Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

Re:Zero – If Story 1

ضَوء النَجم الذي لا إسم له
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ضَوء النَجم الذي لا إسم له

الفصل التاسع: “ضوء النجم الذي لا إسم له.”

 

 

 

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

 

 

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

 

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

 

 

ولكن—

—

 

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

 

 

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

 

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

 

—

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

 

 

“هاه… هاه…!”

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

 

 

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

 

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

 

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

 

 

 

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

 

 

 

وفوق كل هذا—

 

 

“——”

“أوه! آغغع، آآه..!”

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

 

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

 

 

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

“—!”

 

 

 

عضّت الفتاة على شفتيها، مُحاولة التخلص من أي أفكار سلبية قد تتسلل إلى عقلها، ثم رفعت رأسها محدقة نحو الأمام.

 

 

“وووهااااه؟!”

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

 

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

 

 

في خضم هذا الجهل، كانت غريزتها تصرخ بأن عليها الفرار.

 

فالهرب كان وسيلتها الوحيدة في التعبير عن إرادتها في المقاومة.

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

 

 

“ذلك الشخص…!”

 

 

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

 

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

 

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

 

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

“—!”

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

 

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

فجأة، قاطع هذا الصوت اللامبالي أفكارها، مما جعل جسدها يرتعش رعبًا، ثم التفتت بسرعة ناحية مصدره.

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

 

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

 

 

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

 

 

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

ولكن…

 

 

 

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

 

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

 

 

 

وجهٌ لا تعرفه…

 

 

 

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

 

 

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

 

 

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

“آه…”

 

 

 

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

ربما بسبب ما تكبّده من مشقّة، كان شاحب الوجه أكثر من ذي قبل، وبدا بروز عظام وجنتيه أوضح مما اعتاد عليه.

 

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

 

 

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

“آه!”

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

 

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

 

 

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

—هذا سيء…

 

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

لكنها أوقفته بسهولة كما لو كانت تلهو بيد طفل رضيع، وأرسلت نفس الصدمة الخفيفة إلى جبهته.

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

 

 

“آه-أوه…؟”

 

 

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

فقد الطفل الصغير قوته تمامًا وانهار على الأرض كما حدث للفتاة.

 

 

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

“أنتِ…؟”

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

 

 

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

 

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

 

 

 

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

 

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

 

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

“لنذهب، يا ابنة الشيطان.”

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

 

 

“أنا… لست…”

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

 

 

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

 

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

 

 

“— ريم.”

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

 

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

 

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

~~~

“لقد انتهيت.”

 

 

—هذا سيء…

 

 

“يالك من أحمق.”

أشبه بالصاعقة، اجتاحت مشاعر الخطر والتوتر عقل ناتسوكي سوبارو، دافعة إياه نحو التحرك على الفور.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

 

 

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

 

كان عليه أن يخفي حزنه، ويستجمع شتات قلبه، ويستعد لمواجهة هذا المأزق السخيف—

 

هذا ما كان يجب عليه فعله.

 

هذا المفترض.

تعليق المُترجم:

 

 

لكن…

 

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

 

 

~~~

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

 

 

 

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

 

 

 

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

 

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

 

“آه-أوه…؟”

× × ×

 

 

 

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

 

 

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

 

 

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

من دون حتى أن يلمسه مباشرة، جرفته العاصفة العاتية التي أثارتها تلك الذراع النحيلة، ليُقذف جسده بعنف نحو جدار القلعة. ارتطم سوبارو بقوة، متذوقًا ألم تحطم عظامه بالكامل، مع صوت من التهشم المُروع… لقي حتفه على الفور.

وبعد ذلك――

 

 

—

 

 

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

× × ×

 

 

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

 

“ووو؟”

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

لكن رغم ذلك كله—

 

 

بُمجرد أن لامست الضربة الثالثة قدمه، شُلّت حركته تمامًا، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصيبه الضربة الرابعة مباشرة، ساحقة جسده حتى أصبح عُشر حجمه الأصلي… ليموت في الحال.

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

 

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

—

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

 

 

× × ×

 

 

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

 

 

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

كان الغضب العادل، الصارم، غير القابل للمساومة، مليئًا بشفرات حادة كالخناجر.

 

 

 

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

 

 

× × ×

 

 

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

“أيها الوقح!”

“ـــ تشيشا غولد”

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

 

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

فقد الطفل الصغير قوته تمامًا وانهار على الأرض كما حدث للفتاة.

 

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

“هـ… همم…”

 

 

—

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

× × ×

 

 

 

“مجددا؟――”

 

 

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

هل كان قد ارتكب الخطأ منذ البداية؟ بعد أن مر بخمس “وفيات”، عض سوبارو على أسنانه في إحباط.

 

 

 

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

 

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

مجرد التفكير في ‹أنها› ربما قد تكون لاقت نفس المصير الذي واجهه باستمرار، جعله يرتعد.

 

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

 

ما الذي يحتاج إليه؟

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

 

 

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

 

 

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

ماهي النقطة التي ينبغي عليه الوصول إليها؟

“لسوء الحظ، على الرغم من أنني أتفق مع رئيس الوزراء بيرلستيتز في بعض النقاط، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بيننا. في نهاية المطاف، هذا الرجل العجوز ليس سوى سيفا للإمبراطورية، وهذا يعني أن نهاياتنا قد تتعارض بشكل لا يمكن التوفيق بينه. لذا…”

 

 

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

 

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

“بالطبع أحتاج!”

 

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

 

 

“لقد عدت فجأة، ماذا يحدث؟ أولاً، كان من المفترض أن تنتهي مهمتك، فلماذا ما زلت ترتدي نفس الزي النسائي؟”

“——”

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

 

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

 

 

 

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

 

 

 

“——”

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

 

 

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

 

 

 

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

 

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

إن تمكن على الأقل من العثور على معلومة واحدة هنا، فسيكون ذلك كافيًا. ――بهذه الفكرة في ذهنه، حطم سوبارو نافذةً في زاوية مهجورة، وفتح القفل، ثم تدحرج إلى الداخل.

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

 

 

وفي اللحظة التالية—

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

 

 

“يالك من أحمق.”

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

 

 

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

 

 

النهاية.

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

 

 

 

“أوغهاه!”

 

 

 

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

 

“لم أستدعِك.”

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

 

 

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

 

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

ولكن—

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

 

 

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

 

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

فجأة، سمع سوبارو صوت شخص ثالث، مما جعله ينتفض ويرتد بكتفيه، قبل أن يستدير بسرعة باتجاه مصدر الصوت.

 

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

“――――”

من تحت وجه “فيريس المزيف” الذي تمزق، بدأ وجه جديد في الظهور، ليس وجه فينسنت ولا “فيريس المزيف”، بل وجه مجهول. ــ لا، لم يكن مجهولًا تمامًا.

 

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

 

 

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

 

 

 

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

 

 

 

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

 

 

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

 

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

 

 

حبس سوبارو أنفاسه أمام هذا المشهد المريب، لكن الرجل الوسيم أغلق إحدى عينيه وأصدر صوتًا بنقر أصابعه، ليعيد تركيز انتباهه إليه.

 

 

“ولهذا السبب…”

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

 

 

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

“لن أكررها مرة ثالثة. أجب عن سؤالي باحترام، وإحذر مما ستقوله.”

 

 

 

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

 

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

 

 

 

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

 

 

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

حتى سوبارو نفسه، عندما أعاد التفكير في الأمر لاحقًا، لم يستطع إيجاد سبب منطقي لكونه أفصح عن اسمه الحقيقي في تلك اللحظة، دون تزييف أو خداع.

 

 

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

كان الأمر ببساطة نتيجة اندفاع غريزي، استجابة تلقائية لعقل أُنهك من تكرار الموت غير المنطقي والعبثي في فترة قصيرة. لم يكن سوى إجابة استنبطها ذهنه المضطرب في لحظة ارتباك.

 

 

 

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

لكن…

 

 

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

 

 

 

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

 

 

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

“بالضبط.”

 

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

 

 

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

“――――”

 

وقد أرسلته إلى جزيرة العبيد لأسباب معينة… وكل ذلك كان――”

—

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

 

 

“أحضرتهم معي.”

 

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

 

 

 

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

لكن الأهم من أصله بالنسبة لناتسومي شوارتز، كان منصبه—

 

 

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

 

 

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

 

 

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

 

 

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

 

 

 

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

“لم أستدعِك.”

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

 

 

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

“――أن ماذا؟”

 

 

“… علاقتكما معقدة؟”

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

 

 

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

 

 

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

اتسعت عين الفتاة الحمراء اليُمنى قليلاً، ثم لوّت شفتيها، مما يدل على أنها لم تُعجب بإجابة سوبارو. لكنه لم يكن يبالي، لأنه لم يقل سوى الحقيقة.

 

 

 

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

 

 

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

“――روي أرنيب.”

 

 

 

تمتم سوبارو بذلك الاسم، وهو يشير إلى الفتاة—إحدى أساقفة الخطايا السبع، وصاحبة خطيئة “الشراهة”.

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

 

 

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

تمتم سوبارو بذلك الاسم، وهو يشير إلى الفتاة—إحدى أساقفة الخطايا السبع، وصاحبة خطيئة “الشراهة”.

على أي حال—

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

 

 

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

وأمام هذا التحوّل الذي يشبه نوعًا ما طقسًا مسرحيًا غروتسكيًا من فن الـ«نو»، لم يكن ما خطر على بال سوبارو – شوارتز سوى مشاهد التحول البطولية لأبطال العدالة أولئك.

“أراكيا.”

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

 

 

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

 

 

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

 

 

 

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

 

 

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

 

 

لكن خلافًا لحاملها الأصلي، أسقف الكسل من أساقفة الخطايا السبعة، فإن هذه القدرة في يد سوبارو لا تختلف كثيرًا عن ذراع ثالثة غير مرئية. وإن لم تستطع ذراعاه العاديتان كسر الجدران، فلن يفلح بها كذلك، حتى وإن كانت خارقة.

“――فينسنت فولاكيا.”

لكن الأساس؟ لا، هذا يعود أصله إلى مكان آخر. بلدتي الأم. خَلف ما يسمّى بـالشلال العظيم…”

 

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

“――――”

 

 

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

تجمد سوبارو في مكانه.

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

كرر ذلك الرجل الوسيم ذو الشعر الأسود اسمه لسوبارو، وهو يجلس خلف مكتب مصنوع من خشب الأبنوس.

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

 

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

 

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

“أراكيا-تشان؟”

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

 

 

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

 

 

 

“مُجرد مزحة؟”

 

 

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

 

“همم…”

 

 

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

 

 

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

 

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

 

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

 

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كل ما تعلمه سوبارو خلال عام كامل عن ثقافة وعادات هذا العالم، أصبح بلا فائدة هنا، في أرض تختلف تمامًا عن مملكة لوغونيكا، حيث يوجد الآن في العاصمة الإمبراطورية، أمام أحد أعظم رجالها نفوذًا.

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

 

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

 

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

 

 

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

“وهذه؟”

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

 

 

أشارت أراكيا نحو روي، متسائلة.

 

 

 

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

 

 

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

 

 

 

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

 

 

 

“تحدث، ناتسكي سوبارو.”

 

 

 

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

 

 

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

 

 

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

“أعرف أن كلامي يبدو مريبًا للغاية، لكن فكروا فيها… أي سبب سيدفعني لاختلاق قصة كهذه من الأساس؟ لهذا، أتمنى أن تصدقوني…!”

 

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

 

 

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

 

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

“في هذه اللحظة، لا بد أن إيميليا-تان وبياتريس يشعرون بقلق شديد… لم أكن لأتخيل أنني سأجد نفسي فجأة في الإمبراطورية، بل وأكثر من ذلك، داخل أراضي القصر الإمبراطوري نفسه.”

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

 

 

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

 

 

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

 

 

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

“أفهم ذلك الآن…”

 

 

 

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

 

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

 

 

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

 

 

 

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

 

 

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

 

“بالطبع لدي اعتراض، وهذا أمر بديهي.”

“――! مَن هناك؟!”

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

 

 

فجأة، سمع سوبارو صوت شخص ثالث، مما جعله ينتفض ويرتد بكتفيه، قبل أن يستدير بسرعة باتجاه مصدر الصوت.

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

وهذه المرة، استقبلتها ريم بين ذراعيها، معانقة إياها وكأنها تحميها، ثم رمقت سوبارو بنظرة مليئة بالتوبيخ، قائلة:

 

“لم أتوقع… أن يخلو قلبي من أي مشاعر. ــ حتى وأنا أحدّق إلى العرش المفقود، من هنا، من الأسفل.”

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

 

 

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

 

 

 

“لم أستدعِك.”

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

 

 

“ألم أقل للتو؟ لقد أتيت وفقًا لنداء القدر. نادرًا ما يُلقى عليّ هذا الدور، لذا عندما تحين الفرصة، لا بد أن أتصرف كما يليق بـ ’قارئ النجوم‘.”

“آه.”

 

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

~~~

 

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

 

 

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

“لا أنكر وجود الخطر. ولكن، بالنسبة لغريب مثلي أو لريم، فالإمبراطورية كانت دومًا كجُحر النمر — لا يُمكنك الظفر بشيء مالم تدخله. وإن كان الخروج من جُحر النمر مرفوع الرأس يتطلّب المخاطرة، فسأخاطر… ولكن بطريقة تضمن أعلى قدر ممكن من فرص الفوز!”

 

 

“أكرهه.”

 

 

 

“لا أسأل عن تفضيلاتك الشخصية، بل عن موقعه الرسمي.”

 

 

 

“آه، عذرًا، عذرًا. أنا سيئ في مثل هذه الأمور. حسنًا، يمكنني أن أقدّم نفسي على أنني أوبيرك، الشخص الذي يعمل كـ ’قارئ النجوم‘ هنا في القصر البلوري. يُسعدني التعرف إليك، أيا ’قارئ النجوم‘ من المملكة.”

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

 

 

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

 

 

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

 

 

ظل أوبيرك يحتفظ بابتسامته المستهترة وهو يوجه هذا اللقب إلى سوبارو، ما جعل الأخير يميل برأسه في حيرة، إذ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقصده.

 

 

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

 

 

 

“ناتسوكي سوبارو… ’قارئ نجوم‘؟ هل أنت متأكد؟”

 

 

 

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

 

 

 

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

 

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

 

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

 

 

“لقد قرأت النجوم. وهذا الفتى… سيكون ذا فائدة لمعاليك.”

 

 

 

بإشارة بسيطة من ذقنه، نطق أوبيرك بتلك الجملة وكأنه يقرر مصير شخص ما بكل بساطة. أما سوبارو، فقد أشار إلى نفسه متسائلًا: “أنا؟”

“أوغهاه!”

 

 

لم يكن يفهم شيئًا مما يجري، لكنه شعر أنه بات مجرد موضوع نقاش بينهم، وكأن وجوده أصبح قرارًا لا يُسأل فيه عن رأيه.

~~~

 

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

 

 

 

“رهينة مناسبة؟… لا تقل لي أنك تقصد…!”

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

 

“――――”

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

على الأقل، لم يسمع أي إشاعة تفيد بأن أقوى شخص في الإمبراطورية قد انشق وانضم إلى المتمردين.

 

 

“اغغ… نغغ…!”

 

 

 

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

 

 

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

 

 

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

 

 

 

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

 

 

 

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

 

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

’لا أستطيع تقبّل أن يُنظر إلى المناورات في الأوقات الحرجة وكأنها دناءة في الطبع!‘ -أوتو

 

 

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

 

 

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

 

 

 

وكما كان متوقعًا—

“…ذلك هو—”

 

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

 

 

“حالة حرب…؟! هل يعني هذا أن هناك حربًا قادمة؟! ضد من… مع من؟!”

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

 

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

“هنا.”

 

 

 

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

 

 

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

“――――”

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

“هنا… هل تعني أن الإمبراطورية نفسها في حالة حرب داخلية؟!”

 

 

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

 

 

“…”

 

 

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

 

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

بعيون حادة كعيون الطيور الجارحة، وبوجه يحمل هيبة الحاكم المطلق—أعلن إمبراطور فولاكيا:

 

 

 

“بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إلى هنا، إن كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة، فعليك أن تنضم إلي. —لأجل أن أحافظ على هذه الإمبراطورية كما ينبغي لها أن تكون، تحت يدي أنا، فينسنت فولاكيا.”

 

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

—هذا موقف كارثي، بلا أدنى شك.

 

 

 

“…”

 

 

 

أمام إعلان فينسنت فولاكيا، انفجر الغضب داخل سوبارو، غضب ضد القدر الجائر الذي اختبره منذ استدعائه إلى هذا العالم.

 

 

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

لقد واجه الكثير من الأوضاع الظالمة من قبل. فقد كان الكابوس الذي مرّ به في برج “بلياديس” حافلًا بالكثير من اللحظات القاسية، حتى كاد أن يكون الأشد قسوة على الإطلاق.

—

 

 

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

“حالة حرب…؟! هل يعني هذا أن هناك حربًا قادمة؟! ضد من… مع من؟!”

 

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

 

 

غير أن――،

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

 

 

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

“آه.”

 

 

 

“هـ… همم…”

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

 

 

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

“ومن هنا يأتي اسم ناتسومي شوارتز.”

 

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

 

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

“ريم! هل أنتِ بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ هل تعانين من أي إصابات أو شعور بعدم الراحة؟ إن شعرتِ بأي شيء غير طبيعي، فعلينا أن—”

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

 

 

“—لماذا أنت هنا؟!”

“أوه…؟”

 

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

“غواااه!!”

 

 

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

 

 

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

 

 

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

 

في معظم الحالات، كان أولبارت وكافما يلقون حتفهم بضربة قاتلة من أراكيا، لكن الشخص الذي كان يهيئ الظروف التي تؤدي إلى تلك الضربة كان دائمًا ذلك الرجل ذو عصابة الرأس.

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

“…ذلك هو—”

 

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

“… جلالتك؟”

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

 

 

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

 

 

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

 

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

 

 

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

“أوه…؟”

 

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

 

 

~~~

 

 

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

بالطبع، ما إن تمكن من العودة إلى العاصمة الإمبراطورية، حتى حرص على زيارة ريم والتأكد من حالتها وما إذا كانت على ما يرام. وعلى الرغم من أنها ما زالت تعاني من خدر في ساقيها، إلا أنها أصبحت قادرة على الحركة بشكل ملحوظ. ريم، التي كانت دائمًا حساسة تجاه الآخرين، أظهرت مجدداً شخصيتها المُراعية واللطيفة، مما جعلها تتصرف بحرية نسبية في قصر بيرلستيتز. حتى مع فقدانها للذاكرة، كانت بعض جوانب شخصيتها واضحة بما يكفي لإشعال دفء قلب سوبارو.

 

 

كان هذا هو الجُرم الذي ارتكبه كل من سوبارو وريم، وهو جرم يمكن أن يؤدي بهما إلى الإعدام سبع مرات على الأقل.

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

 

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

 

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

 

 

 

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

 

 

 

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

 

 

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

 

 

 

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

“أوا… إيو… ــآه، أوه…”

 

 

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

 

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

فيما يتعلق بهذه النقطة، فإن الحقيقة هي أن جميع الطرق الأخرى كانت تؤدي إلى نهايات سيئة بلا استثناء، مما جعل هذا الخيار الوحيد الممكن بطريقة الاستبعاد. ومع ذلك، كان من الواضح أن هذا الشرح لن يُقنع هذا العجوز ضيّق العينين.

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

 

مستشار الإمبراطورية، بيرلستيتز فوندالفون.

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

 

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

“أعلم أنه لن يغير شيئًا مهما قُلت، لكن ليس لدي أي مؤامرات أو مخططات خفية. وبكل صراحة، أريد فقط العودة بسرعة إلى لوغونيكا.”

 

 

 

“كما قلت، لن يغير ذلك شيئًا. ففي ظل الوضع الحالي، حيث تم تقييد عبور الحدود، سيكون من الطيش إعادة شخص لا تزال تحوم حوله شبهات العمالة والتجسس.”

 

 

“……”

“تطرح حججك بلا أي ثغرات…”

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

 

 

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

 

 

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

 

 

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

 

 

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

 

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

أو ربما السبب الأكبر وراء احتجازه في قصر بيرلستيتز، الذي يخضع لحراسة أشد من القصر البلوري وقصره الفرعي، كان ـــ

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

تعليق المُترجم:

“لقد عدتُ، تشا!”

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

 

في طريقه للعودة إلى الغرفة التي خُصصت له بعد انتهاء استجواب بيرلستيتز، لمح سوبارو من خلال حديقة القصر تنينًا طائرًا يهبط مع هبة ريح، ومن على ظهره قفز ظل صغير.

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

 

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

كانت هناك فتاة ذات شعر بلون السماء وزوج من القرون السوداء، ترتدي ملابس جميلة ــ لكن على عكس مظهرها اللطيف، كانت تمتلك قوة قتالية مذهلة لا تُصدق.

وفي تلك اللحظة، مرت في ذهنه وجوهٌ كثيرة، دون أن يرمش حتى. وجوه أولئك الذين خدعهم جميعًا. ومع كل وجهٍ مرّ، طعنته في قلبه وخزه من الذنب، ومع ذلك تنفّس بهدوء وقال:

 

 

“مادلين-تشان.”

 

 

“وفقًا لمعاييري، كان فقدانك هناك خسارة أكبر من أي ضرر ممكن.

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

× × ×

 

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

 

 

 

بمجرد أن عادت التنينة البشرية مادلين، لاحظت نداء سوبارو لها، فشخرت بأنفها بضيق.

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

 

 

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

 

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

لكن الحقيقة أن موقفها الحاد لم يكن موجهًا لسوبارو وحده، بل تجاه جميع سكان القصر أيضًا…

 

 

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

“الجنرال مادلين، كيف كان الأمر؟ أولئك الذين يسعون إلى إطلاق سراح الجنرال غوز…”

 

 

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

 

 

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

 

 

 

“همف، يا له من عجوز ممل، تشا.”

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

 

 

رفعت مادلين كتفيها بلا اكتراث تجاه رد بيرلستيتز. وعلى ظهرها، كانت تحمل سلاحًا ضخمًا—بوميرانغ بحجم يقارب حجم جسدها الصغير.

 

 

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

 

 

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

 

 

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

 

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

 

 

 

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

 

 

 

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

 

 

 

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

 

 

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

 

 

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

 

 

 

لكن لا مجال للاستسلام الآن.

 

 

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

 

 

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

“――أن ماذا؟”

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

 

 

“وووهااااه؟!”

 

 

 

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

 

 

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

 

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

“ووو؟”

 

 

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

 

 

 

“آه… آوو…”

 

 

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

 

 

 

وهذه المرة، استقبلتها ريم بين ذراعيها، معانقة إياها وكأنها تحميها، ثم رمقت سوبارو بنظرة مليئة بالتوبيخ، قائلة:

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

 

 

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

ثم أصبح تشيشا غولد،

 

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

 

 

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

ثم—،

“――――”

 

 

 

“ما هذه النظرة المتأثرة فجأة؟”

 

 

 

“لا، لا شيء… فقط، سماعك تقولين لي أني كريه الرائحة بهذه الطريقة مجددًا جعلني أشعر بشيء من الحنين…”

 

 

“أوه!”

“…هاه؟”

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

نظرت إليه ريم ببرود، لا تبدي أي تفاعل مع مشاعره المتدفقة. وبما أنها فقدت ذاكرتها، فإنها لم تتذكر أي شيء عن سوبارو، لكنها لا تزال تمتلك حاسة الشم القوية التي تسمح لها بإدراك الهالة المظلمة التي تحيط به. لذا، كان من المستحيل أن تطلب منه أن يثق بها بشكل أعمى.

 

 

“أوه!”

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

“أوغهاه!”

 

“اغغ… نغغ…!”

“مقارنة بالوقت الذي لم نكن قادرين فيه حتى على الحديث بهذه الطريقة… الفرق بين الآن وما كان عليه الوضع آنذاك كالفرق بين السماء والأرض.”

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

 

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

 

 

 

على الرغم من ردود الفعل الباردة التي تلقاها، إلا أن مشاعر الفرح غلبت على الألم لدى سوبارو، مما جعل ريم تشعر بحالة معقدة يصعب وصفها.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

 

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

لكن لا مجال للاستسلام الآن.

 

 

ومع ذلك، كان يأمل أن يتمكن من التقرب منها أكثر قليلًا، مثل…

——

 

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

“يا فتاة الشيطان، لقد عادت التنين. تعالي وساعديني في الاستحمام.”

 

 

 

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

 

 

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

 

 

 

“يبدو أن القائدة مادلين وريم قد تقاربتا كثيرًا.”

 

 

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

 

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

 

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

 

 

 

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

 

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

 

وفي اللحظة التالية—

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

 

 

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

~~~

 

 

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

 

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

 

 

لكن، مع ذلك—

 

 

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

 

 

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

 

 

“هـ… همم…”

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

 

«ـــ ها؟»

“أوه!”

 

 

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

 

 

—

وعندما همّ سوبارو بانتزاع روي من ريم بالقوة—

 

 

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

 

 

ارتفع صوت ينادي اسمه، مما جعل عينيه تتسعان دهشة.

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

 

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

 

 

 

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

 

 

 

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

 

 

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

 

 

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

بمعنى آخر—

 

 

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

 

 

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

 

ثم—،

وفي كل الأحوال—

 

 

 

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

 

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

 

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

 

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

~~~

 

 

—

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

 

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

“ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟”

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

 

 

“بالطبع لدي اعتراض، وهذا أمر بديهي.”

“… علاقتكما معقدة؟”

 

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

 

~~~

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

 

 

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

 

 

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

“لن أكررها مرة ثالثة. أجب عن سؤالي باحترام، وإحذر مما ستقوله.”

 

 

“……”

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

 

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

على أي حال—

 

 

انفجر سوبارو غاضبًا، فقد كان يُجبر في الوقت الحالي على مرافقة فينسنت في رحلته الاستكشافية.

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

 

 

بعد أن جاء كافما إلى قصر بيرلستيتز وأخذه إلى القلعة، لم يوضح له فينسنت أي شيء، بل أصدر أمرًا مباشرًا ومتعجرفًا: “سترافقني في هذه الرحلة.”

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

 

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

 

 

 

“السيد كافما قال لي أن جلالتك لن تخفي عني أي معلومة ضرورية، أليس كذلك؟”

 

 

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

 

“لقد انتهيت.”

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

 

 

 

“بالطبع أحتاج!”

“أوه! آغغع، آآه..!”

 

ولكن…

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

 

 

 

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

 

 

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

 

 

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

 

 

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

 

 

شعر أسود طويل ومستعار، وزيّ عسكري أنيق باللون الأحمر يخفي ملامح جسده، مع مكياج متقن جعله يبدو كأنثى مثالية بكل تفاصيلها.

 

 

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

 

 

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

 

 

“آه.”

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

 

ظل أوبيرك يحتفظ بابتسامته المستهترة وهو يوجه هذا اللقب إلى سوبارو، ما جعل الأخير يميل برأسه في حيرة، إذ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقصده.

“――――”

 

 

 

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

 

 

 

لم يكن سوبارو – شوارتز خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه كان يدرك أن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وإن بدا عملاً خيرياً في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

“…ماذا؟”

 

 

فالأمر لا يقتصر على كونه مجرد قصة جميلة عن فارس من المملكة يمد يد العون في محنة الإمبراطورية — فالفرق بين القصص الخيالية والواقع يكمن في هذه التفاصيل.

 

 

 

“ومن هنا يأتي اسم ناتسومي شوارتز.”

 

 

 

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

 

لقد واجه الكثير من الأوضاع الظالمة من قبل. فقد كان الكابوس الذي مرّ به في برج “بلياديس” حافلًا بالكثير من اللحظات القاسية، حتى كاد أن يكون الأشد قسوة على الإطلاق.

“ميول…؟”

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

 

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

 

 

 

“أرجو أن لا تقارنني بذلك الرجل ذو الوظيفة الغامضة. ثم، ما حقيقة أمره أصلاً؟ هل هو مجرد مهرج محترف وُضِع بجانب ملك من العصور الوسطى لتسليته في أوقات الملل؟”

 

 

 

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

 

 

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

لكن…

 

 

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

 

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

 

 

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

 

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

“…”

 

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

 

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

 

 

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

 

 

“أمل، إذن؟”

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

 

 

“أوووورراااا!!”

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

 

 

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

 

بطبيعة الحال، كلما كانت نقطة العودة أقرب إلى لحظة الموت، قلت الخيارات المتاحة له وقلت فرصته لوضع خطط مناسبة، مما اضطره إلى تذوق أهوال الموت مرارًا وتكرارًا. هذا التغير غير المفسَّر الذي طرأ على “العودة بعد الموت” جعله يعتقد أن الأمر ربما له علاقة بكونه لم يعد في مملكة لوغونيكا، بل في إمبراطورية فولاكيا.

 

 

 

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

“…”

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

 

 

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

 

 

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

 

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

 

 

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

 

 

 

“——؟”

قال مبارز السيفين وهو يفرقع عنقه مبتسمًا، بينما حدق الرجل ذو العصابة بعينين باردتين نحو فينسنت وسوبارو – شوارتز. لكن قبل أن يتمكن من التحرك، وقف كافما الممزق والمرهق بين العدوين وبين فينسنت ورفيقه، وكأنه يحميهما بجسده.

 

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

“لا تهتم، مجرد كلمة زائدة.”

“———”

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

 

 

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

 

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

عَبرت شوارتز عن ثمار جهودها في جمع المعلومات، مؤكدة أنها لم تكن تلهو. غير أن الإمبراطور فينسنت لم يظهر أي رد فعل يُذكر، بل اكتفى بإيماءة صغيرة برأسه.

 

 

 

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

 

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

“أرسلنا ‘أراكايا’ لقمع المتمردين، لكنها لم تعد. الأرجح أنها قُتلت أو تم احتجازها.”

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

 

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

جاءت الأخبار الصادمة فجأة، مما جعل عيون سوبارو – شوارتز تتسع في دهشة.

 

 

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

 

 

لو أن أحد الأشخاص الذين قتلوا سوبارو – شوارتز سابقًا قد عثر على ريم حينها، لربما كانت قد تعرضت لمصير مريع لا يُغتفر. ولهذا، كانت أراكايا في نظر سوبارو – شوارتز شخصًا يستحق الامتنان. لكن الآن…

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

“لماذا لم تخبرني بذلك من قبل!؟”

 

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

“لا مبرر لإخباركِ. كانت تشغل منصب ‘الجنرال الثاني’ في الإمبراطورية، ووضعها العسكري يعتبر سرًا قوميًا. في الواقع، مجرد إخباري لكِ الآن يُعد أمرًا استثنائيًا.”

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

 

 

“——”

في خضم ارتباكه وحماسته، أدركت ريم ما كان يدور في ذهن سوبارو، فما كان منه إلا أن بدأ يتوسل إليها باضطراب واضح. تنهدت ريم أمام توسلاته، ثم جذبت روي إليها بذراع ممدودة، وقالت:

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

 

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

“ولهذا السبب…”

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

 

 

“بالضبط.”

 

 

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

عقد فينسينت ذراعيه وهزّ رأسه، بينما خفض سوبارو شوارتز نظره إلى الأسفل.

 

 

 

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

 

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

 

 

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

’اذا استعنت بـ ‹العودة بعد الموت›…‘ ربما كان ليتمكن من إنقاذها.

 

 

 

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

 

 

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

 

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

“وهذه؟”

 

 

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

 

 

 

كان يُلقّب بـ “الإمبراطور الحكيم” وحظيَ بدعم شعبه. ومع ذلك، فإن يورنا ميشيغري، المعروفة بلقب “ذات الألوان الزاهية”، لم تكن مجرد متمردة ضعيفة تهبّ مع الريح، بل كانت قد اشتبكت معه مرارًا وتكرارًا عبر محاولات انقلاب حقيقية.

 

 

 

“من الواضح أنها من النوع الذي لن يفوّت فرصة كهذه.”

 

 

 

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

 

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

 

 

 

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

 

 

كردّ اعتبار بسيط، قرر سوبارو – شوارتز ألّا يفسر أي كلمات من العصر الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك، ثم حوّل نظره إلى نافذة العربة المتحركة، متذكّرًا جيدًا الدور الذي يُتَوقع منه أن يؤديه في المدينة الشيطانية.

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

 

 

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

 

 

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

 

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

على الرغم من أن هذا كان يبدو محيرًا جدًا، إلا أن “فيريس” لم يهتم بانذهال سوبارو من المشهد، واستمر في علاج جرحه بينما كانت التشققات تتوسع على وجهه.

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

وبالتالي، همَّ سوبارو – شوارتز بصفع وجنتيه ليحفّز نفسه، إلا أنه تراجع عن الفكرة خشية أن يُفسد مكياجه. وبدلًا من ذلك، مرّر أصابعه عبر خصلات شعره السوداء اللامعة بحركة واثقة وكأنه امرأة فاتنة، ثم قال:

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

 

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

 

 

 

“لا داعي لأن تذكرني بذلك! فسواء كانت إيميليا تان، أو بياكو، أو ريم، فهن دائمًا في ذهني، على مدار الساعة!”

 

 

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

“—هاه…”

 

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

 

 

 

وهكذا—،

هناك، على أنقاض مبنى منهار، وقف رجل ذو شعر أسود وملابس حمراء، يشبه في مظهره فينسينت نفسه. لكنه كان يخفي وجهه خلف قناع شيطاني، وكان معروفًا كزعيم المتمردين الذين تآمروا مع غوز لارفون للإطاحة بالعرش الإمبراطوري.

 

 

~~~

“لا داعي لأن تبدو بهذا الاكتئاب. لولا ذكاؤك ونصائحك، لما نجا أولبارت بذراع واحدة فقط، وربما كان كافما قد فقد حياته أيضاً. ولو حدث ذلك، فمن يدري إن كنا سنعود نحن أيضاً سالمين؟”

 

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

 

 

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

 

 

 

بينما شدّت وتر قوسها بقوة، انطلق منه صوت حاد شقّ الهواء، وفي اللحظة التالية، اندفع سوبارو – شوارتز ليُبعد الإمبراطور جانبًا، فانغرس السهم في خاصرته، ممزقًا جسده بعنف.

هناك، على أنقاض مبنى منهار، وقف رجل ذو شعر أسود وملابس حمراء، يشبه في مظهره فينسينت نفسه. لكنه كان يخفي وجهه خلف قناع شيطاني، وكان معروفًا كزعيم المتمردين الذين تآمروا مع غوز لارفون للإطاحة بالعرش الإمبراطوري.

 

 

“—هاه…”

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

 

 

“لماذا لم تخبرني بذلك من قبل!؟”

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

 

 

“أن تقول عني ذلك… كم هذا قاسٍ… أنا، بعد كل شيء، شعاري هو فعل الخير كل يوم…”

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

 

 

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

بعيون حادة كعيون الطيور الجارحة، وبوجه يحمل هيبة الحاكم المطلق—أعلن إمبراطور فولاكيا:

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

 

 

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

“… آاا، أُو؟”

 

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

 

 

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

 

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

“السماء… هذا سيجعلني أشعر بسوءٍ أكبر…”

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

 

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

 

 

 

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

 

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

ما كان يهيمن على المدينة الآن لم يكن مشهدًا من الحرية المطلقة، بل كان دمارًا— معارك بين كيانات تتجاوز حدود الفهم البشري، تحطم المباني وتعيد تشكيل الشوارع بعنف.

 

 

 

“هاهاها! لم أتوقع أن أواجهك بهذه الطريقة، أراكيا!”

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

 

بريسكا بِنديكت.

“إن لم يعجبكَ ذلك، فتراجَع.”

وبعد ذلك――

 

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

 

تجمد سوبارو في مكانه.

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

 

 

 

— أولبارت دانكلكين، “الشيخ القاسي”.

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

 

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

 

 

 

“الجنرالات التسعة العظماء”— النخبة في إمبراطورية فولاكيا، والمعروفون جميعًا بشجاعتهم الفريدة.

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

 

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

“لم يخطر ببالي أن أراكيّا ستنضم إلى صفوفهم أيضا… عدم تمكني من استباق تدخلها، هل كان هذا خطأي؟”

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

 

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

 

 

 

لكن لم يكن لديه سوى القليل من الحلفاء في هذه الفوضى. حتى أقوى مقاتليه، الذي أحضره معه لحمايته، كان منشغلًا تمامًا في قتال ضارٍ ضد أوربارت، الذي كان يلاحق بلا هوادة حياة امرأتين وهو يضحك بجنون.

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

 

 

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

“— فينسينت فولاكيا!”

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

“………”

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

 

 

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

 

 

 

هناك، على أنقاض مبنى منهار، وقف رجل ذو شعر أسود وملابس حمراء، يشبه في مظهره فينسينت نفسه. لكنه كان يخفي وجهه خلف قناع شيطاني، وكان معروفًا كزعيم المتمردين الذين تآمروا مع غوز لارفون للإطاحة بالعرش الإمبراطوري.

 

 

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

“بالضبط.”

 

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

 

 

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

 

 

 

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

 

 

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

 

 

 

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

 

 

 

“أَبيل…”

 

 

 

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

 

 

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

~~~

 

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

 

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

“—!”

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

 

“أوغهاه!”

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

 

 

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

 

 

“— سيدي!!”

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

 

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

 

 

جحافل الموتى الذين عادوا إلى الحياة، تقودهم “ساحرة” تتوق إلى سقوط الإمبراطورية، وتشرع في إحراق العالم.

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

 

 

 

ولكن—

 

 

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

“أوووورراااا!!”

 

 

 

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

 

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

 

 

 

“—فشلنا، فشلنا.”

 

 

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

 

 

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

 

 

 

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

 

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

قال مبارز السيفين وهو يفرقع عنقه مبتسمًا، بينما حدق الرجل ذو العصابة بعينين باردتين نحو فينسنت وسوبارو – شوارتز. لكن قبل أن يتمكن من التحرك، وقف كافما الممزق والمرهق بين العدوين وبين فينسنت ورفيقه، وكأنه يحميهما بجسده.

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

 

 

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

 

 

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

 

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

 

“—هاه…”

أدرك فينسينت أن هذه المعركة قد حُسمت، فاستدار وركض حاملًا سوبارو – شوارتز.

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

 

“—لماذا أنت هنا؟!”

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

 

 

 

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

 

“—غغ…”

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

 

 

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

 

 

حين أغلق الإمبراطور عينيه، أدرك سوبارو – شوارتز أمرًا غريبًا— لم يسبق له أن رأى فينسينت وهو يغمض كلتا عينيه في وقت واحد.

 

 

 

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

 

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

 

 

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

 

 

 

كان الصوت يشبه أزيز الجلد الذي يُنتزع عن العظام، أو كأنما يُنتزع اللحم من الجلد، صوت يجعل الأذن تتمزق لسماعه. تدريجيًا، بدأ وجه فينسنت يتقشر ويختفي، متحولا إلى غبار ببطء بين يديه.

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

 

 

“———”

 

 

 

كان المشهد أمامه كما لو كان كابوسا فظيعا في ليلة مظلمة، أو تشويشًا في العقل يسبق الموت. لكن، رغم أن وجهه قد انزاح، أخذ فينسنت يضع يده الأخرى على وجهه، ليضع “قناعًا” جديدًا.

 

 

 

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

 

 

“… فيريس؟”

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

“أوا… إيو… ــآه، أوه…”

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

 

 

 

“———”

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

 

 

 

كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذا المشهد الغريب الذي جعل سوبارو – شوارتز في حالة من الذهول. لكن الأخير، بينما كان يواصل تجاهل ارتباكه، وضع يده البيضاء على الجرح الذي أصاب سوبارو.

 

 

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

 

 

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

 

 

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

 

 

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

 

 

 

“لا أدري لما انبعثت هذه الشكوك في ذهنك… لكن لا.”

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

 

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

 

وبالتالي، همَّ سوبارو – شوارتز بصفع وجنتيه ليحفّز نفسه، إلا أنه تراجع عن الفكرة خشية أن يُفسد مكياجه. وبدلًا من ذلك، مرّر أصابعه عبر خصلات شعره السوداء اللامعة بحركة واثقة وكأنه امرأة فاتنة، ثم قال:

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

كما قال له منذ لحظات…

 

“………”

“سأستفيد من المانا المحشورة داخل جسدك التي لا تجد مخرجاً. على أي حال، لو تُركت هكذا، لانفجرت بسبب عطل في الصمامة. لن أسمح بأي اعتراضات.”

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

 

على أية حال…

على الرغم من أن هذا كان يبدو محيرًا جدًا، إلا أن “فيريس” لم يهتم بانذهال سوبارو من المشهد، واستمر في علاج جرحه بينما كانت التشققات تتوسع على وجهه.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

 

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

“――――”

 

 

“لقد انتهيت.”

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

 

بأن النتيجة ستتحقق.

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

 

 

بالرغم من شفاء جراحه وإنقاذ حياته، إلا أن سوبارو الذي كان مستلقياً لم يستطع الحركة، مشاهداً كابوساً لا يقل رعباً عن لحظات احتضاره.

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

من تحت وجه “فيريس المزيف” الذي تمزق، بدأ وجه جديد في الظهور، ليس وجه فينسنت ولا “فيريس المزيف”، بل وجه مجهول. ــ لا، لم يكن مجهولًا تمامًا.

 

 

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

 

 

 

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

 

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

 

“النجوم؟… لا أنكر أنني أحبها، لكنني لم أتحدث معها قط. ما قلته الآن هو مجرد استنتاج مبني على الخبرة، وممزوج ببعض الأمل.”

“ـــ تشيشا غولد”

 

 

 

“…ماذا؟”

“أوغهاه!”

 

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

 

 

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

 

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

 

“…ماذا؟”

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

 

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

 

 

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

“أحضرتهم معي.”

 

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

تمتم سوبارو بذلك الاسم، وهو يشير إلى الفتاة—إحدى أساقفة الخطايا السبع، وصاحبة خطيئة “الشراهة”.

 

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

 

“…”

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

 

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

~~~

 

 

“أكرهه.”

أوضح تشيشا أنه يُطلق على قدرته التي تُمكّنه من تغيير مظهره اسم “نو”.

 

 

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

 

 

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

—

 

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

 

 

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

 

 

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

“النجدة! أنقذوني!!”

 

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

 

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

 

 

 

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

 

 

 

“همم، وما رأيك أنت؟ هل تظن أنني مدفوع بالطموح؟”

 

 

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

 

 

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

 

 

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

 

 

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

 

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

“النجوم؟… لا أنكر أنني أحبها، لكنني لم أتحدث معها قط. ما قلته الآن هو مجرد استنتاج مبني على الخبرة، وممزوج ببعض الأمل.”

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

 

 

“أمل، إذن؟”

 

 

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

 

 

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

 

 

“أنا أتخذ الخطوات اللازمة لإنقاذ الإمبراطورية من مستقبلها المحتوم بالدمار.”

 

 

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

 

 

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

“أنت!!”

 

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

 

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

“أجل، هذا صحيح.”

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

 

“… علاقتكما معقدة؟”

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

 

 

 

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

 

 

 

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

“أووه؟”

 

 

“لدي سؤال واحد فقط.”

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

 

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

 

 

“قدرتك، التي تسمح لك بالتنكر في هيئة الآخرين… هل يمكنك استخدامها بلا حدود، متى شئت؟”

 

 

بالرغم من شفاء جراحه وإنقاذ حياته، إلا أن سوبارو الذي كان مستلقياً لم يستطع الحركة، مشاهداً كابوساً لا يقل رعباً عن لحظات احتضاره.

“لا… لا يمكنني ذلك.”

 

 

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

 

 

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

 

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

كان وجود فينسنت فولاكيا جوهريًا في مخطط تشيزا.

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

 

 

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

 

 

“من الواضح أنها من النوع الذي لن يفوّت فرصة كهذه.”

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

 

 

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

“هاه… هاه…!”

 

 

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

 

 

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

“…”

 

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

 

 

 

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

 

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

ولهذا السبب—

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

 

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

“『الكارثة العظمى』.”

 

 

 

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

 

 

 

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

 

 

 

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

 

~~~

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

 

 

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

 

 

وفي اللحظة التالية—

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

 

 

 

“فهمت.”

 

 

 

تم اتخاذ القرار.

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

 

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

 

لكن رغم ذلك كله—

 

 

 

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

 

 

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

“لقد عشت في المملكة لأكثر من عام، لذا أستطيع على الأقل أن أُرشدكَ إلى الأماكن القريبة!”

 

 

~~~

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

“مجددا؟――”

 

 

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

 

 

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

 

 

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

“――!”

 

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

 

 

كان هذا الرجل غوستاف موريلو، الذي أغلق فمه الممتلئ بالأنياب، وعقد أذرعه الأربعة القوية على صدره الضخم، متخذًا وضعية صارمة.

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

× × ×

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

 

 

 

لكن الأهم من أصله بالنسبة لناتسومي شوارتز، كان منصبه—

 

 

 

“—حاكم جينونهايف، ‘جزيرة عبيد السيف’، غوستاف موريلو.”

 

 

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

“هذا هو لقبي الصحيح. شكرًا لتذكيري، أيها الجنرال تشيشا غولد.”

 

 

“–.—-.——– أها، فهمت.”

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

«ـــ ها؟»

 

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

صدام شرارتي البرق مع الكيان الغامض المُكوَنِ من الظلال، كان أشبه بمُحاولة إختراق هاوية شديدة السواد بنور نَجمين ساطعين، عرضٌ مسرحيٌّ مهيب على مسرحٍ لا يُقام إلا مرةً واحدة في العمر…

 

 

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

 

 

 

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

 

 

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

“انتقاد؟ بالطبع لا. لكن ما يفعله الحاكم غوستاف هو تجسيد واضح لولائه المتين تجاه جلالة الإمبراطور، فهو يسعى بإخلاص لتنفيذ أوامره كما ينبغي. ألا تعتقدين أن عدم فهم هذه النقطة يعني أنكِ، في الواقع، لا تتوافقين مع إرادة جلالته؟”

 

 

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

“م- ماذا…؟!”

 

 

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

إذا كان هذا المشهد يبدو ممتعًا، فربما يكون لدى غوستاف جانب مرح غير متوقع. أما سوبارو – شوارتز، فقد كان يبذل قصارى جهده ليلعب دور الشريرة المتعجرفة، وكان يستمتع بذلك بالفعل.

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

 

 

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

“تشيشا!”

 

 

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

 

 

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

هدأت الاضطرابات في “المدينة الشيطانية” كايوس فلايم، ونجا أولبارت وكافما بصعوبة. كما انسحب أبيل ورجاله من أراكيا، وانتهى القتال دون انتصار حاسم لأي طرف.

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

 

 

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

 

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

 

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

ثم قال سوبارو:

 

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

 

 

أجاب تشيشا بهدوء:

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

“لسوء الحظ، على الرغم من أنني أتفق مع رئيس الوزراء بيرلستيتز في بعض النقاط، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بيننا. في نهاية المطاف، هذا الرجل العجوز ليس سوى سيفا للإمبراطورية، وهذا يعني أن نهاياتنا قد تتعارض بشكل لا يمكن التوفيق بينه. لذا…”

 

 

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

 

 

 

“حاليًا، نحن منشغلون تمامًا بالتعامل مع توسع نفوذ المتمردين. لذا، يمكننا افتراض أن بيرلستيتز لن يجد الوقت الكافي للانتباه إلينا لبعض الوقت.”

 

 

 

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

 

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

 

 

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

 

“――فينسنت فولاكيا.”

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

 

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

 

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

 

“ماذا؟ إذًا لن أسمح لك بالركوب.”

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

 

 

 

“أولبارت، هاه…”

 

 

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

“لا داعي لأن تبدو بهذا الاكتئاب. لولا ذكاؤك ونصائحك، لما نجا أولبارت بذراع واحدة فقط، وربما كان كافما قد فقد حياته أيضاً. ولو حدث ذلك، فمن يدري إن كنا سنعود نحن أيضاً سالمين؟”

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

 

 

حاول تشيشا أن يواسي سوبارو، الذي بدا محبطًا، لكن المشاعر كانت معقدة بالفعل.

 

 

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

 

 

 

لكن أكثر ما صدمه هو أن أولبارت، الذي يُفترض أنه أحد أقوى ثلاثة أشخاص في الإمبراطورية، قد لقي حتفه عدة مرات بسبب هجمات مفاجئة من أراكيا. ولم يكن هو الوحيد، إذ تعرض كافما أيضاً لمواقف مماثلة، مما أجبر سوبارو على بذل كل ما لديه لمحاولة إنقاذهما مراراً وتكراراً.

 

 

“لقد نزعتني عن العرش، وما ظننته مكسبًا لم يكن سوى سراب بلا جوهر. أشعلت نيران الحرب عبثًا، والإمبراطورية تشتعل الآن في لهيب لا داعي له. ــ وإن أردت، يمكنني إخمادها من فوري.”

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

 

 

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

في معظم الحالات، كان أولبارت وكافما يلقون حتفهم بضربة قاتلة من أراكيا، لكن الشخص الذي كان يهيئ الظروف التي تؤدي إلى تلك الضربة كان دائمًا ذلك الرجل ذو عصابة الرأس.

 

 

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

 

 

 

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

 

 

 

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

 

 

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

 

 

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

على أية حال…

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

 

“——”

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

 

 

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

ولكن—

 

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

 

 

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

 

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

 

 

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

إذا كان تشيشا، المعروف بحساباته الدقيقة، يقول ذلك، فربما يجب تصديقه. لكن لماذا يراوغ دائمًا عندما يسأل سوبارو عن طبيعة الإمبراطور؟

 

 

 

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

 

 

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

 

 

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

 

 

 

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

 

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

 

 

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

 

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

 

 

 

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

“أما الخامس، غوز لارفون، فقد سُجن بتهمة زائفة. الرابع، تشيشا غولد، تمرد ضد الإمبراطور. الثالث، أولبارت دانكلكن، مصاب. الثانية، أراكيا، تمردت وأصبحت خارج النطاق… لحظة، أين الأول اذن؟”

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

 

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

“…”

 

 

 

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

“ليس هناك داعٍ للحديث عن سيسيلوس.”

غير أن――،

 

 

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

 

 

 

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

 

 

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

على الأقل، لم يسمع أي إشاعة تفيد بأن أقوى شخص في الإمبراطورية قد انشق وانضم إلى المتمردين.

 

 

“الوضع في الإمبراطورية يقتضي أن لا يعرف أحد بتورطي في تلك الاضطرابات، ولذلك لا بد من استمرار ظهور ناتسومي شوارتز. إنه أمر مفروض عليّ.”

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

 

 

 

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

“――――”

 

 

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

 

 

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

“…”

 

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

 

 

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

 

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

 

 

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

 

 

“النجدة! أنقذوني!!”

 

 

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

 

ولكن—

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

 

 

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

 

 

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

“لقد عدت فجأة، ماذا يحدث؟ أولاً، كان من المفترض أن تنتهي مهمتك، فلماذا ما زلت ترتدي نفس الزي النسائي؟”

 

 

 

“الوضع في الإمبراطورية يقتضي أن لا يعرف أحد بتورطي في تلك الاضطرابات، ولذلك لا بد من استمرار ظهور ناتسومي شوارتز. إنه أمر مفروض عليّ.”

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

 

 

“–.—-.——– أها، فهمت.”

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

 

 

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

 

 

 

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

 

 

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

“ماذا؟”

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

“وااااه!”

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

 

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

بالطبع، ما إن تمكن من العودة إلى العاصمة الإمبراطورية، حتى حرص على زيارة ريم والتأكد من حالتها وما إذا كانت على ما يرام. وعلى الرغم من أنها ما زالت تعاني من خدر في ساقيها، إلا أنها أصبحت قادرة على الحركة بشكل ملحوظ. ريم، التي كانت دائمًا حساسة تجاه الآخرين، أظهرت مجدداً شخصيتها المُراعية واللطيفة، مما جعلها تتصرف بحرية نسبية في قصر بيرلستيتز. حتى مع فقدانها للذاكرة، كانت بعض جوانب شخصيتها واضحة بما يكفي لإشعال دفء قلب سوبارو.

 

 

 

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

 

 

 

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

 

 

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

 

 

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

 

 

 

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

 

 

“—. أليس ذلك خطيراً؟”

 

 

 

“لا أنكر وجود الخطر. ولكن، بالنسبة لغريب مثلي أو لريم، فالإمبراطورية كانت دومًا كجُحر النمر — لا يُمكنك الظفر بشيء مالم تدخله. وإن كان الخروج من جُحر النمر مرفوع الرأس يتطلّب المخاطرة، فسأخاطر… ولكن بطريقة تضمن أعلى قدر ممكن من فرص الفوز!”

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

 

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

 

 

“… آاا، أُو؟”

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

على الرغم من ردود الفعل الباردة التي تلقاها، إلا أن مشاعر الفرح غلبت على الألم لدى سوبارو، مما جعل ريم تشعر بحالة معقدة يصعب وصفها.

 

 

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

 

 

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

 

 

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

 

 

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

 

 

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

 

 

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

 

 

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

هكذا، بصوت صاخب كالألعاب النارية المشتعلة، ظهر الصبي المزعج ـ والذي يبدو أصغر عمرًا مما تصفه الشائعات ـ سيسيلوس سيغموند، ليتم اللقاء بينه وبين سوبارو في جزيرة عبيد السيف.

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

 

“مجددا؟――”

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

 

 

 

~~~

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

 

هذا المفترض.

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

 

 

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

 

 

 

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

 

 

 

ــ سيسيلوس سيغموند، أولُ “الجنرالات التسعة”، كانت خطة إخراجه من جزيرة عبيد السيف بالغة الصعوبة والتعقيد.

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

 

“لا… لا يمكنني ذلك.”

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

 

 

“هـ… همم…”

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

 

 

 

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

 

 

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

 

 

 

وهكذا، وجد سوبارو – شوارتز نفسه في سلسلة من المعارك غير المتوقعة مرارًا وتكرارًا، لكن العقبات في جزيرة عبيد السيف لم تقتصر على غوستاف وحده.

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

بطبيعة الحال، كلما كانت نقطة العودة أقرب إلى لحظة الموت، قلت الخيارات المتاحة له وقلت فرصته لوضع خطط مناسبة، مما اضطره إلى تذوق أهوال الموت مرارًا وتكرارًا. هذا التغير غير المفسَّر الذي طرأ على “العودة بعد الموت” جعله يعتقد أن الأمر ربما له علاقة بكونه لم يعد في مملكة لوغونيكا، بل في إمبراطورية فولاكيا.

 

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

 

 

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

“إن كان الأمر كذلك، فهلا انضممتَ إلينا…”

 

 

 

“لم أقرر بعد إن كنتُ سأرافقكم أنتَ ومرشحة الإمبراطورة! فأنا نجم مسرح يطلبه الجميع… كلمات الدعم التي لا تنتهي من أولئك الذين لا يكفون عن انتظار تألقي تنهال على قلبي كقطرات المطر المتواصلة!”

 

 

صرخ سوبارو بحماس:

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

 

 

“النجوم؟… لا أنكر أنني أحبها، لكنني لم أتحدث معها قط. ما قلته الآن هو مجرد استنتاج مبني على الخبرة، وممزوج ببعض الأمل.”

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

 

وفي النهاية…

“وهذه؟”

 

 

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

 

 

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

 

 

 

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

 

 

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

× × ×

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

 

 

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

 

 

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

 

 

 

“――!”

 

 

 

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

 

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

“――――”

 

 

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

 

—

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

 

 

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

 

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

 

 

 

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

 

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

“تشيشا!”

 

 

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

مجرد التفكير في ‹أنها› ربما قد تكون لاقت نفس المصير الذي واجهه باستمرار، جعله يرتعد.

 

 

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

 

 

 

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

 

 

 

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

 

 

 

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

 

 

 

“…ذلك هو—”

وفي النهاية…

 

“مجددا؟――”

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

 

 

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

 

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

 

 

 

ثم—،

“أووه؟”

 

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

 

 

 

“مكان آمن… وأين يوجد مثل هذا المكان، في هذه الجزيرة؟”

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

 

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

 

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

 

 

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

 

 

“———”

لكن في هذه اللحظة بالذات――،

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

 

“――――”

“ما دام الوجود في أي مكان سيكون سواءً، فسأبقى لأشهد النهاية.―― حتى وإن تكرّر الأمر مرارًا.”

 

 

 

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

 

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

عانق سوبارو – شوارتز مرفقه بيده، وقد رسّخ في قلبه عزمه على ألا يغادر هذا المكان.

 

 

 

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

لكن أكثر ما صدمه هو أن أولبارت، الذي يُفترض أنه أحد أقوى ثلاثة أشخاص في الإمبراطورية، قد لقي حتفه عدة مرات بسبب هجمات مفاجئة من أراكيا. ولم يكن هو الوحيد، إذ تعرض كافما أيضاً لمواقف مماثلة، مما أجبر سوبارو على بذل كل ما لديه لمحاولة إنقاذهما مراراً وتكراراً.

 

 

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

 

 

 

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

 

“لن أكررها مرة ثالثة. أجب عن سؤالي باحترام، وإحذر مما ستقوله.”

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

 

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

 

 

 

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

 

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

“يالهم من رِفاق أقوياء…”

 

 

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

 

 

 

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

 

 

ربما بسبب ما تكبّده من مشقّة، كان شاحب الوجه أكثر من ذي قبل، وبدا بروز عظام وجنتيه أوضح مما اعتاد عليه.

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

 

 

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

 

 

 

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

 

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

 

 

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

وأمام هذا التحوّل الذي يشبه نوعًا ما طقسًا مسرحيًا غروتسكيًا من فن الـ«نو»، لم يكن ما خطر على بال سوبارو – شوارتز سوى مشاهد التحول البطولية لأبطال العدالة أولئك.

 

 

 

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

 

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

 

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

 

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

بجوار سيسيلوس الذي رفع صوته بهذه التعليقات الساخرة، وقف تشيشا وقد تحوّل إلى شاب طويل أزرق الشعر، مختلف تمامًا عن هيئته السابقة.

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

 

 

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

 

 

 

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

 

 

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

 

 

 

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

 

 

 

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

 

 

بأن النتيجة ستتحقق.

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

 

 

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

 

 

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

 

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

 

“لقد عدتُ، تشا!”

صدام شرارتي البرق مع الكيان الغامض المُكوَنِ من الظلال، كان أشبه بمُحاولة إختراق هاوية شديدة السواد بنور نَجمين ساطعين، عرضٌ مسرحيٌّ مهيب على مسرحٍ لا يُقام إلا مرةً واحدة في العمر…

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

 

 

~~~

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

“――غدًا، على الأرجح، سيبدأ الصدام الحقيقي بالفعل…”

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

 

 

 

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

 

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

“أفهم… هكذا إذن…”

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

 

 

“――――”

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

 

 

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

 

 

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

 

 

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

 

 

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

“يا سيد ناتسوكي، لقد ساعدتني كثيرًا. أود أن أعبر لك مجددًا عن امتناني.”

 

 

“ــــ بيرفكتو!!”

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

~~~

 

 

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

 

 

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

 

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

 

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

“ميول…؟”

 

 

لا تزال تفاصيل تحوّله إلى هيئة طفل مجهولة، لكن إن كان الأمر قد شمل رجوعه في المظهر وكذلك في طريقة التفكير والشعور، فربما حين يعود إلى شكله الأصلي، ستزول هذه الحيوية الطازجة التي يتحلى بها الآن.

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

 

 

 

“لا تقلق، سيسيلوس كان دائمًا على هذه الحال، صغيرًا كان أو كبيرًا.”

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

 

“أمل، إذن؟”

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

 

 

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

“هذا هو لقبي الصحيح. شكرًا لتذكيري، أيها الجنرال تشيشا غولد.”

 

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

 

 

وهو يخطو بثبات كما لو أن المكان ملكٌ له، داس على السجّاد الأحمر المفروش حتى اعتلى العرش، فاستقبله تشيشا بعينَين ذهبيتين ضاقتا تأملاً.

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

—

 

 

“تُقرّ بذلك بنفسك؟”

 

 

 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

 

 

بطبيعة الحال، كلما كانت نقطة العودة أقرب إلى لحظة الموت، قلت الخيارات المتاحة له وقلت فرصته لوضع خطط مناسبة، مما اضطره إلى تذوق أهوال الموت مرارًا وتكرارًا. هذا التغير غير المفسَّر الذي طرأ على “العودة بعد الموت” جعله يعتقد أن الأمر ربما له علاقة بكونه لم يعد في مملكة لوغونيكا، بل في إمبراطورية فولاكيا.

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

 

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

 

 

 

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

 

 

“آه، تطوير وصقل مهاراتي كان بالفعل على طريقة لوغونيكا،

 

لكن الأساس؟ لا، هذا يعود أصله إلى مكان آخر. بلدتي الأم. خَلف ما يسمّى بـالشلال العظيم…”

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

 

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

وهكذا—،

 

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

 

أومأ تشيشا جانبه بإعجاب، وكأنه التقط شيئًا في حديثه—ليس عن سوبارو تحديدًا، بل عن الشلال العظيم نفسه.

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

 

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

 

 

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

 

 

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

قالها تشيشا وهو يمرّر أصابعه برفق على ذقنه النحيل، بينما رمش سوبارو متفاجئًا من هذا التحليل.

 

 

“أوغهاه!”

قيمة الحياة… بالطبع هذا شيء أساسي. فالحياة لا تُعطى مرتين. حتى لو وُجدت استثناءات نادرة، فهي لا تنفي القاعدة.

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

 

 

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

 

 

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

 

 

 

“وفقًا لمعاييري، كان فقدانك هناك خسارة أكبر من أي ضرر ممكن.

 

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

 

 

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

 

 

ثم أصبح تشيشا غولد،

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

 

 

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

 

فهو لا يرى فيه شيئًا يستحق التقدير المبالغ فيه كذلك.

“……”

 

 

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

 

 

 

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

 

 

 

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

 

“――――”

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

 

 

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

 

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

“أوه…؟”

 

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

 

 

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

إن مشاعر ريم، التي يصعب قياس تغيّرها، تلقت تعليقًا متعاطفًا من تشيشا.

 

 

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

 

 

 

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

 

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

—

 

 

 

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

 

 

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

 

 

 

“هاه؟”

~~~

 

“لقد عدتُ، تشا!”

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

 

 

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

نظر إلى جانبه، ليجد تشيشا قد وضع كأسه على سور الشرفة،

 

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

 

 

لا، بل نحو العاصمة بأكملها.

 

 

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

 

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

 

وقد أرسلته إلى جزيرة العبيد لأسباب معينة… وكل ذلك كان――”

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

“استعدادًا لـ”الكارثة الكبرى” القادمة، أليس كذلك؟ قلّصت هيئة سِسي وأرسلته إلى الجزيرة، لا أدري ما قد تجنيه من ذلك… آه، أو ربما، كان لغوز علاقة بالأمر؟”

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

“ذلك الشخص…!”

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

 

 

 

في الواقع، سوبارو رأى بأم عينه مدى تفوق سيسيلوس في القتال، وقد تجاوزت قوته حدود الفهم.

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

 

 

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

 

 

 

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

أو ربما السبب الأكبر وراء احتجازه في قصر بيرلستيتز، الذي يخضع لحراسة أشد من القصر البلوري وقصره الفرعي، كان ـــ

 

 

غير أن――،

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

 

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

“……”

“…ماذا تقصد بذلك؟”

“لا أدري لما انبعثت هذه الشكوك في ذهنك… لكن لا.”

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

“يالك من أحمق.”

 

على أي حال—

“――――”

 

 

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

 

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

 

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

 

 

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

 

 

 

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

 

 

“أجل، هذا صحيح.”

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

“――――”

 

ليس كل ما يقوله سيسيلوس يمكن رفضه باعتباره محض هراء. بل، في بعض الأحيان، تنطوي كلماته على قدرٍ غير متوقع من العمق.

“مجتمع يقوم على القوة المطلقة، ومبدأ التفوق، والمنافسة المستمرة… أفهم ذلك، لكن ما يمنحني الأمل هو أن فولاكيا ليست مقتصرة على هذا وحده.”

“…”

 

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

 

 

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

 

 

أجاب تشيشا بهدوء:

“بيرلستيتز، رغم مظهره، إلا أنه يملك قلبًا حارًا بشكل مفاجئ. تشيشا صنفته على أنه إمبريالي متشدد، لكنني اكتشفت أنه شخص يفيض بالعاطفة. على الأرجح، من النوع الذي يقدّر الوعود في الخفاء. أما مادلين، فصعبة الانفتاح قليلًا، لكنني أعتقد أنها تهتم بالآخرين أكثر مما تظهر. ربما كانت محاطة بأشخاص جيدين. والآن… أظنها فقط حائرة في كيفية استخدام مشاعرها الطيبة؟”

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

 

“—!”

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

“أعلم أنه لن يغير شيئًا مهما قُلت، لكن ليس لدي أي مؤامرات أو مخططات خفية. وبكل صراحة، أريد فقط العودة بسرعة إلى لوغونيكا.”

 

 

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

 

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

 

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

 

 

 

“إن لم تجد ما تقوله، فلا حاجة لأن تُجهد نفسك في البحث عن شيء إيجابي، هذا ما أراه.”

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

 

 

“――――”

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

 

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

“م- ماذا…؟!”

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

 

 

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

 

 

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

 

 

“يا لها من مبالغة. هذه البلاد هي وطن السيف والذئاب، وإمبراطورية فولاكيا لا تعني إلا شخصًا واحدًا، وهو جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا. لذا، أرجو منك أن تراجع هذا التصور.”

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

 

 

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

 

~~~

سوبارو، من جانبه، أثنى على كلامه قائلاً: “نكتة موفقة”، ثم تشارك الاثنان الضَحِك لبعض الوقت.

 

 

كان هذا الرجل غوستاف موريلو، الذي أغلق فمه الممتلئ بالأنياب، وعقد أذرعه الأربعة القوية على صدره الضخم، متخذًا وضعية صارمة.

وبعد ذلك――

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

 

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

“ناتسوكي-دونو…”

 

 

“ماذا تعني بـ’بعد ذلك’؟”

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

 

 

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

 

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

 

 

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

“لقد عشت في المملكة لأكثر من عام، لذا أستطيع على الأقل أن أُرشدكَ إلى الأماكن القريبة!”

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

 

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

 

 

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

 

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

“أن تدعم شخصاً يواجه مشكلة عويصة ككونه نصف إلف، ثم تمد يدك بهذا الشكل للآخرين… أعتقد أن تصرفاً كهذا يفتقر إلى بعض الاتزان. ولا شك أن من يقوم بتنسيق أمور فصيلكم، يعاني الكثير من المتاعب، أليس كذلك، ناتسوكي-دونو؟”

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

“تحدث، ناتسكي سوبارو.”

 

 

“ألا تتصنع، هاه؟”

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

 

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

 

 

قد مات.

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

قيمة الحياة… بالطبع هذا شيء أساسي. فالحياة لا تُعطى مرتين. حتى لو وُجدت استثناءات نادرة، فهي لا تنفي القاعدة.

 

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

“ناتسوكي-دونو…”

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

 

 

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

 

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

حتى الآن، لم تصدر منه أي أفعال شريرة تتناسب مع ما يُقال عن كونه أحد أساقفة الخطايا، بل يبدو على العكس تمامًا، مخلصًا ويعتني بريم بإخلاص. ومع ذلك، لا يمكن لسوبارو أن يتيقن من نواياه الحقيقية في أعماقه. ــ وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فإن اتخاذ قرار بشأن ما يجب فعله بها عند اصطحاب ريم إلى المملكة يظل مصدر صداع دائم له.

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

 

 

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

“――――”

 

 

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

 

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

 

 

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

 

 

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

 

ثم قال سوبارو:

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

 

 

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

 

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

إنه ذلك الرجل الذي، في الخفاء، وضع خطة لدرء “الكارثة العظمى” التي تهدد الإمبراطورية، وقد يضطر بعد انكشاف الحقيقة إلى أن يعيش حياة يطارده فيها الاتهام واللائمة، حتى من أولئك الذين كرّس لهم ولاءه وخدعهم في سبيل ذلك.

 

 

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

 

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

 

 

“فلنقم بذلك، تشيشا-سان. هذه المعركة… ستكون نصرنا!”

 

 

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

 

 

 

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

 

 

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

 

 

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

 

 

 

~~~

 

 

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

 

 

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

“أوووه!”

“—فشلنا، فشلنا.”

 

 

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

 

 

 

ثم――

 

 

“أمل، إذن؟”

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

 

 

 

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

 

 

“لا علم لي! حدث كل شيء فجأة. لقد دُفعنا بالقوة إلى داخل العربة… وأنت، لم تستيقظ أبدًا رغم كل ما جرى!”

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

 

 

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

× × ×

 

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

“لا أنكر وجود الخطر. ولكن، بالنسبة لغريب مثلي أو لريم، فالإمبراطورية كانت دومًا كجُحر النمر — لا يُمكنك الظفر بشيء مالم تدخله. وإن كان الخروج من جُحر النمر مرفوع الرأس يتطلّب المخاطرة، فسأخاطر… ولكن بطريقة تضمن أعلى قدر ممكن من فرص الفوز!”

 

وعندما همّ سوبارو بانتزاع روي من ريم بالقوة—

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

 

 

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

“آه…”

 

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

لقد قرر أن يخوض المعركة وحده. فبعد أن اعتمد على سوبارو طوال الطريق لترتيب رقعة اللعب، ها هو في النهاية، كما فعل مع الإمبراطور، يُقصي سوبارو من المعادلة، ويختار أن يواجه “الكارثة العظمى” بمفرده.

 

 

 

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

 

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

“—غغ…”

 

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

 

 

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

“لا أظن أن ذلك ممكن. حاولت عدة مرات، لكن الصندوق متين للغاية، لا يتحرك قيد أنملة. يبدو أنهم سيطلقون سراحنا بعد عبور الحدود المؤدية إلى مملكة لوغونيكا…”

 

 

 

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

 

 

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

 

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

 

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

ضغط سوبارو على أسنانه بقوة واستدعى الذراع الخفية الكامنة داخله – “الذراع غير المرئية” – محاولًا تحطيم الصندوق.

 

 

 

لكن خلافًا لحاملها الأصلي، أسقف الكسل من أساقفة الخطايا السبعة، فإن هذه القدرة في يد سوبارو لا تختلف كثيرًا عن ذراع ثالثة غير مرئية. وإن لم تستطع ذراعاه العاديتان كسر الجدران، فلن يفلح بها كذلك، حتى وإن كانت خارقة.

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

 

“——”

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

كل ما جناه سوبارو من محاولته كان ألمًا في جسده نَتيجة الارتداد، مما جعله يعض على أسنانه غيظًا لفشل خطته.

 

 

 

إلى جانبه، كانت ريم قد خاضت صراعًا مشابهًا، وقد خلّفت أطراف أصابعها العديد من الانبعاجات الصغيرة في جدار الصندوق الصلب. كانت ملامحها متوترة بوضوح — هي أيضًا لم تكن راضية عن مغادرة الإمبراطورية في هذه اللحظة بالتحديد.

 

 

“آه، ولكن—”

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

وشعرت ريم برضا داخلي عن هذا الدور الذي أدته، وكانت قد بدأت تشكل علاقات خاصة بها داخل الإمبراطورية. حتى أن سوبارو سمع منها أنها كوّنت صداقات هناك.

“……”

 

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

 

 

 

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

 

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

 

النهاية.

“تبًا! أخرجونا! على الأقل… على الأقل ناقشوا الأمر معنا! كيف تجرؤون على المضي هكذا من دوننا!”

 

 

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

“… آاا، أُو؟”

 

 

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

“اصمتي! دائمًا ما تتدخلين، لكن الآن على وجه الخصوص ليس لدي وقت لأعبث معك!”

 

 

 

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

“أوه!”

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

قيمة الحياة… بالطبع هذا شيء أساسي. فالحياة لا تُعطى مرتين. حتى لو وُجدت استثناءات نادرة، فهي لا تنفي القاعدة.

 

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

بعد ذلك—

 

 

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

“أووه؟”

 

 

 

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

 

“بالضبط.”

“أوا… إيو… ــآه، أوه…”

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

 

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

وعند تلك اللمسة، عضّ سوبارو على أسنانه بشدة. ― وفورًا بعد ذلك.

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

 

هل كان قد ارتكب الخطأ منذ البداية؟ بعد أن مر بخمس “وفيات”، عض سوبارو على أسنانه في إحباط.

«ـــ ها؟»

 

 

 

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

 

“لا تهتم، مجرد كلمة زائدة.”

“ماذا… هاه؟! أنا في الخارج؟ لا، هذا خارج أكثر مما هو متوقع!”

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

 

 

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

 

 

ركوب مخلوقٍ طائرٍ والتحليق بحرية في السماء ليس من التجارب التي تتاح للمرء بسهولة. وحتى الآن، لم يسبق لسوبارو أن خاض تجربة الطيران في ظروف مماثلة سوى مع روزوال.

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

“هل كان ذلك… انتقالاً آنياً؟ تنقلاً؟ لا يعقل…”

 

 

تعليق الكاتب:

“أوه!”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

 

 

—

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

“أنتِ مذهلة، روي…”

 

 

 

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

 

“ولهذا السبب…”

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

 

 

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

 

 

 

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

 

 

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

 

 

 

“――――”

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

 

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

 

 

 

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

 

 

 

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

 

 

 

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

 

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

 

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

 

 

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

“… جلالتك؟”

 

 

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

 

 

 

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

“——”

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

 

 

“…”

“ماذا؟ إذًا لن أسمح لك بالركوب.”

 

 

 

“حسناً! سأتوقف عن الكلام! فقط دعيني أركب!”

 

 

“إن كان الأمر كذلك، فهلا انضممتَ إلينا…”

في خضم ارتباكه وحماسته، أدركت ريم ما كان يدور في ذهن سوبارو، فما كان منه إلا أن بدأ يتوسل إليها باضطراب واضح. تنهدت ريم أمام توسلاته، ثم جذبت روي إليها بذراع ممدودة، وقالت:

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

ركوب مخلوقٍ طائرٍ والتحليق بحرية في السماء ليس من التجارب التي تتاح للمرء بسهولة. وحتى الآن، لم يسبق لسوبارو أن خاض تجربة الطيران في ظروف مماثلة سوى مع روزوال.

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

 

وبينما كان يعيش هذه اللحظة بشيء من التأمل العبثي، مدّ سوبارو ذراعيه من الخلف ولفّهما حول خصر ريم وروي، ثم رفعهما معًا بخفة وقفز بهما إلى ظهر التنين الطائر.

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

 

“أرجو أن لا تقارنني بذلك الرجل ذو الوظيفة الغامضة. ثم، ما حقيقة أمره أصلاً؟ هل هو مجرد مهرج محترف وُضِع بجانب ملك من العصور الوسطى لتسليته في أوقات الملل؟”

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

“أرجو أن لا تقارنني بذلك الرجل ذو الوظيفة الغامضة. ثم، ما حقيقة أمره أصلاً؟ هل هو مجرد مهرج محترف وُضِع بجانب ملك من العصور الوسطى لتسليته في أوقات الملل؟”

 

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

صرخ سوبارو بحماس:

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

 

 

~~~

 

 

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

× × ×

 

 

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

 

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

بصفته أحد «قارئي النجوم»، كان أوبيرك يتلقى إشارات من أولئك الذين يدعونهم بـ«النجوم»— مشاهدون سماويون يَسْمون فوق هذا العالم، سنّوا قوانينه، ويكرّسون الفواصل المطلقة كأمرٍ لا مفر منه. وبالنسبة لتشيشا، مجرد تلقي «اتصال» من تلك الكيانات يثير في نفسه اشمئزازًا بالغًا.

 

 

 

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

 

 

 

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

 

 

 

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

 

 

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

 

 

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

 

 

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

وأولئك اللواتي عبرن إلى البلاد المجاورة بحثًا عن الفتى العزيز الذي افترقن عنه، شهدن التحول العنيف الذي داهم الإمبراطورية، ومع كل ذلك لم يفقدن الأمل، بل أشعلن روابطهن بالإيمان والعزم.

 

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

 

 

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

 

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

 

 

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

 

 

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

 

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

“الوضع في الإمبراطورية يقتضي أن لا يعرف أحد بتورطي في تلك الاضطرابات، ولذلك لا بد من استمرار ظهور ناتسومي شوارتز. إنه أمر مفروض عليّ.”

 

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

 

 

 

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

 

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

ظل أوبيرك يحتفظ بابتسامته المستهترة وهو يوجه هذا اللقب إلى سوبارو، ما جعل الأخير يميل برأسه في حيرة، إذ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقصده.

 

 

“بالطبع يوجد. ــ فأنت أيضًا من بين الممثلين الذين اعترفتُ بهم.”

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

 

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

 

 

 

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

 

 

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

 

 

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

 

 

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

 

 

“رغم أنني قد قلتُ ما أردتُ قوله مرة بالفعل، أرجو أن تسمح لي بإضافة شيء آخر.”

 

 

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

 

 

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

 

 

 

“…”

 

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

 

 

 

“ــــ بيرفكتو!!”

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

 

“—!”

~~~

بُمجرد أن لامست الضربة الثالثة قدمه، شُلّت حركته تمامًا، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصيبه الضربة الرابعة مباشرة، ساحقة جسده حتى أصبح عُشر حجمه الأصلي… ليموت في الحال.

 

 

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

~~~

 

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

 

 

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

 

 

 

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

 

 

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

 

 

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

 

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

ليس كل ما يقوله سيسيلوس يمكن رفضه باعتباره محض هراء. بل، في بعض الأحيان، تنطوي كلماته على قدرٍ غير متوقع من العمق.

 

 

 

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

 

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

“لم أتوقع… أن يخلو قلبي من أي مشاعر. ــ حتى وأنا أحدّق إلى العرش المفقود، من هنا، من الأسفل.”

فالأمر لا يقتصر على كونه مجرد قصة جميلة عن فارس من المملكة يمد يد العون في محنة الإمبراطورية — فالفرق بين القصص الخيالية والواقع يكمن في هذه التفاصيل.

 

 

“――――”

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

 

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

وهو يخطو بثبات كما لو أن المكان ملكٌ له، داس على السجّاد الأحمر المفروش حتى اعتلى العرش، فاستقبله تشيشا بعينَين ذهبيتين ضاقتا تأملاً.

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

 

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

الوافد كان رجلًا وسيماً ذو شعر أسود، يعتمر قناعًا يحاكي هيئة شيطان، والمفارقة الساخرة أنّه وقف وجهًا لوجه أمام تشيشا، الذي اتّخذ من ارتداء “الأقنعة” مهنةً له.

 

 

 

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

 

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

هذا ما كان يجب عليه فعله.

 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

 

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

لم يكن يملك قوة جسدية خارقة، ولا حلفاء يُعوَّل عليهم في موقعه حين أُقصي عن العرش، بل لم يكن سلاحه سوى دهائه وقوة لسانه. وها هو ذا يعود، منتصرًا.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

 

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

 

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

 

 

 

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

 

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

“――――”

~~~

 

 

“لقد نزعتني عن العرش، وما ظننته مكسبًا لم يكن سوى سراب بلا جوهر. أشعلت نيران الحرب عبثًا، والإمبراطورية تشتعل الآن في لهيب لا داعي له. ــ وإن أردت، يمكنني إخمادها من فوري.”

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

 

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

ربما بسبب ما تكبّده من مشقّة، كان شاحب الوجه أكثر من ذي قبل، وبدا بروز عظام وجنتيه أوضح مما اعتاد عليه.

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

 

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

 

 

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

 

 

 

“أنا—”

 

 

 

“— يا صاحب الجلالة.”

 

 

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

 

 

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

وفي تلك اللحظة، مرت في ذهنه وجوهٌ كثيرة، دون أن يرمش حتى. وجوه أولئك الذين خدعهم جميعًا. ومع كل وجهٍ مرّ، طعنته في قلبه وخزه من الذنب، ومع ذلك تنفّس بهدوء وقال:

 

 

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

 

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

 

 

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

“ـــ قناع «الشمس».”

 

 

“لا داعي لأن تبدو بهذا الاكتئاب. لولا ذكاؤك ونصائحك، لما نجا أولبارت بذراع واحدة فقط، وربما كان كافما قد فقد حياته أيضاً. ولو حدث ذلك، فمن يدري إن كنا سنعود نحن أيضاً سالمين؟”

بريسكا بِنديكت.

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

 

 

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

 

 

 

أمام هذا اللقاء المستحيل، شهق فينسنت من الدهشة.

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

 

 

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

 

 

 

بسرعةٍ فائقة، استخدم تشيشا “قدرته” لتشكيل قناع جديد على هيئة فينسنت، ثم نزع قناع بريسكا الذي كان قد ارتداه، واستبدله بالقناع الجديد.

 

 

 

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

 

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

 

 

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

 

 

“أنت…!”

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

 

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

 

 

 

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

 

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

وفي اللحظة التالية—

 

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

كما قال له منذ لحظات…

 

 

“يا فتاة الشيطان، لقد عادت التنين. تعالي وساعديني في الاستحمام.”

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

 

 

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

 

 

 

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

 

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

 

 

بمجرد أن عادت التنينة البشرية مادلين، لاحظت نداء سوبارو لها، فشخرت بأنفها بضيق.

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

 

 

 

لكن كان واثقًا…

 

 

 

بأن النتيجة ستتحقق.

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

 

 

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

 

لذا—

 

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

“――――”

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

 

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

“تبًا! أخرجونا! على الأقل… على الأقل ناقشوا الأمر معنا! كيف تجرؤون على المضي هكذا من دوننا!”

 

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

 

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

“لدي سؤال واحد فقط.”

 

 

“آه، ولكن—”

 

 

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

ومع ذلك، راودته لحظةٌ من الأمل…

 

 

 

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

اتسعت عين الفتاة الحمراء اليُمنى قليلاً، ثم لوّت شفتيها، مما يدل على أنها لم تُعجب بإجابة سوبارو. لكنه لم يكن يبالي، لأنه لم يقل سوى الحقيقة.

 

 

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

 

 

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

 

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

“――――”

 

 

 

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

―― شريكه في الجريمة، ذاك الذي كان قد أبعده، يمتطي ظهر تنين طائر، محلقًا نحو قلب الحدث.

 

 

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

 

 

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

 

نهاية لا مفر منها، بل قَدَرًا لا بد أن يقع.

 

 

 

“――――”

 

 

 

لقد مات الرجل.

 

 

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

 

ثم أصبح تشيشا غولد،

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

 

 

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

قد مات.

 

 

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

 

 

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

~~~

 

 

 

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

 

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

جحافل الموتى الذين عادوا إلى الحياة، تقودهم “ساحرة” تتوق إلى سقوط الإمبراطورية، وتشرع في إحراق العالم.

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

 

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

 

 

 

وأولئك اللواتي عبرن إلى البلاد المجاورة بحثًا عن الفتى العزيز الذي افترقن عنه، شهدن التحول العنيف الذي داهم الإمبراطورية، ومع كل ذلك لم يفقدن الأمل، بل أشعلن روابطهن بالإيمان والعزم.

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

 

 

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

 

“يا سيد ناتسوكي، لقد ساعدتني كثيرًا. أود أن أعبر لك مجددًا عن امتناني.”

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

بريسكا بِنديكت.

 

قال مبارز السيفين وهو يفرقع عنقه مبتسمًا، بينما حدق الرجل ذو العصابة بعينين باردتين نحو فينسنت وسوبارو – شوارتز. لكن قبل أن يتمكن من التحرك، وقف كافما الممزق والمرهق بين العدوين وبين فينسنت ورفيقه، وكأنه يحميهما بجسده.

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

 

 

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

 

 

 

“أنت!!”

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

 

 

 

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

 

 

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

 

 

 

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

 

“أوه! آغغع، آآه..!”

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

 

 

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

“ميول…؟”

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

 

 

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

أعلنا عن نفسيهما، ورفعا صوتهما بقوة، ليتردد صداهما في سماء العاصمة الإمبراطورية.

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

 

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

حين تصل تلك “الكارثة العظمى”، وحين تندفع جموع الأعداء المروّعة، سوف يُظهر العالم أن ناتسوكي سوبارو هو من وضع القطع في أماكنها ليتركز أقوى جهد دفاعي في العاصمة الإمبراطورية.

 

 

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

ثم قال —

 

 

 

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

 

“مادلين-تشان.”

~~~

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

 

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

 

 

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

 

 

“هاه… هاه…!”

النهاية.

 

 

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

——

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

 

 

تعليق الكاتب:

 

وهكذا، كان هذا مشروع كذبة أبريل المعتاد!

 

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

 

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

 

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

على أي حال، شكرًا لمرافقتكم لنا هذا العام أيضًا!

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

على أية حال…

أما عن مدى التغيرات في المواقع والمصائر بين الشخصيات في القصة الأصلية وهذه النسخة البديلة، فآمل أن أتناول هذا الموضوع لاحقًا في تقارير منفصلة!

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

 

~~~

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

تعليق المُترجم:

 

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

 

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

 

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

“الجنرالات التسعة العظماء”— النخبة في إمبراطورية فولاكيا، والمعروفون جميعًا بشجاعتهم الفريدة.

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

 

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

 

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

 

——

 

 

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

“أنا… لست…”

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

حين تصل تلك “الكارثة العظمى”، وحين تندفع جموع الأعداء المروّعة، سوف يُظهر العالم أن ناتسوكي سوبارو هو من وضع القطع في أماكنها ليتركز أقوى جهد دفاعي في العاصمة الإمبراطورية.

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط