Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 6

6 - نتائج معركة بريستيلا.

6 - نتائج معركة بريستيلا.

١

 

 

 

تردَّد صوت البث عبر أرجاء المدينة بأسرها، بينما قاد سوبارو وإميليا زوجات ريغولوس السابقات إلى مبنى البلدية الذي كان مقرَّهم.

كان ذلك اختراقًا لطيفًا، رقيقًا لقلوبهم.

 

«لا شيء جيد سيأتي من التورط مع هؤلاء الطائفيين. من الأفضل أن تستديروا وتغادروا من دون التحدث إليها.»

«تم استعادة الأبراج الأربعة جميعها، وهُزم المجرمون الفاسدون الذين احتجزوا المدينة رهينة! المدينة آمنة من جديد— بريستيلا قد انتصرت!»

 

 

 

تجلجل الصوت المبتهج في أرجاء المدينة عبر بث المتيا، حاملًا البشرى للجميع.

 

 

«كم هو لطيف أن نرى الصغار يكبرون.»

لم تكن هناك أي مشكلة سوى أن صوت المذيع قد تشقق قليلًا، وإشارة البث بدت غير مستقرة بعض الشيء. لكن ليس هناك إحساس بأنه مجبر على قول ذلك.

«طبعًا.»

 

 

«سوبارو! ذلك كان…!»

«لا تقومي بأي تصرفات غريبة! لستُ بارعةً جدًا في التحكم بهذه الأمور؛ لذا لا يمكنني التخفيف من قوتي كثيرًا!»

 

«أمزح، أمزح.»

«أجل. يبدو أن الأمور قد انتهت على خير…»

 

 

«همم، ألا يناسبني؟ في الواقع، أراه جميلًا…»

أومأ سوبارو برأسه وهو يرى الحماس يلمع في عيني إميليا، تاركًا بعض التوتر يتلاشى من كتفيه.

 

 

 

على الأقل، تمكنوا من تجنُّب السيناريو الكارثي حيث تُفتَح بوابات الفيضان وتُغرَق المدينة بأكملها. القلق الوحيد الذي شغل باله الآن هو أنه تعرَّف على الصوت الذي تحدث في البثِّ، وإن لم يكن مخطئًا، فقد كان صوت كيريتاكا ميوز، الذي عُدَّ في عداد المفقودين.

وربما كانت مشاعر ليليانا وسعادة سوبارو بالمشهد أمامه مجرد محاولاتهما الخاصة للبحث عن بصيص من النور وسط هذا الظلام.

 

كانت قاعدة سوبارو الراسخة هي رفض بناء أي استراتيجية تعتمد على قدرته في الموت والعودة إلى نقطة الحفظ.

لقد كان الشخص الذي اعتادت المدينة على سماع صوته يوميًا، يحثُّهم عبر البثِّ على اللجوء إلى الملاجئ في حالات الطوارئ، لذا فإن كلماته ستصل إلى قلوبهم بسهولة.

 

 

 

ولكن… ليس من المستبعد أن تستغلَّ الشهوة الخبيثة ذلك في مخطط دنيء.

«فهمت، فهمت.»

 

《١》

«إن فتحتُ هذا الباب، فلن أتمكن من إغلاقه مجددًا. على أي حال، علينا العودة بسرعة. لن أرتاح حتى أرى الأمر بأم عيني.»

 

 

 

حثَّ إميليا والنساء الأخريات على الإسراع في خطواتهن. آلمه أن يدفعهن أكثر بعد كل ما مررن به، لكن ليس بوسعه السماح لهنَّ بالتوقف الآن. أراد تبديد القلق الذي يساوره في أقرب وقت، لينعم أخيرًا بلحظة راحة حقيقية.

 

 

بدأ الزمن في التدفق مرة أخرى، وبدأ الحشد بالتصفيق. كان التصفيق مدويًا، مديحًا للديفا المباركة من قبل الهة الغناء.

لكن، بطبيعة الحال، لم يكن هذا القلق ليتلاشى بتلك السهولة—

إلى هذا الحد وصل حديثه، ثم أغمض عينيه، قاطعًا بذلك قلبه الضعيف.

 

«——»

«——»

 

 

«——»

في اللحظة التي وصلوا فيها إلى المبنى، اختفى قلق سوبارو تمامًا.

عقَّب سوبارو بردٍّ متردد، بينما بدا على إميليا الندم الصادق.

 

ومع ذلك، إن وُجدت لحظة قد يختار فيها الموت بإرادته، فستكون عندما يجد نتيجةً لا يستطيع تقبُّلها.

لكن، وقبل أن يتلاشى، ارتفع ليكشف عن وجهه المرعب مع اقترابهم أكثر من الموقع. كان يفترض أن يظهر المبنى بوضوح من بعيد… لكنه لم يكن هناك.

 

 

«—غغ، نـ-نعم، سيدي! سيكون شرفًا لي.»

كلُّ ما تبقى منه… كان كومةً من الأنقاض.

«لماذا تتبعون أوامر تلك الكتب؟ ألأجل إحياء الساحرة… ساحرتكم العزيزة، ساحرة الغيرة؟»

 

وحتى مع عدم تهاوننا للحظة، حدث هذا… سيريس مكبَّلة تمامًا ومحاصرة، ومع ذلك، لا يمكن احتواؤها. هذا دليل إضافي على مدى خطورتها.

تجمَّدت أطراف سوبارو عندما اجتاحه رعبُ الفكرة— جميع الجرحى والمدنيين العزَّل كانوا تحت هذا الركام.

 

 

ابتسمت إميليا برقة، بينما بدت بياتريس غير مبالية تمامًا. أما غارفيل، فقد اتخذت عينيه نظرة ماكرة وهو يعض على أنيابه بمرح.

لكن هذا القلق… لم يدم طويلًا.

 

 

 

«——»

 

 

وصل العديد من سكان المدينة إلى المكان بعدما سمعوا البث.

 

 

 

سعوا جميعًا إلى التأكد بأن الخطر قد زال حقًا. وكما حدث مع سوبارو، لا شكَّ أنهم شعروا بالاضطراب عند رؤية رمز مدينتهم منهارًا بهذا الشكل.

الأميرات الملكيات، الفرسان، وكل مَن انضمَّ إليهم لاستعادة المدينة من أيدي الأساقفة الآثمين— كان قد عقد العزم على تحمُّل العذاب والألم مرارًا وتكرارًا، فقط كي لا يفقد أحدًا منهم.

 

 

كان من الممكن أن تعود الفوضى التي اجتاحت بريستيلا، وقد تنتشر من جديد وسط الخوف والارتباك المتجدِّدين.

«وجدتُ جوليوس؛ لذا لا بأس أن نعيده معنا لنتحدث، صحيح؟»

 

«تحذيرٌ أخير— احذر من الشراهة. الذوَّاق، آكل الغريب، وحتى النهم، سيحاولون جميعًا سرقتك.»

لكن، كلَّ تلك المخاوف تبددت تمامًا عندما صدحت نغمات الليوليير العذبة، مرافقةً صوتًا ساحرًا يشدو وسط الأنقاض.

 

 

بينما كان غارقًا في تفكيره، لمح سوبارو ظلًا يتسلل إلى مدخل المأوى.

«——»

«هاه؟»

 

 

غنت الديفا من فوق مسرحٍ من الأنقاض.

قبِل سوبارو اعتذارها، وأظهرت بياتريس سخائها وهي تحذره بحنان. ثم التفتت إلى إميليا.

 

حملها إلى بر الأمان، لكنه أصيب بصدمة شديدة عندما اكتشف أن جرحها لا يمكن شفاؤه بسهولة. لذا، لا بد أن رؤيتها الآن تعود إلى طبيعتها المرحة قد جلب له الراحة.

صوتها الرقيق وأغنيتها التي عزفها الوتر على نحوٍ بديع. كان تعبير وجهها الجاد مشبعًا بعاطفةٍ غير مألوفة، تعبيرٌ ينم عن جديةٍ استثنائية. هناك، وقفت ديفا حقيقية، صوتها يهز كل مَن يسمعها حتى أقصى أعماق كيانه.

حتى النهاية، لم يكن بينهما أي فهم متبادل أو انسجام.

 

هزَّ سوبارو كتفيه وردَّ بسخرية معتادة، لكنه أدرك، في منتصف حديثه، مدى سخافة ما قاله.

ومع استماع سوبارو، بدأ التوتر الذي عصر قلبه يتلاشى تدريجيًا، فزفر زفرة طويلة عميقة.

«هل أنتَ في وضع يسمح لك بالقلق على الآخرين؟ تبدو بحالة مزرية.»

 

 

إلى جانبه، وضعت إميليا يدها برفق على يده.

 

 

 

أما زوجات ريغولوس السابقات، اللاتي كانت مشاعرهنَّ متجمدة في حالة سكونٍ طويل، فقد بدأن يبكين تدريجيًا.

 

 

 

لقد أعاد صوت الديفا إليهنَّ الدموع التي كانت قد جرت عندما تحررنَّ من الجليد.

كاد سوبارو يختنق وهو ينتظر التأكيد، حتى أغمضت أناستاشيا إحدى عينيها بمكر وقالت بابتسامة عذبة:

 

 

لكنهنَّ ليسن الوحيدات اللاتي انفجرت مشاعرهنَّ. فقد لامس الصوت قلوب جميع الحاضرين. وانتشرت الدموع والعبرات سريعًا كما ابتلعت الجموع المشاعر التي أثارها الصوت.

 

 

 

كان ذلك اختراقًا لطيفًا، رقيقًا لقلوبهم.

شعر سوبارو أن هناك شيئًا مريبًا في نظرات الفارس الصامتة، لكن تعابيره لم تتغير.

 

كان جسد ويلهيلم مغطًى بالجراح، دليلًا على معركة حقيقية حتى الموت.

ومع اقتراب الأغنية من نهايتها، أصبحت أوتار اللويولير أكثر حلاوة. شعر سوبارو وبقية الحضور برغبةٍ في أن تستمر الأغنية أطول، في مقاومةٍ للنهاية—

 

 

 

ولكن كما هو الحال مع كل شيء، لا بد من نهاية. ولهذا أحبَّ الناس الأشياء الهشة، الفانية.

 

 

همس بصوت مبحوح، بالكاد مسموع.

لأن—

 

 

 

«——»

 

 

«تم استعادة الأبراج الأربعة جميعها، وهُزم المجرمون الفاسدون الذين احتجزوا المدينة رهينة! المدينة آمنة من جديد— بريستيلا قد انتصرت!»

أخيرًا، انتهت الأغنية، وانحنت الديفا فوق الأنقاض بأدب.

«السيد سوبارو.»

 

«عجبًا… هذا يبعث على الاطمئنان أكثر من أن يخوضها وحده.»

بدأ الزمن في التدفق مرة أخرى، وبدأ الحشد بالتصفيق. كان التصفيق مدويًا، مديحًا للديفا المباركة من قبل الهة الغناء.

 

 

 

وعندما انهال عليها مطر التصفيق، رفعت رأسها، وإذا بها—

 

 

كان هناك شكل صغير يتجنب الحشد الكبير وجبل الأنقاض— لفترة قصيرة، أصابهم بعض الحيرة؛ لأن شعرها كان بلون مختلف عما تذكروه.

«شكرًا لكم على حسف انتباهشم!»

لكنهنَّ ليسن الوحيدات اللاتي انفجرت مشاعرهنَّ. فقد لامس الصوت قلوب جميع الحاضرين. وانتشرت الدموع والعبرات سريعًا كما ابتلعت الجموع المشاعر التي أثارها الصوت.

 

 

— تعثرت ليلِيانا ماسكيريد في كلماتها.

 

 

ألقى ويلهيلم نظرة إلى المعطف، وبقي صامتًا.

٢

 

 

لم يتعلق الأمر فقط برفضه الطبيعي لفكرة الموت، بل بسبب المشاهد التي رآها في الضريح بعد وفاته. ليس لديه أي وسيلة لمعرفة إن كانت تلك العوالم حقيقية أم مجرد ألاعيب قاسية من ساحرة خبيثة— لكن في كلتا الحالتين، لم يعد قادرًا على الاعتماد على قدرته بنفس السهولة.

«سوبارو! أخيرًا عدت!»

كان رده أشبه بمحاولة صرف غريب لا يعرفه، مما دفع سوبارو للإمساك بكتفه قبل أن يتمكن من الرحيل.

 

 

«… بياتريس؟»

كان إيقاعها مشوشًا، لحنًا شرسًا يعذب الآذان، كما لو أنه يسخر من مفهوم الموسيقى نفسه.

 

 

كان الحفل الذي يُقام على الأنقاض لا يزال مستمرًا عندما استدار سوبارو إثر سماعه لصوت الفتاة المألوف.

«أوقفي هذا اللحن. ماذا تفعلين؟»

 

ومع اقتراب الأغنية من نهايتها، أصبحت أوتار اللويولير أكثر حلاوة. شعر سوبارو وبقية الحضور برغبةٍ في أن تستمر الأغنية أطول، في مقاومةٍ للنهاية—

رفعت بياتريس طرف فستانها وهي تَتَمَهَّل في خطواتها، متفاديةً الحشود التي تجمعت حول أنقاض المبنى الحكومي.

 

 

 

وعندما وصلت إلى سوبارو وإميليا، رفعت نظرها إليهما بعينيها المدورتيْن.

في هذه الأثناء، دعمت بياتريس سوبارو الذي ترنح بفعل الصدمة، بينما ثبتت عينيها بحذر على رئيسة الأساقفة.

 

 

«همم، يبدو أنه لم يصب أي منكما بجروح خطيرة. قلقت بيتي جدًا عندما تأخرت في العودة. لو كنت قد أصبتَ بأذى شديد بينما لم تكن بيتي موجودة، لما استطعت الذهاب إلى المرحاض دون مرافق لفترة طويلة.»

جلس آل بوضعية مريحة، متربعًا على الأرض.

 

هزَّ سوبارو كتفيه وردَّ بسخرية معتادة، لكنه أدرك، في منتصف حديثه، مدى سخافة ما قاله.

“ماذا، هل أنا في روضة الأطفال؟ وعلى أي حال، ماذا عنكِ أنتِ، بيكو؟ أليس من المفترض أن تكوني عاجزة بعد أن استهلكتِ كل قوتك السحرية؟»

 

 

 

«هذا يبدو قريبًا من الانتقاد! بفضل جهود بيتي، لا يزال بإمكانك الحفاظ على ساقك! بيتي تشعر بنقص واضح في الامتنان الواجب!»

«أوه، إذًا كنتَ هنا أيضًا، أوتو؟»

 

 

«فهمت، فهمت.»

«هاهاها! لا تُخفِض حذرك، غارف! العدو الحقيقي يسكن في قلبك! وأيضًا، الأشخاص المهمون يسكنون فيه أيضًا! بمعنى آخر، قلبك ممتلئ!»

 

 

رفع سوبارو بياتريس، التي نفخت خديها غاضبة، ثم دلك خده على خديها. وهكذا، بدأ مزاج بياتريس يتحسن تدريجيًا.

 

 

«—سوبارو، هذا مجرد هدر للوقت. توقّع الندم أو التعاطف أو أي مشاعر إنسانية من أمثالهم ضرب من العبث. هؤلاء مجرد مخلوقات من هذا النوع.»

«يبدو أنك عملتي بجد بينما كنت غائبًا. آسف لإزعاجك طوال الوقت.»

وكل الأسباب التي دفعتهم إلى بذل جهودهم كانت ماثلة أمامهم في تلك اللحظة—

 

 

«من الطبيعي أن تتسبَّب لبيتي بالمشاكل؛ لذا ليس هناك ما يهم… وهذا ما يفترض أن أقوله، لكن هذا كذب. يزعج هذا بيتي بعض الشيء. لذا، كن ممتنًا.»

أحسَّ سوبارو بشيء غريب في رده، إذ لم يكن من عادة ويلهيلم التردد أو قول أمور غامضة. لكنه لم يسأل أكثر، وواصل طريقه مبتعدًا.

 

«أيها القائد! لقد عدت سالمًا!»

قبِل سوبارو اعتذارها، وأظهرت بياتريس سخائها وهي تحذره بحنان. ثم التفتت إلى إميليا.

«عجبًا… هذا يبعث على الاطمئنان أكثر من أن يخوضها وحده.»

 

جلس آل بوضعية مريحة، متربعًا على الأرض.

«من المريح أن أراكِ بخير أيضًا، إميليا. سيكون باك حزينًا إذا حدث لكِ شيء.»

خمس ثوانٍ… عشر ثوانٍ مرت.

 

 

«ممم-همم. شكرًا لقلقكِ عليَّ، بياتريس. أنا بخير بفضل سوبارو وراينهارد اللذين جاءا لمساعدتي.»

 

 

 

التفتت بياتريس بعيدًا بذراعين مرفوعتين عندما قامت إميليا بشد عضلات ذراعيها لتُظهر أنها بخير. كانت خدود الروح محمرة قليلًا، على الرغم من أنها حاولت إخفاء خجلها. إنها لطيفة جدًا عندما تحاول وتفشل في إخفاء خجلها.

ذلك الكتاب ليس سوى نسخة محسَّنة من كتاب طائفة الساحرة، وهو كتاب غامض تركته إحدى الساحرات وراءها. كان إبعاد إميليا عن أي شيء له علاقة به قرارًا حازمًا صامدًا اتخذه سوبارو لنفسه.

 

هزَّت إميليا رأسها بعنف وهي ترد بصدق على سؤال أناستاشيا.

«على أي حال، سؤال لبيكو الصغيرة: إذا كانت ليليانا تؤدي هنا، فهذا يعني أننا قد حققنا انتصارًا كبيرًا… أين الجميع؟ ألم يتم إخلاء المبنى قبل أن تدمره؟»

«—آه.»

 

«ماذا تعنين أنه من البديهي ألا يأتي أي مساعدة؟ السبب في فوزنا هو أنكم لا تملكون أي إحساس بالتعاون، لكن لا بد أن هناك حدًا لذلك، أليس كذلك؟»

“إيه؟ لقد دمَّرتِه، بياتريس؟ أتساءل إن كان بإمكاننا تغطية التكاليف من مخصصاتنا…»

«السيد سوبارو.»

 

—استمرت تلك المسخ في ترديد لعنتها الجديدة، نغمةً مضطربةً من الجنون.

«ماذا تقولين؟! بيتي لم تفعل هذا! لقد انتهى الأمر هكذا بعد أن رحلت بيتي!»

كان سوبارو واثقًا من أن كلماته كانت مجازية.

 

«انتظر، انتظر، انتظر، ماذا تقول؟ أنت تبحث عن أنستاشيا، أليس كذلك؟ الجميع هناك، لكنك لم تلاحظهم فقط. هذا ليس من عادتك أبدًا.»

«أمزح، أمزح.»

بهذا التبادل الأخير، تركوه لمراقبة سجن سيريس.

 

 

ضحك سوبارو على رد فعل بياتريس بينما نظرت إميليا بينهما في ارتباك. ولكن إذا تفاعلت بياتريس مع حديث سخيف كهذا، فإن—

 

 

 

«يبدو أن الجميع بخير إذا كنتما في هذا القدر من الاسترخاء…»

حكَّ خده وهو يشيح ببصره عن ويلهيلم، متملصًا من الشعور بالحرج.

 

«في جميع الأحوال، إن كان كل ما جنيناه هو مزاج سيِّئ، فهذا أفضل ما يمكن أن نرجوه. ربما أنت ببساطة على نفس الموجة معهم، يا أخي.»

«—أجل، أجل. تم نقل الجميع أولًا، فلا تثيروا القلق.»

《٤》

 

فهم سوبارو أكثر من أيِّ شخص آخر أنَّ معرفة المستقبل ليست كل شيء. كان هذا الإدراك مترسخًا في نفس سوبارو؛ لذلك لم يكن مفاجئًا له أن تكون تلك الكتب ناقصة. ومع ذلك—

«واه، هذا الصوت… هاه؟»

 

 

ابتسم سوبارو بتحدٍ، ثم مدَّ قبضته نحو غارفيل، الذي قابلها بقبضته هو الآخر. ليس هناك حاجة لمزيد من الكلمات— كانت هذه طريقتهما الخاصة في تبادل التقدير بعد معركة قاسية.

التفت الثلاثة إلى الصوت الذي أكد شكوك سوبارو.

 

 

حدَّق غارفيل بميمي التي جلست فوق صدره ضاحكة، محاولًا تأنيبها، لكن قبل أن يتمكن من إنهاء حديثه، اتسعت عيناها فجأة.

كان هناك شكل صغير يتجنب الحشد الكبير وجبل الأنقاض— لفترة قصيرة، أصابهم بعض الحيرة؛ لأن شعرها كان بلون مختلف عما تذكروه.

ارتطمت مطرقة جليدية بجانب سيريس، مطيحةً بها إلى الحائط مع الكرسي الذي كانت مكبَّلةً عليه.

 

كان ذلك الشعور غريبًا إلى حد مربك حين يصدر من جوليوس، لدرجة أن ملامح سوبارو تجمدت توترًا.

“«أناستاشيا… أليس كذلك؟»

 

 

 

«لماذا الدهشة…؟ آه، نعم، شعري أصبح مختلفًا قليلًا، أليس كذلك؟»

«ممم-همم. شكرًا لقلقكِ عليَّ، بياتريس. أنا بخير بفضل سوبارو وراينهارد اللذين جاءا لمساعدتي.»

 

 

كانت أناستاشيا، التي ترتدي الكيمونو، تمشط شعرها. كان شعرها البنفسجي الفاتح قد تم صبغه باللون الأخضر على نحو دراماتيكي، وفتحت عينا إميليا على اتساعهما من تأثير هذا التغيير الكبير.

«توقفي عن الجلوس فوق الناس هكذا…»

 

«لا، أعتذر. ليس سوى أمر تافه، فلا تعره اهتمامًا.»

«ماذا حدث لشعرك؟»

«… مع أنه لن يعرف أبدًا إن أخذناها فحسب.»

 

«كم هو لطيف أن نرى الصغار يكبرون.»

«همم، ألا يناسبني؟ في الواقع، أراه جميلًا…»

ضيَّق شيطان السيف عينيه وهو يراقب الفتى أسود الشعر يبتعد.

 

كان الحفل الذي يُقام على الأنقاض لا يزال مستمرًا عندما استدار سوبارو إثر سماعه لصوت الفتاة المألوف.

«آه، لا، يناسبك تمامًا! لكن التغيير كان مفاجئًا فحسب؛ لذا تفاجأت لا أكثر…»

 

 

 

هزَّت إميليا رأسها بعنف وهي ترد بصدق على سؤال أناستاشيا.

 

 

لهثت سيريس بأنفاسٍ متقطعة، ووجهها ملامسٌ للأرضية الباردة— لا، لم يكن الأمر كذلك.

ابتسمت أناستاشيا قائلةً: «يا لكِ من لطيفة!» ثم أضافت بابتسامة ماكرة: «القصة طويلة قليلًا، لكنه كان جزءًا من خطتنا. يمكننا تأجيل الحديث عنها لاحقًا… أما الآن، فأنا سعيدة لأنكِ بخير، إميليا. وأنتَ كذلك… ناتسكي، أنت رجل حقيقي بحق.»

 

 

«سوبارو…»

«لست متأكدًا من رأيي في هذا التقييم… لكن على أي حال، هل يمكنكِ إخباري إن كان الجميع بخير، أناستاشيا؟»

لم يكن سوبارو قلقًا بشأنه بطبيعة الحال، لكنه شعر أن هناك خطبًا ما.

 

وفي تلك اللحظة، وصلت إميليا وبياتريس إلى الزقاق بعد أن لاحقتاه. توقفت الاثنتان عند رؤيتهما للصمت المخيم عليهما، ورفت رموش إميليا بحيرة وهي تتأمل المشهد.

«——»

«—فن الجليد المتجمد!»

 

 

«بما أن ليليانا أقامت حفلًا غنائيًا، فهذا يعني أننا استعدنا السيطرة على جميع البوابات وأنقذنا المدينة. الخطوة التالية هي التأكد من سلامة المقاتلين. هل عاد الجميع سالمين؟»

 

 

 

نظر سوبارو إلى أناستاشيا بجدية، بينما ظلَّت نواياه الحقيقية مخفية في أعماق قلبه.

 

 

 

كانت قاعدة سوبارو الراسخة هي رفض بناء أي استراتيجية تعتمد على قدرته في الموت والعودة إلى نقطة الحفظ.

 

 

 

لم يتعلق الأمر فقط برفضه الطبيعي لفكرة الموت، بل بسبب المشاهد التي رآها في الضريح بعد وفاته. ليس لديه أي وسيلة لمعرفة إن كانت تلك العوالم حقيقية أم مجرد ألاعيب قاسية من ساحرة خبيثة— لكن في كلتا الحالتين، لم يعد قادرًا على الاعتماد على قدرته بنفس السهولة.

 

 

حاول التظاهر بعدم الاكتراث كعادته، لكنه فهم ما قصدته. في الواقع، كان سوبارو قد لاحظ ذلك في نفسه أيضًا.

ومع ذلك، إن وُجدت لحظة قد يختار فيها الموت بإرادته، فستكون عندما يجد نتيجةً لا يستطيع تقبُّلها.

 

 

 

الأميرات الملكيات، الفرسان، وكل مَن انضمَّ إليهم لاستعادة المدينة من أيدي الأساقفة الآثمين— كان قد عقد العزم على تحمُّل العذاب والألم مرارًا وتكرارًا، فقط كي لا يفقد أحدًا منهم.

ابتسم سوبارو قائلًا: «أجل، إنهما يشكلان ثنائيًا رائعًا.»

 

رأى سوبارو ذلك فألقى نظرة على أوتو، الذي رد عليه بإيماءة خفيفة.

«سوبارو…»

 

 

 

حين لاحظت إميليا وبياتريس العزيمة الخطيرة التي تشع من نظراته، تسلل إليهما القلق.

 

 

 

أما أناستاشيا، فقد تلألأت عيناها برفق وهي تراقبه، ثم ابتسمت مطمئنةً:

 

 

«آه—»

«لا داعي للقلق… أنتَ وإميليا آخر مَن عاد إلى هنا.»

«يبدو أنك عملتي بجد بينما كنت غائبًا. آسف لإزعاجك طوال الوقت.»

 

وقعت عيناه على إميليا.

«نحن آخر مَن عاد… أي أن الجميع…؟»

 

 

 

«لا تقلق.»

 

 

 

كاد سوبارو يختنق وهو ينتظر التأكيد، حتى أغمضت أناستاشيا إحدى عينيها بمكر وقالت بابتسامة عذبة:

 

 

 

«الجميع عادوا سالمين— لقد انتصرنا دون أن نخسر أحدًا.»

 

 

 

٣

ومع اقتراب الأغنية من نهايتها، أصبحت أوتار اللويولير أكثر حلاوة. شعر سوبارو وبقية الحضور برغبةٍ في أن تستمر الأغنية أطول، في مقاومةٍ للنهاية—

 

ولكن… ليس من المستبعد أن تستغلَّ الشهوة الخبيثة ذلك في مخطط دنيء.

«أيها القائد! لقد عدت سالمًا!»

 

 

«هاه؟»

المأوى الأقرب إلى أنقاض مبنى الحكومة كان قد تحول إلى مستشفى ميداني مكتظ بالجرحى.

 

 

«على أي حال، المهم أنك بخير. لديك عناد الأعشاب البرية.»

وبناءً على اقتراح بياتريس، توجهوا إليه لرؤية الجميع. وما إن دخلوا، حتى استقبلهم صبي أشقر بصوت جهوري.

 

 

 

«أوه، غارفيل… انتظر، هل أنتَ بخير؟!»

 

 

«تنبحين عليهما في وضعك هذا؟ ياله من هدوء! ينبغي أن أحذِّرك، نحن لن نتركك تذهبين الآن بعد أن أصبحنا ممسكين بك.»

لوَّح غارفيل لهم بيديه مبتسمًا، لكن سوبارو اتسعت عيناه في صدمة عندما رأى حالته.

«— بيتي لا تعلم. وقيل لها ألا تسأل أيضًا.»

 

في كلماتها، كان ثمة عاطفة صادقة واهتمام حقيقي تجاه سوبارو.

كان عاري الصدر، لكن جسده كان مليئًا بالكدمات السوداء والزرقاء، دليلًا على المعركة الشرسة التي خاضها. ومع ذلك، وجهه لم يحمل أي أثر للألم أو الضعف، بل كان مشعًا بثقة من التغلب على خصمه.

خمس ثوانٍ… عشر ثوانٍ مرت.

 

 

وبمجرد أن رأى سوبارو تلك الابتسامة، تحوَّل الذهول الذي ارتسم على وجهه إلى ابتسامة مماثلة.

إلى جانبه، وضعت إميليا يدها برفق على يده.

 

 

«هل أنتَ في وضع يسمح لك بالقلق على الآخرين؟ تبدو بحالة مزرية.»

لمعت شرارة غضب في عيني بياتريس إثر نبرة آل العابثة.

 

 

«لا أريد سماع هذا منك… لكن هذا هو القائد بحق. أثبتَّ أنك رجل حقيقي هذه المرة. أحسنت بإنقاذك للسيدة إيميليا.»

 

 

 

«طبعًا.»

ألقى ويلهيلم نظرة إلى المعطف، وبقي صامتًا.

 

رفع سوبارو بياتريس، التي نفخت خديها غاضبة، ثم دلك خده على خديها. وهكذا، بدأ مزاج بياتريس يتحسن تدريجيًا.

ابتسم سوبارو بتحدٍ، ثم مدَّ قبضته نحو غارفيل، الذي قابلها بقبضته هو الآخر. ليس هناك حاجة لمزيد من الكلمات— كانت هذه طريقتهما الخاصة في تبادل التقدير بعد معركة قاسية.

 

 

 

عند رؤيتهما، تبادلت إميليا وبياتريس النظرات.

—كان الهدف المعلن لطائفة الساحرة هو إحياء ساحرة الغيرة.

 

استجمع شجاعته من وجودهما معه، ثم تنفس بعمق، ورفع يده ليقبض بقوة على المقبض.

«يبدو أن سوبارو وغارفيل يتصرفان بأسلوب طفولي إلى حد ما.»

 

 

 

«أوه، يا للعجب، هذا عالم لا يمكن لبيتي أن تفهمه أبدًا. إنه حماسي أكثر مما تحتمل.»

— قال أوتو ذلك بنبرة متذمرة وهو يرد على تعليق سوبارو.

 

«كيف تشعر الآن، أوتو؟»

ابتسمت إميليا برقة، بينما بدت بياتريس غير مبالية تمامًا. أما غارفيل، فقد اتخذت عينيه نظرة ماكرة وهو يعض على أنيابه بمرح.

 

 

 

«هه، ربما هذا شيء لن تفهموه، يا فتيات. بعد كل شيء، أنا—»

امتلأ عقل سوبارو بالارتباك، وفي تلك اللحظة، دوى صوت سقوط الكرسي، وإذا بوجه سيريس يظهر على مقربة منه—

 

إلى هذا الحد وصل حديثه، ثم أغمض عينيه، قاطعًا بذلك قلبه الضعيف.

«أوووه! غارف! دان-دا-دا-دان!»

 

 

«أمزح، أمزح.»

«غاااه؟!»

كان عاري الصدر، لكن جسده كان مليئًا بالكدمات السوداء والزرقاء، دليلًا على المعركة الشرسة التي خاضها. ومع ذلك، وجهه لم يحمل أي أثر للألم أو الضعف، بل كان مشعًا بثقة من التغلب على خصمه.

 

«لا داعي للقلق… أنتَ وإميليا آخر مَن عاد إلى هنا.»

قبل أن يتمكن من إنهاء جملته، طار غارفيل فجأة بفعل ضربة غير متوقعة، ليسقط على ظهره بينما تجلس فتاة قطة صغيرة فوق صدره، وذيلها يتأرجح بسعادة.

 

 

بالطبع، كانت المدينة قد تعرضت لكارثة مروعة.

كانت أذناها منتصبتين، وعلى وجهها ابتسامة مشرقة لا تُقاوَم.

 

 

«يا رجل، هذا يربكني حقًا… لكن يمكنني أن أراهن أن سبب مجيئكم إلى هنا له علاقة بها، صحيح؟»

«هاهاها! لا تُخفِض حذرك، غارف! العدو الحقيقي يسكن في قلبك! وأيضًا، الأشخاص المهمون يسكنون فيه أيضًا! بمعنى آخر، قلبك ممتلئ!»

 

 

 

«توقفي عن الجلوس فوق الناس هكذا…»

«ويلهيلم، هل هذا…؟»

 

 

 

 

شخص طويل القامة، نحيف القوام، يرتدي ثيابًا بيضاء أنيقة. ولم يكن هناك مجال للشك— ذلك الوجه الوسيم حد الاستفزاز، وذلك الشعر الأرجواني اللامع الآسر…

«هاهاها، السيدة أخبرت ميمي بشيء عن تعليم الصبي مَن هو الأعلى؟ قالت إنه نوع من التكتيكات! لذا قررتُ تجربته!»

 

 

كان إيقاعها مشوشًا، لحنًا شرسًا يعذب الآذان، كما لو أنه يسخر من مفهوم الموسيقى نفسه.

قهقهت ميمي وهي تستمتع بجلوسها فوق غارفيل، بينما كان الأخير يئن.

كانت أذناها منتصبتين، وعلى وجهها ابتسامة مشرقة لا تُقاوَم.

 

 

أما سوبارو، فشعر براحة كبيرة عندما رآها بهذه الحالة.

«… وكأن ذلك خيار متاح لي.»

 

«لكنني أعتقد أن الأمر يشبههم تمامًا.»

«يبدو أنكِ بخير الآن أيضًا، ميمي!»

كان من الأفضل تركه وحده مع زوجته لبعض الوقت.

 

«أوقفي هذا اللحن. ماذا تفعلين؟»

«أوه، مرحبًا أيها السيد! عدت أخيرًا! يبدو أن الأمور كانت مجنونة تمامًا بينما كانت ميمي نائمة! شكرًا لك! لقد نامت ميمي بعمق، وهي بخير الآن تمامًا!»

 

 

 

«ما زلتِ كما أنتِ حتى بعد كل هذا، هاه… لكن لا شك أن هذا يبعث الطمأنينة في نفس غارفيل أيضًا.»

حاول التظاهر بعدم الاكتراث كعادته، لكنه فهم ما قصدته. في الواقع، كان سوبارو قد لاحظ ذلك في نفسه أيضًا.

 

تنهَّد آل وكأن ضربة غير مرئية أصابته في مقتل إثر تعليق إيميليا البريء.

كان سوبارو قد سمع أن ميمي أصيبت إصابة بالغة أثناء حمايتها لغارفيل.

«كلا، ليس هناك شيء من هذا القبيل، وأنتَ تعرف ذلك جيدًا.»

 

تملَّكه الشك تجاه رد فعلها ذاك، لكنه أومأ موافقًا.

حملها إلى بر الأمان، لكنه أصيب بصدمة شديدة عندما اكتشف أن جرحها لا يمكن شفاؤه بسهولة. لذا، لا بد أن رؤيتها الآن تعود إلى طبيعتها المرحة قد جلب له الراحة.

 

 

المأوى الأقرب إلى أنقاض مبنى الحكومة كان قد تحول إلى مستشفى ميداني مكتظ بالجرحى.

 

وضعت إميليا إصبعها على شفتيها، محطمةً التوتر الذي غلف سوبارو وبياتريس.

 

 

«ها، من المقلق حقًا أنها لم تتغير على الإطلاق. ألم أخبركِ من قبل؟! لا تحدثي ضجة بمجرد أن تتعافي…»

 

 

وصل العديد من سكان المدينة إلى المكان بعدما سمعوا البث.

حدَّق غارفيل بميمي التي جلست فوق صدره ضاحكة، محاولًا تأنيبها، لكن قبل أن يتمكن من إنهاء حديثه، اتسعت عيناها فجأة.

 

 

 

«أوه! أوه غارف! الجرح فتح مجددًا! إنه ينزف!»

 

 

«هذا ليس أمرًا مخزيًا على الإطلاق. رجاءً، أقم لها التأبين الذي تستحقه. وإذا سنحت الفرصة، ولم يكن ذلك إزعاجًا لك، فهل تسمح لي بزيارة قبرها لأقدم احترامي لها؟»

«أيتها الحمقاء! هذا ما حذرتكِ منه! تبًا! لنذهب إلى المعالج فورًا!»

—وعندها، اختبر سوبارو كابوسًا مألوفًا مرة أخرى.

 

 

«آاااه! يؤلمني! يؤلمني!»

 

 

 

حملها غارفيل على الفور وركض بها مسرعًا إلى داخل الملجأ، فيما راقب سوبارو ما يحدث، عاجزًا عن إخفاء دهشته من هذه الفوضى العارمة.

«على أي حال، سؤال لبيكو الصغيرة: إذا كانت ليليانا تؤدي هنا، فهذا يعني أننا قد حققنا انتصارًا كبيرًا… أين الجميع؟ ألم يتم إخلاء المبنى قبل أن تدمره؟»

 

كان الحفل الذي يُقام على الأنقاض لا يزال مستمرًا عندما استدار سوبارو إثر سماعه لصوت الفتاة المألوف.

«هيهي… من الواضح أن غارفيل ليس لديه وقت للقلق.»

بإشارة مبطنة إلى بريسيلا، التي قاتلتها سابقًا، نظرت سيريوس إلى سوبارو بعينين يغمرهما الحب. لكن سوبارو تردد، غير قادر على العثور على الكلمات المناسبة للرد—

 

«أوه! أوه غارف! الجرح فتح مجددًا! إنه ينزف!»

علَّقت إميليا مبتسمة وهي تراقب الاثنين يختفيان عن الأنظار.

 

 

«هاه؟ أشك في ذلك… لكن، على أي حال، عندما أكبر وأصبح رجلاً مسنًا أنيقًا، أتمنى أن أحظى بنفس الهيبة التي يتمتع بها.»

ابتسم سوبارو قائلًا: «أجل، إنهما يشكلان ثنائيًا رائعًا.»

 

 

«هل جوليوس… أحد أصدقائك، سوبارو؟»

«ميمي لطيفة جدًا، ويبدو أنها معجبة بغارفيل… لكن غارفيل نفسه معجب برام؛ لذا لا يبدو أن الأمر سيكون بهذه البساطة.»

 

 

 

«نعم، أتفق معكِ تمامًا… انتظري، منذ متى بدأتِ تلاحظين أمورًا كهذه؟!»

لم يكن سوبارو متأكدًا مما يُعد معاملةً مقبولة للسجناء في هذا العالم، لكن الحقيقة أن إميليا قد أطاحت بسيريس وهي لا تزال مكبلة إلى الكرسي. بل إنهم تركوها هناك ملقاة على الأرض، ما قد يُعتبر إساءة معاملة أيضًا.

 

وظلت سيريس تدندن لحنها الملتوي حتى اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلفهم بعنف.

على الرغم من أن هذا الأمر كان واضحًا للجميع، فإن تعليقها فاجأ سوبارو.

«لم أتوقع أبدًا أي مساعدة. أنتَ حقًا لطيف وأنت تقول شيئًا بديهيًا كهذا لإخفاء إحراجك.»

 

استقبل الوحش المقيَّد بالسلاسل إلى كرسي في وسط الغرفة المعتمة -رئيسة أساقفة الغضب، سيريوس رومانيه كونتي- سوبارو بابتسامة شائنة.

فقد كانت إيميليا قد أجلت ردها على اعترافه بها لأنها لم تكن تفهم العلاقات العاطفية جيدًا، لكنها الآن تتحدث بسهولة عن مشاعر الآخرين.

«… سأتدخل في اللحظة التي أعتقد فيها أن الأمر أصبح خطيرًا…»

 

«ميمي لطيفة جدًا، ويبدو أنها معجبة بغارفيل… لكن غارفيل نفسه معجب برام؛ لذا لا يبدو أن الأمر سيكون بهذه البساطة.»

«كم هو لطيف أن نرى الصغار يكبرون.»

«غاااه؟!»

 

 

«يبدو الأمر محرجًا عندما تأتي هذه الكلمات ممَن تبدو كطفلة صغيرة.»

 

 

 

هزَّت بياتريس كتفيها بلا اكتراث وهي تتابع المشهد من بعيد. كانت ملاحظة لا تتناسب مع مظهرها الطفولي، لكن الشخص الذي تفاعل معها لم يكن سوى—

 

 

 

«أوه، إذًا كنتَ هنا أيضًا، أوتو؟»

 

 

 

«أنا هنا منذ البداية! في الواقع، أنتم جميعًا اجتمعتم حول سريري منذ البداية!»

 

 

أخيرًا، انتهت الأغنية، وانحنت الديفا فوق الأنقاض بأدب.

— قال أوتو ذلك بنبرة متذمرة وهو يرد على تعليق سوبارو.

كان بإمكانه سماع الموسيقى والهتافات تتردد من خارج المأوى بينما كانت ليليانا تتابع عرضها. لا شك أنها كانت مدفوعة بإيمانها العميق بقدرة الموسيقى على بث الأمل في قلوب الناس.

 

 

وبالفعل، كان موجودًا منذ اللحظة التي تبادل فيها سوبارو وغارفيل التحية القتالية. فالجميع قد التقوا عند سريره حيث كان يتعافى.

ربما لن يحصلوا على فرصة أخرى لاستجواب طائفي. وهذه ليست مجرد عضو طائفي عادي، بل كانت رئيسة أساقفة— وربما يستطيعون استخراج بعض المعلومات عن قوى الأساقفة الآخرين.

 

«لا، أعتذر. ليس سوى أمر تافه، فلا تعره اهتمامًا.»

«لقد أخبرتني بيتي بكل شيء، أيها المخطط الحربي العظيم. سمعتُ أنك كنتَ تتجول في المدينة بحثًا عن فرائس. يبدو أنك بدأتَ تستمتع بهذا النوع من الأمور، أليس كذلك؟»

 

 

فقد كانت إيميليا قد أجلت ردها على اعترافه بها لأنها لم تكن تفهم العلاقات العاطفية جيدًا، لكنها الآن تتحدث بسهولة عن مشاعر الآخرين.

«أرجوك! كفى نشرًا لمثل هذه الشائعات السخيفة قبل أن تتحول إلى حقائق في أذهان الناس!»

 

 

زمَّت بياتريس شفتيها في إحباط.

صرخ أوتو محتجًا بصوته المعتاد، لكن وجهه كان شاحبًا وملامحه تدل على أنه ليس في حالة جيدة. لُفت ساقاه بضمادات محكمة، ما يدل على أنه تعرض لإصابة بالغة.

كانت تدندن.استلقت سيريس على الأرض تدندن بلحنٍ خافت.

 

«لكن آل هو مَن استخرجها؟ كيف؟»

«كيف تشعر الآن، أوتو؟»

كان الأمر أشبه بأن غرائز سوبارو ذاتها، بل روحه نفسها، ترفض الوجود القابع خلف ذلك الباب.

 

تمتمت بياتريس عند سماع كلمات إميليا، لكنها لم تعترض بقوة. من هذه الناحية، كانتا كلاهما شخصيتين طيبتين بالفطرة، تثقان بالآخرين بسهولة. كانت لحظة دافئة تبعث على الارتياح.

«لن أتمكن من المشي لفترة قصيرة، لكن من المفترض أن تلتئم الجروح على نحو جيد… إنه لأمر مخزٍ أن أكون قد تعرضتُ لهذه الإصابة الفادحة، رغم أنكما كنتما في وضع أكثر خطورة مني.»

«نعم، شكرًا لك على قلقك. لقد كان إيصالك لرسالتي إلى سوبارو والبقية مساعدة كبيرة حقًا. شكرًا لك، آل، أنتَ شخص طيب.»

 

«—سمعتُ أنك واجهتَ ذلك الوغد الشراهة أثناء استرداد الكتاب…»

«هذا ليس عيبًا على الإطلاق. لقد أصبتَ لأنك كنتَ تقاتل بشجاعة، أليس كذلك؟ القتال ليس من مسؤولياتك في الأساس، لذا، أنا سعيد لأن الأمر لم يكن أسوأ من ذلك.»

 

 

«الملجأ المجاور…؟»

«أنتِ الوحيدة التي تفهم معنى أن يكون المرء مستشارًا، يا سيدة إميليا…»

 

 

 

كانت كلمات أوتو تنم عن حاجته الشديدة إلى أي تعبير صادق عن القلق، مما جعل إميليا غير متأكدة من كيفية الرد. لكن إذا كان رد فعل غارفيل السابق مشابهًا لرد سوبارو، فمن السهل تخمين ما كان يشعر به أوتو.

«بيكو؟»

 

«بيكو؟»

ورغم ذلك، لم يكن سوبارو قادرًا على تجاهل الطريقة التي أصيب بها أوتو.

 

 

 

«—سمعتُ أنك واجهتَ ذلك الوغد الشراهة أثناء استرداد الكتاب…»

وضعت إميليا إصبعها على شفتيها، محطمةً التوتر الذي غلف سوبارو وبياتريس.

 

 

كان صوت سوبارو جافًا كما ذكر ما سمعه من بياتريس.

 

 

 

بذل أوتو جهدًا كبيرًا لإبعاد سوبارو والبقية عن أي شيء يتعلق بكتاب الحكمة. أدرك سوبارو تمامًا مخاوفه، لكنه حمل القلق ذاته أيضًا.

وضعت إميليا إصبعها على شفتيها، محطمةً التوتر الذي غلف سوبارو وبياتريس.

 

تشنج سوبارو حين نظر إلى جوليوس، الذي بدا فجأة وكأنه غير ثابت على قدميه.

«وجب عليك أن تخبرني على الأقل، فنحن أصدقاء، أليس كذلك؟»

 

 

 

«أكان عليَّ أن أضيف عبئًا خطيرًا آخر إلى كاهلك بينما كانت السيدة إميليا مختطفة، وأنتَ تحمل على عاتقك مصير المدينة بأسرها كأنك بطل في إحدى القصص الخيالية؟ لا، شكرًا. ليس لديَّ أدنى نية لإلقاء مشكلاتي على أكتاف أصدقائي بهذه الطريقة.»

 

 

 

«ههه.»

 

 

 

حاول أوتو أن يجعل الأمر يبدو كمداعبة خفيفة، لكن سوبارو أطلق ضحكة قصيرة قبل أن يشيح بنظره عنه وقد اعترته مشاعر متناقضة من الدهشة والانزعاج.

 

 

«ممم-همم. شكرًا لقلقكِ عليَّ، بياتريس. أنا بخير بفضل سوبارو وراينهارد اللذين جاءا لمساعدتي.»

«أنتما الاثنان لا تستطيعان الاعتراف بمشاعركما بصراحة، أليس كذلك؟ هل هذا من الأمور التي لا يفهمها إلا الرجال؟»

 

 

وبالفعل، كان موجودًا منذ اللحظة التي تبادل فيها سوبارو وغارفيل التحية القتالية. فالجميع قد التقوا عند سريره حيث كان يتعافى.

«لكنني أعتقد أن الأمر يشبههم تمامًا.»

«أتولى المراقبة… لكني أشبه بفزَّاعة أكثر من أي شيء آخر. قالت الأميرة إن ترك المكان بلا حراسة سيكون أمرًا سيئًا، ثم مضت لتبدِّل ملابسها.»

 

«سأعتذر عن مرافقتكم. لا بدَّ أن يبقى أحدهم لمراقبة رئيسة الأساقفة، صحيح؟ ليس أن وجودي سيفيد في النقاش بشيء؛ لذا سألتزم بدوري كخادمٍ مخلص.»

ضحكت إميليا وهي تضع يدها على فمها، بينما اكتفت بياتريس بهز كتفيها بلا مبالاة.

 

 

لم تحاول المراوغة، بل كانت على الأرجح تقول الحقيقة. لم تكن تعبأ بشيء سوى هوسها المرضي، لا تهتم بأي أحد، ولا تبصر إلا عالمها المقلوب الذي أعادت تشكيله وفقًا لرغباتها.

رأى سوبارو ذلك فألقى نظرة على أوتو، الذي رد عليه بإيماءة خفيفة.

 

 

 

لم يرغب سوبارو في أن تعرف إميليا أي شيء عن كتاب الحكمة، ويبدو أن أوتو شاركه الرأي نفسه؛ لذا اتفقا بصمت على طي الموضوع في الوقت الحالي.

«——»

 

«—ومع ذلك، أرجوكِ. هذه ليست فرصة تتكرر كل يوم، أن يسقط طائفي بين أيدينا هكذا. يجب أن نستغل الفرصة ونسألها بينما يمكننا ذلك.»

ذلك الكتاب ليس سوى نسخة محسَّنة من كتاب طائفة الساحرة، وهو كتاب غامض تركته إحدى الساحرات وراءها. كان إبعاد إميليا عن أي شيء له علاقة به قرارًا حازمًا صامدًا اتخذه سوبارو لنفسه.

 

 

«البلورات التي أتينا إلى بريستيلا من أجلها— لقد أحضرها بنفسه.»

«على أي حال، المهم أنك بخير. لديك عناد الأعشاب البرية.»

 

 

«——»

«أود تقديم شكوى إن كنتَ تعتقد أن كلمة ”بخير“ هي وصف مناسب لحالة ساقيَّ…»

 

 

 

قال سوبارو ذلك بنبرة تجمع بين القلق ورغبته في تغيير الموضوع، لكن كلمات أوتو تلاشت في منتصف الطريق، فقد بدا أن هناك ما يشغله أكثر من مجرد إصابته أو أمر الكتاب.

 

 

أعاد سوبارو ترتيب أولوياته، مستعيدًا هدفه الأصلي: التأكد من سلامة جميع رفاقه.

«ماذا هناك؟ هل لديك شيء آخر يزعجك؟»

 

 

 

«نعم، مشكلة ليست بالهينة في الواقع… السيد ناتسكي، كن حذرًا عندما تقترب من الملجأ المجاور.»

 

 

«إذًا، ما هي أهداف رؤساء الأساقفة الآخرين؟ ما الغاية النهائية للطائفة؟»

«الملجأ المجاور…؟»

«ماذا تقولين؟! بيتي لم تفعل هذا! لقد انتهى الأمر هكذا بعد أن رحلت بيتي!»

 

 

مال سوبارو برأسه متسائلًا، وحملت إميليا وبياتريس التعبير نفسه.

 

 

لوَّح غارفيل لهم بيديه مبتسمًا، لكن سوبارو اتسعت عيناه في صدمة عندما رأى حالته.

نظر أوتو إليهم ثم أومأ برأسه بحدة قائلًا: «هناك رئيس أساقفة مقيد هناك.»

عند رؤيتهما، تبادلت إميليا وبياتريس النظرات.

 

بل على العكس، كل قراراته صبت في صالحهم.

٤

 

 

 

«—أوه، إذًا كنتَ أنت، يا أخي. كنتُ أتساءل مَن القادم إلى هنا.»

«لم أتوقع أبدًا أي مساعدة. أنتَ حقًا لطيف وأنت تقول شيئًا بديهيًا كهذا لإخفاء إحراجك.»

 

 

بينما كانوا في طريقهم إلى الملجأ المثير للمشاكل، استقبلهم في الممر رجل يعتمر خوذة حديدية مستندًا إلى الجدار— كان آل، التابع لبريسيلا.

«… لحظة…»

 

 

وقعت عيناه على إميليا.

«أوه، إذًا كنتَ هنا أيضًا، أوتو؟»

 

 

«أوه؟ يبدو أنكِ خرجتِ بسلام في النهاية، أيتها الشابة. عمل رائع فعلًا، يا أخي.»

ساد الصمت لوهلة. أدار ويلهيلم وجهه قليلًا، ثم أسدل بصره نحو المعطف الذي يحمل رماد زوجته.

 

 

«نعم، شكرًا لك على قلقك. لقد كان إيصالك لرسالتي إلى سوبارو والبقية مساعدة كبيرة حقًا. شكرًا لك، آل، أنتَ شخص طيب.»

 

 

 

كان آل هو الرسول الذي حمل المعلومات المهمة التي جمعتها إميليا بعد اختطافها على يد ريغولوس. حكَّ عنقه بإحراج حين تلقى الشكر المباشر بهذه الطريقة.

«لقد أخبرتني بيتي بكل شيء، أيها المخطط الحربي العظيم. سمعتُ أنك كنتَ تتجول في المدينة بحثًا عن فرائس. يبدو أنك بدأتَ تستمتع بهذا النوع من الأمور، أليس كذلك؟»

 

«لم أتوقع أبدًا أي مساعدة. أنتَ حقًا لطيف وأنت تقول شيئًا بديهيًا كهذا لإخفاء إحراجك.»

«… سأُصاب بحكة من كثرة الإطراء. إنها مبالغة لا أكثر. أخبرها بذلك بدلًا مني، يا أخي.»

كان ذلك اختراقًا لطيفًا، رقيقًا لقلوبهم.

 

«ممم، أعتقد أن هذا رائع جدًا. وأنا واثقة أن ذلك يعني له الكثير أيضًا.»

«أجل، أنتِ تبالغين يا إميليا تان.»

 

 

«نعم، نعم، فهمت. لا داعي لأن تحاول إخفاء إحراجك هكذا.»

«أحقًا تقول ذلك، يا أخي؟! بعد كل ما فعلتُه؟!»

بعد أن استمع إلى طلب سوبارو غير المعقول، زفر ويلهيلم قليلًا.

 

 

«آسف، آسف، كنتُ أمزح فحسب.»

 

 

 

مع ذلك، كان لدى سوبارو بعض التحفظات بشأن ما فعله آل خلال الفوضى التي حدثت. فقد كانت هناك الكثير من الأمور المريبة تجري في الخفاء، ناهيك عن النصائح التي أسداها له— ولا تزال هناك أسئلة كثيرة عالقة بلا إجابة.

 

 

رأى سوبارو ذلك فألقى نظرة على أوتو، الذي رد عليه بإيماءة خفيفة.

«ما الذي تفعله هنا، آل؟»

 

 

 

«أتولى المراقبة… لكني أشبه بفزَّاعة أكثر من أي شيء آخر. قالت الأميرة إن ترك المكان بلا حراسة سيكون أمرًا سيئًا، ثم مضت لتبدِّل ملابسها.»

«يا لها من طريقة قاسية في التعبير عن الأمور. لا داعي لكل هذا الانزعاج، بيكو… أُغـه!»

 

 

«… لكن لا يبدو أنك متضايق من ذلك كثيرًا، آل.»

 

 

 

تنهَّد آل وكأن ضربة غير مرئية أصابته في مقتل إثر تعليق إيميليا البريء.

 

 

وحين التقت نظراته بجوليوس، الذي استسلم تمامًا لما هو قادم، سأل سوبارو ببطء:

في الواقع، مجرد خدمته لشخصية كَبريسيلا -التي تجيد قيادة الجميع من أنوفهم- يدل على أن لديه ولاءً خاصًا بها، ولاءً لا يمكن للآخرين فهمه أو قياسه بسهولة.

«ماذا تقصدين؟»

 

كان من المفترض أن تكون ملكًا لكيريتاكا ميوز ومخزَّنة في شركته، لكن بعد تدمير المبنى، صار من الصعب استعادتها.

«يا رجل، هذا يربكني حقًا… لكن يمكنني أن أراهن أن سبب مجيئكم إلى هنا له علاقة بها، صحيح؟»

«لا تقومي بأي تصرفات غريبة! لستُ بارعةً جدًا في التحكم بهذه الأمور؛ لذا لا يمكنني التخفيف من قوتي كثيرًا!»

 

 

«وهل يمكن أن يكون هناك سبب آخر؟ لسنا متفرغين لدرجة أن نقطع كل هذا الطريق لمجرد الدردشة معك.»

 

 

«… نعم، تمكنتُ من الحديث معها حتى ارتوى قلبي، وألقيتُ عليها وداعي الأخير.»

«يا لها من طريقة قاسية في التعبير عن الأمور. لا داعي لكل هذا الانزعاج، بيكو… أُغـه!»

 

 

«أنا هنا منذ البداية! في الواقع، أنتم جميعًا اجتمعتم حول سريري منذ البداية!»

«… سوبارو وحده مَن يُسمح له بمناداة بيتي بهذا الاسم.»

 

 

«تحوَّل الجسد إلى رماد. شعرت أنه من القسوة أن أتركه مكشوفًا للريح هكذا. قد يكون تصرفًا مخجلًا، لكنني جمعت الرماد في معطفي وأعدته معي… حتى لو كان مجرد رماد، أردت أن أدفنها في مقبرة عائلتها وأقيم لها تأبينًا يليق بها.»

لمعت شرارة غضب في عيني بياتريس إثر نبرة آل العابثة.

«……»

 

«سوبارو! أخيرًا عدت!»

«إن كررت ذلك، فسوف تلقى عقابًا لا يخطر لك على بال.»

 

 

«… كما خمنت، إنها زوجتي.»

«حسنًا، حسنًا، فهمتُ. ما هذه القسوة…»

«لا تظن أننا خرجنا خالي الوفاض. سأخبرك أننا حصلنا على شيء بالفعل.»

 

 

تمتم آل وهو يعبث بخوذته، لكن من الواضح أن هذا الغضب لم يكن معتادًا من بياتريس.

 

 

«نعم، ينبغي أن يكون بخير. أما عن الجروح الجسدية… فيبدو أنه تمكن من معالجة جراحه العاطفية بنفسه.»

قبل أن يتمكن سوبارو من التعليق على الأمر، تراجع آل عن طريقهم قائلًا: «رئيسة الأساقفة في الداخل. مقيدة تمامًا؛ لذا لا داعي لكل هذا التوتر… لكن لديَّ تحذير لكم.»

 

 

 

«ماذا؟»

فهم سوبارو أكثر من أيِّ شخص آخر أنَّ معرفة المستقبل ليست كل شيء. كان هذا الإدراك مترسخًا في نفس سوبارو؛ لذلك لم يكن مفاجئًا له أن تكون تلك الكتب ناقصة. ومع ذلك—

 

 

«لا شيء جيد سيأتي من التورط مع هؤلاء الطائفيين. من الأفضل أن تستديروا وتغادروا من دون التحدث إليها.»

كان من الأفضل تركه وحده مع زوجته لبعض الوقت.

 

«أعتذر… لا معنى لما فعلت، إنه مجرد تعلق عاطفي أحمق.»

«… وكأن ذلك خيار متاح لي.»

 

 

«أيها القائد! لقد عدت سالمًا!»

حمل صوت آل صدقًا نادرًا، لكن سوبارو هز رأسه بخفة وتقدم للأمام.

 

 

 

كان الهواء مشحونًا، وبدأت قشعريرة باردة تتسلل إلى جسده— رئيسة الأساقفة كانت خلف الباب المعدني الأخير مباشرة.

«تحوَّل الجسد إلى رماد. شعرت أنه من القسوة أن أتركه مكشوفًا للريح هكذا. قد يكون تصرفًا مخجلًا، لكنني جمعت الرماد في معطفي وأعدته معي… حتى لو كان مجرد رماد، أردت أن أدفنها في مقبرة عائلتها وأقيم لها تأبينًا يليق بها.»

 

حملها غارفيل على الفور وركض بها مسرعًا إلى داخل الملجأ، فيما راقب سوبارو ما يحدث، عاجزًا عن إخفاء دهشته من هذه الفوضى العارمة.

«ليس بعد كل ما فعلته. ثم إننا، مهما كرهنا الأمر، سنضطر عاجلًا أم آجلًا إلى مواجهة هذه الطائفة؛ لذا ربما حان الوقت لنأخذ زمام المبادرة للمرة الأولى.»

 

 

«—أوه، إذًا كنتَ أنت، يا أخي. كنتُ أتساءل مَن القادم إلى هنا.»

«… أرى ذلك. إن كنت قد اتخذت قرارك، فلن أقول المزيد.»

《٤》

 

هل استطاع أن يجد خاتمة للأمر؟ أم أن النهاية كانت مريعة بكل المقاييس؟

رأى آل العزيمة في عيني سوبارو قبل أن يتنهد،  ثم أومأ برأسه نحو الباب المعدني خلفه.

كان من الأفضل تركه وحده مع زوجته لبعض الوقت.

 

 

«مجرد تأكيد… هل ستدخلان أنتما أيضًا؟»

 

 

—وعندها، اختبر سوبارو كابوسًا مألوفًا مرة أخرى.

«مم-هم. بالطبع. لا يمكنني ترك سوبارو يخوض أمرًا خطيرًا وحده.»

وبالفعل، كان موجودًا منذ اللحظة التي تبادل فيها سوبارو وغارفيل التحية القتالية. فالجميع قد التقوا عند سريره حيث كان يتعافى.

 

 

«عجبًا… هذا يبعث على الاطمئنان أكثر من أن يخوضها وحده.»

 

 

 

«ومَن الذي طلب رأيك أصلًا؟! ثم إن حدث شيء، فلا تتردد في التدخل، أيها الأحمق!»

وجهت إيميليا تحذيرها إلى سيريس بعد أن وجهت لها ضربة قاسية دون رحمة.

 

 

مع آخر تبادل للمزاح، تابعوا طريقهم عبر الممر، بينما ظل آل يراقبهم بصمت. كلما اقتربوا من الباب المعدني المغلق بإحكام، ازدادت تلك الهالة الغامضة والمرعبة التي كانت تتلوى حول أجسادهم كأنها تحاول صدَّهم.

 

 

لم يكن سوبارو قلقًا بشأنه بطبيعة الحال، لكنه شعر أن هناك خطبًا ما.

كان الأمر أشبه بأن غرائز سوبارو ذاتها، بل روحه نفسها، ترفض الوجود القابع خلف ذلك الباب.

 

 

 

«… سوبارو…»

 

 

«يا لها من طريقة قاسية في التعبير عن الأمور. لا داعي لكل هذا الانزعاج، بيكو… أُغـه!»

همست إميليا بقلق عندما رأته متجمدًا في مكانه وهو يحملق في الباب.

«أوووه! غارف! دان-دا-دا-دان!»

 

«الآخرون ليسوا مثلي ومثلك. إنهم مَنغمسون في شهواتهم الحقيرة، متشبثون بقواهم بدافع رغباتهم البغيضة. لا يجمعنا بهم شيء، نحن الذين لا نطلب سوى الحب— نحن مختلفون عنهم تمامًا.»

لم تقل بياتريس شيئًا، لكنها أمسكت بيده الفارغة بصمت.

 

 

شعر سوبارو أن هناك شيئًا مريبًا في نظرات الفارس الصامتة، لكن تعابيره لم تتغير.

«آسف، أنا بخير— هيا بنا.»

 

 

وعندما انهال عليها مطر التصفيق، رفعت رأسها، وإذا بها—

استجمع شجاعته من وجودهما معه، ثم تنفس بعمق، ورفع يده ليقبض بقوة على المقبض.

 

 

ظلت سيريس ممددةً على الأرض، تبتسم لسوبارو بتلك الابتسامة الملتوية بفعل حبها المعذب، تراقبه وهو يبتعد.

صدر صوت أزيز خفيف بينما بدأ الباب في الانفتاح—

بملامح متجهمة، اضطرت بياتريس إلى الإيماء بالإيجاب على تساؤلهما. ثم أدخلت يدها في عباءتها، وأخرجت شيئًا لتريهما إياه.

 

 

«أها، إذًا لقد أتيت. أعتذر على سحبك إلى هنا. وأشكرك.»

«يبدو أن الجميع بخير إذا كنتما في هذا القدر من الاسترخاء…»

 

«يا لها من طريقة قاسية في التعبير عن الأمور. لا داعي لكل هذا الانزعاج، بيكو… أُغـه!»

استقبل الوحش المقيَّد بالسلاسل إلى كرسي في وسط الغرفة المعتمة -رئيسة أساقفة الغضب، سيريوس رومانيه كونتي- سوبارو بابتسامة شائنة.

 

 

تشنج سوبارو حين نظر إلى جوليوس، الذي بدا فجأة وكأنه غير ثابت على قدميه.

«——»

 

 

«ها، من المقلق حقًا أنها لم تتغير على الإطلاق. ألم أخبركِ من قبل؟! لا تحدثي ضجة بمجرد أن تتعافي…»

شعر سوبارو باضطراب في قلبه أمام تلك الابتسامة المنحرفة.

 

 

 

كانوا في غرفة متربة مهجورة، تقع في أعماق الملجأ تحت الأرض. هناك، جلست سيريوس على كرسي في قلب الغرفة، مكبل بسلاسلها الذهبية الخاصة.

 

 

قبل أن يتمكن من إنهاء جملته، طار غارفيل فجأة بفعل ضربة غير متوقعة، ليسقط على ظهره بينما تجلس فتاة قطة صغيرة فوق صدره، وذيلها يتأرجح بسعادة.

بعد انتهاء معركتهما، عادت بريسيلا وليليانا ومعهما رئيسة الأساقفة حية.

«أنتَ وحدك مَن أحب. لا أحد سواك. لا يهمني أمر الساحرة لا من قريب ولا من بعيد. كل ما أقوم به هو ما يتوجب عليَّ فعله للوصول إليك فحسب.»

 

«آسف، آسف، كنتُ أمزح فحسب.»

«أنا سعيدة لأنك أتيت لرؤيتي. تساءلت لماذا لم يزرني أحد، لكن كان هذا هو السبب، أليس كذلك؟ شكرًا لك، وأعتذر… ومع ذلك، يبدو أن هناك بعض الإزعاج أيضًا.»

 

 

«من الطبيعي أن تتسبَّب لبيتي بالمشاكل؛ لذا ليس هناك ما يهم… وهذا ما يفترض أن أقوله، لكن هذا كذب. يزعج هذا بيتي بعض الشيء. لذا، كن ممتنًا.»

فور أن وقع بصرها على سوبارو، طغت عليها موجة من الحماس، لكن في الوقت نفسه، انبثقت منها كراهية مظلمة موجهة إلى إميليا وبياتريس—

 

 

«يبدو أنكِ بخير الآن أيضًا، ميمي!»

إنها غيرة امرأة مصممة على ألا يُنتزع منها الرجل الذي تحبُّه، ولا تزال مقتنعة، على نحو خاطئ، بأن بيتلجيُوس متلبس بجسد سوبارو.

لكنهنَّ ليسن الوحيدات اللاتي انفجرت مشاعرهنَّ. فقد لامس الصوت قلوب جميع الحاضرين. وانتشرت الدموع والعبرات سريعًا كما ابتلعت الجموع المشاعر التي أثارها الصوت.

 

 

«تنبحين عليهما في وضعك هذا؟ ياله من هدوء! ينبغي أن أحذِّرك، نحن لن نتركك تذهبين الآن بعد أن أصبحنا ممسكين بك.»

«ماذا؟»

 

 

«لكنكم لا تستطيعون التخلص مني بتهور أيضًا، أليس كذلك؟ شكرًا لكم، أعلم أنكم قلقون عليَّ. لكن للأسف، عطفكم الكريم لا حاجة لي به.»

 

 

 

من خلال منظورها المنحرف، فسَّرت سيريوس نبرة الثقة في صوت سوبارو على أنها اهتمام منه بها.

 

 

 

«أنت تفهم، أليس كذلك؟» قهقهت بصوت متشقق. «في قلب كل شخص تقيم أفكار الآخرين، والرغبة في أن يكون محبوبًا. وطالما أن هذا صحيح، فمن المستحيل على أي شخص أن ينكرني. حتى تلك الفتاة المتغطرسة.»

«—ماذا؟! هذا غير صحيح إطلاقًا!»

 

عقَّب سوبارو بردٍّ متردد، بينما بدا على إميليا الندم الصادق.

بإشارة مبطنة إلى بريسيلا، التي قاتلتها سابقًا، نظرت سيريوس إلى سوبارو بعينين يغمرهما الحب. لكن سوبارو تردد، غير قادر على العثور على الكلمات المناسبة للرد—

 

 

«… دائمًا في أسوأ الأوقات. فتاةٌ شديدة الملاحظة أمرٌ في غاية الخطورة.»

«—سوبارو، هذا مجرد هدر للوقت. توقّع الندم أو التعاطف أو أي مشاعر إنسانية من أمثالهم ضرب من العبث. هؤلاء مجرد مخلوقات من هذا النوع.»

«معذرة، إميليا. هل يمكن أن تتركيني وحدي قليلًا؟»

 

 

«ابتعدي عن بيتلجيوس الحبيب، أيتها الروح المتجسدة في هيئة امرأة!»

 

 

«انتظر، انتظر، انتظر، ماذا تقول؟ أنت تبحث عن أنستاشيا، أليس كذلك؟ الجميع هناك، لكنك لم تلاحظهم فقط. هذا ليس من عادتك أبدًا.»

تفجرت موجة من الغضب داخل سيريوس تجاه بياتريس، التي وقفت بجانب سوبارو، وحين التقت نظراتهما، تشبثت بياتريس بذراع سوبارو بقوة.

نبرة القلق في صوتها كانت دليلًا على أنها لاحظت الأمر نفسه الذي انتبه له سوبارو. أومأ إليها، ثم أفلت يد بياتريس وسار مبتعدًا.

 

 

«ياللأسف، لكن بيتي هي روح سوبارو، وهي هنا بناءً على طلبه. أما أنتِ، فمن الأفضل أن تتوقفي عن مناداته بالاسم الخطأ.»

قبِل سوبارو اعتذارها، وأظهرت بياتريس سخائها وهي تحذره بحنان. ثم التفتت إلى إميليا.

 

«—لقد ابتلعك، أليس كذلك؟»

«لا تفرطي في تقدير نفسك، أيتها الشقية. لا تتشبثي بذلك الرجل بعواطفك القذرة من طرف واحد. هل أبعث عمود نار ليشوي أحشاءك وأرميك  ل”أود لاغنا“؟»

 

 

لكن، مع ذلك، كان لتمسكهما بهذه اللحظات معنى. فالفرح والحزن اللذان شعر بهما الناس كانا حقيقيين.

«كلاكما، اهدئا. لا تبدأا القتال، وإلا سأغضب أنا أيضًا.»

 

 

«أوه، إذًا كنتَ هنا أيضًا، أوتو؟»

تدخلت إيميليا في اللحظة التي كانت فيها الأجواء مشحونة بين بياتريس وسيريس.

غنت الديفا من فوق مسرحٍ من الأنقاض.

 

 

بدا وكأن الجميع قد استشاطوا غضبًا فجأة. ربما كان ذلك بسبب قوة سيريس؟ كانت خطورة قدرتها الوحشية على التأثير في العواطف وتحريف العقول تزداد كلما طال تعرض الأشخاص لها.

 

 

 

«سوبارو، أظن أنه من الخطر حقًا التحدث معها…»

«لم يكن الأمر أنني أردت تلك الأشياء، ولا رغبة لي في فهم الأفكار الدنيئة للآخرين. السبب الذي جمعنا جميعًا في المدينة هو أن كتبنا قد أرشدتنا إلى ذلك.»

 

 

«—ومع ذلك، أرجوكِ. هذه ليست فرصة تتكرر كل يوم، أن يسقط طائفي بين أيدينا هكذا. يجب أن نستغل الفرصة ونسألها بينما يمكننا ذلك.»

ما زالت مستلقيةً على الأرض، أدارت سيريس عنقها لتنظر إلى سوبارو.

 

 

ربما لن يحصلوا على فرصة أخرى لاستجواب طائفي. وهذه ليست مجرد عضو طائفي عادي، بل كانت رئيسة أساقفة— وربما يستطيعون استخراج بعض المعلومات عن قوى الأساقفة الآخرين.

 

 

«—؟»

«… سأتدخل في اللحظة التي أعتقد فيها أن الأمر أصبح خطيرًا…»

 

 

أشاح ويلهيلم ببصره جانبًا، ثم واصل حديثه بصوت مبحوح:

قبلت إميليا طلب سوبارو وتراجعت خطوة إلى الوراء مع بياتريس.

 

 

كان هناك غضب مكبوت في صوته وهو يترك إميليا خلفه وينطلق لملاحقة جوليوس.

عاد سوبارو لينظر مجددًا إلى الوحش المربوط اليدين والقدمين على الكرسي.

«أود فعل ذلك. أعتقد أنها تستحق هذا على الأقل.»

 

هل استطاع أن يجد خاتمة للأمر؟ أم أن النهاية كانت مريعة بكل المقاييس؟

«كما أردتِ، أنا الذي أتحدث إليك الآن. يجب أن أحذركِ مسبقًا: جميع الطائفيين الآخرين إما ماتوا أو رحلوا منذ زمن بعيد؛ لذلك لا أحد سيأتي لإنقاذك.»

 

 

 

«لم أتوقع أبدًا أي مساعدة. أنتَ حقًا لطيف وأنت تقول شيئًا بديهيًا كهذا لإخفاء إحراجك.»

 

 

«… سأتدخل في اللحظة التي أعتقد فيها أن الأمر أصبح خطيرًا…»

على الرغم من قيودها، كانت سيريس في حالة من النشوة الآن بعد أن بدأ سوبارو حديثه معها.

«انتظر، انتظر، انتظر، ماذا تقول؟ أنت تبحث عن أنستاشيا، أليس كذلك؟ الجميع هناك، لكنك لم تلاحظهم فقط. هذا ليس من عادتك أبدًا.»

 

 

وقد اختارت على ما يبدو أن تتجاهل إميليا وبياتريس تمامًا، معتقدة أن ذلك كان جيدًا بما فيه الكفاية؛ لأنه يعني أن الاثنتين لم تكونا في خطر. فاستغل سوبارو الفرصة ليحاول انتزاع المعلومات منها.

«سأنتزعه منك— شكرًا، وعذرًا. رجاءً، اعتنِ بجسدك وقلبك حتى يحين ذلك اليوم.»

 

«آسف، آسف، كنتُ أمزح فحسب.»

«ماذا تعنين أنه من البديهي ألا يأتي أي مساعدة؟ السبب في فوزنا هو أنكم لا تملكون أي إحساس بالتعاون، لكن لا بد أن هناك حدًا لذلك، أليس كذلك؟»

«إن التهموك، لن يتذكرك أحد. سأكره أن يحدث ذلك. إن سنحت لك الفرصة، رجاءً اقتل الشراهة. إنهم مجرد إزعاج.»

 

 

كانت الدفاع الناجح عن بريستيلا قد اعتمد على حقيقة أن الأساقفة لم يعملوا معًا، وكان هذا هو السبب الفعلي لفوزهم. لكن كان هناك شيء لا يزال غير منطقي في الأمر.

 

 

«——»

«أنتِ والأساقفة الآخرون هاجمتم بريستيلا في نفس الوقت. هذا يجعل الأمر يبدو كما لو كنتم تعملون معًا، أليس كذلك؟ والمطالبات بكتاب الحكمة أو الروح الاصطناعية أو ما إلى ذلك…»

«—ومع ذلك، أرجوكِ. هذه ليست فرصة تتكرر كل يوم، أن يسقط طائفي بين أيدينا هكذا. يجب أن نستغل الفرصة ونسألها بينما يمكننا ذلك.»

 

«——»

«لم يكن الأمر أنني أردت تلك الأشياء، ولا رغبة لي في فهم الأفكار الدنيئة للآخرين. السبب الذي جمعنا جميعًا في المدينة هو أن كتبنا قد أرشدتنا إلى ذلك.»

 

 

 

«… كتبكم مرة أخرى؟»

هزَّ سوبارو كتفيه وردَّ بسخرية معتادة، لكنه أدرك، في منتصف حديثه، مدى سخافة ما قاله.

 

 

كان الجميع في هذا العالم يعتقد أن كتب الطائفة هي ما يقود الطائفيين إلى الضلال ويجعلهم يسيرون في طريق الشر. وكانت القصة تقول إنها نبؤات تقود صاحبها نحو المستقبل الذي يجب أن يسلكه، لكنها لم تكن كتبًا متفوقة على كل شيء، كما يظهر من مصير بيتلجيوس.

 

 

 

فهم سوبارو أكثر من أيِّ شخص آخر أنَّ معرفة المستقبل ليست كل شيء. كان هذا الإدراك مترسخًا في نفس سوبارو؛ لذلك لم يكن مفاجئًا له أن تكون تلك الكتب ناقصة. ومع ذلك—

 

 

 

«لماذا تتبعون أوامر تلك الكتب؟ ألأجل إحياء الساحرة… ساحرتكم العزيزة، ساحرة الغيرة؟»

شعر سوبارو أن هناك شيئًا مريبًا في نظرات الفارس الصامتة، لكن تعابيره لم تتغير.

 

 

«—أرجوك لا تسيء الفهم.»

 

 

 

«ماذا تقصدين؟»

رمق آل إميليا وبياتريس بنظرة متفاجئة. فتبادلت الاثنتان النظرات، ثم أومأت إميليا.

 

كان سوبارو قد سمع أن ميمي أصيبت إصابة بالغة أثناء حمايتها لغارفيل.

«أنتَ وحدك مَن أحب. لا أحد سواك. لا يهمني أمر الساحرة لا من قريب ولا من بعيد. كل ما أقوم به هو ما يتوجب عليَّ فعله للوصول إليك فحسب.»

لم يكن سوبارو واثقًا مما إذا كان يمزح ليخفي ارتباكه أم لا، لكن في كلتا الحالتين، كانت ابتسامة إميليا كافية لتبدد أي شعور قاتم يتسلل إلى قلبه.

 

 

لدهشة سوبارو، تلاشت بهجتها للحظة عند سؤاله، ليحلَّ محلها مزيج كثيف من المشاعر السوداوية، هوسٌ متغلغلٌ، وأوهام استحكمت في أعماقها على مر السنين—

«أعتذر… لا معنى لما فعلت، إنه مجرد تعلق عاطفي أحمق.»

 

كان آل هو الرسول الذي حمل المعلومات المهمة التي جمعتها إميليا بعد اختطافها على يد ريغولوس. حكَّ عنقه بإحراج حين تلقى الشكر المباشر بهذه الطريقة.

«الآخرون ليسوا مثلي ومثلك. إنهم مَنغمسون في شهواتهم الحقيرة، متشبثون بقواهم بدافع رغباتهم البغيضة. لا يجمعنا بهم شيء، نحن الذين لا نطلب سوى الحب— نحن مختلفون عنهم تمامًا.»

 

 

«مَن يدري؟ آسفة، لكنني لا أهتم بأي شيء سواك؛ لذا لا أملك إجابة.»

—كان الهدف المعلن لطائفة الساحرة هو إحياء ساحرة الغيرة.

كان إيقاعها مشوشًا، لحنًا شرسًا يعذب الآذان، كما لو أنه يسخر من مفهوم الموسيقى نفسه.

لم يكن لسوبارو أي سبب للشك في ذلك، بالنظر إلى أقوال وأفعال بيتلجيوس رومانيه كونتي، وما عرفه عن طقوس الطائفة وفظائعها. غير أنَّ كلماتها تلك زلزلت ذلك اليقين الذي كان راسخًا لديه.

 

 

 

«إذًا، ما هي أهداف رؤساء الأساقفة الآخرين؟ ما الغاية النهائية للطائفة؟»

 

 

 

«مَن يدري؟ آسفة، لكنني لا أهتم بأي شيء سواك؛ لذا لا أملك إجابة.»

 

 

 

«لا بدَّ أن لديكم مقرًّا تجتمعون فيه! لا بدَّ من وجود قائد أو شخص يُدير كلَّ هذا!»

 

 

 

«كلا، ليس هناك شيء من هذا القبيل، وأنتَ تعرف ذلك جيدًا.»

«لا أريد سماع هذا منك… لكن هذا هو القائد بحق. أثبتَّ أنك رجل حقيقي هذه المرة. أحسنت بإنقاذك للسيدة إيميليا.»

 

«حسنًا، سنرى إن كان ذلك اليوم سيأتي أم لا. بدون موهبة على مستوى باك، قد يكون من المستحيل تحقيق التوازن بين الجاذبية والفراء. عليك أن تبذل جهدك.»

أجابت سيريس متملصة، تخفي ابتسامتها الشيطانية خلف الضمادات التي تلف وجهها.

«ويلهيلم، هل هذا…؟»

 

«أوه، إذًا كنتَ هنا أيضًا، أوتو؟»

لم تحاول المراوغة، بل كانت على الأرجح تقول الحقيقة. لم تكن تعبأ بشيء سوى هوسها المرضي، لا تهتم بأي أحد، ولا تبصر إلا عالمها المقلوب الذي أعادت تشكيله وفقًا لرغباتها.

 

 

 

وهذا هو السبب الذي جعلهم يُصبحون رؤساء أساقفة—

 

 

خمس ثوانٍ… عشر ثوانٍ مرت.

«——»

 

 

 

امتلأ عقل سوبارو بالارتباك، وفي تلك اللحظة، دوى صوت سقوط الكرسي، وإذا بوجه سيريس يظهر على مقربة منه—

في كفها الصغيرة، تألقت بلورة خاصة تشع بضوء خافت— ذات الشيء الذي كان سبب مجيئهم إلى بريستيلا منذ البداية.

 

كما كان الحال من قبل، كان الناس لا يزالون يروحون ويجيئون، وكانت لقاءات الفرح تملأ الأجواء.

«آه—»

 

 

لقد كان الشخص الذي اعتادت المدينة على سماع صوته يوميًا، يحثُّهم عبر البثِّ على اللجوء إلى الملاجئ في حالات الطوارئ، لذا فإن كلماته ستصل إلى قلوبهم بسهولة.

«—لقد ابتلعك، أليس كذلك؟»

هزَّت بياتريس كتفيها بلا اكتراث وهي تتابع المشهد من بعيد. كانت ملاحظة لا تتناسب مع مظهرها الطفولي، لكن الشخص الذي تفاعل معها لم يكن سوى—

 

ارتعش جسد جوليوس بقوة، واتسعت عيناه الذهبيتان بذهول بينما استدار بصدمة نحو سوبارو.

انعقد حلقه وهو يحدق في عينيها القرمزيتين المتقدتين بجنون.

«سوبارو! ذلك كان…!»

 

 

كانت مُكبلة بالسلاسل حتى كاحليها، ومع ذلك، فقد مالت إلى الأمام مستندة بأطراف أظافرها على الأرض، لتُبقي نفسها متزنة وهي تضغط بجسدها على صدره.

يبدو أنني سأضطر إلى توخي الحذر إن استمر في تصرفاته المريبة—

 

حتى النهاية، لم يكن بينهما أي فهم متبادل أو انسجام.

«أن تبتلع روحُك الجسدَ الذي نويت الاستحواذ عليه، وتفقد حريتك بالكامل… لا يمكنك فعل شيء من دوني، أليس كذلك؟»

«شكرًا على كل شيء.»

 

 

رنَّ صوتها المفعم بالحرارة والاضطراب، فيما راحت تمرِّر لسانها ببطء على عنقه.

ألقى ويلهيلم نظرة إلى المعطف، وبقي صامتًا.

 

«حسنًا، سنرى إن كان ذلك اليوم سيأتي أم لا. بدون موهبة على مستوى باك، قد يكون من المستحيل تحقيق التوازن بين الجاذبية والفراء. عليك أن تبذل جهدك.»

ارتعد جسد سوبارو بأكمله من ملمسها الخشن الغريب، وتصاعد القيء إلى حلقه، بينما طغى لون قرمزي على رؤيته، وسرت موجة حارقة في أفكاره—

 

 

 

«—فن الجليد المتجمد!»

 

 

أعاد سوبارو ترتيب أولوياته، مستعيدًا هدفه الأصلي: التأكد من سلامة جميع رفاقه.

«غاه… هبغغ!»

استجمع شجاعته من وجودهما معه، ثم تنفس بعمق، ورفع يده ليقبض بقوة على المقبض.

 

كلُّ ما تبقى منه… كان كومةً من الأنقاض.

لم يستطع منع نفسه من محاولة تأكيد ما كان يُحفظ بعناية داخل ذلك المعطف المطوي بدقة.

 

 

ارتطمت مطرقة جليدية بجانب سيريس، مطيحةً بها إلى الحائط مع الكرسي الذي كانت مكبَّلةً عليه.

أما سوبارو، فشعر براحة كبيرة عندما رآها بهذه الحالة.

 

 

«لا تقومي بأي تصرفات غريبة! لستُ بارعةً جدًا في التحكم بهذه الأمور؛ لذا لا يمكنني التخفيف من قوتي كثيرًا!»

 

 

 

وجهت إيميليا تحذيرها إلى سيريس بعد أن وجهت لها ضربة قاسية دون رحمة.

 

 

«لكنكم لا تستطيعون التخلص مني بتهور أيضًا، أليس كذلك؟ شكرًا لكم، أعلم أنكم قلقون عليَّ. لكن للأسف، عطفكم الكريم لا حاجة لي به.»

في هذه الأثناء، دعمت بياتريس سوبارو الذي ترنح بفعل الصدمة، بينما ثبتت عينيها بحذر على رئيسة الأساقفة.

 

 

«لا تقلق.»

وحتى مع عدم تهاوننا للحظة، حدث هذا… سيريس مكبَّلة تمامًا ومحاصرة، ومع ذلك، لا يمكن احتواؤها. هذا دليل إضافي على مدى خطورتها.

 

 

 

رغم أن فظاعة سلطتها طغت على المشهد، إلا أن مهارات سيريس القتالية كانت من بين الأقوى حتى بين رؤساء الأساقفة.

 

 

 

للوهلة الأولى، ربما بدا ريغولوس الأقوى بفضل مناعته المطلقة، لكن في الحقيقة، كان الجشع الأقل تهديدًا بينهم لاعتماده الكامل على سلطته فقط. أما الآخرون، فقد كانوا أكثر صعوبة وخطورة من ريغولوس عندما يتعلق الأمر بالقوة التي لا تعتمد على سلطاتهم الخاصة.

 

 

 

«مواصلة الحديث معها لن تجلب سوى إضاعة الوقت، سوبارو. هذه المرأة ليست سوى تهديدٍ قائم.»

 

 

«لا، أعتذر. ليس سوى أمر تافه، فلا تعره اهتمامًا.»

هذه المرة، لم يستطع سوبارو تجاهل تحذير بياتريس.

— تعثرت ليلِيانا ماسكيريد في كلماتها.

 

«سوبارو! لا تركض بعيدًا بمفردك هكذا!»

فالمخاطر تفوق أي فائدة مرجوة، وسلطة سيريس مصممة على نحو مثالي للتلاعب بعقول الآخرين.

 

 

《٢》

كان من المؤسف عدم التمكن من انتزاع مزيد من المعلومات، لكن الاستمرار في التفاعل معها حمل خطرًا كبيرًا.

 

 

«أشك في أن طلبه كان بهذه اللطافة… إنه يزداد غموضًا يومًا بعد يوم.»

«——»

«مزاج بريسيلا لا يعنيني في شيء، لكننا لم نقتلها. مجرد سوء معاملةٍ للسجناء، لا أكثر. وكان لدينا سبب وجيه لذلك.»

 

صحيح أن الأمور لم تنتهِ على نحو مثالي، وأنه على الأرجح سيظل مثقلًا بالندم طوال حياته، لكن في نظر سوبارو، كان ويلهيلم قد فعل الشيء الصحيح.

«… لحظة…»

 

 

 

ازدرد سوبارو ريقه، عاقدًا العزم على الأخذ برأي بياتريس.

 

 

 

لهثت سيريس بأنفاسٍ متقطعة، ووجهها ملامسٌ للأرضية الباردة— لا، لم يكن الأمر كذلك.

 

 

كانت الإجابة متوقعة، لكن سوبارو ظل عاجزًا عن إيجاد الكلمات.

كانت تدندن.استلقت سيريس على الأرض تدندن بلحنٍ خافت.

 

 

 

«أوقفي هذا اللحن. ماذا تفعلين؟»

 

 

 

«——»

 

 

 

«قلتُ لكِ أوقفيه! هذا الغناء يُشعرني بصداعٍ فظيع!»

 

 

 

«أوه، آسفة؟ لكن الأغاني شيء جميل. لقد تعلمت ذلك مؤخرًا. الأغاني رائعة، لهذا شعرتُ بالرغبة في الغناء.»

 

 

 

«ليليانا…؟!»

على الرغم من قيودها، كانت سيريس في حالة من النشوة الآن بعد أن بدأ سوبارو حديثه معها.

 

 

لم يكن ثمة اعتراض على القول بأن الأغاني شيء رائع، لكن ذلك لا يعني أن أي أغنية تستحق الثناء. والأهم من ذلك، أن مشاعر سيريس الجوهرية تجاه الموسيقى كانت بعيدةً كل البعد عن مشاعر ليليانا.

 

 

«ومَن الذي طلب رأيك أصلًا؟! ثم إن حدث شيء، فلا تتردد في التدخل، أيها الأحمق!»

كانت المغنية تبث السعادة في قلوب الناس الذين تجمعوا بعدما خرجوا بحذر من الملاجئ، توحِّد مشاعرهم عبر لحنها العذب. تلك الأغنية الجميلة والثمينة لم تشبه بأي حال الأصوات الملتوية، المقشعرة للأبدان، التي تصدر عن سيريس.

إلى جانبه، وضعت إميليا يدها برفق على يده.

 

 

«لا تقارني موسيقاكِ بموسيقاها. مهما كان ما تفعلينه، فهو شيء مختلف تمامًا.»

 

 

 

«—يمكنني قول الشيء ذاته عنك. أنتَ مختلف… مختلف جوهريًا عن الرجل الذي أحبه. شبيه به… ومع ذلك مختلف.»

 

 

 

«ماذا؟»

 

 

«أنت تفهم، أليس كذلك؟» قهقهت بصوت متشقق. «في قلب كل شخص تقيم أفكار الآخرين، والرغبة في أن يكون محبوبًا. وطالما أن هذا صحيح، فمن المستحيل على أي شخص أن ينكرني. حتى تلك الفتاة المتغطرسة.»

«بيتلجيوس بداخلك. الروح تمتزج بالروح. الجسد ينصهر مع الجسد. سيستغرق الأمر وقتًا قبل أن يصعد ذلك الرجل الرائع إلى السطح. وما ينبغي عليَّ فعله هو تسريع تلك العملية… أن أراقب وأنتظر عن كثب حتى تحين لحظة استيقاظه.»

《٦》

 

«أوه، مرحبًا أيها السيد! عدت أخيرًا! يبدو أن الأمور كانت مجنونة تمامًا بينما كانت ميمي نائمة! شكرًا لك! لقد نامت ميمي بعمق، وهي بخير الآن تمامًا!»

ما زالت مستلقيةً على الأرض، أدارت سيريس عنقها لتنظر إلى سوبارو.

ابتلع سوبارو ريقه، فقد رأى على وجه جوليوس تعبيرًا لم يره عليه من قبل.

 

 

في عينيها تلاطمت عاصفةٌ من المشاعر، مزيجٌ من الغضب والفرح والحزن، وتوقٌ جارفٌ لا سبيل إلى إخفائه.

 

 

 

«سأنتزعه منك— شكرًا، وعذرًا. رجاءً، اعتنِ بجسدك وقلبك حتى يحين ذلك اليوم.»

 

 

 

في كلماتها، كان ثمة عاطفة صادقة واهتمام حقيقي تجاه سوبارو.

 

 

لقد أعاد صوت الديفا إليهنَّ الدموع التي كانت قد جرت عندما تحررنَّ من الجليد.

أدركت سيريس أنه وبيتلجيوس مختلفان، لكنها رغم ذلك أعادت تشكيل الواقع وفقًا لهوسها المنحرف، مقتنعةً بأن بيتلجيوس نائم داخل جسد سوبارو، وأنها ستكون هناك لاستقباله حين يستيقظ.

 

 

«هذا ليس عيبًا على الإطلاق. لقد أصبتَ لأنك كنتَ تقاتل بشجاعة، أليس كذلك؟ القتال ليس من مسؤولياتك في الأساس، لذا، أنا سعيد لأن الأمر لم يكن أسوأ من ذلك.»

«تحذيرٌ أخير— احذر من الشراهة. الذوَّاق، آكل الغريب، وحتى النهم، سيحاولون جميعًا سرقتك.»

 

 

«—سوبارو، هذا مجرد هدر للوقت. توقّع الندم أو التعاطف أو أي مشاعر إنسانية من أمثالهم ضرب من العبث. هؤلاء مجرد مخلوقات من هذا النوع.»

«… الشراهة؟»

بعد انتهاء معركتهما، عادت بريسيلا وليليانا ومعهما رئيسة الأساقفة حية.

 

كان هناك كثيرون يهرعون داخل المستشفى الميداني الذي تحول إليه الملجأ، وسكانٌ يبحثون بين الحشود عن عائلاتهم وأصدقائهم بعدما زال الخطر أخيرًا.

«إن التهموك، لن يتذكرك أحد. سأكره أن يحدث ذلك. إن سنحت لك الفرصة، رجاءً اقتل الشراهة. إنهم مجرد إزعاج.»

 

 

 

ظلت سيريس ممددةً على الأرض، تبتسم لسوبارو بتلك الابتسامة الملتوية بفعل حبها المعذب، تراقبه وهو يبتعد.

 

 

ازدرد سوبارو ريقه، عاقدًا العزم على الأخذ برأي بياتريس.

حتى النهاية، لم يكن بينهما أي فهم متبادل أو انسجام.

 

 

 

في تلك اللحظة، كان قد ترسخ في قلبه تمامًا أن هذا هو جوهر رؤساء الأساقفة.

كان من المفترض أن تكون ملكًا لكيريتاكا ميوز ومخزَّنة في شركته، لكن بعد تدمير المبنى، صار من الصعب استعادتها.

 

 

«——»

رؤية ويلهيلم بهذه الهيئة، بابتسامة خافتة على شفتيه، بعثت في قلب سوبارو شيئًا من الطمأنينة.

 

لطالما ردَّ عليه جوليوس بالسخرية والتعليقات اللاذعة، لكنه لم يسبق له أن تجاهله بهذا الشكل الصريح.

وظلت سيريس تدندن لحنها الملتوي حتى اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلفهم بعنف.

كان الهواء مشحونًا، وبدأت قشعريرة باردة تتسلل إلى جسده— رئيسة الأساقفة كانت خلف الباب المعدني الأخير مباشرة.

 

 

كان إيقاعها مشوشًا، لحنًا شرسًا يعذب الآذان، كما لو أنه يسخر من مفهوم الموسيقى نفسه.

هل استطاع أن يجد خاتمة للأمر؟ أم أن النهاية كانت مريعة بكل المقاييس؟

 

«إذا أمكنك، أرجوك، زو…»

—استمرت تلك المسخ في ترديد لعنتها الجديدة، نغمةً مضطربةً من الجنون.

 

 

على الأقل، تمكنوا من تجنُّب السيناريو الكارثي حيث تُفتَح بوابات الفيضان وتُغرَق المدينة بأكملها. القلق الوحيد الذي شغل باله الآن هو أنه تعرَّف على الصوت الذي تحدث في البثِّ، وإن لم يكن مخطئًا، فقد كان صوت كيريتاكا ميوز، الذي عُدَّ في عداد المفقودين.

٥

 

 

 

«كيف كان الأمر؟ لم تجنِ منه سوى مزاجٍ سيئ، أليس كذلك؟»

 

 

«أجل، أنتِ تبالغين يا إميليا تان.»

رفع آل كتفيه بلا مبالاة بينما كانوا يخرجون من محادثتهم مع سيريس.

«ومَن الذي طلب رأيك أصلًا؟! ثم إن حدث شيء، فلا تتردد في التدخل، أيها الأحمق!»

 

«أوه، غارفيل… انتظر، هل أنتَ بخير؟!»

في الحقيقة، كان تحذيره في محله. فمجرد الحديث معها استنزف سوبارو إلى حدٍّ مريع. لكنهم، رغم كل شيء، لم يخرجوا من هناك صفر اليدين.

 

 

 

«لا تظن أننا خرجنا خالي الوفاض. سأخبرك أننا حصلنا على شيء بالفعل.»

 

 

«أنتِ الوحيدة التي تفهم معنى أن يكون المرء مستشارًا، يا سيدة إميليا…»

«أوه؟ هل تقول إنك استخرجت شيئًا من رئيسة أساقفة؟ جدِّيًا؟»

 

 

فكَّر بالأمر أثناء معركتهم مع الحوت الأبيض، ثم عاد ليراه في هذا اللقاء الحزين. لقد كان القدر قاسيًا على ويلهيلم، لكنه رغم ذلك، قاومه واستمر في حبه، متمسكًا به حتى النهاية، حتى بلغ هدفه أخيرًا.

رمق آل إميليا وبياتريس بنظرة متفاجئة. فتبادلت الاثنتان النظرات، ثم أومأت إميليا.

 

 

كانت الدفاع الناجح عن بريستيلا قد اعتمد على حقيقة أن الأساقفة لم يعملوا معًا، وكان هذا هو السبب الفعلي لفوزهم. لكن كان هناك شيء لا يزال غير منطقي في الأمر.

«نعم. كاد الوضع أن يصبح خطيرًا؛ لذا كنتُ… حازمةً بعض الشيء، فحسب.»

 

 

 

«آاه، إذًا ذلك الاصطدام المدوي الذي سمعته… لم تقتليها، صحيح؟ لا أقول إن الأمر يهمني، لكن لا يمكنني أن أضمن أن الأميرة لن تبالي.»

إلى جانبه، وضعت إميليا يدها برفق على يده.

 

 

«مزاج بريسيلا لا يعنيني في شيء، لكننا لم نقتلها. مجرد سوء معاملةٍ للسجناء، لا أكثر. وكان لدينا سبب وجيه لذلك.»

 

 

«إذًا، ما هي أهداف رؤساء الأساقفة الآخرين؟ ما الغاية النهائية للطائفة؟»

عقَّب سوبارو بردٍّ متردد، بينما بدا على إميليا الندم الصادق.

«لماذا الدهشة…؟ آه، نعم، شعري أصبح مختلفًا قليلًا، أليس كذلك؟»

 

 

لم يكن سوبارو متأكدًا مما يُعد معاملةً مقبولة للسجناء في هذا العالم، لكن الحقيقة أن إميليا قد أطاحت بسيريس وهي لا تزال مكبلة إلى الكرسي. بل إنهم تركوها هناك ملقاة على الأرض، ما قد يُعتبر إساءة معاملة أيضًا.

 

 

 

«في جميع الأحوال، إن كان كل ما جنيناه هو مزاج سيِّئ، فهذا أفضل ما يمكن أن نرجوه. ربما أنت ببساطة على نفس الموجة معهم، يا أخي.»

 

 

 

«لا تقل شيئًا مرعبًا كهذا… أنا مكتفٍ تمامًا بأن أكون على نفس الموجة مع بيكو، أليس كذلك؟»

كانت تدندن.استلقت سيريس على الأرض تدندن بلحنٍ خافت.

 

علَّقت إميليا مبتسمة وهي تراقب الاثنين يختفيان عن الأنظار.

هزَّ سوبارو رأسه مستنكرًا تعليق آل، ثم ربت على رأس بياتريس متوقعًا منها ردًا حيويًا كعادتها، لكن—

 

 

أشاح ويلهيلم ببصره جانبًا، ثم واصل حديثه بصوت مبحوح:

«بيكو؟»

ثم—

 

 

«… سوبارو، لقد انتهى دورنا هنا. لنرحل.»

«إيه؟»

 

لأن—

— بياتريس أمسكت كمه بلطافة، على وجهها تعبير جامد.

فهم سوبارو أكثر من أيِّ شخص آخر أنَّ معرفة المستقبل ليست كل شيء. كان هذا الإدراك مترسخًا في نفس سوبارو؛ لذلك لم يكن مفاجئًا له أن تكون تلك الكتب ناقصة. ومع ذلك—

 

ابتسمت إميليا برقة، بينما بدت بياتريس غير مبالية تمامًا. أما غارفيل، فقد اتخذت عينيه نظرة ماكرة وهو يعض على أنيابه بمرح.

تملَّكه الشك تجاه رد فعلها ذاك، لكنه أومأ موافقًا.

 

 

 

«إذًا، لنعد ونجتمع بالبقية. ماذا عنك، آل؟»

 

 

ابتسم سوبارو بتحدٍ، ثم مدَّ قبضته نحو غارفيل، الذي قابلها بقبضته هو الآخر. ليس هناك حاجة لمزيد من الكلمات— كانت هذه طريقتهما الخاصة في تبادل التقدير بعد معركة قاسية.

«سأعتذر عن مرافقتكم. لا بدَّ أن يبقى أحدهم لمراقبة رئيسة الأساقفة، صحيح؟ ليس أن وجودي سيفيد في النقاش بشيء؛ لذا سألتزم بدوري كخادمٍ مخلص.»

«… سأتدخل في اللحظة التي أعتقد فيها أن الأمر أصبح خطيرًا…»

 

لقد أعاد صوت الديفا إليهنَّ الدموع التي كانت قد جرت عندما تحررنَّ من الجليد.

جلس آل بوضعية مريحة، متربعًا على الأرض.

 

 

 

وبينما كانت إميليا تراقبه، قبضت يديها بإحكام أمام صدرها.

رفع آل كتفيه بلا مبالاة بينما كانوا يخرجون من محادثتهم مع سيريس.

 

«أمم— هل تمكنتَ من…؟»

«في هذه الحالة، كن حذرًا يا آل. إنها مهمة مهــمَّة جــــدًا؛ لذا شكرًا لاعتنائك بها.»

ابتسم سوبارو قائلًا: «أجل، إنهما يشكلان ثنائيًا رائعًا.»

 

 

«أجل، أجل، سأبذل جهدي— الأهم أنكما خرجتما سالمين، آنسة.»

لكن، وقبل أن يتلاشى، ارتفع ليكشف عن وجهه المرعب مع اقترابهم أكثر من الموقع. كان يفترض أن يظهر المبنى بوضوح من بعيد… لكنه لم يكن هناك.

 

«نعم، ويلهيلم؟»

بهذا التبادل الأخير، تركوه لمراقبة سجن سيريس.

 

 

«شكرًا على كل شيء.»

وما إن غادروا الممر وابتعدت أنظارهم عن آل—

 

 

 

«ما كان ذلك يا بيكو؟ يبدو أنكِ حقًا تكرهين آل.»

استشعرت التوتر الغريب الذي يخيم على الجو، وظهر ارتجاف طفيف في رموشها. ومن رد فعلها -لا سيما الطريقة التي نظرت بها إلى جوليوس- انتاب سوبارو إحساس عميق بالغرق.

 

 

«… ليس الأمر كذلك على الإطلاق. مجرد سوء فهم منك، على ما أظن.»

«سأعتذر عن مرافقتكم. لا بدَّ أن يبقى أحدهم لمراقبة رئيسة الأساقفة، صحيح؟ ليس أن وجودي سيفيد في النقاش بشيء؛ لذا سألتزم بدوري كخادمٍ مخلص.»

 

قبل أن يتمكن سوبارو من التعليق على الأمر، تراجع آل عن طريقهم قائلًا: «رئيسة الأساقفة في الداخل. مقيدة تمامًا؛ لذا لا داعي لكل هذا التوتر… لكن لديَّ تحذير لكم.»

«لا، لن تتهربين بهذه السهولة. لستُ إميليا-تان.»

تنهَّد آل وكأن ضربة غير مرئية أصابته في مقتل إثر تعليق إيميليا البريء.

 

استجمع شجاعته من وجودهما معه، ثم تنفس بعمق، ورفع يده ليقبض بقوة على المقبض.

«هاه؟ ماذا يعني ذلك؟»

«همم، يبدو أنه لم يصب أي منكما بجروح خطيرة. قلقت بيتي جدًا عندما تأخرت في العودة. لو كنت قد أصبتَ بأذى شديد بينما لم تكن بيتي موجودة، لما استطعت الذهاب إلى المرحاض دون مرافق لفترة طويلة.»

 

وصل العديد من سكان المدينة إلى المكان بعدما سمعوا البث.

بياتريس، التي لا تزال تمسك بيده، أشاحت ببصرها متظاهرةً بالجهل، بينما أمالت إميليا رأسها باستغراب من تعليق سوبارو.

كان سوبارو واثقًا من أن كلماته كانت مجازية.

 

《٤》

«هل حدث شيء بينكِ وبين آل؟ … هل له علاقة باستيقاظكِ؟»

ارتعد جسد سوبارو بأكمله من ملمسها الخشن الغريب، وتصاعد القيء إلى حلقه، بينما طغى لون قرمزي على رؤيته، وسرت موجة حارقة في أفكاره—

 

 

«… دائمًا في أسوأ الأوقات. فتاةٌ شديدة الملاحظة أمرٌ في غاية الخطورة.»

«الجميع عادوا سالمين— لقد انتصرنا دون أن نخسر أحدًا.»

 

لقد كان الشخص الذي اعتادت المدينة على سماع صوته يوميًا، يحثُّهم عبر البثِّ على اللجوء إلى الملاجئ في حالات الطوارئ، لذا فإن كلماته ستصل إلى قلوبهم بسهولة.

«إذًا هذا يعني أنها على حق؟ هل فعل آل شيئًا ساعدكِ على النهوض مجددًا، بيكو؟»

 

 

همس بصوت مبحوح، بالكاد مسموع.

بملامح متجهمة، اضطرت بياتريس إلى الإيماء بالإيجاب على تساؤلهما. ثم أدخلت يدها في عباءتها، وأخرجت شيئًا لتريهما إياه.

«إن كررت ذلك، فسوف تلقى عقابًا لا يخطر لك على بال.»

 

 

«هذا…»

 

 

 

«البلورات التي أتينا إلى بريستيلا من أجلها— لقد أحضرها بنفسه.»

 

و—

في كفها الصغيرة، تألقت بلورة خاصة تشع بضوء خافت— ذات الشيء الذي كان سبب مجيئهم إلى بريستيلا منذ البداية.

 

 

 

كان من المفترض أن تكون ملكًا لكيريتاكا ميوز ومخزَّنة في شركته، لكن بعد تدمير المبنى، صار من الصعب استعادتها.

 

 

من خلال منظورها المنحرف، فسَّرت سيريوس نبرة الثقة في صوت سوبارو على أنها اهتمام منه بها.

«لكن آل هو مَن استخرجها؟ كيف؟»

ما زالت مستلقيةً على الأرض، أدارت سيريس عنقها لتنظر إلى سوبارو.

 

 

«— بيتي لا تعلم. وقيل لها ألا تسأل أيضًا.»

 

 

 

«قيل لكِ؟ من آل؟ طلب منكِ ألا تسأليه بلطفٍ مبالغ فيه؟»

 

 

 

«أشك في أن طلبه كان بهذه اللطافة… إنه يزداد غموضًا يومًا بعد يوم.»

 

 

 

كانت أفكار إميليا إيجابية، لكن شكوك سوبارو تركزت حول مدى غموض أفعال آل طوال هذه الأحداث—

 

 

حاول التظاهر بعدم الاكتراث كعادته، لكنه فهم ما قصدته. في الواقع، كان سوبارو قد لاحظ ذلك في نفسه أيضًا.

بصراحة، ما كان يقوم به آل خلف الكواليس في بريستيلا… تجاوز الحد كثيرًا.

 

 

بدأ الزمن في التدفق مرة أخرى، وبدأ الحشد بالتصفيق. كان التصفيق مدويًا، مديحًا للديفا المباركة من قبل الهة الغناء.

يبدو أنني سأضطر إلى توخي الحذر إن استمر في تصرفاته المريبة—

«عجبًا… هذا يبعث على الاطمئنان أكثر من أن يخوضها وحده.»

 

كان الهواء مشحونًا، وبدأت قشعريرة باردة تتسلل إلى جسده— رئيسة الأساقفة كانت خلف الباب المعدني الأخير مباشرة.

«لكنني لا أعتقد أن آل شخصٌ سيئ.»

«سوبارو! لا تركض بعيدًا بمفردك هكذا!»

 

«—ماذا؟! هذا غير صحيح إطلاقًا!»

وضعت إميليا إصبعها على شفتيها، محطمةً التوتر الذي غلف سوبارو وبياتريس.

 

 

 

زمَّت بياتريس شفتيها في إحباط.

همست إميليا بقلق عندما رأته متجمدًا في مكانه وهو يحملق في الباب.

 

 

«قول شيءٍ كهذا بلا دليل أمرٌ مبالغ فيه. لا يمكن إنكار أنه أيقظ بيتي باستخدام البلورة، وقام بالكثير من الأمور المريبة…»

في الحقيقة، كان تحذيره في محله. فمجرد الحديث معها استنزف سوبارو إلى حدٍّ مريع. لكنهم، رغم كل شيء، لم يخرجوا من هناك صفر اليدين.

 

 

«لكن بفضله تمكنتِ من الاستيقاظ، وتم إنقاذ أوتو وفيلت، أليس كذلك؟ بل إنه وجد البلورات التي كنَّا بأمسِّ الحاجة إليها.»

 

 

 

«مغغغ. على ما أظن.»

 

 

 

كلمات بياتريس تلاشت تدريجيًا، مغلوبةً أمام إيمان إميليا الراسخ بخير البشر الفطري. وفي الواقع، كانت حجتها مقنعة بطريقتها الخاصة.

 

 

 

أفعال آل كانت غامضة بلا شك. لكن سوبارو لم يستشعر منه أي عداء مباشر تجاههم.

بملامح متجهمة، اضطرت بياتريس إلى الإيماء بالإيجاب على تساؤلهما. ثم أدخلت يدها في عباءتها، وأخرجت شيئًا لتريهما إياه.

 

«—ماذا؟! هذا غير صحيح إطلاقًا!»

بل على العكس، كل قراراته صبت في صالحهم.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

ليس هناك أدنى شك في أنه كان أحد الأفراد الرئيسيين الذين ساهموا على نحوٍ كبير في المعركة من أجل بريستيلا.

 

 

«… كتبكم مرة أخرى؟»

«علينا تأكيد أمر هذه البلورة مع كيريتاكا لاحقًا. ثم يمكننا مناقشة المفاوضات مجددًا وإقناعه بمقايضتها لنا.»

 

 

 

«… مع أنه لن يعرف أبدًا إن أخذناها فحسب.»

«—ومع ذلك، أرجوكِ. هذه ليست فرصة تتكرر كل يوم، أن يسقط طائفي بين أيدينا هكذا. يجب أن نستغل الفرصة ونسألها بينما يمكننا ذلك.»

 

«يبدو أن الجميع بخير إذا كنتما في هذا القدر من الاسترخاء…»

تمتمت بياتريس عند سماع كلمات إميليا، لكنها لم تعترض بقوة. من هذه الناحية، كانتا كلاهما شخصيتين طيبتين بالفطرة، تثقان بالآخرين بسهولة. كانت لحظة دافئة تبعث على الارتياح.

 

 

 

على أي حال، قرروا تأجيل التعامل مع آل مؤقتًا والتفاوض مباشرةً مع كيريتاكا بشأن البلورات. وبمجرد تسوية هذا الأمر، عادوا إلى الملجأ.

 

 

 

أعاد سوبارو ترتيب أولوياته، مستعيدًا هدفه الأصلي: التأكد من سلامة جميع رفاقه.

«علينا تأكيد أمر هذه البلورة مع كيريتاكا لاحقًا. ثم يمكننا مناقشة المفاوضات مجددًا وإقناعه بمقايضتها لنا.»

 

لهذا، ليس هناك شك في أنه قال كل ما أراد قوله في تلك اللحظات الأخيرة.

«——»

فالمخاطر تفوق أي فائدة مرجوة، وسلطة سيريس مصممة على نحو مثالي للتلاعب بعقول الآخرين.

 

 

بينما كان يتلفت حوله، وقعت عيناه على شخص بارز وسط الموجودين في الملجأ.

قهقهت ميمي وهي تستمتع بجلوسها فوق غارفيل، بينما كان الأخير يئن.

 

مع آخر تبادل للمزاح، تابعوا طريقهم عبر الممر، بينما ظل آل يراقبهم بصمت. كلما اقتربوا من الباب المعدني المغلق بإحكام، ازدادت تلك الهالة الغامضة والمرعبة التي كانت تتلوى حول أجسادهم كأنها تحاول صدَّهم.

كان هناك كثيرون يهرعون داخل المستشفى الميداني الذي تحول إليه الملجأ، وسكانٌ يبحثون بين الحشود عن عائلاتهم وأصدقائهم بعدما زال الخطر أخيرًا.

 

 

 

— لكن وسط كل تلك الفوضى، برزت هالة الكآبة التي أحاطت بشيطان السيف كأنها جرح نازف في مشهد مضطرب.

كان سوبارو واثقًا من أن كلماته كانت مجازية.

 

 

«سوبارو.»

 

 

 

«معذرة، إميليا. هل يمكن أن تتركيني وحدي قليلًا؟»

«——»

 

 

نبرة القلق في صوتها كانت دليلًا على أنها لاحظت الأمر نفسه الذي انتبه له سوبارو. أومأ إليها، ثم أفلت يد بياتريس وسار مبتعدًا.

«… سأتدخل في اللحظة التي أعتقد فيها أن الأمر أصبح خطيرًا…»

 

 

بدا شيطان السيف منفصلًا عن العالم من حوله، منغلقًا على ذاته، يصعب الاقتراب منه.

 

 

 

و—

《١》

 

 

«—السيد سوبارو؟»

 

 

 

«… ويلهيلم.»

«إيه؟»

 

«لم أظن أنك كنت مخطئًا حينها، عندما قاتلت الحوت الأبيض، ولا أظنك مخطئًا الآن. أنا أحترمك وأراك شخصًا رائعًا، ويلهيلم. لا يوجد أي خطأ في أن تهتم بمَن هم أعزَّ الناس إليك. هذا ليس أمرًا مخجلًا على الإطلاق، وأرى أن اعتبار الأمر عارًا هو التفكير الخاطئ تمامًا.»

بينما كان سوبارو مترددًا، غير متيقن مما ينبغي قوله، لاحظ ويلهيلم اقترابه.

 

 

كان عاري الصدر، لكن جسده كان مليئًا بالكدمات السوداء والزرقاء، دليلًا على المعركة الشرسة التي خاضها. ومع ذلك، وجهه لم يحمل أي أثر للألم أو الضعف، بل كان مشعًا بثقة من التغلب على خصمه.

تلاقت أعينهما، زرقاوان هادئتان تنظران إليه، سكونٌ غريب خيم عليهما. في تلك اللحظة، استشعر سوبارو الإجابة عن السؤال الذي أراد طرحه.

 

 

«لا تفرطي في تقدير نفسك، أيتها الشقية. لا تتشبثي بذلك الرجل بعواطفك القذرة من طرف واحد. هل أبعث عمود نار ليشوي أحشاءك وأرميك  ل”أود لاغنا“؟»

كان جسد ويلهيلم مغطًى بالجراح، دليلًا على معركة حقيقية حتى الموت.

 

 

 

بعد أن نزع معطفه، ظهرت جروحٌ متفرقة على جسده، وشعره الأبيض، الذي ربطه عادةً للخلف، انسدل هذه المرة على ظهره. أما الجرح الأعمق، ذلك الثقب في ساقه، فكان ليكون قاتلًا لولا تلقيه العلاج في الوقت المناسب.

«— بيتي لا تعلم. وقيل لها ألا تسأل أيضًا.»

 

 

لكن أكثر ما لفت انتباه سوبارو لم يكن الإصابات، بل ذلك المعطف عند جانب ويلهيلم، الذي بدا وكأنه يلف شيئًا بعناية.

 

 

ليس هناك أدنى شك في أنه كان أحد الأفراد الرئيسيين الذين ساهموا على نحوٍ كبير في المعركة من أجل بريستيلا.

«ويلهيلم، هل هذا…؟»

 

 

الأميرات الملكيات، الفرسان، وكل مَن انضمَّ إليهم لاستعادة المدينة من أيدي الأساقفة الآثمين— كان قد عقد العزم على تحمُّل العذاب والألم مرارًا وتكرارًا، فقط كي لا يفقد أحدًا منهم.

لم يستطع منع نفسه من محاولة تأكيد ما كان يُحفظ بعناية داخل ذلك المعطف المطوي بدقة.

 

 

 

ألقى ويلهيلم نظرة إلى المعطف، وبقي صامتًا.

《٣》

 

 

خمس ثوانٍ… عشر ثوانٍ مرت.

 

 

 

«… كما خمنت، إنها زوجتي.»

 

 

«كما أردتِ، أنا الذي أتحدث إليك الآن. يجب أن أحذركِ مسبقًا: جميع الطائفيين الآخرين إما ماتوا أو رحلوا منذ زمن بعيد؛ لذلك لا أحد سيأتي لإنقاذك.»

«—آه.»

«توقفي عن الجلوس فوق الناس هكذا…»

 

«آسف، أنا بخير— هيا بنا.»

كانت الإجابة متوقعة، لكن سوبارو ظل عاجزًا عن إيجاد الكلمات.

 

 

 

أشاح ويلهيلم ببصره جانبًا، ثم واصل حديثه بصوت مبحوح:

«… لحظة…»

 

 

«تحوَّل الجسد إلى رماد. شعرت أنه من القسوة أن أتركه مكشوفًا للريح هكذا. قد يكون تصرفًا مخجلًا، لكنني جمعت الرماد في معطفي وأعدته معي… حتى لو كان مجرد رماد، أردت أن أدفنها في مقبرة عائلتها وأقيم لها تأبينًا يليق بها.»

في عينيه الزرقاوين، اجتاحت مشاعر طاغية مشحونة بعاصفة من الأحاسيس—

 

كان إيقاعها مشوشًا، لحنًا شرسًا يعذب الآذان، كما لو أنه يسخر من مفهوم الموسيقى نفسه.

لقد أُعيد الجسد من جديد في تحدٍ لقوانين الطبيعة، ولا شك أن قسوة ذلك المصير كانت من الصعب تحملها. التفكير في مشاعر من تركتهم خلفها، في مشاعر ويلهيلم تحديدًا، جعل سوبارو غير قادر حتى على تخيل مدى فداحة الألم الذي تحمله.

 

 

 

«أعتذر… لا معنى لما فعلت، إنه مجرد تعلق عاطفي أحمق.»

جوليوس. أحد الأشخاص الذين رغب سوبارو في الاطمئنان عليهم قد ظهر أخيرًا.

 

 

«—ماذا؟! هذا غير صحيح إطلاقًا!»

«أفهم ذلك… قد يكون من البديهي قول هذا، لكنه حقًا قوي.»

 

 

رفع سوبارو صوته فجأة عندما سمع نبرة اللوم في صوت ويلهيلم. شعر بالحرارة تتصاعد داخله بينما كان ينظر مباشرة إلى الرجل العجوز، الذي بدا متفاجئًا بردة الفعل المتحمسة.

بدا وكأن الجميع قد استشاطوا غضبًا فجأة. ربما كان ذلك بسبب قوة سيريس؟ كانت خطورة قدرتها الوحشية على التأثير في العواطف وتحريف العقول تزداد كلما طال تعرض الأشخاص لها.

 

 

«لم أظن أنك كنت مخطئًا حينها، عندما قاتلت الحوت الأبيض، ولا أظنك مخطئًا الآن. أنا أحترمك وأراك شخصًا رائعًا، ويلهيلم. لا يوجد أي خطأ في أن تهتم بمَن هم أعزَّ الناس إليك. هذا ليس أمرًا مخجلًا على الإطلاق، وأرى أن اعتبار الأمر عارًا هو التفكير الخاطئ تمامًا.»

«أن تبتلع روحُك الجسدَ الذي نويت الاستحواذ عليه، وتفقد حريتك بالكامل… لا يمكنك فعل شيء من دوني، أليس كذلك؟»

 

 

«السيد سوبارو…»

 

 

 

«أنتَ رجل عظيم. لا يوجد شيء خاطئ في رغبتك في منح زوجتك دفنًا لائقًا وإقامة تأبين لها. لا أستطيع شرح ذلك جيدًا، لكنني أرى أنك شخص صالح.»

 

 

كان صوت سوبارو جافًا كما ذكر ما سمعه من بياتريس.

كانت هذه مشاعر سوبارو الصادقة، نابعة من أعماق قلبه.

 

 

«—يمكنني قول الشيء ذاته عنك. أنتَ مختلف… مختلف جوهريًا عن الرجل الذي أحبه. شبيه به… ومع ذلك مختلف.»

فكَّر بالأمر أثناء معركتهم مع الحوت الأبيض، ثم عاد ليراه في هذا اللقاء الحزين. لقد كان القدر قاسيًا على ويلهيلم، لكنه رغم ذلك، قاومه واستمر في حبه، متمسكًا به حتى النهاية، حتى بلغ هدفه أخيرًا.

حملها إلى بر الأمان، لكنه أصيب بصدمة شديدة عندما اكتشف أن جرحها لا يمكن شفاؤه بسهولة. لذا، لا بد أن رؤيتها الآن تعود إلى طبيعتها المرحة قد جلب له الراحة.

 

 

صحيح أن الأمور لم تنتهِ على نحو مثالي، وأنه على الأرجح سيظل مثقلًا بالندم طوال حياته، لكن في نظر سوبارو، كان ويلهيلم قد فعل الشيء الصحيح.

 

 

 

لقد أحب زوجته بكل كيانه، ولم يكن في ذلك أي خطأ.

—استمرت تلك المسخ في ترديد لعنتها الجديدة، نغمةً مضطربةً من الجنون.

 

 

«هذا ليس أمرًا مخزيًا على الإطلاق. رجاءً، أقم لها التأبين الذي تستحقه. وإذا سنحت الفرصة، ولم يكن ذلك إزعاجًا لك، فهل تسمح لي بزيارة قبرها لأقدم احترامي لها؟»

 

 

 

«——»

 

 

«هذا ليس عيبًا على الإطلاق. لقد أصبتَ لأنك كنتَ تقاتل بشجاعة، أليس كذلك؟ القتال ليس من مسؤولياتك في الأساس، لذا، أنا سعيد لأن الأمر لم يكن أسوأ من ذلك.»

«أود فعل ذلك. أعتقد أنها تستحق هذا على الأقل.»

ومع ذلك، إن وُجدت لحظة قد يختار فيها الموت بإرادته، فستكون عندما يجد نتيجةً لا يستطيع تقبُّلها.

 

 

شعر سوبارو بشيء من الحرج بسبب كلماته العاطفية التي خرجت بعفوية. لم يكن هناك رابط حقيقي يربطه بها، وكان من حق ويلهيلم تمامًا أن يرفض مثل هذا الطلب الذاتي.

لكن قبل أن يذهب، كان هناك شيء أخير شعر أنه بحاجة إلى التأكد منه.

 

 

لكن ملامح ويلهيلم ارتخت فجأة. بدت في تعابيره فجوة صغيرة وسط التوتر الذي غطى وجهه.

 

 

«—ومع ذلك، أرجوكِ. هذه ليست فرصة تتكرر كل يوم، أن يسقط طائفي بين أيدينا هكذا. يجب أن نستغل الفرصة ونسألها بينما يمكننا ذلك.»

ثم—

«أعتذر… لا معنى لما فعلت، إنه مجرد تعلق عاطفي أحمق.»

 

 

«… نعم، رجاءً، افعل ذلك يا سيد سوبارو. أود أيضًا أن تقول لها شيئًا. لو كان منك أنت…»

«سوبارو! ذلك كان…!»

 

«هذا ليس عيبًا على الإطلاق. لقد أصبتَ لأنك كنتَ تقاتل بشجاعة، أليس كذلك؟ القتال ليس من مسؤولياتك في الأساس، لذا، أنا سعيد لأن الأمر لم يكن أسوأ من ذلك.»

«—غغ، نـ-نعم، سيدي! سيكون شرفًا لي.»

 

 

 

لقد غُفِر له انفجاره العاطفي، وذلك بفضل كرم ويلهيلم على الأرجح.

«الملجأ المجاور…؟»

 

جلس آل بوضعية مريحة، متربعًا على الأرض.

بعد أن استمع إلى طلب سوبارو غير المعقول، زفر ويلهيلم قليلًا.

 

 

كان عاري الصدر، لكن جسده كان مليئًا بالكدمات السوداء والزرقاء، دليلًا على المعركة الشرسة التي خاضها. ومع ذلك، وجهه لم يحمل أي أثر للألم أو الضعف، بل كان مشعًا بثقة من التغلب على خصمه.

ومن ملامحه، أدرك سوبارو أنه لا يرغب في الحديث عن الأمر أكثر من ذلك، فخفض رأسه باحترام.

 

 

 

كان من الأفضل تركه وحده مع زوجته لبعض الوقت.

 

 

ومن ملامحه، أدرك سوبارو أنه لا يرغب في الحديث عن الأمر أكثر من ذلك، فخفض رأسه باحترام.

لكن قبل أن يذهب، كان هناك شيء أخير شعر أنه بحاجة إلى التأكد منه.

في عينيه الزرقاوين، اجتاحت مشاعر طاغية مشحونة بعاصفة من الأحاسيس—

 

سعوا جميعًا إلى التأكد بأن الخطر قد زال حقًا. وكما حدث مع سوبارو، لا شكَّ أنهم شعروا بالاضطراب عند رؤية رمز مدينتهم منهارًا بهذا الشكل.

«أمم— هل تمكنتَ من…؟»

 

 

نبرة القلق في صوتها كانت دليلًا على أنها لاحظت الأمر نفسه الذي انتبه له سوبارو. أومأ إليها، ثم أفلت يد بياتريس وسار مبتعدًا.

هل استطاع أن يجد خاتمة للأمر؟ أم أن النهاية كانت مريعة بكل المقاييس؟

 

 

«لقد أخبرتني بيتي بكل شيء، أيها المخطط الحربي العظيم. سمعتُ أنك كنتَ تتجول في المدينة بحثًا عن فرائس. يبدو أنك بدأتَ تستمتع بهذا النوع من الأمور، أليس كذلك؟»

بالطبع، لم يكن ويلهيلم يتمنى يومًا لقاءً كهذا مع زوجته، بعد أن تحولت إلى جندية من جنود الموتى.

بدا وكأن الجميع قد استشاطوا غضبًا فجأة. ربما كان ذلك بسبب قوة سيريس؟ كانت خطورة قدرتها الوحشية على التأثير في العواطف وتحريف العقول تزداد كلما طال تعرض الأشخاص لها.

 

 

لكن مع ذلك، لم يكن يمكن وضع حدٍ لهذه المأساة إلا بيديه هو.

«… سوبارو، لقد انتهى دورنا هنا. لنرحل.»

 

رنَّ صوتها المفعم بالحرارة والاضطراب، فيما راحت تمرِّر لسانها ببطء على عنقه.

«زوجتي…»

 

 

صحيح أن الأمور لم تنتهِ على نحو مثالي، وأنه على الأرجح سيظل مثقلًا بالندم طوال حياته، لكن في نظر سوبارو، كان ويلهيلم قد فعل الشيء الصحيح.

ساد الصمت لوهلة. أدار ويلهيلم وجهه قليلًا، ثم أسدل بصره نحو المعطف الذي يحمل رماد زوجته.

 

 

 

في عينيه الزرقاوين، اجتاحت مشاعر طاغية مشحونة بعاصفة من الأحاسيس—

 

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«… نعم، تمكنتُ من الحديث معها حتى ارتوى قلبي، وألقيتُ عليها وداعي الأخير.»

تفجرت موجة من الغضب داخل سيريوس تجاه بياتريس، التي وقفت بجانب سوبارو، وحين التقت نظراتهما، تشبثت بياتريس بذراع سوبارو بقوة.

 

 

كان سوبارو واثقًا من أن كلماته كانت مجازية.

 

 

 

فزوجة ويلهيلم كانت قديسة السيف السابقة. وبالنسبة لشيطان السيف، لم يكن هناك طريقة أسمى للتواصل من مبارزة السيوف، ولا وداع أبلغ من الضربة القاضية.

نبرة القلق في صوتها كانت دليلًا على أنها لاحظت الأمر نفسه الذي انتبه له سوبارو. أومأ إليها، ثم أفلت يد بياتريس وسار مبتعدًا.

 

 

لهذا، ليس هناك شك في أنه قال كل ما أراد قوله في تلك اللحظات الأخيرة.

وما إن غادروا الممر وابتعدت أنظارهم عن آل—

 

وصل العديد من سكان المدينة إلى المكان بعدما سمعوا البث.

«أنا أحب زوجتي. وأعتقد أنني أوصلتُ ذلك إليها.»

 

 

 

اعترف ويلهيلم بحبه بصوت خافت، لكن في كلماته الهامسة كان هناك عمق جعل قلب سوبارو يلتهب بحرارة صامتة.

«آسف، آسف، كنتُ أمزح فحسب.»

 

رأى آل العزيمة في عيني سوبارو قبل أن يتنهد،  ثم أومأ برأسه نحو الباب المعدني خلفه.

تنفس سوبارو بعمق، محاولًا تهدئة العاصفة التي اجتاحت مشاعره، ثم أومأ برأسه.

 

 

 

رؤية ويلهيلم بهذه الهيئة، بابتسامة خافتة على شفتيه، بعثت في قلب سوبارو شيئًا من الطمأنينة.

كانت أذناها منتصبتين، وعلى وجهها ابتسامة مشرقة لا تُقاوَم.

 

 

«شكرًا على كل شيء.»

 

 

 

«——»

لقد أُعيد الجسد من جديد في تحدٍ لقوانين الطبيعة، ولا شك أن قسوة ذلك المصير كانت من الصعب تحملها. التفكير في مشاعر من تركتهم خلفها، في مشاعر ويلهيلم تحديدًا، جعل سوبارو غير قادر حتى على تخيل مدى فداحة الألم الذي تحمله.

 

ابتسمت أناستاشيا قائلةً: «يا لكِ من لطيفة!» ثم أضافت بابتسامة ماكرة: «القصة طويلة قليلًا، لكنه كان جزءًا من خطتنا. يمكننا تأجيل الحديث عنها لاحقًا… أما الآن، فأنا سعيدة لأنكِ بخير، إميليا. وأنتَ كذلك… ناتسكي، أنت رجل حقيقي بحق.»

«أنا واثق أن الأمور ستصبح مشغولة مجددًا قريبًا، لكن في الوقت الحالي، خذ وقتك في الراحة. أراك لاحقًا.»

أومأ سوبارو برأسه وهو يرى الحماس يلمع في عيني إميليا، تاركًا بعض التوتر يتلاشى من كتفيه.

 

 

شعر سوبارو أنه يتحدث وكأنه يتفضل بالنصح، فأسرع في إنهاء كلماته، وقد تملَّكه بعض الإحراج من نبرته المتعالية.

 

 

«سوبارو؟ ما الأمر؟»

حكَّ خده وهو يشيح ببصره عن ويلهيلم، متملصًا من الشعور بالحرج.

«ماذا هناك؟ هل لديك شيء آخر يزعجك؟»

 

 

«السيد سوبارو.»

 

 

«كيف كان الأمر؟ لم تجنِ منه سوى مزاجٍ سيئ، أليس كذلك؟»

«نعم، ويلهيلم؟»

 

 

لم يستطع منع نفسه من محاولة تأكيد ما كان يُحفظ بعناية داخل ذلك المعطف المطوي بدقة.

استدار سوبارو مجددًا، وقد ارتسمت على وجهه علامة استفهام. بدا ويلهيلم نفسه متفاجئًا مما قاله، ثم هز رأسه بلطف.

وضعت إميليا إصبعها على شفتيها، محطمةً التوتر الذي غلف سوبارو وبياتريس.

 

«— بيتي لا تعلم. وقيل لها ألا تسأل أيضًا.»

«لا، أعتذر. ليس سوى أمر تافه، فلا تعره اهتمامًا.»

«——»

 

 

«—؟ أ… حســـنًا. إذًا، أراك لاحقًا.»

 

 

«أوه، مرحبًا أيها السيد! عدت أخيرًا! يبدو أن الأمور كانت مجنونة تمامًا بينما كانت ميمي نائمة! شكرًا لك! لقد نامت ميمي بعمق، وهي بخير الآن تمامًا!»

أحسَّ سوبارو بشيء غريب في رده، إذ لم يكن من عادة ويلهيلم التردد أو قول أمور غامضة. لكنه لم يسأل أكثر، وواصل طريقه مبتعدًا.

«أنتِ والأساقفة الآخرون هاجمتم بريستيلا في نفس الوقت. هذا يجعل الأمر يبدو كما لو كنتم تعملون معًا، أليس كذلك؟ والمطالبات بكتاب الحكمة أو الروح الاصطناعية أو ما إلى ذلك…»

 

عندما رأته إميليا وبياتريس عائدًا، بدا عليهما الارتياح. لابد أن تعابير وجهه كانت مختلفة تمامًا حين ذهب، مقارنةً بما كانت عليه عند عودته.

«ماذا تقولين؟! بيتي لم تفعل هذا! لقد انتهى الأمر هكذا بعد أن رحلت بيتي!»

 

 

كان يعلم مسبقًا أن اللقاء بشخصٍ فارق الحياة ليس بالضرورة حدثًا سعيدًا.

 

 

وقد اختارت على ما يبدو أن تتجاهل إميليا وبياتريس تمامًا، معتقدة أن ذلك كان جيدًا بما فيه الكفاية؛ لأنه يعني أن الاثنتين لم تكونا في خطر. فاستغل سوبارو الفرصة ليحاول انتزاع المعلومات منها.

لكن مع ذلك، على الأقل، تمكن ويلهيلم من إيجاد خاتمته بنفسه، وتقبل النتيجة التي وصل إليها.

«ماذا تقولين؟! بيتي لم تفعل هذا! لقد انتهى الأمر هكذا بعد أن رحلت بيتي!»

 

 

ربما كان ذلك أمرًا بسيطًا… لكنه قد يكون أيضًا طوق نجاة.

 

 

 

«——»

 

 

لكن ملامح ويلهيلم ارتخت فجأة. بدت في تعابيره فجوة صغيرة وسط التوتر الذي غطى وجهه.

ضيَّق شيطان السيف عينيه وهو يراقب الفتى أسود الشعر يبتعد.

«آاااه! يؤلمني! يؤلمني!»

 

 

كان يضغط شفتيه بإحكام، كأنما يكافح لكبح شيء ما بداخله.

«أوه! جو—»

 

«أكان عليَّ أن أضيف عبئًا خطيرًا آخر إلى كاهلك بينما كانت السيدة إميليا مختطفة، وأنتَ تحمل على عاتقك مصير المدينة بأسرها كأنك بطل في إحدى القصص الخيالية؟ لا، شكرًا. ليس لديَّ أدنى نية لإلقاء مشكلاتي على أكتاف أصدقائي بهذه الطريقة.»

لقد كان ذلك التصدع في القناع الذي صنعه بإرادة عنيدة ليخفي مشاعره الحقيقية، وتلك العاطفة الجياشة التي كادت تدفعه لعض شفتيه بشدة لو أنه سمح لنفسه بالاستسلام.

ساد الصمت لوهلة. أدار ويلهيلم وجهه قليلًا، ثم أسدل بصره نحو المعطف الذي يحمل رماد زوجته.

 

 

وما مكَّنه من إخفاء مشاعره عن ذلك الفتى، لا شك أنه كان—

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

«—السيد سوبارو.»

وبينما كانت إميليا تراقبه، قبضت يديها بإحكام أمام صدرها.

 

 

همس بصوت مبحوح، بالكاد مسموع.

 

 

 

«إذا أمكنك، أرجوك، زو…»

 

 

 

إلى هذا الحد وصل حديثه، ثم أغمض عينيه، قاطعًا بذلك قلبه الضعيف.

«أود تقديم شكوى إن كنتَ تعتقد أن كلمة ”بخير“ هي وصف مناسب لحالة ساقيَّ…»

 

ليس هناك أدنى شك في أنه كان أحد الأفراد الرئيسيين الذين ساهموا على نحوٍ كبير في المعركة من أجل بريستيلا.

تلك الكلمات التي لم تكتمل، لم يكن ينبغي لأحد أن يسمعها، لا سيما هو نفسه. فلا يليق بشيطان السيف أن ينطق بها— ولم يكن ليسمح لنفسه بذلك أبدًا.

بالطبع، كانت المدينة قد تعرضت لكارثة مروعة.

 

 

٦

 

 

 

«هل هو بخير؟»

 

 

«هذا ليس أمرًا مخزيًا على الإطلاق. رجاءً، أقم لها التأبين الذي تستحقه. وإذا سنحت الفرصة، ولم يكن ذلك إزعاجًا لك، فهل تسمح لي بزيارة قبرها لأقدم احترامي لها؟»

«نعم، ينبغي أن يكون بخير. أما عن الجروح الجسدية… فيبدو أنه تمكن من معالجة جراحه العاطفية بنفسه.»

في الواقع، مجرد خدمته لشخصية كَبريسيلا -التي تجيد قيادة الجميع من أنوفهم- يدل على أن لديه ولاءً خاصًا بها، ولاءً لا يمكن للآخرين فهمه أو قياسه بسهولة.

 

«أها، إذًا لقد أتيت. أعتذر على سحبك إلى هنا. وأشكرك.»

«أفهم ذلك… قد يكون من البديهي قول هذا، لكنه حقًا قوي.»

 

 

لم يكن سوبارو متأكدًا مما يُعد معاملةً مقبولة للسجناء في هذا العالم، لكن الحقيقة أن إميليا قد أطاحت بسيريس وهي لا تزال مكبلة إلى الكرسي. بل إنهم تركوها هناك ملقاة على الأرض، ما قد يُعتبر إساءة معاملة أيضًا.

توجهت عينا إميليا البنفسجيتان نحو زاوية المأوى، حيث كان ويلهيلم واقفًا. أما سوبارو، فلم يرتكب خطأ النظر إلى الخلف، بل اكتفى بالإيماء مرارًا موافقًا على كلامها.

«سوبارو.»

 

بياتريس، التي لا تزال تمسك بيده، أشاحت ببصرها متظاهرةً بالجهل، بينما أمالت إميليا رأسها باستغراب من تعليق سوبارو.

كان ويلهيلم قويًا. وكان مصدر إلهام. كرجل، لم يكن لسوبارو تجاهه سوى الاحترام العميق.

 

 

أما زوجات ريغولوس السابقات، اللاتي كانت مشاعرهنَّ متجمدة في حالة سكونٍ طويل، فقد بدأن يبكين تدريجيًا.

«حين يتعلق الأمر بويلهيلم، تصبح جادًا جدًا. الأمر أشبه بأنك مفتون به.»

 

 

تردَّد صوت البث عبر أرجاء المدينة بأسرها، بينما قاد سوبارو وإميليا زوجات ريغولوس السابقات إلى مبنى البلدية الذي كان مقرَّهم.

«أتعلمين، لم يعد أحد يستخدم هذا التعبير في هذا الزمن…»

لكن ملامح ويلهيلم ارتخت فجأة. بدت في تعابيره فجوة صغيرة وسط التوتر الذي غطى وجهه.

 

 

حاول التظاهر بعدم الاكتراث كعادته، لكنه فهم ما قصدته. في الواقع، كان سوبارو قد لاحظ ذلك في نفسه أيضًا.

 

 

 

«إنه شخص مميز. أنا أحترمه بصدق، وهذا وحده يكفيني.»

 

 

 

«ممم، أعتقد أن هذا رائع جدًا. وأنا واثقة أن ذلك يعني له الكثير أيضًا.»

كان عليه أن يطرح السؤال الحاسم. السؤال الذي لا يمكن التراجع عنه أو إنكاره.

 

 

«هاه؟ أشك في ذلك… لكن، على أي حال، عندما أكبر وأصبح رجلاً مسنًا أنيقًا، أتمنى أن أحظى بنفس الهيبة التي يتمتع بها.»

 

 

«لكنكم لا تستطيعون التخلص مني بتهور أيضًا، أليس كذلك؟ شكرًا لكم، أعلم أنكم قلقون عليَّ. لكن للأسف، عطفكم الكريم لا حاجة لي به.»

«نعم، نعم، فهمت. لا داعي لأن تحاول إخفاء إحراجك هكذا.»

رفع سوبارو صوته فجأة عندما سمع نبرة اللوم في صوت ويلهيلم. شعر بالحرارة تتصاعد داخله بينما كان ينظر مباشرة إلى الرجل العجوز، الذي بدا متفاجئًا بردة الفعل المتحمسة.

 

لهذا، ليس هناك شك في أنه قال كل ما أراد قوله في تلك اللحظات الأخيرة.

لم يكن سوبارو واثقًا مما إذا كان يمزح ليخفي ارتباكه أم لا، لكن في كلتا الحالتين، كانت ابتسامة إميليا كافية لتبدد أي شعور قاتم يتسلل إلى قلبه.

 

 

هزَّت إميليا رأسها بعنف وهي ترد بصدق على سؤال أناستاشيا.

تلك المشاعر لم تكن بحاجة إلى أن تُقال.

رفع آل كتفيه بلا مبالاة بينما كانوا يخرجون من محادثتهم مع سيريس.

 

 

«بيتي تظن أن لحية كهذه لن تناسبك أبدًا.»

حاول التظاهر بعدم الاكتراث كعادته، لكنه فهم ما قصدته. في الواقع، كان سوبارو قد لاحظ ذلك في نفسه أيضًا.

 

حدَّق سوبارو مصعوقًا من رد الفعل غير المتوقع.

«هذا ليس ما كنا نتحدث عنه أصلًا! لكن حسنًا، فهمت، سأؤجل فكرة إطلاق اللحية إلى أن تقرري أنها ستبدو جيدة عليَّ.»

«… سأتدخل في اللحظة التي أعتقد فيها أن الأمر أصبح خطيرًا…»

 

«ما الذي تفعله هنا، آل؟»

«حسنًا، سنرى إن كان ذلك اليوم سيأتي أم لا. بدون موهبة على مستوى باك، قد يكون من المستحيل تحقيق التوازن بين الجاذبية والفراء. عليك أن تبذل جهدك.»

«لكن بفضله تمكنتِ من الاستيقاظ، وتم إنقاذ أوتو وفيلت، أليس كذلك؟ بل إنه وجد البلورات التي كنَّا بأمسِّ الحاجة إليها.»

 

«ماذا؟»

«حاضر، حاضر.»

 

 

 

كلٌّ من رد إميليا العفوي وتعليق بياتريس العميق، جعلا سوبارو يشعر بارتياح أكبر. شعر بالامتنان لوجودهما بجانبه، ثم أخذ نفسًا عميقًا طويلًا ونظر إلى الأمام.

هزَّ سوبارو رأسه مستنكرًا تعليق آل، ثم ربت على رأس بياتريس متوقعًا منها ردًا حيويًا كعادتها، لكن—

 

«إذًا، ما هي أهداف رؤساء الأساقفة الآخرين؟ ما الغاية النهائية للطائفة؟»

«——»

 

 

«أنا هنا منذ البداية! في الواقع، أنتم جميعًا اجتمعتم حول سريري منذ البداية!»

كما كان الحال من قبل، كان الناس لا يزالون يروحون ويجيئون، وكانت لقاءات الفرح تملأ الأجواء.

 

 

«هل هو بخير؟»

كان بإمكانه سماع الموسيقى والهتافات تتردد من خارج المأوى بينما كانت ليليانا تتابع عرضها. لا شك أنها كانت مدفوعة بإيمانها العميق بقدرة الموسيقى على بث الأمل في قلوب الناس.

«——»

 

 

بالطبع، كانت المدينة قد تعرضت لكارثة مروعة.

 

 

«هاه؟ أشك في ذلك… لكن، على أي حال، عندما أكبر وأصبح رجلاً مسنًا أنيقًا، أتمنى أن أحظى بنفس الهيبة التي يتمتع بها.»

وربما كانت مشاعر ليليانا وسعادة سوبارو بالمشهد أمامه مجرد محاولاتهما الخاصة للبحث عن بصيص من النور وسط هذا الظلام.

نبرة القلق في صوتها كانت دليلًا على أنها لاحظت الأمر نفسه الذي انتبه له سوبارو. أومأ إليها، ثم أفلت يد بياتريس وسار مبتعدًا.

 

 

لكن، مع ذلك، كان لتمسكهما بهذه اللحظات معنى. فالفرح والحزن اللذان شعر بهما الناس كانا حقيقيين.

«مغغغ. على ما أظن.»

 

«لم أظن أنك كنت مخطئًا حينها، عندما قاتلت الحوت الأبيض، ولا أظنك مخطئًا الآن. أنا أحترمك وأراك شخصًا رائعًا، ويلهيلم. لا يوجد أي خطأ في أن تهتم بمَن هم أعزَّ الناس إليك. هذا ليس أمرًا مخجلًا على الإطلاق، وأرى أن اعتبار الأمر عارًا هو التفكير الخاطئ تمامًا.»

وكل الأسباب التي دفعتهم إلى بذل جهودهم كانت ماثلة أمامهم في تلك اللحظة—

«أيتها الحمقاء! هذا ما حذرتكِ منه! تبًا! لنذهب إلى المعالج فورًا!»

 

 

«—هممم؟»

شخص طويل القامة، نحيف القوام، يرتدي ثيابًا بيضاء أنيقة. ولم يكن هناك مجال للشك— ذلك الوجه الوسيم حد الاستفزاز، وذلك الشعر الأرجواني اللامع الآسر…

 

 

بينما كان غارقًا في تفكيره، لمح سوبارو ظلًا يتسلل إلى مدخل المأوى.

 

 

 

شخص طويل القامة، نحيف القوام، يرتدي ثيابًا بيضاء أنيقة. ولم يكن هناك مجال للشك— ذلك الوجه الوسيم حد الاستفزاز، وذلك الشعر الأرجواني اللامع الآسر…

ليس هناك أدنى شك في أنه كان أحد الأفراد الرئيسيين الذين ساهموا على نحوٍ كبير في المعركة من أجل بريستيلا.

 

 

جوليوس. أحد الأشخاص الذين رغب سوبارو في الاطمئنان عليهم قد ظهر أخيرًا.

 

 

«—أوه، إذًا كنتَ أنت، يا أخي. كنتُ أتساءل مَن القادم إلى هنا.»

«أوه! جو—»

 

 

انعقد حلقه وهو يحدق في عينيها القرمزيتين المتقدتين بجنون.

«—نغ.»

 

 

وما مكَّنه من إخفاء مشاعره عن ذلك الفتى، لا شك أنه كان—

رفع سوبارو يده ملوحًا وهو يهم بمناداته، لكن ما إن بدأ بالكلام حتى استدار جوليوس على الفور وفرَّ من المأوى.

 

 

 

«هاه؟»

 

 

 

حدَّق سوبارو مصعوقًا من رد الفعل غير المتوقع.

 

 

 

لطالما ردَّ عليه جوليوس بالسخرية والتعليقات اللاذعة، لكنه لم يسبق له أن تجاهله بهذا الشكل الصريح.

«… مع أنه لن يعرف أبدًا إن أخذناها فحسب.»

 

 

لم يكن سوبارو قلقًا بشأنه بطبيعة الحال، لكنه شعر أن هناك خطبًا ما.

 

 

 

«سوبارو؟ ما الأمر؟»

 

 

 

«ذلك الأحمق جوليوس تجاهلني للتو. انتظريني قليلًا، سأذهب للإمساك به!»

 

 

«البلورات التي أتينا إلى بريستيلا من أجلها— لقد أحضرها بنفسه.»

«إيه؟»

 

 

«انتظر، انتظر، انتظر، ماذا تقول؟ أنت تبحث عن أنستاشيا، أليس كذلك؟ الجميع هناك، لكنك لم تلاحظهم فقط. هذا ليس من عادتك أبدًا.»

كان هناك غضب مكبوت في صوته وهو يترك إميليا خلفه وينطلق لملاحقة جوليوس.

 

 

«لن أتمكن من المشي لفترة قصيرة، لكن من المفترض أن تلتئم الجروح على نحو جيد… إنه لأمر مخزٍ أن أكون قد تعرضتُ لهذه الإصابة الفادحة، رغم أنكما كنتما في وضع أكثر خطورة مني.»

شقَّ طريقه بين ضجيج المأوى، متتبعًا جوليوس الذي حاول التواري في الشارع، وكأنه يتعمد تجنب الأنظار. تُرى ما الذي يحدث؟

«سوبارو؟ ما الأمر؟»

 

«ويلهيلم، هل هذا…؟»

«أيها الأحمق! ماذا تفعل مختبئًا هنا بينما الجميع منشغلون؟ الناس سيقلقون عليك إن لم تظهر وجهك على الأقل! هذا أبسط مبادئ المنطق!»

 

 

ومع ذلك، إن وُجدت لحظة قد يختار فيها الموت بإرادته، فستكون عندما يجد نتيجةً لا يستطيع تقبُّلها.

«——»

كان الهواء مشحونًا، وبدأت قشعريرة باردة تتسلل إلى جسده— رئيسة الأساقفة كانت خلف الباب المعدني الأخير مباشرة.

 

تنفس سوبارو بعمق، محاولًا تهدئة العاصفة التي اجتاحت مشاعره، ثم أومأ برأسه.

عند منعطف أحد الأزقة الخالية، توقف جوليوس أخيرًا. دون أن يحرك جسده، التفت برأسه فقط لينظر إلى سوبارو، الذي صرخ غاضبًا.

صدر صوت أزيز خفيف بينما بدأ الباب في الانفتاح—

 

 

شعر سوبارو أن هناك شيئًا مريبًا في نظرات الفارس الصامتة، لكن تعابيره لم تتغير.

«أوه، يا للعجب، هذا عالم لا يمكن لبيتي أن تفهمه أبدًا. إنه حماسي أكثر مما تحتمل.»

 

«أوه؟ هل تقول إنك استخرجت شيئًا من رئيسة أساقفة؟ جدِّيًا؟»

«… أعتذر. كنت أبحث عن شخص ما، لكنه لا يبدو هنا. أريد التحقق من المأوى التالي في أسرع وقت. اسمح لي بالمغادرة.»

«لا تقومي بأي تصرفات غريبة! لستُ بارعةً جدًا في التحكم بهذه الأمور؛ لذا لا يمكنني التخفيف من قوتي كثيرًا!»

 

«… نعم، رجاءً، افعل ذلك يا سيد سوبارو. أود أيضًا أن تقول لها شيئًا. لو كان منك أنت…»

كان رده أشبه بمحاولة صرف غريب لا يعرفه، مما دفع سوبارو للإمساك بكتفه قبل أن يتمكن من الرحيل.

 

 

«أوووه! غارف! دان-دا-دا-دان!»

«انتظر، انتظر، انتظر، ماذا تقول؟ أنت تبحث عن أنستاشيا، أليس كذلك؟ الجميع هناك، لكنك لم تلاحظهم فقط. هذا ليس من عادتك أبدًا.»

شعر سوبارو أنه يتحدث وكأنه يتفضل بالنصح، فأسرع في إنهاء كلماته، وقد تملَّكه بعض الإحراج من نبرته المتعالية.

 

الأميرات الملكيات، الفرسان، وكل مَن انضمَّ إليهم لاستعادة المدينة من أيدي الأساقفة الآثمين— كان قد عقد العزم على تحمُّل العذاب والألم مرارًا وتكرارًا، فقط كي لا يفقد أحدًا منهم.

«……»

 

 

«إن كررت ذلك، فسوف تلقى عقابًا لا يخطر لك على بال.»

ارتعش جسد جوليوس بقوة، واتسعت عيناه الذهبيتان بذهول بينما استدار بصدمة نحو سوبارو.

«يبدو الأمر محرجًا عندما تأتي هذه الكلمات ممَن تبدو كطفلة صغيرة.»

 

 

«——»

 

 

 

ابتلع سوبارو ريقه، فقد رأى على وجه جوليوس تعبيرًا لم يره عليه من قبل.

«نعم، ويلهيلم؟»

 

 

صدمة— لا، لم تكن مجرد صدمة. بل حزن عميق. يأس. وتوسل غير منطوق للحصول على أي شكل من أشكال الدعم.

 

 

لدهشة سوبارو، تلاشت بهجتها للحظة عند سؤاله، ليحلَّ محلها مزيج كثيف من المشاعر السوداوية، هوسٌ متغلغلٌ، وأوهام استحكمت في أعماقها على مر السنين—

كان ذلك الشعور غريبًا إلى حد مربك حين يصدر من جوليوس، لدرجة أن ملامح سوبارو تجمدت توترًا.

تدخلت إيميليا في اللحظة التي كانت فيها الأجواء مشحونة بين بياتريس وسيريس.

 

من خلال منظورها المنحرف، فسَّرت سيريوس نبرة الثقة في صوت سوبارو على أنها اهتمام منه بها.

«… سوبارو. أنتَ… تتذكرني؟»

«… ويلهيلم.»

 

«غاه… هبغغ!»

«مـ-ما الذي تعنيه؟ لم تمضِ سوى بضع ساعات، وسيد الفرسان الأروع، جوليوس جوكوليوس، ليس شخصًا يمكن نسيانه بهذه السهولة. يا له من سؤال سخيف منك…»

 

 

 

هزَّ سوبارو كتفيه وردَّ بسخرية معتادة، لكنه أدرك، في منتصف حديثه، مدى سخافة ما قاله.

«… نعم، يمكن القول إننا كذلك، لكن في الوقت نفسه، لا؟ إميليا-تان، بياكو، أمم…»

 

«سوبارو، أظن أنه من الخطر حقًا التحدث معها…»

كان سؤال جوليوس غريبًا بوضوح. ولو كان سوبارو قد سمح لنفسه بتخيل سيناريو يقع على بعد خطوة واحدة فقط من أسوأ احتمال قد خطر له، لكان قد استوعب الأمر فورًا.

 

 

 

«انتظر، هل—؟»

«نحن آخر مَن عاد… أي أن الجميع…؟»

 

«أنت تفهم، أليس كذلك؟» قهقهت بصوت متشقق. «في قلب كل شخص تقيم أفكار الآخرين، والرغبة في أن يكون محبوبًا. وطالما أن هذا صحيح، فمن المستحيل على أي شخص أن ينكرني. حتى تلك الفتاة المتغطرسة.»

«سوبارو! لا تركض بعيدًا بمفردك هكذا!»

 

 

«—سمعتُ أنك واجهتَ ذلك الوغد الشراهة أثناء استرداد الكتاب…»

تشنج سوبارو حين نظر إلى جوليوس، الذي بدا فجأة وكأنه غير ثابت على قدميه.

تلك الكلمات التي لم تكتمل، لم يكن ينبغي لأحد أن يسمعها، لا سيما هو نفسه. فلا يليق بشيطان السيف أن ينطق بها— ولم يكن ليسمح لنفسه بذلك أبدًا.

 

 

وفي تلك اللحظة، وصلت إميليا وبياتريس إلى الزقاق بعد أن لاحقتاه. توقفت الاثنتان عند رؤيتهما للصمت المخيم عليهما، ورفت رموش إميليا بحيرة وهي تتأمل المشهد.

《٥》

 

بدأ الزمن في التدفق مرة أخرى، وبدأ الحشد بالتصفيق. كان التصفيق مدويًا، مديحًا للديفا المباركة من قبل الهة الغناء.

«أممم… أنتما مشغولان، على ما يبدو؟»

 

 

«لكن بفضله تمكنتِ من الاستيقاظ، وتم إنقاذ أوتو وفيلت، أليس كذلك؟ بل إنه وجد البلورات التي كنَّا بأمسِّ الحاجة إليها.»

استشعرت التوتر الغريب الذي يخيم على الجو، وظهر ارتجاف طفيف في رموشها. ومن رد فعلها -لا سيما الطريقة التي نظرت بها إلى جوليوس- انتاب سوبارو إحساس عميق بالغرق.

 

 

«ياللأسف، لكن بيتي هي روح سوبارو، وهي هنا بناءً على طلبه. أما أنتِ، فمن الأفضل أن تتوقفي عن مناداته بالاسم الخطأ.»

رفضًا لذلك الشعور، أشار إلى جوليوس قائلًا:

كان ذلك الشعور غريبًا إلى حد مربك حين يصدر من جوليوس، لدرجة أن ملامح سوبارو تجمدت توترًا.

 

《٢》

«… نعم، يمكن القول إننا كذلك، لكن في الوقت نفسه، لا؟ إميليا-تان، بياكو، أمم…»

 

 

«أوه، إذًا كنتَ هنا أيضًا، أوتو؟»

«—؟»

 

 

بإشارة مبطنة إلى بريسيلا، التي قاتلتها سابقًا، نظرت سيريوس إلى سوبارو بعينين يغمرهما الحب. لكن سوبارو تردد، غير قادر على العثور على الكلمات المناسبة للرد—

ارتسمت علامات الاستفهام على وجهي إميليا وبياتريس من رده المتردد.

«أكان عليَّ أن أضيف عبئًا خطيرًا آخر إلى كاهلك بينما كانت السيدة إميليا مختطفة، وأنتَ تحمل على عاتقك مصير المدينة بأسرها كأنك بطل في إحدى القصص الخيالية؟ لا، شكرًا. ليس لديَّ أدنى نية لإلقاء مشكلاتي على أكتاف أصدقائي بهذه الطريقة.»

 

زمَّت بياتريس شفتيها في إحباط.

كان عليه أن يطرح السؤال الحاسم. السؤال الذي لا يمكن التراجع عنه أو إنكاره.

 

 

«الملجأ المجاور…؟»

وحين التقت نظراته بجوليوس، الذي استسلم تمامًا لما هو قادم، سأل سوبارو ببطء:

 

 

قال سوبارو ذلك بنبرة تجمع بين القلق ورغبته في تغيير الموضوع، لكن كلمات أوتو تلاشت في منتصف الطريق، فقد بدا أن هناك ما يشغله أكثر من مجرد إصابته أو أمر الكتاب.

«وجدتُ جوليوس؛ لذا لا بأس أن نعيده معنا لنتحدث، صحيح؟»

«… نعم، رجاءً، افعل ذلك يا سيد سوبارو. أود أيضًا أن تقول لها شيئًا. لو كان منك أنت…»

 

«في جميع الأحوال، إن كان كل ما جنيناه هو مزاج سيِّئ، فهذا أفضل ما يمكن أن نرجوه. ربما أنت ببساطة على نفس الموجة معهم، يا أخي.»

«—جوليوس؟»

«انتظر، انتظر، انتظر، ماذا تقول؟ أنت تبحث عن أنستاشيا، أليس كذلك؟ الجميع هناك، لكنك لم تلاحظهم فقط. هذا ليس من عادتك أبدًا.»

 

«حسنًا، سنرى إن كان ذلك اليوم سيأتي أم لا. بدون موهبة على مستوى باك، قد يكون من المستحيل تحقيق التوازن بين الجاذبية والفراء. عليك أن تبذل جهدك.»

تطلعت بياتريس إلى جوليوس، بينما اتسعت عينا إميليا البنفسجيتان الجميلتان بقلق—

«نعم، ينبغي أن يكون بخير. أما عن الجروح الجسدية… فيبدو أنه تمكن من معالجة جراحه العاطفية بنفسه.»

 

رؤية ويلهيلم بهذه الهيئة، بابتسامة خافتة على شفتيه، بعثت في قلب سوبارو شيئًا من الطمأنينة.

«هل جوليوس… أحد أصدقائك، سوبارو؟»

 

 

كان ذلك اختراقًا لطيفًا، رقيقًا لقلوبهم.

—وعندها، اختبر سوبارو كابوسًا مألوفًا مرة أخرى.

«هيهي… من الواضح أن غارفيل ليس لديه وقت للقلق.»

 

أدركت سيريس أنه وبيتلجيوس مختلفان، لكنها رغم ذلك أعادت تشكيل الواقع وفقًا لهوسها المنحرف، مقتنعةً بأن بيتلجيوس نائم داخل جسد سوبارو، وأنها ستكون هناك لاستقباله حين يستيقظ.

 

 

رفع سوبارو بياتريس، التي نفخت خديها غاضبة، ثم دلك خده على خديها. وهكذا، بدأ مزاج بياتريس يتحسن تدريجيًا.

 

«… ويلهيلم.»

 

 

////

«آسف، آسف، كنتُ أمزح فحسب.»

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«ممم-همم. شكرًا لقلقكِ عليَّ، بياتريس. أنا بخير بفضل سوبارو وراينهارد اللذين جاءا لمساعدتي.»

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 7 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Ahmed khirallh🔥 100
4السيد الشاب🔥 100
5med abda🔥 100
6ABDULWAHAB ALKHALAF🔥 100
7A k🔥 100
8Wassim Sun🔥 100
9Arhama Alnuaimi🔥 100
10lsas xzpo🔥 100

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط