Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

Re:Zero – If Story 1

ضَوء النَجم الذي لا إسم له

ضَوء النَجم الذي لا إسم له

الفصل التاسع: “ضوء النجم الذي لا إسم له.”

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

 

 

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

 

 

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

 

 

“ماذا؟”

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

 

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

 

 

 

 

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

“هاه… هاه…!”

 

 

 

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

 

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

 

 

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

 

 

وفوق كل هذا—

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

 

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

“أوه! آغغع، آآه..!”

 

 

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

 

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

“—!”

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

عضّت الفتاة على شفتيها، مُحاولة التخلص من أي أفكار سلبية قد تتسلل إلى عقلها، ثم رفعت رأسها محدقة نحو الأمام.

 

 

 

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

 

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

 

 

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

في خضم هذا الجهل، كانت غريزتها تصرخ بأن عليها الفرار.

 

فالهرب كان وسيلتها الوحيدة في التعبير عن إرادتها في المقاومة.

“هنا… هل تعني أن الإمبراطورية نفسها في حالة حرب داخلية؟!”

 

في الواقع، سوبارو رأى بأم عينه مدى تفوق سيسيلوس في القتال، وقد تجاوزت قوته حدود الفهم.

“ذلك الشخص…!”

 

 

 

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

 

“أفهم… هكذا إذن…”

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

 

 

 

“—!”

 

 

 

فجأة، قاطع هذا الصوت اللامبالي أفكارها، مما جعل جسدها يرتعش رعبًا، ثم التفتت بسرعة ناحية مصدره.

 

 

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

 

 

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

 

 

ولكن…

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

 

 

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

 

 

 

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

 

 

وجهٌ لا تعرفه…

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

 

“…”

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

 

 

 

“آه…”

 

 

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

 

 

 

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

“آه!”

“يا لها من مبالغة. هذه البلاد هي وطن السيف والذئاب، وإمبراطورية فولاكيا لا تعني إلا شخصًا واحدًا، وهو جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا. لذا، أرجو منك أن تراجع هذا التصور.”

 

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

 

“أجل، هذا صحيح.”

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

 

 

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

لكنها أوقفته بسهولة كما لو كانت تلهو بيد طفل رضيع، وأرسلت نفس الصدمة الخفيفة إلى جبهته.

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

 

“مُجرد مزحة؟”

“آه-أوه…؟”

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

 

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

فقد الطفل الصغير قوته تمامًا وانهار على الأرض كما حدث للفتاة.

 

 

 

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

“أوه!”

 

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

“أنتِ…؟”

هدأت الاضطرابات في “المدينة الشيطانية” كايوس فلايم، ونجا أولبارت وكافما بصعوبة. كما انسحب أبيل ورجاله من أراكيا، وانتهى القتال دون انتصار حاسم لأي طرف.

 

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

 

 

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

 

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

 

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

“أَبيل…”

 

 

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

 

 

 

“لنذهب، يا ابنة الشيطان.”

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

“أنا… لست…”

 

 

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

 

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

 

 

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

“— ريم.”

 

 

 

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

 

 

 

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

 

 

 

~~~

 

 

 

—هذا سيء…

هكذا، بصوت صاخب كالألعاب النارية المشتعلة، ظهر الصبي المزعج ـ والذي يبدو أصغر عمرًا مما تصفه الشائعات ـ سيسيلوس سيغموند، ليتم اللقاء بينه وبين سوبارو في جزيرة عبيد السيف.

 

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

أشبه بالصاعقة، اجتاحت مشاعر الخطر والتوتر عقل ناتسوكي سوبارو، دافعة إياه نحو التحرك على الفور.

 

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

 

 

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

 

 

~~~

كان عليه أن يخفي حزنه، ويستجمع شتات قلبه، ويستعد لمواجهة هذا المأزق السخيف—

 

هذا ما كان يجب عليه فعله.

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

هذا المفترض.

 

 

 

لكن…

—هذا سيء…

 

 

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

 

 

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

 

 

 

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

 

 

~~~

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

 

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

 

 

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

× × ×

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

 

 

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

 

 

“――――”

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

 

 

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

من دون حتى أن يلمسه مباشرة، جرفته العاصفة العاتية التي أثارتها تلك الذراع النحيلة، ليُقذف جسده بعنف نحو جدار القلعة. ارتطم سوبارو بقوة، متذوقًا ألم تحطم عظامه بالكامل، مع صوت من التهشم المُروع… لقي حتفه على الفور.

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

 

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

 

 

 

× × ×

 

 

 

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

 

 

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

 

 

بُمجرد أن لامست الضربة الثالثة قدمه، شُلّت حركته تمامًا، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصيبه الضربة الرابعة مباشرة، ساحقة جسده حتى أصبح عُشر حجمه الأصلي… ليموت في الحال.

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

 

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

 

 

 

× × ×

“…”

 

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

 

 

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

كان الغضب العادل، الصارم، غير القابل للمساومة، مليئًا بشفرات حادة كالخناجر.

“――――”

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

× × ×

 

 

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

“أيها الوقح!”

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

 

 

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

 

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

 

 

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

 

 

 

× × ×

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

 

 

“مجددا؟――”

 

 

 

هل كان قد ارتكب الخطأ منذ البداية؟ بعد أن مر بخمس “وفيات”، عض سوبارو على أسنانه في إحباط.

 

 

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

 

“――فينسنت فولاكيا.”

مجرد التفكير في ‹أنها› ربما قد تكون لاقت نفس المصير الذي واجهه باستمرار، جعله يرتعد.

 

 

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

 

 

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

ما الذي يحتاج إليه؟

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

 

“――――”

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

 

 

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

ماهي النقطة التي ينبغي عليه الوصول إليها؟

 

 

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

 

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

ولهذا السبب—

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

“——”

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

 

 

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

 

 

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

“——”

 

 

 

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

 

 

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

 

إن تمكن على الأقل من العثور على معلومة واحدة هنا، فسيكون ذلك كافيًا. ――بهذه الفكرة في ذهنه، حطم سوبارو نافذةً في زاوية مهجورة، وفتح القفل، ثم تدحرج إلى الداخل.

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

 

 

وفي اللحظة التالية—

 

 

لكنها أوقفته بسهولة كما لو كانت تلهو بيد طفل رضيع، وأرسلت نفس الصدمة الخفيفة إلى جبهته.

“يالك من أحمق.”

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

 

 

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

 

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

“أوغهاه!”

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

 

 

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

 

 

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

 

 

 

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

“…”

 

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

ولكن—

 

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

“بالضبط.”

 

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

 

 

 

“――――”

 

 

 

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

 

 

 

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

لا تزال تفاصيل تحوّله إلى هيئة طفل مجهولة، لكن إن كان الأمر قد شمل رجوعه في المظهر وكذلك في طريقة التفكير والشعور، فربما حين يعود إلى شكله الأصلي، ستزول هذه الحيوية الطازجة التي يتحلى بها الآن.

 

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

 

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

 

 

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

 

 

 

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

 

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

 

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

حبس سوبارو أنفاسه أمام هذا المشهد المريب، لكن الرجل الوسيم أغلق إحدى عينيه وأصدر صوتًا بنقر أصابعه، ليعيد تركيز انتباهه إليه.

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

 

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

“ــــ بيرفكتو!!”

 

 

“لن أكررها مرة ثالثة. أجب عن سؤالي باحترام، وإحذر مما ستقوله.”

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

 

 

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

 

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

 

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

 

 

 

حتى سوبارو نفسه، عندما أعاد التفكير في الأمر لاحقًا، لم يستطع إيجاد سبب منطقي لكونه أفصح عن اسمه الحقيقي في تلك اللحظة، دون تزييف أو خداع.

“『الكارثة العظمى』.”

 

كان الأمر ببساطة نتيجة اندفاع غريزي، استجابة تلقائية لعقل أُنهك من تكرار الموت غير المنطقي والعبثي في فترة قصيرة. لم يكن سوى إجابة استنبطها ذهنه المضطرب في لحظة ارتباك.

 

 

 

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

 

 

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

“لقد عدت فجأة، ماذا يحدث؟ أولاً، كان من المفترض أن تنتهي مهمتك، فلماذا ما زلت ترتدي نفس الزي النسائي؟”

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

 

 

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

 

 

 

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

 

 

“…ماذا؟”

على أي حال، شكرًا لمرافقتكم لنا هذا العام أيضًا!

 

 

“أحضرتهم معي.”

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

 

 

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

 

 

 

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

 

 

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

 

“——”

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

 

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

 

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

 

 

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

 

 

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

 

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

 

 

 

“… علاقتكما معقدة؟”

 

 

 

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

 

 

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

 

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

اتسعت عين الفتاة الحمراء اليُمنى قليلاً، ثم لوّت شفتيها، مما يدل على أنها لم تُعجب بإجابة سوبارو. لكنه لم يكن يبالي، لأنه لم يقل سوى الحقيقة.

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

 

 

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

 

 

“——”

“――روي أرنيب.”

 

 

 

تمتم سوبارو بذلك الاسم، وهو يشير إلى الفتاة—إحدى أساقفة الخطايا السبع، وصاحبة خطيئة “الشراهة”.

 

 

 

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

 

 

 

على أي حال—

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

 

 

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

 

 

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

“أراكيا.”

 

 

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

 

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

 

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

 

 

 

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

 

 

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

 

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

“――فينسنت فولاكيا.”

 

 

 

“――――”

لكن رغم ذلك كله—

 

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

تجمد سوبارو في مكانه.

 

 

 

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

 

 

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

كرر ذلك الرجل الوسيم ذو الشعر الأسود اسمه لسوبارو، وهو يجلس خلف مكتب مصنوع من خشب الأبنوس.

 

 

 

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

لكن الأساس؟ لا، هذا يعود أصله إلى مكان آخر. بلدتي الأم. خَلف ما يسمّى بـالشلال العظيم…”

 

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

“أراكيا-تشان؟”

 

 

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

 

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

“مُجرد مزحة؟”

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

 

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

 

“همم…”

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

 

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

 

 

 

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

 

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

 

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

 

 

كل ما تعلمه سوبارو خلال عام كامل عن ثقافة وعادات هذا العالم، أصبح بلا فائدة هنا، في أرض تختلف تمامًا عن مملكة لوغونيكا، حيث يوجد الآن في العاصمة الإمبراطورية، أمام أحد أعظم رجالها نفوذًا.

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

 

 

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

 

 

 

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

“يا لها من مبالغة. هذه البلاد هي وطن السيف والذئاب، وإمبراطورية فولاكيا لا تعني إلا شخصًا واحدًا، وهو جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا. لذا، أرجو منك أن تراجع هذا التصور.”

 

 

“وهذه؟”

 

 

 

أشارت أراكيا نحو روي، متسائلة.

“—!”

 

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

 

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

 

“لا مبرر لإخباركِ. كانت تشغل منصب ‘الجنرال الثاني’ في الإمبراطورية، ووضعها العسكري يعتبر سرًا قوميًا. في الواقع، مجرد إخباري لكِ الآن يُعد أمرًا استثنائيًا.”

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

 

 

 

“تحدث، ناتسكي سوبارو.”

—هذا سيء…

 

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

 

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

 

“أعرف أن كلامي يبدو مريبًا للغاية، لكن فكروا فيها… أي سبب سيدفعني لاختلاق قصة كهذه من الأساس؟ لهذا، أتمنى أن تصدقوني…!”

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

 

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

 

 

 

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

 

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

“في هذه اللحظة، لا بد أن إيميليا-تان وبياتريس يشعرون بقلق شديد… لم أكن لأتخيل أنني سأجد نفسي فجأة في الإمبراطورية، بل وأكثر من ذلك، داخل أراضي القصر الإمبراطوري نفسه.”

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

 

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

 

 

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

 

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

 

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

“أفهم ذلك الآن…”

 

 

 

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

 

 

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

 

 

 

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

 

 

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

 

 

 

“――! مَن هناك؟!”

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

 

 

فجأة، سمع سوبارو صوت شخص ثالث، مما جعله ينتفض ويرتد بكتفيه، قبل أن يستدير بسرعة باتجاه مصدر الصوت.

 

 

 

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

 

 

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

 

 

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

 

 

“لم أستدعِك.”

 

 

 

“ألم أقل للتو؟ لقد أتيت وفقًا لنداء القدر. نادرًا ما يُلقى عليّ هذا الدور، لذا عندما تحين الفرصة، لا بد أن أتصرف كما يليق بـ ’قارئ النجوم‘.”

 

 

 

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

 

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

 

 

 

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

 

 

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

“أكرهه.”

 

 

“أراكيا-تشان؟”

“لا أسأل عن تفضيلاتك الشخصية، بل عن موقعه الرسمي.”

 

 

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

“آه، عذرًا، عذرًا. أنا سيئ في مثل هذه الأمور. حسنًا، يمكنني أن أقدّم نفسي على أنني أوبيرك، الشخص الذي يعمل كـ ’قارئ النجوم‘ هنا في القصر البلوري. يُسعدني التعرف إليك، أيا ’قارئ النجوم‘ من المملكة.”

“――――”

 

 

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

 

 

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

 

 

ظل أوبيرك يحتفظ بابتسامته المستهترة وهو يوجه هذا اللقب إلى سوبارو، ما جعل الأخير يميل برأسه في حيرة، إذ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقصده.

“هذا هو لقبي الصحيح. شكرًا لتذكيري، أيها الجنرال تشيشا غولد.”

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

 

“لقد انتهيت.”

“ناتسوكي سوبارو… ’قارئ نجوم‘؟ هل أنت متأكد؟”

“أولبارت، هاه…”

 

 

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

 

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

 

 

 

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

 

 

 

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

 

 

“لقد قرأت النجوم. وهذا الفتى… سيكون ذا فائدة لمعاليك.”

 

 

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

بإشارة بسيطة من ذقنه، نطق أوبيرك بتلك الجملة وكأنه يقرر مصير شخص ما بكل بساطة. أما سوبارو، فقد أشار إلى نفسه متسائلًا: “أنا؟”

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

 

“تطرح حججك بلا أي ثغرات…”

لم يكن يفهم شيئًا مما يجري، لكنه شعر أنه بات مجرد موضوع نقاش بينهم، وكأن وجوده أصبح قرارًا لا يُسأل فيه عن رأيه.

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

 

 

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

“أولبارت، هاه…”

 

 

“رهينة مناسبة؟… لا تقل لي أنك تقصد…!”

 

 

إنه ذلك الرجل الذي، في الخفاء، وضع خطة لدرء “الكارثة العظمى” التي تهدد الإمبراطورية، وقد يضطر بعد انكشاف الحقيقة إلى أن يعيش حياة يطارده فيها الاتهام واللائمة، حتى من أولئك الذين كرّس لهم ولاءه وخدعهم في سبيل ذلك.

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

 

~~~

“اغغ… نغغ…!”

 

 

 

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

“――――”

 

ارتفع صوت ينادي اسمه، مما جعل عينيه تتسعان دهشة.

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

 

 

 

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

عضّت الفتاة على شفتيها، مُحاولة التخلص من أي أفكار سلبية قد تتسلل إلى عقلها، ثم رفعت رأسها محدقة نحو الأمام.

 

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

 

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

 

 

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

’لا أستطيع تقبّل أن يُنظر إلى المناورات في الأوقات الحرجة وكأنها دناءة في الطبع!‘ -أوتو

“ـــ تشيشا غولد”

 

 

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

“――――”

 

“تُقرّ بذلك بنفسك؟”

وكما كان متوقعًا—

“بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إلى هنا، إن كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة، فعليك أن تنضم إلي. —لأجل أن أحافظ على هذه الإمبراطورية كما ينبغي لها أن تكون، تحت يدي أنا، فينسنت فولاكيا.”

 

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

 

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

“حالة حرب…؟! هل يعني هذا أن هناك حربًا قادمة؟! ضد من… مع من؟!”

ولكن…

 

 

“هنا.”

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

 

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

 

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

 

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

“هنا… هل تعني أن الإمبراطورية نفسها في حالة حرب داخلية؟!”

 

 

 

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

 

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

“…”

 

 

 

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

 

كان المشهد أمامه كما لو كان كابوسا فظيعا في ليلة مظلمة، أو تشويشًا في العقل يسبق الموت. لكن، رغم أن وجهه قد انزاح، أخذ فينسنت يضع يده الأخرى على وجهه، ليضع “قناعًا” جديدًا.

بعيون حادة كعيون الطيور الجارحة، وبوجه يحمل هيبة الحاكم المطلق—أعلن إمبراطور فولاكيا:

“— ريم.”

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

“بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إلى هنا، إن كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة، فعليك أن تنضم إلي. —لأجل أن أحافظ على هذه الإمبراطورية كما ينبغي لها أن تكون، تحت يدي أنا، فينسنت فولاكيا.”

 

 

 

—هذا موقف كارثي، بلا أدنى شك.

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

 

“أنتِ…؟”

“…”

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

 

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

أمام إعلان فينسنت فولاكيا، انفجر الغضب داخل سوبارو، غضب ضد القدر الجائر الذي اختبره منذ استدعائه إلى هذا العالم.

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

 

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

لقد واجه الكثير من الأوضاع الظالمة من قبل. فقد كان الكابوس الذي مرّ به في برج “بلياديس” حافلًا بالكثير من اللحظات القاسية، حتى كاد أن يكون الأشد قسوة على الإطلاق.

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

 

“م- ماذا…؟!”

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

 

 

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

“تشيشا!”

 

 

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

“… آاا، أُو؟”

 

 

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

“آه.”

 

 

 

“هـ… همم…”

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

 

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

 

 

 

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

 

 

“همف، يا له من عجوز ممل، تشا.”

“ريم! هل أنتِ بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ هل تعانين من أي إصابات أو شعور بعدم الراحة؟ إن شعرتِ بأي شيء غير طبيعي، فعلينا أن—”

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

 

“—لماذا أنت هنا؟!”

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

 

 

“غواااه!!”

 

 

“وهذه؟”

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

 

 

 

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

 

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

 

 

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

تجمد سوبارو في مكانه.

 

“وووهااااه؟!”

“… جلالتك؟”

“أن تدعم شخصاً يواجه مشكلة عويصة ككونه نصف إلف، ثم تمد يدك بهذا الشكل للآخرين… أعتقد أن تصرفاً كهذا يفتقر إلى بعض الاتزان. ولا شك أن من يقوم بتنسيق أمور فصيلكم، يعاني الكثير من المتاعب، أليس كذلك، ناتسوكي-دونو؟”

 

 

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

 

 

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

——

 

 

“أوه…؟”

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

 

 

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

~~~

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

 

 

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

 

 

 

كان هذا هو الجُرم الذي ارتكبه كل من سوبارو وريم، وهو جرم يمكن أن يؤدي بهما إلى الإعدام سبع مرات على الأقل.

 

 

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

 

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

 

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

 

 

 

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

 

 

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

 

 

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

“… آاا، أُو؟”

 

صدام شرارتي البرق مع الكيان الغامض المُكوَنِ من الظلال، كان أشبه بمُحاولة إختراق هاوية شديدة السواد بنور نَجمين ساطعين، عرضٌ مسرحيٌّ مهيب على مسرحٍ لا يُقام إلا مرةً واحدة في العمر…

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

 

 

فيما يتعلق بهذه النقطة، فإن الحقيقة هي أن جميع الطرق الأخرى كانت تؤدي إلى نهايات سيئة بلا استثناء، مما جعل هذا الخيار الوحيد الممكن بطريقة الاستبعاد. ومع ذلك، كان من الواضح أن هذا الشرح لن يُقنع هذا العجوز ضيّق العينين.

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

مستشار الإمبراطورية، بيرلستيتز فوندالفون.

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

 

 

 

“أعلم أنه لن يغير شيئًا مهما قُلت، لكن ليس لدي أي مؤامرات أو مخططات خفية. وبكل صراحة، أريد فقط العودة بسرعة إلى لوغونيكا.”

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

 

 

“كما قلت، لن يغير ذلك شيئًا. ففي ظل الوضع الحالي، حيث تم تقييد عبور الحدود، سيكون من الطيش إعادة شخص لا تزال تحوم حوله شبهات العمالة والتجسس.”

 

 

 

“تطرح حججك بلا أي ثغرات…”

 

 

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

لكن، مع ذلك—

 

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

“――――”

 

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

 

 

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

“ـــ تشيشا غولد”

 

 

أو ربما السبب الأكبر وراء احتجازه في قصر بيرلستيتز، الذي يخضع لحراسة أشد من القصر البلوري وقصره الفرعي، كان ـــ

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

 

أجاب تشيشا بهدوء:

“لقد عدتُ، تشا!”

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

 

فقد الطفل الصغير قوته تمامًا وانهار على الأرض كما حدث للفتاة.

في طريقه للعودة إلى الغرفة التي خُصصت له بعد انتهاء استجواب بيرلستيتز، لمح سوبارو من خلال حديقة القصر تنينًا طائرًا يهبط مع هبة ريح، ومن على ظهره قفز ظل صغير.

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

 

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

كانت هناك فتاة ذات شعر بلون السماء وزوج من القرون السوداء، ترتدي ملابس جميلة ــ لكن على عكس مظهرها اللطيف، كانت تمتلك قوة قتالية مذهلة لا تُصدق.

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

 

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

“مادلين-تشان.”

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

 

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

نظرت إليه ريم ببرود، لا تبدي أي تفاعل مع مشاعره المتدفقة. وبما أنها فقدت ذاكرتها، فإنها لم تتذكر أي شيء عن سوبارو، لكنها لا تزال تمتلك حاسة الشم القوية التي تسمح لها بإدراك الهالة المظلمة التي تحيط به. لذا، كان من المستحيل أن تطلب منه أن يثق بها بشكل أعمى.

 

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

بمجرد أن عادت التنينة البشرية مادلين، لاحظت نداء سوبارو لها، فشخرت بأنفها بضيق.

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

 

 

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

 

 

لكن الحقيقة أن موقفها الحاد لم يكن موجهًا لسوبارو وحده، بل تجاه جميع سكان القصر أيضًا…

 

 

 

“الجنرال مادلين، كيف كان الأمر؟ أولئك الذين يسعون إلى إطلاق سراح الجنرال غوز…”

 

 

 

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

 

 

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

 

 

 

“همف، يا له من عجوز ممل، تشا.”

 

 

 

رفعت مادلين كتفيها بلا اكتراث تجاه رد بيرلستيتز. وعلى ظهرها، كانت تحمل سلاحًا ضخمًا—بوميرانغ بحجم يقارب حجم جسدها الصغير.

 

 

 

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

“ـــ قناع «الشمس».”

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

 

 

 

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

 

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

 

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

 

 

 

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

 

 

 

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

 

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

 

فيما يتعلق بهذه النقطة، فإن الحقيقة هي أن جميع الطرق الأخرى كانت تؤدي إلى نهايات سيئة بلا استثناء، مما جعل هذا الخيار الوحيد الممكن بطريقة الاستبعاد. ومع ذلك، كان من الواضح أن هذا الشرح لن يُقنع هذا العجوز ضيّق العينين.

لكن لا مجال للاستسلام الآن.

 

 

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

“――أن ماذا؟”

 

 

 

“وووهااااه؟!”

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

 

 

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

“ووو؟”

 

 

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

“آه… آوو…”

 

 

أمام هذا اللقاء المستحيل، شهق فينسنت من الدهشة.

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

 

 

وهذه المرة، استقبلتها ريم بين ذراعيها، معانقة إياها وكأنها تحميها، ثم رمقت سوبارو بنظرة مليئة بالتوبيخ، قائلة:

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

كل ما تعلمه سوبارو خلال عام كامل عن ثقافة وعادات هذا العالم، أصبح بلا فائدة هنا، في أرض تختلف تمامًا عن مملكة لوغونيكا، حيث يوجد الآن في العاصمة الإمبراطورية، أمام أحد أعظم رجالها نفوذًا.

 

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

 

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

 

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

“――――”

 

 

 

“ما هذه النظرة المتأثرة فجأة؟”

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

“لا، لا شيء… فقط، سماعك تقولين لي أني كريه الرائحة بهذه الطريقة مجددًا جعلني أشعر بشيء من الحنين…”

 

 

 

“…هاه؟”

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

 

 

نظرت إليه ريم ببرود، لا تبدي أي تفاعل مع مشاعره المتدفقة. وبما أنها فقدت ذاكرتها، فإنها لم تتذكر أي شيء عن سوبارو، لكنها لا تزال تمتلك حاسة الشم القوية التي تسمح لها بإدراك الهالة المظلمة التي تحيط به. لذا، كان من المستحيل أن تطلب منه أن يثق بها بشكل أعمى.

 

 

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

“مقارنة بالوقت الذي لم نكن قادرين فيه حتى على الحديث بهذه الطريقة… الفرق بين الآن وما كان عليه الوضع آنذاك كالفرق بين السماء والأرض.”

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

 

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

 

 

“سأستفيد من المانا المحشورة داخل جسدك التي لا تجد مخرجاً. على أي حال، لو تُركت هكذا، لانفجرت بسبب عطل في الصمامة. لن أسمح بأي اعتراضات.”

على الرغم من ردود الفعل الباردة التي تلقاها، إلا أن مشاعر الفرح غلبت على الألم لدى سوبارو، مما جعل ريم تشعر بحالة معقدة يصعب وصفها.

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

“أفهم… هكذا إذن…”

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

“… فيريس؟”

 

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

ومع ذلك، كان يأمل أن يتمكن من التقرب منها أكثر قليلًا، مثل…

 

 

 

“يا فتاة الشيطان، لقد عادت التنين. تعالي وساعديني في الاستحمام.”

 

 

 

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

 

 

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

 

 

 

“يبدو أن القائدة مادلين وريم قد تقاربتا كثيرًا.”

 

 

وفي كل الأحوال—

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

 

 

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

 

 

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

 

 

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

 

 

 

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

 

“بالضبط.”

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

تعليق الكاتب:

 

 

لكن، مع ذلك—

 

 

“آه…”

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

 

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

 

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

 

 

“أوه!”

 

 

 

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

 

 

وعندما همّ سوبارو بانتزاع روي من ريم بالقوة—

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

 

 

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

 

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

ارتفع صوت ينادي اسمه، مما جعل عينيه تتسعان دهشة.

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

 

 

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

 

 

وعند تلك اللمسة، عضّ سوبارو على أسنانه بشدة. ― وفورًا بعد ذلك.

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

 

 

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

 

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

 

 

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

 

 

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

بمعنى آخر—

 

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

“هنا.”

 

 

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

 

 

وفي كل الأحوال—

 

 

 

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

 

 

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

 

 

 

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

 

 

~~~

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

 

 

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

 

 

 

“ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟”

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

 

 

“بالطبع لدي اعتراض، وهذا أمر بديهي.”

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

 

 

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

 

 

 

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

 

 

.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 4 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005الخال!💎 100

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

 

 

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

“……”

 

 

“مادلين-تشان.”

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

 

 

انفجر سوبارو غاضبًا، فقد كان يُجبر في الوقت الحالي على مرافقة فينسنت في رحلته الاستكشافية.

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

 

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

بعد أن جاء كافما إلى قصر بيرلستيتز وأخذه إلى القلعة، لم يوضح له فينسنت أي شيء، بل أصدر أمرًا مباشرًا ومتعجرفًا: “سترافقني في هذه الرحلة.”

 

 

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

 

 

“السيد كافما قال لي أن جلالتك لن تخفي عني أي معلومة ضرورية، أليس كذلك؟”

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

 

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

 

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

 

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

شعر أسود طويل ومستعار، وزيّ عسكري أنيق باللون الأحمر يخفي ملامح جسده، مع مكياج متقن جعله يبدو كأنثى مثالية بكل تفاصيلها.

 

“ــــ بيرفكتو!!”

“بالطبع أحتاج!”

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

 

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

 

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

 

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

“م- ماذا…؟!”

 

 

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

 

 

 

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

 

إذا كان تشيشا، المعروف بحساباته الدقيقة، يقول ذلك، فربما يجب تصديقه. لكن لماذا يراوغ دائمًا عندما يسأل سوبارو عن طبيعة الإمبراطور؟

شعر أسود طويل ومستعار، وزيّ عسكري أنيق باللون الأحمر يخفي ملامح جسده، مع مكياج متقن جعله يبدو كأنثى مثالية بكل تفاصيلها.

“لدي سؤال واحد فقط.”

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

 

 

 

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

لكن كان واثقًا…

 

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

“――――”

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

 

لكن كان واثقًا…

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

 

“وااااه!”

لم يكن سوبارو – شوارتز خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه كان يدرك أن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وإن بدا عملاً خيرياً في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

 

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

فالأمر لا يقتصر على كونه مجرد قصة جميلة عن فارس من المملكة يمد يد العون في محنة الإمبراطورية — فالفرق بين القصص الخيالية والواقع يكمن في هذه التفاصيل.

 

 

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

“ومن هنا يأتي اسم ناتسومي شوارتز.”

 

 

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

 

 

“ميول…؟”

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

 

“بالطبع أحتاج!”

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

 

“مُجرد مزحة؟”

“أرجو أن لا تقارنني بذلك الرجل ذو الوظيفة الغامضة. ثم، ما حقيقة أمره أصلاً؟ هل هو مجرد مهرج محترف وُضِع بجانب ملك من العصور الوسطى لتسليته في أوقات الملل؟”

 

 

 

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

 

 

 

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

 

 

 

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

 

 

 

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

“ووو؟”

 

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

 

 

 

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

 

 

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

 

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

 

 

غير أن――،

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

 

 

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

 

 

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

 

 

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

 

بطبيعة الحال، كلما كانت نقطة العودة أقرب إلى لحظة الموت، قلت الخيارات المتاحة له وقلت فرصته لوضع خطط مناسبة، مما اضطره إلى تذوق أهوال الموت مرارًا وتكرارًا. هذا التغير غير المفسَّر الذي طرأ على “العودة بعد الموت” جعله يعتقد أن الأمر ربما له علاقة بكونه لم يعد في مملكة لوغونيكا، بل في إمبراطورية فولاكيا.

 

 

 

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

 

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

 

 

 

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

 

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

 

 

 

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

 

 

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

 

 

“——؟”

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

 

 

“لا تهتم، مجرد كلمة زائدة.”

“لا علم لي! حدث كل شيء فجأة. لقد دُفعنا بالقوة إلى داخل العربة… وأنت، لم تستيقظ أبدًا رغم كل ما جرى!”

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

 

 

 

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

 

 

عَبرت شوارتز عن ثمار جهودها في جمع المعلومات، مؤكدة أنها لم تكن تلهو. غير أن الإمبراطور فينسنت لم يظهر أي رد فعل يُذكر، بل اكتفى بإيماءة صغيرة برأسه.

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

 

 

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

 

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

“أرسلنا ‘أراكايا’ لقمع المتمردين، لكنها لم تعد. الأرجح أنها قُتلت أو تم احتجازها.”

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

 

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

 

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

جاءت الأخبار الصادمة فجأة، مما جعل عيون سوبارو – شوارتز تتسع في دهشة.

 

 

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

 

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

لو أن أحد الأشخاص الذين قتلوا سوبارو – شوارتز سابقًا قد عثر على ريم حينها، لربما كانت قد تعرضت لمصير مريع لا يُغتفر. ولهذا، كانت أراكايا في نظر سوبارو – شوارتز شخصًا يستحق الامتنان. لكن الآن…

في خضم هذا الجهل، كانت غريزتها تصرخ بأن عليها الفرار.

 

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

“لماذا لم تخبرني بذلك من قبل!؟”

 

 

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

“لا مبرر لإخباركِ. كانت تشغل منصب ‘الجنرال الثاني’ في الإمبراطورية، ووضعها العسكري يعتبر سرًا قوميًا. في الواقع، مجرد إخباري لكِ الآن يُعد أمرًا استثنائيًا.”

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

“——”

 

 

 

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

 

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

“ولهذا السبب…”

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

 

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

“بالضبط.”

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

 

 

عقد فينسينت ذراعيه وهزّ رأسه، بينما خفض سوبارو شوارتز نظره إلى الأسفل.

“آه.”

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

 

 

 

’اذا استعنت بـ ‹العودة بعد الموت›…‘ ربما كان ليتمكن من إنقاذها.

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

 

 

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

 

 

 

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

 

 

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

ولكن—

 

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

 

 

 

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

 

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

كان يُلقّب بـ “الإمبراطور الحكيم” وحظيَ بدعم شعبه. ومع ذلك، فإن يورنا ميشيغري، المعروفة بلقب “ذات الألوان الزاهية”، لم تكن مجرد متمردة ضعيفة تهبّ مع الريح، بل كانت قد اشتبكت معه مرارًا وتكرارًا عبر محاولات انقلاب حقيقية.

 

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

“من الواضح أنها من النوع الذي لن يفوّت فرصة كهذه.”

 

 

 

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

 

 

كان هذا هو الجُرم الذي ارتكبه كل من سوبارو وريم، وهو جرم يمكن أن يؤدي بهما إلى الإعدام سبع مرات على الأقل.

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

 

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

 

 

كردّ اعتبار بسيط، قرر سوبارو – شوارتز ألّا يفسر أي كلمات من العصر الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك، ثم حوّل نظره إلى نافذة العربة المتحركة، متذكّرًا جيدًا الدور الذي يُتَوقع منه أن يؤديه في المدينة الشيطانية.

 

 

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

 

 

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

 

 

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

وبالتالي، همَّ سوبارو – شوارتز بصفع وجنتيه ليحفّز نفسه، إلا أنه تراجع عن الفكرة خشية أن يُفسد مكياجه. وبدلًا من ذلك، مرّر أصابعه عبر خصلات شعره السوداء اللامعة بحركة واثقة وكأنه امرأة فاتنة، ثم قال:

 

 

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

 

 

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

 

 

“لا داعي لأن تذكرني بذلك! فسواء كانت إيميليا تان، أو بياكو، أو ريم، فهن دائمًا في ذهني، على مدار الساعة!”

 

 

 

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

 

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

 

 

وهكذا—،

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

 

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

~~~

 

“――――”

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

 

 

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

 

 

بينما شدّت وتر قوسها بقوة، انطلق منه صوت حاد شقّ الهواء، وفي اللحظة التالية، اندفع سوبارو – شوارتز ليُبعد الإمبراطور جانبًا، فانغرس السهم في خاصرته، ممزقًا جسده بعنف.

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

“—هاه…”

 

 

 

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

“— فينسينت فولاكيا!”

 

 

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

 

 

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

“أن تقول عني ذلك… كم هذا قاسٍ… أنا، بعد كل شيء، شعاري هو فعل الخير كل يوم…”

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

 

 

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

 

 

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

 

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

 

“――!”

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

“أفهم… هكذا إذن…”

 

 

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

“السماء… هذا سيجعلني أشعر بسوءٍ أكبر…”

 

 

 

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

 

 

 

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

 

 

“يالهم من رِفاق أقوياء…”

ما كان يهيمن على المدينة الآن لم يكن مشهدًا من الحرية المطلقة، بل كان دمارًا— معارك بين كيانات تتجاوز حدود الفهم البشري، تحطم المباني وتعيد تشكيل الشوارع بعنف.

 

 

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

“هاهاها! لم أتوقع أن أواجهك بهذه الطريقة، أراكيا!”

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

 

 

“إن لم يعجبكَ ذلك، فتراجَع.”

 

 

 

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

 

 

 

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

 

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

— أولبارت دانكلكين، “الشيخ القاسي”.

 

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

 

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

“… فيريس؟”

 

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

“الجنرالات التسعة العظماء”— النخبة في إمبراطورية فولاكيا، والمعروفون جميعًا بشجاعتهم الفريدة.

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

 

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

“لم يخطر ببالي أن أراكيّا ستنضم إلى صفوفهم أيضا… عدم تمكني من استباق تدخلها، هل كان هذا خطأي؟”

 

 

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

 

لكن لم يكن لديه سوى القليل من الحلفاء في هذه الفوضى. حتى أقوى مقاتليه، الذي أحضره معه لحمايته، كان منشغلًا تمامًا في قتال ضارٍ ضد أوربارت، الذي كان يلاحق بلا هوادة حياة امرأتين وهو يضحك بجنون.

“『الكارثة العظمى』.”

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

 

 

 

“— فينسينت فولاكيا!”

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

“………”

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

هناك، على أنقاض مبنى منهار، وقف رجل ذو شعر أسود وملابس حمراء، يشبه في مظهره فينسينت نفسه. لكنه كان يخفي وجهه خلف قناع شيطاني، وكان معروفًا كزعيم المتمردين الذين تآمروا مع غوز لارفون للإطاحة بالعرش الإمبراطوري.

 

 

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

لكن في هذه اللحظة بالذات――،

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

 

 

 

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

 

 

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

 

 

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

 

 

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

 

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

“أَبيل…”

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

 

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

 

 

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

“『الكارثة العظمى』.”

 

 

“—!”

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

 

 

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

 

“أفهم… هكذا إذن…”

“— سيدي!!”

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

 

 

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

بُمجرد أن لامست الضربة الثالثة قدمه، شُلّت حركته تمامًا، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصيبه الضربة الرابعة مباشرة، ساحقة جسده حتى أصبح عُشر حجمه الأصلي… ليموت في الحال.

ولكن—

 

 

“ـــ قناع «الشمس».”

“أوووورراااا!!”

 

 

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

 

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

 

 

 

“—فشلنا، فشلنا.”

 

 

 

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

 

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

 

 

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

تعليق المُترجم:

 

 

قال مبارز السيفين وهو يفرقع عنقه مبتسمًا، بينما حدق الرجل ذو العصابة بعينين باردتين نحو فينسنت وسوبارو – شوارتز. لكن قبل أن يتمكن من التحرك، وقف كافما الممزق والمرهق بين العدوين وبين فينسنت ورفيقه، وكأنه يحميهما بجسده.

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

في خضم هذا الجهل، كانت غريزتها تصرخ بأن عليها الفرار.

 

 

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

 

 

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

 

 

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

أدرك فينسينت أن هذه المعركة قد حُسمت، فاستدار وركض حاملًا سوبارو – شوارتز.

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

 

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

 

 

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

“أن تقول عني ذلك… كم هذا قاسٍ… أنا، بعد كل شيء، شعاري هو فعل الخير كل يوم…”

 

 

“—غغ…”

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

 

—هذا موقف كارثي، بلا أدنى شك.

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

 

 

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

حين أغلق الإمبراطور عينيه، أدرك سوبارو – شوارتز أمرًا غريبًا— لم يسبق له أن رأى فينسينت وهو يغمض كلتا عينيه في وقت واحد.

 

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

 

 

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

 

 

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

كان الصوت يشبه أزيز الجلد الذي يُنتزع عن العظام، أو كأنما يُنتزع اللحم من الجلد، صوت يجعل الأذن تتمزق لسماعه. تدريجيًا، بدأ وجه فينسنت يتقشر ويختفي، متحولا إلى غبار ببطء بين يديه.

وكما كان متوقعًا—

 

 

“———”

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

 

“…هاه؟”

كان المشهد أمامه كما لو كان كابوسا فظيعا في ليلة مظلمة، أو تشويشًا في العقل يسبق الموت. لكن، رغم أن وجهه قد انزاح، أخذ فينسنت يضع يده الأخرى على وجهه، ليضع “قناعًا” جديدًا.

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

“لدي سؤال واحد فقط.”

 

 

“… فيريس؟”

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

 

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

 

 

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

“———”

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

 

 

كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذا المشهد الغريب الذي جعل سوبارو – شوارتز في حالة من الذهول. لكن الأخير، بينما كان يواصل تجاهل ارتباكه، وضع يده البيضاء على الجرح الذي أصاب سوبارو.

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

 

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

 

 

 

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

 

 

 

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

 

 

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

 

 

أما عن مدى التغيرات في المواقع والمصائر بين الشخصيات في القصة الأصلية وهذه النسخة البديلة، فآمل أن أتناول هذا الموضوع لاحقًا في تقارير منفصلة!

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

 

 

“لا أدري لما انبعثت هذه الشكوك في ذهنك… لكن لا.”

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

 

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

 

 

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

 

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

“سأستفيد من المانا المحشورة داخل جسدك التي لا تجد مخرجاً. على أي حال، لو تُركت هكذا، لانفجرت بسبب عطل في الصمامة. لن أسمح بأي اعتراضات.”

“أعرف أن كلامي يبدو مريبًا للغاية، لكن فكروا فيها… أي سبب سيدفعني لاختلاق قصة كهذه من الأساس؟ لهذا، أتمنى أن تصدقوني…!”

 

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

على الرغم من أن هذا كان يبدو محيرًا جدًا، إلا أن “فيريس” لم يهتم بانذهال سوبارو من المشهد، واستمر في علاج جرحه بينما كانت التشققات تتوسع على وجهه.

 

 

 

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

 

 

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

“لقد انتهيت.”

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

 

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

 

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

بالرغم من شفاء جراحه وإنقاذ حياته، إلا أن سوبارو الذي كان مستلقياً لم يستطع الحركة، مشاهداً كابوساً لا يقل رعباً عن لحظات احتضاره.

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

 

——

من تحت وجه “فيريس المزيف” الذي تمزق، بدأ وجه جديد في الظهور، ليس وجه فينسنت ولا “فيريس المزيف”، بل وجه مجهول. ــ لا، لم يكن مجهولًا تمامًا.

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

 

 

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

 

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

 

 

“ـــ تشيشا غولد”

 

 

“أن تقول عني ذلك… كم هذا قاسٍ… أنا، بعد كل شيء، شعاري هو فعل الخير كل يوم…”

“…ماذا؟”

 

 

 

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

 

 

 

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

 

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

 

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

 

 

 

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

 

“…هاه؟”

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

 

 

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

“أوه!”

 

 

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

 

 

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

“—غغ…”

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

“السيد كافما قال لي أن جلالتك لن تخفي عني أي معلومة ضرورية، أليس كذلك؟”

 

 

~~~

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

 

أدرك فينسينت أن هذه المعركة قد حُسمت، فاستدار وركض حاملًا سوبارو – شوارتز.

أوضح تشيشا أنه يُطلق على قدرته التي تُمكّنه من تغيير مظهره اسم “نو”.

 

 

“حسناً! سأتوقف عن الكلام! فقط دعيني أركب!”

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“أَبيل…”

 

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

 

 

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

 

 

 

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

 

 

 

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

 

 

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

 

 

 

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

 

 

 

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

 

 

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

 

 

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

“همم، وما رأيك أنت؟ هل تظن أنني مدفوع بالطموح؟”

كل ما جناه سوبارو من محاولته كان ألمًا في جسده نَتيجة الارتداد، مما جعله يعض على أسنانه غيظًا لفشل خطته.

 

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

 

 

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

 

 

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

“غواااه!!”

 

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

 

 

“النجوم؟… لا أنكر أنني أحبها، لكنني لم أتحدث معها قط. ما قلته الآن هو مجرد استنتاج مبني على الخبرة، وممزوج ببعض الأمل.”

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

 

وبالتالي، همَّ سوبارو – شوارتز بصفع وجنتيه ليحفّز نفسه، إلا أنه تراجع عن الفكرة خشية أن يُفسد مكياجه. وبدلًا من ذلك، مرّر أصابعه عبر خصلات شعره السوداء اللامعة بحركة واثقة وكأنه امرأة فاتنة، ثم قال:

“أمل، إذن؟”

 

 

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

“لا داعي لأن تذكرني بذلك! فسواء كانت إيميليا تان، أو بياكو، أو ريم، فهن دائمًا في ذهني، على مدار الساعة!”

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

 

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

 

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

“أنا أتخذ الخطوات اللازمة لإنقاذ الإمبراطورية من مستقبلها المحتوم بالدمار.”

 

 

 

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

 

 

 

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

 

 

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

~~~

 

 

“أجل، هذا صحيح.”

 

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

“حاليًا، نحن منشغلون تمامًا بالتعامل مع توسع نفوذ المتمردين. لذا، يمكننا افتراض أن بيرلستيتز لن يجد الوقت الكافي للانتباه إلينا لبعض الوقت.”

 

 

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

 

 

 

“لدي سؤال واحد فقط.”

“هـ… همم…”

 

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

“قدرتك، التي تسمح لك بالتنكر في هيئة الآخرين… هل يمكنك استخدامها بلا حدود، متى شئت؟”

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

 

 

“لا… لا يمكنني ذلك.”

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

 

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

 

 

 

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

 

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

كان وجود فينسنت فولاكيا جوهريًا في مخطط تشيزا.

 

 

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

 

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

 

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

 

 

 

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

 

 

“…”

“أوه!”

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

 

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

حاول تشيشا أن يواسي سوبارو، الذي بدا محبطًا، لكن المشاعر كانت معقدة بالفعل.

 

 

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

 

 

 

ولهذا السبب—

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

“『الكارثة العظمى』.”

 

 

 

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

 

 

 

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

تجمد سوبارو في مكانه.

 

 

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

 

“— يا صاحب الجلالة.”

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

 

 

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

 

 

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

“فهمت.”

 

 

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

تم اتخاذ القرار.

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

 

 

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

 

 

“آه، عذرًا، عذرًا. أنا سيئ في مثل هذه الأمور. حسنًا، يمكنني أن أقدّم نفسي على أنني أوبيرك، الشخص الذي يعمل كـ ’قارئ النجوم‘ هنا في القصر البلوري. يُسعدني التعرف إليك، أيا ’قارئ النجوم‘ من المملكة.”

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

 

 

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

لكن رغم ذلك كله—

 

 

 

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

 

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

 

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

~~~

 

 

 

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

 

 

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

ضغط سوبارو على أسنانه بقوة واستدعى الذراع الخفية الكامنة داخله – “الذراع غير المرئية” – محاولًا تحطيم الصندوق.

 

وجهٌ لا تعرفه…

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

 

 

 

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

 

 

× × ×

كان هذا الرجل غوستاف موريلو، الذي أغلق فمه الممتلئ بالأنياب، وعقد أذرعه الأربعة القوية على صدره الضخم، متخذًا وضعية صارمة.

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

 

 

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

 

 

 

لكن الأهم من أصله بالنسبة لناتسومي شوارتز، كان منصبه—

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

“أنت!!”

“—حاكم جينونهايف، ‘جزيرة عبيد السيف’، غوستاف موريلو.”

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

 

“—لماذا أنت هنا؟!”

“هذا هو لقبي الصحيح. شكرًا لتذكيري، أيها الجنرال تشيشا غولد.”

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

 

 

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

 

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

 

 

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

 

لم يكن سوبارو – شوارتز خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه كان يدرك أن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وإن بدا عملاً خيرياً في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

 

 

 

“انتقاد؟ بالطبع لا. لكن ما يفعله الحاكم غوستاف هو تجسيد واضح لولائه المتين تجاه جلالة الإمبراطور، فهو يسعى بإخلاص لتنفيذ أوامره كما ينبغي. ألا تعتقدين أن عدم فهم هذه النقطة يعني أنكِ، في الواقع، لا تتوافقين مع إرادة جلالته؟”

“…ماذا تقصد بذلك؟”

 

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

“م- ماذا…؟!”

 

 

 

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

“وووهااااه؟!”

إذا كان هذا المشهد يبدو ممتعًا، فربما يكون لدى غوستاف جانب مرح غير متوقع. أما سوبارو – شوارتز، فقد كان يبذل قصارى جهده ليلعب دور الشريرة المتعجرفة، وكان يستمتع بذلك بالفعل.

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

 

 

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

 

 

هدأت الاضطرابات في “المدينة الشيطانية” كايوس فلايم، ونجا أولبارت وكافما بصعوبة. كما انسحب أبيل ورجاله من أراكيا، وانتهى القتال دون انتصار حاسم لأي طرف.

 

 

 

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

 

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

 

~~~

ثم قال سوبارو:

“——”

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

ثم قال سوبارو:

 

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

أجاب تشيشا بهدوء:

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

“لسوء الحظ، على الرغم من أنني أتفق مع رئيس الوزراء بيرلستيتز في بعض النقاط، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بيننا. في نهاية المطاف، هذا الرجل العجوز ليس سوى سيفا للإمبراطورية، وهذا يعني أن نهاياتنا قد تتعارض بشكل لا يمكن التوفيق بينه. لذا…”

 

 

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

 

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

“حاليًا، نحن منشغلون تمامًا بالتعامل مع توسع نفوذ المتمردين. لذا، يمكننا افتراض أن بيرلستيتز لن يجد الوقت الكافي للانتباه إلينا لبعض الوقت.”

 

 

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

 

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

 

 

“ناتسوكي-دونو…”

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

 

 

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

 

 

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

 

 

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

 

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

“أولبارت، هاه…”

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

 

 

“لا داعي لأن تبدو بهذا الاكتئاب. لولا ذكاؤك ونصائحك، لما نجا أولبارت بذراع واحدة فقط، وربما كان كافما قد فقد حياته أيضاً. ولو حدث ذلك، فمن يدري إن كنا سنعود نحن أيضاً سالمين؟”

 

 

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

حاول تشيشا أن يواسي سوبارو، الذي بدا محبطًا، لكن المشاعر كانت معقدة بالفعل.

 

 

“… آاا، أُو؟”

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

 

“لقد انتهيت.”

لكن أكثر ما صدمه هو أن أولبارت، الذي يُفترض أنه أحد أقوى ثلاثة أشخاص في الإمبراطورية، قد لقي حتفه عدة مرات بسبب هجمات مفاجئة من أراكيا. ولم يكن هو الوحيد، إذ تعرض كافما أيضاً لمواقف مماثلة، مما أجبر سوبارو على بذل كل ما لديه لمحاولة إنقاذهما مراراً وتكراراً.

 

 

 

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

 

 

في معظم الحالات، كان أولبارت وكافما يلقون حتفهم بضربة قاتلة من أراكيا، لكن الشخص الذي كان يهيئ الظروف التي تؤدي إلى تلك الضربة كان دائمًا ذلك الرجل ذو عصابة الرأس.

 

 

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

إن تمكن على الأقل من العثور على معلومة واحدة هنا، فسيكون ذلك كافيًا. ――بهذه الفكرة في ذهنه، حطم سوبارو نافذةً في زاوية مهجورة، وفتح القفل، ثم تدحرج إلى الداخل.

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

 

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

 

 

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

 

 

على أية حال…

 

 

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

 

 

 

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

 

 

 

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

 

 

 

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

 

 

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

 

 

إذا كان تشيشا، المعروف بحساباته الدقيقة، يقول ذلك، فربما يجب تصديقه. لكن لماذا يراوغ دائمًا عندما يسأل سوبارو عن طبيعة الإمبراطور؟

 

 

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

سوبارو، من جانبه، أثنى على كلامه قائلاً: “نكتة موفقة”، ثم تشارك الاثنان الضَحِك لبعض الوقت.

 

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

هدأت الاضطرابات في “المدينة الشيطانية” كايوس فلايم، ونجا أولبارت وكافما بصعوبة. كما انسحب أبيل ورجاله من أراكيا، وانتهى القتال دون انتصار حاسم لأي طرف.

 

 

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

 

 

 

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

“—فشلنا، فشلنا.”

 

 

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

 

 

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

 

 

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

 

 

 

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

 

 

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

 

“أما الخامس، غوز لارفون، فقد سُجن بتهمة زائفة. الرابع، تشيشا غولد، تمرد ضد الإمبراطور. الثالث، أولبارت دانكلكن، مصاب. الثانية، أراكيا، تمردت وأصبحت خارج النطاق… لحظة، أين الأول اذن؟”

 

 

 

“…”

 

 

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

 

 

“ليس هناك داعٍ للحديث عن سيسيلوس.”

 

 

“――――”

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

 

 

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

على الأقل، لم يسمع أي إشاعة تفيد بأن أقوى شخص في الإمبراطورية قد انشق وانضم إلى المتمردين.

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

 

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

 

 

 

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

 

 

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

 

 

 

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

 

 

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

 

 

 

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

 

 

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

 

 

 

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

 

 

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

“النجدة! أنقذوني!!”

إن تمكن على الأقل من العثور على معلومة واحدة هنا، فسيكون ذلك كافيًا. ――بهذه الفكرة في ذهنه، حطم سوبارو نافذةً في زاوية مهجورة، وفتح القفل، ثم تدحرج إلى الداخل.

 

× × ×

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

 

 

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

 

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

“لقد عدت فجأة، ماذا يحدث؟ أولاً، كان من المفترض أن تنتهي مهمتك، فلماذا ما زلت ترتدي نفس الزي النسائي؟”

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

 

 

“الوضع في الإمبراطورية يقتضي أن لا يعرف أحد بتورطي في تلك الاضطرابات، ولذلك لا بد من استمرار ظهور ناتسومي شوارتز. إنه أمر مفروض عليّ.”

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

“–.—-.——– أها، فهمت.”

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

 

 

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

 

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

 

 

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

 

 

 

“ماذا؟”

“هاه… هاه…!”

 

“ــــ بيرفكتو!!”

“وااااه!”

 

 

 

بالطبع، ما إن تمكن من العودة إلى العاصمة الإمبراطورية، حتى حرص على زيارة ريم والتأكد من حالتها وما إذا كانت على ما يرام. وعلى الرغم من أنها ما زالت تعاني من خدر في ساقيها، إلا أنها أصبحت قادرة على الحركة بشكل ملحوظ. ريم، التي كانت دائمًا حساسة تجاه الآخرين، أظهرت مجدداً شخصيتها المُراعية واللطيفة، مما جعلها تتصرف بحرية نسبية في قصر بيرلستيتز. حتى مع فقدانها للذاكرة، كانت بعض جوانب شخصيتها واضحة بما يكفي لإشعال دفء قلب سوبارو.

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

 

 

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

 

 

 

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

 

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

“أمل، إذن؟”

 

 

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

“أولبارت، هاه…”

 

 

“—. أليس ذلك خطيراً؟”

ما كان يهيمن على المدينة الآن لم يكن مشهدًا من الحرية المطلقة، بل كان دمارًا— معارك بين كيانات تتجاوز حدود الفهم البشري، تحطم المباني وتعيد تشكيل الشوارع بعنف.

 

 

“لا أنكر وجود الخطر. ولكن، بالنسبة لغريب مثلي أو لريم، فالإمبراطورية كانت دومًا كجُحر النمر — لا يُمكنك الظفر بشيء مالم تدخله. وإن كان الخروج من جُحر النمر مرفوع الرأس يتطلّب المخاطرة، فسأخاطر… ولكن بطريقة تضمن أعلى قدر ممكن من فرص الفوز!”

 

 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

 

 

 

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

 

 

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

 

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

وبعد ذلك――

 

 

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

 

 

 

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

“…ذلك هو—”

 

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

 

 

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

 

 

هكذا، بصوت صاخب كالألعاب النارية المشتعلة، ظهر الصبي المزعج ـ والذي يبدو أصغر عمرًا مما تصفه الشائعات ـ سيسيلوس سيغموند، ليتم اللقاء بينه وبين سوبارو في جزيرة عبيد السيف.

أجاب تشيشا بهدوء:

 

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

 

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

~~~

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

 

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

 

 

 

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

 

 

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

ــ سيسيلوس سيغموند، أولُ “الجنرالات التسعة”، كانت خطة إخراجه من جزيرة عبيد السيف بالغة الصعوبة والتعقيد.

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

 

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

 

 

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

 

 

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

 

 

 

وهكذا، وجد سوبارو – شوارتز نفسه في سلسلة من المعارك غير المتوقعة مرارًا وتكرارًا، لكن العقبات في جزيرة عبيد السيف لم تقتصر على غوستاف وحده.

~~~

 

 

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

 

 

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

بريسكا بِنديكت.

 

 

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

 

 

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

“إن كان الأمر كذلك، فهلا انضممتَ إلينا…”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

“لم أقرر بعد إن كنتُ سأرافقكم أنتَ ومرشحة الإمبراطورة! فأنا نجم مسرح يطلبه الجميع… كلمات الدعم التي لا تنتهي من أولئك الذين لا يكفون عن انتظار تألقي تنهال على قلبي كقطرات المطر المتواصلة!”

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

 

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

 

 

 

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

 

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

وفي النهاية…

~~~

 

 

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

 

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

 

 

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

 

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

 

 

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

 

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

 

 

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

 

 

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

لكن رغم ذلك كله—

 

 

“――!”

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

 

 

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

 

 

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

“أوه!”

 

 

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

“ميول…؟”

 

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

 

 

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

 

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

“تشيشا!”

 

 

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

 

 

في معظم الحالات، كان أولبارت وكافما يلقون حتفهم بضربة قاتلة من أراكيا، لكن الشخص الذي كان يهيئ الظروف التي تؤدي إلى تلك الضربة كان دائمًا ذلك الرجل ذو عصابة الرأس.

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

على أية حال…

 

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

 

 

 

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

 

 

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

 

 

 

“…ذلك هو—”

“…”

 

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

 

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

 

 

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

 

 

 

ثم—،

 

 

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

 

 

 

“مكان آمن… وأين يوجد مثل هذا المكان، في هذه الجزيرة؟”

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

 

“آه-أوه…؟”

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

لقد مات الرجل.

 

 

لكن في هذه اللحظة بالذات――،

“انتقاد؟ بالطبع لا. لكن ما يفعله الحاكم غوستاف هو تجسيد واضح لولائه المتين تجاه جلالة الإمبراطور، فهو يسعى بإخلاص لتنفيذ أوامره كما ينبغي. ألا تعتقدين أن عدم فهم هذه النقطة يعني أنكِ، في الواقع، لا تتوافقين مع إرادة جلالته؟”

 

 

“ما دام الوجود في أي مكان سيكون سواءً، فسأبقى لأشهد النهاية.―― حتى وإن تكرّر الأمر مرارًا.”

 

 

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

“――روي أرنيب.”

 

 

عانق سوبارو – شوارتز مرفقه بيده، وقد رسّخ في قلبه عزمه على ألا يغادر هذا المكان.

 

 

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

 

 

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

أو ربما السبب الأكبر وراء احتجازه في قصر بيرلستيتز، الذي يخضع لحراسة أشد من القصر البلوري وقصره الفرعي، كان ـــ

 

 

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

 

جحافل الموتى الذين عادوا إلى الحياة، تقودهم “ساحرة” تتوق إلى سقوط الإمبراطورية، وتشرع في إحراق العالم.

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

 

“ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟”

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

“أحضرتهم معي.”

 

 

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

 

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

“يالهم من رِفاق أقوياء…”

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

 

 

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

 

 

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

 

 

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

 

 

“أوه!”

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

 

 

 

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

 

 

 

وأمام هذا التحوّل الذي يشبه نوعًا ما طقسًا مسرحيًا غروتسكيًا من فن الـ«نو»، لم يكن ما خطر على بال سوبارو – شوارتز سوى مشاهد التحول البطولية لأبطال العدالة أولئك.

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

 

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

 

 

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

وعند تلك اللمسة، عضّ سوبارو على أسنانه بشدة. ― وفورًا بعد ذلك.

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

 

 

 

بجوار سيسيلوس الذي رفع صوته بهذه التعليقات الساخرة، وقف تشيشا وقد تحوّل إلى شاب طويل أزرق الشعر، مختلف تمامًا عن هيئته السابقة.

 

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

 

 

بمعنى آخر—

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

 

 

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

ثم—،

 

 

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

“――! مَن هناك؟!”

 

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

 

 

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

 

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

 

 

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

صدام شرارتي البرق مع الكيان الغامض المُكوَنِ من الظلال، كان أشبه بمُحاولة إختراق هاوية شديدة السواد بنور نَجمين ساطعين، عرضٌ مسرحيٌّ مهيب على مسرحٍ لا يُقام إلا مرةً واحدة في العمر…

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

 

 

~~~

 

 

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

“――غدًا، على الأرجح، سيبدأ الصدام الحقيقي بالفعل…”

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

“أووه؟”

 

 

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

 

 

“أفهم… هكذا إذن…”

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

 

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

“――――”

 

 

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

 

“ماذا… هاه؟! أنا في الخارج؟ لا، هذا خارج أكثر مما هو متوقع!”

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

 

 

 

“يا سيد ناتسوكي، لقد ساعدتني كثيرًا. أود أن أعبر لك مجددًا عن امتناني.”

 

 

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

 

 

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

 

 

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

 

 

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

 

 

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

 

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

 

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

لا تزال تفاصيل تحوّله إلى هيئة طفل مجهولة، لكن إن كان الأمر قد شمل رجوعه في المظهر وكذلك في طريقة التفكير والشعور، فربما حين يعود إلى شكله الأصلي، ستزول هذه الحيوية الطازجة التي يتحلى بها الآن.

وكما كان متوقعًا—

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

 

 

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

“لا تقلق، سيسيلوس كان دائمًا على هذه الحال، صغيرًا كان أو كبيرًا.”

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

 

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

 

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

 

 

 

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

 

 

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

 

 

“تُقرّ بذلك بنفسك؟”

 

 

 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

 

 

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

 

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

 

 

“――!”

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

“آه، تطوير وصقل مهاراتي كان بالفعل على طريقة لوغونيكا،

“أراكيا.”

لكن الأساس؟ لا، هذا يعود أصله إلى مكان آخر. بلدتي الأم. خَلف ما يسمّى بـالشلال العظيم…”

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

 

 

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

 

 

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

 

أومأ تشيشا جانبه بإعجاب، وكأنه التقط شيئًا في حديثه—ليس عن سوبارو تحديدًا، بل عن الشلال العظيم نفسه.

وفي تلك اللحظة، مرت في ذهنه وجوهٌ كثيرة، دون أن يرمش حتى. وجوه أولئك الذين خدعهم جميعًا. ومع كل وجهٍ مرّ، طعنته في قلبه وخزه من الذنب، ومع ذلك تنفّس بهدوء وقال:

 

 

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

 

 

 

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

 

 

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

قالها تشيشا وهو يمرّر أصابعه برفق على ذقنه النحيل، بينما رمش سوبارو متفاجئًا من هذا التحليل.

هل كان قد ارتكب الخطأ منذ البداية؟ بعد أن مر بخمس “وفيات”، عض سوبارو على أسنانه في إحباط.

 

 

قيمة الحياة… بالطبع هذا شيء أساسي. فالحياة لا تُعطى مرتين. حتى لو وُجدت استثناءات نادرة، فهي لا تنفي القاعدة.

 

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

 

 

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

 

 

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

 

 

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

“وفقًا لمعاييري، كان فقدانك هناك خسارة أكبر من أي ضرر ممكن.

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

 

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

 

 

 

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

 

 

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

 

 

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

 

“『الكارثة العظمى』.”

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

 

فهو لا يرى فيه شيئًا يستحق التقدير المبالغ فيه كذلك.

 

 

 

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

 

“هنا.”

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

 

 

 

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

 

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

 

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

 

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

 

 

إن مشاعر ريم، التي يصعب قياس تغيّرها، تلقت تعليقًا متعاطفًا من تشيشا.

 

 

 

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

 

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

 

 

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

 

 

 

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

 

 

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

“هاه؟”

 

 

 

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

 

 

 

نظر إلى جانبه، ليجد تشيشا قد وضع كأسه على سور الشرفة،

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

“وهذه؟”

 

 

لا، بل نحو العاصمة بأكملها.

 

 

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

 

“――――”

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

 

وقد أرسلته إلى جزيرة العبيد لأسباب معينة… وكل ذلك كان――”

 

 

 

“استعدادًا لـ”الكارثة الكبرى” القادمة، أليس كذلك؟ قلّصت هيئة سِسي وأرسلته إلى الجزيرة، لا أدري ما قد تجنيه من ذلك… آه، أو ربما، كان لغوز علاقة بالأمر؟”

 

 

“――أن ماذا؟”

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

 

 

 

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

“مكان آمن… وأين يوجد مثل هذا المكان، في هذه الجزيرة؟”

 

 

في الواقع، سوبارو رأى بأم عينه مدى تفوق سيسيلوس في القتال، وقد تجاوزت قوته حدود الفهم.

 

 

ثم――

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

 

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

 

 

 

غير أن――،

 

 

 

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

 

× × ×

“…ماذا تقصد بذلك؟”

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

 

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

“――――”

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

 

 

 

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

 

 

 

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

 

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

 

~~~

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

 

 

 

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

 

 

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

“مجتمع يقوم على القوة المطلقة، ومبدأ التفوق، والمنافسة المستمرة… أفهم ذلك، لكن ما يمنحني الأمل هو أن فولاكيا ليست مقتصرة على هذا وحده.”

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

 

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

 

 

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

“بيرلستيتز، رغم مظهره، إلا أنه يملك قلبًا حارًا بشكل مفاجئ. تشيشا صنفته على أنه إمبريالي متشدد، لكنني اكتشفت أنه شخص يفيض بالعاطفة. على الأرجح، من النوع الذي يقدّر الوعود في الخفاء. أما مادلين، فصعبة الانفتاح قليلًا، لكنني أعتقد أنها تهتم بالآخرين أكثر مما تظهر. ربما كانت محاطة بأشخاص جيدين. والآن… أظنها فقط حائرة في كيفية استخدام مشاعرها الطيبة؟”

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

 

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

 

 

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

 

بأن النتيجة ستتحقق.

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

لكن الحقيقة أن موقفها الحاد لم يكن موجهًا لسوبارو وحده، بل تجاه جميع سكان القصر أيضًا…

 

 

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

 

 

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

“إن لم تجد ما تقوله، فلا حاجة لأن تُجهد نفسك في البحث عن شيء إيجابي، هذا ما أراه.”

 

 

 

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

 

 

“――――”

 

 

“—!”

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

 

 

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

 

“لا… لا يمكنني ذلك.”

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

“غواااه!!”

 

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

 

 

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

 

 

“يا لها من مبالغة. هذه البلاد هي وطن السيف والذئاب، وإمبراطورية فولاكيا لا تعني إلا شخصًا واحدًا، وهو جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا. لذا، أرجو منك أن تراجع هذا التصور.”

“في هذه اللحظة، لا بد أن إيميليا-تان وبياتريس يشعرون بقلق شديد… لم أكن لأتخيل أنني سأجد نفسي فجأة في الإمبراطورية، بل وأكثر من ذلك، داخل أراضي القصر الإمبراطوري نفسه.”

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

“أفهم… هكذا إذن…”

سوبارو، من جانبه، أثنى على كلامه قائلاً: “نكتة موفقة”، ثم تشارك الاثنان الضَحِك لبعض الوقت.

 

 

 

وبعد ذلك――

 

 

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

 

 

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

“ماذا تعني بـ’بعد ذلك’؟”

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

 

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

 

كان يُلقّب بـ “الإمبراطور الحكيم” وحظيَ بدعم شعبه. ومع ذلك، فإن يورنا ميشيغري، المعروفة بلقب “ذات الألوان الزاهية”، لم تكن مجرد متمردة ضعيفة تهبّ مع الريح، بل كانت قد اشتبكت معه مرارًا وتكرارًا عبر محاولات انقلاب حقيقية.

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

“أوغهاه!”

“لقد عشت في المملكة لأكثر من عام، لذا أستطيع على الأقل أن أُرشدكَ إلى الأماكن القريبة!”

 

 

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

 

 

 

“أن تدعم شخصاً يواجه مشكلة عويصة ككونه نصف إلف، ثم تمد يدك بهذا الشكل للآخرين… أعتقد أن تصرفاً كهذا يفتقر إلى بعض الاتزان. ولا شك أن من يقوم بتنسيق أمور فصيلكم، يعاني الكثير من المتاعب، أليس كذلك، ناتسوكي-دونو؟”

 

 

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

 

 

 

“ألا تتصنع، هاه؟”

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

 

 

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

 

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

 

 

 

“ناتسوكي-دونو…”

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

 

“مُجرد مزحة؟”

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

حتى الآن، لم تصدر منه أي أفعال شريرة تتناسب مع ما يُقال عن كونه أحد أساقفة الخطايا، بل يبدو على العكس تمامًا، مخلصًا ويعتني بريم بإخلاص. ومع ذلك، لا يمكن لسوبارو أن يتيقن من نواياه الحقيقية في أعماقه. ــ وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فإن اتخاذ قرار بشأن ما يجب فعله بها عند اصطحاب ريم إلى المملكة يظل مصدر صداع دائم له.

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

 

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

 

تجمد سوبارو في مكانه.

“――――”

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

 

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

 

 

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

“――――”

 

“بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إلى هنا، إن كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة، فعليك أن تنضم إلي. —لأجل أن أحافظ على هذه الإمبراطورية كما ينبغي لها أن تكون، تحت يدي أنا، فينسنت فولاكيا.”

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

 

 

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

 

 

“فلنقم بذلك، تشيشا-سان. هذه المعركة… ستكون نصرنا!”

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

 

 

 

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

 

 

إنه ذلك الرجل الذي، في الخفاء، وضع خطة لدرء “الكارثة العظمى” التي تهدد الإمبراطورية، وقد يضطر بعد انكشاف الحقيقة إلى أن يعيش حياة يطارده فيها الاتهام واللائمة، حتى من أولئك الذين كرّس لهم ولاءه وخدعهم في سبيل ذلك.

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

 

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

 

 

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

“فلنقم بذلك، تشيشا-سان. هذه المعركة… ستكون نصرنا!”

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

 

لكن كان واثقًا…

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

 

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

 

 

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

 

 

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

“هاه؟”

 

 

~~~

 

 

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

 

 

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

“أوووه!”

 

 

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

 

 

“――――”

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

 

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

ثم――

 

 

“――――”

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

 

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

 

 

“لا علم لي! حدث كل شيء فجأة. لقد دُفعنا بالقوة إلى داخل العربة… وأنت، لم تستيقظ أبدًا رغم كل ما جرى!”

 

 

 

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

 

 

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

 

 

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

 

 

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

 

 

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

 

 

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

لقد قرر أن يخوض المعركة وحده. فبعد أن اعتمد على سوبارو طوال الطريق لترتيب رقعة اللعب، ها هو في النهاية، كما فعل مع الإمبراطور، يُقصي سوبارو من المعادلة، ويختار أن يواجه “الكارثة العظمى” بمفرده.

 

 

 

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

وأمام هذا التحوّل الذي يشبه نوعًا ما طقسًا مسرحيًا غروتسكيًا من فن الـ«نو»، لم يكن ما خطر على بال سوبارو – شوارتز سوى مشاهد التحول البطولية لأبطال العدالة أولئك.

 

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

 

 

“لا أظن أن ذلك ممكن. حاولت عدة مرات، لكن الصندوق متين للغاية، لا يتحرك قيد أنملة. يبدو أنهم سيطلقون سراحنا بعد عبور الحدود المؤدية إلى مملكة لوغونيكا…”

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

 

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

 

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

 

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

 

 

 

ضغط سوبارو على أسنانه بقوة واستدعى الذراع الخفية الكامنة داخله – “الذراع غير المرئية” – محاولًا تحطيم الصندوق.

 

 

 

لكن خلافًا لحاملها الأصلي، أسقف الكسل من أساقفة الخطايا السبعة، فإن هذه القدرة في يد سوبارو لا تختلف كثيرًا عن ذراع ثالثة غير مرئية. وإن لم تستطع ذراعاه العاديتان كسر الجدران، فلن يفلح بها كذلك، حتى وإن كانت خارقة.

كانت هناك فتاة ذات شعر بلون السماء وزوج من القرون السوداء، ترتدي ملابس جميلة ــ لكن على عكس مظهرها اللطيف، كانت تمتلك قوة قتالية مذهلة لا تُصدق.

 

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

 

كل ما جناه سوبارو من محاولته كان ألمًا في جسده نَتيجة الارتداد، مما جعله يعض على أسنانه غيظًا لفشل خطته.

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

 

 

إلى جانبه، كانت ريم قد خاضت صراعًا مشابهًا، وقد خلّفت أطراف أصابعها العديد من الانبعاجات الصغيرة في جدار الصندوق الصلب. كانت ملامحها متوترة بوضوح — هي أيضًا لم تكن راضية عن مغادرة الإمبراطورية في هذه اللحظة بالتحديد.

 

 

 

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

وشعرت ريم برضا داخلي عن هذا الدور الذي أدته، وكانت قد بدأت تشكل علاقات خاصة بها داخل الإمبراطورية. حتى أن سوبارو سمع منها أنها كوّنت صداقات هناك.

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

 

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

“لم يخطر ببالي أن أراكيّا ستنضم إلى صفوفهم أيضا… عدم تمكني من استباق تدخلها، هل كان هذا خطأي؟”

 

“يالك من أحمق.”

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

 

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

 

 

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

“تبًا! أخرجونا! على الأقل… على الأقل ناقشوا الأمر معنا! كيف تجرؤون على المضي هكذا من دوننا!”

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

 

 

“… آاا، أُو؟”

 

 

“فهمت.”

“اصمتي! دائمًا ما تتدخلين، لكن الآن على وجه الخصوص ليس لدي وقت لأعبث معك!”

“بالطبع أحتاج!”

 

“――! مَن هناك؟!”

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

 

 

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

 

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

بعد ذلك—

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

“أووه؟”

 

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

 

 

 

“أوا… إيو… ــآه، أوه…”

هذا المفترض.

 

 

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

 

 

وعند تلك اللمسة، عضّ سوبارو على أسنانه بشدة. ― وفورًا بعد ذلك.

لو أن أحد الأشخاص الذين قتلوا سوبارو – شوارتز سابقًا قد عثر على ريم حينها، لربما كانت قد تعرضت لمصير مريع لا يُغتفر. ولهذا، كانت أراكايا في نظر سوبارو – شوارتز شخصًا يستحق الامتنان. لكن الآن…

 

بمعنى آخر—

«ـــ ها؟»

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

 

 

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

 

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

“ماذا… هاه؟! أنا في الخارج؟ لا، هذا خارج أكثر مما هو متوقع!”

 

 

 

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

 

 

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

“هل كان ذلك… انتقالاً آنياً؟ تنقلاً؟ لا يعقل…”

 

 

 

“أوه!”

ولهذا السبب—

 

 

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

لذا—

 

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

 

 

“أنتِ مذهلة، روي…”

لكن رغم ذلك كله—

 

 

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

 

 

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

 

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

“الجنرالات التسعة العظماء”— النخبة في إمبراطورية فولاكيا، والمعروفون جميعًا بشجاعتهم الفريدة.

 

 

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

 

 

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

 

 

 

“――――”

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

 

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

 

 

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

 

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

 

 

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

 

 

 

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

 

أما عن مدى التغيرات في المواقع والمصائر بين الشخصيات في القصة الأصلية وهذه النسخة البديلة، فآمل أن أتناول هذا الموضوع لاحقًا في تقارير منفصلة!

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

 

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

 

“يبدو أن القائدة مادلين وريم قد تقاربتا كثيرًا.”

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

 

 

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

~~~

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

 

 

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

“ماذا؟ إذًا لن أسمح لك بالركوب.”

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

 

 

“حسناً! سأتوقف عن الكلام! فقط دعيني أركب!”

 

 

 

في خضم ارتباكه وحماسته، أدركت ريم ما كان يدور في ذهن سوبارو، فما كان منه إلا أن بدأ يتوسل إليها باضطراب واضح. تنهدت ريم أمام توسلاته، ثم جذبت روي إليها بذراع ممدودة، وقالت:

 

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

وفي كل الأحوال—

ركوب مخلوقٍ طائرٍ والتحليق بحرية في السماء ليس من التجارب التي تتاح للمرء بسهولة. وحتى الآن، لم يسبق لسوبارو أن خاض تجربة الطيران في ظروف مماثلة سوى مع روزوال.

 

 

أوضح تشيشا أنه يُطلق على قدرته التي تُمكّنه من تغيير مظهره اسم “نو”.

وبينما كان يعيش هذه اللحظة بشيء من التأمل العبثي، مدّ سوبارو ذراعيه من الخلف ولفّهما حول خصر ريم وروي، ثم رفعهما معًا بخفة وقفز بهما إلى ظهر التنين الطائر.

 

 

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

 

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

صرخ سوبارو بحماس:

 

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

 

 

 

~~~

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

 

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

 

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

 

 

بصفته أحد «قارئي النجوم»، كان أوبيرك يتلقى إشارات من أولئك الذين يدعونهم بـ«النجوم»— مشاهدون سماويون يَسْمون فوق هذا العالم، سنّوا قوانينه، ويكرّسون الفواصل المطلقة كأمرٍ لا مفر منه. وبالنسبة لتشيشا، مجرد تلقي «اتصال» من تلك الكيانات يثير في نفسه اشمئزازًا بالغًا.

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

 

 

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

 

 

“أيها الوقح!”

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

 

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

 

 

 

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

 

 

 

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

 

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

 

 

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

 

 

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

 

 

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

 

 

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

 

 

 

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

“يبدو أن القائدة مادلين وريم قد تقاربتا كثيرًا.”

 

“——”

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

 

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

“…”

 

“يالك من أحمق.”

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

 

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

 

 

“بالطبع يوجد. ــ فأنت أيضًا من بين الممثلين الذين اعترفتُ بهم.”

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

 

“ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟”

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

 

قالها تشيشا وهو يمرّر أصابعه برفق على ذقنه النحيل، بينما رمش سوبارو متفاجئًا من هذا التحليل.

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

 

 

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

 

 

 

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

 

 

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

 

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

“رغم أنني قد قلتُ ما أردتُ قوله مرة بالفعل، أرجو أن تسمح لي بإضافة شيء آخر.”

 

 

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

“لا، لا شيء… فقط، سماعك تقولين لي أني كريه الرائحة بهذه الطريقة مجددًا جعلني أشعر بشيء من الحنين…”

 

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

 

“…ماذا تقصد بذلك؟”

“…”

 

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

“ــــ بيرفكتو!!”

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

 

~~~

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

 

 

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

 

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

 

 

 

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

“أحضرتهم معي.”

 

 

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

 

 

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

 

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

ليس كل ما يقوله سيسيلوس يمكن رفضه باعتباره محض هراء. بل، في بعض الأحيان، تنطوي كلماته على قدرٍ غير متوقع من العمق.

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

 

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

 

فالأمر لا يقتصر على كونه مجرد قصة جميلة عن فارس من المملكة يمد يد العون في محنة الإمبراطورية — فالفرق بين القصص الخيالية والواقع يكمن في هذه التفاصيل.

“لم أتوقع… أن يخلو قلبي من أي مشاعر. ــ حتى وأنا أحدّق إلى العرش المفقود، من هنا، من الأسفل.”

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

“――――”

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

 

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

وهو يخطو بثبات كما لو أن المكان ملكٌ له، داس على السجّاد الأحمر المفروش حتى اعتلى العرش، فاستقبله تشيشا بعينَين ذهبيتين ضاقتا تأملاً.

 

 

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

الوافد كان رجلًا وسيماً ذو شعر أسود، يعتمر قناعًا يحاكي هيئة شيطان، والمفارقة الساخرة أنّه وقف وجهًا لوجه أمام تشيشا، الذي اتّخذ من ارتداء “الأقنعة” مهنةً له.

 

 

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

 

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

 

 

 

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

 

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

لم يكن يملك قوة جسدية خارقة، ولا حلفاء يُعوَّل عليهم في موقعه حين أُقصي عن العرش، بل لم يكن سلاحه سوى دهائه وقوة لسانه. وها هو ذا يعود، منتصرًا.

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

 

 

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

 

 

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

 

“――――”

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

 

 

“――――”

 

 

“أوه! آغغع، آآه..!”

“لقد نزعتني عن العرش، وما ظننته مكسبًا لم يكن سوى سراب بلا جوهر. أشعلت نيران الحرب عبثًا، والإمبراطورية تشتعل الآن في لهيب لا داعي له. ــ وإن أردت، يمكنني إخمادها من فوري.”

 

 

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

 

 

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

ربما بسبب ما تكبّده من مشقّة، كان شاحب الوجه أكثر من ذي قبل، وبدا بروز عظام وجنتيه أوضح مما اعتاد عليه.

“أن تدعم شخصاً يواجه مشكلة عويصة ككونه نصف إلف، ثم تمد يدك بهذا الشكل للآخرين… أعتقد أن تصرفاً كهذا يفتقر إلى بعض الاتزان. ولا شك أن من يقوم بتنسيق أمور فصيلكم، يعاني الكثير من المتاعب، أليس كذلك، ناتسوكي-دونو؟”

 

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

 

 

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

بمعنى آخر—

 

 

“أنا—”

“—غغ…”

 

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

“— يا صاحب الجلالة.”

 

 

 

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

بمعنى آخر—

 

 

وفي تلك اللحظة، مرت في ذهنه وجوهٌ كثيرة، دون أن يرمش حتى. وجوه أولئك الذين خدعهم جميعًا. ومع كل وجهٍ مرّ، طعنته في قلبه وخزه من الذنب، ومع ذلك تنفّس بهدوء وقال:

 

 

“…ذلك هو—”

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

 

 

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

 

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

 

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

“ـــ قناع «الشمس».”

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

بريسكا بِنديكت.

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

 

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

 

 

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

أمام هذا اللقاء المستحيل، شهق فينسنت من الدهشة.

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

 

 

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

 

 

 

بسرعةٍ فائقة، استخدم تشيشا “قدرته” لتشكيل قناع جديد على هيئة فينسنت، ثم نزع قناع بريسكا الذي كان قد ارتداه، واستبدله بالقناع الجديد.

كان عليه أن يخفي حزنه، ويستجمع شتات قلبه، ويستعد لمواجهة هذا المأزق السخيف—

 

 

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

 

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

 

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

 

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

“أنت…!”

 

 

 

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

“أوه!”

 

“ألا تتصنع، هاه؟”

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

 

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

 

 

كما قال له منذ لحظات…

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

 

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

 

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

“أنا… لست…”

 

 

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

 

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

 

 

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

 

 

 

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

 

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

لكن كان واثقًا…

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

 

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

بأن النتيجة ستتحقق.

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

 

 

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

 

 

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

لذا—

“أوه…؟”

 

 

“――――”

 

 

 

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

 

 

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

 

 

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

 

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

“في هذه اللحظة، لا بد أن إيميليا-تان وبياتريس يشعرون بقلق شديد… لم أكن لأتخيل أنني سأجد نفسي فجأة في الإمبراطورية، بل وأكثر من ذلك، داخل أراضي القصر الإمبراطوري نفسه.”

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

“آه، ولكن—”

 

 

’اذا استعنت بـ ‹العودة بعد الموت›…‘ ربما كان ليتمكن من إنقاذها.

ومع ذلك، راودته لحظةٌ من الأمل…

 

 

 

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

“…”

 

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

 

“——؟”

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

 

 

“――――”

 

 

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

 

 

 

―― شريكه في الجريمة، ذاك الذي كان قد أبعده، يمتطي ظهر تنين طائر، محلقًا نحو قلب الحدث.

 

 

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

“لا أظن أن ذلك ممكن. حاولت عدة مرات، لكن الصندوق متين للغاية، لا يتحرك قيد أنملة. يبدو أنهم سيطلقون سراحنا بعد عبور الحدود المؤدية إلى مملكة لوغونيكا…”

 

“مجددا؟――”

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

 

نهاية لا مفر منها، بل قَدَرًا لا بد أن يقع.

 

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

“――――”

 

 

 

لقد مات الرجل.

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

 

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

“تبًا! أخرجونا! على الأقل… على الأقل ناقشوا الأمر معنا! كيف تجرؤون على المضي هكذا من دوننا!”

ثم أصبح تشيشا غولد،

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

قد مات.

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

 

 

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

 

 

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

“مجتمع يقوم على القوة المطلقة، ومبدأ التفوق، والمنافسة المستمرة… أفهم ذلك، لكن ما يمنحني الأمل هو أن فولاكيا ليست مقتصرة على هذا وحده.”

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

~~~

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

 

 

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

“آه… آوو…”

 

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

جحافل الموتى الذين عادوا إلى الحياة، تقودهم “ساحرة” تتوق إلى سقوط الإمبراطورية، وتشرع في إحراق العالم.

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

 

 

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

 

 

وأولئك اللواتي عبرن إلى البلاد المجاورة بحثًا عن الفتى العزيز الذي افترقن عنه، شهدن التحول العنيف الذي داهم الإمبراطورية، ومع كل ذلك لم يفقدن الأمل، بل أشعلن روابطهن بالإيمان والعزم.

 

 

 

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

“لقد نزعتني عن العرش، وما ظننته مكسبًا لم يكن سوى سراب بلا جوهر. أشعلت نيران الحرب عبثًا، والإمبراطورية تشتعل الآن في لهيب لا داعي له. ــ وإن أردت، يمكنني إخمادها من فوري.”

 

 

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

لكن، مع ذلك—

 

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

 

 

 

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

 

 

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

“أنت!!”

 

 

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

 

 

 

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

 

 

 

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

 

 

 

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

 

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

 

 

لذا—

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

 

 

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

 

 

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

 

 

أعلنا عن نفسيهما، ورفعا صوتهما بقوة، ليتردد صداهما في سماء العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

حين تصل تلك “الكارثة العظمى”، وحين تندفع جموع الأعداء المروّعة، سوف يُظهر العالم أن ناتسوكي سوبارو هو من وضع القطع في أماكنها ليتركز أقوى جهد دفاعي في العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

ثم قال —

 

 

 

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

 

 

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

~~~

 

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

 

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

 

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

 

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

 

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

 

“أنتِ…؟”

النهاية.

 

 

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

——

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

تعليق الكاتب:

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

وهكذا، كان هذا مشروع كذبة أبريل المعتاد!

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

 

على أي حال، شكرًا لمرافقتكم لنا هذا العام أيضًا!

 

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

“هنا.”

أما عن مدى التغيرات في المواقع والمصائر بين الشخصيات في القصة الأصلية وهذه النسخة البديلة، فآمل أن أتناول هذا الموضوع لاحقًا في تقارير منفصلة!

 

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

~~~

 

تعليق المُترجم:

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

 

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

 

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

 

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

 

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

 

——

حبس سوبارو أنفاسه أمام هذا المشهد المريب، لكن الرجل الوسيم أغلق إحدى عينيه وأصدر صوتًا بنقر أصابعه، ليعيد تركيز انتباهه إليه.

 

“ناتسوكي سوبارو… ’قارئ نجوم‘؟ هل أنت متأكد؟”

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

 

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 4 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط