح لكونه قد نجا، زأر غارفيل وسحب ذراعه من خصمه الذي كان يُمسكه. بركلة إلى صدر العملاق، لم يهتم برؤية النتائج بينما قفز مبتعدًا للانضمام إلى ميمي.
تردد غارفيل للحظة عن نزع تلك الأصابع الصغيرة من على كمه. لم يكن متأكدًا لماذا تردد، لكن…
وضع ذراعه حول خصرها النحيف، وصب قوته في ساقيه. حان الوقت لأخذ ميمي والانسحاب. ووفقًا لاقتراحها الأول، سيجمعون رفاقهم ويعودون بقوة.
وبينما يتطاير في الهواء، طارده العملاق والمرأة، قافزين في وقت واحد. بات الموت قريبًا. محاولين إيقاعه في كماشة مميتة، هجم الاثنان من الجانبين، محافظين على غارفيل محاصرًا بينهما.
في اللحظة التي حاول فيها غارفيل التقدم باتجاه رائحة الدم، أمسكت ميمي بقماشة وسطه. ظلت تهز رأسها رافضةً، ودموعها تكاد تنهمر وهي تكرر: “لا تفعل.”
“…”
أراد أن يصرخ.
قبل أن يتمكن من القفز، طاردته المرأة بوضعية منخفضة. ميمي، موجّهةً عصاها نحو المرأة المقتربة، استدعت حاجزًا سحريًا ثلاثي الطبقات، يفوق ما استدعته من قبل، لتمنع المرأة من التقدم.
وبفضلها، عمل غاليك في هذه المدينة كرجل وزوج وأب حتى يومنا هذا.
شعر غارفيل بالامتنان لوجود ميمي بجانبه. لقد أنقذته مرارًا وتكرارًا.
“— عزيزي؟ هل وجدت فريد؟”
وبينما خطرت هذه الفكرة في ذهنه، كان غارفيل قد بدأ بالفعل بتهيئة ساقيه للقفز، و —
عندما حاول غارفيل صد الرجل المثابر، غاليك، توقفت كلماته فجأة في حلقه.
ربما كانت تحاول مدحه بإخلاص، لكن كلماتها أزعجت غارفيل ودفعته لإظهار أنيابه.
“— آه.”
الجرح لم يُشفَ.
سمع هناك صوت خافت متألم وارتطام طفيف. تردد صوت أشبه بتكسر الجليد.
بينما كانا يتحدثان بصوت عالٍ تقريبًا ليسمع أحدهما الآخر، انطلق غارفيل وميمي في سباق عبر مدينة البوابات المائية وكأنهما يطيران.
ثم انتهت حياتهم بوحشية.
فاجاً هذا غارفيل وأثار فضوله عما حدث بينما أكمل قفزته بعيدًا. تحطمت حجارة الأرضية بينما حلق نصف الوحش في السماء، وقطرات من الدماء الطازجة تتطاير في أثره.
— دماء طازجة… من أين تأتي بحق الجحيم؟
التوصيفات المتناقضة تمامًا التي قدمها ابنه وابنته تركت الرجل — والدهما — في حالة من الحيرة. بحثًا عن الخلاص، نظر إلى ليارا التي تقف بجانب الأطفال.
“هاي، أيتها القصيرة؟”
ربما كان ذلك بفضل الأطفال الذين أصبحوا الآن يوقرونه بلقب “النمر البديع”، والطاقة الغامضة التي غرستها ميمي فيه —
في اللحظة التي نادى فيها، أطلق غارفيل فورًا تحوله النصفي وعاد إلى شكله البشري. ومع ذلك، فإن القشعريرة التي اجتاحت عموده الفقري كانت الشيء الوحيد الذي استحوذ عليه، لدرجة أنه لم يلاحظ حتى الشعور المزعج لتساقط فرائه.
بخطوات متعثرة ورأس مثقل، ركض نحو أمله وهو يحمل وزنًا خفيفًا للغاية في ذراعيه. تصلبت وجنتا سوبارو عندما رأى ميمي وهي مسترخية بين ذراعيه.
كانت ميمي مسترخية في ذراعيه بلا حراك. عندما نظر إلى الأسفل، رأى المرأة تنظر نحوهما من الأرض، وهي تسحب سيفها الطويل الذي طعنت به.
كان غارفيل قد سمع من شقيقته الكبرى، فريدريكا، أن أولى ذكرياتها كانت من فترة وجودها مع قطاع الطرق. لم تتحدث شقيقته عما حدث خلال ذلك الوقت، ولكن بالنظر إلى الطريقة التي اختفى بها قطاع الطرق بمجرد أن حملت ليشا بغارفيل، فمن المؤكد أن البيئة لم تكن سليمة بأي حال من الأحوال.
كان صوتًا ناعمًا وهادئًا لامرأة هو من حطم هذا الجمود.
لاحظ أن نصف طول السيف بات ملطخًا بالدماء.
متفقين الآن، استدارا معًا لمواجهة خصومهما. ظل الثنائي المقابل لهما يشاهد تبادلهما بصمت. لم يكن غريبًا أن يهاجموا خلال نقاش غارفيل وميمي، لكنهم لم يفعلوا ذلك، سواء كان بدافع الكبرياء، أو الرحمة، أو التماسك — غارفيل وميمي سيجعلانهم يندمون على ذلك.
“…”
في تلك اللحظة، ميمي، التي بدت مترددة في المغادرة، سحبت ذراع غارفيل بلطف. عندما توجهت نحو الباب، تبعها غارفيل بصمت.
شعر بشيء دافئ ينتشر عبر معدته.
الفتاة بين ذراعيه لم تتحرك. عصاها… ظلت تتساقط نحو الأرض.
“آآآي!!”
هبط غارفيل، ثم قفز مجددًا. قافزًا نحو سطح أقرب مبنى، هرب دون أي اعتبار لأي شيء آخر.
“لا يعني معاملتكم لي كشرير أنني أوافق على ذلك!”
لم تكن هناك مطاردة. شاهد الخصمان فقط الضعيفين الجريحين وهما يهربان.
شخص ما، في أي مكان، أرجوكم أظهروا لي معجزة. أخبروني. إذا كان هناك أي شيء يمكنني فعله، فأخبروني كيف أنقذ هذه الفتاة.
ما فكّر فيه أعداؤهما عن قدراتهما لم يكن مهمًا في تلك اللحظة. بعد أن قفز خمس مرات إضافية ليزيد المسافة عن الساحة، حطم غارفيل سقف المبنى الذي اختار الهبوط عليه، ثم وضع الفتاة التي كان يحملها.
في اللحظة التالية، قفزت ميمي، مما شد ذراع غارفيل. انطلقت من الأرض فجأة، وقفز الاثنان على سطح مبنى قريب.
الكلمات يمكن أن تُختلق أو تُخفى. ولكن غارفيل لم يكن لديه رد على شيء يعتمد على جزء لا يتغير منك.
كانت عينا ميمي مغمضتين. الكثير من الدماء لا يزال يخرج من صدرها المطعون.
عد إلى داخل هذا الصدر الآن. أطلق زئيرًا عظيمًا، اضرب هذا الظهر المتراجع، أعدني إلى قدمي، وافعل شيئًا حيال هذه المشاعر التي لا تُحتمل.
بطريقة ما، أدرك السبب — هذا الطيف كان انعكاسًا لضعفه الداخلي.
بسرعة، نزع ملابسها حول موضع النزيف وتفحص الجرح. لحسن الحظ، بدا أن الجرح لم يصب الأعضاء الحيوية. بالطبع، حياتها كانت في خطر إذا لم تُعالج فورًا، لكن مستخدمًا للسحر العلاجي كان موجودًا بجانبها.
“تمت المهمة!”
— حتى بعد كل هذا الوقت، لم يعثر غارفيل أبدًا على إجابة لسؤال من أين استمدت أمه سعادتها.
وضع يده على الجرح، وبدأ في صب الطاقة السحرية في جسد ميمي.
“!”
رغم أنه لم يكن مناسبًا تمامًا لهذا الدور، إلا أنه وضع روحه في تعلم السحر العلاجي. أراد تلك القوة ليتمكن من التصرف إذا حدث شيء لأي شخص في الملاذ. لهذا السبب ركز غارفيل جهوده على دراسة السحر العلاجي، وفي هذه العملية، تعلم قدرًا كبيرًا عن معالجة الجروح بشكل عام.
— يا نمر، أرجوك أخبرني… لأن النمر الحقيقي لن يخسر أمام أي أحد.
حان الوقت لتطبيق كل هذا العمل الجاد. كانت فرصة لإظهار مدى تقدمه. هذا بالتأكيد الموقف الذي أراد أن يكون مستعدًا له.
حتى جرح خطير كهذا يجب أن يلتئم بسرعة باستخدام القليل من مانا العلاج.
وضع كفه على الجرح المفتوح، شعر بتدفق الدم تحت الجلد، واللحم، والأعضاء، والسحر العلاجي الذي ظل يسكبه. صب وصب، ولكن —
— الجرح… لم يكن يلتئم.
“أمم… في الواقع، ذهبنا إلى الحديقة في المنطقة الأولى للاستماع إلى المغنية…”
“لماذا لا…؟”
“جف كل شيء!”
سمع صوتًا واهيًا للغاية يتحدث.
قالها.
أراد أن يقتل من كان يتحدث بصوت بائس كهذا في وقت كهذا. رفع وجهه ونظر حوله. لم يكن هناك أي شخص آخر. سرعان ما أدرك أن الصوت… كان صوته هو.
أأنا من بدا ضعيفًا هكذا؟ لماذا أطلقت صوتًا مثل هذا؟ هذا يشبه… يشبه…
“لا يمكننا تجاهل الحدس. أذني أنهكتا من عدد المرات التي قال لي فيها الزعيم أن رؤساء الأساقفة الممثلين للخطايا السبع الكبرى هم خطر كبير. ومع ذلك…”
في اللحظة التالية، قفزت ميمي، مما شد ذراع غارفيل. انطلقت من الأرض فجأة، وقفز الاثنان على سطح مبنى قريب.
“التئم!! التئم، التئم، اللعنة! اشفِ، اشفِ، اشفِ اشفِ اشفِ!!!”
اندفعت مباشرة نحو الصبي الذي كان متشبثًا بغارفيل.
ظل يسكب كل المانا التي يمكن لجسده أن يوفرها في السحر العلاجي. متجاهلًا جراحه، أرسل موجات من الطاقة العلاجية إلى جسد ميمي الممزق، ليملأه بقوة لطيفة.
“سيء، سيء! غارف، ليس من المفترض أن تكون شخصاً سيئاً! أنت غارف! أنت النمر البديع!”
ومع ذلك، الجرح الذي كان يحتاج للالتئام لم يلتئم.
“— آه.”
“…لا… يمكن.”
“ليس هناك داعٍ للشكر. كانت مجرد صدفة إني كنت… الرياح الرطبة المسائية قالت لي، هذا كل شيء. لو بكى أحد في مدينة البوابات المائية هذه، لفاضت هذه الممرات!”
غير قادر على تقبل الواقع أمامه، بصق غارفيل كلمات واهنة مرة أخرى.
ثم وجه لكمة إلى خده، قاطعًا شفته بأنيابه الخاصة، واستخدم الألم ليوقظ نفسه. لم يكن هذا وقت الاستسلام لليأس. لا بد أن هناك طريقة. كان يعلم أن هناك حلاً. بالطبع كان موجودًا. لكنه كان أحمقاً للغاية ليدركه. كان عليه أن يفكر. الجهل ليس عذرًا للاستسلام.
النمر قوي. النمر عظيم. لا شيء يهز النمر. أي جزء مني كان نمرًا في تلك اللحظة؟
على أي حال، كان عليه أن يفعل أي شيء لإنقاذ هذه الفتاة.
عائدةً بعد قفزة قصيرة، انطلقت ميمي نحو غارفيل وضغطت بإصبعها على جبهته. لم يكن ذلك مؤلمًا، لكنه شعر بأنه لا ينبغي تجاهله.
هي من ساعدت غارفيل على البكاء.
“هل تمكنت من لقاء هذه المغنية التي تعجبك؟”
لم يكن من الصواب أن تموت هذه الفتاة من أجله.
“…”
أثناء عض أنيابه، قفز غارفيل عن السطح وهو لا يزال في حالة من الذهول. حافظ على الضغط على جرح الفتاة، محاولًا إيقاف النزيف بينما استمر في محاولاته عديمة الجدوى للسحر العلاجي.
عد إلى داخل هذا الصدر الآن. أطلق زئيرًا عظيمًا، اضرب هذا الظهر المتراجع، أعدني إلى قدمي، وافعل شيئًا حيال هذه المشاعر التي لا تُحتمل.
كانت هناك رائحة للدم والموت تخيم على المدينة. لم يرَ روحًا أخرى بينما يراجع جميع الخيارات المتاحة في ذهنه.
عد إلى داخل هذا الصدر الآن. أطلق زئيرًا عظيمًا، اضرب هذا الظهر المتراجع، أعدني إلى قدمي، وافعل شيئًا حيال هذه المشاعر التي لا تُحتمل.
سآخذ أي شخص يمكنه المساعدة. أرجوكم، فقط أنقذوا هذه الفتاة.
شخص ما، في أي مكان، أرجوكم أظهروا لي معجزة. أخبروني. إذا كان هناك أي شيء يمكنني فعله، فأخبروني كيف أنقذ هذه الفتاة.
“— عزيزي؟ هل وجدت فريد؟”
كان يائسًا لدرجة أنه بات على استعداد للتضحية بحياته من أجلها إن تطلب الأمر. ركز غارفيل كل طاقته على حاسة الشم لديه.
“أنا آسفة للغاية. لم أظن أننا سنحظى بضيوف، لذا لم أحظَ بفرصة لتنظيف المكان جيدًا.”
رائحة الماء، رائحة الدم، رائحة العنف التي تؤججها العواطف الهائجة، رائحة اللحم المحترق — وسط تلك الروائح التي لا حصر لها، التقط أنف غارفيل الرائحة التي كان يبحث عنها.
يبدو أن المتحدثة باتت مسرورة بالاضطراب المتزايد، فازداد صوتها حدة وانغماسًا في ذاتها.
كان هؤلاء هم من أتى غارفيل إلى “مدينة البوابة المائية” لحمايتهم. ماذا سيكون نفعه إذا لم يكن بجانبهم الآن؟ فهو لا يقدم سوى قدراته القتالية.
كان يعرف هذه الرائحة. وكانت هي ما يبحث عنه.
متجاوزًا العقبات، راكضاً بجنون، وصل غارفيل إلى وجهته وهو محموم. وصل إلى نفس المبنى الذي زاره في اليوم السابق واندفع إلى إحدى الغرف بداخله. تفاجأ عدد كبير من الأشخاص برؤية شكله الملطخ بالدماء. لم يكن لديه وقت لشرح شيء. وهو يدير رأسه بسرعة، بحث عن الرجل الذي يمكنه الاعتماد عليه.
في تلك اللحظة، وصلت ميمي، التي كانت تجري حول مجرى المياه، إلى غارفيل والأطفال أخيرًا. بدت عيناها تلمعان مثل باقي المجموعة عندما انضمت إليهم، مُقلدة نفس الوضعية الغامضة.
“غارفيل؟!”
“تمت المهمة!”
“إذن ماذا سنفعل هذا الصباح؟ هل ستذهب لمقابلة والدتك؟”
ناداه أحدهم باسمه. استدار، ورأى الشخص الذي كان يبحث عنه. رافعاً رأسه، مباشرةً إلى الأمام في الجزء الخلفي من الغرفة، رأى ناتسكي سوبارو.
بالنسبة لغارفيل، كان هذا الرجل رمزًا للمعجزات؛ تجسيدًا لشعاع الضوء الذي يكشف عن الأمل في أحلك المواقف.
لم يكن غارفيل قادرًا على تجاوز تلك الحادثة بشكل كامل. رغم أنه يرى نفسه جبانًا، إلا أن سوبارو والبقية ظلوا يصرّون على أنه أدى أداءً رائعًا.
بخطوات متعثرة ورأس مثقل، ركض نحو أمله وهو يحمل وزنًا خفيفًا للغاية في ذراعيه. تصلبت وجنتا سوبارو عندما رأى ميمي وهي مسترخية بين ذراعيه.
ممسكةً بعصاها، كانت كلمات ميمي الأولى توبيخًا مباشرًا لرفض غارفيل اتباع خطتهم.
صد غارفيل السيف الطويل القادم من الأمام بدرعه، وتجنب ضربة سيف عظيمة شرسة من الخلف عبر ركل السلاح في اللحظة الأخيرة. ومع تخمينه لمسار السيف، تمكن من صدّه بشكل معجزة. لكن، بينما تحرق شرارات النار وجنتيه، سُحق جسده بضربات السيف العظيم من الأعلى والأسفل.
“أنا آسف… أنا آسف جدًا، أيها القائد!! أنا…! أنا عديم الفائدة! لا أساوي شيئًا…!”
سقط على ركبتيه أمام سوبارو، ورفع ميمي بين ذراعيه. ثم استسلم لليأس، لاعناً غباءه.
“— آه! غارف، هناك!”
لم يحمِ عائلته. فشل في الوفاء بوعده بأن يصبح درعًا. تحدى العدو بناءً على حكمه الخاص وتعرض لهزيمة ساحقة، ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الفتاة الطيبة القلب على وشك الموت.
“غارفيل، ماذا فعلت…؟ لا، سنترك هذا لوقت لاحق! فيريس!”
“أعلم! بسرعة، ضعها هنا!”
سيضطر غاليك إلى مشاهدة زوجته تعاني، ولن يتمكن أطفالها بالتأكيد من فهم معاناة والدتهم عندما لا يعرفون شيئًا عن الظروف.
أخذ سوبارو ميمي من بين ذراعي غارفيل ووضعها على الطاولة الطويلة. ظل غارفيل يراقب بينما وضع الفتى الجميل ذا الأذنين الشبيهة بالقط يده على جرح ميمي.
“لا تفعل! غارف! لا يمكننا مجابهة هذين! إنهما أقوى مما نستطيع مواجهته بمفردنا! توقف!”
في اللحظة التالية، انتشرت كمية هائلة من طاقة الشفاء السحرية. بدت هذه القوة لا تُقارن بما يمكن لغارفيل أن يفعله. إذا كان سحر الشفاء الخاص بغارفيل بمثابة قطرة مطر، فإن قوة هذه الشخصية بدت كالشلال الهادر.
وضع ذراعه حول خصرها النحيف، وصب قوته في ساقيه. حان الوقت لأخذ ميمي والانسحاب. ووفقًا لاقتراحها الأول، سيجمعون رفاقهم ويعودون بقوة.
العنق، الكتف، الذراع — دار السيف الطويل كالأفعى ليحميهم جميعًا بينما تعالت أصوات السيف وهو يضرب الدرع. وبينما يتفادى إحدى الضربات، رد غارفيل فورًا بركلة أخرى؛ صدتها المرأة بغمدها، لكنها طارت للخلف.
كانت عظيمة لدرجة أن فكرة إعادة الموتى إلى الحياة بدت وكأنها في متناول اليد. شعر غارفيل وكأن روحه انفصلت عن جسده وهو يحدق في هذه القوة الإلهية في ذهول.
“— غاه!”
ثم وضع سوبارو يده برفق على كتفه. وعندما رفع غارفيل رأسه ببطء لينظر إليه، أومأ سوبارو. فقط الآن لاحظ غارفيل أن ساق سوبارو كانت مضمدة بشدة.
بعد أن أخذها تحت رعايته، تعمقت الروابط بينهما بشكل طبيعي، ولم يمض وقت طويل حتى وقعا في الحب. ومنذ أن أخذ ليارا تحت جناحه، شهدت أعمال غاليك التجارية ازدهارًا كبيرًا.
“لن أجمل الوضع وأقول أنه جيد، لكنك أحسنت بوصولك إلى هنا. مع وجود فيريس هنا، هذا هو أفضل مكان كان يمكنك إحضارها إليه. سنتمكن من إنقاذ ميمي بفضلك.”
كان غارفيل قد اندفع للخروج من نزل “رايمنت المائي” في ذلك المساء بسبب آثار اللقاء الذي جمعه مع راينهارد، قديس السيف.
“بفضلي…؟”
مع غروب الشمس الذي صبغ العالم باللون القرمزي، تركت أشعتها بقعًا زاهية من الأصفر والأبيض على سطح الماء، حافرةً هذا المشهد الرائع في قلوب كل من شاهدها.
ما الذي كان يقوله سوبارو؟ إنقاذ ميمي بفضل غارفيل؟ عما كان يتحدث؟
ألم يكن غارفيل هو السبب في أن ميمي انتهى بها الأمر بهذا الشكل في المقام الأول؟
فلم يستطع شم رائحتها.
ومع ذلك، بدا أن سوبارو توصل بشكل طبيعي إلى استنتاج أن ما فعله غارفيل هو ما أنقذها.
بينما يُصارع هذه الأفكار، لمس غارفيل الندبة على جبهته. قرر أن يترك التفكير في الأمر لوقت لاحق، واختار ببساطة أن يتبع قلبه. في النهاية، كان هذا الخيار أسرع. لم تكن هناك حاجة للاختيار بين هذا وذاك إذا أمكنه الحصول على كل شيء.
أنا نمر، نمر!
لكن هذا كان خطأً.
مع والدته في الأسفل بعيدًا، استدار غارفيل لمواجهة الريح واستغلال أنفه إلى أقصى حد.
“…أوه، نعم، أستمع.”
شعر غارفيل بالضياع. باتت أفكاره فارغة وجوفاء. عذبته مشاعر الاشمئزاز والذنب وكأنها لن تتوقف أبدًا. استمر طنين مزعج في أذنيه بلا انقطاع. حتى ألم جروحه بدا مثيرًا للضحك وغير منطقي.
آخر مرة رأى فيها أمه، كان لا يزال رضيعًا. والسبب في أن ذكرياته عن أمه كانت حية بهذه الدرجة رغم ذلك، هو أنه، بغض النظر عن مشاعره حيال الأمر، قد شاهد الماضي بتفاصيله في محاكمة الملجأ، التي كشفت له ما لا يمكن معرفته عادةً.
“أريد اللوم. أريد الألم. لا أريد أن يغفر لي أحد غبائي.”
لكنه لم يستطع التراجع. إذا تراجع، فلن يتمكن من تحقيق رغبة ليارا — أو ليشا.
“أيها المحتال المريب! ماذا كنت تفعل مع فريد خاصتي؟!”
كانت أمنية غارفيل واحدة سيتم تحقيقها. بعد كل شيء، العالم لم يكن رحيمًا إلى هذا الحد.
وضع يده على الجرح، وبدأ في صب الطاقة السحرية في جسد ميمي.
“غارف، هل أنت بخير مع ذلك؟”
كان هناك ثمن لأخطائه — لكن هذا الثمن سيأتي بأبغض الطرق الممكنة.
كان المتنزه قريبًا من قاعة المياه، وهو مكان يمكنهم من خلاله الالتقاء سريعًا بسوبارو والبقية —
كان المتنزه قريبًا من قاعة المياه، وهو مكان يمكنهم من خلاله الالتقاء سريعًا بسوبارو والبقية —
“فيريس، ما الأمر…؟”
شعر سوبارو أن هناك شيئًا خاطئًا، فسأل بحذر.
كل شيء في سلوكها جعل غارفيل يشك أن هذه المرأة قد تكون حقًا أمه.
“آه —”
أمامه، لا تزال عملية إنقاذ حياة ميمي جارية. تدفقت طاقة سحرية مذهلة، لدرجة أن الطاقة المتبقية وحدها بدت قوية بما يكفي لعلاج كل الأمراض.
سيضطر غاليك إلى مشاهدة زوجته تعاني، ولن يتمكن أطفالها بالتأكيد من فهم معاناة والدتهم عندما لا يعرفون شيئًا عن الظروف.
ومع ذلك، حمل الفتى الذي يستعمل هذه القوة المذهلة نظرة يائسة على وجهه وهو يهز رأسها.
“لماذا…؟ الجرح…لا يلتئم! لا أستطيع مساعدتها بهذا الشكل! لا أفهم!!”
تردد هذا التقرير المؤلم في أنحاء الغرفة، بينما سقط غارفيل على الحائط وانهار على الأرض.
العديد من الأشخاص قد لقوا حتفهم بالفعل، وجثثهم متناثرة في برك من دمائهم — وبناءً على تجهيزاتهم، كان هؤلاء من حراس بريستيلا. على الأرجح، استجابوا للبث وهرعوا بشجاعة للدفاع عن مدينتهم.
بدا الجدار باردًا.
الأرضية باردة.
جسده مغطىً بالدماء.
كان هناك ثمن لأخطائه — لكن هذا الثمن سيأتي بأبغض الطرق الممكنة.
“— أمي؟”
الجرح لم يُشفَ.
“— آه.”
“…”
مطأطأً رأسه، حدقت المرأة الشبحيّة ذات الرداء الأسود إلى غارفيل.
رد غارفيل بصدق على سؤال غاليك المتردد.
لم تقل شيئًا.
وهكذا، تقبل غارفيل حقيقة أن رؤيته لإلزا — أول حياة أزهقها — كانت تمثل تجسيدًا لضعفه.
“التئم!! التئم، التئم، اللعنة! اشفِ، اشفِ، اشفِ اشفِ اشفِ!!!”
لم تُصدر صوتًا.
في منتصف وداعه، ضغطت ميمي بكعب قدمها على قدم غارفيل. كان جسدها خفيفًا، لكن تلك الركلة كانت موجهة بزاوية لتحقيق أقصى تأثير. تأوه غارفيل من الألم بينما انتفخت ميمي صدرها بفخر.
— ليشا، أم غارفيل وفريدريكا، كانت امرأة غير محظوظة.
لم تبتسم حتى.
كيف شعرت النجوم والهلال المتزايد أثناء نظرها إليه في تلك اللحظة؟
عيناها السوداوان الجوفاوان لم تبوحا له بشيء.
ما الذي كان يقوله سوبارو؟ إنقاذ ميمي بفضل غارفيل؟ عما كان يتحدث؟
استقبلتهم امرأة ذات شعر أشقر طويل ترتدي ملابس عادية، واحتضنتهم بينما كانوا يتشبثون بها باكين.
لا شيء سوى أن ثمن خطئه يجب أن يُدفع بالدم.
رغم أن ميمي بدت مترددة في البداية بسبب المخاطر، وافقت في النهاية على خطة غارفيل.
“واو! هذا رائع!”
////
“هيه، هدئي من روعك! ألا تفهمين أنني مكتئب؟!”
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
على زاوية شارع على الجانب الآخر من الحشد، ظهرت أمامه ظلال سوداء لامرأة. انعكس شكلها بخفة على سطح الماء المتمايل.
