Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

Re:Zero – If Story 1

ضَوء النَجم الذي لا إسم له
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ضَوء النَجم الذي لا إسم له

الفصل التاسع: “ضوء النجم الذي لا إسم له.”

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

 

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

 

 

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

 

 

 

 

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

—

 

 

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

 

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

 

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

 

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

—

 

 

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

“هاه… هاه…!”

 

 

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

 

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

 

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

 

 

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

 

 

 

وفوق كل هذا—

 

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

“أوه! آغغع، آآه..!”

 

 

 

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

 

 

“كما قلت، لن يغير ذلك شيئًا. ففي ظل الوضع الحالي، حيث تم تقييد عبور الحدود، سيكون من الطيش إعادة شخص لا تزال تحوم حوله شبهات العمالة والتجسس.”

“—!”

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

 

 

عضّت الفتاة على شفتيها، مُحاولة التخلص من أي أفكار سلبية قد تتسلل إلى عقلها، ثم رفعت رأسها محدقة نحو الأمام.

 

 

 

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

 

 

 

في خضم هذا الجهل، كانت غريزتها تصرخ بأن عليها الفرار.

“لماذا لم تخبرني بذلك من قبل!؟”

فالهرب كان وسيلتها الوحيدة في التعبير عن إرادتها في المقاومة.

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

 

“ذلك الشخص…!”

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

 

~~~

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

 

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

 

 

“—!”

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

 

 

فجأة، قاطع هذا الصوت اللامبالي أفكارها، مما جعل جسدها يرتعش رعبًا، ثم التفتت بسرعة ناحية مصدره.

 

 

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

 

“——”

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

 

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

ولكن…

 

 

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

 

 

 

وجهٌ لا تعرفه…

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

 

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

 

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

“فلنقم بذلك، تشيشا-سان. هذه المعركة… ستكون نصرنا!”

 

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

“آه…”

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

 

ماهي النقطة التي ينبغي عليه الوصول إليها؟

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

 

 

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

 

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

“آه!”

 

 

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

 

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

“أمل، إذن؟”

 

 

لكنها أوقفته بسهولة كما لو كانت تلهو بيد طفل رضيع، وأرسلت نفس الصدمة الخفيفة إلى جبهته.

 

 

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

“آه-أوه…؟”

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

 

 

فقد الطفل الصغير قوته تمامًا وانهار على الأرض كما حدث للفتاة.

 

 

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

 

 

“أنتِ…؟”

 

 

“آه-أوه…؟”

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

 

 

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

 

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

 

 

 

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

 

 

 

“لنذهب، يا ابنة الشيطان.”

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

 

 

“أنا… لست…”

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

× × ×

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

 

 

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

 

 

“لسوء الحظ، على الرغم من أنني أتفق مع رئيس الوزراء بيرلستيتز في بعض النقاط، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بيننا. في نهاية المطاف، هذا الرجل العجوز ليس سوى سيفا للإمبراطورية، وهذا يعني أن نهاياتنا قد تتعارض بشكل لا يمكن التوفيق بينه. لذا…”

“— ريم.”

 

 

 

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

 

إذا كان تشيشا، المعروف بحساباته الدقيقة، يقول ذلك، فربما يجب تصديقه. لكن لماذا يراوغ دائمًا عندما يسأل سوبارو عن طبيعة الإمبراطور؟

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

 

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

~~~

 

 

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

—هذا سيء…

 

 

 

أشبه بالصاعقة، اجتاحت مشاعر الخطر والتوتر عقل ناتسوكي سوبارو، دافعة إياه نحو التحرك على الفور.

 

 

“……”

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

 

 

“――فينسنت فولاكيا.”

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

 

 

 

كان عليه أن يخفي حزنه، ويستجمع شتات قلبه، ويستعد لمواجهة هذا المأزق السخيف—

 

هذا ما كان يجب عليه فعله.

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

هذا المفترض.

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

 

لكن…

 

 

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

 

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

“… علاقتكما معقدة؟”

 

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

 

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

 

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

 

 

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

× × ×

—

 

 

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

 

كل ما تعلمه سوبارو خلال عام كامل عن ثقافة وعادات هذا العالم، أصبح بلا فائدة هنا، في أرض تختلف تمامًا عن مملكة لوغونيكا، حيث يوجد الآن في العاصمة الإمبراطورية، أمام أحد أعظم رجالها نفوذًا.

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

من دون حتى أن يلمسه مباشرة، جرفته العاصفة العاتية التي أثارتها تلك الذراع النحيلة، ليُقذف جسده بعنف نحو جدار القلعة. ارتطم سوبارو بقوة، متذوقًا ألم تحطم عظامه بالكامل، مع صوت من التهشم المُروع… لقي حتفه على الفور.

“———”

 

 

—

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

 

 

× × ×

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

 

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

 

 

 

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

“ميول…؟”

 

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

بُمجرد أن لامست الضربة الثالثة قدمه، شُلّت حركته تمامًا، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصيبه الضربة الرابعة مباشرة، ساحقة جسده حتى أصبح عُشر حجمه الأصلي… ليموت في الحال.

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

—

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

 

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

× × ×

 

 

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

 

 

 

كان الغضب العادل، الصارم، غير القابل للمساومة، مليئًا بشفرات حادة كالخناجر.

 

 

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

 

 

× × ×

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

 

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

—

“أيها الوقح!”

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

 

 

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

 

 

“――――”

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

 

 

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

—

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

 

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

× × ×

 

 

“وهذه؟”

“مجددا؟――”

 

 

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

هل كان قد ارتكب الخطأ منذ البداية؟ بعد أن مر بخمس “وفيات”، عض سوبارو على أسنانه في إحباط.

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

 

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

 

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

مجرد التفكير في ‹أنها› ربما قد تكون لاقت نفس المصير الذي واجهه باستمرار، جعله يرتعد.

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

 

 

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

أشارت أراكيا نحو روي، متسائلة.

 

 

ما الذي يحتاج إليه؟

 

 

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

 

 

“مادلين-تشان.”

ماهي النقطة التي ينبغي عليه الوصول إليها؟

 

 

 

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

كانت هناك فتاة ذات شعر بلون السماء وزوج من القرون السوداء، ترتدي ملابس جميلة ــ لكن على عكس مظهرها اللطيف، كانت تمتلك قوة قتالية مذهلة لا تُصدق.

 

وكما كان متوقعًا—

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

 

 

 

“——”

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

 

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

لم يكن يفهم شيئًا مما يجري، لكنه شعر أنه بات مجرد موضوع نقاش بينهم، وكأن وجوده أصبح قرارًا لا يُسأل فيه عن رأيه.

 

 

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

 

 

 

“——”

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

 

 

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

 

 

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

إن تمكن على الأقل من العثور على معلومة واحدة هنا، فسيكون ذلك كافيًا. ――بهذه الفكرة في ذهنه، حطم سوبارو نافذةً في زاوية مهجورة، وفتح القفل، ثم تدحرج إلى الداخل.

كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذا المشهد الغريب الذي جعل سوبارو – شوارتز في حالة من الذهول. لكن الأخير، بينما كان يواصل تجاهل ارتباكه، وضع يده البيضاء على الجرح الذي أصاب سوبارو.

 

 

وفي اللحظة التالية—

 

 

 

“يالك من أحمق.”

“أنت!!”

 

 

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

 

 

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

 

 

 

“أوغهاه!”

 

 

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

 

 

 

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

 

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

ولكن—

“———”

 

 

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

 

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

“… علاقتكما معقدة؟”

 

 

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

“――――”

 

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

—

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

 

 

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

 

 

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

 

 

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

حبس سوبارو أنفاسه أمام هذا المشهد المريب، لكن الرجل الوسيم أغلق إحدى عينيه وأصدر صوتًا بنقر أصابعه، ليعيد تركيز انتباهه إليه.

 

 

 

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

× × ×

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

“لن أكررها مرة ثالثة. أجب عن سؤالي باحترام، وإحذر مما ستقوله.”

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

 

 

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

 

“أنت!!”

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

 

——

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

 

 

“…”

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

حتى سوبارو نفسه، عندما أعاد التفكير في الأمر لاحقًا، لم يستطع إيجاد سبب منطقي لكونه أفصح عن اسمه الحقيقي في تلك اللحظة، دون تزييف أو خداع.

 

 

 

كان الأمر ببساطة نتيجة اندفاع غريزي، استجابة تلقائية لعقل أُنهك من تكرار الموت غير المنطقي والعبثي في فترة قصيرة. لم يكن سوى إجابة استنبطها ذهنه المضطرب في لحظة ارتباك.

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

 

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

 

 

 

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

فهو لا يرى فيه شيئًا يستحق التقدير المبالغ فيه كذلك.

 

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

—

 

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

“مادلين-تشان.”

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

 

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

—

حين أغلق الإمبراطور عينيه، أدرك سوبارو – شوارتز أمرًا غريبًا— لم يسبق له أن رأى فينسينت وهو يغمض كلتا عينيه في وقت واحد.

 

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

“أحضرتهم معي.”

 

 

 

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

 

 

 

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

 

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

 

 

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

 

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

 

 

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

 

 

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

 

“—!”

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

ما كان يهيمن على المدينة الآن لم يكن مشهدًا من الحرية المطلقة، بل كان دمارًا— معارك بين كيانات تتجاوز حدود الفهم البشري، تحطم المباني وتعيد تشكيل الشوارع بعنف.

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

 

 

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

 

 

“… علاقتكما معقدة؟”

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

 

 

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

 

 

“وووهااااه؟!”

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

 

اتسعت عين الفتاة الحمراء اليُمنى قليلاً، ثم لوّت شفتيها، مما يدل على أنها لم تُعجب بإجابة سوبارو. لكنه لم يكن يبالي، لأنه لم يقل سوى الحقيقة.

تجمد سوبارو في مكانه.

 

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

 

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

“――روي أرنيب.”

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

 

تمتم سوبارو بذلك الاسم، وهو يشير إلى الفتاة—إحدى أساقفة الخطايا السبع، وصاحبة خطيئة “الشراهة”.

 

 

 

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

 

 

 

على أي حال—

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

 

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

 

 

“أراكيا.”

 

 

 

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

 

 

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

 

 

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

 

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

 

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

 

 

“――فينسنت فولاكيا.”

 

 

 

“――――”

“أنا… لست…”

 

 

تجمد سوبارو في مكانه.

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

 

~~~

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

ومع ذلك، راودته لحظةٌ من الأمل…

 

 

كرر ذلك الرجل الوسيم ذو الشعر الأسود اسمه لسوبارو، وهو يجلس خلف مكتب مصنوع من خشب الأبنوس.

“— قناع ‘الأزرق’.”

 

“—!”

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

 

 

 

“أراكيا-تشان؟”

 

 

 

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

 

“مُجرد مزحة؟”

 

 

أمام إعلان فينسنت فولاكيا، انفجر الغضب داخل سوبارو، غضب ضد القدر الجائر الذي اختبره منذ استدعائه إلى هذا العالم.

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

 

“همم…”

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

 

 

 

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

 

 

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

 

 

 

كل ما تعلمه سوبارو خلال عام كامل عن ثقافة وعادات هذا العالم، أصبح بلا فائدة هنا، في أرض تختلف تمامًا عن مملكة لوغونيكا، حيث يوجد الآن في العاصمة الإمبراطورية، أمام أحد أعظم رجالها نفوذًا.

“أنت…!”

 

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

 

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

 

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

“وهذه؟”

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

 

 

أشارت أراكيا نحو روي، متسائلة.

 

 

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

 

 

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

 

 

 

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

 

 

 

“تحدث، ناتسكي سوبارو.”

 

 

 

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

 

 

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

“أعرف أن كلامي يبدو مريبًا للغاية، لكن فكروا فيها… أي سبب سيدفعني لاختلاق قصة كهذه من الأساس؟ لهذا، أتمنى أن تصدقوني…!”

لقد مات الرجل.

 

 

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

 

 

“——”

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

 

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

“في هذه اللحظة، لا بد أن إيميليا-تان وبياتريس يشعرون بقلق شديد… لم أكن لأتخيل أنني سأجد نفسي فجأة في الإمبراطورية، بل وأكثر من ذلك، داخل أراضي القصر الإمبراطوري نفسه.”

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

 

 

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

 

 

“أحضرتهم معي.”

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

 

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

“أفهم ذلك الآن…”

 

 

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

“بالضبط.”

 

 

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

 

 

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

 

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

 

 

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

 

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

“――! مَن هناك؟!”

 

 

 

فجأة، سمع سوبارو صوت شخص ثالث، مما جعله ينتفض ويرتد بكتفيه، قبل أن يستدير بسرعة باتجاه مصدر الصوت.

 

 

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

وعندما همّ سوبارو بانتزاع روي من ريم بالقوة—

 

 

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

 

 

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

 

 

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

“لم أستدعِك.”

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

 

“ألم أقل للتو؟ لقد أتيت وفقًا لنداء القدر. نادرًا ما يُلقى عليّ هذا الدور، لذا عندما تحين الفرصة، لا بد أن أتصرف كما يليق بـ ’قارئ النجوم‘.”

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

 

 

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

“مُجرد مزحة؟”

 

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

 

 

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

 

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

“أكرهه.”

—هذا سيء…

 

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

“لا أسأل عن تفضيلاتك الشخصية، بل عن موقعه الرسمي.”

 

 

ثم قال —

“آه، عذرًا، عذرًا. أنا سيئ في مثل هذه الأمور. حسنًا، يمكنني أن أقدّم نفسي على أنني أوبيرك، الشخص الذي يعمل كـ ’قارئ النجوم‘ هنا في القصر البلوري. يُسعدني التعرف إليك، أيا ’قارئ النجوم‘ من المملكة.”

“اغغ… نغغ…!”

 

 

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

 

 

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

“أحضرتهم معي.”

 

 

ظل أوبيرك يحتفظ بابتسامته المستهترة وهو يوجه هذا اللقب إلى سوبارو، ما جعل الأخير يميل برأسه في حيرة، إذ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقصده.

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

 

 

 

“ناتسوكي سوبارو… ’قارئ نجوم‘؟ هل أنت متأكد؟”

 

 

“أوووه!”

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

 

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

 

 

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

 

 

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

 

 

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

“لقد قرأت النجوم. وهذا الفتى… سيكون ذا فائدة لمعاليك.”

ما الذي يحتاج إليه؟

 

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

بإشارة بسيطة من ذقنه، نطق أوبيرك بتلك الجملة وكأنه يقرر مصير شخص ما بكل بساطة. أما سوبارو، فقد أشار إلى نفسه متسائلًا: “أنا؟”

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

 

 

لم يكن يفهم شيئًا مما يجري، لكنه شعر أنه بات مجرد موضوع نقاش بينهم، وكأن وجوده أصبح قرارًا لا يُسأل فيه عن رأيه.

“――――”

 

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

“ماذا… هاه؟! أنا في الخارج؟ لا، هذا خارج أكثر مما هو متوقع!”

“رهينة مناسبة؟… لا تقل لي أنك تقصد…!”

 

 

 

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

 

 

“اغغ… نغغ…!”

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

 

 

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

 

 

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

 

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

 

 

 

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

~~~

 

 

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

 

 

 

’لا أستطيع تقبّل أن يُنظر إلى المناورات في الأوقات الحرجة وكأنها دناءة في الطبع!‘ -أوتو

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

 

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

“لا أدري لما انبعثت هذه الشكوك في ذهنك… لكن لا.”

 

 

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

 

 

 

وكما كان متوقعًا—

 

 

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

 

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

“حالة حرب…؟! هل يعني هذا أن هناك حربًا قادمة؟! ضد من… مع من؟!”

 

 

 

“هنا.”

 

 

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

 

 

 

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

وفوق كل هذا—

 

“أنتِ…؟”

“هنا… هل تعني أن الإمبراطورية نفسها في حالة حرب داخلية؟!”

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

 

 

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

 

 

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

“…”

 

 

 

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

 

 

بعيون حادة كعيون الطيور الجارحة، وبوجه يحمل هيبة الحاكم المطلق—أعلن إمبراطور فولاكيا:

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

 

 

“بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إلى هنا، إن كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة، فعليك أن تنضم إلي. —لأجل أن أحافظ على هذه الإمبراطورية كما ينبغي لها أن تكون، تحت يدي أنا، فينسنت فولاكيا.”

 

 

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

—هذا موقف كارثي، بلا أدنى شك.

“السماء… هذا سيجعلني أشعر بسوءٍ أكبر…”

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

“…”

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

 

 

أمام إعلان فينسنت فولاكيا، انفجر الغضب داخل سوبارو، غضب ضد القدر الجائر الذي اختبره منذ استدعائه إلى هذا العالم.

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

 

“—غغ…”

لقد واجه الكثير من الأوضاع الظالمة من قبل. فقد كان الكابوس الذي مرّ به في برج “بلياديس” حافلًا بالكثير من اللحظات القاسية، حتى كاد أن يكون الأشد قسوة على الإطلاق.

“ماذا؟”

 

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

 

 

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

 

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

 

 

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

“أوغهاه!”

 

 

“آه.”

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

“هـ… همم…”

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

 

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

 

 

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

“ريم! هل أنتِ بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ هل تعانين من أي إصابات أو شعور بعدم الراحة؟ إن شعرتِ بأي شيء غير طبيعي، فعلينا أن—”

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

 

 

“—لماذا أنت هنا؟!”

 

 

 

“غواااه!!”

 

 

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

 

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

 

 

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

 

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

 

 

“… جلالتك؟”

 

 

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

 

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

 

 

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

وبعد ذلك――

 

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

“أوه…؟”

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

 

 

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

 

 

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

~~~

 

 

 

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

 

كان هذا هو الجُرم الذي ارتكبه كل من سوبارو وريم، وهو جرم يمكن أن يؤدي بهما إلى الإعدام سبع مرات على الأقل.

 

 

“لا علم لي! حدث كل شيء فجأة. لقد دُفعنا بالقوة إلى داخل العربة… وأنت، لم تستيقظ أبدًا رغم كل ما جرى!”

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

 

 

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

 

 

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

 

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

 

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

 

 

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

 

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

 

 

لقد مات الرجل.

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

 

وفوق كل هذا—

فيما يتعلق بهذه النقطة، فإن الحقيقة هي أن جميع الطرق الأخرى كانت تؤدي إلى نهايات سيئة بلا استثناء، مما جعل هذا الخيار الوحيد الممكن بطريقة الاستبعاد. ومع ذلك، كان من الواضح أن هذا الشرح لن يُقنع هذا العجوز ضيّق العينين.

 

 

 

مستشار الإمبراطورية، بيرلستيتز فوندالفون.

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

 

 

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

“أعلم أنه لن يغير شيئًا مهما قُلت، لكن ليس لدي أي مؤامرات أو مخططات خفية. وبكل صراحة، أريد فقط العودة بسرعة إلى لوغونيكا.”

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

 

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

“كما قلت، لن يغير ذلك شيئًا. ففي ظل الوضع الحالي، حيث تم تقييد عبور الحدود، سيكون من الطيش إعادة شخص لا تزال تحوم حوله شبهات العمالة والتجسس.”

 

 

 

“تطرح حججك بلا أي ثغرات…”

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

 

 

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

 

 

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

 

 

 

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

 

 

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

أو ربما السبب الأكبر وراء احتجازه في قصر بيرلستيتز، الذي يخضع لحراسة أشد من القصر البلوري وقصره الفرعي، كان ـــ

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

 

كردّ اعتبار بسيط، قرر سوبارو – شوارتز ألّا يفسر أي كلمات من العصر الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك، ثم حوّل نظره إلى نافذة العربة المتحركة، متذكّرًا جيدًا الدور الذي يُتَوقع منه أن يؤديه في المدينة الشيطانية.

“لقد عدتُ، تشا!”

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

 

 

في طريقه للعودة إلى الغرفة التي خُصصت له بعد انتهاء استجواب بيرلستيتز، لمح سوبارو من خلال حديقة القصر تنينًا طائرًا يهبط مع هبة ريح، ومن على ظهره قفز ظل صغير.

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

كانت هناك فتاة ذات شعر بلون السماء وزوج من القرون السوداء، ترتدي ملابس جميلة ــ لكن على عكس مظهرها اللطيف، كانت تمتلك قوة قتالية مذهلة لا تُصدق.

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

 

 

“مادلين-تشان.”

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

 

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

 

 

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

 

 

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

بمجرد أن عادت التنينة البشرية مادلين، لاحظت نداء سوبارو لها، فشخرت بأنفها بضيق.

“ماذا تعني بـ’بعد ذلك’؟”

 

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

 

 

 

لكن الحقيقة أن موقفها الحاد لم يكن موجهًا لسوبارو وحده، بل تجاه جميع سكان القصر أيضًا…

 

 

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

“الجنرال مادلين، كيف كان الأمر؟ أولئك الذين يسعون إلى إطلاق سراح الجنرال غوز…”

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

 

“كما قلت، لن يغير ذلك شيئًا. ففي ظل الوضع الحالي، حيث تم تقييد عبور الحدود، سيكون من الطيش إعادة شخص لا تزال تحوم حوله شبهات العمالة والتجسس.”

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

 

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

 

 

“همف، يا له من عجوز ممل، تشا.”

 

 

 

رفعت مادلين كتفيها بلا اكتراث تجاه رد بيرلستيتز. وعلى ظهرها، كانت تحمل سلاحًا ضخمًا—بوميرانغ بحجم يقارب حجم جسدها الصغير.

 

 

 

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

ولكن—

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

 

 

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

 

 

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

 

 

ثم أصبح تشيشا غولد،

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

 

 

 

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

 

 

 

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

 

 

نظر إلى جانبه، ليجد تشيشا قد وضع كأسه على سور الشرفة،

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

 

 

 

لكن لا مجال للاستسلام الآن.

 

 

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

 

 

 

“――أن ماذا؟”

“—!”

 

 

“وووهااااه؟!”

 

 

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

 

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

 

 

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

“ووو؟”

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

 

 

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

 

 

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

“آه… آوو…”

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

 

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

 

 

 

وهذه المرة، استقبلتها ريم بين ذراعيها، معانقة إياها وكأنها تحميها، ثم رمقت سوبارو بنظرة مليئة بالتوبيخ، قائلة:

 

 

 

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

 

 

 

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

 

 

 

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

 

 

 

“――――”

 

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

“ما هذه النظرة المتأثرة فجأة؟”

 

 

“أوووه!”

“لا، لا شيء… فقط، سماعك تقولين لي أني كريه الرائحة بهذه الطريقة مجددًا جعلني أشعر بشيء من الحنين…”

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

 

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

“…هاه؟”

 

 

 

نظرت إليه ريم ببرود، لا تبدي أي تفاعل مع مشاعره المتدفقة. وبما أنها فقدت ذاكرتها، فإنها لم تتذكر أي شيء عن سوبارو، لكنها لا تزال تمتلك حاسة الشم القوية التي تسمح لها بإدراك الهالة المظلمة التي تحيط به. لذا، كان من المستحيل أن تطلب منه أن يثق بها بشكل أعمى.

 

 

~~~

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

 

 

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

“مقارنة بالوقت الذي لم نكن قادرين فيه حتى على الحديث بهذه الطريقة… الفرق بين الآن وما كان عليه الوضع آنذاك كالفرق بين السماء والأرض.”

 

 

 

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

 

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

على الرغم من ردود الفعل الباردة التي تلقاها، إلا أن مشاعر الفرح غلبت على الألم لدى سوبارو، مما جعل ريم تشعر بحالة معقدة يصعب وصفها.

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

“—لماذا أنت هنا؟!”

 

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

 

كل ما جناه سوبارو من محاولته كان ألمًا في جسده نَتيجة الارتداد، مما جعله يعض على أسنانه غيظًا لفشل خطته.

ومع ذلك، كان يأمل أن يتمكن من التقرب منها أكثر قليلًا، مثل…

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

 

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

“يا فتاة الشيطان، لقد عادت التنين. تعالي وساعديني في الاستحمام.”

 

 

 

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

 

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

 

 

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

“يبدو أن القائدة مادلين وريم قد تقاربتا كثيرًا.”

 

 

“――――”

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

 

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

 

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

 

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

 

 

 

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

 

 

 

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

 

 

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

 

 

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

 

 

لكن، مع ذلك—

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

 

 

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

 

 

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

 

 

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

عضّت الفتاة على شفتيها، مُحاولة التخلص من أي أفكار سلبية قد تتسلل إلى عقلها، ثم رفعت رأسها محدقة نحو الأمام.

 

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

“أوه!”

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

 

“أجل، هذا صحيح.”

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

 

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

وعندما همّ سوبارو بانتزاع روي من ريم بالقوة—

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

“— يا صاحب الجلالة.”

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

 

 

ارتفع صوت ينادي اسمه، مما جعل عينيه تتسعان دهشة.

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

 

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

 

 

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

 

 

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

 

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

 

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

 

 

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

بمعنى آخر—

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

 

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

 

 

 

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

لكن، مع ذلك—

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

 

 

وفي كل الأحوال—

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

 

 

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

“—لماذا أنت هنا؟!”

 

 

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

 

 

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

 

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

~~~

بإشارة بسيطة من ذقنه، نطق أوبيرك بتلك الجملة وكأنه يقرر مصير شخص ما بكل بساطة. أما سوبارو، فقد أشار إلى نفسه متسائلًا: “أنا؟”

 

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

“ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟”

 

 

وأولئك اللواتي عبرن إلى البلاد المجاورة بحثًا عن الفتى العزيز الذي افترقن عنه، شهدن التحول العنيف الذي داهم الإمبراطورية، ومع كل ذلك لم يفقدن الأمل، بل أشعلن روابطهن بالإيمان والعزم.

“بالطبع لدي اعتراض، وهذا أمر بديهي.”

“آه… آوو…”

 

 

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

 

 

 

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

 

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

 

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

 

 

 

“……”

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

 

 

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

 

 

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

انفجر سوبارو غاضبًا، فقد كان يُجبر في الوقت الحالي على مرافقة فينسنت في رحلته الاستكشافية.

“——؟”

 

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

بعد أن جاء كافما إلى قصر بيرلستيتز وأخذه إلى القلعة، لم يوضح له فينسنت أي شيء، بل أصدر أمرًا مباشرًا ومتعجرفًا: “سترافقني في هذه الرحلة.”

“لقد عدتُ، تشا!”

 

 

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

 

 

 

“السيد كافما قال لي أن جلالتك لن تخفي عني أي معلومة ضرورية، أليس كذلك؟”

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

 

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

 

 

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

 

 

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

“بالطبع أحتاج!”

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

“――――”

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

 

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

“…هاه؟”

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

 

 

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

شعر أسود طويل ومستعار، وزيّ عسكري أنيق باللون الأحمر يخفي ملامح جسده، مع مكياج متقن جعله يبدو كأنثى مثالية بكل تفاصيلها.

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

 

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

 

 

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

 

 

 

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

 

 

“――――”

 

 

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

 

 

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

لم يكن سوبارو – شوارتز خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه كان يدرك أن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وإن بدا عملاً خيرياً في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

 

 

 

فالأمر لا يقتصر على كونه مجرد قصة جميلة عن فارس من المملكة يمد يد العون في محنة الإمبراطورية — فالفرق بين القصص الخيالية والواقع يكمن في هذه التفاصيل.

 

 

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

“ومن هنا يأتي اسم ناتسومي شوارتز.”

 

 

“ليس هناك داعٍ للحديث عن سيسيلوس.”

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

 

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

“ميول…؟”

 

 

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

 

“أرجو أن لا تقارنني بذلك الرجل ذو الوظيفة الغامضة. ثم، ما حقيقة أمره أصلاً؟ هل هو مجرد مهرج محترف وُضِع بجانب ملك من العصور الوسطى لتسليته في أوقات الملل؟”

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

 

 

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

 

 

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

 

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

 

 

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

 

 

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

 

 

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

 

 

 

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

 

 

 

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

 

 

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

لقد مات الرجل.

 

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

 

 

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

 

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

بطبيعة الحال، كلما كانت نقطة العودة أقرب إلى لحظة الموت، قلت الخيارات المتاحة له وقلت فرصته لوضع خطط مناسبة، مما اضطره إلى تذوق أهوال الموت مرارًا وتكرارًا. هذا التغير غير المفسَّر الذي طرأ على “العودة بعد الموت” جعله يعتقد أن الأمر ربما له علاقة بكونه لم يعد في مملكة لوغونيكا، بل في إمبراطورية فولاكيا.

 

 

“――――”

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

 

 

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

 

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

 

 

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

 

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

 

 

 

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

قد مات.

 

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

 

“…”

“——؟”

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

 

 

“لا تهتم، مجرد كلمة زائدة.”

“آه، ولكن—”

 

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

 

 

 

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

عَبرت شوارتز عن ثمار جهودها في جمع المعلومات، مؤكدة أنها لم تكن تلهو. غير أن الإمبراطور فينسنت لم يظهر أي رد فعل يُذكر، بل اكتفى بإيماءة صغيرة برأسه.

 

 

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

 

 

“أرسلنا ‘أراكايا’ لقمع المتمردين، لكنها لم تعد. الأرجح أنها قُتلت أو تم احتجازها.”

 

 

 

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

“لم أستدعِك.”

 

 

جاءت الأخبار الصادمة فجأة، مما جعل عيون سوبارو – شوارتز تتسع في دهشة.

“—فشلنا، فشلنا.”

 

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

 

 

 

لو أن أحد الأشخاص الذين قتلوا سوبارو – شوارتز سابقًا قد عثر على ريم حينها، لربما كانت قد تعرضت لمصير مريع لا يُغتفر. ولهذا، كانت أراكايا في نظر سوبارو – شوارتز شخصًا يستحق الامتنان. لكن الآن…

 

 

 

“لماذا لم تخبرني بذلك من قبل!؟”

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

 

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

“لا مبرر لإخباركِ. كانت تشغل منصب ‘الجنرال الثاني’ في الإمبراطورية، ووضعها العسكري يعتبر سرًا قوميًا. في الواقع، مجرد إخباري لكِ الآن يُعد أمرًا استثنائيًا.”

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

 

 

“——”

 

 

 

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

“لقد عدتُ، تشا!”

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

“ولهذا السبب…”

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

 

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

“بالضبط.”

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

 

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

عقد فينسينت ذراعيه وهزّ رأسه، بينما خفض سوبارو شوارتز نظره إلى الأسفل.

 

 

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

 

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

 

 

ولهذا السبب—

’اذا استعنت بـ ‹العودة بعد الموت›…‘ ربما كان ليتمكن من إنقاذها.

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

 

بعد أن جاء كافما إلى قصر بيرلستيتز وأخذه إلى القلعة، لم يوضح له فينسنت أي شيء، بل أصدر أمرًا مباشرًا ومتعجرفًا: “سترافقني في هذه الرحلة.”

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

 

 

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

لكن…

 

 

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

 

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

 

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

 

“… علاقتكما معقدة؟”

كان يُلقّب بـ “الإمبراطور الحكيم” وحظيَ بدعم شعبه. ومع ذلك، فإن يورنا ميشيغري، المعروفة بلقب “ذات الألوان الزاهية”، لم تكن مجرد متمردة ضعيفة تهبّ مع الريح، بل كانت قد اشتبكت معه مرارًا وتكرارًا عبر محاولات انقلاب حقيقية.

 

 

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

“من الواضح أنها من النوع الذي لن يفوّت فرصة كهذه.”

 

 

 

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

بصفته أحد «قارئي النجوم»، كان أوبيرك يتلقى إشارات من أولئك الذين يدعونهم بـ«النجوم»— مشاهدون سماويون يَسْمون فوق هذا العالم، سنّوا قوانينه، ويكرّسون الفواصل المطلقة كأمرٍ لا مفر منه. وبالنسبة لتشيشا، مجرد تلقي «اتصال» من تلك الكيانات يثير في نفسه اشمئزازًا بالغًا.

 

 

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

 

 

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

بعد ذلك—

 

 

كردّ اعتبار بسيط، قرر سوبارو – شوارتز ألّا يفسر أي كلمات من العصر الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك، ثم حوّل نظره إلى نافذة العربة المتحركة، متذكّرًا جيدًا الدور الذي يُتَوقع منه أن يؤديه في المدينة الشيطانية.

 

 

 

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

 

 

 

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

 

 

وبالتالي، همَّ سوبارو – شوارتز بصفع وجنتيه ليحفّز نفسه، إلا أنه تراجع عن الفكرة خشية أن يُفسد مكياجه. وبدلًا من ذلك، مرّر أصابعه عبر خصلات شعره السوداء اللامعة بحركة واثقة وكأنه امرأة فاتنة، ثم قال:

 

 

 

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

 

 

 

“لا داعي لأن تذكرني بذلك! فسواء كانت إيميليا تان، أو بياكو، أو ريم، فهن دائمًا في ذهني، على مدار الساعة!”

—

 

 

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

 

 

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

 

 

وهكذا—،

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

 

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

~~~

 

 

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

 

 

 

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

 

 

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

بينما شدّت وتر قوسها بقوة، انطلق منه صوت حاد شقّ الهواء، وفي اللحظة التالية، اندفع سوبارو – شوارتز ليُبعد الإمبراطور جانبًا، فانغرس السهم في خاصرته، ممزقًا جسده بعنف.

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

 

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

“—هاه…”

 

 

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

 

 

وهكذا، وجد سوبارو – شوارتز نفسه في سلسلة من المعارك غير المتوقعة مرارًا وتكرارًا، لكن العقبات في جزيرة عبيد السيف لم تقتصر على غوستاف وحده.

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

 

~~~

“أن تقول عني ذلك… كم هذا قاسٍ… أنا، بعد كل شيء، شعاري هو فعل الخير كل يوم…”

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

 

 

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

 

 

 

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

 

 

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

 

 

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

“حالة حرب…؟! هل يعني هذا أن هناك حربًا قادمة؟! ضد من… مع من؟!”

 

 

“السماء… هذا سيجعلني أشعر بسوءٍ أكبر…”

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

 

 

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

 

 

~~~

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

ما كان يهيمن على المدينة الآن لم يكن مشهدًا من الحرية المطلقة، بل كان دمارًا— معارك بين كيانات تتجاوز حدود الفهم البشري، تحطم المباني وتعيد تشكيل الشوارع بعنف.

 

 

 

“هاهاها! لم أتوقع أن أواجهك بهذه الطريقة، أراكيا!”

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

 

“ذلك الشخص…!”

“إن لم يعجبكَ ذلك، فتراجَع.”

 

 

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

 

 

“استعدادًا لـ”الكارثة الكبرى” القادمة، أليس كذلك؟ قلّصت هيئة سِسي وأرسلته إلى الجزيرة، لا أدري ما قد تجنيه من ذلك… آه، أو ربما، كان لغوز علاقة بالأمر؟”

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

 

 

— أولبارت دانكلكين، “الشيخ القاسي”.

 

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

 

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

 

 

 

“الجنرالات التسعة العظماء”— النخبة في إمبراطورية فولاكيا، والمعروفون جميعًا بشجاعتهم الفريدة.

 

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

 

 

 

“لم يخطر ببالي أن أراكيّا ستنضم إلى صفوفهم أيضا… عدم تمكني من استباق تدخلها، هل كان هذا خطأي؟”

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

 

 

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

“همم، وما رأيك أنت؟ هل تظن أنني مدفوع بالطموح؟”

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

لكن لم يكن لديه سوى القليل من الحلفاء في هذه الفوضى. حتى أقوى مقاتليه، الذي أحضره معه لحمايته، كان منشغلًا تمامًا في قتال ضارٍ ضد أوربارت، الذي كان يلاحق بلا هوادة حياة امرأتين وهو يضحك بجنون.

 

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

 

 

“هل كان ذلك… انتقالاً آنياً؟ تنقلاً؟ لا يعقل…”

“— فينسينت فولاكيا!”

 

 

 

“………”

 

 

“هنا.”

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

“أحضرتهم معي.”

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

هناك، على أنقاض مبنى منهار، وقف رجل ذو شعر أسود وملابس حمراء، يشبه في مظهره فينسينت نفسه. لكنه كان يخفي وجهه خلف قناع شيطاني، وكان معروفًا كزعيم المتمردين الذين تآمروا مع غوز لارفون للإطاحة بالعرش الإمبراطوري.

 

 

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

 

 

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

 

 

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

 

 

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

 

 

 

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

 

 

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

 

 

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

 

 

“أَبيل…”

 

 

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

 

 

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

 

 

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

 

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

“—!”

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

 

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

 

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

 

 

 

“— سيدي!!”

 

 

 

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

 

 

النهاية.

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

 

 

ولكن—

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

“أوووورراااا!!”

 

 

 

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

 

 

“—فشلنا، فشلنا.”

 

 

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

“أمل، إذن؟”

 

 

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

 

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

 

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

قال مبارز السيفين وهو يفرقع عنقه مبتسمًا، بينما حدق الرجل ذو العصابة بعينين باردتين نحو فينسنت وسوبارو – شوارتز. لكن قبل أن يتمكن من التحرك، وقف كافما الممزق والمرهق بين العدوين وبين فينسنت ورفيقه، وكأنه يحميهما بجسده.

“لا أظن أن ذلك ممكن. حاولت عدة مرات، لكن الصندوق متين للغاية، لا يتحرك قيد أنملة. يبدو أنهم سيطلقون سراحنا بعد عبور الحدود المؤدية إلى مملكة لوغونيكا…”

 

 

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

 

 

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

 

 

 

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

 

 

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

أدرك فينسينت أن هذه المعركة قد حُسمت، فاستدار وركض حاملًا سوبارو – شوارتز.

 

 

“—!”

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

 

 

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

 

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

“—غغ…”

“――روي أرنيب.”

 

حبس سوبارو أنفاسه أمام هذا المشهد المريب، لكن الرجل الوسيم أغلق إحدى عينيه وأصدر صوتًا بنقر أصابعه، ليعيد تركيز انتباهه إليه.

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

 

 

حين أغلق الإمبراطور عينيه، أدرك سوبارو – شوارتز أمرًا غريبًا— لم يسبق له أن رأى فينسينت وهو يغمض كلتا عينيه في وقت واحد.

 

 

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

“— قناع ‘الأزرق’.”

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

 

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

 

 

 

كان الصوت يشبه أزيز الجلد الذي يُنتزع عن العظام، أو كأنما يُنتزع اللحم من الجلد، صوت يجعل الأذن تتمزق لسماعه. تدريجيًا، بدأ وجه فينسنت يتقشر ويختفي، متحولا إلى غبار ببطء بين يديه.

 

 

“أَبيل…”

“———”

 

 

 

كان المشهد أمامه كما لو كان كابوسا فظيعا في ليلة مظلمة، أو تشويشًا في العقل يسبق الموت. لكن، رغم أن وجهه قد انزاح، أخذ فينسنت يضع يده الأخرى على وجهه، ليضع “قناعًا” جديدًا.

 

 

 

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

 

 

“… فيريس؟”

 

 

 

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

“—هاه…”

 

 

“———”

 

 

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

 

 

كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذا المشهد الغريب الذي جعل سوبارو – شوارتز في حالة من الذهول. لكن الأخير، بينما كان يواصل تجاهل ارتباكه، وضع يده البيضاء على الجرح الذي أصاب سوبارو.

 

 

~~~

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

 

 

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

 

 

 

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

 

 

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

 

 

 

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

—

 

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

“لا أدري لما انبعثت هذه الشكوك في ذهنك… لكن لا.”

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

“أووه؟”

 

 

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

 

 

 

“سأستفيد من المانا المحشورة داخل جسدك التي لا تجد مخرجاً. على أي حال، لو تُركت هكذا، لانفجرت بسبب عطل في الصمامة. لن أسمح بأي اعتراضات.”

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

 

 

على الرغم من أن هذا كان يبدو محيرًا جدًا، إلا أن “فيريس” لم يهتم بانذهال سوبارو من المشهد، واستمر في علاج جرحه بينما كانت التشققات تتوسع على وجهه.

 

 

 

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

 

 

“لقد انتهيت.”

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

 

 

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

 

 

“…ماذا؟”

بالرغم من شفاء جراحه وإنقاذ حياته، إلا أن سوبارو الذي كان مستلقياً لم يستطع الحركة، مشاهداً كابوساً لا يقل رعباً عن لحظات احتضاره.

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

 

 

من تحت وجه “فيريس المزيف” الذي تمزق، بدأ وجه جديد في الظهور، ليس وجه فينسنت ولا “فيريس المزيف”، بل وجه مجهول. ــ لا، لم يكن مجهولًا تمامًا.

“…”

 

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

 

 

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

 

 

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

 

 

“ـــ تشيشا غولد”

 

 

“أوه!”

“…ماذا؟”

 

 

 

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

 

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

 

 

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

 

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

 

 

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

“――غدًا، على الأرجح، سيبدأ الصدام الحقيقي بالفعل…”

 

إذا كان هذا المشهد يبدو ممتعًا، فربما يكون لدى غوستاف جانب مرح غير متوقع. أما سوبارو – شوارتز، فقد كان يبذل قصارى جهده ليلعب دور الشريرة المتعجرفة، وكان يستمتع بذلك بالفعل.

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

 

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

 

 

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

 

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

 

 

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

 

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

~~~

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

 

“――――”

أوضح تشيشا أنه يُطلق على قدرته التي تُمكّنه من تغيير مظهره اسم “نو”.

 

 

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

هذا ما كان يجب عليه فعله.

 

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

 

 

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

 

 

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

 

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

 

 

“آه…”

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

“همم، وما رأيك أنت؟ هل تظن أنني مدفوع بالطموح؟”

 

 

 

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

“هاه… هاه…!”

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

 

 

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

 

 

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

“النجوم؟… لا أنكر أنني أحبها، لكنني لم أتحدث معها قط. ما قلته الآن هو مجرد استنتاج مبني على الخبرة، وممزوج ببعض الأمل.”

 

 

“آه، ولكن—”

“أمل، إذن؟”

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

 

 

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

 

 

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

 

تجمد سوبارو في مكانه.

“أنا أتخذ الخطوات اللازمة لإنقاذ الإمبراطورية من مستقبلها المحتوم بالدمار.”

 

 

 

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

 

 

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

 

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

“أجل، هذا صحيح.”

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

 

 

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

“يا فتاة الشيطان، لقد عادت التنين. تعالي وساعديني في الاستحمام.”

 

 

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

 

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

“لدي سؤال واحد فقط.”

 

 

 

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

 

 

“قدرتك، التي تسمح لك بالتنكر في هيئة الآخرين… هل يمكنك استخدامها بلا حدود، متى شئت؟”

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

 

 

“لا… لا يمكنني ذلك.”

أجاب تشيشا بهدوء:

 

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

 

 

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

 

كان وجود فينسنت فولاكيا جوهريًا في مخطط تشيزا.

 

 

“ــــ بيرفكتو!!”

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

 

 

 

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

 

 

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

“…”

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

 

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

 

 

 

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

 

 

ولهذا السبب—

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

 

لكن الأهم من أصله بالنسبة لناتسومي شوارتز، كان منصبه—

“『الكارثة العظمى』.”

 

 

 

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

 

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

 

 

 

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

 

 

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

 

 

 

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

 

 

 

“فهمت.”

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

 

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

تم اتخاذ القرار.

“——”

 

 

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

 

 

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

 

“――فينسنت فولاكيا.”

لكن رغم ذلك كله—

 

 

 

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

 

 

 

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

 

 

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

~~~

 

 

 

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

 

 

“هل كان ذلك… انتقالاً آنياً؟ تنقلاً؟ لا يعقل…”

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

 

 

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

“مجددا؟――”

 

وفي كل الأحوال—

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

 

 

 

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

 

 

كان هذا الرجل غوستاف موريلو، الذي أغلق فمه الممتلئ بالأنياب، وعقد أذرعه الأربعة القوية على صدره الضخم، متخذًا وضعية صارمة.

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

ضغط سوبارو على أسنانه بقوة واستدعى الذراع الخفية الكامنة داخله – “الذراع غير المرئية” – محاولًا تحطيم الصندوق.

 

بريسكا بِنديكت.

لكن الأهم من أصله بالنسبة لناتسومي شوارتز، كان منصبه—

 

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

“—حاكم جينونهايف، ‘جزيرة عبيد السيف’، غوستاف موريلو.”

 

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

“هذا هو لقبي الصحيح. شكرًا لتذكيري، أيها الجنرال تشيشا غولد.”

“لا، لا شيء… فقط، سماعك تقولين لي أني كريه الرائحة بهذه الطريقة مجددًا جعلني أشعر بشيء من الحنين…”

 

 

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

 

 

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

 

 

 

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

 

 

 

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

 

 

“مُجرد مزحة؟”

“انتقاد؟ بالطبع لا. لكن ما يفعله الحاكم غوستاف هو تجسيد واضح لولائه المتين تجاه جلالة الإمبراطور، فهو يسعى بإخلاص لتنفيذ أوامره كما ينبغي. ألا تعتقدين أن عدم فهم هذه النقطة يعني أنكِ، في الواقع، لا تتوافقين مع إرادة جلالته؟”

“اغغ… نغغ…!”

 

 

“م- ماذا…؟!”

 

 

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

 

 

“ناتسوكي-دونو…”

إذا كان هذا المشهد يبدو ممتعًا، فربما يكون لدى غوستاف جانب مرح غير متوقع. أما سوبارو – شوارتز، فقد كان يبذل قصارى جهده ليلعب دور الشريرة المتعجرفة، وكان يستمتع بذلك بالفعل.

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

 

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

 

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

 

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

هدأت الاضطرابات في “المدينة الشيطانية” كايوس فلايم، ونجا أولبارت وكافما بصعوبة. كما انسحب أبيل ورجاله من أراكيا، وانتهى القتال دون انتصار حاسم لأي طرف.

 

 

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

 

 

 

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

 

 

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

ثم قال سوبارو:

 

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

 

 

أجاب تشيشا بهدوء:

 

“لسوء الحظ، على الرغم من أنني أتفق مع رئيس الوزراء بيرلستيتز في بعض النقاط، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بيننا. في نهاية المطاف، هذا الرجل العجوز ليس سوى سيفا للإمبراطورية، وهذا يعني أن نهاياتنا قد تتعارض بشكل لا يمكن التوفيق بينه. لذا…”

 

 

 

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

 

 

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

“حاليًا، نحن منشغلون تمامًا بالتعامل مع توسع نفوذ المتمردين. لذا، يمكننا افتراض أن بيرلستيتز لن يجد الوقت الكافي للانتباه إلينا لبعض الوقت.”

“هاهاها! لم أتوقع أن أواجهك بهذه الطريقة، أراكيا!”

 

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

 

 

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

 

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

 

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

 

 

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

 

 

لقد مات الرجل.

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

 

 

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

“أولبارت، هاه…”

فيما يتعلق بهذه النقطة، فإن الحقيقة هي أن جميع الطرق الأخرى كانت تؤدي إلى نهايات سيئة بلا استثناء، مما جعل هذا الخيار الوحيد الممكن بطريقة الاستبعاد. ومع ذلك، كان من الواضح أن هذا الشرح لن يُقنع هذا العجوز ضيّق العينين.

 

 

“لا داعي لأن تبدو بهذا الاكتئاب. لولا ذكاؤك ونصائحك، لما نجا أولبارت بذراع واحدة فقط، وربما كان كافما قد فقد حياته أيضاً. ولو حدث ذلك، فمن يدري إن كنا سنعود نحن أيضاً سالمين؟”

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

 

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

حاول تشيشا أن يواسي سوبارو، الذي بدا محبطًا، لكن المشاعر كانت معقدة بالفعل.

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

 

 

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

لكن أكثر ما صدمه هو أن أولبارت، الذي يُفترض أنه أحد أقوى ثلاثة أشخاص في الإمبراطورية، قد لقي حتفه عدة مرات بسبب هجمات مفاجئة من أراكيا. ولم يكن هو الوحيد، إذ تعرض كافما أيضاً لمواقف مماثلة، مما أجبر سوبارو على بذل كل ما لديه لمحاولة إنقاذهما مراراً وتكراراً.

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

 

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

 

 

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

في معظم الحالات، كان أولبارت وكافما يلقون حتفهم بضربة قاتلة من أراكيا، لكن الشخص الذي كان يهيئ الظروف التي تؤدي إلى تلك الضربة كان دائمًا ذلك الرجل ذو عصابة الرأس.

 

 

 

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

 

 

 

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

 

 

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

 

 

 

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

 

 

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

على أية حال…

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

 

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

 

 

 

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

 

 

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

 

لكن، مع ذلك—

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

 

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

 

 

إذا كان تشيشا، المعروف بحساباته الدقيقة، يقول ذلك، فربما يجب تصديقه. لكن لماذا يراوغ دائمًا عندما يسأل سوبارو عن طبيعة الإمبراطور؟

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

 

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

 

 

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

 

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

 

 

 

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

“———”

 

 

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

“――――”

 

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

 

 

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

 

 

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

 

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

“أما الخامس، غوز لارفون، فقد سُجن بتهمة زائفة. الرابع، تشيشا غولد، تمرد ضد الإمبراطور. الثالث، أولبارت دانكلكن، مصاب. الثانية، أراكيا، تمردت وأصبحت خارج النطاق… لحظة، أين الأول اذن؟”

 

 

 

“…”

“…ماذا؟”

 

 

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

 

 

 

“ليس هناك داعٍ للحديث عن سيسيلوس.”

 

 

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

 

 

 

على الأقل، لم يسمع أي إشاعة تفيد بأن أقوى شخص في الإمبراطورية قد انشق وانضم إلى المتمردين.

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

 

كان وجود فينسنت فولاكيا جوهريًا في مخطط تشيزا.

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

 

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

 

 

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

 

 

“بيرلستيتز، رغم مظهره، إلا أنه يملك قلبًا حارًا بشكل مفاجئ. تشيشا صنفته على أنه إمبريالي متشدد، لكنني اكتشفت أنه شخص يفيض بالعاطفة. على الأرجح، من النوع الذي يقدّر الوعود في الخفاء. أما مادلين، فصعبة الانفتاح قليلًا، لكنني أعتقد أنها تهتم بالآخرين أكثر مما تظهر. ربما كانت محاطة بأشخاص جيدين. والآن… أظنها فقط حائرة في كيفية استخدام مشاعرها الطيبة؟”

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

“أيها الوقح!”

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

 

 

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

 

 

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

 

 

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

 

 

“النجدة! أنقذوني!!”

 

 

 

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

 

 

 

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

 

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

 

 

× × ×

“لقد عدت فجأة، ماذا يحدث؟ أولاً، كان من المفترض أن تنتهي مهمتك، فلماذا ما زلت ترتدي نفس الزي النسائي؟”

 

 

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

“الوضع في الإمبراطورية يقتضي أن لا يعرف أحد بتورطي في تلك الاضطرابات، ولذلك لا بد من استمرار ظهور ناتسومي شوارتز. إنه أمر مفروض عليّ.”

 

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

“–.—-.——– أها، فهمت.”

 

 

 

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

 

 

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

ماهي النقطة التي ينبغي عليه الوصول إليها؟

 

“وهذه؟”

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

 

 

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

“ماذا؟”

 

 

 

“وااااه!”

 

 

فالهرب كان وسيلتها الوحيدة في التعبير عن إرادتها في المقاومة.

بالطبع، ما إن تمكن من العودة إلى العاصمة الإمبراطورية، حتى حرص على زيارة ريم والتأكد من حالتها وما إذا كانت على ما يرام. وعلى الرغم من أنها ما زالت تعاني من خدر في ساقيها، إلا أنها أصبحت قادرة على الحركة بشكل ملحوظ. ريم، التي كانت دائمًا حساسة تجاه الآخرين، أظهرت مجدداً شخصيتها المُراعية واللطيفة، مما جعلها تتصرف بحرية نسبية في قصر بيرلستيتز. حتى مع فقدانها للذاكرة، كانت بعض جوانب شخصيتها واضحة بما يكفي لإشعال دفء قلب سوبارو.

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

 

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

 

 

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

 

 

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

 

 

 

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

 

“آه.”

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

 

 

“—. أليس ذلك خطيراً؟”

 

 

 

“لا أنكر وجود الخطر. ولكن، بالنسبة لغريب مثلي أو لريم، فالإمبراطورية كانت دومًا كجُحر النمر — لا يُمكنك الظفر بشيء مالم تدخله. وإن كان الخروج من جُحر النمر مرفوع الرأس يتطلّب المخاطرة، فسأخاطر… ولكن بطريقة تضمن أعلى قدر ممكن من فرص الفوز!”

 

 

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

في طريقه للعودة إلى الغرفة التي خُصصت له بعد انتهاء استجواب بيرلستيتز، لمح سوبارو من خلال حديقة القصر تنينًا طائرًا يهبط مع هبة ريح، ومن على ظهره قفز ظل صغير.

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

 

 

 

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

 

 

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

 

 

 

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

 

 

 

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

 

 

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

 

 

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

هكذا، بصوت صاخب كالألعاب النارية المشتعلة، ظهر الصبي المزعج ـ والذي يبدو أصغر عمرًا مما تصفه الشائعات ـ سيسيلوس سيغموند، ليتم اللقاء بينه وبين سوبارو في جزيرة عبيد السيف.

 

 

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

~~~

 

 

على أي حال—

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

 

 

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

 

 

 

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

 

ــ سيسيلوس سيغموند، أولُ “الجنرالات التسعة”، كانت خطة إخراجه من جزيرة عبيد السيف بالغة الصعوبة والتعقيد.

 

 

 

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

 

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

 

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

 

 

 

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

 

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

وهكذا، وجد سوبارو – شوارتز نفسه في سلسلة من المعارك غير المتوقعة مرارًا وتكرارًا، لكن العقبات في جزيرة عبيد السيف لم تقتصر على غوستاف وحده.

 

 

“――――”

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

“— يا صاحب الجلالة.”

 

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

“—غغ…”

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

 

 

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

 

 

 

“إن كان الأمر كذلك، فهلا انضممتَ إلينا…”

 

 

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

“لم أقرر بعد إن كنتُ سأرافقكم أنتَ ومرشحة الإمبراطورة! فأنا نجم مسرح يطلبه الجميع… كلمات الدعم التي لا تنتهي من أولئك الذين لا يكفون عن انتظار تألقي تنهال على قلبي كقطرات المطر المتواصلة!”

 

 

 

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

 

 

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

 

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

وفي النهاية…

 

 

 

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

 

 

 

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

 

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

 

 

 

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

 

 

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

 

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

 

 

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

 

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

ولكن—

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

“――!”

 

 

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

 

بعيون حادة كعيون الطيور الجارحة، وبوجه يحمل هيبة الحاكم المطلق—أعلن إمبراطور فولاكيا:

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

 

 

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

 

 

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

 

 

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

 

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

وهكذا، كان هذا مشروع كذبة أبريل المعتاد!

 

“――فينسنت فولاكيا.”

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

“تشيشا!”

 

 

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

 

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

 

 

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

 

 

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

“… فيريس؟”

 

~~~

“…ذلك هو—”

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

 

 

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

 

 

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

 

 

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

 

 

 

ثم—،

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

 

 

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

“مكان آمن… وأين يوجد مثل هذا المكان، في هذه الجزيرة؟”

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

 

 

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

“— قناع ‘الأزرق’.”

 

 

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

 

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

 

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

لكن في هذه اللحظة بالذات――،

 

 

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

“ما دام الوجود في أي مكان سيكون سواءً، فسأبقى لأشهد النهاية.―― حتى وإن تكرّر الأمر مرارًا.”

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

 

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

 

 

عانق سوبارو – شوارتز مرفقه بيده، وقد رسّخ في قلبه عزمه على ألا يغادر هذا المكان.

 

 

 

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

 

حتى سوبارو نفسه، عندما أعاد التفكير في الأمر لاحقًا، لم يستطع إيجاد سبب منطقي لكونه أفصح عن اسمه الحقيقي في تلك اللحظة، دون تزييف أو خداع.

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

 

 

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

 

 

 

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

 

 

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

 

 

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

 

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

 

“――――”

“يالهم من رِفاق أقوياء…”

“أولبارت، هاه…”

 

 

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

 

 

 

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

 

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

 

 

 

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

 

 

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

 

 

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

 

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

وأمام هذا التحوّل الذي يشبه نوعًا ما طقسًا مسرحيًا غروتسكيًا من فن الـ«نو»، لم يكن ما خطر على بال سوبارو – شوارتز سوى مشاهد التحول البطولية لأبطال العدالة أولئك.

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

“أَبيل…”

 

 

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

 

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

بجوار سيسيلوس الذي رفع صوته بهذه التعليقات الساخرة، وقف تشيشا وقد تحوّل إلى شاب طويل أزرق الشعر، مختلف تمامًا عن هيئته السابقة.

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

 

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

 

“— ريم.”

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

 

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

 

فهو لا يرى فيه شيئًا يستحق التقدير المبالغ فيه كذلك.

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

 

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

 

 

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

 

 

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

 

 

 

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

لم يكن يملك قوة جسدية خارقة، ولا حلفاء يُعوَّل عليهم في موقعه حين أُقصي عن العرش، بل لم يكن سلاحه سوى دهائه وقوة لسانه. وها هو ذا يعود، منتصرًا.

 

 

صدام شرارتي البرق مع الكيان الغامض المُكوَنِ من الظلال، كان أشبه بمُحاولة إختراق هاوية شديدة السواد بنور نَجمين ساطعين، عرضٌ مسرحيٌّ مهيب على مسرحٍ لا يُقام إلا مرةً واحدة في العمر…

“――! مَن هناك؟!”

 

 

~~~

 

 

ولهذا السبب—

“――غدًا، على الأرجح، سيبدأ الصدام الحقيقي بالفعل…”

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

 

 

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

 

 

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

 

 

“أفهم… هكذا إذن…”

 

 

غير أن――،

“――――”

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

 

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

 

 

هذا ما كان يجب عليه فعله.

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

 

 

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

 

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

“يا سيد ناتسوكي، لقد ساعدتني كثيرًا. أود أن أعبر لك مجددًا عن امتناني.”

 

 

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

 

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

 

 

 

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

 

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

“ولهذا السبب…”

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

 

 

لا تزال تفاصيل تحوّله إلى هيئة طفل مجهولة، لكن إن كان الأمر قد شمل رجوعه في المظهر وكذلك في طريقة التفكير والشعور، فربما حين يعود إلى شكله الأصلي، ستزول هذه الحيوية الطازجة التي يتحلى بها الآن.

 

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

 

 

 

“لا تقلق، سيسيلوس كان دائمًا على هذه الحال، صغيرًا كان أو كبيرًا.”

 

 

 

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

 

 

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

 

 

 

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

 

 

“تُقرّ بذلك بنفسك؟”

 

 

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

 

 

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

 

 

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

 

 

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

 

 

 

“آه، تطوير وصقل مهاراتي كان بالفعل على طريقة لوغونيكا،

 

لكن الأساس؟ لا، هذا يعود أصله إلى مكان آخر. بلدتي الأم. خَلف ما يسمّى بـالشلال العظيم…”

 

 

 

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

 

 

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

 

 

 

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

أومأ تشيشا جانبه بإعجاب، وكأنه التقط شيئًا في حديثه—ليس عن سوبارو تحديدًا، بل عن الشلال العظيم نفسه.

 

 

 

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

 

 

 

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

 

 

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

 

 

“ناتسوكي-دونو…”

قالها تشيشا وهو يمرّر أصابعه برفق على ذقنه النحيل، بينما رمش سوبارو متفاجئًا من هذا التحليل.

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

 

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

قيمة الحياة… بالطبع هذا شيء أساسي. فالحياة لا تُعطى مرتين. حتى لو وُجدت استثناءات نادرة، فهي لا تنفي القاعدة.

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

 

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

 

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

 

 

 

“وفقًا لمعاييري، كان فقدانك هناك خسارة أكبر من أي ضرر ممكن.

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

“…هاه؟”

 

 

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

 

~~~

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

 

 

 

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

ولكن—

 

 

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

 

 

 

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

“… آاا، أُو؟”

فهو لا يرى فيه شيئًا يستحق التقدير المبالغ فيه كذلك.

 

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

 

 

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

 

 

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

 

 

 

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

 

 

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

 

إذا كان هذا المشهد يبدو ممتعًا، فربما يكون لدى غوستاف جانب مرح غير متوقع. أما سوبارو – شوارتز، فقد كان يبذل قصارى جهده ليلعب دور الشريرة المتعجرفة، وكان يستمتع بذلك بالفعل.

إن مشاعر ريم، التي يصعب قياس تغيّرها، تلقت تعليقًا متعاطفًا من تشيشا.

 

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

 

 

 

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

لو أن أحد الأشخاص الذين قتلوا سوبارو – شوارتز سابقًا قد عثر على ريم حينها، لربما كانت قد تعرضت لمصير مريع لا يُغتفر. ولهذا، كانت أراكايا في نظر سوبارو – شوارتز شخصًا يستحق الامتنان. لكن الآن…

—

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

 

 

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

 

 

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

 

“هاه؟”

وكما كان متوقعًا—

 

 

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

 

 

 

نظر إلى جانبه، ليجد تشيشا قد وضع كأسه على سور الشرفة،

 

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

 

 

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

لا، بل نحو العاصمة بأكملها.

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

 

 

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

 

وقد أرسلته إلى جزيرة العبيد لأسباب معينة… وكل ذلك كان――”

 

 

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

“استعدادًا لـ”الكارثة الكبرى” القادمة، أليس كذلك؟ قلّصت هيئة سِسي وأرسلته إلى الجزيرة، لا أدري ما قد تجنيه من ذلك… آه، أو ربما، كان لغوز علاقة بالأمر؟”

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

 

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

 

 

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

 

 

 

في الواقع، سوبارو رأى بأم عينه مدى تفوق سيسيلوس في القتال، وقد تجاوزت قوته حدود الفهم.

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

 

 

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

 

 

 

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

تعليق الكاتب:

 

 

غير أن――،

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

 

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

 

 

 

“…ماذا تقصد بذلك؟”

 

 

 

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

 

 

“――――”

 

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

 

 

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

 

 

 

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

 

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

 

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

 

 

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

 

 

 

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

 

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

“مجتمع يقوم على القوة المطلقة، ومبدأ التفوق، والمنافسة المستمرة… أفهم ذلك، لكن ما يمنحني الأمل هو أن فولاكيا ليست مقتصرة على هذا وحده.”

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

 

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

 

 

 

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

 

 

 

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

 

 

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

“بيرلستيتز، رغم مظهره، إلا أنه يملك قلبًا حارًا بشكل مفاجئ. تشيشا صنفته على أنه إمبريالي متشدد، لكنني اكتشفت أنه شخص يفيض بالعاطفة. على الأرجح، من النوع الذي يقدّر الوعود في الخفاء. أما مادلين، فصعبة الانفتاح قليلًا، لكنني أعتقد أنها تهتم بالآخرين أكثر مما تظهر. ربما كانت محاطة بأشخاص جيدين. والآن… أظنها فقط حائرة في كيفية استخدام مشاعرها الطيبة؟”

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

 

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

 

 

 

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

 

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

 

 

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

 

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

“إن لم تجد ما تقوله، فلا حاجة لأن تُجهد نفسك في البحث عن شيء إيجابي، هذا ما أراه.”

ولكن—

 

 

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

 

 

“――――”

 

 

 

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

وفي كل الأحوال—

 

 

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

 

 

 

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

 

 

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

 

 

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

 

 

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

“يا لها من مبالغة. هذه البلاد هي وطن السيف والذئاب، وإمبراطورية فولاكيا لا تعني إلا شخصًا واحدًا، وهو جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا. لذا، أرجو منك أن تراجع هذا التصور.”

 

 

 

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

 

 

 

سوبارو، من جانبه، أثنى على كلامه قائلاً: “نكتة موفقة”، ثم تشارك الاثنان الضَحِك لبعض الوقت.

 

 

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

وبعد ذلك――

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

 

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

 

 

“ماذا تعني بـ’بعد ذلك’؟”

 

 

 

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

 

 

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

 

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

“لقد عشت في المملكة لأكثر من عام، لذا أستطيع على الأقل أن أُرشدكَ إلى الأماكن القريبة!”

“… فيريس؟”

 

كما قال له منذ لحظات…

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

 

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

 

“أن تدعم شخصاً يواجه مشكلة عويصة ككونه نصف إلف، ثم تمد يدك بهذا الشكل للآخرين… أعتقد أن تصرفاً كهذا يفتقر إلى بعض الاتزان. ولا شك أن من يقوم بتنسيق أمور فصيلكم، يعاني الكثير من المتاعب، أليس كذلك، ناتسوكي-دونو؟”

 

 

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

 

 

“ألا تتصنع، هاه؟”

 

 

 

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

 

 

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

~~~

 

 

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

 

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

“ناتسوكي-دونو…”

 

 

 

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

 

 

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

حتى الآن، لم تصدر منه أي أفعال شريرة تتناسب مع ما يُقال عن كونه أحد أساقفة الخطايا، بل يبدو على العكس تمامًا، مخلصًا ويعتني بريم بإخلاص. ومع ذلك، لا يمكن لسوبارو أن يتيقن من نواياه الحقيقية في أعماقه. ــ وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فإن اتخاذ قرار بشأن ما يجب فعله بها عند اصطحاب ريم إلى المملكة يظل مصدر صداع دائم له.

 

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

 

 

“――――”

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

 

 

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

 

 

 

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

 

 

 

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

 

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

“تشيشا!”

 

 

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

بصفته أحد «قارئي النجوم»، كان أوبيرك يتلقى إشارات من أولئك الذين يدعونهم بـ«النجوم»— مشاهدون سماويون يَسْمون فوق هذا العالم، سنّوا قوانينه، ويكرّسون الفواصل المطلقة كأمرٍ لا مفر منه. وبالنسبة لتشيشا، مجرد تلقي «اتصال» من تلك الكيانات يثير في نفسه اشمئزازًا بالغًا.

 

 

إنه ذلك الرجل الذي، في الخفاء، وضع خطة لدرء “الكارثة العظمى” التي تهدد الإمبراطورية، وقد يضطر بعد انكشاف الحقيقة إلى أن يعيش حياة يطارده فيها الاتهام واللائمة، حتى من أولئك الذين كرّس لهم ولاءه وخدعهم في سبيل ذلك.

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

 

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

 

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

“فلنقم بذلك، تشيشا-سان. هذه المعركة… ستكون نصرنا!”

لذا—

 

 

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

 

 

 

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

 

 

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

 

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

 

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

~~~

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

 

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

 

 

هكذا، بصوت صاخب كالألعاب النارية المشتعلة، ظهر الصبي المزعج ـ والذي يبدو أصغر عمرًا مما تصفه الشائعات ـ سيسيلوس سيغموند، ليتم اللقاء بينه وبين سوبارو في جزيرة عبيد السيف.

“أوووه!”

 

 

 

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

 

 

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

 

 

ثم――

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

 

 

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

 

 

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

 

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

“لا علم لي! حدث كل شيء فجأة. لقد دُفعنا بالقوة إلى داخل العربة… وأنت، لم تستيقظ أبدًا رغم كل ما جرى!”

تعليق المُترجم:

 

“أنا أتخذ الخطوات اللازمة لإنقاذ الإمبراطورية من مستقبلها المحتوم بالدمار.”

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

 

 

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

 

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

 

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

 

 

 

لقد قرر أن يخوض المعركة وحده. فبعد أن اعتمد على سوبارو طوال الطريق لترتيب رقعة اللعب، ها هو في النهاية، كما فعل مع الإمبراطور، يُقصي سوبارو من المعادلة، ويختار أن يواجه “الكارثة العظمى” بمفرده.

“م- ماذا…؟!”

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

 

 

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

 

 

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

“لا أظن أن ذلك ممكن. حاولت عدة مرات، لكن الصندوق متين للغاية، لا يتحرك قيد أنملة. يبدو أنهم سيطلقون سراحنا بعد عبور الحدود المؤدية إلى مملكة لوغونيكا…”

 

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

 

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

 

“… جلالتك؟”

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

 

 

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

ضغط سوبارو على أسنانه بقوة واستدعى الذراع الخفية الكامنة داخله – “الذراع غير المرئية” – محاولًا تحطيم الصندوق.

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

 

لكن خلافًا لحاملها الأصلي، أسقف الكسل من أساقفة الخطايا السبعة، فإن هذه القدرة في يد سوبارو لا تختلف كثيرًا عن ذراع ثالثة غير مرئية. وإن لم تستطع ذراعاه العاديتان كسر الجدران، فلن يفلح بها كذلك، حتى وإن كانت خارقة.

 

 

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

 

 

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

كل ما جناه سوبارو من محاولته كان ألمًا في جسده نَتيجة الارتداد، مما جعله يعض على أسنانه غيظًا لفشل خطته.

 

 

لكن لم يكن لديه سوى القليل من الحلفاء في هذه الفوضى. حتى أقوى مقاتليه، الذي أحضره معه لحمايته، كان منشغلًا تمامًا في قتال ضارٍ ضد أوربارت، الذي كان يلاحق بلا هوادة حياة امرأتين وهو يضحك بجنون.

إلى جانبه، كانت ريم قد خاضت صراعًا مشابهًا، وقد خلّفت أطراف أصابعها العديد من الانبعاجات الصغيرة في جدار الصندوق الصلب. كانت ملامحها متوترة بوضوح — هي أيضًا لم تكن راضية عن مغادرة الإمبراطورية في هذه اللحظة بالتحديد.

 

 

~~~

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

 

وشعرت ريم برضا داخلي عن هذا الدور الذي أدته، وكانت قد بدأت تشكل علاقات خاصة بها داخل الإمبراطورية. حتى أن سوبارو سمع منها أنها كوّنت صداقات هناك.

 

 

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

 

 

“أما الخامس، غوز لارفون، فقد سُجن بتهمة زائفة. الرابع، تشيشا غولد، تمرد ضد الإمبراطور. الثالث، أولبارت دانكلكن، مصاب. الثانية، أراكيا، تمردت وأصبحت خارج النطاق… لحظة، أين الأول اذن؟”

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

 

 

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

 

 

“تبًا! أخرجونا! على الأقل… على الأقل ناقشوا الأمر معنا! كيف تجرؤون على المضي هكذا من دوننا!”

“———”

 

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

“… آاا، أُو؟”

 

 

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

“اصمتي! دائمًا ما تتدخلين، لكن الآن على وجه الخصوص ليس لدي وقت لأعبث معك!”

 

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

 

 

“――روي أرنيب.”

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

 

بعد ذلك—

 

 

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

“أووه؟”

“بالطبع لدي اعتراض، وهذا أمر بديهي.”

 

 

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

 

 

“أوا… إيو… ــآه، أوه…”

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

 

 

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

وعند تلك اللمسة، عضّ سوبارو على أسنانه بشدة. ― وفورًا بعد ذلك.

“أوه!”

 

 

«ـــ ها؟»

 

 

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

 

“ماذا… هاه؟! أنا في الخارج؟ لا، هذا خارج أكثر مما هو متوقع!”

 

 

 

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

 

“أراكيا-تشان؟”

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

— أولبارت دانكلكين، “الشيخ القاسي”.

“هل كان ذلك… انتقالاً آنياً؟ تنقلاً؟ لا يعقل…”

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

 

 

“أوه!”

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

 

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

 

 

إلى جانبه، كانت ريم قد خاضت صراعًا مشابهًا، وقد خلّفت أطراف أصابعها العديد من الانبعاجات الصغيرة في جدار الصندوق الصلب. كانت ملامحها متوترة بوضوح — هي أيضًا لم تكن راضية عن مغادرة الإمبراطورية في هذه اللحظة بالتحديد.

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

“أراكيا-تشان؟”

 

 

“أنتِ مذهلة، روي…”

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

 

 

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

 

 

 

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

 

 

 

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

 

 

 

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

 

 

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

 

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

“――――”

“آه… آوو…”

 

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

 

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

 

 

 

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

“…”

 

 

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

~~~

 

 

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

 

 

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

 

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

 

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

 

 

بالرغم من شفاء جراحه وإنقاذ حياته، إلا أن سوبارو الذي كان مستلقياً لم يستطع الحركة، مشاهداً كابوساً لا يقل رعباً عن لحظات احتضاره.

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

 

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

 

 

 

“ماذا؟ إذًا لن أسمح لك بالركوب.”

 

 

 

“حسناً! سأتوقف عن الكلام! فقط دعيني أركب!”

 

 

 

في خضم ارتباكه وحماسته، أدركت ريم ما كان يدور في ذهن سوبارو، فما كان منه إلا أن بدأ يتوسل إليها باضطراب واضح. تنهدت ريم أمام توسلاته، ثم جذبت روي إليها بذراع ممدودة، وقالت:

 

 

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

 

 

ركوب مخلوقٍ طائرٍ والتحليق بحرية في السماء ليس من التجارب التي تتاح للمرء بسهولة. وحتى الآن، لم يسبق لسوبارو أن خاض تجربة الطيران في ظروف مماثلة سوى مع روزوال.

“—!”

 

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

وبينما كان يعيش هذه اللحظة بشيء من التأمل العبثي، مدّ سوبارو ذراعيه من الخلف ولفّهما حول خصر ريم وروي، ثم رفعهما معًا بخفة وقفز بهما إلى ظهر التنين الطائر.

 

 

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

 

 

صرخ سوبارو بحماس:

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

“…”

 

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

~~~

 

 

 

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

 

 

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

بصفته أحد «قارئي النجوم»، كان أوبيرك يتلقى إشارات من أولئك الذين يدعونهم بـ«النجوم»— مشاهدون سماويون يَسْمون فوق هذا العالم، سنّوا قوانينه، ويكرّسون الفواصل المطلقة كأمرٍ لا مفر منه. وبالنسبة لتشيشا، مجرد تلقي «اتصال» من تلك الكيانات يثير في نفسه اشمئزازًا بالغًا.

 

 

 

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

 

 

 

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

 

 

 

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

 

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

 

 

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

 

 

 

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

 

 

“–.—-.——– أها، فهمت.”

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

“———”

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

 

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

“لقد عشت في المملكة لأكثر من عام، لذا أستطيع على الأقل أن أُرشدكَ إلى الأماكن القريبة!”

 

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

 

 

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

 

 

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

 

 

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

 

 

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

 

 

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

“――――”

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

“بالطبع يوجد. ــ فأنت أيضًا من بين الممثلين الذين اعترفتُ بهم.”

 

 

“………”

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

 

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

 

 

 

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

 

 

 

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

 

 

 

“رغم أنني قد قلتُ ما أردتُ قوله مرة بالفعل، أرجو أن تسمح لي بإضافة شيء آخر.”

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

 

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

في خضم ارتباكه وحماسته، أدركت ريم ما كان يدور في ذهن سوبارو، فما كان منه إلا أن بدأ يتوسل إليها باضطراب واضح. تنهدت ريم أمام توسلاته، ثم جذبت روي إليها بذراع ممدودة، وقالت:

 

 

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

 

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

“…”

~~~

 

ومع ذلك، كان يأمل أن يتمكن من التقرب منها أكثر قليلًا، مثل…

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

 

تعليق المُترجم:

“ــــ بيرفكتو!!”

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

 

 

~~~

 

 

 

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

 

 

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

~~~

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

 

 

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

 

 

 

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

 

 

تعليق الكاتب:

ليس كل ما يقوله سيسيلوس يمكن رفضه باعتباره محض هراء. بل، في بعض الأحيان، تنطوي كلماته على قدرٍ غير متوقع من العمق.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

 

 

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

 

 

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

“لم أتوقع… أن يخلو قلبي من أي مشاعر. ــ حتى وأنا أحدّق إلى العرش المفقود، من هنا، من الأسفل.”

 

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

“――――”

 

 

“بالطبع يوجد. ــ فأنت أيضًا من بين الممثلين الذين اعترفتُ بهم.”

وهو يخطو بثبات كما لو أن المكان ملكٌ له، داس على السجّاد الأحمر المفروش حتى اعتلى العرش، فاستقبله تشيشا بعينَين ذهبيتين ضاقتا تأملاً.

 

 

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

الوافد كان رجلًا وسيماً ذو شعر أسود، يعتمر قناعًا يحاكي هيئة شيطان، والمفارقة الساخرة أنّه وقف وجهًا لوجه أمام تشيشا، الذي اتّخذ من ارتداء “الأقنعة” مهنةً له.

 

 

“— ريم.”

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

 

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

 

 

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

 

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

لم يكن يملك قوة جسدية خارقة، ولا حلفاء يُعوَّل عليهم في موقعه حين أُقصي عن العرش، بل لم يكن سلاحه سوى دهائه وقوة لسانه. وها هو ذا يعود، منتصرًا.

 

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

 

 

 

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

وهكذا، وجد سوبارو – شوارتز نفسه في سلسلة من المعارك غير المتوقعة مرارًا وتكرارًا، لكن العقبات في جزيرة عبيد السيف لم تقتصر على غوستاف وحده.

 

 

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

 

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

“――――”

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

 

 

“لقد نزعتني عن العرش، وما ظننته مكسبًا لم يكن سوى سراب بلا جوهر. أشعلت نيران الحرب عبثًا، والإمبراطورية تشتعل الآن في لهيب لا داعي له. ــ وإن أردت، يمكنني إخمادها من فوري.”

 

 

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

 

 

 

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

ربما بسبب ما تكبّده من مشقّة، كان شاحب الوجه أكثر من ذي قبل، وبدا بروز عظام وجنتيه أوضح مما اعتاد عليه.

 

 

 

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

 

 

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

“أنا—”

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

 

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

“— يا صاحب الجلالة.”

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

 

 

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

 

 

وفي تلك اللحظة، مرت في ذهنه وجوهٌ كثيرة، دون أن يرمش حتى. وجوه أولئك الذين خدعهم جميعًا. ومع كل وجهٍ مرّ، طعنته في قلبه وخزه من الذنب، ومع ذلك تنفّس بهدوء وقال:

~~~

 

 

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

 

 

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

“وهذه؟”

 

 

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

 

 

 

“ـــ قناع «الشمس».”

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

 

 

بريسكا بِنديكت.

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

 

“مُجرد مزحة؟”

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

كردّ اعتبار بسيط، قرر سوبارو – شوارتز ألّا يفسر أي كلمات من العصر الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك، ثم حوّل نظره إلى نافذة العربة المتحركة، متذكّرًا جيدًا الدور الذي يُتَوقع منه أن يؤديه في المدينة الشيطانية.

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

 

 

 

أمام هذا اللقاء المستحيل، شهق فينسنت من الدهشة.

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

 

 

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

بسرعةٍ فائقة، استخدم تشيشا “قدرته” لتشكيل قناع جديد على هيئة فينسنت، ثم نزع قناع بريسكا الذي كان قد ارتداه، واستبدله بالقناع الجديد.

 

 

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

 

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

 

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

“أنت…!”

لكن كان واثقًا…

 

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

 

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

“مُجرد مزحة؟”

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

 

 

 

كما قال له منذ لحظات…

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

 

 

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

 

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

 

 

 

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

 

 

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

“… فيريس؟”

 

 

لكن كان واثقًا…

~~~

 

 

بأن النتيجة ستتحقق.

“— يا صاحب الجلالة.”

 

 

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

 

 

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

لذا—

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

 

 

“――――”

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

“ميول…؟”

 

 

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

 

 

 

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

 

 

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

 

 

“――――”

“آه، ولكن—”

 

 

 

ومع ذلك، راودته لحظةٌ من الأمل…

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

 

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

 

 

~~~

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

 

 

“――――”

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

 

“السيد كافما قال لي أن جلالتك لن تخفي عني أي معلومة ضرورية، أليس كذلك؟”

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

وجهٌ لا تعرفه…

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

―― شريكه في الجريمة، ذاك الذي كان قد أبعده، يمتطي ظهر تنين طائر، محلقًا نحو قلب الحدث.

 

 

 

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

 

 

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

نهاية لا مفر منها، بل قَدَرًا لا بد أن يقع.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

 

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

“――――”

 

 

 

لقد مات الرجل.

 

 

 

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

 

ثم أصبح تشيشا غولد،

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

 

 

قد مات.

 

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

 

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

 

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

~~~

كان هذا الرجل غوستاف موريلو، الذي أغلق فمه الممتلئ بالأنياب، وعقد أذرعه الأربعة القوية على صدره الضخم، متخذًا وضعية صارمة.

 

 

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

 

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

جحافل الموتى الذين عادوا إلى الحياة، تقودهم “ساحرة” تتوق إلى سقوط الإمبراطورية، وتشرع في إحراق العالم.

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

 

 

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

 

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

وأولئك اللواتي عبرن إلى البلاد المجاورة بحثًا عن الفتى العزيز الذي افترقن عنه، شهدن التحول العنيف الذي داهم الإمبراطورية، ومع كل ذلك لم يفقدن الأمل، بل أشعلن روابطهن بالإيمان والعزم.

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

 

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

“… علاقتكما معقدة؟”

 

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

 

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

 

وبعد ذلك――

“أنت!!”

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

 

 

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

 

 

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

 

 

 

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

 

“أعرف أن كلامي يبدو مريبًا للغاية، لكن فكروا فيها… أي سبب سيدفعني لاختلاق قصة كهذه من الأساس؟ لهذا، أتمنى أن تصدقوني…!”

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

 

 

 

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

 

 

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

 

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

 

ثم――

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

 

 

 

أعلنا عن نفسيهما، ورفعا صوتهما بقوة، ليتردد صداهما في سماء العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

حين تصل تلك “الكارثة العظمى”، وحين تندفع جموع الأعداء المروّعة، سوف يُظهر العالم أن ناتسوكي سوبارو هو من وضع القطع في أماكنها ليتركز أقوى جهد دفاعي في العاصمة الإمبراطورية.

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

ثم قال —

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

 

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

 

 

 

~~~

 

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

 

وفي كل الأحوال—

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

“…ماذا تقصد بذلك؟”

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

 

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

 

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

 

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

النهاية.

 

 

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

——

 

 

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

تعليق الكاتب:

 

وهكذا، كان هذا مشروع كذبة أبريل المعتاد!

 

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

 

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

 

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

على أي حال، شكرًا لمرافقتكم لنا هذا العام أيضًا!

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

 

أما عن مدى التغيرات في المواقع والمصائر بين الشخصيات في القصة الأصلية وهذه النسخة البديلة، فآمل أن أتناول هذا الموضوع لاحقًا في تقارير منفصلة!

وكما كان متوقعًا—

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

“آه… آوو…”

~~~

 

تعليق المُترجم:

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

كما قال له منذ لحظات…

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

 

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

——

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

 

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

 

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

 

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

 

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط