7 - تموجات على السطح (بعد احداث الجزء الثالث من الانمي)
《١》
«بدايةً، وبالنيابة عن مدينة بريستيلا، أشكركم جميعًا على جهودكم الاستثنائية في حماية مدينتنا. لا توجد كلمات تعبر عن امتناننا العميق.»
«بالمناسبة، ناتسكي.»
عند هذه النقطة، تجهم وجه أوتو، فعدل سوبارو جلسته والتقى بنظراته مباشرة.
كان كيريتاكا ميوز، ممثل إدارة المدينة، ينحني بعمق أثناء حديثه.
«وفي هذه الحال، لمَ لم تمُت حتى الآن؟»
لقد ضحَّى بذراعه من أجل حماية أحد رفاقه أثناء القتال. وهذا لم يكن غريبًا عليه. غير أنَّ ما كان مؤلمًا بحقٍّ هو أنَّه لم يكن يتذكَّر أيًّا من ذلك.
أمامه، وقفت المرشحات الملكيات ومرافقوهن، الذين شاركوا في الدفاع عن المدينة. كان الحضور جميعًا يزيد عن خمسين شخصًا اجتمعوا من أجل تقرير ما بعد الحدث.
وكان من بين أشدِّ المتضررين، الوحش البشري الضخم الجالس متربعًا بجوار أناستاشيا—
بالطبع، كان لكل مجموعة مقاعد فارغة، تمامًا كما كان أوتو وغارفيل غائبين عن جانب إميليا. ومع ذلك، كان معظم المعنيين قد تجمعوا.
لكن في ذات الوقت—
قهقهت ثعلبيدنا، بنفس الطريقة التي اعتادها سوبارو من الساحرة التي يعرفها. رؤية جسد أناستاشيا يتداخل مع صورة إيكيدنا كانت شعورًا مزعجًا.
في خضم هذا الحشد الرفيع الشأن، كان أول مَن رد هو سوبارو.
«—إذًا، أول ما سأفعله هو أن أصدمك، أنت الذي لا يزال يتذكرني.»
«نحن ممتنون لكلمات الشكر، لكنك أيضًا نجوت بصعوبة، كيريتاكا. سمعت أنك اختُطفت عندما هاجمت سيريوس شركة ميوز…»
«كنت قد عقدت العزم على الموت حينها. في الحقيقة، لو أراد رئيس الأساقفة قتلي، لكنت الآن في عداد الموتى منذ زمن بعيد.»
«… وليس مجرد صديقين فحسب.»
«لم تكن سيريوس تنوي قتلك؟»
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
وهذا يعني أن ثمة شيئًا مرتبطًا بإيكيدنا كان ينتظرهم عند برج بلياديس للمراقبة. تلك الحقيقة جعلت التوتر يزحف إلى قلبه، لكنه شعر في الوقت نفسه بشيء من الأمل حيال المعرفة التي قد يحملها الشاهد هناك.
لم يكن سوبارو الوحيد الذي تفاجأ بذلك. نصف الموجودين في الغرفة تقريبًا بدت عليهم علامات الدهشة. وبعد أن هدأت الهمهمات، أومأ كيريتاكا برأسه، وعلامات الحيرة بادية على وجهه.
«—لا تبدو بخير، سوبارو. هل أنت على ما يرام؟»
«حياتي نفسها دليل على أنها لم تكن تنوي قتلي. بالطبع، كان ذلك أيضًا بفضل المقاومة الشرسة التي أبدتها حراستي الشخصية وفرقة الأنياب الحديدية التابعة للسيدة أناستاشيا، ولكن…»
«… تبًا لكل هذا…»
«لكن هذا وحده لا يكفي للهروب من رئيس أساقفة.»
وبغية التبسيط، جرى تصنيف جميع ضحايا الشهوة على أنهم ”طائرون“، غير أن…
«انظر هناك، سوبارو.»
«هذا صحيح.»
وإن ترتب على ذلك التخلي عن الذهاب إلى البرج، فسيضيع الأمل الوحيد في إنقاذ ضحايا خطيئتي الشهوة والشراهة، مما سيؤدي إلى مشاكل أكثر تعقيدًا.
خفض كيريتاكا نظره في خيبة أمل عند سماعه استنتاج سوبارو.
لم يكن أحدٌ غيرهما قادرًا على استيعاب المعنى الحقيقي لذلك التبادل، لكن بدا لسوبارو أن قرار فيلت كان بمثابة راحة لراينهارد.
«هاه،» زمَّت بريسيلا شفتيها بسخرية بينما وضعت يديها تحت صدرها الممتلئ. «هذا مثير للاهتمام. وماذا عساها نصف الشيطانة أن تقترح؟ هل سيكون ردِّك قادرًا على إقناعي؟»
تفهم سوبارو ذلك الشعور بالعجز جيدًا. فالندم أشبه بالسم الذي ينهش القلب.
«لكن لماذا إذًا تركتك سيريوس حيًا؟ لو كان الأمر كذلك، لكان بإمكانها ببساطة ألا تهاجم…»
«لأنه كان آخر عضو متبقٍ من مجلس العشرة، أليس كذلك؟»
«استعارتي لجسد آنا كانت خطوة يائسة. أنا روح منخفضة الاستهلاك للطاقة ولم أشكل عبئًا عليها قط فيما يتعلق باحتياجات المانا.»
«إيه؟»
«هاها… لا، فقط تذكرت مجددًا. أنت فعلًا شخصٌ استثنائي…»
جاء صوت ليليانا، التي كانت هادئة على غير العادة، مجيبًا على تساؤل إميليا. وعندما أدركت أن الجميع ينظر إليها، رفعت يديها بتوتر.
«أشعر بالأسف على الدوقة كارستن، لكن لا يمكنني تصور سبب قد يجعل الغضب يعرف شيئًا عن الشهوة. هذا مجرد تخمين.»
«أعني، لو مات جميع أعضاء المجلس، فلن يبقى أحد يعرف موقع بقايا الساحرة، صحيح؟ لذا احتجزوه لأنهم لم يستطيعوا السماح له بالموت… أليس كذلك، يا سيدة بريسيلا؟»
تراجع سوبارو عن قلقه. لم يكن بإمكانه الجزم بما يشعر به راينهارد، لكن طالما أنه يقول إنه بخير، فليس لديه ما يفعله حيال الأمر. ومع ذلك…
«أيتها الحمقاء، لا تحاول إدخالي في هذا. ثم إن هذا مجرد افتراض. لا يمكنني الادعاء بفهم دوافع أولئك الذين، بالإضافة إلى حماقتهم، يمتلكون جنونًا يفوق الوصف.»
كان يعلم أن ذلك الوعد لن يطمئن قلب إميليا، ولم يكن ذلك هو السبب في طلبها له.
«إييييييه؟! والآن تتخلين عني هكذا؟!»
«—إذًا، أول ما سأفعله هو أن أصدمك، أنت الذي لا يزال يتذكرني.»
«… سؤالك غامض بعض الشيء.»
لوحت بريسيلا بمروحتها، متجاهلة نظرة ليليانا بينما تمسح الغرفة بعينيها القرمزيتين، قبل أن تتنهَّد بكسل.
في خضم هذا الحشد الرفيع الشأن، كان أول مَن رد هو سوبارو.
أطلق سراح إصبعها، بينما بقيت إميليا مبتسمة، أصبعها لا يزال ممدودًا نحوه.
«محاولة فهم أفكار هؤلاء مضيعة للوقت. إن كان لديكم وقت لتضييعه على تفكير بلا طائل، فالأجدر بكم إيجاد وسيلة لاستخراج الإجابة من رئيسة الأساقفة نفسها.»
لكن ما لا شك فيه أنهم كانوا أصدقاء. كانت تربطهم رابطة واضحة جلية.
«لا يمكنني إنكار منطقك…» وضعت أناستاشيا يدها على خدها، متأملةً الرأي القاطع لبريسيلا.
«… لكن، بصراحة، أنا ضد إبقاء تلك المرأة على قيد الحياة. إنها لعنة… الأفضل أن نتخلص منها بأسرع وقت ممكن.»
عدَّل كلماته بما يتماشى مع وعده لسوبارو. لكنه في ذات الوقت، كان يسأل ضمنيًا إن كان يمكن الوثوق بما قالته ثعلبيدنا.
ابتسمت أناستاشيا بينما كان سوبارو يغلق الباب خلفه.
«—لكننا سنفقد حينها أي خيط قد يقودنا للحل!»
لم يكن هناك ما يدلُّ عليهم سوى بعض القرائن الطفيفة -كالملابس التي يرتدونها، أو الأماكن التي وُجدوا فيها- لكن هذا لم يكن كافيًا لاستعادة هويَّاتهم الضائعة.
اعترض فيريس بشدة على اقتراح أناستاشيا. كان اعتراضه طبيعيًا، نظرًا لموقفه والكارثة التي يحاول حلها. لم تكن كروش حاضرة في الاجتماع، حيث كانت لا تزال تعاني من لعنة دم التنين التي أصابتها بها الشهوة. وكانت سيريوس الخيط الوحيد المحتمل لمعرفة كيفية إزالة تلك اللعنة.
«أشعر بالأسف على الدوقة كارستن، لكن لا يمكنني تصور سبب قد يجعل الغضب يعرف شيئًا عن الشهوة. هذا مجرد تخمين.»
«هاه؟»
«لم تُترك بعيدًا تمامًا؛ إنه مجرد فارق ثلاثة خيول، لكنك لا تزال في المقدمة.»
«هذا مجرد استنتاج! لا تتصرف وكأنه حقيقة مسلَّم بها!»
رفع فيريس صوته معارضًا استنتاج أناستاشيا. ورغم أن اعتراضه كان عاطفيًا، فإن أناستاشيا لم تحاول الجدال؛ لأنها كانت تدرك مدى صعوبة قبول هذا الأمر.
«أريد أن أطلب من الجميع أمرًا مهمًّا… هل من بينكم مَن يعرف الرجل الواقف بجواري؟»
«هل لي بالكلام؟»
أجابت ليليانا بلا أدنى تردد، غير مبالية بسؤال بريسيلا القاسي.
«الروح الصناعية التي طلبوها…»
رفع سوبارو يده بينما كانت الأجواء تزداد توترًا.
«لا أرى أن محاولة استخلاص معلومات من الغضب أمر ميؤوس منه تمامًا. لكنني أفهم أيضًا القلق بشأن إبقائها على قيد الحياة.»
قبض سوبارو على أسنانه عندما لاحظ هذا التحول الواضح، ليتيقن أن شكوكه كانت في محلها.
«صحيح— بصراحة، لا أشعر بشيء تجاه ضحايا الشراهة والشهوة. كل ما أريده هو معرفة طريقة لاستعادة جسد آنا إليها. ولن أتردد في استخدامكم جميعًا لتحقيق ذلك.»
«كفى مراوغة! إلى أي جانب أنت، سوبارو؟!»
«لا أعتقد أن هذا الأمر يستحق كل هذا الجدل. إن ساءت الأمور، فلا أمانع في امتصاص كل ذاك السواد الذي يؤذي السيدة كروش في جسدي.»
«انظر هناك، سوبارو.»
«وهذا يفسر لماذا لا تستطيع أناستاشيا استخدام السحر، ولماذا لا يمكنها التعاقد مع روح أيضًا؛ لأن الأمر يتطلب إمدادًا مستمرًا من المانا…»
«… هاه…»
«لا أعتقد أن هذا الأمر يستحق كل هذا الجدل. إن ساءت الأمور، فلا أمانع في امتصاص كل ذاك السواد الذي يؤذي السيدة كروش في جسدي.»
«اصمتي! لا شيء جيد يمكن أن يأتي من منحكِ فرصة للتحدث! ما الذي تخططين له هذه المرة؟! بماذا كنتِ تحاولين إيقاعي؟! تبا! هل كنتُ أرقص على راحة يدكِ مجددًا؟!»
كان فيريس مذهولًا من الاقتراح المتطرف الذي طرحه سوبارو لعلاج كروش.
«أقسم بالخنصر. إن كذبت، سأبتلع ألف إبرة.»
في الوقت نفسه، كان هناك أشخاص آخرون يحدقون في سوبارو بدهشة…
«سوبارو.» نظرت إليه إميليا بصرامة.
قالت ذلك ثم جلست على كرسي وأشارت إلى سوبارو ليجلس هو الآخر. غير مبالٍ، رفض ذلك بصمت، فيما كان يتمتم بتلك الكلمتين بين شفتيه.
«هذا الخيار هو الملاذ الأخير فقط. عليك أن تعتني بنفسك أكثر…»
ضمت ثعلبيدنا جسد أناستاشيا بين ذراعيها ونظرت إلى سوبارو.
«ليس الأمر أنني أرغب في الحصول على وشم مشؤوم. لكن كروش سيدة نبيلة، ونحن نعلم أنني على الأقل أستطيع تخفيف ألمها.»
«……»
ضمت ثعلبيدنا جسد أناستاشيا بين ذراعيها ونظرت إلى سوبارو.
«بياتريس لم تذكر شيئًا عنكِ مطلقًا. لماذا لم تلاحظكِ إذًا؟ هل تحاولين القول إن فتاتي غبية؟»
«ما أحاول قوله هو أننا لسنا بحاجة لاتخاذ قرار متسرع بناءً على وضع السيدة كروش. أفهم القلق، لكن إن ساءت الأمور، فيمكننا استخدام ظهري أو أي جزء آخر من جسدي لمساعدتها. هذا كل شيء.»
«هل هو مجرد ثلاثة؟»
طالما أنه يستطيع فعل شيء ما، لم يكن سوبارو يرغب في الوقوف مكتوف اليدين.
لم يكونوا نائمين. كانوا أولئك الذين تُرِكوا خلف الركب—
«إنه لأمر غريب. وفقًا لما أخبرتني به، هناك من القواسم المشتركة ما يكفي ليجعلني أؤمن أنه أخي من دمي ولحمي، ومع ذلك لا أملك حتى أدنى شذرة من الذكرى عنه.»
بل أكثر من ذلك، كان يحترم كروش ويدين لها بالكثير. لذا، إن كان بالإمكان مساعدتها، حتى ولو بثمن بسيط، فلن يتردد.
«… طالما أن ما تقولينه معقول.»
«فيريس، اجلس. ما قاله السيد سوبارو صحيح.»
«……»
«… أعلم… أعلم…»
«هاه؟»
«إنه لأمر غريب. وفقًا لما أخبرتني به، هناك من القواسم المشتركة ما يكفي ليجعلني أؤمن أنه أخي من دمي ولحمي، ومع ذلك لا أملك حتى أدنى شذرة من الذكرى عنه.»
وضع ويلهيلم يده على كتف فيريس، طالبًا منه الهدوء. كانت عينا فيريس مبللتين، وكأنه على وشك قول شيء ما لسوبارو، لكنه في النهاية جلس بصمت.
وهكذا، ورغم أن التوتر قد خفَّ قليلًا، إلا أن الوضع ذاته لم يتغير.
«همف،» زمَّت بريسيلا شفتيها. «افعلي ذلك إن استطعتِ— وأثبتي أنكِ جديرة بأن تكوني خصمي.»
ضمت ثعلبيدنا جسد أناستاشيا بين ذراعيها ونظرت إلى سوبارو.
«لم نتوصل بعد إلى أي إجماع بشأن كيفية التعامل مع رئيس الأساقفة… وذلك بفضل آخر شخص كنت أتوقع منه أن يعود وهو يجر وراءه أحد أتباع الطائفة حيًا.»
أدارت أناستاشيا نظراتها مجددًا نحو بريسيلا، غير أن الأخيرة لم تكترث بها، بل أخرجت مروحتها من صدرها ورفعتها لتغطي بها شفتيها المتكشفتين عن ابتسامة ساخرة.
«لذا، سأمنحهم الرحمة قبل أن يحدث ذلك. فما هو اقتراحك إذًا؟»
«توقفي عن ذلك. عندما تصيغين الأمر بهذه الطريقة، تبدين أكثر مكرًا.»
«أتظنين أن حياتها أو موتها من مسؤوليتي؟ لا تضحكني، أيتها الثعلبة. كان مجرد وضيع يبحث عن المغنية هو مَن انتشلها من القناة التي أغرقتها فيها. لم يكن ذلك من شأني.»
أكملت أناستاشيا حديث كيريتاكا، الذي بدا صوته مثقلًا بالهم. وعندها، خيَّم الصمت على الجميع في الغرفة.
منسيين من الذاكرة، معزولين عن الحياة اليومية، كيانات ناقصة، ليست حية حقًّا، لكنها ليست ميتة أيضًا.
«وفي هذه الحال، لمَ لم تمُت حتى الآن؟»
«لا بد أن هناك سببًا آخر لذلك. طالما أنه لا يرهق نفسه، فلا بأس.»
«لقد أسأتِ الفهم بشدة. حين سددتُ ضربتي، كنت أنوي قتلها بالفعل. لكن إن كانت قد نجت رغم ذلك، فهذا يعني أن موتها لم يكن من نصيبي، ولذا لم أجد داعيًا لمحاولة قتلها مرة أخرى.»
«انظر هناك، سوبارو.»
«وفي هذه الأثناء، اختصاصي المعالجة لدينا يتجول في أنحاء المدينة تاركًا كبيره في هذه الحالة المؤسفة.»
«… هاااااه، هذا بالكاد يبدو منطقيًا، وإن كان بمنطقٍ معوج.»
تنهدت أناستاشيا مستسلمة أمام رؤية بريسيلا الخاصة للعالم. من الصعب على أي شخص أن يفهم منطقها، بل ويكاد يكون من المستحيل حتى على أقرب الناس إليها، مثل آل أو شولت.
«—روح صناعية.»
في هذه الأثناء، كانت هناك خلافات أخرى في وجهات النظر ضمن فصيل آخر.
«..….»
«استعارتي لجسد آنا كانت خطوة يائسة. أنا روح منخفضة الاستهلاك للطاقة ولم أشكل عبئًا عليها قط فيما يتعلق باحتياجات المانا.»
«بإذنك، أنا أعارض إعدام غضب. صحيح أن هناك قضية تخص السيدة كروش، لكن هذه أيضًا فرصة لا تتكرر للمملكة— فرصة لاستجوابها والحصول على مزيد من المعلومات حول طائفة الساحرة.»
«بيتي ليست روحًا تافهة! لا تستهزئ بي!»
«مئة عام…؟!»
«… أنا أقول اقتلوها وانتهى الأمر. هؤلاء الأوغاد لا يستحقون الحياة، ولا أظن أنه يمكنكم التفاوض معهم. لا شيء نخسره بقتلهم قبل أن تسنح لهم الفرصة لفعل أي شيء.»
«ها.»
«يا سيدة فيلت…»
«لأكون صريحة، هذه المرة لا أعارض لمجرد أنني لا أحب أن تأمرني بما أفعل.»
«؟ ما الأمر، إيميليا تان؟»
لم تكن فيلت متفقة مع راينهارد بشأن التعامل مع غضب. عادةً ما تميل إلى معارضته بغض النظر عن رأيه، لكن هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد تمرد اعتيادي. أخبرها حدسها بأن ترك الغضب على قيد الحياة خطأ جسيم.
«لا، هذا أصبح أمرًا طبيعيًا تمامًا الآن. إضافةً إلى ذلك، من واجب المتعاقد أن يعتني بروحه. لذا، احتضان بياتريس هو جزء من عملك.»
《٥》
«على الرغم من ذلك، ينبغي أن تُسلَّم رئيسة الأساقفة إلى المملكة. يجب نقلها إلى العاصمة بأسرع وقت وتسليمها إلى فرسان الحرس الملكي.»
غضبٌ من رؤية جوليوس جالسًا هناك بتلك الابتسامة الساخرة على وجهه.
«حسنًا، ولكن أليس هذا خطرًا كبيرًا أيضًا؟ نحن نتحدث عن رئيسة أساقفة. لا نملك أدنى فكرة عمَّا قد تحاول فعله.»
«… أوه، لا تكن قاسيًا هكذا. أنتم لطفاء جدًا لتتصرفوا بهذه القسوة. أشعر بالجرح، جرحٌ عميق، أقولها بصدق.»
«إن كان هذا مصدر قلقك، فسأرافقها بنفسي إلى العاصمة. وحتى في أسوأ الاحتمالات، إن حاولت شيئًا، فأنا الأقدر على التصدي لها.»
تحدثت أناستاشيا فجأة، بعد أن شهدت اللقاء الأول الموجع بين الأصدقاء.
«لا أنكر ذلك، لكن ماذا عن فيلت؟ معسكركما فيه مصابون، أليس كذلك؟ هل ستتفرقان، أم…؟»
«لكنَّه يختلف عن باقي ضحايا الشراهة.»
«—إن كان راينهارد ذاهبًا، فسأذهب معه. لا خيار آخر هذه المرة.»
لم يكن غارفيل موجودًا، فرغم أنه كان يعالج ساقي أوتو بالسحر العلاجي على فترات منتظمة، إلا أنه قضي معظم وقته في المساهمة في إعادة إعمار المدينة. لم يكن ذلك مستغربًا منه، فهو فتى طيب القلب، ومن الطبيعي أن يهرع لمساعدة الناس المحتاجين، لكن…
كان راينهارد هو الأكثر اندهاشًا من تصريح فيلت. لا بد أنه توقع أن تتركه وشأنه بعد خلافهما. رفعت نظرها نحوه وهي تعبس بوجه ممتعض.
«أريد أن أطلب من الجميع أمرًا مهمًّا… هل من بينكم مَن يعرف الرجل الواقف بجواري؟»
«لا تفهم الأمور على نحو خاطئ، أيها الأحمق. أنا لا أوافقك، لكن لا يمكنني تركك وحدك هكذا.»
والسبب الذي جعل سوبارو يُصرُّ على استدعائه إلى هذا الاجتماع، هو أنَّه كان استثناءً. كان سوبارو الوحيد القادر على تذكُّره، ولذلك، أمل أن يتفاعل معه أولئك الذين كانوا الأقرب إليه بطريقة مختلفة.
«لا يمكنك… تركي وحدي؟»
امتلأت القاعة بالموسيقى بينما نفخت ليليانا صدرها المسطَّح بكل فخر.
«إن لم تفهم، فحاول أن تسأل قلبك. لأن قلبي بالتأكيد ليس رقيقًا بما يكفي ليجيبك.»
«لا تكن عنيدًا. الأمر لا يقتصر عليك. غارفيل سيبقى أيضًا لحماية المدينة والمساعدة في التعافي. لا أتوقع أن يهاجم أتباع الطائفة مجددًا، لكن الاحتمال قائم.»
دفعت فيلت صدرها الصغير للأمام قليلًا وهي تخرج لسانها في وجه راينهارد. أما الأخير، فقد أغمض عينيه للحظة قبل أن يهز رأسه موافقًا بتردد.
«ولا يحزنون على كونهم منسيين— هذه النقطة وحدها قد تكون نعمة.»
ومع ذلك، فإن إشراف راينهارد على عملية النقل كان كفيلًا بتقليل خطر سيريوس على نحو كبير. أما ما تبقى، فهو أن يتمكن أحد المختصين في العاصمة من استخلاص معلومات مفيدة من ذلك الوحش.
لم يكن أحدٌ غيرهما قادرًا على استيعاب المعنى الحقيقي لذلك التبادل، لكن بدا لسوبارو أن قرار فيلت كان بمثابة راحة لراينهارد.
«إنَّه جوليوس، جوليوس جوكوليوس. وكما قد تكونون قد خمَّنتم، هو أحد الضحايا الذين محاهم الشراهة. لكنَّه لم يفقد وعيه.»
«… حسنًا إذًا. وماذا عن لاتشينز، وكامبرلي، وجاستون؟»
«……»
«لاتشينز وجاستون مصابان، وكامبرلي محطم المعنويات بعد أن خدعه والدك. لذا، فليعد إلى مقرنا ويعتنِ بهما في الوقت الحالي.»
رفع سوبارو يده بينما كانت الأجواء تزداد توترًا.
أومأ راينهارد بإجلال بينما كانت فيلت تضع خطة فريقها بسرعة وحزم.
«آه، إنه أنت.»
«إذًا الأمر محسوم.» صَفَّقت فيلت بيديها. «أنا وراينهارد سنجر رئيسة الأساقفة إلى العاصمة. لا اعتراضات، صحيح، أيتها الأذنان القططيتان؟ أيتها السيدة الحمراء؟»
أومأ فيريس على مضض، أما بريسيلا، فقد تجاهلت الأمر بكسل، وكأنها لم تعتبر نفسها السيدة الحمراء التي قصدتها فيلت.
«الأمر صعب في ظل الوضع الراهن في بريستيلا. هناك عدد هائل من الضحايا؛ لذا يتعين على المعالجين فرز الحالات وفق الأولوية. السيد كيريتاكا يحاول جمع كل معالج يستطيع العثور عليه من المدن المجاورة، لكن…»
«لا تفهم الأمور على نحو خاطئ، أيها الأحمق. أنا لا أوافقك، لكن لا يمكنني تركك وحدك هكذا.»
ومع ذلك، فإن إشراف راينهارد على عملية النقل كان كفيلًا بتقليل خطر سيريوس على نحو كبير. أما ما تبقى، فهو أن يتمكن أحد المختصين في العاصمة من استخلاص معلومات مفيدة من ذلك الوحش.
«توقف عن هذا الضعف البائس. أعلم أن الأمر صعب عليك— أن الجميع قد نسوك، وأنك بلا مأوى. لكن… لكنني لا أريد أن أراك بهذه الصورة المثيرة للشفقة.»
«كممثل عن المدينة، هل لديك أي اعتراض، سيد كيريتاكا؟»
وإن ترتب على ذلك التخلي عن الذهاب إلى البرج، فسيضيع الأمل الوحيد في إنقاذ ضحايا خطيئتي الشهوة والشراهة، مما سيؤدي إلى مشاكل أكثر تعقيدًا.
هل كان هناك مَن سيغفر ناتسكي لسوبارو إن استغل الظروف لصالحه؟
«لا أعتراض. قد أكون ممثلًا للمدينة، لكن رئيسة أساقفة كهذه تتجاوز حدود صلاحياتي. إن كانت العاصمة والحرس الملكي سيأخذانها عن كاهلنا، فذلك يبدو الحل الأمثل.»
«الأمر صعب في ظل الوضع الراهن في بريستيلا. هناك عدد هائل من الضحايا؛ لذا يتعين على المعالجين فرز الحالات وفق الأولوية. السيد كيريتاكا يحاول جمع كل معالج يستطيع العثور عليه من المدن المجاورة، لكن…»
وهكذا، حُسمت مسألة سيريوس. لكن كيريتاكا لم يلبث أن تابع قائلًا:
«قدرك؟ ومَن الذي قرر ذلك؟»
«مع ذلك، لا تزال لدينا قضايا أخرى مقلقة. ضحايا طائفة الساحرة في أرجاء المدينة…»
«الطائرون والمجهولون— ضحايا الشهوة والشراهة.»
أكملت أناستاشيا حديث كيريتاكا، الذي بدا صوته مثقلًا بالهم. وعندها، خيَّم الصمت على الجميع في الغرفة.
«أجل! الحفظ بالتجميد! يمكننا كسب الوقت بهذه الطريقة!»
الطائرون والمجهولون— تلك كانت أعقد القضايا العالقة.
وبغية التبسيط، جرى تصنيف جميع ضحايا الشهوة على أنهم ”طائرون“، غير أن…
«سمعت أنك ذهبت لرؤية السيد جـ—أعني، جوليوس، لكننا قلقنا عندما لم نجدك في غرفة المشفى.»
«ليسوا مجرد طائرين؛ بل تحولت أعداد منهم إلى كائنات أخرى أيضًا. هناك الكثير منهم، ولا يمكن حصرهم جميعًا…»
«إنها آثار تلك المرأة المريعة. لقد حولتهم جميعًا إلى أشكال شنيعة.»
«ليس الأمر أنني أرغب في الحصول على وشم مشؤوم. لكن كروش سيدة نبيلة، ونحن نعلم أنني على الأقل أستطيع تخفيف ألمها.»
المرارة التي علت ملامح ثعلبيدنا لم تكن شيئًا قد رآه سوبارو يومًا على وجه أنستاشيا. لكن حين بدأ بمحادثتها، بدأ يلاحظ التناقضات بنفسه.
كان الواقع المخيف خلف كلمات كيريتاكا الغامضة أشد بشاعة مما يوحي به حديثه.
تحول جميع الناجين داخل مبنى الحكومة بفعل خبث الشهوة. أحدهم أصبح تنينًا أسود، وعشرات آخرون تحولوا إلى ذباب. ولا أحد يعلم كم عدد الذين لا يزالون طلقاء في أرجاء المدينة.
«… الأمر يتعلق بصحراء أوغوريا، التي لم تستطع أنت نفسك اجتيازها.»
«هل أنت مستعد لتصدقني؟»
«فِيرِيس، سحر الشفاء لن يجدي نفعًا مع المصابين، أليس كذلك؟»
أطلق سراح إصبعها، بينما بقيت إميليا مبتسمة، أصبعها لا يزال ممدودًا نحوه.
«… نعم، هذا صحيح. حتى أنا لا أستطيع معالجتهم. في الواقع، الأمر لا يتعلق بالشفاء من الأساس. لقد أُعيد تشكيلهم إلى كائنات مختلفة تمامًا. الشفاء قادر على علاج الجروح والتعامل مع الأمراض، لكنه لا يستطيع شيئًا أمام هذا النوع من التحولات… آسف.»
«هذا…»
«يفتقر؟»
أجاب فيريس على سؤال راينهارد بنبرة آسفة، وقد خيمت على عينيه كآبة لا توصف.
مجرد رؤيته على هذا الحال كان مفجعًا. لم يكن الأمر متعلقًا فقط بحالة كروش، بل إن الأحداث التي شهدتها بريستيلا تركت في قلب فيريس جراحًا لا حصر لها.
«بيتي ليست روحًا تافهة! لا تستهزئ بي!»
«بالانتقال إلى الضحايا المجهولين الذين تم العثور عليهم حتى الآن… يُعتقد أنَّهم من ضحايا الشراهة.»
الشعور بالعجز قد يقود المرء بسهولة إلى اليأس. واليأس داء قاتل.
كان الأمر كذلك حتى بالنسبة لأولئك الذين فقدوا ذواتهم—
لم يكن أحدٌ غيرهما قادرًا على استيعاب المعنى الحقيقي لذلك التبادل، لكن بدا لسوبارو أن قرار فيلت كان بمثابة راحة لراينهارد.
«أولئك الذين تحولوا إلى حشرات مقززة لا شك أنهم يتمنون الموت. إن لم يكن هناك سبيل لإعادتهم إلى هيئاتهم السابقة، فإن القرار الرحيم هو تحقيق أمنيتهم.»
«… بريسيلا، هذا…»
«اصمت، أيها السوقي. المثالية التي لا تستند إلى شيء سوى الكلمات لا قيمة لها على الإطلاق. ما نحتاجه هو خطة فعلية لمعالجة الوضع. وإن لم يتوفر ذلك، فسأمنحهم الرحمة بيديَّ هاتين.»
«إذًا، هذا هو السبب الحقيقي وراء رغبتك في لقاء الحكيم.»
«؟»
واجهت بريسيلا اعتراض سوبارو بنظرة صارمة ورأي أشد صرامة. لكن هذه المرة، ليس لديه ما يرد به عليها.
«..….»
«—ادخل.»
بقدر ما آلمه ذلك، إلا أنها كانت محقة.
وهذا يعني أن ثمة شيئًا مرتبطًا بإيكيدنا كان ينتظرهم عند برج بلياديس للمراقبة. تلك الحقيقة جعلت التوتر يزحف إلى قلبه، لكنه شعر في الوقت نفسه بشيء من الأمل حيال المعرفة التي قد يحملها الشاهد هناك.
الكلمات وحدها لن تغير شيئًا. والشخص الأكثر جدية في التعامل مع ضحايا قوة الشهوة ليس سوى بريسيلا، المرأة التي تمتلك من العزم ما يكفي لتلطِّخ يديها بالدماء لأجلهم.
«أنا بخير. آسف إن أقلقتك. وأيضًا، آسف لأنني استدعيتك من أجل أمر لم يكن يستحق العناء.»
إذًا—
«هاه؟ هممم، انتظر لحظة، لم أكن أتوقع رد فعل عنيفًا كهذا…»
«—إن كان راينهارد ذاهبًا، فسأذهب معه. لا خيار آخر هذه المرة.»
«—أرجو الانتظار. هل يمكنكم ترك هذه المسألة لي؟»
«السيدة إميليا؟»
«لـ-ليليانا؟»
ضحك سوبارو بمرارة وهو يحك وجنته عند سماعه رفض أوتو القاطع.
استدارت جميع الأنظار نحو إميليا، التي رفعت يدها مقاطعةً الحديث.
«… مرارًا وتكرارًا؟ هل كان هناك شخص غيري؟»
«إذًا، ستظل عاجزًا عن المشي لبعض الوقت، أليس كذلك؟»
«هاه،» زمَّت بريسيلا شفتيها بسخرية بينما وضعت يديها تحت صدرها الممتلئ. «هذا مثير للاهتمام. وماذا عساها نصف الشيطانة أن تقترح؟ هل سيكون ردِّك قادرًا على إقناعي؟»
«لا أعلم إن كان سيُرضيك أم لا. كما أنني لا أملك حلًا ينهي المشكلة على الفور.»
«لا أعلم إن كان سيُرضيك أم لا. كما أنني لا أملك حلًا ينهي المشكلة على الفور.»
«همف، إذًا ماذا ستفعلين؟ ستكتفين ببعض التذمر المعتاد؟ هل تظنين أن ذلك سينقذ هؤلاء الذين يعانون في هذه اللحظة؟ هل تظنين أن قلوبهم ستصمد إلى أن تجدي الحل؟»
أصرت بريسيلا على أن الوقت عامل حاسم في الأمر.
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
مدى الضرر النفسي الذي قد يسببه التحول الجسدي إلى كائن غريب ومجهول؟
«لا أعلم إن كان سيُرضيك أم لا. كما أنني لا أملك حلًا ينهي المشكلة على الفور.»
بصراحة، حتى سوبارو، الذي اختبر الموت مرارًا، لم يكن بإمكانه تخيُّل مدى الرعب واليأس اللذين شعر بهما أولئك الأشخاص. لكنه فهم أن كلما طالت مدة بقائهم على تلك الحال، كلما ماتت أرواحهم تدريجيًا.
تم حلُّ قضية ضحايا الشهوة، غير أنَّ حقيقة أنَّ هذا لم يكن كافيًا لمعالجة كلِّ شيء، كانت دليلًا على فداحة الوضع الذي تواجهه المدينة.
«لذا، سأمنحهم الرحمة قبل أن يحدث ذلك. فما هو اقتراحك إذًا؟»
«—أعتقد أنني أستطيع شراء الوقت اللازم للبحث عن طريقة لاستعادتهم.»
لكن على عكس الآخرين، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عمَن تشير إليه.
«ماذا؟»
«بإمكاني أن أجعل مَن تعرضوا للتحول ينامون في الجليد. لقد فعلت ذلك قبل قليل؛ لذا أؤمن أنني أستطيع فعل الشيء ذاته لهم أيضًا… لا، بل أنا واثقة أنني أستطيع! أرجوكم، دعوني أتكفل بهذا الأمر.»
«أجرؤ على القول إنك تبغض صانعي.»
«……»
«آه، إيميليا تان، حتى أنتِ ترين ذلك؟!»
نهضت إميليا، محدقة ليس فقط ببريسيلا، بل بجميع الحاضرين.
«……»
بينما عمَّت الدهشة أرجاء القاعة إثر اقتراحها، ضرب سوبارو أصابعه ببعضها.
«… تبًا لكل هذا…»
«أجل! الحفظ بالتجميد! يمكننا كسب الوقت بهذه الطريقة!»
«لا يمكنني إنكار منطقك…» وضعت أناستاشيا يدها على خدها، متأملةً الرأي القاطع لبريسيلا.
«تجميدهم في الجليد؟ هل هذا ممكن؟ ألا يعني ذلك أنهم سيتجمدون حتى الموت؟»
«… أوه، لا تكن قاسيًا هكذا. أنتم لطفاء جدًا لتتصرفوا بهذه القسوة. أشعر بالجرح، جرحٌ عميق، أقولها بصدق.»
«لا تقلقوا! لقد نمتُ أنا نفسي في الجليد لحوالي مئة عام!»
«لا تنسَ هذا أبدًا.»
كانت فيلت، التي بدت بقدر فهم سوبارو نفسه، تحدق في أناستاشيا بنظرة حادة.
«مئة عام…؟!»
ابتسم سوبارو، مبعدًا مخاوف راينهارد. اتسعت عينا الأخير قليلًا، لكنه أومأ برأسه في النهاية.
أثارت كلمات إميليا الفخورة بعض الفوضى غير المتوقعة. لكن ما إن سمع سوبارو باقتراحها، حتى أدرك فورًا مزاياه. ليس هذا فحسب، بل إنها وجدت طريقة لاستعمال قوتها على نحو إيجابي، مما جعله يشعر بالسعادة.
وهكذا، تمكنوا من تحقيق الهدف الذي جاؤوا من أجله إلى بريستيلا، لكنهم في المقابل حصلوا على أهداف أكثر ثقلًا خلال هذه الرحلة.
صحيح أن ذلك لم يكن حلًا جذريًا للمشكلة، لكنه على الأقل قد يمنحهم الوقت اللازم لإيجاد حل أفضل. فإن لم يكن هناك حد زمني ضاغط، فسيكون لديهم مجال لتطوير خطة أكثر فاعلية.
أفهم… إنه أداء متقن بالفعل. ولكن…
«و—»
«إذًا، أنتِ تطرحين هذا الأمر الآن لأنكِ انتهيتِ من تجهيزاتكِ للاستيلاء على جسد أناستاشيا؟»
في أسوأ الأحوال، كان سوبارو يملك حلًا آخر في ذهنه. يمكنه قتل كابيلا وسلب عامل ساحرة الشهوة.
«… فهمت. إن جاء ذلك اليوم، سأفعل ذلك، يا صديقي.»
ومع ذلك، كان سوبارو متأكدًا من أنه لن يعترف بشيء حتى لو واجهه.
حاليًا، امتلك سوبارو عاملي الكسل والجشع.
لم يكن متأكدًا مما كان يتوقعه، لكن كل ما حصل عليه كان تغطية ضعيفة غير مقنعة على الإطلاق. بعبارة أخرى، زعمت أنها فقدت ذاكرتها.
لذا، إن تمكن من إعادة إنتاج قوة الشهوة كما استطاع استنساخ تأثير العناية غير المرئية، فقد يتمكن من إعادة أولئك الأشخاص إلى أشكالهم الأصلية.
«آسفة، آسفة.» رسمت أناستاشيا ابتسامة متكلفة وقالت: «الشاهد، شاورا.»
بالطبع، لم يكن ذلك سوى احتمال نظري، إذ لم يستطع حتى الآن استنساخ تأثير عامل الجشع. لكن الأمر يستحق المحاولة على الأقل، إن لم يكن هناك خيار آخر.
«إذًا الأمر محسوم.» صَفَّقت فيلت بيديها. «أنا وراينهارد سنجر رئيسة الأساقفة إلى العاصمة. لا اعتراضات، صحيح، أيتها الأذنان القططيتان؟ أيتها السيدة الحمراء؟»
«ما الذي يشغلك، سيد كيريتاكا؟ لا بأس، أليس كذلك؟ دعه يجرب!»
سار سوبارو في ممر الملجأ بعدما غادر راينهارد، حينما وجدته إيميليا وبياتريس وأسرعتا نحوه.
«لـ-ليليانا؟»
لحسن الحظ، لم يحدث القتال الذي كان يخشاه، لكن قديس السيف راينهارد لا بد أنه سمع الحديث الذي دار في الغرفة— بأن أناستاشيا ليست سوى جسد تسكنه ثعلبيدنا حاليًا.
ردَّت بياتريس بغضب، وبدأت تضربه على جانبه مرارًا، لكنه رفعها بحركة مفاجئة، مما جعلها تصيح بدهشة، بينما واصل سيره بجانب إيميليا.
بينما كان سوبارو غارقًا في أفكاره، استمر النقاش.
للمرة الأولى، وجد سوبارو نفسه متفقًا تمامًا مع ما تقوله ثعلبيدنا.
أدار سوبارو وجهه بعيدًا عن تلك الضحكة الواهنة، ثم جال بنظره في أرجاء الغرفة، متأملًا أولئك المستلقين على الأسرة البسيطة. كانت مرصوصة بانتظام، لكن المشهد لم يكن ينضح بالسكينة.
كان كيريتاكا مترددًا في قبول اقتراح إميليا، حينما صفعته ليليانا على ظهره بلطف، وأخذت تعزف على قيثارتها بإيقاع مبهج.
«أنا بخير. آسف إن أقلقتك. وأيضًا، آسف لأنني استدعيتك من أجل أمر لم يكن يستحق العناء.»
«إذًا، احرص على ألا تصل إلى ذلك الرقم، مفهوم؟»
«إن كانت السيدة إميليا مستعدة للذهاب إلى هذا الحد، فلا شك أن اقتراحها يملك فرصة للنجاح!»
«بالطبع، أرغب في تصديق ذلك. لكن هناك أرواح كثيرة معلقة على هذا القرار. من دون أعضاء المجلس الآخرين، لا يمكنني اتخاذ قرار بهذه البساطة…»
«… أعلم… أعلم…»
«آه. لكن وجهك أيضًا لطيف، سوبارو! كلما أمعنت النظر إليه، زاد تميزه!»
«لا داعي للقلق! السيدة إميليا لن تفشل! ولماذا، تسأل؟! لأن العظماء الذين تُخلَّد أسماؤهم في التاريخ هم أولئك الذين يتغلبون على مثل هذه المحن! ما هي العقبات أمامهم؟! هكذا تُصنع الحكايات التي تأسر القلوب!»
كان الواقع المخيف خلف كلمات كيريتاكا الغامضة أشد بشاعة مما يوحي به حديثه.
«لا تنسَ هذا أبدًا.»
امتلأت القاعة بالموسيقى بينما نفخت ليليانا صدرها المسطَّح بكل فخر.
قد يكون كلامها مجرد مثالية فارغة، لكنه حمل نوعًا غريبًا من الإقناع. ولم يكن سوبارو الوحيد الذي شعر بذلك، إذ سرعان ما ارتسمت ابتسامة على شفتي بريسيلا.
«ادعاء جريء، أيتها المغنية— ولكن إن كان حكمك خاطئًا، فماذا ستفعلين؟ ماذا لو كان المخطط الذي تعشقينه مجرد وهم؟»
كان هناك احتمال أن تكون منتحلة شخصية أناستاشيا تخطط لأمر خبيث، مما قد يؤدي إلى مواجهة عنيفة بينهما، لكنه لم يكن مضطرًا في النهاية إلى اللجوء إلى التأمين الذي أعدَّه مسبقًا.
«سأقدم عنقي دون تردد! ليليانا لا تتراجع عن كلمتها!»
أجابت ليليانا بلا أدنى تردد، غير مبالية بسؤال بريسيلا القاسي.
وحين رأت ذلك الرد الواثق، أومأت بريسيلا برأسها.
«لنفترض جدلًا أنكِ لستِ إيكيدنا التي أعرفها. إذًا، كيف عرفتِ أن بياتريس روح صناعية؟ هذه معلومة مريبة جدًّا لشخص يدَّعي فقدان ذاكرته.»
«وهذا يفسر لماذا لا تستطيع أناستاشيا استخدام السحر، ولماذا لا يمكنها التعاقد مع روح أيضًا؛ لأن الأمر يتطلب إمدادًا مستمرًا من المانا…»
«حسنًا إذًا. سأغفر لك غناءك المزعج، وسأكبح يدي الرحيمة. مقابل…»
«اتركي الأمر لي— سأتكفل به.»
أجاب فيريس على سؤال راينهارد بنبرة آسفة، وقد خيمت على عينيه كآبة لا توصف.
لم تكن ثقة مطلقة، لكنها كانت عزيمة لا تهتز. قبضت إميليا يديها بإصرار شديد.
《٥》
«همف،» زمَّت بريسيلا شفتيها. «افعلي ذلك إن استطعتِ— وأثبتي أنكِ جديرة بأن تكوني خصمي.»
«ما الذي يشغلك، سيد كيريتاكا؟ لا بأس، أليس كذلك؟ دعه يجرب!»
اختُتمت المسألة بكلمات بريسيلا القوية تلك.
《٢》
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
«… أرى… حسنًا، إن كنت تقول ذلك.»
تم حلُّ قضية ضحايا الشهوة، غير أنَّ حقيقة أنَّ هذا لم يكن كافيًا لمعالجة كلِّ شيء، كانت دليلًا على فداحة الوضع الذي تواجهه المدينة.
رفع سوبارو إصبعه فيما ركَّز نظره على ثعلبيدنا. كان من الحماقة الهجوم دون ترك مجال للنقاش، لكنه لم يكن ليسمح لنفسه بالتراخي أيضًا. وهذا أقصى ما كان مستعدًا للتنازل عنه.
وما تبقَّى من المشاكل الكبرى لم يكن أقلَّ صعوبة، بل ربما كان أشدَّ تعقيدًا.
«بالانتقال إلى الضحايا المجهولين الذين تم العثور عليهم حتى الآن… يُعتقد أنَّهم من ضحايا الشراهة.»
«توقف عن هذا الضعف البائس. أعلم أن الأمر صعب عليك— أن الجميع قد نسوك، وأنك بلا مأوى. لكن… لكنني لا أريد أن أراك بهذه الصورة المثيرة للشفقة.»
«توقف عن الضحك وأنت تضرب بيتي!!!»
تلك العبارة الباهتة، التي تفتقر إلى أي تفاصيل دقيقة، كانت وحدها كفيلة بإثبات مدى رهبة قوة الشراهة.
بعد انتهاء المعركة، عُثر على العديد من الضحايا المجهولين في أرجاء المدينة.
وكانت الإشارة إليهم بهذه الطريقة الغامضة راجعةً إلى حقيقةٍ مروعة— لم يكن هناك أحدٌ قادرٌ على تأكيد هويَّاتهم. إذ إنَّ ضحايا الشراهة لا تُمحى أسماؤهم فحسب، بل تُطمس ذكرياتهم بالكامل من عقول كلِّ مَن كان يعرفهم. والأسوأ من ذلك أنَّهم أنفسهم غالبًا ما يفقدون أي إدراكٍ لذواتهم، فلا يبقى أيُّ دليلٍ يمكن تتبعه لمعرفة حقيقتهم.
أومأ راينهارد بإجلال بينما كانت فيلت تضع خطة فريقها بسرعة وحزم.
لم يكن هناك ما يدلُّ عليهم سوى بعض القرائن الطفيفة -كالملابس التي يرتدونها، أو الأماكن التي وُجدوا فيها- لكن هذا لم يكن كافيًا لاستعادة هويَّاتهم الضائعة.
«هل يمكنني الوثوق بأنك تعرفين فعلًا الطريق إلى برج بلياديس للمراقبة؟»
كانت هناك العديد من المآسي في بريستيلا، وربما لم يكن من الحكمة أن يشعر بالفرح فقط لنجاة هذين الطفلين، لكن—
«قوة الراهبة كانت مدمِّرة، وافتقارنا للمعلومات أوقعنا في الهزيمة. وبسبب ذلك، انتشرت الضحايا في كل أرجاء المدينة…»
«أهذه أول مرة تستعيرين فيها جسدها؟»
عددٌ من كبار الأساقفة التابعين للشراهة ظهروا في آنٍ واحد، ممَّا جعل المعارك ضدَّهم تخسر خسائر جسيمة، وفاق عدد الضحايا التوقُّعات بكثير.
«يا له من مزاح سيئ… أنتِ إيكيدنا…؟»
وكان من بين أشدِّ المتضررين، الوحش البشري الضخم الجالس متربعًا بجوار أناستاشيا—
«وعُدنا إلى هذه النقطة مجددًا… قلتها من قبل، لم أرغب أبدًا في الاستيلاء على جسد آنا. ولم تكن هي تريد ذلك أيضًا.»
«……»
«فيريس، اجلس. ما قاله السيد سوبارو صحيح.»
«لا تلقِ عليَّ تلك النظرة البائسة، يا صاح. لقد أفسدتُ الأمر، لكنني لا أزال على قيد الحياة. بالنظر إلى ما حدث، يُعدُّ فقدان ذراعي ثمنًا زهيدًا.»
بالطبع، لم يكن سوبارو يخطط لقبول هذا التفسير بسهولة، لكن—
لاحظ ريكارود نظرة سوبارو التي استقرت عليه، فرفع الجذع المقطوع لذراعه اليمنى ملوِّحًا به.
كان الضماد الذي يغطيه غارقًا في الدم. وقد كان أحد أساقفة الشراهة هو مَن تسبَّب في فقدانه. صحيحٌ أنَّ ريكارود نجح في تنفيذ مهمَّته بإبعاد العدو عن برج القيادة وفق الخطَّة، لكنه عاد منها وقد فقد ذراعه.
«… أنا واثق أن هناك كثيرين ممَن لاحظوا الأمر. حتى لو لم يتمكنوا من التصريح بذلك فورًا وبثقة، فإن مَن يعرفونها جيدًا أدركوا الحقيقة منذ اللحظة الأولى.»
ولسوء الحظ، لم يتمكَّنوا من العثور على ذراعه المقطوعة، كما أنَّ سحر الشفاء لم يكن قادرًا على إعادة الأطراف المبتورة.
لقد ضحَّى بذراعه من أجل حماية أحد رفاقه أثناء القتال. وهذا لم يكن غريبًا عليه. غير أنَّ ما كان مؤلمًا بحقٍّ هو أنَّه لم يكن يتذكَّر أيًّا من ذلك.
وفي تلك اللحظة، وجد سوبارو نفسه يُعذِّب فارسًا آخر دون قصد، لمجرَّد أن نظر إليه.
«… من المحتمل أنها كانت نوعًا من الحواجز، ولم أستطع كسرها.»
«هذا رد جارح. لقد نقلت لك الحقائق والمعلومات الرئيسية بأسلوب موجز ومباشر. أين الخطأ في ذلك؟»
«أريد أن أطلب من الجميع أمرًا مهمًّا… هل من بينكم مَن يعرف الرجل الواقف بجواري؟»
«إذًا، ستظل عاجزًا عن المشي لبعض الوقت، أليس كذلك؟»
«……»
«أعتقد أن المرتين الثانية والثالثة مجرد عذر للإمساك بيدك. لكن من الجيد أنكما مقربان إلى هذا الحد.»
ساد الصمت المكان.
بالنظر إلى أن اسمها هو ذاته اسم تلك الساحرة، فمن غير المستغرب أنها أصابت أضعف نقطة في قلبي بدقة.
غير أنَّه لم يكن صمتَ الحيرة، بل صمتَ اليقين. فقد أدرك الجميع ما حاول سوبارو قوله، فألقوا جميعًا نظراتهم نحو الرجل الغريب الذي يقف إلى جواره.
خفضت ثعلبيدنا رأسها، بينما استعاد سوبارو في ذاكرته حديثه مع أناستاشيا قبل المعركة الحاسمة ضد الأساقفة. حينها، استوقفته لمناقشة أمر مهم، وبدا أنها كانت مترددة بشأن موضوع الروح الصناعية، وكأنها تخفي أمرًا ما.
وكان هذا الصمت بحد ذاته إجابةً واضحة.
«ألا يوجد حقًّا أحدٌ يتعرَّف عليه؟ حتى لو كان هناك مجرَّد شعورٍ غامض بالألفة…»
السبب الوحيد الذي جعله يعرف ذلك الاسم وعلاقته به هو أن سوبارو أخبره.
«هذا يكفي، سوبارو. دعه وشأنه.»
قطع الفارسُ ذاته حديثَ سوبارو، وكأنَّه يريده أن يتوقَّف عن طرح أسئلة لن تؤدِّي إلا إلى تعميق جراحه.
«لولاك، لكانت هناك مواقف أخطر بكثير، وربما لم أكن لأتمكن من إنقاذ إميليا. أنا ممتن لك حقًا، راينهارد.»
رسم الرجل الوسيم على شفتيه ابتسامةً حزينة وكئيبة، وهو يهزُّ رأسه مستسلمًا. لقد كان وجهًا مألوفًا لدى سوبارو، لكن لم يكن هناك أحدٌ في القاعة يتذكَّره.
«كنت قد عقدت العزم على الموت حينها. في الحقيقة، لو أراد رئيس الأساقفة قتلي، لكنت الآن في عداد الموتى منذ زمن بعيد.»
وهذه الحقيقة القاسية كان جوليوس قد استوعبها بالفعل عندما التقى بهم لأوَّل مرَّة بعد اختفائه عن ذكرياتهم.
«—إذًا، أول ما سأفعله هو أن أصدمك، أنت الذي لا يزال يتذكرني.»
والسبب الذي جعل سوبارو يُصرُّ على استدعائه إلى هذا الاجتماع، هو أنَّه كان استثناءً. كان سوبارو الوحيد القادر على تذكُّره، ولذلك، أمل أن يتفاعل معه أولئك الذين كانوا الأقرب إليه بطريقة مختلفة.
حقًا، الأمر غير منطقي. وإن استخدمت هذا المنطق، فلن تنتهي الشكوك أبدًا—
لكن—
تغير نبرة الصوت كان فوريًا. هذا الصوت لم يكن صوت أناستاشيا.
«……»
«—لا تبدو بخير، سوبارو. هل أنت على ما يرام؟»
—الصمت الثقيل الذي خيَّم على المكان قال كلَّ شيء.
استحالة أن يتمكن أحد من محاكاة شخص آخر على نحو مثالي كانت حقيقة مطمئنة، ليس فقط لثعلبيدنا، بل لسوبارو أيضًا.
لا أحد يتذكَّر جوليوس جوكوليوس، الفارس الأسمى.
«ماذا…؟ آه، صحيح، لا بد أن السجلات لم تترك عنها الكثير.»
لقد مُحيتْ ذكرى وجوده من عقول الجميع، وكأنَّه لم يكن يومًا بينهم.
«واو، نادرًا ما تستخدمين السخرية.»
«لكنَّه يختلف عن باقي ضحايا الشراهة.»
قطب سوبارو حاجبيه، مشيرًا إلى جوليوس، ثمَّ تطلَّع إلى من حوله مجددًا.
«… نعم…»
«إنَّه جوليوس، جوليوس جوكوليوس. وكما قد تكونون قد خمَّنتم، هو أحد الضحايا الذين محاهم الشراهة. لكنَّه لم يفقد وعيه.»
جميع الضحايا السابقين كانوا إمَّا قد فقدوا ذكرياتهم كما حدث مع كروش، أو فقدوا أسمائهم وذكرياتهم تمامًا كما حدث مع ريم.
أمَّا جوليوس، فقد فقد اسمه فقط، ليصبح حالةً استثنائية بين الضحايا.
الطفلان اللذان وقعا ضحية للأفعال الخبيثة للكهنة.
«إذاً هو استثناء؟ منسيٌّ من الجميع، لكنَّه لا يزال يتذكَّر نفسه… هل كان على صلةٍ ببعضنا؟»
توترت وجنتا سوبارو قليلًا حينما نظرت إميليا إليه بتلك الطريقة.
نظر فيريس إليه بدهشة، فأومأ راينهارد برأسه مؤكدًا: «يبدو الأمر كذلك. من مظهره، يتَّضح أنَّه فارسٌ ذو مهارة عالية. ومن المؤكَّد أنَّني وفيريس كنَّا على الأقل على معرفة به. بل من المحتمل أنَّنا كنَّا أصدقاء.»
«لا أعتقد ذلك…»
«… آه…»
«… وأنا أيضًا كنت أعدُّكما من أصدقائي.»
بدا على فيريس وراينهارد الاضطراب لسماع رجلٍ لا يتذكَّرانه يُطلق عليهما صفة الأصدقاء. وكان من المؤلم رؤية جوليوس وهو يتقبَّل هذه الحقيقة بقلبٍ يعتصره الحزن.
لكن—
لم يعلم سوبارو متى التقى الثلاثة لأول مرة. لم يسمع قط أي تفاصيل عن تطور صداقتهم، أو كيف تجاوزت علاقتهم حدود الزمالة العادية.
«—إيكيدنا.»
لكن ما لا شك فيه أنهم كانوا أصدقاء. كانت تربطهم رابطة واضحة جلية.
والآن… لم يبقَ منها أي أثر.
لسبب ما، بدا صوت ثعلبيدنا الهادئ أشبه بصوت شيطان يعرض صفقة مغرية.
«… تبًّا…»
حين سُرق اسم ريم ولم يعد أحد يتذكرها، ظن سوبارو أنه لا يوجد شيء أشد حزنًا من ذلك. لكنه كان مخطئًا. فقد كان جوليوس يعيش هذه المأساة بنفسه، عالقًا في عالم نسيه تمامًا، وحيدًا بلا أثر.
لم يكن بوسعه أن يجزم بذلك، لكنه شعر بأنها ستكون هناك. فمن خلال تقديره، لم يكن لديها مكان تشعر فيه بالراحة.
ليس من الصواب مقارنة الآلام، لكن ما يمر به جوليوس ليس إلا مأساة تحطم القلب.
«لا أنكر ذلك، لكن ماذا عن فيلت؟ معسكركما فيه مصابون، أليس كذلك؟ هل ستتفرقان، أم…؟»
على أي حال، الطريق إلى برج بلياديس سيكون طويلًا. فصحراء أوغوريا، حيث يقع البرج، تمتد في أقاصي الشرق، مما يعني أنه سيكون مضطرًا للسفر برفقة ثعلبيدنا طوال الطريق.
«… وليس مجرد صديقين فحسب.»
تحدثت أناستاشيا فجأة، بعد أن شهدت اللقاء الأول الموجع بين الأصدقاء.
كان في نظرتها حنان مدروس وهي تلامس الوشاح الملفوف حول عنقها. وبأصابعها مررت لمسة خفيفة على الفراء الأبيض، قبل أن تلقي نظرة نحو ريكاردو.
«نعم، هذا صحيح. ليس الأمر وكأنني قد تُركت خلف الجميع وكل شيء.»
«السيد جوليوس هو مَن أعاد ريكاردو إلى هنا بعد أن أصيب بجراحه. كنت مستغربة قليلًا عندما اختفى فجأة بعد ذلك، لكن… هذا هو السبب، أليس كذلك؟»
وإن ترتب على ذلك التخلي عن الذهاب إلى البرج، فسيضيع الأمل الوحيد في إنقاذ ضحايا خطيئتي الشهوة والشراهة، مما سيؤدي إلى مشاكل أكثر تعقيدًا.
《٢》
«سيدتي أناستاشيا…»
«أنتِ تقولين إنكِ روح صناعية أيضًا؟ مثل بيكو أنتِ؟ روح صناعية؟ أنتِ؟»
ذاك الشعور القاسي، حين يعاملك سيدك الذي أقسمت أن تخدمه بسيفك وكأنك غريب… وذلك اللقاء المستحيل، حين اضطرت السيدة والفارس أن يتعارفا من جديد… كان في صوت جوليوس تفانٍ عميق لا لبس فيه.
«لم تكن سيريوس تنوي قتلك؟»
عند سماع كلماته، حبسَت أناستاشيا أنفاسها للحظة، ثم سرعان ما استعادت تماسكها وقالت:
تحول جميع الناجين داخل مبنى الحكومة بفعل خبث الشهوة. أحدهم أصبح تنينًا أسود، وعشرات آخرون تحولوا إلى ذباب. ولا أحد يعلم كم عدد الذين لا يزالون طلقاء في أرجاء المدينة.
تمامًا كما أحبَّ باك إميليا، وكما أحبت بياتريس سوبارو، بدت ثعلبيدنا تحمل الشعور ذاته تجاه أنا—
«— لديَّ اقتراح لكم جميعًا.»
لكن ما يمكنه قوله الآن هو—
تحول نظر جوليوس إليها، بينما ركزت هي على جوهر المسألة.
«أتظنين أن حياتها أو موتها من مسؤوليتي؟ لا تضحكني، أيتها الثعلبة. كان مجرد وضيع يبحث عن المغنية هو مَن انتشلها من القناة التي أغرقتها فيها. لم يكن ذلك من شأني.»
«اقتراح؟» تساءل كيريتاكا. «أي نوع من الاقتراحات، في ظل هذا الوضع؟»
«الجميع يواجهون المشكلة ذاتها، أليس كذلك؟ مَن تعرضوا للتحول على يد الشهوة، ومَن سُلبت أسماؤهم بفعل الشراهة. لكن الأساقفة الكبار اختفوا بلا أثر، ولا أظن أنهم سيعترفون لنا بسهولة بطريقة حل هذا الأمر. نحن عالقون.»
«وما فائدة ذكر ذلك الآن…؟» تمتم فيريس متألمًا.
«أهو أمر غريب أن تراني ألعب مع بيكو؟»
تراخى وجه راينهارد قليلًا، وظهرت عليه ابتسامة خفيفة وهو يفكر في السيدة التي يخدمها. لاحظ سوبارو ذلك، وضاقت عيناه وهو يراقب هذا التغير في علاقتهما.
«إن كانت تذكره الآن، فلا بد أنها فكرت في حل، أليس كذلك؟»
أمالت إميليا رأسها نحو أناستاشيا.
«صحيح.» هزَّت أناستاشيا كتفيها. «لا جدوى من سؤال أولئك الأساقفة المقيتين. إذًا، لماذا لا نسأل شخصًا آخر قد يعرف الإجابة؟»
«في حالته، يستهلك المانا لمجرد بقائه على قيد الحياة… لكن بالنسبة لآنا، فإن كمية المانا التي تمتصها غير كافية. لهذا، هي مجبرة على استخدام مخزونها الداخلي من المانا، وعندما ينفد، لا يبقى أمامها سوى استنزاف الأودو، وهو أساس الحياة نفسه.»
«شخص آخر قد يعرف… تعنين شخصًا يعلم الكثير من الأمور؟»
«هـ-هل يمكنك أن تهدأ؟ أعتقد أن هناك سوء فهم خطير هنا.»
«بالضبط. وهناك شخص تنطبق عليه هذه الأوصاف تمامًا في هذا البلد. شخص على دراية بالكثير… الكثير من الأشياء.»
«إن كان هذا مصدر قلقك، فسأرافقها بنفسي إلى العاصمة. وحتى في أسوأ الاحتمالات، إن حاولت شيئًا، فأنا الأقدر على التصدي لها.»
«… لا تقصدين…»
قطع الفارسُ ذاته حديثَ سوبارو، وكأنَّه يريده أن يتوقَّف عن طرح أسئلة لن تؤدِّي إلا إلى تعميق جراحه.
أثارت كلمات أناستاشيا الغامضة همهمة خافتة في أرجاء الغرفة.
كانت أناستاشيا تنتظر أحدًا في تلك الغرفة— تنتظر سوبارو.
لكن على عكس الآخرين، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عمَن تشير إليه.
«إن كانت تذكره الآن، فلا بد أنها فكرت في حل، أليس كذلك؟»
إن كان هناك مَن يعلم كيف يمكن إبطال تأثيرات الأساقفة الكبار—
«بإذنك، أنا أعارض إعدام غضب. صحيح أن هناك قضية تخص السيدة كروش، لكن هذه أيضًا فرصة لا تتكرر للمملكة— فرصة لاستجوابها والحصول على مزيد من المعلومات حول طائفة الساحرة.»
«أوي، لا أفهم عما تتحدثين، لكن كفي عن المراوغة وتكلمي بوضوح.»
تجمدت ابتسامة أناستاشيا المرحة. تلاشت ابتسامتها الرزينة المتزنة، ثم أمالت رأسها ببطء. وعندها، ضاقت عيناها بمكر.
كانت فيلت، التي بدت بقدر فهم سوبارو نفسه، تحدق في أناستاشيا بنظرة حادة.
عَلَى صدره وهبط مع أنفاسه المضطربة، والدم الذي تدفق إلى رأسه لم يهدأ بعد.
«بالفعل ذهبت لزيارته، لكنه ظل محتفظًا بذلك التعبير الكئيب وهو يحدق في الضحايا، مهما طالت مدة نظره إليهم. لم يكن ذلك تغييرًا للجو بقدر ما كان تغييرًا للمكان فحسب.»
«آسفة، آسفة.» رسمت أناستاشيا ابتسامة متكلفة وقالت: «الشاهد، شاورا.»
«إذًا الأمر محسوم.» صَفَّقت فيلت بيديها. «أنا وراينهارد سنجر رئيسة الأساقفة إلى العاصمة. لا اعتراضات، صحيح، أيتها الأذنان القططيتان؟ أيتها السيدة الحمراء؟»
«هاه؟»
وإن ترتب على ذلك التخلي عن الذهاب إلى البرج، فسيضيع الأمل الوحيد في إنقاذ ضحايا خطيئتي الشهوة والشراهة، مما سيؤدي إلى مشاكل أكثر تعقيدًا.
ارتسمت على وجه فيلت نظرة حيرة، وعقدت حاجبيها في تفكير، بينما تجعد جبين سوبارو بالارتباك ذاته.
وحين رأت ذلك الرد الواثق، أومأت بريسيلا برأسها.
حينها، بادر جوليوس بالشرح:
إذا كانت هي الأخرى روحًا صناعية، فهذا يعني…
«في مملكة لوغونيكا، كان هناك ذات يوم ثلاثة أبطال عظماء حققوا إنجازًا جليلًا. قديس السيف، التنين القديس، والحكيم. وقد عُرفوا باسم الأبطال الثلاثة.»
«الأبطال الثلاثة…»
«نعم. وأحدهم هو الحكيم، شاورا. حافظ المعرفة، الذي يرى كل ما سيحدث في هذا العالم.»
«… نعم، هذا صحيح. حتى أنا لا أستطيع معالجتهم. في الواقع، الأمر لا يتعلق بالشفاء من الأساس. لقد أُعيد تشكيلهم إلى كائنات مختلفة تمامًا. الشفاء قادر على علاج الجروح والتعامل مع الأمراض، لكنه لا يستطيع شيئًا أمام هذا النوع من التحولات… آسف.»
تابعت أناستاشيا حديث جوليوس، وقد خففت ملامحها إلى ابتسامة، ثم نظرت إلى الحاضرين بعينيها الزرقاوين المخضرتين.
توقف راينهارد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وأومأ برأسه.
«برج بلياديس للمراقبة، الواقع خلف كثبان أوغوريا، عند أقصى الحدود الشرقية لمملكة لوغونيكا… حيث يقيم هناك الشاهد الأسطوري في عزلة، وقد يكون هو مَن يحمل الإجابات التي نبحث عنها.»
«—توقفي عن التمثيل.»
《٣》
《٣》
«بصراحة، أنا ضد ذلك.»
«… حسنًا، توقعت ذلك منك.»
—الصمت الثقيل الذي خيَّم على المكان قال كلَّ شيء.
ضحك سوبارو بمرارة وهو يحك وجنته عند سماعه رفض أوتو القاطع.
«قوة الراهبة كانت مدمِّرة، وافتقارنا للمعلومات أوقعنا في الهزيمة. وبسبب ذلك، انتشرت الضحايا في كل أرجاء المدينة…»
«… بصرف النظر عن السيدة إميليا، ألم تنزعج بياتريس أيضًا؟»
كانت ساقا أوتو المصابتان لا تزالان تبدوان مؤلمتين، لكنّه نُقل من المأوى إلى مستشفى مناسب حيث يتلقى علاجًا دقيقًا يليق بمَن بذل جهدًا مضنيًا لإنهاء الأزمة التي عصفت بالمدينة.
في الوقت نفسه، كان هناك أشخاص آخرون يحدقون في سوبارو بدهشة…
تلك كانت أولى كلماته بعد استماعه لما جرى من نقاش في الاجتماع الذي فاته، وكانت ردة فعل متوقعة تمامًا بالنسبة لسوبارو؛ لأن أوتو سوين عرف ناتسكي سوبارو جيدًا.
لذا، إن تمكن من إعادة إنتاج قوة الشهوة كما استطاع استنساخ تأثير العناية غير المرئية، فقد يتمكن من إعادة أولئك الأشخاص إلى أشكالهم الأصلية.
معظم الناس يبالغون في تقديره، لكن بياتريس وأوتو، وربما باتلاش أيضًا، كانوا الوحيدين الذين يملكون تقييمًا واقعيًا له.
وربما فيريس كذلك، لكنه لم يكن في وضع يسمح له بملاحظة الكثير بسبب انشغاله بوضع كروش.
تم حلُّ قضية ضحايا الشهوة، غير أنَّ حقيقة أنَّ هذا لم يكن كافيًا لمعالجة كلِّ شيء، كانت دليلًا على فداحة الوضع الذي تواجهه المدينة.
«… حسنًا إذًا. وماذا عن لاتشينز، وكامبرلي، وجاستون؟»
لذلك، كان سوبارو مدركًا تمامًا أن أوتو سيعارض ذلك.
«همم؟ لماذا تحدِّق هكذا؟»
«لكن بما أنك تعرفني جيدًا إلى هذا الحد، فلا بد أنك تعرف إجابتي أيضًا.»
«وأنت أيضًا، احرص على توخي الحذر. مجرد التفكير في إعادة سِريوس إلى الوراء ضربٌ من الجنون. لا تدع فيلت تقدم على شيء متهور.»
«… بصرف النظر عن السيدة إميليا، ألم تنزعج بياتريس أيضًا؟»
لم يستطع سوى أن يهمس باسمها.
«بيكو خاصتي تزداد ظُرفًا حين تغضب.»
«أعلم ذلك جيدًا. لا يزال أمامنا طريق طويل، والأهم من ذلك…»
وضع أوتو يده على جبهته في استياء، بينما ألقى سوبارو نظرة على ساقيه.
«لا تنسَ هذا أبدًا.»
«بالفعل ذهبت لزيارته، لكنه ظل محتفظًا بذلك التعبير الكئيب وهو يحدق في الضحايا، مهما طالت مدة نظره إليهم. لم يكن ذلك تغييرًا للجو بقدر ما كان تغييرًا للمكان فحسب.»
«إذًا، ستظل عاجزًا عن المشي لبعض الوقت، أليس كذلك؟»
«الأمر صعب في ظل الوضع الراهن في بريستيلا. هناك عدد هائل من الضحايا؛ لذا يتعين على المعالجين فرز الحالات وفق الأولوية. السيد كيريتاكا يحاول جمع كل معالج يستطيع العثور عليه من المدن المجاورة، لكن…»
«لكن حين تصل إصابات الساقين إلى هذا الحد، لا يمكن لأي أحد معالجتها سوى نخبة المعالجين، أليس كذلك؟»
«لكن حين تصل إصابات الساقين إلى هذا الحد، لا يمكن لأي أحد معالجتها سوى نخبة المعالجين، أليس كذلك؟»
وهكذا، ورغم أن التوتر قد خفَّ قليلًا، إلا أن الوضع ذاته لم يتغير.
«وفيريس مشغول تمامًا برعاية السيدة كروش.»
عَلَى صدره وهبط مع أنفاسه المضطربة، والدم الذي تدفق إلى رأسه لم يهدأ بعد.
ما إن خطا سوبارو إلى الغرفة حتى كاد يختنق عند سماع أول ما تفوَّه به جوليوس.
كان من المستحيل الاعتماد على فيريس، نظرًا لخطورة حالة كروش، كما أن بقية المعالجين كانوا غارقين في علاج المصابين في المدينة.
«لكن هذا وحده لا يكفي للهروب من رئيس أساقفة.»
«وفي هذه الأثناء، اختصاصي المعالجة لدينا يتجول في أنحاء المدينة تاركًا كبيره في هذه الحالة المؤسفة.»
لم يكن غارفيل موجودًا، فرغم أنه كان يعالج ساقي أوتو بالسحر العلاجي على فترات منتظمة، إلا أنه قضي معظم وقته في المساهمة في إعادة إعمار المدينة. لم يكن ذلك مستغربًا منه، فهو فتى طيب القلب، ومن الطبيعي أن يهرع لمساعدة الناس المحتاجين، لكن…
«وما فائدة ذكر ذلك الآن…؟» تمتم فيريس متألمًا.
معظم الناس يبالغون في تقديره، لكن بياتريس وأوتو، وربما باتلاش أيضًا، كانوا الوحيدين الذين يملكون تقييمًا واقعيًا له.
«لا بد أن هناك سببًا آخر لذلك. طالما أنه لا يرهق نفسه، فلا بأس.»
«—علينا استعادة كتاب الحكمة من السيد دارتس. لذا سأبقى في بريستيلا. لكن موقفي من هذه الخطة ثابت، حتى لو كان اعتراضي مجرد مضيعة للوقت.»
«هذا غارفيل… سيطرح الموضوع بنفسه عندما يكون مستعدًا. ثم إن ميمي برفقته، وهذا سيكبح جماحه بعض الشيء حتى لا يبالغ في إرهاق نفسه.»
بينما عمَّت الدهشة أرجاء القاعة إثر اقتراحها، ضرب سوبارو أصابعه ببعضها.
«رغم مظهرها، فإن ميمي مدركة لما يجري حولها. أعتقد أن هذا ما يُسمى بحدس الأخت الكبرى.»
«بل الأجدر أن تقول، هذا ما يُسمى بحدس المرأة. لكن في جميع الأحوال—»
حقًا، الأمر غير منطقي. وإن استخدمت هذا المنطق، فلن تنتهي الشكوك أبدًا—
«لأنك قلت إن إخفاء الأسرار لا يخدم إلا العدو. آنا كافحت كثيرًا بسبب ذلك.»
عند هذه النقطة، تجهم وجه أوتو، فعدل سوبارو جلسته والتقى بنظراته مباشرة.
«لكنهم يتنفسون… إنهم بلا شك أحياء. إنه لأمر غامض.»
لكن على عكس الآخرين، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عمَن تشير إليه.
«—علينا استعادة كتاب الحكمة من السيد دارتس. لذا سأبقى في بريستيلا. لكن موقفي من هذه الخطة ثابت، حتى لو كان اعتراضي مجرد مضيعة للوقت.»
«لسوء الحظ، لم أتمكن من سماع ما قيل في الداخل؛ لذا لا يمكنني إخبار أحد بأي شيء… حتى لو طلبت مني السيدة فيلت ذلك.»
«لا تكن عنيدًا. الأمر لا يقتصر عليك. غارفيل سيبقى أيضًا لحماية المدينة والمساعدة في التعافي. لا أتوقع أن يهاجم أتباع الطائفة مجددًا، لكن الاحتمال قائم.»
وهكذا، أسدل الستار على معركة ناتسكي سوبارو في بريستيلا.
كان أسلوبهم المعتاد التظاهر بالانسحاب ثم العودة للهجوم مجددًا، وكأنهم يقدمون وجبة إضافية مضاعفة من الشر.
تجمد سوبارو، ناسيًا حتى كيف يتنفس. وبينما كان مذهولًا، تابعت أناستاشيا المزيفة حديثها.
لكن الحذر لم يكن مقتصرًا على سوبارو وحده، بل كان الجميع متيقظين، نظرًا لمدى خطورة الطائفة التي تجعل القلق حاضرًا حتى في غيابهم.
«لكننا بحاجة إلى مزيد من العيون لمراقبة الوضع. وبمجرد أن تلتئم ساقاي، سأجري بعض التحقيقات بنفسي أيضًا؛ لذا…»
توقف راينهارد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وأومأ برأسه.
«وكل الفضل في ذلك يعود لجهد بيكو الكبير، كما يجب أن نكون ممتنين لكيريتاكا لكرمه أيضًا.»
«أعلم ذلك. فقط، كن حذرًا، حسنًا؟»
أومأ راينهارد بإجلال بينما كانت فيلت تضع خطة فريقها بسرعة وحزم.
«وعُدنا إلى هذه النقطة مجددًا… قلتها من قبل، لم أرغب أبدًا في الاستيلاء على جسد آنا. ولم تكن هي تريد ذلك أيضًا.»
غمز له سوبارو وهو يسرق عبارته، فزفر أوتو بعمق واستلقى ببطء على السرير.
تجمدت ابتسامة أناستاشيا المرحة. تلاشت ابتسامتها الرزينة المتزنة، ثم أمالت رأسها ببطء. وعندها، ضاقت عيناها بمكر.
ابتسم سوبارو بتوتر وقال: «أعتذر.» ثم أضاف: «سأذهب للقاء هذا الحكيم العظيم، مع التاجر البارع كدليل لي.»
«— لديَّ اقتراح لكم جميعًا.»
《٤》
طرق سوبارو الباب قبل الدخول، إبداءً للاحترام.
ثم، وهي تعدِّل وشاح الفرو الأبيض الذي يحيط بعنقها، عادت إلى نبرة حديث أناستاشيا المعتادة.
«—ادخل.»
عددٌ من كبار الأساقفة التابعين للشراهة ظهروا في آنٍ واحد، ممَّا جعل المعارك ضدَّهم تخسر خسائر جسيمة، وفاق عدد الضحايا التوقُّعات بكثير.
كان الرد من الداخل هادئًا، بصوت مألوف، لكن فيه نبرة مثقلة بالكآبة، مما أثار شعورًا غير مريح في نفس سوبارو.
«… الأمر يتعلق بصحراء أوغوريا، التي لم تستطع أنت نفسك اجتيازها.»
«لـ-ليليانا؟»
«آه، إنه أنت.»
«لا أتطلع إلى هذا الأمر…»
—خرج السؤال من فمه على نحو طبيعي، رغم أنه لم يكن متأكدًا تمامًا مما يشعر به.
«هل كنت تأمل في شخص آخر؟»
«إنه لشعور غريب، لكن رؤية وجهك تبعث في نفسي شيئًا من الارتياح.»
«وكل الفضل في ذلك يعود لجهد بيكو الكبير، كما يجب أن نكون ممتنين لكيريتاكا لكرمه أيضًا.»
بالطبع، لم يكن سوبارو يخطط لقبول هذا التفسير بسهولة، لكن—
«غاه، بغغ!»
قبل أن يذهب لمقابلة ثعلبيدنا، طلب من راينهارد أن ينتظره بالخارج تحسبًا لأي طارئ. كان من المحتمل أن يكون شكُّه في أناستاشيا في غير محله، وأن تكون كابيلا هي السبب الحقيقي وراء ذلك؛ لذا كان من الطبيعي أن يتخذ أفضل الاحتياطات الممكنة قبل مواجهة هذا الاحتمال.
ما إن خطا سوبارو إلى الغرفة حتى كاد يختنق عند سماع أول ما تفوَّه به جوليوس.
استعاد جوليوس شيئًا من حالته السابقة، بينما سوبارو يقذفه بإشارة غير لائقة ويسخر منه، إلا أن جوليوس تفاداها برشاقة.
ومع ذلك، أبدى بعض المراعاة له عندما أغلق الباب خلفه بهدوء. كان إغلاق الباب بصمت أقل ما يمكنه فعله احترامًا للذين يرقدون في الداخل.
«مع ذلك، لو أنهم استيقظوا بالفعل بفعل الضجيج، لكان الأمر أسهل.»
وحين رأت ذلك الرد الواثق، أومأت بريسيلا برأسها.
بل أكثر من ذلك، كان يحترم كروش ويدين لها بالكثير. لذا، إن كان بالإمكان مساعدتها، حتى ولو بثمن بسيط، فلن يتردد.
«ولو كان ذلك ممكنًا، هل كنت ستؤدي عرضًا مذهلًا لإيقاظهم وسط تصفيق حار؟ ستكون مهارة قيمة… لم أكن أعتقد أن بإمكاني كره الشراهة أكثر مما أفعل.»
وكانت الإشارة إليهم بهذه الطريقة الغامضة راجعةً إلى حقيقةٍ مروعة— لم يكن هناك أحدٌ قادرٌ على تأكيد هويَّاتهم. إذ إنَّ ضحايا الشراهة لا تُمحى أسماؤهم فحسب، بل تُطمس ذكرياتهم بالكامل من عقول كلِّ مَن كان يعرفهم. والأسوأ من ذلك أنَّهم أنفسهم غالبًا ما يفقدون أي إدراكٍ لذواتهم، فلا يبقى أيُّ دليلٍ يمكن تتبعه لمعرفة حقيقتهم.
«ها.»
«لا يمكنك… تركي وحدي؟»
قبض سوبارو على أسنانه عندما لاحظ هذا التحول الواضح، ليتيقن أن شكوكه كانت في محلها.
أدار سوبارو وجهه بعيدًا عن تلك الضحكة الواهنة، ثم جال بنظره في أرجاء الغرفة، متأملًا أولئك المستلقين على الأسرة البسيطة. كانت مرصوصة بانتظام، لكن المشهد لم يكن ينضح بالسكينة.
غضبٌ من رؤية جوليوس جالسًا هناك بتلك الابتسامة الساخرة على وجهه.
لم يكونوا نائمين. كانوا أولئك الذين تُرِكوا خلف الركب—
«اقتراح؟» تساءل كيريتاكا. «أي نوع من الاقتراحات، في ظل هذا الوضع؟»
منسيين من الذاكرة، معزولين عن الحياة اليومية، كيانات ناقصة، ليست حية حقًّا، لكنها ليست ميتة أيضًا.
وضع أوتو يده على جبهته في استياء، بينما ألقى سوبارو نظرة على ساقيه.
«جوليوس، أعلم أنني آخر مَن يحق له قول هذا، لكن لا ينبغي أن تبقى متقوقعًا هنا.»
«بالتأكيد. لا شك أنها ستشتكي، لكنني سأحرص على أن تكون حذرة.»
«……»
«مهما أطلت النظر، فلن تتذكر فجأة. قد يكون شقيقًا صغيرًا عزيزًا… شخصًا كنت تعتبره نصفك الآخر، ومع ذلك لن تتذكره.»
«يبدو أنك مهووس باسمي على نحو مؤلم، لكنني أظن أنه سيكون من الأسهل علينا التحدث إذا ركزت قليلًا على الجزء الآخر من تعريفي.»
لم يحاول سوبارو أن يقدم عزاءً رخيصًا.
«… هاه؟»
كان جوليوس جالسًا على طرف أحد الأسرة القريبة من الجدار، وجلال الحزن بادٍ في ملامحه، عيناه الذهبيتان شاخصتان نحو وجه الراقد على السرير.
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
ذلك الفتى النحيل ذو الشعر الأرجواني الطويل -واحد من أولئك الذين سقطوا في الغيبوبة، مسلوبي الأسماء- لم يكن له أي وجود في ذاكرة جوليوس. لكنه كان يعرف اسمه.
قبض سوبارو على أسنانه عندما لاحظ هذا التحول الواضح، ليتيقن أن شكوكه كانت في محلها.
«جوشوا… جوكوليوس…»
عندما بدأ سوبارو يشتبه في أن أناستاشيا قد استُبدلت، كانت الإجابة البديهية هي الشهوة. كان بإمكان كابيلا تغيير شكلها وصوتها بحرية؛ لذا لم يكن صعبًا عليها أن تحلَّ محل أناستاشيا.
«… نعم…»
«همم؟ لماذا تحدِّق هكذا؟»
«إنه لأمر غريب. وفقًا لما أخبرتني به، هناك من القواسم المشتركة ما يكفي ليجعلني أؤمن أنه أخي من دمي ولحمي، ومع ذلك لا أملك حتى أدنى شذرة من الذكرى عنه.»
«……»
ظل سوبارو جامدًا بينما كانت المزيفة تثرثر بلا توقف. دخلت كلماتها من أذن وخرجت من الأخرى، لكنه لم يستطع إزاحة عينيه عن هذا المشهد الغريب أمامه.
أغمض جوليوس عينيه، محاولًا إخفاء ألمه.
«إن لم يكن يعجبك هذا الوضع، فأعيدي جسدها إليها فحسب. عودي إلى الوشاح وانتهي الأمر.»
السبب الوحيد الذي جعله يعرف ذلك الاسم وعلاقته به هو أن سوبارو أخبره.
من بين الضحايا المجهولين، غير الواعين، لقوة الشراهة— كان جوشوا الوحيد الذي استطاع سوبارو تحديد هويته. أما الثلاثون الآخرين فظلوا في سباتٍ، لا أحد يبالي بمصائرهم.
بينما عمَّت الدهشة أرجاء القاعة إثر اقتراحها، ضرب سوبارو أصابعه ببعضها.
مقارنةً بهم، ربما كان جوشوا محظوظًا، إذ كان لديه شقيق أكبر لا يزال يفكر فيه.
حتى وإن كان هذا الشقيق الذي لطالما نظر إليه بإعجاب قد نسيه تمامًا. حتى وإن كانت مجرد صدى باهت لمشاعر الأخوة. نسيانٌ أبدي، فَقْدٌ لا سبيل لتعويضه، ولم يبقَ سوى الألم—
«… تبًا لكل هذا…»
كان ينبغي له أن يدرك ذلك بالفعل. كان قد تعلَّمه جيدًا.
أدار سوبارو وجهه بعيدًا عن تلك الضحكة الواهنة، ثم جال بنظره في أرجاء الغرفة، متأملًا أولئك المستلقين على الأسرة البسيطة. كانت مرصوصة بانتظام، لكن المشهد لم يكن ينضح بالسكينة.
كل واحدٍ من رؤساء الأساقفة كان غير قابلٍ للغفران، كلهم متجسدون في أقصى صور الشر الممكنة. لكن لم يكن فيهم أفظع من الشراهة، الذي يدنس كل حياة يطالها، ويدوس بلا اكتراث على كل مَن يعترض طريقه.
كانت قوة الشراهة أبشع قدرة وأشدها مقتًا في العالم.
«أيتها الحمقاء، لا تحاول إدخالي في هذا. ثم إن هذا مجرد افتراض. لا يمكنني الادعاء بفهم دوافع أولئك الذين، بالإضافة إلى حماقتهم، يمتلكون جنونًا يفوق الوصف.»
«لكنهم يتنفسون… إنهم بلا شك أحياء. إنه لأمر غامض.»
كان أسلوبهم المعتاد التظاهر بالانسحاب ثم العودة للهجوم مجددًا، وكأنهم يقدمون وجبة إضافية مضاعفة من الشر.
«هكذا هو الأمر. لكنهم لا يأكلون، لا يذهبون إلى الحمام، لا يحتاجون إلى الاستحمام. ولا يبتسمون…»
بالطبع، كان لكل مجموعة مقاعد فارغة، تمامًا كما كان أوتو وغارفيل غائبين عن جانب إميليا. ومع ذلك، كان معظم المعنيين قد تجمعوا.
«ولا يحزنون على كونهم منسيين— هذه النقطة وحدها قد تكون نعمة.»
«..….»
«مع ذلك، لو أنهم استيقظوا بالفعل بفعل الضجيج، لكان الأمر أسهل.»
«نعمة…؟»
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
رفع سوبارو حاجبيه متعجبًا. جوليوس نظر إليه، وأطراف شفتيه تكتسي بانحناءة خفيفة.
«بالطبع، أرغب في تصديق ذلك. لكن هناك أرواح كثيرة معلقة على هذا القرار. من دون أعضاء المجلس الآخرين، لا يمكنني اتخاذ قرار بهذه البساطة…»
ذاك الاسم… تحاشى سوبارو ذكره بأي حال من الأحوال.
«إن لم يدركوا أنهم قد نُسُوا، فلن يختبروا قلق الوحدة ولا رعب التخلي. أن تُقطع روابطك قسرًا بمَن كانوا أقرب الناس إليك… إنه أمر قاسٍ للغاية.»
«لا شيء مهم. كنت أفكر فقط في كم المرات التي يمكنني فيها ضرب بيكو أثناء حملي لها بهذه الطريقة.»
«..….»
«سوبارو، النسيان أم أن تُنسى… أيهما برأيك أشد وطأة؟»
اختنق صوت سوبارو عند سماعه ذلك السؤال القاطع. ليس لأنه لم يكن يملك إجابة. الإجابة كانت واضحة. ما أسكته لم يكن الدهشة، بل الغضب.
في البداية، بدت العلاقة بين فيلت وراينهارد وكأنهما على طرفي نقيض، لكن الآن، رغم أنهما لم يصلا بعد إلى مرحلة التناغم الكامل، إلا أنهما كانا يتقدمان معًا بلا شك. ورغم أنهما كانا نظريًا خصمين له، إلا أن ذلك منح سوبارو شعورًا غريبًا بالراحة.
غضبٌ من رؤية جوليوس جالسًا هناك بتلك الابتسامة الساخرة على وجهه.
«—لا تبدو بخير، سوبارو. هل أنت على ما يرام؟»
لم يكن بوسعه أن يجزم بذلك، لكنه شعر بأنها ستكون هناك. فمن خلال تقديره، لم يكن لديها مكان تشعر فيه بالراحة.
غضبٌ عارم اعتمل في صدره، كبركانٍ على وشك الانفجار.
لم يبقَ في الغرفة سوى اثنين فقط.
«وكأنني سأعرف. تمالك نفسك وكفَّ عن الغرق في الشفقة على ذاتك.»
بقدر ما آلمه ذلك، إلا أنها كانت محقة.
«سوبارو…؟»
«سوبارو…؟»
«كلاهما مصيرٌ بائسٌ كريه! لكن مَن أنت حتى تضع معاييرًا للألم؟! هل ستظل تتخبط فيه إلى الأبد؟ تبدو وكأنك تظن نفسك الأتعس حظًا في العالم. تريد أن تقارن معاناتك بمعاناتي؟ أخبرك من الآن، لن تفوز!»
استعاد جوليوس شيئًا من حالته السابقة، بينما سوبارو يقذفه بإشارة غير لائقة ويسخر منه، إلا أن جوليوس تفاداها برشاقة.
اتسعت عينا جوليوس ذهولًا من انفجار سوبارو الغاضب، ولم يجد ما يرد به. رمقه سوبارو بنظرة نارية، يصر على أسنانه، يتنفس بحدة.
«هل قلت شيئًا؟»
«… لكن، بصراحة، أنا ضد إبقاء تلك المرأة على قيد الحياة. إنها لعنة… الأفضل أن نتخلص منها بأسرع وقت ممكن.»
«توقف عن هذا الضعف البائس. أعلم أن الأمر صعب عليك— أن الجميع قد نسوك، وأنك بلا مأوى. لكن… لكنني لا أريد أن أراك بهذه الصورة المثيرة للشفقة.»
قطَّب سوبارو جبينه إثر سؤال ثعلبيدنا المفاجئ.
«..….»
«لا تنسَ هذا أبدًا.»
اتقدت عيناه بنار الغضب بينما يضع يده على صدره، تمامًا كما فعل في السابق.
«وهنا ننهي الحديث!»
«أنا أعرف بالضبط مدى قوتك. لا زلت أتذكر خزيي. حتى وإن كان الجميع قد نسوا ذلك.»
ترددت كلمات ثعلبيدنا الأخيرة في أذنيه.
«..….»
«رجاءً، فكر للحظة. لو كنتُ حقًا هي إيكيدنا التي تعرفها، فلماذا كنت سأكشف هذه الحقيقة هنا والآن؟ لو كنتُ أعلم أن هذا سيقطع أي فرصة للحوار بيننا، لما كان هناك أي سبب للقيام بذلك، أليس كذلك؟»
كان يعلم أن ذلك الوعد لن يطمئن قلب إميليا، ولم يكن ذلك هو السبب في طلبها له.
عَلَى صدره وهبط مع أنفاسه المضطربة، والدم الذي تدفق إلى رأسه لم يهدأ بعد.
«—لكننا سنفقد حينها أي خيط قد يقودنا للحل!»
صحيح أن راينهارد أقوى قديس سيف، لكنه ليس مصنوعًا من الحديد.
كم مضى من الوقت منذ أن شعر بمثل هذا الغضب العارم؟ لا بد أنها كانت تلك المواجهة مع ريغولوس. وحين أدرك أن كل هذا لم يمضِ عليه حتى يومٌ واحد، أصابه الذهول.
حاولت إيميليا تصحيح نفسها سريعًا، لكن رغم تغييرها لطريقة التعبير، بقي المعنى ذاته تقريبًا، مما جعل سوبارو يتجهم قليلًا، في حين أمسكت بياتريس بكمه.
واجهت بريسيلا اعتراض سوبارو بنظرة صارمة ورأي أشد صرامة. لكن هذه المرة، ليس لديه ما يرد به عليها.
كم سنةً من عمره ستختزلها بريستيلا من كل هذا التوتر؟
وفي خضم أفكاره غير المجدية—
لم يكن متأكدًا مما كان يتوقعه، لكن كل ما حصل عليه كان تغطية ضعيفة غير مقنعة على الإطلاق. بعبارة أخرى، زعمت أنها فقدت ذاكرتها.
«ها-ها-ها…»
《١》
«ماذا؟»
«هاها… لا، فقط تذكرت مجددًا. أنت فعلًا شخصٌ استثنائي…»
«لم تُترك بعيدًا تمامًا؛ إنه مجرد فارق ثلاثة خيول، لكنك لا تزال في المقدمة.»
بينما خفتت صدمة جوليوس، بدأ يتسلل إليها التسلية. سوبارو حملق فيه باندهاش من رد فعله، بينما استمر جوليوس في الضحك. وأخيرًا، بعد نفسٍ عميق—
«نعم، هذا صحيح. ليس الأمر وكأنني قد تُركت خلف الجميع وكل شيء.»
«لم تُترك بعيدًا تمامًا؛ إنه مجرد فارق ثلاثة خيول، لكنك لا تزال في المقدمة.»
وبغية التبسيط، جرى تصنيف جميع ضحايا الشهوة على أنهم ”طائرون“، غير أن…
«بوابة أناستاشيا معيبة؟»
«هل هو مجرد ثلاثة؟»
«لا تجعلني أركلك! أنا مختلف تمامًا الآن بعدما أصبحت بيكو معي!»
«إنها ملاحظة قاسية، لكن معرفة أن إنسانية آنا هي ما جعلك تكتشف أمري… ليس شعورًا سيئًا على الإطلاق… ولكن أن يتم كشف أمري مرارًا وتكرارًا، هذا محرج بعض الشيء.»
«صحيح.» هزَّت أناستاشيا كتفيها. «لا جدوى من سؤال أولئك الأساقفة المقيتين. إذًا، لماذا لا نسأل شخصًا آخر قد يعرف الإجابة؟»
استعاد جوليوس شيئًا من حالته السابقة، بينما سوبارو يقذفه بإشارة غير لائقة ويسخر منه، إلا أن جوليوس تفاداها برشاقة.
«ما زالت كمية المانا المخزنة غير كافية ليعود باك، لكن الأمر مسألة وقت فحسب. فالرابط بيني وبينه لم ينقطع، رغم كل ما حدث.»
«أفهم.» انحنى جوليوس قليلًا. «إذًا، عليَّ أن أرتقي إلى مستوى كلماتك الرنانة.»
لم يكن بوسعه أن يجزم بذلك، لكنه شعر بأنها ستكون هناك. فمن خلال تقديره، لم يكن لديها مكان تشعر فيه بالراحة.
«… يُفترض بك ذلك. أتوقع منك أداءً مذهلًا يبهر الجميع حين تعود إليهم ذكرياتهم.»
أكملت أناستاشيا حديث كيريتاكا، الذي بدا صوته مثقلًا بالهم. وعندها، خيَّم الصمت على الجميع في الغرفة.
رفع سوبارو إبهامه للأسفل ساخرًا من مظهر جوليوس المتعجرف، لكن فارس الفرسان، الذي لم يعد يذكره أحد سوى سوبارو، ابتسم بتلك الأناقة المألوفة.
«سوبارو.» كان صوت بياتريس هادئًا. «إذا كنت تنوي فعل شيء خطير، فاستعن ببيتي. ليس من الآمن أن تذهب وحدك، وهذا أمر مقلق.»
قهقهت ثعلبيدنا، بنفس الطريقة التي اعتادها سوبارو من الساحرة التي يعرفها. رؤية جسد أناستاشيا يتداخل مع صورة إيكيدنا كانت شعورًا مزعجًا.
«—إذًا، أول ما سأفعله هو أن أصدمك، أنت الذي لا يزال يتذكرني.»
وبذلك، صقل عزيمته ليكون رفيق سوبارو في رحلته إلى برج بلياديس.
《٥》
«أه، سوبارو! أين كنت؟»
«—لا تبدو بخير، سوبارو. هل أنت على ما يرام؟»
«جوليوس سيأتي معنا.»
ليس من الصواب مقارنة الآلام، لكن ما يمر به جوليوس ليس إلا مأساة تحطم القلب.
أثارت كلمات أناستاشيا الغامضة همهمة خافتة في أرجاء الغرفة.
«جيد، هذا يبعث على الارتياح.»
ابتسمت أناستاشيا بينما كان سوبارو يغلق الباب خلفه.
كان هذا هو المكان الذي اجتمع فيه الفاعلون الرئيسيون قبل بضع ساعات، في الملجأ. أما الآن، فقد عاد الجميع منذ وقت طويل إلى مقارهم استعدادًا للمهمة التالية.
لم يبقَ في الغرفة سوى اثنين فقط.
ذاك الاسم… تحاشى سوبارو ذكره بأي حال من الأحوال.
«همم؟ لماذا تحدِّق هكذا؟»
كانت أناستاشيا تنتظر أحدًا في تلك الغرفة— تنتظر سوبارو.
«بصراحة، أنا ضد ذلك.»
لم يكن بوسعه أن يجزم بذلك، لكنه شعر بأنها ستكون هناك. فمن خلال تقديره، لم يكن لديها مكان تشعر فيه بالراحة.
«إميليا، أنا، وبياتريس، ثم جوليوس وأنتِ. هذا يعني أننا خمسة متجهون إلى برج بلياديس للمراقبة.»
«وعُدنا إلى هذه النقطة مجددًا… قلتها من قبل، لم أرغب أبدًا في الاستيلاء على جسد آنا. ولم تكن هي تريد ذلك أيضًا.»
فراينهارد، على عكس سوبارو، لا ينكث بوعوده.
«يا لك من جافٍّ في وصف الأمور. حسنًا، لا بأس… بالنظر إلى طبيعة علاقتنا، لا أمانع مستوى كهذا من—»
«أنتِ تقولين إنكِ روح صناعية أيضًا؟ مثل بيكو أنتِ؟ روح صناعية؟ أنتِ؟»
«—توقفي عن التمثيل.»
«هكذا هو الأمر. لكنهم لا يأكلون، لا يذهبون إلى الحمام، لا يحتاجون إلى الاستحمام. ولا يبتسمون…»
«……»
«لا، هذه هي المرة الرابعة. لكن هذه أول مرة أواجه فيها مشكلة في العودة. لم يحدث ذلك من قبل؛ لذا لا فكرة لدي عن السبب… لم أعد قادرة على الانفصال عن جسدها. ونتيجة لذلك، فإن وعي آنا غارق في أعماق طاقة الأودو الخاصة بها.»
«أنتِ لستِ أناستاشيا. لا تحاولي خداعي.»
أسند سوبارو ظهره إلى الباب، حاجبًا المدخل بينما ألقى باتهامه بلهجة مسمومة.
«وهذا يفسر لماذا لا تستطيع أناستاشيا استخدام السحر، ولماذا لا يمكنها التعاقد مع روح أيضًا؛ لأن الأمر يتطلب إمدادًا مستمرًا من المانا…»
«لكن هذا وحده لا يكفي للهروب من رئيس أساقفة.»
تجمدت ابتسامة أناستاشيا المرحة. تلاشت ابتسامتها الرزينة المتزنة، ثم أمالت رأسها ببطء. وعندها، ضاقت عيناها بمكر.
«أفهم.» انحنى جوليوس قليلًا. «إذًا، عليَّ أن أرتقي إلى مستوى كلماتك الرنانة.»
«يا للدهشة… كيف عرفت أنني لستُ آنا؟»
تغير نبرة الصوت كان فوريًا. هذا الصوت لم يكن صوت أناستاشيا.
حملت نبرتها ودًّا عدوانيًا وألفةً مفرطة، لكن في جوهره، كان صوتها فارغًا. كان الصوت، وطريقة النطق، مطابقين لصوت أناستاشيا، لكنه بدا غريبًا على مستوى جوهري.
«أعلم ذلك جيدًا. لا يزال أمامنا طريق طويل، والأهم من ذلك…»
قبض سوبارو على أسنانه عندما لاحظ هذا التحول الواضح، ليتيقن أن شكوكه كانت في محلها.
كانت هناك العديد من المآسي في بريستيلا، وربما لم يكن من الحكمة أن يشعر بالفرح فقط لنجاة هذين الطفلين، لكن—
لكنه ودَّ لو أنه كان مخطئًا.
《٣》
«إذا كنتِ تريدين التخفي، فكان يجدر بكِ أداء الدور بشكل أفضل. صحيح أن أناستاشيا هي الأكثر واقعية بين المرشحات، لكنها كانت ستتأثر حتمًا بإصابة ريكاردو بذلك الشكل المريع. على أقل تقدير، لم تكن لتتصرف بذلك البرود.»
«جوليوس سيأتي معنا.»
إذا كانت هي الأخرى روحًا صناعية، فهذا يعني…
«إنها ملاحظة قاسية، لكن معرفة أن إنسانية آنا هي ما جعلك تكتشف أمري… ليس شعورًا سيئًا على الإطلاق… ولكن أن يتم كشف أمري مرارًا وتكرارًا، هذا محرج بعض الشيء.»
ردَّت بياتريس بغضب، وبدأت تضربه على جانبه مرارًا، لكنه رفعها بحركة مفاجئة، مما جعلها تصيح بدهشة، بينما واصل سيره بجانب إيميليا.
«بالتأكيد. لا شك أنها ستشتكي، لكنني سأحرص على أن تكون حذرة.»
«… مرارًا وتكرارًا؟ هل كان هناك شخص غيري؟»
«ومع ذلك، فإن الوحيدين اللذين استطاعا كشف الأمر فورًا هما أنتِ وبريسيلا بارييل، رغم أنكما لستما الأقرب إليها. كيف تفسر ذلك؟»
«بريسيلا بارييل. نعتتني بالثعلبة الماكرة. إنها امرأة مخيفة.»
في البعيد، ظهرت أمامهم آثار المعارك التي شوهت أحياء بريستيلا— بصمات الكهنة المتعصبين، ووحشية أنصاف الوحوش، والقتال الضاري الذي خاضه سوبارو ورفاقه.
«..….»
«بريسيلا مجددًا، هاه…»
«ولو كان ذلك ممكنًا، هل كنت ستؤدي عرضًا مذهلًا لإيقاظهم وسط تصفيق حار؟ ستكون مهارة قيمة… لم أكن أعتقد أن بإمكاني كره الشراهة أكثر مما أفعل.»
تجهم سوبارو عندما خطرت له صورة ذلك الثنائي مرة أخرى.
في الواقع، كان معسكر بريسيلا هو الأكثر غموضًا بين جميع الفصائل المتنافسة. بريسيلا نفسها كانت عصية على الفهم، لكن سرِّية آل تجاوزت الحدود هذه المرة أيضًا. من الواضح أنه كان يعلم الكثير، أكثر مما كان يقر به على الإطلاق.
«… قلتِ ذلك. إذًا، أناستاشيا ليست مستخدمة أرواح بأي شكل؟»
ومع ذلك، كان سوبارو متأكدًا من أنه لن يعترف بشيء حتى لو واجهه.
«اصمتي! لا شيء جيد يمكن أن يأتي من منحكِ فرصة للتحدث! ما الذي تخططين له هذه المرة؟! بماذا كنتِ تحاولين إيقاعي؟! تبا! هل كنتُ أرقص على راحة يدكِ مجددًا؟!»
«… سنتركهم لاحقًا. المشكلة الآن هي أنكِ تتظاهرين بكونكِ أناستاشيا. أنتِ—»
«إن كنتَ تظن أنني رئيسة أساقفة الشهوة، فأنت مخطئ تمامًا. من الأفضل تصحيح هذا الالتباس أولًا.»
«بإذنك، أنا أعارض إعدام غضب. صحيح أن هناك قضية تخص السيدة كروش، لكن هذه أيضًا فرصة لا تتكرر للمملكة— فرصة لاستجوابها والحصول على مزيد من المعلومات حول طائفة الساحرة.»
قاطعت أناستاشيا المزيفة كلماته، رافضةً النظرية المتوقعة، ثم رفعت كتفيها بلا مبالاة عندما اشتد وهج نظراته نحوها.
«حقًا؟ لكن جوليوس يملك وجهًا وسيمًا…»
عندما بدأ سوبارو يشتبه في أن أناستاشيا قد استُبدلت، كانت الإجابة البديهية هي الشهوة. كان بإمكان كابيلا تغيير شكلها وصوتها بحرية؛ لذا لم يكن صعبًا عليها أن تحلَّ محل أناستاشيا.
بالطبع، لم يكن سوبارو يخطط لقبول هذا التفسير بسهولة، لكن—
«توقف عن هذا الضعف البائس. أعلم أن الأمر صعب عليك— أن الجميع قد نسوك، وأنك بلا مأوى. لكن… لكنني لا أريد أن أراك بهذه الصورة المثيرة للشفقة.»
أدرك سوبارو تمامًا مغزى كلماته. نعم، جزء منه رغب بذلك بشدة، لكنه لم يستطع الرد على الفور.
«إذًا، مَن أنتِ؟ وما الذي تحاولين تحقيقه؟»
أومأ سوبارو بصمت.
«—إيكيدنا.»
«لا شيء مهم. كنت أفكر فقط في كم المرات التي يمكنني فيها ضرب بيكو أثناء حملي لها بهذه الطريقة.»
——.
————.
«كفى مراوغة! إلى أي جانب أنت، سوبارو؟!»
—————— ماذا قالت للتو؟
«هذا الخيار هو الملاذ الأخير فقط. عليك أن تعتني بنفسك أكثر…»
«… هاه؟»
أمالت أناستاشيا المزيفة رأسها وأجابت على سؤال سوبارو وكأن الأمر طبيعي تمامًا. وتردد صدى تلك المقاطع في ذهنه، مطمسًا كل أفكاره بينما شعر بجفاف مؤلم في فمه.
«هاه؟ هممم، انتظر لحظة، لم أكن أتوقع رد فعل عنيفًا كهذا…»
«……»
تجمد سوبارو، ناسيًا حتى كيف يتنفس. وبينما كان مذهولًا، تابعت أناستاشيا المزيفة حديثها.
دفعت فيلت صدرها الصغير للأمام قليلًا وهي تخرج لسانها في وجه راينهارد. أما الأخير، فقد أغمض عينيه للحظة قبل أن يهز رأسه موافقًا بتردد.
«—اسمي إيكيدنا. أما عن أصلي، فأنا روح اصطناعية.»
وبغية التبسيط، جرى تصنيف جميع ضحايا الشهوة على أنهم ”طائرون“، غير أن…
«……»
«… آه…»
«لا تلقِ عليَّ تلك النظرة البائسة، يا صاح. لقد أفسدتُ الأمر، لكنني لا أزال على قيد الحياة. بالنظر إلى ما حدث، يُعدُّ فقدان ذراعي ثمنًا زهيدًا.»
«بصراحة، بالنظر إلى الموقف، من الطبيعي أن تظن أنني قد استوليت على جسد آنا. لهذا كنت مترددة في قول الحقيقة منذ البداية. لكن رؤية أن كتماني لها لم يؤدِ إلا إلى إثارة الشكوك دون داعٍ يجعلني أدرك مرة أخرى أن الكذب سيئ حقًا. إنه لأمر مؤسف.»
ظل سوبارو جامدًا بينما كانت المزيفة تثرثر بلا توقف. دخلت كلماتها من أذن وخرجت من الأخرى، لكنه لم يستطع إزاحة عينيه عن هذا المشهد الغريب أمامه.
وهي جالسة على كرسيها، مرَّرت يدها على ذلك الوشاح الفاخر الملتف حول عنقها. قطب سوبارو حاجبيه متأملًا في هذا الادعاء المريب.
نبرة هادئة، وأسلوب كلام دائري غير مباشر. كل شيء كان يشبه تلك الساحرة.
—لحظة هدوء… تسبق المسير نحو برج الصحراء.
«يا له من مزاح سيئ… أنتِ إيكيدنا…؟»
رفع سوبارو رأسه فجأة. أدرك أخيرًا سبب ذكر ثعلبيدنا للحكيم الشهير في الاجتماع، ولماذا اقترحت الذهاب إلى برج بلياديس للمراقبة.
«؟»
«بيتي ليست روحًا تافهة! لا تستهزئ بي!»
ضيَّق سوبارو عينيه عندما خفض راينهارد صوته، وتلاشت الابتسامة عن وجه قديس السيف. كان من الواضح ما كان يشغل باله. إذ إن—
ذاك الاسم… تحاشى سوبارو ذكره بأي حال من الأحوال.
لوحت بريسيلا بمروحتها، متجاهلة نظرة ليليانا بينما تمسح الغرفة بعينيها القرمزيتين، قبل أن تتنهَّد بكسل.
الساحرة التي دعت ضيوفها إلى حفلة شاي بكلمات عذبة وحنونة، بينما تحوِّلهم إلى دمى تابعة لإرادتها. تجسيد الفضول الذي يسعى إلى استكشاف كل الاحتمالات التي لم تستطع رؤيتها بنفسها.
«—اسمي إيكيدنا. أما عن أصلي، فأنا روح اصطناعية.»
شخص كان متأكدًا من أنه لن يضطر لسماع اسمه مجددًا.
«السيد جوليوس هو مَن أعاد ريكاردو إلى هنا بعد أن أصيب بجراحه. كنت مستغربة قليلًا عندما اختفى فجأة بعد ذلك، لكن… هذا هو السبب، أليس كذلك؟»
«متى أخذتِ شكل أناستاشيا؟ لا، الأهم من ذلك، متى أصبحتِ قادرة على التحرك بحرية خارج…؟! هل أنتِ مَن دبرتِ كل هذا مع الطائفة؟!»
«رغم مظهرها، فإن ميمي مدركة لما يجري حولها. أعتقد أن هذا ما يُسمى بحدس الأخت الكبرى.»
«هاه؟ هممم، انتظر لحظة، لم أكن أتوقع رد فعل عنيفًا كهذا…»
«إن كانت خطاياها عميقة إلى هذا الحد، فلا شيء يمكنني قوله. صانعي كان فظيعًا للغاية.»
«اصمتي! لا شيء جيد يمكن أن يأتي من منحكِ فرصة للتحدث! ما الذي تخططين له هذه المرة؟! بماذا كنتِ تحاولين إيقاعي؟! تبا! هل كنتُ أرقص على راحة يدكِ مجددًا؟!»
ومع ذلك، كان سوبارو متأكدًا من أنه لن يعترف بشيء حتى لو واجهه.
كان في عينيها تصميم صارم لا يقبل المساومة، على الأقل في هذه المسألة. حتى إن لم يكن بينهما عقد رسمي، فالاتفاق بين أناستاشيا وثعلبيدنا كان بمثابة عهد لا يمكن كسره. تمامًا كما أن العقد بين سوبارو وبياتريس خصهما وحدهما. لم يكن من حقه التدخل أو الحكم.
«هـ-هل يمكنك أن تهدأ؟ أعتقد أن هناك سوء فهم خطير هنا.»
«لكن بما أنك تعرفني جيدًا إلى هذا الحد، فلا بد أنك تعرف إجابتي أيضًا.»
«لا يمكنني إبرام عقد مع البشر، كما أن استخدام السحر للدفاع عن نفسي أمر بالغ الصعوبة. لكن في المقابل، أجيد إخفاء وجودي. رغم أن ثقتي بهذه المهارة قد تلقت ضربة قاسية بعد كل ما حدث.»
استعاد سوبارو وعيه فجأة، وانقضَّ على أناستاشيا— لا، إيكيدنا، بعنف.
«أعلم ذلك جيدًا. لا يزال أمامنا طريق طويل، والأهم من ذلك…»
تحركت إيكيدنا إلى الخلف بخوف، متحسسةً الخطر في انفجاره العنيف.
«لـ-ليليانا؟»
كانت تعانق نفسها بينما تتراجع، فيما بدا أن سوبارو كان على وشك أن يطبق على عنقها.
«همف، إذًا ماذا ستفعلين؟ ستكتفين ببعض التذمر المعتاد؟ هل تظنين أن ذلك سينقذ هؤلاء الذين يعانون في هذه اللحظة؟ هل تظنين أن قلوبهم ستصمد إلى أن تجدي الحل؟»
«لم أقضِ أكثر من عقدٍ معها دون عقدٍ رسمي لمجرد الفضول. لم أختبر ذلك بنفسي؛ لذا لا يمكنني الجزم، لكني أشعر وكأنني وصي عليها، أو ربما فرد من عائلتها. أريدها أن تكون بصحة جيدة، والأهم… أن تكون سعيدة قدر الإمكان.»

«بالفعل ذهبت لزيارته، لكنه ظل محتفظًا بذلك التعبير الكئيب وهو يحدق في الضحايا، مهما طالت مدة نظره إليهم. لم يكن ذلك تغييرًا للجو بقدر ما كان تغييرًا للمكان فحسب.»
علم سوبارو من تعليق عابر لثعلبيدنا بمشكلة لم يكن يعرفها عن رينهارد. كان الأخير قد ذكر سابقًا أنه لا يستطيع استخدام السحر، لكن سوبارو لم يفكر في السبب وراء ذلك بعمق.
«أهدأ؟ لا يمكنني أن أهدأ أبدًا! كم مرة تظن أنني سأقع في فخ تصرفك اللطيف هذا، أيتها الساحرة الوضيعة! ماذا فعلتِ بأنستاشيا؟!»
«إن كنتَ تظن أنني رئيسة أساقفة الشهوة، فأنت مخطئ تمامًا. من الأفضل تصحيح هذا الالتباس أولًا.»
المرارة التي علت ملامح ثعلبيدنا لم تكن شيئًا قد رآه سوبارو يومًا على وجه أنستاشيا. لكن حين بدأ بمحادثتها، بدأ يلاحظ التناقضات بنفسه.
«أقدِّر لو تجنَّبت معاملتي وكأنني مدبرة شريرة. منذ البداية، لم تكن لديَّ أي نية لإيذاء آنا. لقد كنت معها لأكثر من عشر سنوات حتى الآن. إن كان هناك ما أقوله، فأنا أعتبرها كعائلتي.»
كم مضى من الوقت منذ أن شعر بمثل هذا الغضب العارم؟ لا بد أنها كانت تلك المواجهة مع ريغولوس. وحين أدرك أن كل هذا لم يمضِ عليه حتى يومٌ واحد، أصابه الذهول.
«مدبرة شريرة تناسبك تمامًا… انتظري، أكثر من عشر سنوات؟»
كان ردها مفاجئًا بعض الشيء لسوبارو. فقد كان يعتقد أن أناستاشيا من النوع الذي لا يتردد في حجب المعلومات إن كان ذلك يصب في مصلحتها. ومع ذلك، فقد أخفت بالفعل أمر الروح الصناعية.
اتسعت عينا سوبارو بشك واضح. إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن إيكيدنا كانت تأتي وتذهب من الملجأ كما يحلو لها طوال ذلك الوقت.
كان الأمر جليًّا حين فكر فيه. كل تلك القصة حول عدم قدرة إيكيدنا على مغادرة ضريحها كانت مجرد شيء سمعه منها، ومع ذلك، تقبَّل الأمر كما هو دون أدنى شك.
رغم كل ما عاناه بسبب ثقته العمياء في كلماتها المعسولة… كم كان ساذجًا؟
«هل تجدين متعة في خداع الناس والتلاعب بهم لمجرد تسليتكِ؟»
«… حسنًا، لم أكن أتوقع هذا المستوى من العداء. شككت في الأمر عندما رأيتك تتجول مع بياتريس، لكن يبدو أنك تعرف صانعي جيدًا.»
رفع سوبارو إبهامه للأسفل ساخرًا من مظهر جوليوس المتعجرف، لكن فارس الفرسان، الذي لم يعد يذكره أحد سوى سوبارو، ابتسم بتلك الأناقة المألوفة.
«لم تُترك بعيدًا تمامًا؛ إنه مجرد فارق ثلاثة خيول، لكنك لا تزال في المقدمة.»
«تعرف؟ بل قولي تكره!»
تحركت إيكيدنا إلى الخلف بخوف، متحسسةً الخطر في انفجاره العنيف.
«مع ذلك، لا تزال لدينا قضايا أخرى مقلقة. ضحايا طائفة الساحرة في أرجاء المدينة…»
كلما تصاعد غضب سوبارو، زاد برود موقف إيكيدنا. وبصراحة، ذلك البرود استفزه أكثر. وصل إلى حد أن كل شيء تفعله إيكيدنا بات يثير غضبه.
«مهما كان ما تخططين له، فلن تخدعيني. استخدامك لأولئك تابعي—»
《٥》
«إن كنتَ تظن أنني رئيسة أساقفة الشهوة، فأنت مخطئ تمامًا. من الأفضل تصحيح هذا الالتباس أولًا.»
«—روح صناعية.»
«… ماذا…؟»
رفع سوبارو رأسه فجأة. أدرك أخيرًا سبب ذكر ثعلبيدنا للحكيم الشهير في الاجتماع، ولماذا اقترحت الذهاب إلى برج بلياديس للمراقبة.
«يبدو أنك مهووس باسمي على نحو مؤلم، لكنني أظن أنه سيكون من الأسهل علينا التحدث إذا ركزت قليلًا على الجزء الآخر من تعريفي.»
ضيقت ثعلبيدنا عينيها، وأثار ذلك رد الفعل شكوك سوبارو، لكنه أدرك السبب حين سمِع ما قالته بعدها.
قالت ذلك ثم جلست على كرسي وأشارت إلى سوبارو ليجلس هو الآخر. غير مبالٍ، رفض ذلك بصمت، فيما كان يتمتم بتلك الكلمتين بين شفتيه.
«إذًا، مَن أنتِ؟ وما الذي تحاولين تحقيقه؟»
«أنتِ تقولين إنكِ روح صناعية أيضًا؟ مثل بيكو أنتِ؟ روح صناعية؟ أنتِ؟»
«… أعلم… أعلم…»
«الإجابة لن تتغير مهما سألت. وللتوضيح، شكلي الحقيقي هو ذلك الوشاح المصنوع من فرو الثعلب الأبيض الذي ترتديه آنا عادة. لقد كنت أراقبكم طوال الوقت.»
«هل أنت مستعد لتصدقني؟»
كان راينهارد هو الأكثر اندهاشًا من تصريح فيلت. لا بد أنه توقع أن تتركه وشأنه بعد خلافهما. رفعت نظرها نحوه وهي تعبس بوجه ممتعض.
«……»
وفي وسط ذلك المشهد المدمر، ركض صبي وفتاة ممسكين بأيدي بعضهما البعض، وجهيهما مألوفان، تعلوهما الراحة وابتسامة صادقة.
وهي جالسة على كرسيها، مرَّرت يدها على ذلك الوشاح الفاخر الملتف حول عنقها. قطب سوبارو حاجبيه متأملًا في هذا الادعاء المريب.
الطفلان اللذان وقعا ضحية للأفعال الخبيثة للكهنة.
إيكيدنا— ومن باب التمييز، فلنطلق عليها ثعلبيدنا.
كان هناك شيء من المصداقية في ادعاء ثعلبيدنا بأنها روح صناعية، إذ إن ساحرة الجشع، إيكيدنا، سبق أن صنعت أرواحًا صناعية أخرى.
وكانت بياتريس إحداها، بل الشيء الوحيد الجيد الذي فعلته إيكيدنا طوال حياتها.
كان يعلم أن ذلك الوعد لن يطمئن قلب إميليا، ولم يكن ذلك هو السبب في طلبها له.
«هل أصبحت أكثر استعدادًا للاستماع إلى ما سأقوله؟»
ذاك الاسم… تحاشى سوبارو ذكره بأي حال من الأحوال.
«… طالما أن ما تقولينه معقول.»
أمامه، وقفت المرشحات الملكيات ومرافقوهن، الذين شاركوا في الدفاع عن المدينة. كان الحضور جميعًا يزيد عن خمسين شخصًا اجتمعوا من أجل تقرير ما بعد الحدث.
رفع سوبارو إصبعه فيما ركَّز نظره على ثعلبيدنا. كان من الحماقة الهجوم دون ترك مجال للنقاش، لكنه لم يكن ليسمح لنفسه بالتراخي أيضًا. وهذا أقصى ما كان مستعدًا للتنازل عنه.
كانت شكوك ثعلبيدنا أسوأ إجابة ممكنة بالنسبة لسوبارو. كان من الصعب عليه ألا يصدق أن إيكيدنا هي مَن صنعها، وإيكيدنا بالتحديد كانت من النوع الذي لا يتردد في غرس طريقٍ إلى برج المراقبة داخل ذاكرة روح اصطناعية، دون أن يمنحها أي شيء آخر.
«أولًا، أريد تصحيح سوء الفهم لديك. لقد أظهرتَ شكًّا قاطعًا تجاهي، لكن إن لم أكن مخطئة، فهذا الشك ليس موجهًا لي، بل إلى ”إيكيدنا“. أعتقد أن هذه هي النقطة التي لا نلتقي فيها.»
تراخى وجه راينهارد قليلًا، وظهرت عليه ابتسامة خفيفة وهو يفكر في السيدة التي يخدمها. لاحظ سوبارو ذلك، وضاقت عيناه وهو يراقب هذا التغير في علاقتهما.
«أه، سوبارو! أين كنت؟»
«… تابعي…»
«بهذا الشكل، يبدو الأمر حقًا أشبه بكابوس.»
«الأمر بسيط: إيكيدنا التي تعرفها هي كيان مختلف تمامًا عني. ليس لديَّ أي معرفة بإيكيدنا أخرى غير نفسي. كل ما أعلمه أنني روح صناعية صنعت، وأن اسمي إيكيدنا، لكنني لا أتذكر شيئًا عن كيفية نشأتي.»
«وهنا ننهي الحديث!»
استرجع سوبارو حديثهما السابق، متأكدًا من أن حالته وحالة أناستاشيا مختلفتان. كلاهما كان له شريك من الأرواح الصناعية -بياتريس وثعلبيدنا- لكن طبيعة شراكتهما كانت مختلفة تمامًا.
ضرب سوبارو الطاولة بكفه، قاطعًا أي مجال للمزيد من هذه المسرحية.
«في حالته، يستهلك المانا لمجرد بقائه على قيد الحياة… لكن بالنسبة لآنا، فإن كمية المانا التي تمتصها غير كافية. لهذا، هي مجبرة على استخدام مخزونها الداخلي من المانا، وعندما ينفد، لا يبقى أمامها سوى استنزاف الأودو، وهو أساس الحياة نفسه.»
لم يكن متأكدًا مما كان يتوقعه، لكن كل ما حصل عليه كان تغطية ضعيفة غير مقنعة على الإطلاق. بعبارة أخرى، زعمت أنها فقدت ذاكرتها.
«سوبارو…؟»
وأي قيمة كان هناك في سماع شيء كهذا؟
استدارت جميع الأنظار نحو إميليا، التي رفعت يدها مقاطعةً الحديث.
«هذا رد جارح. لقد نقلت لك الحقائق والمعلومات الرئيسية بأسلوب موجز ومباشر. أين الخطأ في ذلك؟»
«ذلك الأسلوب! كأنك لا تفهمين مشاعر مَن تتعاملين معهم! هذا بالضبط مثل إيكيدنا!»
«أجرؤ على القول إنك تبغض صانعي.»
«قدرك؟ ومَن الذي قرر ذلك؟»
«لا تجعلني أركلك! أنا مختلف تمامًا الآن بعدما أصبحت بيكو معي!»
تجاوز الأمر الغضب، إذ لمع الحقد الصافي في عيني سوبارو. رأت ثعلبيدنا ذلك، فهزَّت رأسها ببطء.
«اقتراح؟» تساءل كيريتاكا. «أي نوع من الاقتراحات، في ظل هذا الوضع؟»
ابتسمت بهدوء ومدَّت خنصرها نحوه، فرمى سوبارو بياتريس فوق كتفه كمَن يحمل كيسًا، فبدأت تركل الهواء صارخةً بغضب:
«رجاءً، فكر للحظة. لو كنتُ حقًا هي إيكيدنا التي تعرفها، فلماذا كنت سأكشف هذه الحقيقة هنا والآن؟ لو كنتُ أعلم أن هذا سيقطع أي فرصة للحوار بيننا، لما كان هناك أي سبب للقيام بذلك، أليس كذلك؟»
«ما زالت كمية المانا المخزنة غير كافية ليعود باك، لكن الأمر مسألة وقت فحسب. فالرابط بيني وبينه لم ينقطع، رغم كل ما حدث.»
—خرج السؤال من فمه على نحو طبيعي، رغم أنه لم يكن متأكدًا تمامًا مما يشعر به.
«… مجرد كونكِ شخصًا يستمتع بفعل ذلك هو إجابة بحد ذاته.»
«إن كانت خطاياها عميقة إلى هذا الحد، فلا شيء يمكنني قوله. صانعي كان فظيعًا للغاية.»
طرحت ثعلبيدنا هذا السؤال بعدما عمَّ الصمت، وقد بلغ استنتاجه النهائي. تردد سوبارو للحظة قبل أن يزفر بعمق، ثم أجاب:
طالما أنه يستطيع فعل شيء ما، لم يكن سوبارو يرغب في الوقوف مكتوف اليدين.
المرارة التي علت ملامح ثعلبيدنا لم تكن شيئًا قد رآه سوبارو يومًا على وجه أنستاشيا. لكن حين بدأ بمحادثتها، بدأ يلاحظ التناقضات بنفسه.
«شخص آخر قد يعرف… تعنين شخصًا يعلم الكثير من الأمور؟»
حقًا، الأمر غير منطقي. وإن استخدمت هذا المنطق، فلن تنتهي الشكوك أبدًا—
«لنفترض جدلًا أنكِ لستِ إيكيدنا التي أعرفها. إذًا، كيف عرفتِ أن بياتريس روح صناعية؟ هذه معلومة مريبة جدًّا لشخص يدَّعي فقدان ذاكرته.»
«أهو أمر غريب أن تراني ألعب مع بيكو؟»
«أستطيع أن أخبر عندما أراها، هذا كل ما يمكنني قوله. كحسٍّ يلتقط وجود أرواح صناعية أخرى.»
«هذا تصرف غير لائق.»
ذلك التبادل بدا مألوفًا على نحو غريب، وكأنه حديث مع إيكيدنا الحقيقية. لكن بعد أن اعتذرت عن انحرافها عن الموضوع، استعادت جديتها وبدأت الحديث بوجه متجهم.
«بياتريس لم تذكر شيئًا عنكِ مطلقًا. لماذا لم تلاحظكِ إذًا؟ هل تحاولين القول إن فتاتي غبية؟»
«الروح الصناعية التي طلبوها…»
«أتصور أنها كانت ستلاحظ لو رأتني أتصرف أو أتحدث. غير ذلك، لن أفاجأ إن لم تلحظ شيئًا. أنا كيان يفتقر إلى الكثير مقارنة بالروح العادية.»
«جوليوس سيأتي معنا.»
«يفتقر؟»
كانت شكوك ثعلبيدنا أسوأ إجابة ممكنة بالنسبة لسوبارو. كان من الصعب عليه ألا يصدق أن إيكيدنا هي مَن صنعها، وإيكيدنا بالتحديد كانت من النوع الذي لا يتردد في غرس طريقٍ إلى برج المراقبة داخل ذاكرة روح اصطناعية، دون أن يمنحها أي شيء آخر.
«لا يمكنني إبرام عقد مع البشر، كما أن استخدام السحر للدفاع عن نفسي أمر بالغ الصعوبة. لكن في المقابل، أجيد إخفاء وجودي. رغم أن ثقتي بهذه المهارة قد تلقت ضربة قاسية بعد كل ما حدث.»
«… بصرف النظر عن السيدة إميليا، ألم تنزعج بياتريس أيضًا؟»
شعر سوبارو بشيء مريب في الطريقة التي خفضت بها ثعلبيدنا بصرها وتلاشى الحماس من صوتها تدريجيًا. وببطء، بدأ يدرك المعنى الخفي وراء كلماتها.
إذا كانت هي الأخرى روحًا صناعية، فهذا يعني…
لقد ضحَّى بذراعه من أجل حماية أحد رفاقه أثناء القتال. وهذا لم يكن غريبًا عليه. غير أنَّ ما كان مؤلمًا بحقٍّ هو أنَّه لم يكن يتذكَّر أيًّا من ذلك.
«الروح الصناعية التي طلبوها…»
شكر راينهارد، الذي كان قد فهم أفكاره واستبق الحديث.
«قد تكون أنا، وليس بياتريس. آنا كانت في حيرة من أمرها بشأن ما إذا كان عليها إخباركم أم لا. واللوم في ذلك يقع عليَّ، فأنا من أوقفها. اسمح لي بأن أقدم اعتذاري.»
«يا ليتني أستطيع، لكن ذلك لم يعد ممكنًا.»
خفضت ثعلبيدنا رأسها، بينما استعاد سوبارو في ذاكرته حديثه مع أناستاشيا قبل المعركة الحاسمة ضد الأساقفة. حينها، استوقفته لمناقشة أمر مهم، وبدا أنها كانت مترددة بشأن موضوع الروح الصناعية، وكأنها تخفي أمرًا ما.
«هل كانت أناستاشيا مترددة بشأن إخباري وقتها؟»
اتقدت عيناه بنار الغضب بينما يضع يده على صدره، تمامًا كما فعل في السابق.
«لأنك قلت إن إخفاء الأسرار لا يخدم إلا العدو. آنا كافحت كثيرًا بسبب ذلك.»
جاء صوت ليليانا، التي كانت هادئة على غير العادة، مجيبًا على تساؤل إميليا. وعندما أدركت أن الجميع ينظر إليها، رفعت يديها بتوتر.
«……»
«إن كانت السيدة إميليا مستعدة للذهاب إلى هذا الحد، فلا شك أن اقتراحها يملك فرصة للنجاح!»
بينما كان سوبارو غارقًا في أفكاره، استمر النقاش.
كان ردها مفاجئًا بعض الشيء لسوبارو. فقد كان يعتقد أن أناستاشيا من النوع الذي لا يتردد في حجب المعلومات إن كان ذلك يصب في مصلحتها. ومع ذلك، فقد أخفت بالفعل أمر الروح الصناعية.
«لـ-ليليانا؟»
وهكذا، تمكنوا من تحقيق الهدف الذي جاؤوا من أجله إلى بريستيلا، لكنهم في المقابل حصلوا على أهداف أكثر ثقلًا خلال هذه الرحلة.
«إذًا، أنتِ تطرحين هذا الأمر الآن لأنكِ انتهيتِ من تجهيزاتكِ للاستيلاء على جسد أناستاشيا؟»
«… فهمت. إن جاء ذلك اليوم، سأفعل ذلك، يا صديقي.»
«… هاه؟»
«وعُدنا إلى هذه النقطة مجددًا… قلتها من قبل، لم أرغب أبدًا في الاستيلاء على جسد آنا. ولم تكن هي تريد ذلك أيضًا.»
على أي حال، الطريق إلى برج بلياديس سيكون طويلًا. فصحراء أوغوريا، حيث يقع البرج، تمتد في أقاصي الشرق، مما يعني أنه سيكون مضطرًا للسفر برفقة ثعلبيدنا طوال الطريق.
«إن لم يكن يعجبك هذا الوضع، فأعيدي جسدها إليها فحسب. عودي إلى الوشاح وانتهي الأمر.»
«يا ليتني أستطيع، لكن ذلك لم يعد ممكنًا.»
زمَّ سوبارو شفتيه عند سماعه هذا الرد غير المقنع.
بصراحة، لم يكن الأمر يستحق حتى التفكير فيه. كانت قصة بلا أساس، سهلة التصديق أكثر مما ينبغي لصالح إيكيدنا. فمَن ذا الذي سيقبل بمثل هذا التبرير بسهولة؟
«هناك شخص آخر تريد أن تسأل الحكيم عن طريقة لإنقاذه، أليس كذلك؟»
لكن هذا تحديدًا ما جعل ثعلبيدنا تبدو أكثر صدقًا. لم يكن من السهل تصور إيكيدنا تخاطر بكل شيء في مقامرة كهذه.
«سنرى النتائج— ولن أبحث عن أعذار.»
«أخبريني بالتفصيل، ما الحالة التي تعيشها أناستاشيا الآن بالضبط؟»
«لذا، سأمنحهم الرحمة قبل أن يحدث ذلك. فما هو اقتراحك إذًا؟»
«ألا يوجد حقًّا أحدٌ يتعرَّف عليه؟ حتى لو كان هناك مجرَّد شعورٍ غامض بالألفة…»
وقف سوبارو مبتعدًا عن الباب، مشيرًا إلى استعداده للاستماع إلى قصة ثعلبيدنا. رفعت حاجبيها قليلًا بدهشة، لكنها جلست ببطء في المقعد الذي عرضته عليه من قبل.
تفهم سوبارو ذلك الشعور بالعجز جيدًا. فالندم أشبه بالسم الذي ينهش القلب.
«… فهمت. إن جاء ذلك اليوم، سأفعل ذلك، يا صديقي.»
«هل هذه طريقتك في إسعاد النساء؟ من الصعب تحديد جنس الأرواح الصناعية، لكن بما أن بياتريس أنثى، فمن المحتمل أنني—»
«؟»
عادت إلى ذهنه محادثته مع ثعلبيدنا، كما عادت إليه الشكوك حول الطريق المؤدي إلى برج الصحارى حيث ينتظره الحكيم، والتردد والقلق حيال القرار الذي سيُجبر على اتخاذه قريبًا.
«دعينا ننجز هذا.»
«آسفة، لقد شعرت بصدمة طفيفة لأنك انتهى بك الأمر إلى الاستماع إليَّ بجدية.»
«لاتشينز وجاستون مصابان، وكامبرلي محطم المعنويات بعد أن خدعه والدك. لذا، فليعد إلى مقرنا ويعتنِ بهما في الوقت الحالي.»
ذلك التبادل بدا مألوفًا على نحو غريب، وكأنه حديث مع إيكيدنا الحقيقية. لكن بعد أن اعتذرت عن انحرافها عن الموضوع، استعادت جديتها وبدأت الحديث بوجه متجهم.
وحين رأت ذلك الرد الواثق، أومأت بريسيلا برأسها.
«بعبارة مباشرة، لقد استخدمت أودو الخاص بآنا كوسيط، وقمت باستبدال وعيها بوعيي. في الوقت الحالي، أستطيع التحكم بجسدها بحرية، كما أتمكن من استخدام السحر عبر بوابتها المعيبة.»
لم يكن يمزح، بل كان مجرد واقع ثقيل يُخيِّم على الموقف.
«بوابة أناستاشيا معيبة؟»
كل واحدٍ من رؤساء الأساقفة كان غير قابلٍ للغفران، كلهم متجسدون في أقصى صور الشر الممكنة. لكن لم يكن فيهم أفظع من الشراهة، الذي يدنس كل حياة يطالها، ويدوس بلا اكتراث على كل مَن يعترض طريقه.
«هذه إحدى الجوانب الفريدة في علاقتنا. كما قلت من قبل، أنا روح معيبة ولا يمكنني إبرام العقود، صحيح؟»
«… قلتِ ذلك. إذًا، أناستاشيا ليست مستخدمة أرواح بأي شكل؟»
كان ينبغي له أن يدرك ذلك بالفعل. كان قد تعلَّمه جيدًا.
استرجع سوبارو حديثهما السابق، متأكدًا من أن حالته وحالة أناستاشيا مختلفتان. كلاهما كان له شريك من الأرواح الصناعية -بياتريس وثعلبيدنا- لكن طبيعة شراكتهما كانت مختلفة تمامًا.
كانت تعانق نفسها بينما تتراجع، فيما بدا أن سوبارو كان على وشك أن يطبق على عنقها.
واصلت ثعلبيدنا الحديث:
«هاه،» زمَّت بريسيلا شفتيها بسخرية بينما وضعت يديها تحت صدرها الممتلئ. «هذا مثير للاهتمام. وماذا عساها نصف الشيطانة أن تقترح؟ هل سيكون ردِّك قادرًا على إقناعي؟»
«آنا وُلدت ببوابة معيبة. وكما تعلم، البوابة هي العضو المسؤول عن امتصاص المانا من الجو وإطلاق المانا المتراكمة داخل الجسد. في حالة آنا، وظيفة الامتصاص لا تعمل. لهذا، تعاني من نقص مزمن في المانا. في الواقع، أنت تعرف شخصًا يعاني من المشكلة المعاكسة، حيث لا يمكنه إطلاق المانا، أليس كذلك؟»
«الجميع يواجهون المشكلة ذاتها، أليس كذلك؟ مَن تعرضوا للتحول على يد الشهوة، ومَن سُلبت أسماؤهم بفعل الشراهة. لكن الأساقفة الكبار اختفوا بلا أثر، ولا أظن أنهم سيعترفون لنا بسهولة بطريقة حل هذا الأمر. نحن عالقون.»
«جيد، هذا يبعث على الارتياح.»
«لا أعتقد ذلك…»
«غريب. إنه أحد أحفاد قديس السيف. لا يستطيع إطلاق المانا من جسده. بل يمتص كمية غير طبيعية منها، رغم أن كل طاقته تُستهلك في تعزيز قدراته الجسدية؛ لذا لا يتسبب ذلك في أي ضرر.»
«… رينهارد.»
علم سوبارو من تعليق عابر لثعلبيدنا بمشكلة لم يكن يعرفها عن رينهارد. كان الأخير قد ذكر سابقًا أنه لا يستطيع استخدام السحر، لكن سوبارو لم يفكر في السبب وراء ذلك بعمق.
«إذًا، هذا هو السبب الحقيقي وراء رغبتك في لقاء الحكيم.»
«إذًا، حالته مشابهة لحالتي بعدما تضررت بوابتي من فرط الاستخدام، أليس كذلك؟ في حالتي، بياتريس تمتص المانا المتراكمة؛ لذا لا أتعرض للتمزق الداخلي…»
«إن احتجت يومًا لمَن تعتمد عليه ولم تتمكن من التحدث مع فيلت، فأنا هنا. نحن أصدقاء، أليس كذلك؟»
«في حالته، يستهلك المانا لمجرد بقائه على قيد الحياة… لكن بالنسبة لآنا، فإن كمية المانا التي تمتصها غير كافية. لهذا، هي مجبرة على استخدام مخزونها الداخلي من المانا، وعندما ينفد، لا يبقى أمامها سوى استنزاف الأودو، وهو أساس الحياة نفسه.»
«لا أرى أن محاولة استخلاص معلومات من الغضب أمر ميؤوس منه تمامًا. لكنني أفهم أيضًا القلق بشأن إبقائها على قيد الحياة.»
«وهذا يفسر لماذا لا تستطيع أناستاشيا استخدام السحر، ولماذا لا يمكنها التعاقد مع روح أيضًا؛ لأن الأمر يتطلب إمدادًا مستمرًا من المانا…»
للمرة الأولى، وجد سوبارو نفسه متفقًا تمامًا مع ما تقوله ثعلبيدنا.
بدأت الصورة تتضح أكثر لسوبارو بشأن مشكلة بوابة أناستاشيا، لكنه شعر أن هناك أمرًا لم يكن منطقيًا بعد.
ساد الصمت المكان.
«لكن هذا لن يتغير لمجرد أنكِ تستعيرين جسدها. أليس ما تملكه من مانا هو ما يبقيكِ حية الآن؟»
«… لم نلجأ إلى هذا الحل الذي يستنزف حياتها إلا لأنها كانت في وضع شديد الخطورة منذ البداية. بالطبع، تحدثتُ معها مسبقًا وحصلتُ على إذنها قبل أن أتولى السيطرة. وبعيدًا عن ذلك، أنت لا تملك الحق في الاعتراض على هذا الأمر.»
«لا يمكنني إنكار منطقك…» وضعت أناستاشيا يدها على خدها، متأملةً الرأي القاطع لبريسيلا.
«… قلتِ ذلك. إذًا، أناستاشيا ليست مستخدمة أرواح بأي شكل؟»
كان في عينيها تصميم صارم لا يقبل المساومة، على الأقل في هذه المسألة. حتى إن لم يكن بينهما عقد رسمي، فالاتفاق بين أناستاشيا وثعلبيدنا كان بمثابة عهد لا يمكن كسره. تمامًا كما أن العقد بين سوبارو وبياتريس خصهما وحدهما. لم يكن من حقه التدخل أو الحكم.
لم يكن أحدٌ غيرهما قادرًا على استيعاب المعنى الحقيقي لذلك التبادل، لكن بدا لسوبارو أن قرار فيلت كان بمثابة راحة لراينهارد.
«إييييييه؟! والآن تتخلين عني هكذا؟!»
«استعارتي لجسد آنا كانت خطوة يائسة. أنا روح منخفضة الاستهلاك للطاقة ولم أشكل عبئًا عليها قط فيما يتعلق باحتياجات المانا.»
«يفتقر؟»
«أوه، حقًا؟ في حالتي، بياتريس تحتاج إلى الإمساك بيدي ثلاث مرات في اليوم للحصول على ما يكفي من المانا.»
كان من المشكوك فيه ما إذا كانت إيميليا قدوة جيدة في رعاية الأرواح، لكن مع ذلك، بدا وجهها مشرقًا ومبتهجًا وهي تتحدث عن باك.
«لا تخبر جوليوس أو أي شخص آخر بأنكِ تحتلين جسد أناستاشيا.»
«أعتقد أن المرتين الثانية والثالثة مجرد عذر للإمساك بيدك. لكن من الجيد أنكما مقربان إلى هذا الحد.»
قهقهت ثعلبيدنا، بنفس الطريقة التي اعتادها سوبارو من الساحرة التي يعرفها. رؤية جسد أناستاشيا يتداخل مع صورة إيكيدنا كانت شعورًا مزعجًا.
«— لديَّ اقتراح لكم جميعًا.»
كان عليه أن يعيد أناستاشيا إلى وضعها الطبيعي في أقرب وقت ممكن. من أجل نفسه، ومن أجل جوليوس، الذي كان في موقف مؤلم بما يكفي بالفعل.
«وعد؟»
«أهذه أول مرة تستعيرين فيها جسدها؟»
«لا، هذه هي المرة الرابعة. لكن هذه أول مرة أواجه فيها مشكلة في العودة. لم يحدث ذلك من قبل؛ لذا لا فكرة لدي عن السبب… لم أعد قادرة على الانفصال عن جسدها. ونتيجة لذلك، فإن وعي آنا غارق في أعماق طاقة الأودو الخاصة بها.»
ذلك الوعد لم يكن إلا تحذيرًا له.
لمست صدرها وهي تتحدث، وكأنها تشير إلى أن الأودو يستقر هناك.
«لقد فوجئتُ بقدرتك على كشف أنني لستُ آنا. لكن شعرتُ ببعض الارتياح أيضًا… لم يعجبني أن تكون نسختها بهذه السهولة.»
«آه، لا، لا أعلم كيف أعبر عنه… لكن أعتقد أن ما حدث مع جدتك كان صعبًا عليك، هاه؟»
للمرة الأولى، وجد سوبارو نفسه متفقًا تمامًا مع ما تقوله ثعلبيدنا.
عندما بدأ سوبارو يشتبه في أن أناستاشيا قد استُبدلت، كانت الإجابة البديهية هي الشهوة. كان بإمكان كابيلا تغيير شكلها وصوتها بحرية؛ لذا لم يكن صعبًا عليها أن تحلَّ محل أناستاشيا.
استحالة أن يتمكن أحد من محاكاة شخص آخر على نحو مثالي كانت حقيقة مطمئنة، ليس فقط لثعلبيدنا، بل لسوبارو أيضًا.
«لم تُترك بعيدًا تمامًا؛ إنه مجرد فارق ثلاثة خيول، لكنك لا تزال في المقدمة.»
«أستطيع أن أخبر عندما أراها، هذا كل ما يمكنني قوله. كحسٍّ يلتقط وجود أرواح صناعية أخرى.»
«… أنا واثق أن هناك كثيرين ممَن لاحظوا الأمر. حتى لو لم يتمكنوا من التصريح بذلك فورًا وبثقة، فإن مَن يعرفونها جيدًا أدركوا الحقيقة منذ اللحظة الأولى.»
«لكن هذا وحده لا يكفي للهروب من رئيس أساقفة.»
«ومع ذلك، فإن الوحيدين اللذين استطاعا كشف الأمر فورًا هما أنتِ وبريسيلا بارييل، رغم أنكما لستما الأقرب إليها. كيف تفسر ذلك؟»
استعاد سوبارو وعيه فجأة، وانقضَّ على أناستاشيا— لا، إيكيدنا، بعنف.
«ريكاردو والصغار منشغلون تمامًا بما حدث لهم، والأمر ذاته ينطبق على جوليوس.»
«… من المحتمل أنها كانت نوعًا من الحواجز، ولم أستطع كسرها.»
ضيقت ثعلبيدنا عينيها، وأثار ذلك رد الفعل شكوك سوبارو، لكنه أدرك السبب حين سمِع ما قالته بعدها.
«هكذا هو الأمر. لكنهم لا يأكلون، لا يذهبون إلى الحمام، لا يحتاجون إلى الاستحمام. ولا يبتسمون…»
في أسوأ الأحوال، كان سوبارو يملك حلًا آخر في ذهنه. يمكنه قتل كابيلا وسلب عامل ساحرة الشهوة.
«كنتُ أشك في ذلك، لكن يبدو أن جوليوس هو فعلًا فارس آنا، أليس كذلك؟… قدرة الشراهة مرعبة بحق. حتى كائن غير طبيعي مثلي لم يسلم من فقدان الذكريات.»
«لكن لماذا إذًا تركتك سيريوس حيًا؟ لو كان الأمر كذلك، لكان بإمكانها ببساطة ألا تهاجم…»
«أجل، ولهذا نحن…»
كان هناك احتمال أن تكون منتحلة شخصية أناستاشيا تخطط لأمر خبيث، مما قد يؤدي إلى مواجهة عنيفة بينهما، لكنه لم يكن مضطرًا في النهاية إلى اللجوء إلى التأمين الذي أعدَّه مسبقًا.
رفع سوبارو رأسه فجأة. أدرك أخيرًا سبب ذكر ثعلبيدنا للحكيم الشهير في الاجتماع، ولماذا اقترحت الذهاب إلى برج بلياديس للمراقبة.
كان راينهارد هو الأكثر اندهاشًا من تصريح فيلت. لا بد أنه توقع أن تتركه وشأنه بعد خلافهما. رفعت نظرها نحوه وهي تعبس بوجه ممتعض.
«أنا أحب آنا.»
«برج بلياديس للمراقبة، الواقع خلف كثبان أوغوريا، عند أقصى الحدود الشرقية لمملكة لوغونيكا… حيث يقيم هناك الشاهد الأسطوري في عزلة، وقد يكون هو مَن يحمل الإجابات التي نبحث عنها.»
قطع الفارسُ ذاته حديثَ سوبارو، وكأنَّه يريده أن يتوقَّف عن طرح أسئلة لن تؤدِّي إلا إلى تعميق جراحه.
«..….»
«لا تفهم الأمور على نحو خاطئ، أيها الأحمق. أنا لا أوافقك، لكن لا يمكنني تركك وحدك هكذا.»
«لم أقضِ أكثر من عقدٍ معها دون عقدٍ رسمي لمجرد الفضول. لم أختبر ذلك بنفسي؛ لذا لا يمكنني الجزم، لكني أشعر وكأنني وصي عليها، أو ربما فرد من عائلتها. أريدها أن تكون بصحة جيدة، والأهم… أن تكون سعيدة قدر الإمكان.»
كان عليه أن يعيد أناستاشيا إلى وضعها الطبيعي في أقرب وقت ممكن. من أجل نفسه، ومن أجل جوليوس، الذي كان في موقف مؤلم بما يكفي بالفعل.
ضمت ثعلبيدنا جسد أناستاشيا بين ذراعيها ونظرت إلى سوبارو.
«نحن ممتنون لكلمات الشكر، لكنك أيضًا نجوت بصعوبة، كيريتاكا. سمعت أنك اختُطفت عندما هاجمت سيريوس شركة ميوز…»
كانت كلماتها هادئة، خالية من العواطف البشرية، ورغم ذلك، بدا أنها تحمل نوعًا من الحب في طريقتها في الحديث، وفي الطريقة التي احتضنت بها جسد أناستاشيا.
تمامًا كما أحبَّ باك إميليا، وكما أحبت بياتريس سوبارو، بدت ثعلبيدنا تحمل الشعور ذاته تجاه أنا—
تفهم سوبارو ذلك الشعور بالعجز جيدًا. فالندم أشبه بالسم الذي ينهش القلب.
«إذًا، هذا هو السبب الحقيقي وراء رغبتك في لقاء الحكيم.»
«يا سيدة فيلت…»
«صحيح— بصراحة، لا أشعر بشيء تجاه ضحايا الشراهة والشهوة. كل ما أريده هو معرفة طريقة لاستعادة جسد آنا إليها. ولن أتردد في استخدامكم جميعًا لتحقيق ذلك.»
زمَّ سوبارو شفتيه عند سماعه هذا الرد غير المقنع.
«هل لديك أي دليل على أن الحكيم سيعرف كيف يعيد الأمور إلى نصابها؟»
نظر فيريس إليه بدهشة، فأومأ راينهارد برأسه مؤكدًا: «يبدو الأمر كذلك. من مظهره، يتَّضح أنَّه فارسٌ ذو مهارة عالية. ومن المؤكَّد أنَّني وفيريس كنَّا على الأقل على معرفة به. بل من المحتمل أنَّنا كنَّا أصدقاء.»
«لا شيء إطلاقًا. لكن إن كان الحكيم هو ذلك الذي يُقال إنه يرى كل شيء ويحيط علمًا بجميع الأمور، فثمة احتمال ولو ضئيل. وأنا دائمًا أختار الخيار الأكثر احتمالًا للنجاح. لا أكثر ولا أقل.»
ابتلع سوبارو ريقه. كانت استنتاجات ثعلبيدنا بلا شك أنانية، نابعة من ذات مغرورة لا تعبأ إلا بهدفها. لكن كان لديها أسبابها، وكان لديها العزم على التصرف بحسم لتحقيق غاياتها. لا شك في ذلك أبدًا.
استعاد جوليوس شيئًا من حالته السابقة، بينما سوبارو يقذفه بإشارة غير لائقة ويسخر منه، إلا أن جوليوس تفاداها برشاقة.
وفي هذه الحالة، كان هناك أمر لا بد أن يتأكد منه سوبارو—
رغم كل ما عاناه بسبب ثقته العمياء في كلماتها المعسولة… كم كان ساذجًا؟
«هل يمكنني الوثوق بأنك تعرفين فعلًا الطريق إلى برج بلياديس للمراقبة؟»
«بالطبع.»
«ألا يوجد حقًّا أحدٌ يتعرَّف عليه؟ حتى لو كان هناك مجرَّد شعورٍ غامض بالألفة…»
«لكن وفقًا لما يُقال عنك، من المفترض أنك لا تملكين أي ذكريات. فكيف تعرفين الطريق إلى البرج، وهو مكان لا يعرف أحد كيف يصل إليه؟ ألا يبدو هذا متناقضًا؟»
«أنا أعلم ما أعلمه. إن كنتَ تطلب مني دليلًا، فلست متأكدة مما يمكنني قوله… لكن إن اضطررت للتعبير عنه بالكلمات، فربما لأنه قدري أن أصل إلى ذلك المكان.»
«إن احتجت يومًا لمَن تعتمد عليه ولم تتمكن من التحدث مع فيلت، فأنا هنا. نحن أصدقاء، أليس كذلك؟»
وفي أقصى حافة تلك الصحراء، قيل إن الحكيم شاورا، الذي يُعرف بأنه يعلم كل شيء، أقام هناك—
«قدرك؟ ومَن الذي قرر ذلك؟»
كان الأمر جليًّا حين فكر فيه. كل تلك القصة حول عدم قدرة إيكيدنا على مغادرة ضريحها كانت مجرد شيء سمعه منها، ومع ذلك، تقبَّل الأمر كما هو دون أدنى شك.
«صانعي، على ما أظن.»
أصرت بريسيلا على أن الوقت عامل حاسم في الأمر.
كانت شكوك ثعلبيدنا أسوأ إجابة ممكنة بالنسبة لسوبارو. كان من الصعب عليه ألا يصدق أن إيكيدنا هي مَن صنعها، وإيكيدنا بالتحديد كانت من النوع الذي لا يتردد في غرس طريقٍ إلى برج المراقبة داخل ذاكرة روح اصطناعية، دون أن يمنحها أي شيء آخر.
هل كان هناك مَن سيغفر ناتسكي لسوبارو إن استغل الظروف لصالحه؟
وهذا يعني أن ثمة شيئًا مرتبطًا بإيكيدنا كان ينتظرهم عند برج بلياديس للمراقبة. تلك الحقيقة جعلت التوتر يزحف إلى قلبه، لكنه شعر في الوقت نفسه بشيء من الأمل حيال المعرفة التي قد يحملها الشاهد هناك.
«اتركي الأمر لي— سأتكفل به.»
«لكن هذا وحده لا يكفي للهروب من رئيس أساقفة.»
«هل أنت مستعد لتصدقني؟»
أكملت أناستاشيا حديث كيريتاكا، الذي بدا صوته مثقلًا بالهم. وعندها، خيَّم الصمت على الجميع في الغرفة.
كان سوبارو متأكدًا من أن الاستمرار في الحديث مع ثعلبيدنا وهي متقمصة جسد أناستاشيا، سيدفعه إلى الجنون.
طرحت ثعلبيدنا هذا السؤال بعدما عمَّ الصمت، وقد بلغ استنتاجه النهائي. تردد سوبارو للحظة قبل أن يزفر بعمق، ثم أجاب:
«شخص آخر قد يعرف… تعنين شخصًا يعلم الكثير من الأمور؟»
«التصديق كلمة قوية، لكنني في الوقت الحالي أفهم. لديك هدفك الخاص، وتسعى لتحقيقه بكل ما يلزم. وهذا الهدف، وتلك الأفعال، لا تتعارض مع هدفنا.»
《٣》
«بالضبط. كلانا لديه أسئلة يريد طرحها على الحكيم، فلنعمل معًا للوصول إليه. هذا هو الطبيعي والمنطقي.»
«جوليوس سيأتي معنا.»
«توقفي عن ذلك. عندما تصيغين الأمر بهذه الطريقة، تبدين أكثر مكرًا.»
وفي خضم أفكاره غير المجدية—
«هذا تصرف غير لائق.»
رغم هذا الحظ العظيم الذي أناله… وهذه النعمة التي أمتلكها…
كم سنةً من عمره ستختزلها بريستيلا من كل هذا التوتر؟
كان سوبارو متأكدًا من أن الاستمرار في الحديث مع ثعلبيدنا وهي متقمصة جسد أناستاشيا، سيدفعه إلى الجنون.
اتسعت عينا جوليوس ذهولًا من انفجار سوبارو الغاضب، ولم يجد ما يرد به. رمقه سوبارو بنظرة نارية، يصر على أسنانه، يتنفس بحدة.
على أي حال، الطريق إلى برج بلياديس سيكون طويلًا. فصحراء أوغوريا، حيث يقع البرج، تمتد في أقاصي الشرق، مما يعني أنه سيكون مضطرًا للسفر برفقة ثعلبيدنا طوال الطريق.
كان أسلوبهم المعتاد التظاهر بالانسحاب ثم العودة للهجوم مجددًا، وكأنهم يقدمون وجبة إضافية مضاعفة من الشر.
وما تبقَّى من المشاكل الكبرى لم يكن أقلَّ صعوبة، بل ربما كان أشدَّ تعقيدًا.
«بالمناسبة، مجرد فضول مني… يبدو أنك تعرف الكثير عن صانعي. مَن كانت إيكيدنا؟»
«إن كانت السيدة إميليا مستعدة للذهاب إلى هذا الحد، فلا شك أن اقتراحها يملك فرصة للنجاح!»
«ماذا…؟ آه، صحيح، لا بد أن السجلات لم تترك عنها الكثير.»
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
قطَّب سوبارو جبينه إثر سؤال ثعلبيدنا المفاجئ.
أمَّا جوليوس، فقد فقد اسمه فقط، ليصبح حالةً استثنائية بين الضحايا.
وفقًا لما ترويه التواريخ، فقد قامت ساحرة الحسد بالقضاء على باقي الساحرات السبع التي جسدت الخطايا المميتة، مما أدى إلى محو أسمائهن تمامًا من الذاكرة. ولهذا، فإن الأشخاص الوحيدين الذين يمكنهم الربط بين مفهوم الساحرة واسم إيكيدنا هم أولئك الذين كانت لهم صلة مباشرة بها— أي فصيل إميليا.
«آنا وُلدت ببوابة معيبة. وكما تعلم، البوابة هي العضو المسؤول عن امتصاص المانا من الجو وإطلاق المانا المتراكمة داخل الجسد. في حالة آنا، وظيفة الامتصاص لا تعمل. لهذا، تعاني من نقص مزمن في المانا. في الواقع، أنت تعرف شخصًا يعاني من المشكلة المعاكسة، حيث لا يمكنه إطلاق المانا، أليس كذلك؟»
«هاهاها.»
و—
«علاقتنا لم تصل بعد إلى الحد الذي يسمح لي بالحديث عنها معك. سأخبرك بالمزيد عندما أتيقن من إمكانية الوثوق بك.»
«..….»
في أسوأ الأحوال، كان سوبارو يملك حلًا آخر في ذهنه. يمكنه قتل كابيلا وسلب عامل ساحرة الشهوة.
«كل منا لديه أسراره الخاصة، أليس كذلك؟»
«… نعم، هذا صحيح. حتى أنا لا أستطيع معالجتهم. في الواقع، الأمر لا يتعلق بالشفاء من الأساس. لقد أُعيد تشكيلهم إلى كائنات مختلفة تمامًا. الشفاء قادر على علاج الجروح والتعامل مع الأمراض، لكنه لا يستطيع شيئًا أمام هذا النوع من التحولات… آسف.»
ليس الأمر مجرد عناد أو مجاراة في الموقف، بل ما دامت ثعلبيدنا تخفي عنه بعض الأمور، فسيبقي هو الآخر على حذره.
عددٌ من كبار الأساقفة التابعين للشراهة ظهروا في آنٍ واحد، ممَّا جعل المعارك ضدَّهم تخسر خسائر جسيمة، وفاق عدد الضحايا التوقُّعات بكثير.
وعند سماع ذلك، اتسعت عينا ثعلبيدنا المستديرتان، وابتسمت بخبث.
«لا أرى ضررًا في ذلك. الجميع سينالون الإنقاذ في النهاية؛ لذا الأمر لا يتعدى مجرد تحديد مَن سيتم إنقاذه أولًا. لن يلومك أحد إن قررت أن تبدأ بنفسك.»
«… أوه، لا تكن قاسيًا هكذا. أنتم لطفاء جدًا لتتصرفوا بهذه القسوة. أشعر بالجرح، جرحٌ عميق، أقولها بصدق.»
ساد الصمت المكان.
كان فيريس مذهولًا من الاقتراح المتطرف الذي طرحه سوبارو لعلاج كروش.
ثم، وهي تعدِّل وشاح الفرو الأبيض الذي يحيط بعنقها، عادت إلى نبرة حديث أناستاشيا المعتادة.
«أكثر واقعية؟»
أفهم… إنه أداء متقن بالفعل. ولكن…
لا أحد سيلومه، على حد قولها. لكن هل كان ذلك صحيحًا حقًا؟
«طريقة نطقك لكلمة ”أنتم“ فيها خطأ بسيط. ولهجتك في الحديث سلسة جدًا، أكثر واقعية من سكان كاراراجي الآخرين الذين قابلتهم.»
«لا أعتقد أن هذا الأمر يستحق كل هذا الجدل. إن ساءت الأمور، فلا أمانع في امتصاص كل ذاك السواد الذي يؤذي السيدة كروش في جسدي.»
«أكثر واقعية؟»
«أعني، لو مات جميع أعضاء المجلس، فلن يبقى أحد يعرف موقع بقايا الساحرة، صحيح؟ لذا احتجزوه لأنهم لم يستطيعوا السماح له بالموت… أليس كذلك، يا سيدة بريسيلا؟»
استقبلت ثعلبيدنا ملاحظة سوبارو الصريحة بمحاولة جادة لتصحيح ما بدا كخطأ، لكنها أدركت أن الأمر ليس بهذه السهولة، فأطلقت زفرة استسلام، متراخية كتفيها.
«… بصرف النظر عن السيدة إميليا، ألم تنزعج بياتريس أيضًا؟»
لقد انتهت الأسئلة التي كان على سوبارو طرحها على ثعلبيدنا في الوقت الحالي. أما مسألة كيفية إعادة جسد أناستاشيا إليها، فسيعتمد حلها على ما سيكتشفونه من الحكيم.
لكن ما يمكنه قوله الآن هو—
«لا تخبر جوليوس أو أي شخص آخر بأنكِ تحتلين جسد أناستاشيا.»
«… لا بأس، لكن لم أتوقع أن تأتي منك هذه النصيحة.»
لاحظ ريكارود نظرة سوبارو التي استقرت عليه، فرفع الجذع المقطوع لذراعه اليمنى ملوِّحًا به.
«أدرك أن طلبي هذا قد يبدو أنانيًا، لكنني لا أريد أن أثير مزيدًا من القلاقل في هذا الوضع المتأزم أصلًا. يجب أن تدركِ أن الآخرين ليسوا متفهمين مثلي. إن علموا بالأمر، فقد يؤثر ذلك على قراراتهم، مما قد يسبب لنا مشكلات جمة.»
«أيتها الحمقاء، لا تحاول إدخالي في هذا. ثم إن هذا مجرد افتراض. لا يمكنني الادعاء بفهم دوافع أولئك الذين، بالإضافة إلى حماقتهم، يمتلكون جنونًا يفوق الوصف.»
إن اكتشف ريكاردو أو ميمي وإخوتها الحقيقة، فقد يحاولون إيقافهم حرصًا على سلامة جسد أناستاشيا.
«طريقة نطقك لكلمة ”أنتم“ فيها خطأ بسيط. ولهجتك في الحديث سلسة جدًا، أكثر واقعية من سكان كاراراجي الآخرين الذين قابلتهم.»
وإن ترتب على ذلك التخلي عن الذهاب إلى البرج، فسيضيع الأمل الوحيد في إنقاذ ضحايا خطيئتي الشهوة والشراهة، مما سيؤدي إلى مشاكل أكثر تعقيدًا.
ابتسم سوبارو بتوتر وقال: «أعتذر.» ثم أضاف: «سأذهب للقاء هذا الحكيم العظيم، مع التاجر البارع كدليل لي.»
«إن تمكنَّا من بلوغ البرج والعثور على طريقة لعلاج الضحايا وحل مشكلتك أنت وأناستاشيا، فسيكون كل شيء على ما يرام. حينها، لن يكون لأحد الحق في الاعتراض، وإن فعلوا، فلن يكون علينا الاستماع إليهم.»
«لا تخبر جوليوس أو أي شخص آخر بأنكِ تحتلين جسد أناستاشيا.»
«كما قال هوشين ذات مرة: ”ما دامت الحسابات متوازنة، فكل شيء ينتهي على خير.“»
«أنا أعلم ما أعلمه. إن كنتَ تطلب مني دليلًا، فلست متأكدة مما يمكنني قوله… لكن إن اضطررت للتعبير عنه بالكلمات، فربما لأنه قدري أن أصل إلى ذلك المكان.»
بالفعل، لم يكن بإمكانه قولها بطريقة أفضل من هوشين نفسه.
أطلق سوبارو زفرة ارتياح بعدما انتهى الحديث أخيرًا.
«ما أحاول قوله هو أننا لسنا بحاجة لاتخاذ قرار متسرع بناءً على وضع السيدة كروش. أفهم القلق، لكن إن ساءت الأمور، فيمكننا استخدام ظهري أو أي جزء آخر من جسدي لمساعدتها. هذا كل شيء.»
كان هناك احتمال أن تكون منتحلة شخصية أناستاشيا تخطط لأمر خبيث، مما قد يؤدي إلى مواجهة عنيفة بينهما، لكنه لم يكن مضطرًا في النهاية إلى اللجوء إلى التأمين الذي أعدَّه مسبقًا.
«..….»
«بالمناسبة، ناتسكي.»
«همف،» زمَّت بريسيلا شفتيها. «افعلي ذلك إن استطعتِ— وأثبتي أنكِ جديرة بأن تكوني خصمي.»
استقبلت ثعلبيدنا ملاحظة سوبارو الصريحة بمحاولة جادة لتصحيح ما بدا كخطأ، لكنها أدركت أن الأمر ليس بهذه السهولة، فأطلقت زفرة استسلام، متراخية كتفيها.
«همم؟»
«بإذنك، أنا أعارض إعدام غضب. صحيح أن هناك قضية تخص السيدة كروش، لكن هذه أيضًا فرصة لا تتكرر للمملكة— فرصة لاستجوابها والحصول على مزيد من المعلومات حول طائفة الساحرة.»
«هناك شخص آخر تريد أن تسأل الحكيم عن طريقة لإنقاذه، أليس كذلك؟»
أطلق سوبارو زفرة ارتياح بعدما انتهى الحديث أخيرًا.
«السيدة إميليا؟»
توقف سوبارو في مكانه عند سماع هذه الكلمات، وشعر بأن قلبه قد قفز داخل صدره.
«هذا الخيار هو الملاذ الأخير فقط. عليك أن تعتني بنفسك أكثر…»
استدار لينظر إلى ثعلبيدنا، فوجدها تبتسم مستخدمًة وجه أناستاشيا، لكن نبرة صوتها عادت للحظة إلى صوتها الأصلي.
ما إن خطا سوبارو إلى الغرفة حتى كاد يختنق عند سماع أول ما تفوَّه به جوليوس.
«هناك آخرون يعانون من نفس الأعراض التي يعاني منها فاقدو الأسماء، صحيح؟ ولن يكون من السيئ امتلاك مثال عملي نعرضه على الحكيم أثناء طلبنا المساعدة، أليس كذلك؟»
«أنتِ تقولين إنكِ روح صناعية أيضًا؟ مثل بيكو أنتِ؟ روح صناعية؟ أنتِ؟»
«هذا…»
«سنمر على قصر المركيز ميزرس على أي حال، أليس كذلك؟ يجب عليك الاستعداد للرحلة وإبلاغهم بخطتك للذهاب إلى البرج. وهناك، لديك الأميرة النائمة بانتظارك.»
«بإذنك، أنا أعارض إعدام غضب. صحيح أن هناك قضية تخص السيدة كروش، لكن هذه أيضًا فرصة لا تتكرر للمملكة— فرصة لاستجوابها والحصول على مزيد من المعلومات حول طائفة الساحرة.»
«.…..»
«التصديق كلمة قوية، لكنني في الوقت الحالي أفهم. لديك هدفك الخاص، وتسعى لتحقيقه بكل ما يلزم. وهذا الهدف، وتلك الأفعال، لا تتعارض مع هدفنا.»
«لا أرى ضررًا في ذلك. الجميع سينالون الإنقاذ في النهاية؛ لذا الأمر لا يتعدى مجرد تحديد مَن سيتم إنقاذه أولًا. لن يلومك أحد إن قررت أن تبدأ بنفسك.»
«جوشوا… جوكوليوس…»
لسبب ما، بدا صوت ثعلبيدنا الهادئ أشبه بصوت شيطان يعرض صفقة مغرية.
أدرك سوبارو تمامًا مغزى كلماته. نعم، جزء منه رغب بذلك بشدة، لكنه لم يستطع الرد على الفور.
«ريم…»
«..….»
حتى وإن كان هذا الشقيق الذي لطالما نظر إليه بإعجاب قد نسيه تمامًا. حتى وإن كانت مجرد صدى باهت لمشاعر الأخوة. نسيانٌ أبدي، فَقْدٌ لا سبيل لتعويضه، ولم يبقَ سوى الألم—
لم يستطع سوى أن يهمس باسمها.
بالطبع، لم يكن ذلك سوى احتمال نظري، إذ لم يستطع حتى الآن استنساخ تأثير عامل الجشع. لكن الأمر يستحق المحاولة على الأقل، إن لم يكن هناك خيار آخر.
《٦》
بصراحة، حتى سوبارو، الذي اختبر الموت مرارًا، لم يكن بإمكانه تخيُّل مدى الرعب واليأس اللذين شعر بهما أولئك الأشخاص. لكنه فهم أن كلما طالت مدة بقائهم على تلك الحال، كلما ماتت أرواحهم تدريجيًا.
«ومع ذلك، فإن الوحيدين اللذين استطاعا كشف الأمر فورًا هما أنتِ وبريسيلا بارييل، رغم أنكما لستما الأقرب إليها. كيف تفسر ذلك؟»
«—لا تبدو بخير، سوبارو. هل أنت على ما يرام؟»
«أجل! الحفظ بالتجميد! يمكننا كسب الوقت بهذه الطريقة!»
خرج من الغرفة وسار بضع خطوات، حين سمع صوتًا خلفه. توقف وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أومأ برأسه.
«أنا بخير. آسف إن أقلقتك. وأيضًا، آسف لأنني استدعيتك من أجل أمر لم يكن يستحق العناء.»
«لا بأس. الأهم أن الأمور لم تخرج عن السيطرة… هل سيكون من الأفضل ألا أسأل عما حدث؟»
«أجل، أعتقد أنه من الأفضل أن تتظاهر بعدم سماع أي شيء.»
«أوه، حقًا؟ في حالتي، بياتريس تحتاج إلى الإمساك بيدي ثلاث مرات في اليوم للحصول على ما يكفي من المانا.»
《١》
هزَّ سوبارو كتفيه وهو ينظر إلى راينهارد، الذي وقف بجانبه.
أمالت أناستاشيا المزيفة رأسها وأجابت على سؤال سوبارو وكأن الأمر طبيعي تمامًا. وتردد صدى تلك المقاطع في ذهنه، مطمسًا كل أفكاره بينما شعر بجفاف مؤلم في فمه.
قبل أن يذهب لمقابلة ثعلبيدنا، طلب من راينهارد أن ينتظره بالخارج تحسبًا لأي طارئ. كان من المحتمل أن يكون شكُّه في أناستاشيا في غير محله، وأن تكون كابيلا هي السبب الحقيقي وراء ذلك؛ لذا كان من الطبيعي أن يتخذ أفضل الاحتياطات الممكنة قبل مواجهة هذا الاحتمال.
«— لديَّ اقتراح لكم جميعًا.»
ابتسمت أناستاشيا بينما كان سوبارو يغلق الباب خلفه.
لحسن الحظ، لم يحدث القتال الذي كان يخشاه، لكن قديس السيف راينهارد لا بد أنه سمع الحديث الذي دار في الغرفة— بأن أناستاشيا ليست سوى جسد تسكنه ثعلبيدنا حاليًا.
تجاوز الأمر الغضب، إذ لمع الحقد الصافي في عيني سوبارو. رأت ثعلبيدنا ذلك، فهزَّت رأسها ببطء.
رغم هذا الحظ العظيم الذي أناله… وهذه النعمة التي أمتلكها…
بصراحة، كان سوبارو يفضِّل إبقاء الأمر طي الكتمان لتجنُّب إثارة أي بلبلة، لكن—
في خضم هذا الحشد الرفيع الشأن، كان أول مَن رد هو سوبارو.
«لسوء الحظ، لم أتمكن من سماع ما قيل في الداخل؛ لذا لا يمكنني إخبار أحد بأي شيء… حتى لو طلبت مني السيدة فيلت ذلك.»
بينما خفتت صدمة جوليوس، بدأ يتسلل إليها التسلية. سوبارو حملق فيه باندهاش من رد فعله، بينما استمر جوليوس في الضحك. وأخيرًا، بعد نفسٍ عميق—
«… أقدر لك هذا يا صاح…»
ليس من الصواب مقارنة الآلام، لكن ما يمر به جوليوس ليس إلا مأساة تحطم القلب.
قطب سوبارو حاجبيه، مشيرًا إلى جوليوس، ثمَّ تطلَّع إلى من حوله مجددًا.
شكر راينهارد، الذي كان قد فهم أفكاره واستبق الحديث.
عند التأمل في الأمر، كان لوجود راينهارد دور كبير في إنقاذه منذ وصوله إلى هذه المدينة. لم يكن الأمر متعلقًا فقط بإنقاذ إميليا، بل كان مجرد شعوره بوجود شخص يمكنه الاعتماد عليه في مثل هذه المواقف دعمًا كبيرًا له.
«لولاك، لكانت هناك مواقف أخطر بكثير، وربما لم أكن لأتمكن من إنقاذ إميليا. أنا ممتن لك حقًا، راينهارد.»
«لا شيء مهم. كنت أفكر فقط في كم المرات التي يمكنني فيها ضرب بيكو أثناء حملي لها بهذه الطريقة.»
«وأنا أبادلك نفس الشعور. وعلى ذلك، إن كان وجودي عونًا لك، فذلك يشرفني— ولكن لهذا السبب تحديدًا، أرجوك أن تكون أكثر حذرًا.»
حملت نبرتها ودًّا عدوانيًا وألفةً مفرطة، لكن في جوهره، كان صوتها فارغًا. كان الصوت، وطريقة النطق، مطابقين لصوت أناستاشيا، لكنه بدا غريبًا على مستوى جوهري.
«أعلم ذلك جيدًا. لا يزال أمامنا طريق طويل، والأهم من ذلك…»
«كنت قد عقدت العزم على الموت حينها. في الحقيقة، لو أراد رئيس الأساقفة قتلي، لكنت الآن في عداد الموتى منذ زمن بعيد.»
ضيَّق سوبارو عينيه عندما خفض راينهارد صوته، وتلاشت الابتسامة عن وجه قديس السيف. كان من الواضح ما كان يشغل باله. إذ إن—
«… الأمر يتعلق بصحراء أوغوريا، التي لم تستطع أنت نفسك اجتيازها.»
«لأكون صريحة، هذه المرة لا أعارض لمجرد أنني لا أحب أن تأمرني بما أفعل.»
«……»
«هذا صحيح.»
«بهذا الشكل، يبدو الأمر حقًا أشبه بكابوس.»
«هذا رد جارح. لقد نقلت لك الحقائق والمعلومات الرئيسية بأسلوب موجز ومباشر. أين الخطأ في ذلك؟»
تلك كانت أولى كلماته بعد استماعه لما جرى من نقاش في الاجتماع الذي فاته، وكانت ردة فعل متوقعة تمامًا بالنسبة لسوبارو؛ لأن أوتو سوين عرف ناتسكي سوبارو جيدًا.
لم يكن يمزح، بل كان مجرد واقع ثقيل يُخيِّم على الموقف.
«إييييييه؟! والآن تتخلين عني هكذا؟!»
تقع صحراء أوغوريا في شرق لوغونيكا، وهي أرض تعج بالوحوش الشيطانية المفترسة، عالم من المسوخ لم يستطع قديس السيف راينهارد نفسه اختراقه عندما حاول العبور منه ذات مرة.
«لا أتطلع إلى هذا الأمر…»
وفي أقصى حافة تلك الصحراء، قيل إن الحكيم شاورا، الذي يُعرف بأنه يعلم كل شيء، أقام هناك—
«قبل عامين، حين أصيب الملك والعائلة المالكة بالمرض، أُمرتُ من قبل المجلس بالتوجه إلى برج بليادس بحثًا عن علاج… لكنني فشلت.»
«وفي هذه الحال، لمَ لم تمُت حتى الآن؟»
بصراحة، حتى سوبارو، الذي اختبر الموت مرارًا، لم يكن بإمكانه تخيُّل مدى الرعب واليأس اللذين شعر بهما أولئك الأشخاص. لكنه فهم أن كلما طالت مدة بقائهم على تلك الحال، كلما ماتت أرواحهم تدريجيًا.
كان في صوت راينهارد ثقل من الحرج حين تحدَّث عن عجزه.
وفي خضم أفكاره غير المجدية—
طرق سوبارو الباب قبل الدخول، إبداءً للاحترام.
لم يكن هناك مزيج أغرب من راينهارد والعجز، مما عكس مدى ندمه العميق على ما حدث، وكيف أثقل كاهله هذا الفشل.
«على الرغم من ذلك، ينبغي أن تُسلَّم رئيسة الأساقفة إلى المملكة. يجب نقلها إلى العاصمة بأسرع وقت وتسليمها إلى فرسان الحرس الملكي.»
«مهما تقدَّمت في السير، لم تكن المسافة إلى البرج تتضاءل أبدًا. هذا ما قلتَه، أليس كذلك؟»
«هذا رد جارح. لقد نقلت لك الحقائق والمعلومات الرئيسية بأسلوب موجز ومباشر. أين الخطأ في ذلك؟»
«… من المحتمل أنها كانت نوعًا من الحواجز، ولم أستطع كسرها.»
«لكن بما أنك تعرفني جيدًا إلى هذا الحد، فلا بد أنك تعرف إجابتي أيضًا.»
في النهاية، لم يُعثر على علاج للمرض الذي ألمَّ بالعائلة المالكة في الوقت المناسب، وهو ما أدى إلى بدء عملية اختيار الملك التي يشارك فيها جميع المرشحين للعرش الآن.
«لقد أسأتِ الفهم بشدة. حين سددتُ ضربتي، كنت أنوي قتلها بالفعل. لكن إن كانت قد نجت رغم ذلك، فهذا يعني أن موتها لم يكن من نصيبي، ولذا لم أجد داعيًا لمحاولة قتلها مرة أخرى.»
«والآن، في هذه اللحظة تحديدًا، نجد طريقة لاجتياز الصحراء.»
«غاه… ليست أفضل محاولاتك لإنقاذ الموقف، تعلمين ذلك؟!»
«إذا… إذا كان بالإمكان تصديق السيدة أناستاشيا، فهذا صحيح.»
عدَّل كلماته بما يتماشى مع وعده لسوبارو. لكنه في ذات الوقت، كان يسأل ضمنيًا إن كان يمكن الوثوق بما قالته ثعلبيدنا.
قاطعت أناستاشيا المزيفة كلماته، رافضةً النظرية المتوقعة، ثم رفعت كتفيها بلا مبالاة عندما اشتد وهج نظراته نحوها.
«وفيريس مشغول تمامًا برعاية السيدة كروش.»
«……»
أثناء الاجتماع مع الجميع، أعلنت ثعلبيدنا بثقة أنها قادرة على تجاوز الحاجز. ولحسن الحظ أو لسوئه، فإن وجود إيكيدنا في خلفية المشهد أضفى بعض المصداقية على ذلك. كان السؤال الوحيد المتبقي هو: هل يمكن الوثوق بثعلبيدنا نفسها؟
«إن لم يدركوا أنهم قد نُسُوا، فلن يختبروا قلق الوحدة ولا رعب التخلي. أن تُقطع روابطك قسرًا بمَن كانوا أقرب الناس إليك… إنه أمر قاسٍ للغاية.»
ورغم عدم شعوره بالثقة التامة، فقد توصَّل سوبارو بالفعل إلى إجابة مبدئية—
«سنرى النتائج— ولن أبحث عن أعذار.»
ابتسم سوبارو، مبعدًا مخاوف راينهارد. اتسعت عينا الأخير قليلًا، لكنه أومأ برأسه في النهاية.
«لم نتوصل بعد إلى أي إجماع بشأن كيفية التعامل مع رئيس الأساقفة… وذلك بفضل آخر شخص كنت أتوقع منه أن يعود وهو يجر وراءه أحد أتباع الطائفة حيًا.»
«وأنت أيضًا، احرص على توخي الحذر. مجرد التفكير في إعادة سِريوس إلى الوراء ضربٌ من الجنون. لا تدع فيلت تقدم على شيء متهور.»
كانت شكوك ثعلبيدنا أسوأ إجابة ممكنة بالنسبة لسوبارو. كان من الصعب عليه ألا يصدق أن إيكيدنا هي مَن صنعها، وإيكيدنا بالتحديد كانت من النوع الذي لا يتردد في غرس طريقٍ إلى برج المراقبة داخل ذاكرة روح اصطناعية، دون أن يمنحها أي شيء آخر.
«بالتأكيد. لا شك أنها ستشتكي، لكنني سأحرص على أن تكون حذرة.»
جميع الضحايا السابقين كانوا إمَّا قد فقدوا ذكرياتهم كما حدث مع كروش، أو فقدوا أسمائهم وذكرياتهم تمامًا كما حدث مع ريم.
تراخى وجه راينهارد قليلًا، وظهرت عليه ابتسامة خفيفة وهو يفكر في السيدة التي يخدمها. لاحظ سوبارو ذلك، وضاقت عيناه وهو يراقب هذا التغير في علاقتهما.
«لذا، سأمنحهم الرحمة قبل أن يحدث ذلك. فما هو اقتراحك إذًا؟»
في البداية، بدت العلاقة بين فيلت وراينهارد وكأنهما على طرفي نقيض، لكن الآن، رغم أنهما لم يصلا بعد إلى مرحلة التناغم الكامل، إلا أنهما كانا يتقدمان معًا بلا شك. ورغم أنهما كانا نظريًا خصمين له، إلا أن ذلك منح سوبارو شعورًا غريبًا بالراحة.
عددٌ من كبار الأساقفة التابعين للشراهة ظهروا في آنٍ واحد، ممَّا جعل المعارك ضدَّهم تخسر خسائر جسيمة، وفاق عدد الضحايا التوقُّعات بكثير.
ثم، وهي تعدِّل وشاح الفرو الأبيض الذي يحيط بعنقها، عادت إلى نبرة حديث أناستاشيا المعتادة.
لكن في ذات الوقت—
حتى وإن كان هذا الشقيق الذي لطالما نظر إليه بإعجاب قد نسيه تمامًا. حتى وإن كانت مجرد صدى باهت لمشاعر الأخوة. نسيانٌ أبدي، فَقْدٌ لا سبيل لتعويضه، ولم يبقَ سوى الألم—
«راينهارد، هل أنت بخير؟»
—خرج السؤال من فمه على نحو طبيعي، رغم أنه لم يكن متأكدًا تمامًا مما يشعر به.
بدا راينهارد متفاجئًا أيضًا، لكنه رمش بعينيه الزرقاوين.
أصرت بريسيلا على أن الوقت عامل حاسم في الأمر.
«أولًا، أريد تصحيح سوء الفهم لديك. لقد أظهرتَ شكًّا قاطعًا تجاهي، لكن إن لم أكن مخطئة، فهذا الشك ليس موجهًا لي، بل إلى ”إيكيدنا“. أعتقد أن هذه هي النقطة التي لا نلتقي فيها.»
«… سؤالك غامض بعض الشيء.»
طالما أنه يستطيع فعل شيء ما، لم يكن سوبارو يرغب في الوقوف مكتوف اليدين.
«آه، لا، لا أعلم كيف أعبر عنه… لكن أعتقد أن ما حدث مع جدتك كان صعبًا عليك، هاه؟»
لم يكن هناك تفسير آخر لهذا الشعور الغريب الذي انتابه تجاه راينهارد.
«إن لم تفهم، فحاول أن تسأل قلبك. لأن قلبي بالتأكيد ليس رقيقًا بما يكفي ليجيبك.»
كان قد سمع من ويلهيلم أن الأمور قد حُسمت مع جدة راينهارد، قديسة السيف السابقة، والتي كان من المفترض أن تكون قد ماتت قبل خمسة عشر عامًا. لكن ويلهيلم لم يذكر أي شيء عن الألم الذي قد يكون راينهارد قد مرَّ به. كان من الطبيعي أن يُصاب بصدمة لا يمكن وصفها بالكلمات عندما رأى جدته تموت مرة أخرى.
«ها.»
صحيح أن راينهارد أقوى قديس سيف، لكنه ليس مصنوعًا من الحديد.
«هذه إحدى الجوانب الفريدة في علاقتنا. كما قلت من قبل، أنا روح معيبة ولا يمكنني إبرام العقود، صحيح؟»
«؟»
إلا أن راينهارد هزَّ رأسه، متنحيًا عن مشاعر سوبارو.
«… حسنًا، توقعت ذلك منك.»
«أنا بخير، سوبارو. ودَّعتُ جدتي كما ينبغي— لذا لا بأس.»
لكن على عكس الآخرين، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عمَن تشير إليه.
إيكيدنا— ومن باب التمييز، فلنطلق عليها ثعلبيدنا.
«… أرى… حسنًا، إن كنت تقول ذلك.»
تراجع سوبارو عن قلقه. لم يكن بإمكانه الجزم بما يشعر به راينهارد، لكن طالما أنه يقول إنه بخير، فليس لديه ما يفعله حيال الأمر. ومع ذلك…
«همم؟ لماذا تحدِّق هكذا؟»
«إن احتجت يومًا لمَن تعتمد عليه ولم تتمكن من التحدث مع فيلت، فأنا هنا. نحن أصدقاء، أليس كذلك؟»
«… فهمت. إن جاء ذلك اليوم، سأفعل ذلك، يا صديقي.»
رفع سوبارو يده قليلًا مودعًا، محاولًا ألا يثير في راينهارد أي انزعاج.
توقف راينهارد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وأومأ برأسه.
بما أنه أومأ، فهو على الأرجح بخير.
«……»
فراينهارد، على عكس سوبارو، لا ينكث بوعوده.
ذلك الوعد لم يكن إلا تحذيرًا له.
لم يكن غارفيل موجودًا، فرغم أنه كان يعالج ساقي أوتو بالسحر العلاجي على فترات منتظمة، إلا أنه قضي معظم وقته في المساهمة في إعادة إعمار المدينة. لم يكن ذلك مستغربًا منه، فهو فتى طيب القلب، ومن الطبيعي أن يهرع لمساعدة الناس المحتاجين، لكن…
《٧》
«أهو أمر غريب أن تراني ألعب مع بيكو؟»
لم يعلم سوبارو متى التقى الثلاثة لأول مرة. لم يسمع قط أي تفاصيل عن تطور صداقتهم، أو كيف تجاوزت علاقتهم حدود الزمالة العادية.
«أه، سوبارو! أين كنت؟»
«ليسوا مجرد طائرين؛ بل تحولت أعداد منهم إلى كائنات أخرى أيضًا. هناك الكثير منهم، ولا يمكن حصرهم جميعًا…»
«أوه، إيميليا تان. آسف، آسف. كنت منشغلًا ببعض الأمور الصغيرة.»
«إنها آثار تلك المرأة المريعة. لقد حولتهم جميعًا إلى أشكال شنيعة.»
بصراحة، حتى سوبارو، الذي اختبر الموت مرارًا، لم يكن بإمكانه تخيُّل مدى الرعب واليأس اللذين شعر بهما أولئك الأشخاص. لكنه فهم أن كلما طالت مدة بقائهم على تلك الحال، كلما ماتت أرواحهم تدريجيًا.
سار سوبارو في ممر الملجأ بعدما غادر راينهارد، حينما وجدته إيميليا وبياتريس وأسرعتا نحوه.
«سمعت أنك ذهبت لرؤية السيد جـ—أعني، جوليوس، لكننا قلقنا عندما لم نجدك في غرفة المشفى.»
«اصمت، أيها السوقي. المثالية التي لا تستند إلى شيء سوى الكلمات لا قيمة لها على الإطلاق. ما نحتاجه هو خطة فعلية لمعالجة الوضع. وإن لم يتوفر ذلك، فسأمنحهم الرحمة بيديَّ هاتين.»
«بالفعل ذهبت لزيارته، لكنه ظل محتفظًا بذلك التعبير الكئيب وهو يحدق في الضحايا، مهما طالت مدة نظره إليهم. لم يكن ذلك تغييرًا للجو بقدر ما كان تغييرًا للمكان فحسب.»
كان قد سمع من ويلهيلم أن الأمور قد حُسمت مع جدة راينهارد، قديسة السيف السابقة، والتي كان من المفترض أن تكون قد ماتت قبل خمسة عشر عامًا. لكن ويلهيلم لم يذكر أي شيء عن الألم الذي قد يكون راينهارد قد مرَّ به. كان من الطبيعي أن يُصاب بصدمة لا يمكن وصفها بالكلمات عندما رأى جدته تموت مرة أخرى.
«حقًا؟ لكن جوليوس يملك وجهًا وسيمًا…»
«… مرارًا وتكرارًا؟ هل كان هناك شخص غيري؟»
«آه، إيميليا تان، حتى أنتِ ترين ذلك؟!»
«……»
«آه، لا، لا أعلم كيف أعبر عنه… لكن أعتقد أن ما حدث مع جدتك كان صعبًا عليك، هاه؟»
«آه. لكن وجهك أيضًا لطيف، سوبارو! كلما أمعنت النظر إليه، زاد تميزه!»
«غاه… ليست أفضل محاولاتك لإنقاذ الموقف، تعلمين ذلك؟!»
«أعلم أنك فكرت بالكثير والكثير من الأمور التي لا يمكنني حتى تخيلها، وأعلم أنك دائم القلق بشأن اتخاذ القرار الصائب.»
حاولت إيميليا تصحيح نفسها سريعًا، لكن رغم تغييرها لطريقة التعبير، بقي المعنى ذاته تقريبًا، مما جعل سوبارو يتجهم قليلًا، في حين أمسكت بياتريس بكمه.
إن اكتشف ريكاردو أو ميمي وإخوتها الحقيقة، فقد يحاولون إيقافهم حرصًا على سلامة جسد أناستاشيا.
«أجل، أعتقد أنه من الأفضل أن تتظاهر بعدم سماع أي شيء.»
«هممم؟»
أغمض جوليوس عينيه، محاولًا إخفاء ألمه.
«سوبارو.» كان صوت بياتريس هادئًا. «إذا كنت تنوي فعل شيء خطير، فاستعن ببيتي. ليس من الآمن أن تذهب وحدك، وهذا أمر مقلق.»
«لسوء الحظ، لم أتمكن من سماع ما قيل في الداخل؛ لذا لا يمكنني إخبار أحد بأي شيء… حتى لو طلبت مني السيدة فيلت ذلك.»
«… يجب أن أقول، إنني أشعر بالمثل تجاهك أكثر فأكثر. أنتِ لطيفة جدًا، حتى إنني أبدأ بالقلق من أن يأتي غريب يحمل الحلوى ويختطفكِ.»
بل أكثر من ذلك، كان يحترم كروش ويدين لها بالكثير. لذا، إن كان بالإمكان مساعدتها، حتى ولو بثمن بسيط، فلن يتردد.
«بيتي ليست روحًا تافهة! لا تستهزئ بي!»
كان أسلوبهم المعتاد التظاهر بالانسحاب ثم العودة للهجوم مجددًا، وكأنهم يقدمون وجبة إضافية مضاعفة من الشر.
«نعم. وأحدهم هو الحكيم، شاورا. حافظ المعرفة، الذي يرى كل ما سيحدث في هذا العالم.»
ردَّت بياتريس بغضب، وبدأت تضربه على جانبه مرارًا، لكنه رفعها بحركة مفاجئة، مما جعلها تصيح بدهشة، بينما واصل سيره بجانب إيميليا.
«أخبريني بالتفصيل، ما الحالة التي تعيشها أناستاشيا الآن بالضبط؟»
«؟ ما الأمر، إيميليا تان؟»
عند هذه النقطة، تجهم وجه أوتو، فعدل سوبارو جلسته والتقى بنظراته مباشرة.
فجأة، لاحظ نظرات إيميليا الموجهة نحوه أثناء سيرهما.
قطب سوبارو حاجبيه، مشيرًا إلى جوليوس، ثمَّ تطلَّع إلى من حوله مجددًا.
«أهو أمر غريب أن تراني ألعب مع بيكو؟»
«لا، هذا أصبح أمرًا طبيعيًا تمامًا الآن. إضافةً إلى ذلك، من واجب المتعاقد أن يعتني بروحه. لذا، احتضان بياتريس هو جزء من عملك.»
«……»
«لقد قالت ”احتضان“! لكن في هذه الحالة، ألا تنهار هذه الفكرة عندما يتعلق الأمر بكِ وباك؟ لا أذكر أنني رأيتكِ تهتمين به كثيرًا.»
«—علينا استعادة كتاب الحكمة من السيد دارتس. لذا سأبقى في بريستيلا. لكن موقفي من هذه الخطة ثابت، حتى لو كان اعتراضي مجرد مضيعة للوقت.»
فجأة، لاحظ نظرات إيميليا الموجهة نحوه أثناء سيرهما.
«لا تتصيد الأخطاء! ثم إنني فعلت له الكثير من الأشياء بينما لم تكن تراقب! كنت أمشط شعره، وأقص مخالبه، وأنام وأنا أعانقه…»
«……»
كان من المشكوك فيه ما إذا كانت إيميليا قدوة جيدة في رعاية الأرواح، لكن مع ذلك، بدا وجهها مشرقًا ومبتهجًا وهي تتحدث عن باك.
«بالفعل ذهبت لزيارته، لكنه ظل محتفظًا بذلك التعبير الكئيب وهو يحدق في الضحايا، مهما طالت مدة نظره إليهم. لم يكن ذلك تغييرًا للجو بقدر ما كان تغييرًا للمكان فحسب.»
—كانت هناك قلادة بلورية عديمة اللون تتدلى حول عنقها.
«..….»
كانت بتصميم مماثل لتلك التي لم تخلعها أبدًا قبل أن تنفصل عن باك. وعندما لاحظ سوبارو نظراته المستقرة عليها، رفعت إيميليا أصابعها الرشيقة لتلامس الكريستالة.
كان الواقع المخيف خلف كلمات كيريتاكا الغامضة أشد بشاعة مما يوحي به حديثه.
حاليًا، امتلك سوبارو عاملي الكسل والجشع.
«ما زالت كمية المانا المخزنة غير كافية ليعود باك، لكن الأمر مسألة وقت فحسب. فالرابط بيني وبينه لم ينقطع، رغم كل ما حدث.»
«سوبارو، النسيان أم أن تُنسى… أيهما برأيك أشد وطأة؟»
«لا أنكر ذلك، لكن ماذا عن فيلت؟ معسكركما فيه مصابون، أليس كذلك؟ هل ستتفرقان، أم…؟»
«وكل الفضل في ذلك يعود لجهد بيكو الكبير، كما يجب أن نكون ممتنين لكيريتاكا لكرمه أيضًا.»
كان من المستحيل الاعتماد على فيريس، نظرًا لخطورة حالة كروش، كما أن بقية المعالجين كانوا غارقين في علاج المصابين في المدينة.
في الأصل، كانوا ينوون التفاوض مع كيريتاكا للحصول على الحجر، لكنه منحه لإيميليا بكل طيب خاطر، كتعبير عن امتنانه لإنقاذ المدينة.
توقف راينهارد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وأومأ برأسه.
وهكذا، تمكنوا من تحقيق الهدف الذي جاؤوا من أجله إلى بريستيلا، لكنهم في المقابل حصلوا على أهداف أكثر ثقلًا خلال هذه الرحلة.
«—روح صناعية.»
—وسوبارو ظل يتساءل عمَّا إذا كان بإمكانه فعل شيء ما ليجعل الأمور تنتهي بصورة أفضل.
«لا تنسَ هذا أبدًا.»
«انظر هناك، سوبارو.»
بينما كانت بياتريس تحتج بضراوة، تبع سوبارو إميليا في سيرها، متقدمًا نحو المستقبل.
«؟ ما الأمر؟ هل حدث شيء…؟»
لقد ضحَّى بذراعه من أجل حماية أحد رفاقه أثناء القتال. وهذا لم يكن غريبًا عليه. غير أنَّ ما كان مؤلمًا بحقٍّ هو أنَّه لم يكن يتذكَّر أيًّا من ذلك.
استدار سوبارو حينما شعر بوخزة إيميليا على كتفه. كان تعبيرها قد لان، وحينما أشار بصره إلى الاتجاه الذي أشارت إليه، توقفت أنفاسه قليلًا.
في البعيد، ظهرت أمامهم آثار المعارك التي شوهت أحياء بريستيلا— بصمات الكهنة المتعصبين، ووحشية أنصاف الوحوش، والقتال الضاري الذي خاضه سوبارو ورفاقه.
ضيَّق سوبارو عينيه عندما خفض راينهارد صوته، وتلاشت الابتسامة عن وجه قديس السيف. كان من الواضح ما كان يشغل باله. إذ إن—
وفي وسط ذلك المشهد المدمر، ركض صبي وفتاة ممسكين بأيدي بعضهما البعض، وجهيهما مألوفان، تعلوهما الراحة وابتسامة صادقة.
«بعبارة مباشرة، لقد استخدمت أودو الخاص بآنا كوسيط، وقمت باستبدال وعيها بوعيي. في الوقت الحالي، أستطيع التحكم بجسدها بحرية، كما أتمكن من استخدام السحر عبر بوابتها المعيبة.»
«لوسبيل وتينا…»
لذلك، كان سوبارو مدركًا تمامًا أن أوتو سيعارض ذلك.
«… أوه، لا تكن قاسيًا هكذا. أنتم لطفاء جدًا لتتصرفوا بهذه القسوة. أشعر بالجرح، جرحٌ عميق، أقولها بصدق.»
الطفلان اللذان وقعا ضحية للأفعال الخبيثة للكهنة.
كل واحدٍ من رؤساء الأساقفة كان غير قابلٍ للغفران، كلهم متجسدون في أقصى صور الشر الممكنة. لكن لم يكن فيهم أفظع من الشراهة، الذي يدنس كل حياة يطالها، ويدوس بلا اكتراث على كل مَن يعترض طريقه.
رأى سوبارو موتهما، ودموعهما، وكفاحهما المستميت عدة مرات. لذا، رؤيته لهما يركضان الآن في الشوارع، يدًا بيد…
«لا يمكنك… تركي وحدي؟»
«… تبًا لكل هذا…»
كانت هناك العديد من المآسي في بريستيلا، وربما لم يكن من الحكمة أن يشعر بالفرح فقط لنجاة هذين الطفلين، لكن—
اختنق صوت سوبارو عند سماعه ذلك السؤال القاطع. ليس لأنه لم يكن يملك إجابة. الإجابة كانت واضحة. ما أسكته لم يكن الدهشة، بل الغضب.
«لكن هذا ما صنعناه، أنتَ وأنا، وكل مَن قاتل معنا.»
قهقهت ثعلبيدنا، بنفس الطريقة التي اعتادها سوبارو من الساحرة التي يعرفها. رؤية جسد أناستاشيا يتداخل مع صورة إيكيدنا كانت شعورًا مزعجًا.
«—إيكيدنا.»
«..….»
«أعلم أنك فكرت بالكثير والكثير من الأمور التي لا يمكنني حتى تخيلها، وأعلم أنك دائم القلق بشأن اتخاذ القرار الصائب.»
«هاهاها.»
«هذا رد جارح. لقد نقلت لك الحقائق والمعلومات الرئيسية بأسلوب موجز ومباشر. أين الخطأ في ذلك؟»
توترت وجنتا سوبارو قليلًا حينما نظرت إميليا إليه بتلك الطريقة.
عادت إلى ذهنه محادثته مع ثعلبيدنا، كما عادت إليه الشكوك حول الطريق المؤدي إلى برج الصحارى حيث ينتظره الحكيم، والتردد والقلق حيال القرار الذي سيُجبر على اتخاذه قريبًا.
«كنتُ أشك في ذلك، لكن يبدو أن جوليوس هو فعلًا فارس آنا، أليس كذلك؟… قدرة الشراهة مرعبة بحق. حتى كائن غير طبيعي مثلي لم يسلم من فقدان الذكريات.»
ضيَّقت إميليا عينيها البنفسجيتين وهي تحدق فيه، بينما أبقى كل تلك الهواجس مطويةً في قلبه.
«إن كانت خطاياها عميقة إلى هذا الحد، فلا شيء يمكنني قوله. صانعي كان فظيعًا للغاية.»
«لا بأس إن لم ترغب في الحديث عن الأمر الآن. لكن عدني أنك ستخبرني عندما تتخذ قرارك. وأنك ستلجأ إليَّ إن وجدت الأمر يفوق طاقتك.»
«وعد؟»
تلك العبارة الباهتة، التي تفتقر إلى أي تفاصيل دقيقة، كانت وحدها كفيلة بإثبات مدى رهبة قوة الشراهة.
«بالطبع، وعد. وأنت خبير في قطع الوعود، لكنك سيئ في الوفاء بها، أليس كذلك؟»
«—إذًا، أول ما سأفعله هو أن أصدمك، أنت الذي لا يزال يتذكرني.»
«واو، نادرًا ما تستخدمين السخرية.»
لقد استحق ذلك النقد اللاذع، بالنظر إلى سجل وعوده السابقة مع إميليا.
هزَّ سوبارو كتفيه وهو ينظر إلى راينهارد، الذي وقف بجانبه.
ابتسمت بهدوء ومدَّت خنصرها نحوه، فرمى سوبارو بياتريس فوق كتفه كمَن يحمل كيسًا، فبدأت تركل الهواء صارخةً بغضب:
ساد الصمت المكان.
«ما الذي تفعله؟!» بينما لفَّ خنصره حول إصبع إميليا.
«… حسنًا، توقعت ذلك منك.»
«علاقتنا لم تصل بعد إلى الحد الذي يسمح لي بالحديث عنها معك. سأخبرك بالمزيد عندما أتيقن من إمكانية الوثوق بك.»
«أقسم بالخنصر. إن كذبت، سأبتلع ألف إبرة.»
«أقسم بالخنصر.»
«الأمر صعب في ظل الوضع الراهن في بريستيلا. هناك عدد هائل من الضحايا؛ لذا يتعين على المعالجين فرز الحالات وفق الأولوية. السيد كيريتاكا يحاول جمع كل معالج يستطيع العثور عليه من المدن المجاورة، لكن…»
«أيتها الحمقاء، لا تحاول إدخالي في هذا. ثم إن هذا مجرد افتراض. لا يمكنني الادعاء بفهم دوافع أولئك الذين، بالإضافة إلى حماقتهم، يمتلكون جنونًا يفوق الوصف.»
أطلق سراح إصبعها، بينما بقيت إميليا مبتسمة، أصبعها لا يزال ممدودًا نحوه.
«كم إبرةً بلغت حتى الآن؟»
«حسنًا، لا أعتقد أنني وصلت لعشرة آلاف بعد.»
قطع الفارسُ ذاته حديثَ سوبارو، وكأنَّه يريده أن يتوقَّف عن طرح أسئلة لن تؤدِّي إلا إلى تعميق جراحه.
«ها.»
«إذًا، احرص على ألا تصل إلى ذلك الرقم، مفهوم؟»
أومأ سوبارو بصمت.
عددٌ من كبار الأساقفة التابعين للشراهة ظهروا في آنٍ واحد، ممَّا جعل المعارك ضدَّهم تخسر خسائر جسيمة، وفاق عدد الضحايا التوقُّعات بكثير.
«أعتقد أن المرتين الثانية والثالثة مجرد عذر للإمساك بيدك. لكن من الجيد أنكما مقربان إلى هذا الحد.»
كان يعلم أن ذلك الوعد لن يطمئن قلب إميليا، ولم يكن ذلك هو السبب في طلبها له.
ذلك الوعد لم يكن إلا تحذيرًا له.
«ها-ها-ها…»
لا أحد سيلومك.
ترددت كلمات ثعلبيدنا الأخيرة في أذنيه.
ليس من الصواب مقارنة الآلام، لكن ما يمر به جوليوس ليس إلا مأساة تحطم القلب.
لا أحد سيلومه، على حد قولها. لكن هل كان ذلك صحيحًا حقًا؟
«إن كانت تذكره الآن، فلا بد أنها فكرت في حل، أليس كذلك؟»
هل كان هناك مَن سيغفر ناتسكي لسوبارو إن استغل الظروف لصالحه؟
«سأجد الإجابة… قبل أن نعود إلى القصر.»
تحدثت أناستاشيا فجأة، بعد أن شهدت اللقاء الأول الموجع بين الأصدقاء.
بالنظر إلى أن اسمها هو ذاته اسم تلك الساحرة، فمن غير المستغرب أنها أصابت أضعف نقطة في قلبي بدقة.
«لا أتطلع إلى هذا الأمر…»
«هل قلت شيئًا؟»
«صانعي، على ما أظن.»
«ليس الأمر أنني أرغب في الحصول على وشم مشؤوم. لكن كروش سيدة نبيلة، ونحن نعلم أنني على الأقل أستطيع تخفيف ألمها.»
«لا شيء مهم. كنت أفكر فقط في كم المرات التي يمكنني فيها ضرب بيكو أثناء حملي لها بهذه الطريقة.»
«لكننا بحاجة إلى مزيد من العيون لمراقبة الوضع. وبمجرد أن تلتئم ساقاي، سأجري بعض التحقيقات بنفسي أيضًا؛ لذا…»
«ماذا قلت للتو؟! أنزلني فورًا، لكن برفق، كما لو كنت زهرة ناعمة!»
«لا أنكر ذلك، لكن ماذا عن فيلت؟ معسكركما فيه مصابون، أليس كذلك؟ هل ستتفرقان، أم…؟»
«هاهاها.»
رفع سوبارو يده قليلًا مودعًا، محاولًا ألا يثير في راينهارد أي انزعاج.
«توقف عن الضحك وأنت تضرب بيتي!!!»
إن كان هناك مَن يعلم كيف يمكن إبطال تأثيرات الأساقفة الكبار—
«أنا أعلم ما أعلمه. إن كنتَ تطلب مني دليلًا، فلست متأكدة مما يمكنني قوله… لكن إن اضطررت للتعبير عنه بالكلمات، فربما لأنه قدري أن أصل إلى ذلك المكان.»
بينما كانت بياتريس تحتج بضراوة، تبع سوبارو إميليا في سيرها، متقدمًا نحو المستقبل.
«هل هو مجرد ثلاثة؟»
رغم هذا الحظ العظيم الذي أناله… وهذه النعمة التي أمتلكها…
«إنه لأمر غريب. وفقًا لما أخبرتني به، هناك من القواسم المشتركة ما يكفي ليجعلني أؤمن أنه أخي من دمي ولحمي، ومع ذلك لا أملك حتى أدنى شذرة من الذكرى عنه.»
كان سوبارو مستاءً من جشعه العميق، لكنه لم يستطع منع نفسه من تمني وجود فتاة أخرى معهم في هذه اللحظة.
«… حسنًا إذًا. وماذا عن لاتشينز، وكامبرلي، وجاستون؟»
وهكذا، أسدل الستار على معركة ناتسكي سوبارو في بريستيلا.
«أجل! الحفظ بالتجميد! يمكننا كسب الوقت بهذه الطريقة!»
—لحظة هدوء… تسبق المسير نحو برج الصحراء.
وبغية التبسيط، جرى تصنيف جميع ضحايا الشهوة على أنهم ”طائرون“، غير أن…
<النهاية>
«بالمناسبة، ناتسكي.»

وفي تلك اللحظة، وجد سوبارو نفسه يُعذِّب فارسًا آخر دون قصد، لمجرَّد أن نظر إليه.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
