Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

Re:Zero – If Story 1

ضَوء النَجم الذي لا إسم له
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ضَوء النَجم الذي لا إسم له

الفصل التاسع: “ضوء النجم الذي لا إسم له.”

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

 

 

 

 

 

 

 

—

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

 

 

قد مات.

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

 

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

~~~

 

“――――”

—

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

 

 

“هاه… هاه…!”

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

 

 

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

 

بِجُهدٍ مُضْنٍ، واصلت الفتاة الركض بكل طاقتها، إلا أنها… كانت بطيئة للغاية. فقد كانت تعرج على ساق واحدة، كما أن المَكان كان مَجهولا تمامًا بالنسبة لها.

 

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

مكان لا تمتلك أي ذكرى عنه، ظروف لا تفهمها، ولا حتى مَوقِفَها نَفْسَه تُدْرِكُه.

 

 

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

وفوق كل هذا—

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

 

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

“أوه! آغغع، آآه..!”

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

 

ولكن—

الطفل الذي كانت تمسك بيده جارةً إياه رُغم صراخه المُزعج، حتى اسمه لم تكن تعرفه.

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

 

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

“—!”

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

 

عضّت الفتاة على شفتيها، مُحاولة التخلص من أي أفكار سلبية قد تتسلل إلى عقلها، ثم رفعت رأسها محدقة نحو الأمام.

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

 

“ماذا؟”

صحيح أنها لم تفهم شيئًا مما يحدث معها، إلا أنها أدركت أمرين اثنين:

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

الأول، يجب ألا تترك يد هذا الطفل مهما حدث. والثاني، أن تواصل الركض حتى حين.

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

 

 

في خضم هذا الجهل، كانت غريزتها تصرخ بأن عليها الفرار.

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

فالهرب كان وسيلتها الوحيدة في التعبير عن إرادتها في المقاومة.

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

 

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

“ذلك الشخص…!”

 

 

 

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

 

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

 

 

 

“—!”

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

 

لقد واجه الكثير من الأوضاع الظالمة من قبل. فقد كان الكابوس الذي مرّ به في برج “بلياديس” حافلًا بالكثير من اللحظات القاسية، حتى كاد أن يكون الأشد قسوة على الإطلاق.

فجأة، قاطع هذا الصوت اللامبالي أفكارها، مما جعل جسدها يرتعش رعبًا، ثم التفتت بسرعة ناحية مصدره.

 

 

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

 

 

 

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

مع شعور من الحرقة في رئتيها المتعبتين، استحضرت في خضم حيرتها صورة شخص واحد…

 

 

ولكن…

 

 

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

“…؟ لم تُصِب الهدف، مؤسف حقا…”

 

 

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

 

 

 

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

 

 

 

وجهٌ لا تعرفه…

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

 

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

 

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

 

 

“آه…”

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

ما إن أدركت الطفلة ملامح وجهها المنعكسة، حتى شعرت بدفعةٍ خفيفةٍ من إصبع المرأة على صدرها، وإذا بموجة صدمة طفيفة تنتشر عبر جسدها كله.

“مقارنة بالوقت الذي لم نكن قادرين فيه حتى على الحديث بهذه الطريقة… الفرق بين الآن وما كان عليه الوضع آنذاك كالفرق بين السماء والأرض.”

 

 

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

 

 

 

“آه!”

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

 

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

فجأة، قاطع هذا الصوت اللامبالي أفكارها، مما جعل جسدها يرتعش رعبًا، ثم التفتت بسرعة ناحية مصدره.

 

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

“أنا—”

 

“تشيشا!”

لكنها أوقفته بسهولة كما لو كانت تلهو بيد طفل رضيع، وأرسلت نفس الصدمة الخفيفة إلى جبهته.

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

 

اتسعت عين الفتاة الحمراء اليُمنى قليلاً، ثم لوّت شفتيها، مما يدل على أنها لم تُعجب بإجابة سوبارو. لكنه لم يكن يبالي، لأنه لم يقل سوى الحقيقة.

“آه-أوه…؟”

 

 

 

فقد الطفل الصغير قوته تمامًا وانهار على الأرض كما حدث للفتاة.

—

 

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

لم يكن يفهم شيئًا مما يجري، لكنه شعر أنه بات مجرد موضوع نقاش بينهم، وكأن وجوده أصبح قرارًا لا يُسأل فيه عن رأيه.

 

“――――”

“أنتِ…؟”

 

 

 

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

 

 

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

 

 

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

 

 

 

هل كان ذلك صدقًا منها أم مجرد تصرف أخرق؟ لم تستطع الفتاة أن تحدد.

“مقارنة بالوقت الذي لم نكن قادرين فيه حتى على الحديث بهذه الطريقة… الفرق بين الآن وما كان عليه الوضع آنذاك كالفرق بين السماء والأرض.”

 

 

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

 

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

“لنذهب، يا ابنة الشيطان.”

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

“أنا… لست…”

 

 

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

 

 

 

“— ريم.”

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

 

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

ذلك الاسم الذي نطق به فتى ذو شعر أسود، تفوح منه رائحة مقززة كريهة.

 

 

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

ربما كان مجرد وهم. — فبالنسبة لها، الفارغة التي لا شيء فيها، بدا ذلك الاسم غريبًا لكنه مألوفٌ بطريقةٍ ما.

“ومن هنا يأتي اسم ناتسومي شوارتز.”

 

 

~~~

 

 

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

—هذا سيء…

 

 

 

أشبه بالصاعقة، اجتاحت مشاعر الخطر والتوتر عقل ناتسوكي سوبارو، دافعة إياه نحو التحرك على الفور.

أشبه بالصاعقة، اجتاحت مشاعر الخطر والتوتر عقل ناتسوكي سوبارو، دافعة إياه نحو التحرك على الفور.

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

أن تُدْعَى بالشيطانة، فهي لا تفهم السبب. لكن من ناحية أخرى، ما هي التسمية الأخرى التي يمكن أن تُنادى بها غير ذلك؟—

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

 

 

كان عليه أن يخفي حزنه، ويستجمع شتات قلبه، ويستعد لمواجهة هذا المأزق السخيف—

 

هذا ما كان يجب عليه فعله.

 

هذا المفترض.

 

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

لكن…

 

 

 

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

 

 

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

 

 

“… علاقتكما معقدة؟”

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

 

 

“آه… آوو…”

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

 

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

 

 

 

× × ×

“――!”

 

 

“كيف تمكن بشري مثلك من التسلل بعيدًا عن أعين التنانين؟ لا أفهم… لكن جهلي لهذا الأمر بحد ذاته إهانة لا تُغتفر!”

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

 

 

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

 

 

 

من دون حتى أن يلمسه مباشرة، جرفته العاصفة العاتية التي أثارتها تلك الذراع النحيلة، ليُقذف جسده بعنف نحو جدار القلعة. ارتطم سوبارو بقوة، متذوقًا ألم تحطم عظامه بالكامل، مع صوت من التهشم المُروع… لقي حتفه على الفور.

 

 

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

—

―― شريكه في الجريمة، ذاك الذي كان قد أبعده، يمتطي ظهر تنين طائر، محلقًا نحو قلب الحدث.

 

 

× × ×

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

 

 

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

 

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

 

 

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

تمكن من تفادي الضربة الأولى، والثانية… لكن لم يكن بإمكانه الاستمرار إلى الأبد.

 

 

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

بُمجرد أن لامست الضربة الثالثة قدمه، شُلّت حركته تمامًا، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تصيبه الضربة الرابعة مباشرة، ساحقة جسده حتى أصبح عُشر حجمه الأصلي… ليموت في الحال.

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

 

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

—

 

 

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

× × ×

 

 

“لم أستدعِك.”

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

 

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

كان الغضب العادل، الصارم، غير القابل للمساومة، مليئًا بشفرات حادة كالخناجر.

 

 

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

هذا ما كان يجب عليه فعله.

 

على أي حال—

× × ×

 

 

 

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

 

“أيها الوقح!”

 

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

“أحضرتهم معي.”

 

وهكذا—،

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

 

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

—

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

 

× × ×

 

 

“لم أستدعِك.”

“مجددا؟――”

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

 

هل كان قد ارتكب الخطأ منذ البداية؟ بعد أن مر بخمس “وفيات”، عض سوبارو على أسنانه في إحباط.

 

 

شعر أسود طويل ومستعار، وزيّ عسكري أنيق باللون الأحمر يخفي ملامح جسده، مع مكياج متقن جعله يبدو كأنثى مثالية بكل تفاصيلها.

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

 

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

مجرد التفكير في ‹أنها› ربما قد تكون لاقت نفس المصير الذي واجهه باستمرار، جعله يرتعد.

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

 

 

 

ما الذي يحتاج إليه؟

 

 

“لا مبرر لإخباركِ. كانت تشغل منصب ‘الجنرال الثاني’ في الإمبراطورية، ووضعها العسكري يعتبر سرًا قوميًا. في الواقع، مجرد إخباري لكِ الآن يُعد أمرًا استثنائيًا.”

ما الاحتمالات التي يتوجب عليها استغلالها؟

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

ماهي النقطة التي ينبغي عليه الوصول إليها؟

 

 

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

 

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

 

 

 

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

 

 

 

“——”

“…ذلك هو—”

 

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

“بالضبط.”

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

 

 

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

 

 

“――――”

“——”

—

 

 

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

 

 

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

كان القصر مزخرفًا وجميلًا، لكنه لم يكن مبهرجًا بقدر القلعة التي كان يحاول اختراقها سابقًا، مما جعله يأمل أن تكون الحراسة فيه أقل صرامة.

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

~~~

إن تمكن على الأقل من العثور على معلومة واحدة هنا، فسيكون ذلك كافيًا. ――بهذه الفكرة في ذهنه، حطم سوبارو نافذةً في زاوية مهجورة، وفتح القفل، ثم تدحرج إلى الداخل.

 

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

وفي اللحظة التالية—

مستشار الإمبراطورية، بيرلستيتز فوندالفون.

 

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

“يالك من أحمق.”

“—هاه…”

 

 

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

 

 

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

 

 

“أوغهاه!”

لم يكن سوبارو – شوارتز خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه كان يدرك أن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وإن بدا عملاً خيرياً في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

 

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

“—!”

 

 

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

 

 

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

وكان متأكدًا أن هذا لن يختلف شيئا عن المصير الملعون الذي يلحق به، موتا آخر ينتظره.

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

ولكن—

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

 

 

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

 

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

 

“أنت…!”

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

 

 

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

“――――”

 

 

رُغم انقطاع أنفاسها، هَرولت الفتاة بكل ما أوتيت من قوة سَاحبةً يد الطفل خلفها.

أمام سوبارو، وقف رجل وسيم ذو ملامح حادة تفيض بالذكاء، بشعر أسود وعيون حالكة السواد. كان يرتدي ثوبًا قرمزيًا فخمًا، تفصح أناقته عن جودته من النظرة الأولى. كانت عيناه، الحادتان كعينَي طائر جارح، تحدقان في سوبارو بيقظة لا تعرف التهاون.

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

 

 

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

“———”

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك هو السبب الوحيد الذي منعه عن الحراك.

 

 

 

“ألم تسمع سؤالي؟ ألن تجيب عليه ولو بكلمة؟ أي ازدراءٍ هذا؟”

 

 

 

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

تعليق الكاتب:

 

 

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

 

 

 

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

“همف، يا له من عجوز ممل، تشا.”

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

 

 

 

حبس سوبارو أنفاسه أمام هذا المشهد المريب، لكن الرجل الوسيم أغلق إحدى عينيه وأصدر صوتًا بنقر أصابعه، ليعيد تركيز انتباهه إليه.

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

 

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

 

 

“لن أكررها مرة ثالثة. أجب عن سؤالي باحترام، وإحذر مما ستقوله.”

 

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

 

 

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

 

 

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

 

 

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

 

 

حتى سوبارو نفسه، عندما أعاد التفكير في الأمر لاحقًا، لم يستطع إيجاد سبب منطقي لكونه أفصح عن اسمه الحقيقي في تلك اللحظة، دون تزييف أو خداع.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

كان الأمر ببساطة نتيجة اندفاع غريزي، استجابة تلقائية لعقل أُنهك من تكرار الموت غير المنطقي والعبثي في فترة قصيرة. لم يكن سوى إجابة استنبطها ذهنه المضطرب في لحظة ارتباك.

ففي المرآة الكبيرة الواقفة بجوار الرجل الوسيم، انعكس شيء مختلف تمامًا.

 

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

 

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

قال وهو يقطب حاجبيه متعجبًا، وقد ارتسمت على وجهه المفعم بالغرور—ذلك الوجه الذي بدا وكأنه يحيط بكل ما يحدث في العالم في قبضته—علامات من الحيرة التي لا تليق به:

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

—

“”―― سَيد الفتيات الصغيرات -اللوليز- في مملكة لوغونيكا؟”

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

 

 

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

 

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

في إمبراطورية فولاكيا المقدسة، التقى ناتسكي سوبارو، الذي وجد نفسه منفيًا إليها على نحو غير متوقع، مع فينسنت فولاكيا، الرجل الذي يقف على قمة بلاد “ذئاب السيف”.

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

لقاء جمع بين شخصين، لم يكن من المفترض لهما أن يلتقيا، لكنه كان بداية لحبكة معقدة تربِط شخصين قدرهما خداع المصير ذاته.

 

 

“——”

—

 

 

 

“أحضرتهم معي.”

 

 

 

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

 

 

 

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

 

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

 

 

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

 

 

 

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

 

 

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

 

× × ×

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

 

 

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

“إن كان الأمر كذلك، فهلا انضممتَ إلينا…”

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

“أنا فقط جعلتها تنام. ستستيقظ قريبًا. وكذلك هذه الطفلة.”

 

 

 

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

 

 

 

“… علاقتكما معقدة؟”

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

 

“مكان آمن… وأين يوجد مثل هذا المكان، في هذه الجزيرة؟”

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

 

 

“لقد عدتُ، تشا!”

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

 

’اذا استعنت بـ ‹العودة بعد الموت›…‘ ربما كان ليتمكن من إنقاذها.

اتسعت عين الفتاة الحمراء اليُمنى قليلاً، ثم لوّت شفتيها، مما يدل على أنها لم تُعجب بإجابة سوبارو. لكنه لم يكن يبالي، لأنه لم يقل سوى الحقيقة.

 

 

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

فبعكس ريم، التي كانت نقية، وطيبة، ومجتهدة، ومتفانية، فإن تلك الفتاة الأخرى لم تكن سوى مجرمة ارتكبت من الخطايا ما لا يُغتفر.

 

 

 

“――روي أرنيب.”

 

 

 

تمتم سوبارو بذلك الاسم، وهو يشير إلى الفتاة—إحدى أساقفة الخطايا السبع، وصاحبة خطيئة “الشراهة”.

“كيف تمكنت من التسلل عبر الحراسة وقطع كل المسافة إلى هنا؟”

 

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

كانت نائمة حاليًا، لكن هذه الفتاة قد أذاقته صنوف العذاب في معركة برج بلياديس، وحوّلته إلى جحيم لا يُطاق. المفترض أنها لم تكن تمتلك جسدًا ماديًا، لكنها الآن تقف أمامه بجسد ملموس، وهو ما يمثل لغزًا بحد ذاته. لكن بغض النظر عن الكيفية، فمن المستحيل أن تكون عودتها نذير خير.

 

 

 

على أي حال—

جاءت الأخبار الصادمة فجأة، مما جعل عيون سوبارو – شوارتز تتسع في دهشة.

 

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

“شكرًا لأنكِ لم تؤذي ريم. أنتِ…؟”

 

 

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

“أراكيا.”

 

 

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

انحنى سوبارو بعمق، معبرًا عن امتنانه للفتاة المسماة أراكيا.

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

 

 

كان واضحًا أنها لم تكن معجبة بطريقة تعامله مع لوي، لكن بالنسبة له، كانت أراكيا مدينة له بهذا الجميل.

 

 

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

والشخص الذي أمرها بفعل ذلك كان—

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

 

 

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

 

 

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

“――فينسنت فولاكيا.”

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

 

“أمل، إذن؟”

“――――”

 

 

 

تجمد سوبارو في مكانه.

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

 

 

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

 

 

 

كرر ذلك الرجل الوسيم ذو الشعر الأسود اسمه لسوبارو، وهو يجلس خلف مكتب مصنوع من خشب الأبنوس.

 

 

 

كان هو نفسه الشخص الذي واجه سوبارو عندما تسلل إلى القصر، وكاد أن يقتله على الفور بسبب وقاحته. وإن كان ما قاله للتو صحيحًا، فهذا يعني أنه الحاكم الأعلى للإمبراطورية.

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

 

 

“أراكيا-تشان؟”

على أية حال…

 

 

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

~~~

 

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

“مُجرد مزحة؟”

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

 

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

 

 

“آه!”

“همم…”

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

 

ردّت أراكيا بإجابة غير واضحة على سؤال سوبارو الذي كان يحمل نبرة من التساؤل والتأكيد، لكنها سرعان ما تلقت توبيخًا من الرجل الوسيم―― فينسنت، لتومئ برأسها في استياء طفيف.

 

 

 

ثم مضت لتضع ريم وروي على أريكة الضيافة، مستلقين بجانب بعضهما البعض.

 

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

 

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

“لا تقلقي، لن أؤذيكما على الأرجح… آسفة.”

 

 

كل ما تعلمه سوبارو خلال عام كامل عن ثقافة وعادات هذا العالم، أصبح بلا فائدة هنا، في أرض تختلف تمامًا عن مملكة لوغونيكا، حيث يوجد الآن في العاصمة الإمبراطورية، أمام أحد أعظم رجالها نفوذًا.

 

 

 

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

 

 

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

“وهذه؟”

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

 

 

أشارت أراكيا نحو روي، متسائلة.

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

 

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

 

 

 

أجابها سوبارو ببرود، ثم حول نظره مجددًا إلى فينسنت.

 

 

 

أغمض الإمبراطور إحدى عينيه السوداوين، ثم قال بصوت جاد:

كان ذلك ردًا غير مناسب لأي من الأسئلة التي طرحها ذلك الرجل الوسيم.

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

“تحدث، ناتسكي سوبارو.”

 

 

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

“…بصراحة، مهما سألتني، إجابتي لن تختلف كثيرًا. كنا في ’برج الحكمة‘، الموجود في أقصى شرق لوغونيكا. حدثت الكثير من الأمور هناك، لكنني سأختصر… في النهاية، بدأ جزء من ’ساحرة الحسد‘ يتسرب من الضريح القريب من الشلال العظيم، وابتلعنا معه. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي هنا، داخل أسوار هذا القصر…”

 

 

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

“…تبدو كقصة مختلقة. أتكذب؟”

 

 

فجأة، قاطع هذا الصوت اللامبالي أفكارها، مما جعل جسدها يرتعش رعبًا، ثم التفتت بسرعة ناحية مصدره.

“أعرف أن كلامي يبدو مريبًا للغاية، لكن فكروا فيها… أي سبب سيدفعني لاختلاق قصة كهذه من الأساس؟ لهذا، أتمنى أن تصدقوني…!”

~~~

 

 

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

“اغغ… نغغ…!”

 

 

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

 

 

“في هذه اللحظة، لا بد أن إيميليا-تان وبياتريس يشعرون بقلق شديد… لم أكن لأتخيل أنني سأجد نفسي فجأة في الإمبراطورية، بل وأكثر من ذلك، داخل أراضي القصر الإمبراطوري نفسه.”

 

 

 

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

 

 

“لكن هذا هو اسمي الحقيقي… هل كان لذلك أهمية كبيرة؟”

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

 

 

“أفهم ذلك الآن…”

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

 

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

“هناك معاهدة عدم اعتداء بين الإمبراطورية والمملكة. مجرد وجودكم هنا قد يكون ذريعة لنا لادعاء أنكم انتهكتم تلك المعاهدة…”

 

 

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

كان الأمر ببساطة نتيجة اندفاع غريزي، استجابة تلقائية لعقل أُنهك من تكرار الموت غير المنطقي والعبثي في فترة قصيرة. لم يكن سوى إجابة استنبطها ذهنه المضطرب في لحظة ارتباك.

 

“قدرتك، التي تسمح لك بالتنكر في هيئة الآخرين… هل يمكنك استخدامها بلا حدود، متى شئت؟”

كان مجرد التفكير في احتمال أن تؤدي كلماته الطائشة إلى اندلاع حرب بين البلدين كافيًا لجعل العرق يتصبب من جبين سوبارو. فبالنسبة له، ما حدث لم يكن سوى حادث مؤسف ناتج عن حظ عثر، لم يكن مخططًا له بأي شكل من الأشكال.

 

 

بإشارة بسيطة من ذقنه، نطق أوبيرك بتلك الجملة وكأنه يقرر مصير شخص ما بكل بساطة. أما سوبارو، فقد أشار إلى نفسه متسائلًا: “أنا؟”

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

 

 

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

“أوه، أوه~ أليست هذه مبالغة في التهديد، يا معالي الإمبراطور؟ لا أعتقد أنكم تملكون حاليًا رفاهية الدخول في صراع مع المملكة، أليس كذلك؟”

 

 

وهكذا—،

“――! مَن هناك؟!”

 

 

 

فجأة، سمع سوبارو صوت شخص ثالث، مما جعله ينتفض ويرتد بكتفيه، قبل أن يستدير بسرعة باتجاه مصدر الصوت.

“——”

 

 

رأى أن باب غرفة المكتب قد فُتح قليلاً، ومن خلال الفجوة، كان هناك شخص غريب يتلصص من الخارج.

 

 

وقع بصر سوبارو على نظراته الثاقبة، فانتابه شعورٌ أشبه بالتجمد في مكانه، وكأنه مُقيَّد بتلك النظرة وحدها.

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

 

 

 

“جئتُ بناءً على نداء القدر، يا معالي الإمبراطور.”

 

 

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

“لم أستدعِك.”

“――――”

 

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

“ألم أقل للتو؟ لقد أتيت وفقًا لنداء القدر. نادرًا ما يُلقى عليّ هذا الدور، لذا عندما تحين الفرصة، لا بد أن أتصرف كما يليق بـ ’قارئ النجوم‘.”

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

 

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

 

“…”

بدا مختلفًا تمامًا عن الجنود الذين صادفهم سوبارو في القصر، كما لم يكن يشبه أولئك المحاربين الاستثنائيين الذين التقى بهم. ومن خلال نظرة واحدة، شعر سوبارو أن هذا الرجل ليس من النوع الذي يمكنه القتال.

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

 

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

 

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

“أكرهه.”

 

 

 

“لا أسأل عن تفضيلاتك الشخصية، بل عن موقعه الرسمي.”

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

 

 

“آه، عذرًا، عذرًا. أنا سيئ في مثل هذه الأمور. حسنًا، يمكنني أن أقدّم نفسي على أنني أوبيرك، الشخص الذي يعمل كـ ’قارئ النجوم‘ هنا في القصر البلوري. يُسعدني التعرف إليك، أيا ’قارئ النجوم‘ من المملكة.”

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

 

 

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

“فهمت.”

 

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

 

 

ظل أوبيرك يحتفظ بابتسامته المستهترة وهو يوجه هذا اللقب إلى سوبارو، ما جعل الأخير يميل برأسه في حيرة، إذ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقصده.

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

 

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

لكن قبل أن يتمكن سوبارو من الاستفسار عن معنى كلامه، جاء ردّ من شخص آخر في الغرفة.

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

 

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

“ناتسوكي سوبارو… ’قارئ نجوم‘؟ هل أنت متأكد؟”

“هـ… همم…”

 

 

“إذا كنت تسأل عن مدى تأكدي، فأنا لا أملك وسيلة للتحقق لأن المملكة ليست ضمن نطاق اختصاصي… لكنني أعتقد أن معالي الإمبراطور قد توصل إلى استنتاج مشابه، أليس كذلك؟”

“…ذلك هو—”

 

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

 

 

 

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

 

 

 

“……تكلم، لنرَ ما لديك.”

 

 

 

“لقد قرأت النجوم. وهذا الفتى… سيكون ذا فائدة لمعاليك.”

“أوووورراااا!!”

 

 

بإشارة بسيطة من ذقنه، نطق أوبيرك بتلك الجملة وكأنه يقرر مصير شخص ما بكل بساطة. أما سوبارو، فقد أشار إلى نفسه متسائلًا: “أنا؟”

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

لم يكن يفهم شيئًا مما يجري، لكنه شعر أنه بات مجرد موضوع نقاش بينهم، وكأن وجوده أصبح قرارًا لا يُسأل فيه عن رأيه.

 

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

 

 

 

“رهينة مناسبة؟… لا تقل لي أنك تقصد…!”

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

 

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

“هاها، يا لك من شخص صريح! لو أنك أنكرْتَ أهمية الفتاة المرافقة لك، لربما تغير مجرى الحديث قليلًا.”

 

 

 

“اغغ… نغغ…!”

 

 

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

“أو ربما ترغب في تغيير كلامك الآن؟ هل تود أن تعلن أن الفتاة المرافقة لك لا تملك أي قيمة بالنسبة لك؟”

“أراكيا-تشان؟”

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

 

 

بمجرد أن تفوه بهذه الكلمات، لاحظ سوبارو الابتسامة العميقة التي ارتسمت على وجه أوبيرك، مما جعله يدرك أنه وقع تمامًا في الفخ الذي نُصب له.

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

 

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إنكار مشاعره، حتى لو كان ذلك يصبّ في مصلحة عدوه.

 

 

النهاية.

“أنا لست أوتو. لا يمكنني التفوه بشيء لا أؤمن به.”

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

 

 

’لا أستطيع تقبّل أن يُنظر إلى المناورات في الأوقات الحرجة وكأنها دناءة في الطبع!‘ -أوتو

 

 

 

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

 

 

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

وكما كان متوقعًا—

 

 

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

“—ناتسوكي سوبارو، وضعك الحالي ليس في صالحك. بغض النظر عن مدى صدق تفسيرك الركيك لما حدث، فإن الحقيقة هي أنك وطأت أرض إمبراطوريتي. وذلك ليس في أي وقت، بل في لحظة تعيش فيها الإمبراطورية كارثة غير مسبوقة، حيث أصبحت على أعتاب الحرب.”

 

 

 

“حالة حرب…؟! هل يعني هذا أن هناك حربًا قادمة؟! ضد من… مع من؟!”

 

 

 

“هنا.”

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

 

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

“—آه، يا لها من مفاجأة، إنها حقًا أوني! -شيطانة- ، كم هذا نادر.”

 

 

لكن سرعان ما استوعب المعنى الكامن وراء ذلك، وقال بصوت مرتجف:

ولهذا السبب—

 

“بالطبع أحتاج!”

“هنا… هل تعني أن الإمبراطورية نفسها في حالة حرب داخلية؟!”

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

 

بينما شدّت وتر قوسها بقوة، انطلق منه صوت حاد شقّ الهواء، وفي اللحظة التالية، اندفع سوبارو – شوارتز ليُبعد الإمبراطور جانبًا، فانغرس السهم في خاصرته، ممزقًا جسده بعنف.

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

“…”

 

 

 

تلقى سوبارو تأكيدًا صريحًا باندلاع حرب أهلية، فصُدم لدرجة أفقدته القدرة على النطق. وبينما كان غارقًا في صمته، مدّ فينسينت يده نحوه وقال:

 

 

 

بعيون حادة كعيون الطيور الجارحة، وبوجه يحمل هيبة الحاكم المطلق—أعلن إمبراطور فولاكيا:

 

 

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

“بغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها إلى هنا، إن كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة، فعليك أن تنضم إلي. —لأجل أن أحافظ على هذه الإمبراطورية كما ينبغي لها أن تكون، تحت يدي أنا، فينسنت فولاكيا.”

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

 

 

—هذا موقف كارثي، بلا أدنى شك.

 

 

 

“…”

 

 

 

أمام إعلان فينسنت فولاكيا، انفجر الغضب داخل سوبارو، غضب ضد القدر الجائر الذي اختبره منذ استدعائه إلى هذا العالم.

 

 

 

لقد واجه الكثير من الأوضاع الظالمة من قبل. فقد كان الكابوس الذي مرّ به في برج “بلياديس” حافلًا بالكثير من اللحظات القاسية، حتى كاد أن يكون الأشد قسوة على الإطلاق.

 

 

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

لكن رغم ذلك، كانت هناك دوماً خيوط منطقية تربط الأحداث ببعضها، خطوات تدريجية قادته نحو هذا المصير.

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

“ريم! هل أُصبتِ بأي أذى… أوه! برااغ!!”

 

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

 

 

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

إن لم يكن هذا هو الظلم، فما هو إذًا؟

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

 

 

“آه.”

 

 

 

“هـ… همم…”

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

 

صوت أجش مصحوب بضحكة صاخبة، ومعه— يد من الفولاذ قطعت الهواء لتخترق قلبه.

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

 

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

 

 

“أووه؟”

“ريم! هل أنتِ بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ هل تعانين من أي إصابات أو شعور بعدم الراحة؟ إن شعرتِ بأي شيء غير طبيعي، فعلينا أن—”

أمام تلك الهيبة الطاغية، شعر سوبارو بريق الخطر يتصاعد حوله، فالتقط أنفاسه وقال أخيرًا:

 

 

“—لماذا أنت هنا؟!”

 

 

“إن لم تجد ما تقوله، فلا حاجة لأن تُجهد نفسك في البحث عن شيء إيجابي، هذا ما أراه.”

“غواااه!!”

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

 

 

لم يكد ينهي سوبارو جملته حتى دفعته ريم بعيدًا بكل قوتها، دون أي تردد أو رحمة. طار سوبارو للخلف جراء قوتها غير المتوقعة، وسرعان ما اصطدم بجسد أوبيرك الذي كان يقف في مسار سقوطه.

 

 

 

توسعَت عينا أوبيرك بدهشة وهو يصيح “آآه؟!” قبل أن يندفع هو وسوبارو معًا إلى زاوية الغرفة، متشابكين في سقوط فوضوي.

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

 

 

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

 

 

“…”

“أين تلك الفتاة…؟! لحظة، أنت…! ذلك الرجل من قبل!”

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

 

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

“… جلالتك؟”

 

 

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

“—هذا هو القصر الإمبراطوري. ضجيجكم لا يُحتمل.”

“—لماذا أنت هنا؟!”

 

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

 

 

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

 

 

أطلقت أراكيا صوتًا وكأنها أدركت أمرًا ما، وفي نفس اللحظة، تحرك جسد ريم المستلقي على الأريكة قليلًا.

“أوه…؟”

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

 

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

~~~

 

 

 

—التسلل غير القانوني إلى القصر الخاص بالإمبراطور في “القصر البلوري”، الواقع في الركن الشمالي للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التابعة للإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

 

 

 

كان هذا هو الجُرم الذي ارتكبه كل من سوبارو وريم، وهو جرم يمكن أن يؤدي بهما إلى الإعدام سبع مرات على الأقل.

ما إن حاول سوبارو التأكد من سلامتها، حتى تلقى ضربة مباشرة على معدته الخالية من أي دفاع، مما جعله يتلوى من الألم.

 

 

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

 

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

وفي كل الأحوال—

 

“قدرتك، التي تسمح لك بالتنكر في هيئة الآخرين… هل يمكنك استخدامها بلا حدود، متى شئت؟”

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

 

 

“ألا تدرك ذلك بنفسك؟ الإعلان عن كونك فارسًا مرتبطًا بانتخاب ملك مملكة لوغونيكا في هذا الوضع، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، سيجلب مشاكل لا داعي لها.”

 

 

 

“للأسف، في المملكة، أصبحتُ مشهورًا لدرجة أن الناس يلوّحون لي في الشوارع.”

——

 

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

 

 

“أنا—”

على الأقل، أظهر الإمبراطور استعدادًا لسماع حديثه، وهذا بحد ذاته كان إنجازًا وسط هذا الموقف الخطير.

 

 

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

“الآخرون لم يكونوا ليمنحوني حتى فرصة التحدث، بل كانوا سيقتلعون رأسي فورًا…”

 

 

 

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

 

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

فيما يتعلق بهذه النقطة، فإن الحقيقة هي أن جميع الطرق الأخرى كانت تؤدي إلى نهايات سيئة بلا استثناء، مما جعل هذا الخيار الوحيد الممكن بطريقة الاستبعاد. ومع ذلك، كان من الواضح أن هذا الشرح لن يُقنع هذا العجوز ضيّق العينين.

 

 

“ميول…؟”

مستشار الإمبراطورية، بيرلستيتز فوندالفون.

 

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

“أعلم أنه لن يغير شيئًا مهما قُلت، لكن ليس لدي أي مؤامرات أو مخططات خفية. وبكل صراحة، أريد فقط العودة بسرعة إلى لوغونيكا.”

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

 

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

“كما قلت، لن يغير ذلك شيئًا. ففي ظل الوضع الحالي، حيث تم تقييد عبور الحدود، سيكون من الطيش إعادة شخص لا تزال تحوم حوله شبهات العمالة والتجسس.”

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

“تطرح حججك بلا أي ثغرات…”

~~~

 

 

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

 

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

المكان كان أحد أحياء العاصمة الإمبراطورية، لوبوغانا، داخل قصر بيرلستيتز. بعد أن حظي بحكم متساهل بخصوص جريمة التسلل غير القانوني إلى القصر الفرعي، أصبح سوبارو الآن محتجزًا في قصر المستشار.

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

 

 

كان بيرلستيتز، الذي يتمتع بثقة الإمبراطور فينسنت، لا يزال متيقظًا بشدة تجاه سوبارو، لكنه في الوقت نفسه تعامل بجدية مع مسألة احتجازه. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يشعر ببعض الاستياء من موقف بيرلستيتز المتوجس، إلا أنه لم يكن لديه اعتراض كبير على المعاملة التي يتلقاها.

 

 

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

ولو كان هناك ما يثير ضيقه، فهو حقيقة أنه وقع ضحية لمخططات فينسنت، مما جعله غير قادر على اتخاذ أي خطوات فعالة للعودة إلى مملكته.

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

 

أو ربما السبب الأكبر وراء احتجازه في قصر بيرلستيتز، الذي يخضع لحراسة أشد من القصر البلوري وقصره الفرعي، كان ـــ

 

 

 

“لقد عدتُ، تشا!”

كان سوبارو يفضل فصلهما قدر الإمكان، لكن لم يكن الوضع ولا موقفه الحالي يسمحان له بالاعتراض، لذا لم يجد أمامه سوى أن يضغط قبضته بصمت.

 

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

في طريقه للعودة إلى الغرفة التي خُصصت له بعد انتهاء استجواب بيرلستيتز، لمح سوبارو من خلال حديقة القصر تنينًا طائرًا يهبط مع هبة ريح، ومن على ظهره قفز ظل صغير.

 

 

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

كانت هناك فتاة ذات شعر بلون السماء وزوج من القرون السوداء، ترتدي ملابس جميلة ــ لكن على عكس مظهرها اللطيف، كانت تمتلك قوة قتالية مذهلة لا تُصدق.

 

 

لكن، مع ذلك—

“مادلين-تشان.”

 

 

 

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

 

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

(ملاحظة، هذه لولي أيضا~ والكلمة التي تقولها في نهاية كلامها هي -تشا- مثل بياتريس -كاشيرا- وهكذا…)

لكنها أوقفته بسهولة كما لو كانت تلهو بيد طفل رضيع، وأرسلت نفس الصدمة الخفيفة إلى جبهته.

 

 

بمجرد أن عادت التنينة البشرية مادلين، لاحظت نداء سوبارو لها، فشخرت بأنفها بضيق.

بريسكا بِنديكت.

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

 

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

لكن الحقيقة أن موقفها الحاد لم يكن موجهًا لسوبارو وحده، بل تجاه جميع سكان القصر أيضًا…

 

 

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

“الجنرال مادلين، كيف كان الأمر؟ أولئك الذين يسعون إلى إطلاق سراح الجنرال غوز…”

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

 

 

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

 

 

“لا بأس بذلك. إذا كان جلالة الإمبراطور قد أمركِ بقمعهم، وقررتِ أن ذلك ضروري لتنفيذ أوامره، فهذا هو القرار الصحيح للإمبراطورية.”

 

 

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

“همف، يا له من عجوز ممل، تشا.”

 

 

 

رفعت مادلين كتفيها بلا اكتراث تجاه رد بيرلستيتز. وعلى ظهرها، كانت تحمل سلاحًا ضخمًا—بوميرانغ بحجم يقارب حجم جسدها الصغير.

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

 

 

كانت هناك بقع من الدم على البوميرانغ، مما لا يدع مجالًا للشك في ارتباطها بما أسموه “القمع” في حديثهم.

 

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

“الجنرال مادلين إشارت، والجنرال غوز لارفون، هاه…”

 

 

 

تمتم سوبارو بصوت منخفض، بينما كان يفكر في المدينة الإمبراطورية التي تمتد خلف أسوار القصر، حيث تصطف المباني بانضباط. كان يحاول استيعاب العلاقات المتشابكة التي تدور رحاها في هذا المكان.

 

 

 

عندما أُلقي به إلى هنا لأول مرة، لم يكن لديه أي معرفة تذكر بإمبراطورية فولاكيا، ولم يكن بإمكانه سوى التخبط بلا هدى. لكن بعد قضاء بضعة أيام في هذا القصر، بدأ يدرك بعض الأمور.

 

 

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

 

 

“――!”

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

 

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

أما المجموعة التي قامت مادلين “ببعثرتها” الآن، فقد كانت على الأرجح مجموعة من الجنود الذين حاولوا التماس العفو أو إطلاق سراح غوز. وبما أنهم وقفوا إلى جانب رجل رفع سلاحه في وجه الإمبراطور، فمن الطبيعي أن يتم اعتبارهم متمردين أيضًا، وكان التعامل معهم بهذه القسوة أمرًا مفهومًا وفقًا لقواعد الإمبراطورية.

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

 

—هذا سيء…

“كل يوم أعيش هنا، أدرك مدى اختلاف ثقافتهم…”

 

 

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

 

 

لكن لا مجال للاستسلام الآن.

 

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

 

 

 

“――أن ماذا؟”

“—!”

 

 

“وووهااااه؟!”

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

 

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

في اللحظة التي صفع فيها سوبارو وجنتيه ليشحذ عزيمته، جاءه هذا الصوت من خلفه، مما جعله يقفز في الهواء وهو يضغط على خديه بكلتا يديه، مظهرًا تعبيرًا هزليًا من الصدمة. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، تلقى صدمة مباشرة من الأمام، حيث عانقه جسم صغير صارخًا “ووو!”، مما كاد أن يجعله يسقط للخلف.

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

 

 

“روي-تشان، لا تقتربي كثيرًا. سيقول لكِ كلامًا مزعجًا مجددًا.”

 

 

“ووو؟”

عَبرت شوارتز عن ثمار جهودها في جمع المعلومات، مؤكدة أنها لم تكن تلهو. غير أن الإمبراطور فينسنت لم يظهر أي رد فعل يُذكر، بل اكتفى بإيماءة صغيرة برأسه.

 

 

“بالضبط، كما قالت ريم. سأقول لكِ أشياء مزعجة. لذا، لا تلتصقي بي.”

 

 

 

“آه… آوو…”

 

 

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

تمكن سوبارو من الحفاظ على توازنه بصعوبة، ثم أمسك بجسد الفتاة الصغيرة المتشبثة به — روي — وانتزعها بعيدًا، قبل أن يرميها إلى جانبه وكأنه يتخلص من شيء غير مرغوب فيه. لكنها، برشاقة قطة، التفت في الهواء وهبطت بخفة، قبل أن تنظر إليه بوجه كالقطة الضالة، ثم عادت سريعًا إلى حيث كانت.

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

 

وهذه المرة، استقبلتها ريم بين ذراعيها، معانقة إياها وكأنها تحميها، ثم رمقت سوبارو بنظرة مليئة بالتوبيخ، قائلة:

 

 

 

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

~~~

 

 

“ريم، لقد قلت هذا من قبل، لكنها ليست طفلة صغيرة، بل قنبلة متنكرة على هيئة طفلة. صحيح أنها هادئة الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تنفجر. لهذا، عليكِ أن تثقي بي…”

“لقد قرأت النجوم. وهذا الفتى… سيكون ذا فائدة لمعاليك.”

 

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

“…أن أثق بشخص تفوح منه هذه الرائحة الكريهة؟ هذا مستحيل.”

 

 

 

“――――”

 

 

 

“ما هذه النظرة المتأثرة فجأة؟”

“اغغ… نغغ…!”

 

 

“لا، لا شيء… فقط، سماعك تقولين لي أني كريه الرائحة بهذه الطريقة مجددًا جعلني أشعر بشيء من الحنين…”

 

 

 

“…هاه؟”

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

 

نظرت إليه ريم ببرود، لا تبدي أي تفاعل مع مشاعره المتدفقة. وبما أنها فقدت ذاكرتها، فإنها لم تتذكر أي شيء عن سوبارو، لكنها لا تزال تمتلك حاسة الشم القوية التي تسمح لها بإدراك الهالة المظلمة التي تحيط به. لذا، كان من المستحيل أن تطلب منه أن يثق بها بشكل أعمى.

 

 

 

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

—

“مقارنة بالوقت الذي لم نكن قادرين فيه حتى على الحديث بهذه الطريقة… الفرق بين الآن وما كان عليه الوضع آنذاك كالفرق بين السماء والأرض.”

 

 

 

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

 

 

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

على الرغم من ردود الفعل الباردة التي تلقاها، إلا أن مشاعر الفرح غلبت على الألم لدى سوبارو، مما جعل ريم تشعر بحالة معقدة يصعب وصفها.

 

 

 

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

 

 

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

 

 

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

ومع ذلك، كان يأمل أن يتمكن من التقرب منها أكثر قليلًا، مثل…

“يالك من أحمق.”

 

في طريقه للعودة إلى الغرفة التي خُصصت له بعد انتهاء استجواب بيرلستيتز، لمح سوبارو من خلال حديقة القصر تنينًا طائرًا يهبط مع هبة ريح، ومن على ظهره قفز ظل صغير.

“يا فتاة الشيطان، لقد عادت التنين. تعالي وساعديني في الاستحمام.”

 

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

“حاضر، مادلين-سان، فهمت.”

“الأخيرة لا تهمني. في الواقع، لا مانع لدي لو بقيت نائمة إلى الأبد.”

 

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

 

 

 

“يبدو أن القائدة مادلين وريم قد تقاربتا كثيرًا.”

 

 

 

نطق بيرلستيتز بهذه الملاحظة، وكأنه قرأ أفكار سوبارو. حاول سوبارو أن ينظر إلى وجه الرجل العجوز ليفهم ما يشعر به، لكن عيناه الضيقتان إلى حد كبير لم تفضحا أي مشاعر.

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

 

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

لم يوبخ فينسينت سوبارو على تفاجئه الذي أخرجه عن أسلوبه المهذب، بل اكتفى بالنقر بطرف حذائه على الأرض. في البداية، لم يفهم سوبارو العلاقة بين هذه الحركة وإجابته، فارتسمت الحيرة على وجهه.

 

 

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

 

 

 

“إذا كنت تعني بذلك شخصًا يجمع سلالات نادرة، فلا يمكنني نفي ذلك تمامًا. فالكائنات القوية، رغم امتلاكها قوة فردية هائلة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على نسلها ضعيفة. ومن أجل مستقبل الإمبراطورية، يجب التعامل معها بعناية لضمان عدم انقراضها.”

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

 

 

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

 

 

 

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

 

 

وبسلاسةٍ مطلقة، تهاوت قواها، وركعتْ على ركبتيها في مكانها.

“نيد نوت تو نو (لا حاجة لي بمعرفة ذلك)…”

ولكن—

 

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

 

 

يقال إن الفضول يقتل القطة، لكن في الإمبراطورية، يمكن لهذا القول أن يصبح واقعًا بسهولة. فالإمبراطورية التي لا تُظهر أي رحمة حتى للقطط اللطيفة، لن تتردد في التخلص من شخص غير لطيف مثل سوبارو.

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

لكن، مع ذلك—

 

 

“أرسلنا ‘أراكايا’ لقمع المتمردين، لكنها لم تعد. الأرجح أنها قُتلت أو تم احتجازها.”

“بغض النظر عن أن مادلين هي تنينة، أو أن الشياطين يعتبرون نادرين أو لا… ريم هي ريم الخاصة بي.”

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

 

كان الأمر ببساطة نتيجة اندفاع غريزي، استجابة تلقائية لعقل أُنهك من تكرار الموت غير المنطقي والعبثي في فترة قصيرة. لم يكن سوى إجابة استنبطها ذهنه المضطرب في لحظة ارتباك.

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

 

 

“أوه!”

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

 

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

كانت ريم قد التقطت حديثهما بسمعها الحاد، فراحت تتأمل سوبارو بتعبير معقد، بينما روي، التي كانت تتشبث بخصرها، تبتسم بفرح وكأنها تستمتع بالموقف. كان إزعاج سوبارو متعبًا بما يكفي، لكن رؤيته لروي وهي تتعلق بريم بتلك الطريقة جعله يشعر بالإحباط أيضًا.

 

 

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

وعندما همّ سوبارو بانتزاع روي من ريم بالقوة—

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

 

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

“ناتسكي سوبارو! هل أنت هنا؟!”

 

 

“حقيقة أن ’مروض الفتيات الصغيرات‘ هو الفارس الأول لإحدى مرشحات العرش الملكي ليست أمرًا مجهولًا حتى في الإمبراطورية. خطر طائفة الساحرة والوحوش السحرية الثلاثة الكبرى لا يؤثر على مملكة لوغونيكا وحدها، بل يشكل تهديدًا لنا أيضًا.”

ارتفع صوت ينادي اسمه، مما جعل عينيه تتسعان دهشة.

 

 

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

 

 

 

لم يكن يتذكره بوضوح تام، لكنه كان يعرف هذا الوجه. لقد قُتل على يد هذا الشخص من قبل.

مجرد التفكير في ‹أنها› ربما قد تكون لاقت نفس المصير الذي واجهه باستمرار، جعله يرتعد.

 

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

“أنا ناتسوكي سوبارو، نعم؟”

انفجر سوبارو غاضبًا، فقد كان يُجبر في الوقت الحالي على مرافقة فينسنت في رحلته الاستكشافية.

 

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

 

 

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

 

 

سوبارو، عند سماعه بأن الإمبراطور بنفسه استدعاه، حبس أنفاسه. لم يكن قد التقاه منذ بضعة أيام، لكن الإمبراطور كان منشغلًا، ولا يمكن أن يكون هذا اللقاء معدوم الأهمية.

 

 

 

بمعنى آخر—

“آه.”

 

 

“كافما، هل تعرف سبب استدعائي؟”

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

أمام هذا اللقاء المستحيل، شهق فينسنت من الدهشة.

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

“أووه؟”

 

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

 

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

وفي كل الأحوال—

 

 

 

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

 

 

 

“لا تقل كلامًا سخيفًا… فقط، انتبه لنفسك.”

 

 

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

 

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

~~~

رأى المشهد بوضوح. الألم المروع، الصدمة، وكل شيء حدث بسرعة تفوق استيعابه.

 

 

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

بعد لحظات، استيقظت روي متأخرة، فركت عينيها بارتباك، وأمالت رأسها بتساؤل، مما جعل الموقف يبدو أكثر افتقارًا للجدية عن ذي قبل.

 

 

“ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟”

 

 

 

“بالطبع لدي اعتراض، وهذا أمر بديهي.”

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

وبينما كان يعيش هذه اللحظة بشيء من التأمل العبثي، مدّ سوبارو ذراعيه من الخلف ولفّهما حول خصر ريم وروي، ثم رفعهما معًا بخفة وقفز بهما إلى ظهر التنين الطائر.

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

عندها، قام الإمبراطور ذو الشعر الأسود برفع كتفيه قليلًا وقال:

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

 

 

“أنت تدرك جيدًا أن وضعك ليس مجرد معقد، بل مشؤوم حتى.”

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

 

 

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

 

 

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

“……”

 

 

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

“أوه!”

 

 

انفجر سوبارو غاضبًا، فقد كان يُجبر في الوقت الحالي على مرافقة فينسنت في رحلته الاستكشافية.

لكن رغم ذلك كله—

 

“آه… آوو…”

بعد أن جاء كافما إلى قصر بيرلستيتز وأخذه إلى القلعة، لم يوضح له فينسنت أي شيء، بل أصدر أمرًا مباشرًا ومتعجرفًا: “سترافقني في هذه الرحلة.”

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

 

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

 

 

“السيد كافما قال لي أن جلالتك لن تخفي عني أي معلومة ضرورية، أليس كذلك؟”

 

 

“لا تفاجئني هكذا، لا يمكنك التصرف بتهور.”

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

 

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

 

 

 

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

 

 

 

“بالطبع أحتاج!”

 

 

 

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

“… جلالتك؟”

 

 

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

 

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

لكن لم يكن لديه سوى القليل من الحلفاء في هذه الفوضى. حتى أقوى مقاتليه، الذي أحضره معه لحمايته، كان منشغلًا تمامًا في قتال ضارٍ ضد أوربارت، الذي كان يلاحق بلا هوادة حياة امرأتين وهو يضحك بجنون.

 

 

“من مظهرك الحالي، لا تبدو عليك ملامح القلق بشأن المستقبل.”

 

 

 

كان سوبارو يعلم جيدًا ما يقصده فينسنت. فقد كان يشير إلى هيئته الحالية — أو بالأحرى، إلى ناتسومي شوارتز، الاسم الذي كان يستخدمه في هذا التخفي.

 

 

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

شعر أسود طويل ومستعار، وزيّ عسكري أنيق باللون الأحمر يخفي ملامح جسده، مع مكياج متقن جعله يبدو كأنثى مثالية بكل تفاصيلها.

 

 

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

 

“أوه! آغغع، آآه..!”

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

ولكن…

 

 

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

 

 

“――――”

 

 

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

“في المقام الأول، إنني أرافقكم بصفتي ناتسومي شوارتز تماشياً مع رغبة معالي الإمبراطور. فبغض النظر عن الظروف، لا يمكنني السماح بأن يُترك أي سجل يشير إلى تدخلي في النزاعات الداخلية للإمبراطورية.”

 

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

لم يكن سوبارو – شوارتز خبيراً في العلاقات الدولية، لكنه كان يدرك أن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، وإن بدا عملاً خيرياً في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

 

 

فالأمر لا يقتصر على كونه مجرد قصة جميلة عن فارس من المملكة يمد يد العون في محنة الإمبراطورية — فالفرق بين القصص الخيالية والواقع يكمن في هذه التفاصيل.

 

 

 

“ومن هنا يأتي اسم ناتسومي شوارتز.”

 

 

—

“――. إن لم يكن لديكِ أي شك في نفسك، فلا بأس عندي. طالما أن عملكِ مضمون، فلن أضع قيوداً على ميول الأفراد واهتماماتهم.”

 

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

“ميول…؟”

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

 

 

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

 

 

~~~

“أرجو أن لا تقارنني بذلك الرجل ذو الوظيفة الغامضة. ثم، ما حقيقة أمره أصلاً؟ هل هو مجرد مهرج محترف وُضِع بجانب ملك من العصور الوسطى لتسليته في أوقات الملل؟”

 

 

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

“لا شك أنه يتصرف كالمهرج، لكن دوره ليس مجرد تسلية لي. وبطبيعة الحال، فإن الدور الذي أتوقعه منك مشابه. لقد كان هو من رشحك لهذه الحملة من البداية.”

 

 

“ومع ذلك، لم أُخبر بأي شيء سوى أن وجهتنا هي مدينة ‘كايوس فلايم’؟ -نار الفوضى-”

“… أوبيرك هو من رشحني؟”

على أي حال—

 

 

استدعى سوبارو – شوارتز صورة ذلك الرجل النحيل الذي يحمل ابتسامة ساخرة، وهو يشعر بالحيرة.

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

 

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

 

 

كانوا يطلقون عليه لقب “قارئ النجوم” — وإذا كان هذا اللقب يشير إلى دور يشبه العراف أو النبي، فسيكون ذلك منسجماً مع العديد من القصص الخيالية.

 

 

 

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

“لم أستدعِك.”

 

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

 

 

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

 

 

يميل سوبارو – شوارتز إلى اعتبارها ببساطة نوعًا من الغش المستقبلي، ولكن معرفته بالمخاطر القادمة من خلال “العودة بعد الموت” وسعيه لاتخاذ تدابير لتجنبها قد يجعلان منه أشبه بعرافٍ في نظر الآخرين، وليس من المستغرب أن يُنظر إليه كذلك.

 

 

 

“في الواقع، المرأة الغامضة التي تتقرب من أصحاب السلطة وتلعب دور العَرافة، تعدّ من الكليشيهات الشائعة. لكن أن يتم إساءة فهمي هكذا هو أمر مزعج… خصوصًا في وقت يكون فيه وضعي مع ‘العودة بعد الموت’ غير مستقر.”

 

 

 

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

“――اسمي ناتسكي سوبارو.”

 

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

 

بطبيعة الحال، كلما كانت نقطة العودة أقرب إلى لحظة الموت، قلت الخيارات المتاحة له وقلت فرصته لوضع خطط مناسبة، مما اضطره إلى تذوق أهوال الموت مرارًا وتكرارًا. هذا التغير غير المفسَّر الذي طرأ على “العودة بعد الموت” جعله يعتقد أن الأمر ربما له علاقة بكونه لم يعد في مملكة لوغونيكا، بل في إمبراطورية فولاكيا.

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

 

أعلنا عن نفسيهما، ورفعا صوتهما بقوة، ليتردد صداهما في سماء العاصمة الإمبراطورية.

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

 

 

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

—هذا موقف كارثي، بلا أدنى شك.

 

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

إذا كان ذلك صحيحًا، فماذا سيحدث إذا قُتل سوبارو – شوارتز في أقصى غرب دولة كاراراغي، وهي القوة العظمى في الغرب؟ هل ستظل قدرة “العودة بعد الموت” فعالة؟ لا توجد طريقة لاختبار هذا الأمر، ولا يرغب في تجربته أساسًا.

 

 

نظر إلى جانبه، ليجد تشيشا قد وضع كأسه على سور الشرفة،

“على أية حال، لقد تم إبعادي عن ريم وأُحضرت إلى هنا رغمًا عن أنفي. لذا، على الأقل، أريد أن أقوم بواجبي كما ينبغي. حتى لو كان الأمر مزعجًا، عليك أن تشرح لي المهمة بوضوح.”

 

 

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

“أنت تدرك أنك تتحدث مع الإمبراطور نفسه، ومع ذلك تجرؤ على إصدار الأوامر؟ صحيح أنني أخبرتك بعدم الحاجة إلى تملق بائس، ولكن سرعة تأقلمك مع الوضع مذهلة حقًا.”

 

 

~~~

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

 

 

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

 

“——؟”

“…حقًا، لا أستطيع فهمك إطلاقًا.”

 

“مجددا؟――”

“لا تهتم، مجرد كلمة زائدة.”

 

 

صرخ سوبارو بحماس:

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

 

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

عَبرت شوارتز عن ثمار جهودها في جمع المعلومات، مؤكدة أنها لم تكن تلهو. غير أن الإمبراطور فينسنت لم يظهر أي رد فعل يُذكر، بل اكتفى بإيماءة صغيرة برأسه.

“وااااه!”

 

 

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

 

 

―― شريكه في الجريمة، ذاك الذي كان قد أبعده، يمتطي ظهر تنين طائر، محلقًا نحو قلب الحدث.

“أرسلنا ‘أراكايا’ لقمع المتمردين، لكنها لم تعد. الأرجح أنها قُتلت أو تم احتجازها.”

 

 

 

“—ماذا؟ أراكيا تشان!؟”

 

 

 

جاءت الأخبار الصادمة فجأة، مما جعل عيون سوبارو – شوارتز تتسع في دهشة.

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

 

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

 

 

 

لو أن أحد الأشخاص الذين قتلوا سوبارو – شوارتز سابقًا قد عثر على ريم حينها، لربما كانت قد تعرضت لمصير مريع لا يُغتفر. ولهذا، كانت أراكايا في نظر سوبارو – شوارتز شخصًا يستحق الامتنان. لكن الآن…

وهكذا، كان هذا مشروع كذبة أبريل المعتاد!

 

 

“لماذا لم تخبرني بذلك من قبل!؟”

 

 

 

“لا مبرر لإخباركِ. كانت تشغل منصب ‘الجنرال الثاني’ في الإمبراطورية، ووضعها العسكري يعتبر سرًا قوميًا. في الواقع، مجرد إخباري لكِ الآن يُعد أمرًا استثنائيًا.”

 

 

“تحدث، ناتسكي سوبارو.”

“——”

 

 

“’قارئ النجوم‘… من المملكة؟”

“مع غياب ‘الجنرال الأول’، كانت أراكايا، بصفتها ‘الجنرال الثاني’، تمثل أقوى قوة عسكرية في الإمبراطورية. وإذا لم تعد متاحة، فسيكون من الضروري اتخاذ موقف دقيق مع بقية ‘التسعة العظماء’، بما في ذلك قضية غوز لارفون.”

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

 

 

“ولهذا السبب…”

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

 

 

“بالضبط.”

 

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

عقد فينسينت ذراعيه وهزّ رأسه، بينما خفض سوبارو شوارتز نظره إلى الأسفل.

 

 

 

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

“—غغ…”

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

’اذا استعنت بـ ‹العودة بعد الموت›…‘ ربما كان ليتمكن من إنقاذها.

“أووه؟”

 

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

“أنتِ مذهلة، روي…”

 

“على العكس، أنا معجب بكون رأسك لا يزال متصلاً بجسدك بهذا الشكل الجيد حتى الآن. …كما أن توجهك مباشرة إلى القصر الذي يقيم فيه صاحب السمو قد ساهم في إثارة شكوكي.”

“ثم إن السيدة يورنا ميشيغري، حسب معرفتي…”

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

 

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

 

 

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

لقد علم سوبارو – شوارنز في الأيام القليلة الماضية أن فترة حكم فينسينت فولاكيا، التي امتدت لثماني سنوات، كانت من أهدأ الفترات في تاريخ الإمبراطورية، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

 

 

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

كان يُلقّب بـ “الإمبراطور الحكيم” وحظيَ بدعم شعبه. ومع ذلك، فإن يورنا ميشيغري، المعروفة بلقب “ذات الألوان الزاهية”، لم تكن مجرد متمردة ضعيفة تهبّ مع الريح، بل كانت قد اشتبكت معه مرارًا وتكرارًا عبر محاولات انقلاب حقيقية.

لقد مات الرجل.

 

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

“من الواضح أنها من النوع الذي لن يفوّت فرصة كهذه.”

“بيرلستيتز-سان، أنت لست جامعًا للكائنات الشبه بشرية، أليس كذلك؟”

 

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

“ولذلك سنذهب لنتأكد بأنفسنا. هذا كل ما في الأمر.”

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

 

 

“إنه لمن المذهل حقا كيف أن أولئك الذين لا يمكن استبدالهم هم من يتصدرون المشهد… روح الإمبراطورية، يالها من شيء مرعب…”

كان الصوت يشبه أزيز الجلد الذي يُنتزع عن العظام، أو كأنما يُنتزع اللحم من الجلد، صوت يجعل الأذن تتمزق لسماعه. تدريجيًا، بدأ وجه فينسنت يتقشر ويختفي، متحولا إلى غبار ببطء بين يديه.

 

 

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

“لكن رغم ذلك، لا أحب أن تتحدث عني بهذه الطريقة الغامضة.”

 

 

كردّ اعتبار بسيط، قرر سوبارو – شوارتز ألّا يفسر أي كلمات من العصر الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك، ثم حوّل نظره إلى نافذة العربة المتحركة، متذكّرًا جيدًا الدور الذي يُتَوقع منه أن يؤديه في المدينة الشيطانية.

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

 

كان يسير على حبل مشدود، نحيف وضعيف إلى حد مؤلم.

بصرف النظر عن نوايا المُرشِح أوبيرك، فإن ما يتوقعه فينسينت من سوبارو – شوارتز يمكن تلخيصه ببساطة على أنه “عكاز يستند إليه كي لا يسقط”.

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

 

 

لا أحد يعلم إلى أي مدى انتشرت شهرة إنجازات سوبارو – شوارتز في مملكة لوغونيكا داخل إمبراطورية فولاكيا، ولكن بغض النظر عن الإشاعات التي ربما أُضيفت إليها الكثير من المبالغات، فإن أي شخص يراه شخصيًا سيدرك سريعًا، بخيبة أمل، أنه ليس شخصًا استثنائيًا كما تُصوره القصص.

 

 

لم يكن هنالك أي وقت للتساؤل حول: “ماذا؟ لماذا؟ كيف؟”.

ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان تجاهل الحقائق المرتبطة بتلك الإنجازات، فإن كونه “عكازًا يمنع السقوط” هو على الأرجح أفضل دور يمكن توقعه منه.

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

وبالتالي، همَّ سوبارو – شوارتز بصفع وجنتيه ليحفّز نفسه، إلا أنه تراجع عن الفكرة خشية أن يُفسد مكياجه. وبدلًا من ذلك، مرّر أصابعه عبر خصلات شعره السوداء اللامعة بحركة واثقة وكأنه امرأة فاتنة، ثم قال:

 

 

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

“لقد فهمت، معالي الإمبراطور. سأبذل قصارى جهدي لأضمن عودتنا إلى العاصمة سالمين مهما حدث. وأنا بارعة جدًا في استخدام العِصِيّ، كما تعلم!”

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

 

ومع ذلك، رغم أن أعضائه الداخلية كانت تصرخ من الألم، تمكن سوبارو من الترنح نحو ريم، التي كانت محمولة على كتف الفتاة، ووضع يده على وجنتها المتوردة قليلاً، متفقدًا أنفاسها، ثم زفر براحة.

“…… لا أدري بالضبط ما الذي يثير حماسك، لكن اجتهد على قدر طاقتك. ولا تنسَ أن أعزّ ما لديك محتجز كرهينة في قصر بيرلستيتز.”

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

“لا داعي لأن تذكرني بذلك! فسواء كانت إيميليا تان، أو بياكو، أو ريم، فهن دائمًا في ذهني، على مدار الساعة!”

 

 

“بالنظر إلى علاقتنا مع المملكة، فإن محاولة القضاء على أي تهديد محتمل قد تؤدي فقط إلى خلق ضغائن جديدة. لذلك، أعتقد أن إضافته إلى أوراقنا قد يكون الخيار الأكثر ذكاءً… خاصةً أنه لدينا ’رهينة مناسبة‘، مما يجعل التفاوض أكثر سلاسة.”

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

قبل لقائه بفينسنت في القصر البلوري، كان سوبارو – شوارتز قد اختبر “العودة بعد الموت” مرات عديدة، وذلك يعود جزئيًا إلى طبيعة إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يتردد سكانها في القتل، لكن العامل الأكبر كان قِصر الفاصل الزمني بين نقطة الوفاة ونقطة العودة.

 

 

وبينما يساوره هذا القلق العابر، واصل سوبارو – شوارنز رحلته نحو وجهته، المدينة الشيطانية كايوس فلايم، مستمرًا في التقدم بسلاسة على طريقه.

 

 

 

وهكذا—،

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

 

 

~~~

 

 

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

“قاتل أختي الراحلة— المسافر ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين!!”

صرخة ألم أُفلتت من شفتيه، بينما ارتجت رؤيته للحظات، وتحولت إلى لونٍ أحمر نابض. وفي غُمرة الألم، اجتاحت عقله أسوأ السيناريوهات الممكنة.

 

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

كانت امرأة ذات شعر أسود تتخلله خصلات زرقاء عند أطرافه، تحمل في عينيها الشجاعة الجامحة والحقد المتقد.

 

 

~~~

بينما شدّت وتر قوسها بقوة، انطلق منه صوت حاد شقّ الهواء، وفي اللحظة التالية، اندفع سوبارو – شوارتز ليُبعد الإمبراطور جانبًا، فانغرس السهم في خاصرته، ممزقًا جسده بعنف.

“——”

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

“—هاه…”

 

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

بريسكا بِنديكت.

 

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

 

 

 

“أن تقول عني ذلك… كم هذا قاسٍ… أنا، بعد كل شيء، شعاري هو فعل الخير كل يوم…”

 

 

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

 

 

“لا أظننا متشابهين، ولكن من المزعج ألا أستطيع شرح السبب.”

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

 

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

 

 

 

“ماذا… تفعل…؟ عليك أن… تهرب…!”

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

 

 

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

 

كان هذا هو الجُرم الذي ارتكبه كل من سوبارو وريم، وهو جرم يمكن أن يؤدي بهما إلى الإعدام سبع مرات على الأقل.

“السماء… هذا سيجعلني أشعر بسوءٍ أكبر…”

 

 

قال سوبارو ذلك وهو جالس على المقعد الفاخر لعربة التنين، متكئًا على ركبته بينما ينظر بامتعاض إلى الإمبراطور القاسي الذي طرح عليه سؤالًا بديهيًا تمامًا.

بصوتٍ خافتٍ شارد، أجاب سوبارو – شوارتز بينما كان يحدق في سماء كايوس فلايم.

“أنتِ مذهلة، روي…”

 

“――――”

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

 

 

 

ما كان يهيمن على المدينة الآن لم يكن مشهدًا من الحرية المطلقة، بل كان دمارًا— معارك بين كيانات تتجاوز حدود الفهم البشري، تحطم المباني وتعيد تشكيل الشوارع بعنف.

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

 

 

“هاهاها! لم أتوقع أن أواجهك بهذه الطريقة، أراكيا!”

 

 

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

“إن لم يعجبكَ ذلك، فتراجَع.”

 

 

 

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

(قارئ النجوم = مُنَجِم)

 

 

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

 

 

 

— أولبارت دانكلكين، “الشيخ القاسي”.

 

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

 

— يورنا ميشيغري، “المُبَهرجة”.

 

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

“الجنرالات التسعة العظماء”— النخبة في إمبراطورية فولاكيا، والمعروفون جميعًا بشجاعتهم الفريدة.

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

“أفهم ذلك الآن…”

 

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

“لم يخطر ببالي أن أراكيّا ستنضم إلى صفوفهم أيضا… عدم تمكني من استباق تدخلها، هل كان هذا خطأي؟”

 

 

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

“آه!”

 

 

لكن لم يكن لديه سوى القليل من الحلفاء في هذه الفوضى. حتى أقوى مقاتليه، الذي أحضره معه لحمايته، كان منشغلًا تمامًا في قتال ضارٍ ضد أوربارت، الذي كان يلاحق بلا هوادة حياة امرأتين وهو يضحك بجنون.

 

 

مع أن مصيرها لا يزال مجهولًا، وكان يدرك أن التفكير بهذه الطريقة سابق لأوانه، إلا أن هذه الفكرة ظلت تلحّ على عقله بلا توقف.

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

 

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“— فينسينت فولاكيا!”

قالها تشيشا وهو يمرّر أصابعه برفق على ذقنه النحيل، بينما رمش سوبارو متفاجئًا من هذا التحليل.

 

 

“………”

 

 

 

عند سماع اسمه، توقف فينسينت والتفت إلى مصدر الصوت.

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

 

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

هناك، على أنقاض مبنى منهار، وقف رجل ذو شعر أسود وملابس حمراء، يشبه في مظهره فينسينت نفسه. لكنه كان يخفي وجهه خلف قناع شيطاني، وكان معروفًا كزعيم المتمردين الذين تآمروا مع غوز لارفون للإطاحة بالعرش الإمبراطوري.

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

“والطفلُ الآخرُ أيضًا…”

وصل هذا الرجل إلى كايوس فلايم في نفس الوقت الذي فعل فيه فينسينت وسوبارو – شوارتز، من أجل استمالة يورنا إلى جانبه في معركته للاستيلاء على العرش.

 

 

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

لكن السماح له بذلك كان أمرًا غير وارد. ولهذا السبب، تسلل سوبارو – شوارتز وفينسينت إلى المفاوضات لاعتراضها—

“الجنرال مادلين، كيف كان الأمر؟ أولئك الذين يسعون إلى إطلاق سراح الجنرال غوز…”

 

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

“أيها المتمرد، أخبرني باسمك.”

 

 

 

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

 

 

 

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

وكأنه يمنحه إنذارًا أخيرًا، كرر سؤاله بنبرة لا تحتمل الجدال:

 

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

ومن خلفه، وقفت أراكيا، التي كان يُعتقد أنها ميتة، لتؤكد أن ما يحدث الآن هو نقطة تحول حاسمة في مصير الإمبراطورية.

 

 

 

لم تُحدد يورنا ميشيغري موقفها بعد— لم تكن قد أعلنت بعد ما إذا كانت ستقف إلى جانب الإمبراطور أو المتمردين. لكن السماح لها بالوقوع في أيدي العدو كان خيارًا غير مقبول.

“لا أعترض. وهذا ما أفعله. أنتِ فقط انظري إلى السماء.”

 

 

وفي اللحظة التي أصبحت فيها هذه الحقيقة واضحة، بدأ القتال بين الكيانات الخارقة للطبيعة.

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

 

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

“أَبيل…”

 

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

تمتم فينسينت باسمه، كما لو كان يؤكده لنفسه.

 

 

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

لكن سوبارو – شوارتز، وهو على شفا الموت، لم يكن لديه القوة لمعرفة ما كان يدور في ذهن الإمبراطور في تلك اللحظة.

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

 

 

إلا أن هناك شخصًا آخر لم يضيّع هذه الفرصة—

“…ماذا تقصد بذلك؟”

 

 

“—!”

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

 

 

من بين الظلال المدَمرة خلف فينسينت، انطلق مهاجم دون صوت أو أثر، محاولًا توجيه ضربة قاتلة.

عانق سوبارو – شوارتز مرفقه بيده، وقد رسّخ في قلبه عزمه على ألا يغادر هذا المكان.

 

“—! من هناك؟! أيها الأحمق، أما تُدرك لمن تنتمي هذه القلعة؟!”

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

 

 

“من وجهة نظري، فإن التعامل مع شخص غير قابل للتصنيف مثلك هو أمر لا ينبغي معالجته حتى يتم حل القضايا الأكثر إلحاحًا، لذا سأقوم بوضعك رهن الإقامة الجبرية حتى إشعار آخر.”

“— سيدي!!”

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

 

قبل أن يتمكن الفأس من قطع عنق فينسينت، أُعيق فجأة بواسطة سياج أرجواني من الأشواك العنيفة التي اندفعت لحمايته.

الفصل التاسع: “ضوء النجم الذي لا إسم له.”

 

وهو مستلقٍ على الأرض، يكافح الألم الذي يجتاح جسده، قطّب سوبارو جبينه وهو ممدد على الأرض، ذراعيه وساقيه مفتوحتين كالصليب. رفع بصره نحو الشخص الذي طرح عليه ذلك السؤال، الشخص الذي تصدى له فور أن تسلل إلى القصر المنعزل… وألقى عليه نظرة مباشرة.

كان صاحب الصوت الذي أنقذ الإمبراطور من محاولة الاغتيال هو كافما، الذي كان ينزف بغزارة من جميع أنحاء جسده. بصفته أحد رفاق فينسينت الأخيرين، استخدم كافما— الذي ينتمي إلى قبيلة قفص الحشرات— قدراته الفريدة، مطلقًا الحشرات التي احتفظ بها داخل جسده لتعقب العدو الذي حاول اغتيال الإمبراطور.

 

 

 

ولكن—

 

 

 

“أوووورراااا!!”

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

 

 

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

 

 

كانا اثنين من المتمردين المرافقين لـ أبيل— الأول رجل يعتمر عصابة رأس ويحمل فأسًا، والآخر مقاتل شرس بعين واحدة، يرتدي رقعة عين على عينه اليمنى ويتقن فن القتال بالسيفين.

 

 

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

“—فشلنا، فشلنا.”

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

 

 

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

 

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

“قولك ’المهارة الوحيدة‘ قاسٍ جدًا. لكن لا بأس، لقد ساعدتني. هل يمكنني الاعتماد عليك مجددًا؟”

 

 

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

“لا خيار لدي، أيها الأحمق. — كافما إيرولوكس، ثاني الجنرالات المقدسين، سيكون خصمًا جديرًا.”

 

 

“يا سيد ناتسوكي، لقد ساعدتني كثيرًا. أود أن أعبر لك مجددًا عن امتناني.”

قال مبارز السيفين وهو يفرقع عنقه مبتسمًا، بينما حدق الرجل ذو العصابة بعينين باردتين نحو فينسنت وسوبارو – شوارتز. لكن قبل أن يتمكن من التحرك، وقف كافما الممزق والمرهق بين العدوين وبين فينسنت ورفيقه، وكأنه يحميهما بجسده.

حبل رفيع فوق هاوية لا نهاية لها… ومع ذلك، كان عليه أن يعبر إلى الجانب الآخر مهما كلف الأمر.

 

 

“اتركوا هذا الأمر لي! سيدي، اعتنِ بالآنسة شوارتز!”

 

 

 

“لا تطاردهم أكثر من اللازم. أولبارت ليس جزءًا من هذه المعركة، كما أن عيون الشودرَاك تراقب.”

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

 

 

“مفهوم تمامًا! … لن أسمح لحياتي، التي أنقذها كلٌّ من فينسنت سيدي والآنسة شوارتز، أن تضيع سدى أبدًا!” رغم جروحه القاتلة، أعلن كافما عزمه بقوة.

 

 

على سبيل المثال، أن مادلين، التي كانت أمامه الآن، هي واحدة من “التسعة العظماء”، مجموعة مكونة من أقوى المحاربين في الإمبراطورية، وأن لقب “الجنرال الأول” لا يُمنح إلا لأقوى الأفراد.

أدرك فينسينت أن هذه المعركة قد حُسمت، فاستدار وركض حاملًا سوبارو – شوارتز.

—

 

 

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

 

 

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

“— ناتسوكي سوبارو، أنت ‘عرافُ’ المملكة. إن متَّ، فبأي شيء يمكنني سدّ هذه الفجوة؟ حتى أنا لا أستطيع تخيل ذلك… لذا—”

 

 

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

“—غغ…”

حين تصل تلك “الكارثة العظمى”، وحين تندفع جموع الأعداء المروّعة، سوف يُظهر العالم أن ناتسوكي سوبارو هو من وضع القطع في أماكنها ليتركز أقوى جهد دفاعي في العاصمة الإمبراطورية.

 

“――فينسنت فولاكيا.”

بينما ابتعدت أصداء المعركة، لم يكن في سمع سوبارو – شوارتز سوى طنين شديد إضافة إلى صوت دقات قلبه المتباطئة. وفي وسط ذلك، رأى فينسنت يضع يده على وجهه.

 

 

“『الكارثة العظمى』.”

حين أغلق الإمبراطور عينيه، أدرك سوبارو – شوارتز أمرًا غريبًا— لم يسبق له أن رأى فينسينت وهو يغمض كلتا عينيه في وقت واحد.

 

 

 

لكن هذا الإدراك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدد وسط الأحداث المفاجئة التي تلت ذلك—

 

 

 

“— قناع ‘الأزرق’.”

“بالطبع أحتاج!”

 

“لقد عدتُ، تشا!”

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

“…هل يمكنك مناداتي بـ ناتسوكي سوبارو بدلًا من ذلك؟ كما ترى، لا يوجد حولي أي فتيات جميلات أو ساحرات بما يناسب هذا اللقب الآن.”

 

 

كان الصوت يشبه أزيز الجلد الذي يُنتزع عن العظام، أو كأنما يُنتزع اللحم من الجلد، صوت يجعل الأذن تتمزق لسماعه. تدريجيًا، بدأ وجه فينسنت يتقشر ويختفي، متحولا إلى غبار ببطء بين يديه.

“— أُدعى أَبيل. أو هذا إسمي الراهن.”

 

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

“———”

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

 

“أوه!”

كان المشهد أمامه كما لو كان كابوسا فظيعا في ليلة مظلمة، أو تشويشًا في العقل يسبق الموت. لكن، رغم أن وجهه قد انزاح، أخذ فينسنت يضع يده الأخرى على وجهه، ليضع “قناعًا” جديدًا.

“…… صحيح أنني شعرت للحظة بأنني قادر على بذل كل ما بوسعي، لكن يبدو أنني كنت متسرعًا في التفكير.”

 

 

وفي اللحظة التالية، بدأ جسد فينسنت يصدر أصواتًا غريبة، حيث بدأت عظامه تتقلص، وطوله ينخفض. لم يكن ذلك فحسب، بل تغير لون شعره، وتسريحته، حتى تحوّلت هيئته بالكامل إلى نسخة طبق الأصل من—

إذا كانت “ساحرة الحسد” هي من تعيد سوبارو – شوارتز إلى الحياة بعد موته، فإن المسافة الجغرافية بين الساحرة المختومة في أقصى شرق المملكة وبين شوارتز الموجودة في الإمبراطورية تعتبر بعيدة جدًا. بالتفكير ببساطة، قد يكون تأثير “سلطة الساحرة” ضعيفًا بسبب هذه المسافة.

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

“… فيريس؟”

“مجددا؟――”

 

“ووو؟”

بعد لحظة من الصمت، ظهر أمامه وجه مألوف، وجه فيريس الذي لطالما كان يقف بجانب سيدته في مملكة لوغونيكا، وجهه المميز ذو آذان القطة.

 

 

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

“———”

 

 

 

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

 

 

“أوغهاه!”

كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذا المشهد الغريب الذي جعل سوبارو – شوارتز في حالة من الذهول. لكن الأخير، بينما كان يواصل تجاهل ارتباكه، وضع يده البيضاء على الجرح الذي أصاب سوبارو.

“مجددا؟――”

 

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

ليس كل ما يقوله سيسيلوس يمكن رفضه باعتباره محض هراء. بل، في بعض الأحيان، تنطوي كلماته على قدرٍ غير متوقع من العمق.

 

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

شيئًا فشيئًا، بدأ الوعي الذي كان على وشك التلاشي يعود، وعاد سوبارو – شوارتز، أو بالأحرى، ناتسكي سوبارو، وهو متنكر بهيئته النسائية، ليضع يده على كتف الشخص أمامه.

“أراكيا.”

 

 

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

 

 

 

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

 

 

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

“لا أدري لما انبعثت هذه الشكوك في ذهنك… لكن لا.”

كرر ذلك الرجل الوسيم ذو الشعر الأسود اسمه لسوبارو، وهو يجلس خلف مكتب مصنوع من خشب الأبنوس.

 

فالهرب كان وسيلتها الوحيدة في التعبير عن إرادتها في المقاومة.

رغم أن ملامحه وصوته كانا مطابقين لفيريس، إلا أن الطريقة التي تحدث بها كانت مطابقة تمامًا لفينسنت. ابتلع سوبارو ريقه بسبب الشعور بالتناقض الغريب هذا، بينما هزّ فيريس المزيف رأسه ببطء.

 

 

بعد أن جاء كافما إلى قصر بيرلستيتز وأخذه إلى القلعة، لم يوضح له فينسنت أي شيء، بل أصدر أمرًا مباشرًا ومتعجرفًا: “سترافقني في هذه الرحلة.”

وفي لحظة، بدأت التشققات تظهر على وجه فيريس، من الخدود إلى الأسفل، وتتوسع هذه الشقوق ببطء، مدمرة الوجه الجميل.

 

 

 

“سأستفيد من المانا المحشورة داخل جسدك التي لا تجد مخرجاً. على أي حال، لو تُركت هكذا، لانفجرت بسبب عطل في الصمامة. لن أسمح بأي اعتراضات.”

 

 

~~~

على الرغم من أن هذا كان يبدو محيرًا جدًا، إلا أن “فيريس” لم يهتم بانذهال سوبارو من المشهد، واستمر في علاج جرحه بينما كانت التشققات تتوسع على وجهه.

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

 

“—حاكم جينونهايف، ‘جزيرة عبيد السيف’، غوستاف موريلو.”

واستمر ضوء الشفاء الخافت في مداواة الجرح، مرة تلو الأخرى، حتى…

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

 

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

“لقد انتهيت.”

 

 

 

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

~~~

 

أومأ تشيشا جانبه بإعجاب، وكأنه التقط شيئًا في حديثه—ليس عن سوبارو تحديدًا، بل عن الشلال العظيم نفسه.

بالرغم من شفاء جراحه وإنقاذ حياته، إلا أن سوبارو الذي كان مستلقياً لم يستطع الحركة، مشاهداً كابوساً لا يقل رعباً عن لحظات احتضاره.

أمام كلمات بيرلستيتز القاسية التي لم تترك مجالًا للجدل، تنهد سوبارو بإحباط وأسقط كتفيه.

 

 

من تحت وجه “فيريس المزيف” الذي تمزق، بدأ وجه جديد في الظهور، ليس وجه فينسنت ولا “فيريس المزيف”، بل وجه مجهول. ــ لا، لم يكن مجهولًا تمامًا.

 

 

“أنا كافما إيرولوكس، أحمل رتبة القائد الثاني في الإمبراطورية المجيدة لفولاكيا. الإمبراطور يطلب حضورك، ناتسوكي سوبارو.”

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

~~~

 

 

اعتقد حينها أنه وهم بسبب الظروف الطارئة، ولم يعره انتباهاً – ذلك الوجه الذي رآه في مرآة القصر المنعزل. شعر أبيض طويل وبشرة بيضاء، وكأنه كُوِن بألوان البياض غفط، لكن عينيه كانتا تتوهجان بالذهب، وكان طوله رفيعا جدًا. ذلك الشخص كان…

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

“لا أسأل عن تفضيلاتك الشخصية، بل عن موقعه الرسمي.”

 

 

“ـــ تشيشا غولد”

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

 

 

“…ماذا؟”

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

 

 

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

ففي النهاية، هذا المكان هو الإمبراطورية المقدسة فولاكيا.

 

 

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

“——”

 

 

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

 

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

“انتظر، تشيشا غولد هذا… أليس واحدا من ‘التسعة العظماء’…؟”

“لنذهب، يا ابنة الشيطان.”

 

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

“نعم، أؤكد لك ذلك. أنا أنتمي إلى ‘التسعة العظماء’، وبالتحديد أشغل المركز الرابع، وأخدم في الجيش الإمبراطوري كأحد الجنرالات، رغم أنه لا يحق لي مقارعة من هم أعلى مني منصبا.”

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

 

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

“آه، ولكن—”

 

 

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

دُهش سوبارو من ظهورها المفاجئ، لكنه سرعان ما انتبه إلى أنها كانت تحمل ريم على كتفيها النحيفتين، وتمسك بشخص آخر بجانبها وكأنه مجرد غرض زائد. عندها، هرع إليها بقلق قائلاً:

 

 

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

 

 

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

أدرك فينسينت أن هذه المعركة قد حُسمت، فاستدار وركض حاملًا سوبارو – شوارتز.

 

 

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

“أووه؟”

 

 

~~~

 

 

“لقد عدتُ، تشا!”

أوضح تشيشا أنه يُطلق على قدرته التي تُمكّنه من تغيير مظهره اسم “نو”.

 

 

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

 

في الحديقة الجميلة، نطق التمثال المتحول بخوف، قبل أن يهوي بذراعه الهائلة المشابهة لأعمدة الرخام.

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

 

 

باستخدام هذه القدرة، تنكر تشيشا بهيئة فينسنت فولاكيا وادعى أنه الإمبراطور، بل انه استعمل سابقًا “قناع” فيريس، الذي كان له صلة به في الماضي، ليعالج جراح سوبارو بالكامل.

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

 

 

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

 

 

“أُمِرتُ بإحضاركِ.”

“هل يمكن أن يكون غوز لارفون، الذي قُبض عليه بتهمة الخيانة، قد أدرك أنك تنكرت كإمبراطور، فأصبح عقبة وجب التخلص منها؟”

 

 

 

“أؤكد ذلك، نعم. الجنرال غوز هو أكثر رجال الإمبراطورية ولاءً وشجاعة، ولم يكن ليصغي إلى أي شيء أقوله لو علم أنني أعادي جلالة الإمبراطور. لذا، لم يكن أمامي خيار سوى إبعاده مؤقتًا عن رقعة الشطرنج بهذه الطريقة.”

 

 

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

“إذن، كنت على حق! لم يكن من المنطقي أن يخون غوز الإمبراطور مهما جمعنا من معلومات حوله. وفي الواقع، لم يكن خائنًا أبدًا!”

“ها هو ذا! لا تدعوه يهرب!!”

 

~~~

ضرب سوبارو أصابعه ببعضها، راضيًا عن صحة استنتاجه. لكن ابتسامته الواثقة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اختفت بعدما سمع ما قاله تشيشا بكل وضوح — أنه مغتصب العرش، والمحرك الرئيسي للفوضى التي تعصف بإمبراطورية فولاكيا.

“…ذلك هو—”

 

— أولبارت دانكلكين، “الشيخ القاسي”.

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

 

 

 

“همم، وما رأيك أنت؟ هل تظن أنني مدفوع بالطموح؟”

 

 

 

“…” “لا، لا أعتقد ذلك.”

 

 

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

 

 

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

× × ×

 

“ريم! هل أنتِ بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ هل تعانين من أي إصابات أو شعور بعدم الراحة؟ إن شعرتِ بأي شيء غير طبيعي، فعلينا أن—”

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

شعرت فجأة بجسدها يُرفع بسهولة بين ذراعي المرأة، لكن المقاومة كانت مستحيلة. إلى جانب وعيها الذي كان يبهُت تدريجيًّا، ارتعشت شفتا الفتاة بضعف.

 

قبل أن يستوعب ما يجري، وجد نفسه محمولًا على متن عربة التنين، والآن هو هنا.

“النجوم؟… لا أنكر أنني أحبها، لكنني لم أتحدث معها قط. ما قلته الآن هو مجرد استنتاج مبني على الخبرة، وممزوج ببعض الأمل.”

 

 

وفي اللحظة التي سمعت فيها تلك الصرخة، تحركت يدها الحُرة بغريزة محضة، محاولة دفع المرأة بعيدًا عنها.

“أمل، إذن؟”

 

 

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

“بالضبط، أمل. الأمل في أن الشخص الذي خاطرْتُ بحياتي من أجله، حتى بعد أن مزّقتُ جانبي لإنقاذه، لن يكون وغدًا حقيرًا. والأمل في أن الشخص الذي شفى جراحي لن يكون شريرًا بالكامل.”

“…أنتَ مجددًا، أيها الإنسان. لا تتصرف وكأننا مقربان، ولا تلحق لقب ‘تشان’ بالتنين، تشا!”

 

من دون حتى أن يلمسه مباشرة، جرفته العاصفة العاتية التي أثارتها تلك الذراع النحيلة، ليُقذف جسده بعنف نحو جدار القلعة. ارتطم سوبارو بقوة، متذوقًا ألم تحطم عظامه بالكامل، مع صوت من التهشم المُروع… لقي حتفه على الفور.

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

 

 

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

 

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

“أنا أتخذ الخطوات اللازمة لإنقاذ الإمبراطورية من مستقبلها المحتوم بالدمار.”

 

 

 

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

 

 

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

“هـ… همم…”

 

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

“لكن… تشيشا غولد مختلف، أليس كذلك؟”

 

 

 

“أجل، هذا صحيح.”

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

 

 

أومأ تشيشا برأسه موافقًا، بينما وضع سوبارو يده على جانبه المفلوخ، غارقًا في التفكير.

 

 

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

لقد خاطر تشيشا بكشف أوراقه من أجل إنقاذه، وكشف له عن مخططاته. كان بإمكان سوبارو أن يشكك فيه، لكن لم يكن هناك أي سبب يجعله يحيك مثل هذه المؤامرة لمجرد الإيقاع به. بدا واضحًا أن الشيء الوحيد الذي كان تشيشا يسعى لحمايته هو الإمبراطور والإمبراطورية.

تم اتخاذ القرار.

 

 

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

 

 

“لدي سؤال واحد فقط.”

 

 

 

“إن كان بوسعي الإجابة عليه، فسأكون سعيدًا بذلك.”

 

 

ثم—،

“قدرتك، التي تسمح لك بالتنكر في هيئة الآخرين… هل يمكنك استخدامها بلا حدود، متى شئت؟”

 

 

قال ذلك، وفي نفس اللحظة، وصل فيها التشقق إلى كامل وجه “فيريس المزيف”، تماماً كما تقشر وجه فينسنت سابقاً وتحول إلى غبار، بدأ وجه فيريس المزيف ينهار من الأطراف ويتحول رويداً إلى ذرات غبار.

“لا… لا يمكنني ذلك.”

 

 

 

خفض تشيشا صوته وهو يجيب، مما جعل سوبارو يتنهد كما لو كان يتوقع هذه الإجابة.

 

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

لقد لاحظ كيف تحولت أقنعة فينسنت وفيريس إلى رماد عند زوالها. لم يكن ذلك مجرد تبديل أو استبدال، بل كان أشبه بالاندثار، بالإفناء. كان لديه إحساس غامض بأن هذه القدرة ليست شيئًا يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا بلا قيد أو شرط.

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

كان وجود فينسنت فولاكيا جوهريًا في مخطط تشيزا.

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

 

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

ولهذا السبب، ارتدى قناعه، ثم استبدله بقناع فيريس، الذي يمتلك قدرة علاجية هائلة بوسعها شفاء حتى الإصابات المميتة. وفي النهاية، تخلى عن القناعين معًا.

 

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

 

“أنت!!”

وإذا خاض شخص كل هذا العناء لإنقاذ حياته، فلا يمكن لناتسكي سوبارو ببساطة أن يتجاهل ذلك. لا يمكنه ألا يشعر بالامتنان لشخص ضحى بهذا القدر من أجله.

 

 

“أولبارت، هاه…”

“أخبرني بالمزيد، تشيشا.”

 

 

“آه!”

“…”

 

 

 

“لا أعتقد أنك فعلت كل هذا لمجرد نزوة أو عبث. إذا كان الدمار يقترب بالفعل، فالأمر يخصني أيضًا. في النهاية، هذه الدولة تحتجز ريم رهينة، وهذا وحده يجعلني معنيًا بمصير الإمبراطورية.”

 

 

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

 

 

 

إذا كان الإمبراطور ‘الحكيم’ فينسنت فولاكيا، والرجل الذكي الذي يقف أمامه الآن، كلاهما يحاولان التصدي لهذا الدمار القادم، فلا بد أن هناك طريقة يمكنه أن يكون مفيدًا بها. أو بالأحرى، سيجد تلك الفرصة بنفسه، بيديه وقدميه.

 

 

 

ولهذا السبب—

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

 

“حسناً! سأتوقف عن الكلام! فقط دعيني أركب!”

“『الكارثة العظمى』.”

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

 

 

ردد سوبارو الكلمات التي همس بها تشيشا، فأومأ الأخير بالإيجاب.

ورغم صعوبة تفسير المبدأ الدقيق لها، فإنه أوضح أن بإمكانه سرقة لون الهدف الذي يرغب في التحول إليه، ثم يرتدي “قناعًا” يُشَكَّل بناءً على ذلك اللون، مما يسمح له بالتقمص الكامل لوجود ذلك الكيان.

 

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

كارثة عظمى — تعبير لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لوصف مستقبل الدمار الذي ينتظر إمبراطورية فولاكيا.

 

 

 

نظر تشيشا مباشرة إلى سوبارو، ثم واصل حديثه.

 

 

كان يدرك أن هذا الأمل ليس أساسًا متينًا يمكن الاعتماد عليه، لكنه لم يكن ليصدق أن تشيشا، الذي كشف له سرًا خطيرًا بعد إنقاذه، سينقلب عليه الآن بلا أي سبب واضح. لم يكن ذلك منطقيًا.

بوجه خالٍ من الألوان، لكن بصوت يحمل حرارة لا يمكن إنكارها.

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

 

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

“أنا أتخذ التدابير اللازمة لإنقاذ فولاكيا من تلك ‘الكارثة العظمى’. ولهذا، أحتاج إلى تجهيز ساحة اللعب المناسبة.”

 

 

“النجدة! أنقذوني!!”

“فهمت.”

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

 

 

تم اتخاذ القرار.

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

 

كان المشهد أمامه كما لو كان كابوسا فظيعا في ليلة مظلمة، أو تشويشًا في العقل يسبق الموت. لكن، رغم أن وجهه قد انزاح، أخذ فينسنت يضع يده الأخرى على وجهه، ليضع “قناعًا” جديدًا.

تمامًا كما قادته رحلته مع يورنا ميشيغري إلى اكتشاف ما يسكن قلبه، منحته هذه اللحظة فرصة لاتخاذ قرار مشابه.

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

 

 

كان شوقه إلى مملكة لوغونيكا، إلى إيميليا وبياتريس والبقية، لا يزال قوياً. أراد أن يجتمع بهم سريعًا. أراد أن تستعيد ريم وعيها، وأن يتمكن من لمّ شملها مع الجميع، حتى إن لم تتذكرهم بعد.

 

 

“آه!”

لكن رغم ذلك كله—

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

 

 

لم يستطع ببساطة أن يدير ظهره لفولاكيا. لم يستطع أن يتخلى عن تشيزا.

“――――”

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

“الرفض ليس خيارًا، سأساعدك. هيا، أيها القدر الحتمي، أنا مستعد لمواجهتك!”

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

 

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

~~~

 

 

 

“—مهلًا، أيها الحاكم، لا تجبرني على إعادة كلامي! هذا أمر مباشر من جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا نفسه!”

 

 

 

“لقد فهمتِ وجهة نظركِ، لكنني تلقيتُ أوامر صارمة أيضًا، وأنا أتحمل مسؤولية إدارة هذه الجزيرة. لا يمكنني ببساطة اتخاذ قرار يخرق القوانين والتقاليد المعمول بها.”

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

 

“آه-أوه…؟”

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

~~~

 

 

بضربة قوية على صدرها المزيف، أعلن ناتسكي سوبارو—أو بالأحرى، ناتسومي شوارتز مجددًا، هذا الادعاء الكاذب بثقة مطلقة.

 

 

 

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

 

 

وضع يده على جرحه محاولًا وقف النزيف، لكن بمجرد أن ضغط على الجرح، أدرك سوبارو – شوارتز أن جزءًا من خاصرته كان مفقودًا تمامًا. وندم على وعيه بها.

كان هذا الرجل غوستاف موريلو، الذي أغلق فمه الممتلئ بالأنياب، وعقد أذرعه الأربعة القوية على صدره الضخم، متخذًا وضعية صارمة.

 

 

كان يفهم وجهة نظر فينسينت، لكنه لم يستطع إلا التفكير في أنه لو كان فينسينت قد شارك الحقيقة فور وقوع ما حدث لأراكيا—

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

ثم—،

 

 

لكن الأهم من أصله بالنسبة لناتسومي شوارتز، كان منصبه—

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

 

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

“—حاكم جينونهايف، ‘جزيرة عبيد السيف’، غوستاف موريلو.”

وبلا رحمة، اندفع بفأسه نحو عنق الإمبراطور من الخلف—

 

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

“هذا هو لقبي الصحيح. شكرًا لتذكيري، أيها الجنرال تشيشا غولد.”

 

 

 

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

 

 

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

“هممم، وما الذي تعنيه بذلك، أيها القائد تشيشا؟ هل تجرؤ على انتقاد امرأة تحظى برعاية جلالة الإمبراطور؟ أيها الوقح، ألا تعرف قدرك؟!”

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

 

 

أغلقت ناتسومي شوارتز مروحتها بحدة، ثم رمقت تشيشا الجالس بجانبها بنظرة متعجرفة وهي تصب جام غضبها عليه.

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

 

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

 

لم تكد قدماه تلامسان الأرض بعد تسلقه عبر النافذة، حتى سمع صوتًا عميقًا وحادًا يوبخه.

“انتقاد؟ بالطبع لا. لكن ما يفعله الحاكم غوستاف هو تجسيد واضح لولائه المتين تجاه جلالة الإمبراطور، فهو يسعى بإخلاص لتنفيذ أوامره كما ينبغي. ألا تعتقدين أن عدم فهم هذه النقطة يعني أنكِ، في الواقع، لا تتوافقين مع إرادة جلالته؟”

 

 

 

“م- ماذا…؟!”

“ماذا؟ إذًا لن أسمح لك بالركوب.”

 

 

احمر وجه سوبارو – شوارتز بشدة، وبدأت شفتاها ترتجفان بغضب. وعندما نظر تشيشا إليها وهي تغمزه بعينها، كان الحاكم غوستاف قد عقد قبضتيه على ذراعيه المتشابكتين، ثم أخفاهما خلف ظهره بينما يسعل بخفة.

 

 

“أنتِ… كابيلا، أليس كذلك؟”

إذا كان هذا المشهد يبدو ممتعًا، فربما يكون لدى غوستاف جانب مرح غير متوقع. أما سوبارو – شوارتز، فقد كان يبذل قصارى جهده ليلعب دور الشريرة المتعجرفة، وكان يستمتع بذلك بالفعل.

 

 

 

كان تشيشا يكسب قلوب الجنود بصدقه وإخلاصه لهم، بينما كانت سوبارو – شوارتز تتصرف كمرشحة إمبراطورية لا تهتم بشؤون الواقع. هذه الاستراتيجية، حيث يقوم تشيشا بدور العصا وسوبارو – شوارتز بدور السوط، تهدف إلى كبح توسع المتمردين ورفع فرص انتصار الإمبراطور.

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

 

 

مرت فترة منذ أن عقد سوبارو وتشيشا تحالفهما لمواجهة “الكارثة العظمى”.

 

 

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

هدأت الاضطرابات في “المدينة الشيطانية” كايوس فلايم، ونجا أولبارت وكافما بصعوبة. كما انسحب أبيل ورجاله من أراكيا، وانتهى القتال دون انتصار حاسم لأي طرف.

 

 

“لم يخطر ببالي أن أراكيّا ستنضم إلى صفوفهم أيضا… عدم تمكني من استباق تدخلها، هل كان هذا خطأي؟”

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

 

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

 

 

ثم قال سوبارو:

إن مشاعر ريم، التي يصعب قياس تغيّرها، تلقت تعليقًا متعاطفًا من تشيشا.

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

“…”

 

 

أجاب تشيشا بهدوء:

ولكن—

“لسوء الحظ، على الرغم من أنني أتفق مع رئيس الوزراء بيرلستيتز في بعض النقاط، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بيننا. في نهاية المطاف، هذا الرجل العجوز ليس سوى سيفا للإمبراطورية، وهذا يعني أن نهاياتنا قد تتعارض بشكل لا يمكن التوفيق بينه. لذا…”

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

“إذن، هل سنواصل العمل وكأن هذا الخلاف لا وجود له؟”

 

 

 

“حاليًا، نحن منشغلون تمامًا بالتعامل مع توسع نفوذ المتمردين. لذا، يمكننا افتراض أن بيرلستيتز لن يجد الوقت الكافي للانتباه إلينا لبعض الوقت.”

 

 

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

عندما سمع بيرلستيتز عن الفوضى في كايوس فلايم، لم يتردد في إصدار أوامره بشن هجوم على المدينة المحصنة، التي كانت بمثابة معقل للمتمردين.

 

 

 

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

 

وهكذا، كانت هذه هي أولى خطوات الانحراف عن المسار الصحيح.

أشاع أبيل وأتباعه أن الإمبراطور الذي يحكم العاصمة ليس سوى محتال، مما تسبب في حالة من الفوضى بين الناس. وكان أفضل رد على هذه الشائعات أن يظهر فينسنت فولاكيا نفسه أمام العامة، لكن تشيشا، بعد أن فقد “قناع” الإمبراطور، لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.

 

 

 

لذلك، لم يكن أمامهم سوى إنكار الشائعات بالكلمات والقبض على من ينشرها، وهي مجرد حلول مؤقتة لا تكفي للسيطرة على الوضع.

“—غغ…”

 

 

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الفجوة في القوة بين جيش الإمبراطورية والمتمردين مشكلة متزايدة الخطورة.

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

 

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

 

 

“أولبارت، هاه…”

“――فينسنت فولاكيا.”

 

 

“لا داعي لأن تبدو بهذا الاكتئاب. لولا ذكاؤك ونصائحك، لما نجا أولبارت بذراع واحدة فقط، وربما كان كافما قد فقد حياته أيضاً. ولو حدث ذلك، فمن يدري إن كنا سنعود نحن أيضاً سالمين؟”

 

 

“في أوقات الطوارئ، قد يُقال ذلك. ولكن في الوضع الحالي، هذا ليس دقيقًا. أفضل لقب لوضعي الراهن سيكون…”

حاول تشيشا أن يواسي سوبارو، الذي بدا محبطًا، لكن المشاعر كانت معقدة بالفعل.

 

 

 

خلال المعركة العنيفة غير المتوقعة في كايوس فلايم، تورط سوبارو في صراعات بين مقاتلين يتجاوزون الحدود البشرية، مما أجبره على استخدام “العودة بعد الموت” مرات عدة.

يدٌ تخترق ظهره، وتخرج من صدره، ممسكةً بقلبه النابض.

 

 

لكن أكثر ما صدمه هو أن أولبارت، الذي يُفترض أنه أحد أقوى ثلاثة أشخاص في الإمبراطورية، قد لقي حتفه عدة مرات بسبب هجمات مفاجئة من أراكيا. ولم يكن هو الوحيد، إذ تعرض كافما أيضاً لمواقف مماثلة، مما أجبر سوبارو على بذل كل ما لديه لمحاولة إنقاذهما مراراً وتكراراً.

 

 

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

 

 

منذ البداية، كان أوبيرك يتعامل مع سوبارو – شوارتز بطريقة يصعب تفسيرها. وما زاد الأمر غرابة هو الطريقة التي يتعامل بها فينسنت وكبار الشخصيات الآخرين مع هذا الرجل، وكأنهم يعترفون بنفوذه.

في معظم الحالات، كان أولبارت وكافما يلقون حتفهم بضربة قاتلة من أراكيا، لكن الشخص الذي كان يهيئ الظروف التي تؤدي إلى تلك الضربة كان دائمًا ذلك الرجل ذو عصابة الرأس.

حتى سوبارو نفسه، عندما أعاد التفكير في الأمر لاحقًا، لم يستطع إيجاد سبب منطقي لكونه أفصح عن اسمه الحقيقي في تلك اللحظة، دون تزييف أو خداع.

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

 

 

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

إضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن أراكيا—التي يعتبرها سوبارو منقذته—قد انقلبت ضده كانت صدمة بحد ذاتها. لكن ما أثار رعبه أكثر هو القوة الهائلة التي تمتلكها، بصفتها ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية.

أدرك سوبارو أن منطقه لم يكن الأقوى، لكنه أعلن ذلك بوضوح لتشيشا.

 

 

ومع ذلك، بطريقة غريبة، كان سوبارو يخشى ذلك الوغد ذو عصابة الرأس أكثر من أراكيا.

 

 

 

كانت لديه رغبة قاتلة مطلقة، ونظرات باردة تخلو من أي مشاعر إنسانية. كيف تمكن الإمبراطور المخلوع من تجنيد شخص كهذا في صفوفه؟

 

 

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

على أية حال…

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

 

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

 

 

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

 

 

“أراكيا، لا تنطقي بكلام زائد. ―إن كنتِ حقًا ترغبين في استعادة ما تتوقين إليه، فعليك أن تحرصي على عدم إغضابي.”

“ذلك ببساطة جزء من أصلها. لا يمكن التقليل من شأن من يحتل المرتبة الثانية في الإمبراطورية. وبالمناسبة، هناك أيضًا تقارير عن تعزيز المتمردين بقوة إضافية مجهولة.”

 

 

 

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

 

 

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

نوبة الغضب التي اجتاحت هذا الكيان المدمر، رغم مظهره الرقيق، حملت معها عاصفة هوجاء بمجرد أن لوّح بذراعه.

 

 

إذا كان تشيشا، المعروف بحساباته الدقيقة، يقول ذلك، فربما يجب تصديقه. لكن لماذا يراوغ دائمًا عندما يسأل سوبارو عن طبيعة الإمبراطور؟

 

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

 

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

 

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

“كلا الخيارين ينطويان على مخاطرة كبيرة. لكن في النهاية، إيجاد حل لمشكلة أراكيا يظل الأولوية.”

 

 

“بيرلستيتز، رغم مظهره، إلا أنه يملك قلبًا حارًا بشكل مفاجئ. تشيشا صنفته على أنه إمبريالي متشدد، لكنني اكتشفت أنه شخص يفيض بالعاطفة. على الأرجح، من النوع الذي يقدّر الوعود في الخفاء. أما مادلين، فصعبة الانفتاح قليلًا، لكنني أعتقد أنها تهتم بالآخرين أكثر مما تظهر. ربما كانت محاطة بأشخاص جيدين. والآن… أظنها فقط حائرة في كيفية استخدام مشاعرها الطيبة؟”

“هل هناك شخص قوي بما يكفي لمواجهتها؟ بالمناسبة، أنت نفسك أحد التسعة جنرالات، أليس كذلك؟ إلى أي مدى يمكنك الصمود ضدها؟”

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

 

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

 

 

 

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

 

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

فجأة، بدأ سوبارو يشعر بالفضول بشأن موقف “التسعة العظماء” في الإمبراطورية، فأمال رأسه متسائلًا.

“وهل تحتاج إلى معرفة المزيد؟”

 

 

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

 

 

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

“التاسعة، مادلين إشارت، تعمل تحت إمرة المستشار بيرلستيتز. الثامن، موغورو هاغاني، لا يستطيع مغادرة العاصمة نظرًا لمسؤولياته في الدفاع عنها. السابعة، يورنا ميشيغري، متحصنة في المدينة الشيطانية. السادسة، غروڤي غامليت، في مهمة بعيدة في الغرب.”

 

 

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

“أما الخامس، غوز لارفون، فقد سُجن بتهمة زائفة. الرابع، تشيشا غولد، تمرد ضد الإمبراطور. الثالث، أولبارت دانكلكن، مصاب. الثانية، أراكيا، تمردت وأصبحت خارج النطاق… لحظة، أين الأول اذن؟”

 

 

 

“…”

 

 

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

“ألم أقل للتو؟ لقد أتيت وفقًا لنداء القدر. نادرًا ما يُلقى عليّ هذا الدور، لذا عندما تحين الفرصة، لا بد أن أتصرف كما يليق بـ ’قارئ النجوم‘.”

 

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

“ليس هناك داعٍ للحديث عن سيسيلوس.”

 

 

“وفقًا لمعاييري، كان فقدانك هناك خسارة أكبر من أي ضرر ممكن.

“ماذا؟ بالطبع هناك داعٍ! إذا كنا نحاول إيقاف أراكيا، فمن المفترض أن يكون هو أول شخص نفكر فيه! إذا كان الثاني قد انقلب، فمن المنطقي أن نواجهه بالأول! لقد جربت هذه الاستراتيجية من قبل، وضع ‘الأقوى’ في مواجهة ‘الذي لا يُقهر’! لدي خبرة في هذا!”

 

 

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

بدا سوبارو وكأنه اكتشف فكرة عبقرية، لدرجة أنه ضرب ركبتيه من شدة حماسه.

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

 

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

على الأقل، لم يسمع أي إشاعة تفيد بأن أقوى شخص في الإمبراطورية قد انشق وانضم إلى المتمردين.

“—فشلنا، فشلنا.”

 

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

وهذا يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا في مكان ما. أقوى شخص في الإمبراطورية، “برق فولاكيا الأزرق”.

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

 

تبادل الرجل المقنع النظرات مع فينسينت، والجو المحيط بهما أصبح كثيفًا وساخنًا، كما لو أن الهواء نفسه بدأ يحترق.

“صحيح أنه يُشاع عنه كونه شخصا مُشاغبا بعض الشيء، لكن المخاطرة تستحق إذا كان بوسعه التصدي لأراكيا—”

 

 

 

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

 

 

ما انعكسَ في عينيها الزّرقاوتين الشاحبتين كان امرأةً ذاتَ عصابةِ عينٍ، تجري بجانبها — بل الأصحّ، تطير بجانبها! امرأةٌ جميلةٌ ذاتُ بشرةٍ سمراء معظمها مكشوف للرياح، بأذنيْ كلبٍ فوق رأسها مما يدل على أصلها كواحدة من عرق البَشر الكِلاب. وبظهورِ تلك المرأة التي تحملُ غصنَ شجرةٍ طويل بيدٍ واحدةٍ بينما تحلّقُ في السماء، أطلقَ الطفلُ الذي كانت الفتاةُ تجرّه بيدها صرخةَ مذعورة.

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

 

 

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

كما قال الإمبراطور، الوضع كان يفتقر إلى التوتر الجاد، لكن—

 

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

بأن النتيجة ستتحقق.

“تبا، لقد ضغطت الزِر الخطأ! آسف! آسف جدًا! لقد كان مجرد تعليق عابر!”

“هاه؟”

 

لم يكن لدى سوبارو حتى اسم حقيقي يناديه به، لأن خصمه كان حذرًا بشكل لا يصدق ولم يكشف أي معلومات عن نفسه، حتى أمام رفيقه المبارز ذو السيفين. كل ما استطاع سوبارو فعله هو مناداته بـ”الوغد ذو عصابة الرأس”.

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

“هل لديك اهتمام خاص بهذا الأمر، يا ‘سيد الفتيات الصغيرات’ من المملكة؟”

 

 

“النجدة! أنقذوني!!”

 

 

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

بعد أن غمره تشيشا بمشاعره تجاه سيسيلوس، وصل سوبارو في النهاية إلى استنتاج مفاده أنه لا بد من إنضمامه إليهم.

 

 

 

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

 

 

 

“ريم! هل كان كل شيء على مايرام خلال غيابي؟ هل تعانين من أية إصابات أو صعوبات؟ لا أستطيع أن آخذك معي الآن، وهذا يزعجني بشدة. إذا كان هناك شيء تحتاجين إلى التحدث عنه أو إخباري به، فلا تترددي في ذلك.”

 

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

“لقد عدت فجأة، ماذا يحدث؟ أولاً، كان من المفترض أن تنتهي مهمتك، فلماذا ما زلت ترتدي نفس الزي النسائي؟”

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

 

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

“الوضع في الإمبراطورية يقتضي أن لا يعرف أحد بتورطي في تلك الاضطرابات، ولذلك لا بد من استمرار ظهور ناتسومي شوارتز. إنه أمر مفروض عليّ.”

وهكذا، انتهت محاولتهما للهرب بشكل مخزٍ وسريع.

 

 

“–.—-.——– أها، فهمت.”

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

 

“حاليًا على الأقل، لا يبدو وكأننا متوجهين نحو المقصلة لأفقد رأسي هناك، أليس كذلك؟”

“لا يبدو وكأنك تفهمين!”

“كيييه! يا لك من رأس بيضة صلبة! ألا تعرف من أكون؟! أنا المرأة التي ستصبح زوجة جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا!”

 

“بالطبع أحتاج!”

“همم. على كل حال، أنا سعيدة لأنك بخير.”

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

 

تصرف فينسنت البارد الذي بدا وكأنه غير قادر على تلبية رغبة تابعه في نيل الاعتراف، جعلا شوارتز تفكر في أن هذا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت ‘غوز’ إلى التمرد عليه. لكن، متجاهلًا شكوك سوبارو – شوارتز، واصل الإمبراطور حديثه ببرود.

“أوه، نعم! حسنًا، فقط انفجر نصف بطني وكنتُ على وشك الموت~”

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

 

 

“ماذا؟”

 

 

 

“وااااه!”

“لا يمكنني حتى أن أقول إن هذا مبالغ فيه، خاصة بعد مشاهدة معركة كايوس فلايم. لكن… كيف حصلت أراكيا على مثل هذه القوة الخارقة؟”

 

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

بالطبع، ما إن تمكن من العودة إلى العاصمة الإمبراطورية، حتى حرص على زيارة ريم والتأكد من حالتها وما إذا كانت على ما يرام. وعلى الرغم من أنها ما زالت تعاني من خدر في ساقيها، إلا أنها أصبحت قادرة على الحركة بشكل ملحوظ. ريم، التي كانت دائمًا حساسة تجاه الآخرين، أظهرت مجدداً شخصيتها المُراعية واللطيفة، مما جعلها تتصرف بحرية نسبية في قصر بيرلستيتز. حتى مع فقدانها للذاكرة، كانت بعض جوانب شخصيتها واضحة بما يكفي لإشعال دفء قلب سوبارو.

كلا، بل إن هذا العالم بأسره كان غريبًا عليها.

 

“لقد بعثرتهم، تشا. دعني أوضح لك، التنين ليس ملزمًا بأن يأخذ بعين الاعتبار أموركم التافهة، تشا، لذا نعم، لقد بعثرتهم حرفيًا.”

وإن كان وجود روي المستمر وهي تتنقّل حولها بشكل مزعج لا يزال يثير اشمئزازه.

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

 

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

“على ذكر ذلك، بخصوص ناتسومي شوارتز…”

“أوتأمُرين متبجحًة في هذه المدينة وكأنها ملكٌ لك؟ أوَتعلمين مَن هو سيدُ هذا المكان؟”

 

“…هاه؟”

“آه، ماذا؟ هل لديك شيء لتقولينه حول ناتسومي شوارتز؟ مثل أنها لطيفة مثلًا؟”

“تبا! لا تخفق في مهارتك الوحيدة أيها الأحمق!”

 

—هذا سيء…

“لا، ليس هذا. لقد سمعت إشاعة. تلك التي تقول أنه سيصبح الإمبراطور، أو بالأحرى، الإمبراطورة.”

 

 

كان هذا هو اسم هذا العجوز ضيّق العينين ولقبه، وهو أيضًا السبب الواضح لحذره الشديد تجاه سوبارو، كونه شخصًا غريبًا عن الإمبراطورية.

“آه، ذلك. ليس أنها ستصبح، بل أننا ننشر إشاعة بأنها قد تصبح، كجزء من خطة استراتيجية. بما أن جلالة الإمبراطور يواجه صعوبة في التحرك بسبب ظروف معينة، فإنني سأقوم بالنيابة عنه… أو بالأحرى، بالنيابة عن نائبه بالضبط.”

 

 

 

“—. أليس ذلك خطيراً؟”

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

 

 

“لا أنكر وجود الخطر. ولكن، بالنسبة لغريب مثلي أو لريم، فالإمبراطورية كانت دومًا كجُحر النمر — لا يُمكنك الظفر بشيء مالم تدخله. وإن كان الخروج من جُحر النمر مرفوع الرأس يتطلّب المخاطرة، فسأخاطر… ولكن بطريقة تضمن أعلى قدر ممكن من فرص الفوز!”

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

 

 

“وأفضل استراتيجية لذاك هي ارتداء زي نسائي؟”

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

 

 

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

 

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

“――. ――――. ――――――. من فضلك، خذ الأمر على محمل الجد.”

“…إذا كانت الإمبراطورية تقوم على مبدأ البقاء للأقوى، فهل تحديك لفينسنت فولاكيا من أجل العرش ينبع من طموحك كواحد من رجال الإمبراطورية؟”

 

 

وبتشجيع ريم هذا، انطلق سوبارو – شوارتز في رحلته لتأمين الدعم العسكري.

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

 

~~~

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

 

لقد قرر أن يخوض المعركة وحده. فبعد أن اعتمد على سوبارو طوال الطريق لترتيب رقعة اللعب، ها هو في النهاية، كما فعل مع الإمبراطور، يُقصي سوبارو من المعادلة، ويختار أن يواجه “الكارثة العظمى” بمفرده.

إذ كانت تتصرّف بثقة كبيرة، وتُعلن على الملأ أنها تمثّل الإمبراطور، وبرفقتها «تشيشا غولد» أحد «الجنرالات التسعة»، لتعويض أي نقص في الإقناع أو القوة، مما كان كافيًا لتحقيق الهدف.

“لا أرغب في الاعتماد كثيرًا على ملاحظات تلك الساحرة الخبيثة، إيكيدُنا.”

 

“آه، لا، لا يمكنني التجرؤ على ذلك! كيف لي أن أفهم أفكار الإمبراطور فينسنت فولاكيا؟… لكن يمكنني أن أقدم لك نصيحة صغيرة.”

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

 

 

“――――”

“― أوه، أوه، أوه! يا لها من مفاجأة نادرة أن يزورني ضيف من خارج الجزيرة! مع أنني لم أشارك رسميًا بعد في عروض الجزيرة، إلا أن سمعتي قد سبقتني! لا عجب في ذلك، فأنا، بطبيعة الحال، النجم الساطع في هذا العالم، ومن الصعب جدًا إخفاء بريق بطل الدور الرئيسي!”

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

 

منذ اليوم الأول، لم تتح لها فرصة اللقاء مجددًا مع أراكايا، لكنها كانت تشعر بامتنان كبير تجاهها. فحين التقت سوبارو – شوارتز بالإمبراطور فينسنت وعرّفت بنفسها، طلبت منه تأمين سلامة ريم، ومن قام بتنفيذ هذا الطلب بإتقان كان أراكايا.

هكذا، بصوت صاخب كالألعاب النارية المشتعلة، ظهر الصبي المزعج ـ والذي يبدو أصغر عمرًا مما تصفه الشائعات ـ سيسيلوس سيغموند، ليتم اللقاء بينه وبين سوبارو في جزيرة عبيد السيف.

بدا أن هناك شيئًا في كلام سوبارو لم يعجب تشيشا، حيث بدأ يتحدث ببطء وحزم، مما جعل سوبارو يرمش في دهشة. قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، اقترب تشيشا منه، وعلى وجهه الشاحب ظهرت آثار واضحة من المعاناة والقلق، ثم قال:

 

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

 

 

 

~~~

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

 

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

“هيا، هيا، هيا، إنها المواجهة الكبرى! من كان بعيدًا فليسمع، ومن كان قريبًا فليقترب ويرَ بعينيه! نجم المسرح، سيسيلوس سيغموند، يظهر أمامكم!!”

بريسكا بِنديكت.

 

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

 

 

“م- ماذا…؟!”

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

“والآن؟ أيا ’مروض الفتيات الصغيرات‘، أعد شرح ما حدث مجددًا.”

 

 

ــ سيسيلوس سيغموند، أولُ “الجنرالات التسعة”، كانت خطة إخراجه من جزيرة عبيد السيف بالغة الصعوبة والتعقيد.

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

 

 

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

بعد ذلك—

 

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

فقد تلقى أوامر صارمة من فينسنت الحقيقي تقضي بعدم السماح لأي من العبيد المبارزين ـ المجرمين المحتجزين في الجزيرة ـ بالخروج، وكان يُبدي مقاومة شديدة حتى أمام الإجراءات الرسمية، مما أوقع سوبارو ورفاقه في معاناة كبيرة.

 

 

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

وما زاد الأمر تعقيدًا هو “قانون اللعنة”، الذي يؤدي إلى موت كل من يحاول الهرب من الجزيرة بالقوة.

 

 

ولهذا السبب—

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

 

 

 

وهكذا، وجد سوبارو – شوارتز نفسه في سلسلة من المعارك غير المتوقعة مرارًا وتكرارًا، لكن العقبات في جزيرة عبيد السيف لم تقتصر على غوستاف وحده.

 

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

فالهدف المنشود، سيسيلوس سيغموند، كان أيضًا شخصية صعبة المراس لا تنصاع بسهولة.

“ليس لي الحق في نقل أوامر الإمبراطور مسبقًا. لكن كن مطمئنًا، جلالته سيكشف لك كل ما تحتاج إلى معرفته.”

 

 

“أنا في الواقع لا أعتبر الحرية الكاملة أمرًا إيجابيًا بالضرورة. صحيح أن الورقة البيضاء بلا حدود تتيح لك رسم ما تشاء وكتابة ما تشاء، لكن ما يُكتب أو يُرسم بلا أي هدف أو توجُه نادرًا ما يُصبح عملًا عظيمًا أو تحفة فنية. فكل عمل عظيم يحتاج إلى شغف ومسار محدد.”

 

 

كان كافما أكثر الأشخاص الذين التقى بهم تجسيدًا حقيقيًا لروح الجندية. كان الولاء المطلق والثقة التامة اللتان يكنهما للإمبراطور تجعلانه يبدو وكأنه الفارس الوحيد المتبقي في الإمبراطورية، خاصة بعد أن تم القبض على “الفارس الأسد” بتهمة الخيانة.

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

 

 

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

ومع سَير الأمور بسلاسة، واصل سوبارو – شوارتز وتشيشا رحلتهما نحو وجهتهما المنشودة――

 

(النو هو فن ياباني قديم يتعلق بالأقنعة وما شابه، لمعلومات أكثر انقلع وابحث بنفسك~)

“إن كان الأمر كذلك، فهلا انضممتَ إلينا…”

الخروج في رحلة دون أي معلومات مسبقة أشبه ببرنامج تلفزيوني قديم يعرض تجارب مفاجئة للمشاركين. في الوقت الحاضر، سيكون هذا انتهاكًا صارخًا للمعايير الأخلاقية، بل وقد يشبه حتى الوظائف المظلمة المشبوهة التي تجر الناس إلى الأعمال الشاقة في الخارج.

 

“لست في صدد الدخول في نقاشات تافهة. أنتِ من طلبتِ التوضيح، أليس كذلك؟ لو كان الأمر يخص أوبيرك، لما احتاج إلى أي تفسير، لكن يبدو أن الأمر مختلف معك.”

“لم أقرر بعد إن كنتُ سأرافقكم أنتَ ومرشحة الإمبراطورة! فأنا نجم مسرح يطلبه الجميع… كلمات الدعم التي لا تنتهي من أولئك الذين لا يكفون عن انتظار تألقي تنهال على قلبي كقطرات المطر المتواصلة!”

 

 

 

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

“——؟”

 

 

سيسيلوس بدا أصغر عمرًا مما سمعوا عنه سابقًا بعام أو عامين، لكن صعوبة التعامل مع جوهر شخصيته لم تتغير، وكانت تشكل عائقًا يضاهي صعوبة التعامل مع غوستاف.

زحفت الفتاة نحو الطفل المغمى عليه، محاولة بالكاد أن تنطق بكلماتها، بينما نظرت إليها المرأة بابتسامة شبه اعتذارية.

 

“مُشاغب؟ بعض الشيء؟ لا يمكنني القبول بوصف كهذا بشأنه، إطلاقاً.”

ومع ذلك، سعى سوبارو – شوارتز بكل جهده، متعاونًا مع تشيشا، لتجاوز العقبتين الكبيرتين في سبيل السيطرة على جزيرة عبيد السيف: غوستاف وسيسيلوس.

 

 

“――――”

وفي النهاية…

 

 

“شكرًا لكِ، أراكيا-تشان! أنا مدين لكِ!”

“――هل تلك هي، ‘الساحرة’؟”

 

 

بسهولة تامة، استقبلت المرأة الهجوم المرتبك وأحكمت قبضتها، لتجذب الفتاة نحوها.

قال غوستاف بصوت مبهوت يخفي خلفه الذهول، وهو يحدق إلى الظل الظاهر بجانب سوبارو – شوارتز، خلف سيسيلوس الذي تبلل ظهره برذاذ الأمواج المتلاطمة.

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

 

 

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

 

 

 

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

 

 

أما يورنا، فقد كانت تحاول الدفاع عن مدينتها، بينما أراكيا— التي كان يُعتقد أنها ماتت أثناء مهمة لقمع المتمردين— ظهرت الآن، واقفة إلى جانب العدو.

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

 

 

 

“أيمكن أن يكون ذلك بسبب ‘القناع’ الذي ارتديته؟”

 

 

 

منذ فترة طويلة، كانت ‘ساحرة الحسد’ تحظر على سوبارو الكشف عن قدرته في “العودة بعد الموت”. وعرف سوبارو جيدًا العقوبات الفظيعة التي ستترتب على خرق هذا المحظور، فقرر التوقف عن محاولة الإفصاح عن قدرته وبذل جهدًا كبيرًا حتى لا يمتد أثر تلك القدرة إلى من حوله.

هذه المدينة الشيطانية، حيث تتعايش أعراقٌ متنوعة، كانت شوارعها تمثل مزيجًا فوضويًا من الطرز المعمارية لكل عرق، وكأن روح التفاهم والتنسيق لم يكن لها مكان هنا، مما جعل منها مدينةً أقرب إلى قدْرٍ يغلي بالفوضى. ــ لكن الآن، لم يبقَ من ذلك المشهد شيء يُذكر.

 

 

لكنه لم يخطر بباله قط أن ينطبق هذا المحظور على تشيشا أيضًا، الذي كان يرتدي “القناع” الخاص به.

 

 

كما علم أن غوز لارفون، المعروف بلقب “الفارس الأسد”، هو أحد أعضاء “التسعة العظماء” أيضًا، لكنه خان الإمبراطور وحُبس حاليًا في سجن القصر البلوري. كانت خيانته صدمة للجنود الذين وثقوا به بشدة، مما أدى إلى اضطراب واسع النطاق بينهم.

“――!”

 

 

 

تشيشا، الذي كان يذرف الدم من عينيه، لم يتمكن من ارتداء “قناع” سوبارو. لقد حاول، لكنه قوبل بالرفض لحظة تفعيل “القدرة”، ليتحطم القناع إلى أشلاء مُتبخرا في الهواء.

 

 

 

ومع ذلك، لم تكن الساحرة لتسامح بسهولة فقط لكونها محاولة غير مكتملة. بمجرد أن أدركت الأمر، كان لون السماء قد يتغير، ثم عصفت الرياح الشريرة بعنف، وراح العالم يتحطم.

“ماذا؟! ريم… هي شخص ثمين بالنسبة لي، لدرجة أنني مستعد للتضحية بحياتي من أجلها!”

 

 

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

 

 

“العالم واسع، عظيم، ومليء بالمفاجآت ــ بدأت الأمور تشتعل على حين غرة، وأجواء المُتعة قد حَلت بُغتة، ألا توافقونني أيها السادة؟”

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

 

أمام إعلان فينسنت فولاكيا، انفجر الغضب داخل سوبارو، غضب ضد القدر الجائر الذي اختبره منذ استدعائه إلى هذا العالم.

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

 

وفي نفس اللحظة، شعر بضربة مباغتة على ساقه من الجانب، لتفقده توازنه تمامًا ويرتطم رأسه مع الأرض بقوة ساحقة.

سيسيلوس سيغموند استقبل هذه الأزمة، هذا الوضع الحرج، وهذه النهاية التي باتت تقترب، بابتسامة على وجهه. وقد تزلزل قلب سوبارو – شوارتز من هذا المشهد. ― ولا يعلم، أهو خوف، أم ربما إعجاب شديد بلغ حد الانبهار، لم يعد قادرًا على التمييز بينهما.

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

“لا شك أنها تهديد… لكن يبدو أن بها بعض التذبذب…”

 

 

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

“تشيشا!”

“وهذه؟”

 

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

 

 

 

قال ذلك بنبرة صوت يمكن تمييزها بوضوح على أنها مجرد تظاهر بالقوة وتماسك زائف، ثم رفع تشيشا، الذي كان مستندا إلى سوبارو – شوارتز، جسده ووقف.

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

 

 

مسح دموع الدم بأصابعه، تاركا أثراً دموياً على خده الأبيض، ثم ضرب ظهر غوستاف الواقف في ذهول، ليُعيده إلى رُشده بصفته حاكم جزيرة عبيد السيف.

“–.—-.——– أها، فهمت.”

 

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

“تشيشا غولد، أحد الجنرالات العظماء… مهمتك الأصلية هي—”

 

 

 

“لا شك أن لديك دوراً لا يمكن لأحد سواك أن يؤديه. ماذا أمر جلالة الإمبراطور فينسنت ڤولاكيا بأن تقوم به؟”

 

 

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

“…ذلك هو—”

جاءت كلماتها الأخيرة مترددة بعض الشيء، ولكنها منحت سوبارو طاقة تفوق الوصف، مما جعله يبتسم بثقة وكأنه قادر على مواجهة أي شيء.

 

 

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

 

عندما قيل له ذلك بحزم، شهق غوستاف وشد فمه المليء بالأنياب، ثم استدار بعنف واندفع مسرعاً نحو مركز الجزيرة.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

 

 

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

 

 

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

ثم—،

 

 

 

“أقترح أيضاً أن تتراجع إلى مكان آمن، أليس كذلك؟”

 

 

 

“مكان آمن… وأين يوجد مثل هذا المكان، في هذه الجزيرة؟”

 

 

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

هزّ سوبارو – شوارتز رأسه نافيًا اقتراح تشيشا، ثم نهض بدوره ليجيبه.

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

 

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

“يالهم من رِفاق أقوياء…”

 

 

لكن في هذه اللحظة بالذات――،

 

 

بهذه الكلمات، اقتحمت مكتب القصر المنعزل فتاة ذات بشرة برونزية، ترتدي ملابس تكشف الكثير من جسدها، وعينها اليسرى مغطاة بعصابة، بينما تتدلى من رأسها أذنان أشبه بأذني كلب. مظهرها كان مزيجًا مبالغًا فيه من عدة سمات فريدة.

“ما دام الوجود في أي مكان سيكون سواءً، فسأبقى لأشهد النهاية.―― حتى وإن تكرّر الأمر مرارًا.”

رفع سوبارو يديه، مشيرًا إلى أنه سيتراجع عن فضوله غير المحسوب.

 

 

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

“إن لم يعجبكَ ذلك، فتراجَع.”

 

وفي نفس اللحظة، انهار تشيشا، الذي كان يحمل “وجه” سوبارو – شوارتز على ذراعه، وهو يذرف دموعًا من الدَم، ويعلو وجهه ألم لم يُرَ مثله من قبل―― وذلك بعد لحظات فقط من ظهور “العنكبوت الأبيض” مرتديًا “القناع” الخاص بسوبارو – شوارتز.

عانق سوبارو – شوارتز مرفقه بيده، وقد رسّخ في قلبه عزمه على ألا يغادر هذا المكان.

“وهذه؟”

 

 

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

“…ماذا تقصد بذلك؟”

 

 

ذلك هو سوبارو – شوارتز الذي أعدّ نفسه لاحتمال “العودة بعد الموت”. وبينما كان واقفًا هناك، تقدّم تشيشا، ووقف إلى جانب الفتى ذو الشعر الأزرق، الواقف على الجبهة الأمامية――،

 

 

 

“إن كنت تقف بجانب شخص مثلي، أنا، البرق الأزرق، المتألّق في اللحظة الفاصلة، والنجم على خشبة المسرح الكبرى التي طال انتظارها، فهل لي أن أرجو أنك قد أعددت عدّتك للعزم الكامل؟”

“الأول لم يظهر بعد، أليس كذلك؟ الشخص الذي يُدعى سيسيلوس سيغموند؟”

 

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

هكذا قال، بينما يوحي وكأنه ينصت إلى محاولة الإقناع من سوبارو – شوارتز، لكنه في الحقيقة لم يكن ينوي الاستماع.

 

“كل هذا بسبب ذلك الوغد ذو عصابة الرأس…”

“هاهاها، لا داعي للتهرب! منذ أن زرتم جزيرة عبيد السيف، كنت تتجنبني، أليس كذلك؟! صحيح أن مرشحة الإمبراطورة استخدمت شتى الحيل لاستمالتي، إلا أنك فعلت ذلك بالعكس، بعدم الاقتراب مني! سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، لا أدري! ولكن عندما أضع ذلك في الاعتبار، وأجد نفسي في هذا الموقف الآن، لا يسعني إلا أن أتوقع شيئًا مثيرًا!”

كان أحدهما لا غنى عنه لتحقيق الهدف، والآخر ورقة رابحة لا تقدر بثمن في وقت الأزمات.

 

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

 

 

 

تحول سيسيلوس إلى هيئة صبي صغير، فاقدًا ذكرياته حول تشيشا، في حين أن تشيشا تقبل هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، مما يدل على أنه -على الأرجح- متورط بعمق في وضع سيسيلوس الحالي.

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

عقد فينسينت ذراعيه وهزّ رأسه، بينما خفض سوبارو شوارتز نظره إلى الأسفل.

بينما كان سوبارو – شوارتز يستوعب هذا الأمر، نظر إلى الاثنين الواقفين معًا بجانبه، وخطرت على باله فكرة واحدة:

 

 

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

“يالهم من رِفاق أقوياء…”

قال سيسيلوس ذلك بصوت خالٍ تمامًا من الادعاء أو التظاهر، موجّهًا كلامه نحو سوبارو – شوارتز الذي كان يشعر وكأن قلبه ينبض بعنف وكأنه يُطرق من الداخل.

 

 

— هذه هي الرؤيا التي شهدها فينسنت فولاكيا.

“لقد أنقذتني، شكرًا لك، سيدي…”

 

 

بغض النظر عن مدى قوة الأعداء الذين قد يعترضون طريقه، فإن وقوف تشيشا وسيسيلوس إلى جانبه يمنحه الثقة التامة بأنهم سيسحقون أي عقبة، يقهرونها، ويمهدون الطريق أمامه.

“كلام كافما إيلوروكس صحيح. لن أتردد في إطلاعك على ما تحتاج إلى معرفته.”

 

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

أمام هذا الشعور العميق الذي يملأ قلبه، كان تشيشا هو أول من تحرك.

 

 

“فهمت.”

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

 

 

 

“—قناع ’البرق الساطع‘.”

فكما أن العالمَ مجهولٌ بالنسبة لها، كذلك هيَ ذاتُها.

 

 

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

كان قد بدأ يشعر بالحماس بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى أي تهديدات، ولكن كما هو متوقع، أصرّ الإمبراطور على إحباطه في اللحظة غير المناسبة. —— وإن كان قد استطاع إثارة غضب شخص يحظى بشعبية واسعة مثل غوز لارفون، فربما لم يكن فينسينت هو المشكلة الحقيقية هنا؟

 

 

وأمام هذا التحوّل الذي يشبه نوعًا ما طقسًا مسرحيًا غروتسكيًا من فن الـ«نو»، لم يكن ما خطر على بال سوبارو – شوارتز سوى مشاهد التحول البطولية لأبطال العدالة أولئك.

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

من حيث الإيحاء بأن شيئًا مذهلًا على وشك الحدوث، لم يكن هنالك شك في أنه كان مشهد تحولٍ بطولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

وعندما انتهى هذا التحول—ظهر هناك:

 

 

 

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

 

 

ببطء، رفع يده إلى وجهه الشاحب، ووضع عليه “القناع”—

“رأيك الصادِق يُثير إعجابي.”

 

 

 

بجوار سيسيلوس الذي رفع صوته بهذه التعليقات الساخرة، وقف تشيشا وقد تحوّل إلى شاب طويل أزرق الشعر، مختلف تمامًا عن هيئته السابقة.

 

 

 

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

 

 

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

—هذه الهيئة التي أُعيد إنتاجها عبر الـ«نو»، لم تكن سوى المظهر الحقيقي لـ سيسيلوس سيغموند.

ماذا لو؟ – “الحياة في عالم مختلف من الصفر. مَسار الخِدَاع.”

 

“لا، لا، هديها من فضلك، لنصلح هذا الأمر دون تصعيد!”

ذلك الجسد قبل أن ينكمش، وتجسيدٌ واضح للهالة التي تليق بلقب “البرق الأزرق”، أقوى رجال فولاكيا.

بينما كان سوبارو يراقب بعيون مفتوحة، ظل “تشيشا” مُرتديا ملابس الإمبراطور، وبدا التعبير على وجهه غامضًا، ثم ضيق عينيه الذهبيتين وأعلن ساخرا:

 

 

“سأضرب حيث تظهر الثغرات. هل تستطيع مجاراتي؟”

بمعنى آخر—

 

 

“أوه، ها أنت ذا تتحدث بثقة! ولكن لا تظن أن وسامتك الأخاذة ستسمح لك بترك هذا العبقري خلفك! أيا مرشحة العرش الإمبراطوري، أمعني النظر، ولا ترمشي حتى!”

 

 

«ـــ ها؟»

استجاب سيسيلوس لتحدي تشيشا الذي اتخذ الآن مظهره الحقيقي، ثم ألقى كلمة أيضًا إلى سوبارو – شوارتز، مراعيًا إشراكه قبل أن يضغط بحذائه الخشبي على أرض الجزيرة.

وفي النهاية…

 

 

بجانبه، قام تشيشا بنفس الحركة تمامًا—

فقد سبق لسوبارو أن رآى هذا الوجه مرة واحدة من قبل، في لمحة سريعة.

 

وسط عواصف الرياح العاتية، وعلى الجانب الذي يربط الجزيرة باليابسة من الجسر المتحرك، وقف سيسيلوس الأعزل مُعلنا ظهوره بصوت عالٍ. ― في مواجهة كتلة من الظلال السوداء التي كانت تزحف نحو جزيرة عبيد السيف.

التقت كلٌ من أنظار سيسيلوس الكبير والصغير، وفي لحظة، انطلقت شعلتان من البرق الأزرق، ترسمان خطين من الوميض البَراق على أرض الجزيرة، وتنقضان نحو «الساحرة» التي لم يكتمل تجسيدها بعد.

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

 

كان ذلك بحق مشهدًا أسطوريًا يستحق أن يُروى في حكاية مصورة خيالية من الطِراز الرَفيع، مشهدٌ مُهيب.

النهاية.

 

وبينما عقد غوستاف حاجبيه فوق جبهته الخالية، ظل تشيشا محافظًا على هدوئه المعتاد، وهز كتفيه قائلاً:

صدام شرارتي البرق مع الكيان الغامض المُكوَنِ من الظلال، كان أشبه بمُحاولة إختراق هاوية شديدة السواد بنور نَجمين ساطعين، عرضٌ مسرحيٌّ مهيب على مسرحٍ لا يُقام إلا مرةً واحدة في العمر…

 

 

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

~~~

 

 

“حتى في هذه اللحظة لا تكفين عن ثرثرتك… تبا، إنها إصابة خطيرة.”

“――غدًا، على الأرجح، سيبدأ الصدام الحقيقي بالفعل…”

 

 

 

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

 

 

 

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

 

 

“أفهم… هكذا إذن…”

“لم أحاول أن أقولها بصوت منخفض حتى لا تسمعي.”

 

 

“――――”

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

 

حلّ صمت عابر، شعر معه سوبارو بصراع داخلي يحاول كبحه، معاناة متراكمة لم يكن من السهل التحكم فيها بحيل سطحية.

 

 

“――――”

فمنذ أن أنقذ تشيشا داخل الـ كايوس فلايم، وتلقى الإنقاذ منه في المقابل، ثم اختار التعاون مع أهدافه، وقرر التدخل في قضايا الإمبراطورية—تكوّنت تلك الغصة في قلبه، خصم عنيد لا يتوقف عن إرغامه في التساؤل… “ماذا لَو؟ ماذا لَو؟ ماذا لَو…؟”

 

 

 

وبينما هو مستغرق في هذا الصراع المستنزِف، ارتشف تشيشا من كأسه، ثم التفت إليه وقال:

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

“يا سيد ناتسوكي، لقد ساعدتني كثيرًا. أود أن أعبر لك مجددًا عن امتناني.”

 

 

 

“أوه، لا داعي للعاطفة الآن. الأشخاص الذين يبدؤون بترتيب أمورهم وتوديع من حولهم قبل المعركة الكبرى، غالبًا ما يكونون أول من يسقط عندما تعمُ الفوضى.”

 

 

 

“فوضى… هل تقصد ما يسميه سيسيلوس ‘التمهيد الدرامي’؟”

هذا ما كان يجب عليه فعله.

 

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

“بالضبط، هذا هو، أسلوب سِسي المعتاد.”

“هاه؟ هاه… هاه! يا للعجب، يا له من شاب وسيم يخطف الأنظار! غير أن ملامحه مألوفة للغاية، توحي أنني سبق ورأيته من قبل… ما الذي يحدث هنا؟”

 

 

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

 

ورغم أن ظهور «الساحرة» في جزيرة عبيد السيف لم يكن تجسيدًا مُكتملا، فقد تصدّى لها سيسيلوس إلى جانب تشيشا، وهزماها معًا.

لكن هذا الاعتذار لم يكن مجرد مواساة، ولم يحمل أي شعور بالراحة أو العزاء.

وبعد تلك المعركة، غادر الجزيرة وهو يهتف بفرح: “أخيرًا، ظهوري المنتظر على المسرح!”، ثم توجه إلى العاصمة الإمبراطورية، حيث ينتظر هناك—بحماسة أو بتهور—دوره في الأحداث القادمة.

 

 

 

لا تزال تفاصيل تحوّله إلى هيئة طفل مجهولة، لكن إن كان الأمر قد شمل رجوعه في المظهر وكذلك في طريقة التفكير والشعور، فربما حين يعود إلى شكله الأصلي، ستزول هذه الحيوية الطازجة التي يتحلى بها الآن.

وفوق كل هذا—

وإن حدث ذلك، فقد يكون أمرًا مؤسفًا بالفعل.

وضع فينسينت إصبعه على ذقنه النحيف، متأملاً اقتراح أوبيرك. ولكن من تعابير وجهه، استطاع سوبارو أن يدرك أنه قد اتخذ قراره بالفعل.

 

 

“لا تقلق، سيسيلوس كان دائمًا على هذه الحال، صغيرًا كان أو كبيرًا.”

“هاه؟ لحظة؟ تشيشا-سان؟”

 

انتشرت انفجاراتٌ نارية لا حصر لها في السماء، بينما كان ظلُ عجوزٍ غريبٍ يقفزُ فوق أسطح المباني المتداعية. تطارده في الهواء فتاةٌ من عرق البشر الكلاب، استُبدلت ساقاها من الركبةِ إلى الأسفل بلهبٍ متأجج. وبينما كان الاثنان يتصادمان، اقتحمت المعركة كائنةٌ تنتمي إلى عرق البشر الثعالب، مرتديةً زيّ الغيشا، لتعيد تشكيل المدينة باستخدام أبراجٍ معدنيةٍ متلويةٍ وكأنها أقدامُها…

“جدّيا؟ هذا مطمئن… أو، لا، على العكس تمامًا. بل مقلق بصراحة.”

 

 

 

“إذا كانت النسخة الأولى من سِسي هكذا، والنسخة الثانية من آراكيّا بذلك الأسلوب الغريب، فأنا مستغرب أكثر من كيف كانت إمبراطورية فولاكيا تسير على قدم وساق من الأساس.”

“كما لو أن التعامل مع أراكيا وحدها لم يكن مرهقًا بما فيه الكفاية… هل يمكن أن يكون الإمبراطور فينسنت قد جمع كل هذا الحقد ضدك؟ هل سيكون من الحكمة إعادته إلى العرش؟”

 

لم يكن أمامه وقت لتنظيم أفكاره حول ما حدث للتو، ولا للحداد على اللقاء الذي طال انتظاره والذي لم يتحقق بالشكل الذي كان يأمله.

“كل شيء كان يسير بتدبير من صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا… لذا، فإن هذه التجربة الحالية، لن أستطيع الجزم بنجاحها أو فشلها. الواقع أنها كانت مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.”

 

 

 

“مثل ظهوري في الساحة، مثلًا؟”

 

 

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

“تُقرّ بذلك بنفسك؟”

 

 

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تشيشا، ضاحكًا بخفوت على تعليق سوبارو.

 

 

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

وإن كنا نتحدث عن المفاجآت، فلن يكون سوبارو أقل من تشيشا في هذا الشأن. فمنذ لحظة انتقاله إلى إمبراطورية فولاكيا، لم يكن أي شيء يسير حسب التوقعات.

 

 

 

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

“من الواضح أنها من النوع الذي لن يفوّت فرصة كهذه.”

 

 

“…رغم أنني لا أملك الحق في قول ذلك وأنا من استغلّك بلا هوادة، لكني لا أزال أتساءل—هل جميع المهارات التي تملكها اكتسبتها حقًا في المملكة؟”

 

 

 

“آه، تطوير وصقل مهاراتي كان بالفعل على طريقة لوغونيكا،

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

لكن الأساس؟ لا، هذا يعود أصله إلى مكان آخر. بلدتي الأم. خَلف ما يسمّى بـالشلال العظيم…”

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

 

 

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

 

 

وبحسب القانون الإمبراطوري، كانا يعتبران مجرمين بلا شك، إلا أن السبب الوحيد الذي جعلهما ينجوان من الإعدام لم يكن نابعًا من كرم الإمبراطور أو رحمته—

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

’لا أستطيع تقبّل أن يُنظر إلى المناورات في الأوقات الحرجة وكأنها دناءة في الطبع!‘ -أوتو

 

 

بينما شعر سوبارو برجفة في أصابعه بسبب افتقاده لـ بياتريس،

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

أومأ تشيشا جانبه بإعجاب، وكأنه التقط شيئًا في حديثه—ليس عن سوبارو تحديدًا، بل عن الشلال العظيم نفسه.

 

 

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

“في الواقع، كنت دائمًا أشعر ببعض الشكوك. من الطبيعي أن تختلف مبادئك كإبن مملكة عن مبادئنا كإمبراطورية، لكن الفجوة بيننا… كبيرة للغاية بشكل مُريب.”

عانق سوبارو – شوارتز مرفقه بيده، وقد رسّخ في قلبه عزمه على ألا يغادر هذا المكان.

 

“مُجرد مزحة؟”

“فجوة؟ في ماذا بالضبط؟”

وهكذا، كرسولة لنهاية محتومة، بدأت “الساحرة” تتقدم نحو الجزيرة ببطء――.

 

كانت جزيرة عبيد السيف تعجُ بالعديد من العبيد المُبارزين، ومن يشرف على إدارتهم. ولضمان سلامتهم، كان غوتساف هو الشخص الوحيد القادر على تحريكهم بشكل مناسب.

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

 

 

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

قالها تشيشا وهو يمرّر أصابعه برفق على ذقنه النحيل، بينما رمش سوبارو متفاجئًا من هذا التحليل.

 

 

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

قيمة الحياة… بالطبع هذا شيء أساسي. فالحياة لا تُعطى مرتين. حتى لو وُجدت استثناءات نادرة، فهي لا تنفي القاعدة.

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

لهذا السبب بالذات، لا يجب أن تُسلب الحياة من أي شخص دون مبرر. ولا أن تُحرَم أي حياة من فرصة البقاء.

 

 

 

“لكن حتى أنت يا تشيشا ساعدتني في كايوس فلايم. عندما نزعت قناع الإمبراطور وارتديت الخاص بـ فيريس، منذ ذلك الحِين وكل شيء مقلوب رأسا على عقب، بسبب ذلك فقط… أوليس كذلك؟”

 

 

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

“ذلك ببساطة… لأنك كنت ذا فائدة بالنسبة لي.”

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

 

“على الرغم من نجاته، فإن كافما، الجنرال الثاني، لن يتمكن من العودة إلى ساحة المعركة لفترة. أما أولبارت، الجنرال الأول، فقدْ فقدَ ذراعه، كما أننا لم نتمكن من ضم يورنا إلى صفوفنا، وهو ما يشكل خسارة كبيرة.”

“وفقًا لمعاييري، كان فقدانك هناك خسارة أكبر من أي ضرر ممكن.

 

لكنك، يا سيد ناتسوكي، لا ترى الأمور من منظور الفائدة والضرر فقط. وهنا يكمن جوهر اختلافنا—في قيمك الراسخة منذ الأصل.”

 

 

 

“…أن تختلف طريقة التفكير حسب التربة والماء التي نشأت فيهما وعَليهما، هذا منطقي. فأنا أكره الإمبراطورية، بصراحة.”

 

 

“………”

“هاها، إنك تصرّح بذلك بكل وضوح وبطريقة مريحة للسمع تقريبًا.”

 

 

 

“أنا أكرهها، جديا. لكن، كره الإمبراطورية لا يعني أنني أكره كل من يعيش فوق أرضها. قيمتي، نظرتي للأشياء، بسيطة هكذا، ولا أراها كشيء مميز.”

 

 

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

 

 

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

حتى بعد أكثر من سنة في هذا العالم، لم يعتد بعد على مسألة الموت والتضحية. ورغم أن ذلك سبب كافٍ لخيبة أمل بعضهم منه،

عندما التقت عيناهما، لوّح المتسلل بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم وكأنه قد قرر التقدم للأمام دون اكتراث. فتح الباب ودخل الغرفة بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا أمام الإمبراطور، قائلاً:

فهو لا يرى فيه شيئًا يستحق التقدير المبالغ فيه كذلك.

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

 

“قد قامت مرتين في الماضي بمحاولة التمرد ضدي.”

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

 

 

“نعم، بالضبط… هل تعتقدين أنني لست جذاباً؟”

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

“كيف يمكنك أن تكون بهذه القسوة تجاه طفلة صغيرة؟ لا أستطيع أن أفهم ذلك.”

 

تلك الأشواك المتألقة البنفسجية التفت حول جسد سوبارو بالكامل، وحبسته تماما. ممزقة لحمه بلا رحمة، ومع كل قطرة دم تسيل، يزداد الشَوك جنونًا، كما لو كان كائناً ذا إرادة شريرة. وبينما كان الألم يمزق وعيه بلا هوادة، سحقت تلك الأشواك المتلوية آخر أنفاسه… ليلقى حتفه.

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

 

تعليق المُترجم:

يبدو أن تشيشا قرر تصديق القصة، لمجرد أن اعتبار سوبارو من أتباع الساحرة سيكون أسوأ، وهذا يوضح مدى غرابة الأمر.

 

 

 

وبما أن خلفية سوبارو تُعد من النوع الذي يُتجاهل عادة حتى في معسكر إيميليا، فإن قبول تشيشا بها – ولو على سبيل الجدل – أمر يُشكر عليه، إلا أن سوبارو أدرك أنه ينبغي عليه أن يتوخى الحذر في طرحها مستقبلاً.

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

 

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

“من الجيد أنني لم أشر إلى ماضيّ أمام ريم. كان من الممكن أن تنخفض شعبيتي الضئيلة أصلًا أكثر مما هي عليه. بالكاد وصلت إلى القاع.”

“لدي بعض المهارات، لكن إن واجهتها وجهًا لوجه، لن أصمد سوى بضع ثوانٍ قبل أن أتحول إلى كومة غبار.”

 

 

“يبدو أن مستوى شعبيتك معها كان منخفضًا بصورة غير طبيعية منذ البداية، في رأيي.”

الفتاة ذات العين الواحدة لم تفعل سوى أن رفعت قدمها العارية بلا اكتراث، ولكنها لم تعتمد على قوتها البدنية، بل على مهارة دقيقة في توجيه الضربة إلى موضع حساس—بل، ربما لم يكن هناك أي تخطيط من الأساس، بل مجرد موهبة فطرية مروعة في استخدام قدميها.

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

إن مشاعر ريم، التي يصعب قياس تغيّرها، تلقت تعليقًا متعاطفًا من تشيشا.

 

 

وسط موجات الحر والصدمات العنيفة التي تعصف بالهواء، كان فينسينت، وهو يحمل سوبارو شوارتز بين ذراعيه، يضرب بأقدامه طُرقات المدينة المدمرة محاولًا الابتعاد عن ساحة المعركة.

وخلال تبادل الحديث بصراحة بينهما، أخبره سوبارو أن ريم كانت ضحية لأسقف خطيئة “الشراهة”، ونتيجة لذلك فقدت كل ذكرياتها وعلاقتها به.

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

ومع ذلك، بالنظر إلى كيفية تقبّله لقصة “الشلال العظيم”، فقد يكون تشيشا قد قرر تصديقه لمجرد أن اعتبار سوبارو مُطاردا مهووسًا يحمل مشاعر ملتوية تجاه ريم هو الاحتمال الأسوأ. فيكون تصديقه بالسيناريو السابق أهون الشرَّين.

 

 

 

—

“ألم أقل للتو؟ لقد أتيت وفقًا لنداء القدر. نادرًا ما يُلقى عليّ هذا الدور، لذا عندما تحين الفرصة، لا بد أن أتصرف كما يليق بـ ’قارئ النجوم‘.”

 

 

ثم، وفي لحظة غير متوقعة، قال تشيشا بهدوء:

أمسك بذلك الكتف النحيف، وجذبه تجاهه، بينما حدق في الشخص الذي كان يعالجه عن كثب:

 

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

“…في الأصل، لم أكن أنوي استدعاء سيسيلوس مرة أخرى.”

لكن الإمبراطور، صاحب هذا المخطط، لم يُظهر أي تردد وأصدر ضحكة خفيفة ثم قال:

 

 

“هاه؟”

 

 

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

فوجئ سوبارو بهذا التحوّل الغريب في مجرى الحديث، واتسعت عيناه دَهشة.

“— يا صاحب الجلالة.”

 

 

نظر إلى جانبه، ليجد تشيشا قد وضع كأسه على سور الشرفة،

 

يفتح ويغلق يده الفارغة وهو يحدّق بعينيه الذهبيتين نحو القصر البلوري…

وهذه المرة، استقبلتها ريم بين ذراعيها، معانقة إياها وكأنها تحميها، ثم رمقت سوبارو بنظرة مليئة بالتوبيخ، قائلة:

 

أدار سوبارو نظرات حادة نحو الفتاة ذات الشعر الأشقر، التي كانت تحملها الامرأة الزنجية تحت ذراعها.

لا، بل نحو العاصمة بأكملها.

 

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

حاول تشيشا أن يواسي سوبارو، الذي بدا محبطًا، لكن المشاعر كانت معقدة بالفعل.

 

 

“كما بات واضحًا لك، الشكل الطفولي الذي اتخذه كان بفعل قدرتي.

قادت مادلين جيشًا من التنانين الطائرة، وشنت هجومًا جويًا مدمرًا، أدى إلى تدمير المدينة تقريبًا بالكامل. اضطر المتمردون إلى التخلي عن موقعهم، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن أبيل، الذي كان يقودهم، لم يكن ليسمح لنفسه بالسقوط بسهولة.

وقد أرسلته إلى جزيرة العبيد لأسباب معينة… وكل ذلك كان――”

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

 

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

“استعدادًا لـ”الكارثة الكبرى” القادمة، أليس كذلك؟ قلّصت هيئة سِسي وأرسلته إلى الجزيرة، لا أدري ما قد تجنيه من ذلك… آه، أو ربما، كان لغوز علاقة بالأمر؟”

“إذا كان هناك شيء واحد سار كما ينبغي، فهو أن وجود ناتسومي شوارتز أُثبت مرةً أخرى، ليس فقط في المملكة… بل في الإمبراطورية أيضًا.”

 

 

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

 

 

“…أن يُذكر اسمه حتى هنا، هذا هو راينهارد بحق، عالميّ الصيت. ميسي هذا العالم…”

 

 

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

في الواقع، سوبارو رأى بأم عينه مدى تفوق سيسيلوس في القتال، وقد تجاوزت قوته حدود الفهم.

 

 

 

خلال المعركة الكبرى ضد “الساحرة”، تجلّت بحق القيمة الحقيقية لـ”البرق الأزرق”. ــ إلا أن من أظهر تلك القوة لم يكن سيسيلوس الصغير نفسه، بل تشيشا الذي تقمّص هيئته البالغة وارتدى “قناعه”.

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

 

“ذلك الشخص…!”

وعَينُ سوبارو، التي شهدت مرتين القتال الأسطوري لراينهارد عن كثب، علِمت أن سيسيلوس البالغ يستحق بالفعل أن يُدرج في فئة الخارجين عن المألوف.

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

 

غير أن――،

في النهاية، لم يكن لجروح سوبارو الخطيرة أو فقدان تشيشا لوجه فينسنت، الذي كان ضروريًا لخطته، أي فائدة تُذكر سوى أنها كانت مجهودًا ضائعًا.

 

 

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

أسلوب سيسيلوس الخاص في الحديث معقّد وصعب الفهم، لكن حين يتمكن المرء من تفكيكه، يجد أنه غالبًا ما يلامس جوهر الحقيقة، بل ويُعجب بمدى دقة منطقه وعمق تفكيره.

 

“كاكاكا! هؤلاء الشباب مثيرون للشفقة حقًّا! حتى أنا لم أشهد مثل هذا التهور والجنون من قبل! هذا مذهل، مذهل حقا!”

“…ماذا تقصد بذلك؟”

 

 

 

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

 

——

“――――”

“ولهذا السبب…”

 

 

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

“يالك من أحمق.”

 

“— ريم.”

كان يحكُ رأسه بعنف، باحثًا عن وسيلة ينقل بها تلك الحماسة التي شعر بها في ذلك الحين.

ولكن لسوء الحظ، لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك. كل ما يمكنه فعله هو تكرار قصته السخيفة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن يصدقها أحد.

 

كانت هذه نقطة البداية الجديدة لـ”العودة بعد الموت”، وهناك، كان سوبارو بالفعل وحيدًا. ―― ربما كان خطؤه الأصلي أنه أصبح وحيدًا في هذا المكان.

فلم يكن الأمر مجرد قوة تساوي قوة، ولا تشابهًا في المقدار يُقاس، بل كان شعورًا خاصًا، كأن الناتج من جمع واحد زائد واحد لا يكون اثنين، بل رقمًا أكبر بكثير… شيئًا فريدًا من نوعه.

لقد تحول فينسينت إلى فيريس.

 

 

“بصراحة، لقد تصرفتُ بأنانية شديدة. وربما، حتى إن عرف جلالة الإمبراطور نوايا تشيشا الحقيقية، فقد يغضب بشدة ولن يسامحني أبدًا. لكن رغم ذلك، أنا أؤمن أن الإمبراطور فينسنت رجل محظوظ.”

وبينما كان يعيش هذه اللحظة بشيء من التأمل العبثي، مدّ سوبارو ذراعيه من الخلف ولفّهما حول خصر ريم وروي، ثم رفعهما معًا بخفة وقفز بهما إلى ظهر التنين الطائر.

 

“إذا كان الحديث عن القوة، فربما، لكن المؤهلات اللازمة للوقوف على قدم المساواة لا تقتصر على ذلك وحده.”

“تعتقد أن جلالته محظوظ؟ أوافقك الرأي تمامًا.”

 

 

“أفهم… هكذا إذن…”

“آه، أترى؟ لم تتواضع في هذا الجزء، أليس كذلك؟”

“ـــ المتمرد الذي اغتصب عرش إمبراطورية فولاكيا، واستهزأ بذئب السيف.”

 

 

“بالنسبة لي، فإن تقييم قدرات الآخرين بشكل صحيح أمر ضروري ولا غنى عنه في دوري داخل الإمبراطورية. وما دام المرء لا يسعى لإظهار قدراته، فمصيره في بلاد الذئاب هذه أن يُلتهم لا محالة.”

 

 

 

“مجتمع يقوم على القوة المطلقة، ومبدأ التفوق، والمنافسة المستمرة… أفهم ذلك، لكن ما يمنحني الأمل هو أن فولاكيا ليست مقتصرة على هذا وحده.”

 

 

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

“أعتذر على افزاعكم، أشعر بالخجل حقًا… لكن… أن يُطِلّ عليّ سيسيلوس من هذا الإرتفاع وبهذا الحجم، فهو أمر لا أرغب في تجربته مجددا.”

 

“يبدو أنها بخير… ستستيقظ، أليس كذلك؟”

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

كان أمام سوبارو الآن شخص قد حول مظهره مرات عديدة، حتى أنه تجاوز ذلك وتمكن من شفاء جرح قاتل في شكل “فيريس”، وهذا ليس مجرد محاكاة أو تنكر عادي، بل قوة أكبر بكثير.

 

“جلالة فينسنت شخص شديد الذكاء، لكنه أيضًا لا يغيّر قراراته أبدًا بمجرد أن يتخذها. ولأنه دائمًا ما يختار أكثر الطرق كفاءة وأقلها استهلاكًا للموارد، لا أحد يستطيع معارضته.”

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

 

 

إلا أنه لم يعرف بعد ما الذي يحتاج إلى لمسه ليتمكن من النجاة.

“بيرلستيتز، رغم مظهره، إلا أنه يملك قلبًا حارًا بشكل مفاجئ. تشيشا صنفته على أنه إمبريالي متشدد، لكنني اكتشفت أنه شخص يفيض بالعاطفة. على الأرجح، من النوع الذي يقدّر الوعود في الخفاء. أما مادلين، فصعبة الانفتاح قليلًا، لكنني أعتقد أنها تهتم بالآخرين أكثر مما تظهر. ربما كانت محاطة بأشخاص جيدين. والآن… أظنها فقط حائرة في كيفية استخدام مشاعرها الطيبة؟”

 

 

 

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

 

 

 

“ما أطرحه ليس بالشيء العظيم حقًا. أولبارت مثلاً، فقد ذراعه، ومع ذلك لا تظهر عليه أي لمحة من الحزن أو اليأس. ربما يعود ذلك إلى حكمته وخبرته. يتظاهر بالقسوة، إلا أنني أشعر بأنه يملك مشاعر طيبة تجاه الشباب. أما موغورو، فلم تتح لي الفرصة للحديث معه بجدية بعد، لكن في داخلي أُعلّق عليه آمالا بأنه ربما يكون أكثر الناس إنسانية في الإمبراطورية.”

 

 

 

أولبارت، بعد مرافقة سوبارو في مهمة “كايوس فلايم”، بدا وكأنه يحاول التخفيف من شعور الذنب الذي راود سوبارو، حتى اقترح وضع سلاح مكان ذراعه المفقودة. أما موغورو، الذي كان يتولى حراسة القصر البلوري، فلم تتح لسوبارو فرصة في التواصل معه بسبب تواجده المتكرر خارج المدينة، إلا أنه، رغم قلة كلامه، أبدى اهتمامًا واضحًا بأراكيا التي تركت المكان، وبغوز الذي كان أسيرًا.

“أوه!”

 

 

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

“السماء… هذا سيجعلني أشعر بسوءٍ أكبر…”

 

 

“إن لم تجد ما تقوله، فلا حاجة لأن تُجهد نفسك في البحث عن شيء إيجابي، هذا ما أراه.”

“يورنا ميشيغري… أليس لقبها ‘ذات الألوان الزاهية’؟” -المبهرجة-

 

في الواقع، لم يكن له أي ملاذ. وإن عجز أولئك القادرون على مقاومة تلك “الساحرة”، فعلى سوبارو – شوارتز أن يصنع فرصةً، ويهيّئ وسيلةً لقلب الموقف رأسًا على عقب.

“حسنًا، أما سِسي، فبما أنه هو نفسه سِسي، سأتجاهله مؤقتًا… ليبقى تشيشا.”

 

 

 

“――――”

 

 

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

“مهما يكن، منذ أن قُذِفت إلى الإمبراطورية وحتى الآن، تشيشا ساعدني كثيرًا… أم أنه كان يتلاعب بي؟ ربما أجبرني على مسايرته…؟”

 

 

في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، المصمَمة على شكل قلعة نجمية، والتي تتخذ من القصر البلوري المتلألئ في أقصى الشمال نقطة ارتكاز، كانت النجوم تملأ السماء بشكل مدهش. ضيّق سوبارو عينيه وهو يحدّق في تلك النجوم المجهولة، التي لا يعرف أسماءها، ولا تربطه بها أي ذكريات أو صِلات.

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

قال تشيشا بتنهد، في مواجهة سوبارو الذي لم يتمكن من الوصول إلى تقييم واضح. سواء كانت التهمة أنه تلاعب به أو جعله يسايره، أو حتى أنه ساعده، فإن تشيشا اعتبر كل تلك الأوصاف مجافية للحقيقة. وهذا جزء من طباع تشيشا غولد المتقلبة والصعبة.

“الساحرة” ― نعم، “الساحرة” بالفعل. قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها، تهديد من الطراز الأقصى، ظهرت الآن على أرض جزيرة عبيد السيف لتقف في وجه سوبارو – شوارتز ورفاقه.

 

سوبارو لم يعتبر طريقته هذه في التفكير شيئًا استثنائيًا. على العكس، يراها طبيعية تمامًا. وهو يدرك أيضا أن أفكاره، أمام مبادئ الإمبراطورية القاسية، بل حتى أمام مملكة لوغونيكا نفسها، تُعد ساذجة.

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

 

“بالضبط.”

“سواء للأفضل أو الأسوأ، تشيشا كان له دور في ثمانين بالمئة من مغامراتي في الإمبراطورية. بالنسبة لي، فالإمبراطورية الفولاكية تعني تشيشا غولد.”

“صحيح. إن الصراع على عرش هذه الإمبراطورية قد بدأ، حيث سيتواجه الإمبراطور والخونة وجهًا لوجه.”

 

 

“يا لها من مبالغة. هذه البلاد هي وطن السيف والذئاب، وإمبراطورية فولاكيا لا تعني إلا شخصًا واحدًا، وهو جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا. لذا، أرجو منك أن تراجع هذا التصور.”

× × ×

 

 

رفع كتفيه متظاهراً بالجدية وهو يقول ذلك، مع أنه هو نفسه من نزع الإمبراطور فينسنت عن عرشه، وعبث بالإمبراطورية كما يشاء بوصفه متمردًا.

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

 

 

سوبارو، من جانبه، أثنى على كلامه قائلاً: “نكتة موفقة”، ثم تشارك الاثنان الضَحِك لبعض الوقت.

في الواقع، سوبارو اضطر إلى تجرع الموت والعودة عدة مرات، ولذلك كان يشعر بارتياح كبير لأن الخطر لم يقع على ريم.

 

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

وبعد ذلك――

 

 

كان سوبارو – شوارتز، الذي يعرف جيدًا ماهية تلك الكائنات ومدى خطورتها، لا يملك إلا أن يلتقط أنفاسه وقد أُخذ بروح سيسيلوس المسرحية الجريئة.

“قد يكون ما سأقوله بمثابة تلميح أو تمهيد لأحداث لاحقة، لذا ترددت قليلاً قبل قولِه… لكن، إذا نجح مخططك يا تشيشا، ماذا تنوي أن تفعل بعد ذلك؟”

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

 

لكن يورنا ميشيغري، التي كانت تستخدم كايوس فلايم كقاعدة لها، أعلنت أنها لن تنحاز إلى أي من الجانبين، واختارت أن تتحصن داخل المدينة المدمرة وتبني خطًا دفاعيًا حولها.

“ماذا تعني بـ’بعد ذلك’؟”

بدأ لحم الجرح المندمل بالإنتفاخ والنمو، وأخذت الأحشاء الداخلية والألياف العضلية في إصلاح ذاتها. على الرغم من أن الدم المسفوح قد فُقد، فإن الجسم بدأ يستجيب لتفعيل عملية إنتاج دم جديد، وبدأ تدفقه يتغير بشكل ملحوظ.

 

هل كان يرحب بهذه العلاقة، أم يكرهها؟ لم يكن من السهل معرفة ذلك.

“أعني، ما قمتَ به ليس بالأمر الهيّن، وحتى لو اعترفت بكل شيء، لا أحد يعلم ما إذا كان الإمبراطور فينسنت سيغفر لك. لذا… إذا لم يعد لك مكان في الإمبراطورية، فسأكون دليلك في المملكة هذه المرة!”

 

 

 

“أوه، ناتسوكي-دونو القادم من خلف الشلال العظيم سيُرحِب بي في مملكة لوغونيكا؟”

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

 

“لقد عشت في المملكة لأكثر من عام، لذا أستطيع على الأقل أن أُرشدكَ إلى الأماكن القريبة!”

غير أن――،

 

وفي اللحظة التالية، ناتسوكي سوبارو… مات على الفور.

على أي حال، إن استطاع أن يعيد ريم إلى مملكة لوغونيكا، فلم يكن يرغب في أن يقتصر هدفه فقط على استرجاع “ذكرياتها”، بل كان يرغب في القيام برحلة بين الأماكن التي كانت مألوفة لها.

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

 

—

وبالطبع، نظراً لوجود انتخابات إيميليا الملكية، فلن يكون لديه الكثير من وقت الفراغ. لكنه لم يرَ بأساً في أن يكون ضمن تلك الرحلة، إلى جانب إيميليا وبياتريس، وحتى الذئب الأبيض الذي طُرد من الإمبراطورية.

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

 

 

“أن تدعم شخصاً يواجه مشكلة عويصة ككونه نصف إلف، ثم تمد يدك بهذا الشكل للآخرين… أعتقد أن تصرفاً كهذا يفتقر إلى بعض الاتزان. ولا شك أن من يقوم بتنسيق أمور فصيلكم، يعاني الكثير من المتاعب، أليس كذلك، ناتسوكي-دونو؟”

 

 

 

“لـ… لا بأس! فهو من النوع الذي يحب أن يتحمل المتاعب، وقد قال لي ألا أُحْرَج من قول أي شيء وألا أتصنع أمامه!”

 

 

 

“ألا تتصنع، هاه؟”

لا، بل نحو العاصمة بأكملها.

 

“――روي أرنيب.”

تلقى سوبارو ملاحظة معقولة إلى حدٍّ ما، فردّ بشفاه ملتوية في شكل شبه عبوس.

 

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

ربما كان هذا الانحراف في مجرى الحديث بمثابة رفضٍ غير مباشر. وبالطبع، كان يعلم أن اقتراح مستقبلٍ بديل لتشيشا بعد طرده المحتمل من الإمبراطورية، في حين كان يبذل كل ما في وسعه من أجل مستقبلها، يُعد تصرفًا غير لبق بل يتعدى حدود اللباقة تمامًا.

وجد سوبارو نفسه في إمبراطورية فولاكيا بلا أي مقدمات، وكأنها مجرد ضربة حظ أو مصادفة عبثية. كان من الممكن أن يسقط في أي مكان آخر—في مناطق حدودية، أو حتى في مدينة كاراراغي المستقلة، أو في مملكة غاستيكو المقدسة، ومع ذلك، انتهى به الأمر هنا، في قلب الفوضى.

 

 

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

 

 

 

“ناتسوكي-دونو…”

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

 

 

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

لا يمكن لسوبارو الادعاء بأن مملكة لوغونيكا كانت مكانًا آمنًا ومسالمًا مثل اليابان الحديثة — فقد واجه الموت هناك عدة مرات — ولكن مقارنة بالإمبراطورية، كانت لوغونيكا تخضع لقواعد مختلفة تمامًا، وكان من الصعب عليه التمييز بين ما هو “طبيعي” وما هو “غير طبيعي” هنا.

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

يبدو أن روي قد عمّق علاقته مع ريم خلال فترة غياب سوبارو عن العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

حتى الآن، لم تصدر منه أي أفعال شريرة تتناسب مع ما يُقال عن كونه أحد أساقفة الخطايا، بل يبدو على العكس تمامًا، مخلصًا ويعتني بريم بإخلاص. ومع ذلك، لا يمكن لسوبارو أن يتيقن من نواياه الحقيقية في أعماقه. ــ وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فإن اتخاذ قرار بشأن ما يجب فعله بها عند اصطحاب ريم إلى المملكة يظل مصدر صداع دائم له.

 

 

 

وربما يكون من الأفضل أن يطرح هذه “المعضلة المزعجة” على أوتو ليستشيره بشأنها.

كان رأي تشيشا مبنيًا على أمل أكثر من كونه خطة واقعية، في ظل هذه الأوضاع اليائسة.

 

“ــــ بيرفكتو!!”

“――――”

 

 

 

وبينما كان سوبارو يخطط لزيادة معاناة أُوتو المعوية على طريقته الخاصة، كان تشيشا، على غير عادته، يعقد حاجبيه وكأنه على وشك قول شيء ما. فتح شفتيه ليتحدث، ثم أغلقهما، وكرر ذلك مرتين أخريين، حتى بلغ عدد المحاولات ثلاثًا.

“………”

 

 

وقد بدا أن ذلك ناجم عن تردّد داخلي ما، مما دفع سوبارو إلى إمالة رأسه باستغراب.

 

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

“تشيشا-سان، هل هناك تلميح أو إشارة تحاول زرعها؟”

عندما التفت نحو مصدر الصوت، رأى ظلًا طويل القامة يقف عند مدخل القصر. كان شابًا ذو ملامح حادة وشعر أخضر قصير. وعندما تعرف على ملامحه، تشكلت على شفتي سوبارو ابتسامة مشوهة.

 

 

“… لا، بل على العكس تمامًا. لقد كدتُ أن أنطق بما كان سيغدو تلميحًا لخطيرًا، فتراجعت في اللحظة الأخيرة. كنتُ على وشك أن أقع تحت تأثيرك وتأثير سيسيلوس.”

لكن في الواقع، فإن الشخص الذي كان بحاجة إلى تفسير أكثر من أي أحد آخر هو سوبارو نفسه. فبعد معركته ضد “الشراهة” في برج بلياديس للمراقبة، وبعد أن فقد شخصًا عزيزًا عليه بحجة “الاختبار”، كان بالكاد قد بدأ في استعادة توازنه النفسي قبل أن يجد نفسه في هذا الوضع الغريب.

 

فخلال الدقائق العشر الماضية فقط، كان قد قُتل مرارًا بطرق مختلفة على يد أعداء مختلفين.

“أنا… في نفس التصنيف مع سسِّي؟! هل هذا حقيقي؟!”

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

 

 

نظر إليه سوبارو مذهولًا، بعينين متسعتين، بعدما قال ذلك بابتسامة خفية تخفي الكثير. لكنه لم يُضف شيئًا آخر، بل رفع كأس الشراب عن الدرابزين، وشرب منه جرعة طويلة بصمت.

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

 

 

إنه ذلك الرجل الذي، في الخفاء، وضع خطة لدرء “الكارثة العظمى” التي تهدد الإمبراطورية، وقد يضطر بعد انكشاف الحقيقة إلى أن يعيش حياة يطارده فيها الاتهام واللائمة، حتى من أولئك الذين كرّس لهم ولاءه وخدعهم في سبيل ذلك.

 

 

“أحضرتهم معي.”

بينما كانت نهاية نضاله تقترب شيئًا فشيئًا، كان سوبارو من جهة يرجو أن يكلل مسعاه بالنجاح، ومن جهة أخرى بدأت تتضح له معالم الطريق نحو عودته المنتظرة إلى مملكة لوغونيكا، فقبض على كفه بإحكام.

 

 

رمش سوبارو بعينيه، ليجد أن صورة الرجل الأبيض في المرآة قد اختفت، ولم يبقَ أمامه سوى نظرات ذلك الرجل الوسيم المخيفة التي تخترق أعماقه.

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

 

 

“لا، بل الشكر لك، أيها الحاكم. في الواقع، السبب وراء مناداتي لك هو التأكد من أن هذه السيدة التي أحضرتها معي تعي ذلك تمامًا.”

“فلنقم بذلك، تشيشا-سان. هذه المعركة… ستكون نصرنا!”

 

 

 

“لست ممن يندفعون بهذا القدر من الحماسة… لكنني أقدّر روحك هذه.”

لكن، رغم تلك الجوانب، فإنهما قضيا معًا وقتًا ليس بالقصير، مما جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا وعمقًا.

 

 

قال تشيشا ذلك، ثم رفع كأسه بهدوء نحو ظلمة الليل، لا بدافع الاندفاع بل بدافع العزم، ولامس بكأسه قبضة سوبارو المرفوعة.

 

 

 

كان ذلك تحالفًا نشأ من عبثية لم يخترها أيٌ منهما، لا بل علاقة تواطؤ، إن صحّ التعبير. رجلان كذبا كذبة كبرى لخداع إمبراطورية بالكامل، وتشاركا في تلك الليلة وعدًا راسخًا.

 

 

“أتقصد مثل متطلبات العميل، أو موعد التسليم النهائي؟”

ـــ وكانت تِلك، ليلة ناتسكي سوبارو وتشيشا غولد الأخيرة.

 

 

 

~~~

 

 

 

هُزّت كتفاه، وصُفعت وجنتاه، ليُقاد وعي ناتسوكي سوبارو من غياهب النوم إلى اليقظة. وما إن استعاد إدراكه حتى صُدم حين أدرك أن ما استيقظ عليه لم يكن غرفة نومٍ في قصر بيرلستيتز، بل صندوقًا ضيقًا محكم الإغلاق.

 

 

 

“أوووه!”

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

 

 

كان هذا الصوت العالي، الذي ساهم في إيقاظه، صادرًا من روي آرنيب، الذي كانت محشورَةً معه داخل ذلك الصندوق الضيق.

 

 

 

وفور رؤيته لوجه روي المبتسم أمامه، سرعان ما التفت وراءه ليجد ريم، فنهض فجأة من مكانه، ثم ارتطم بشدة بسقف الصندوق، فصرخ من الألم والحرارة التي اجتاحت رأسه قائلاً: “غيااوووه!”

 

 

على الرغم من مزاحه، لم يكن سوبارو غافلًا تمامًا عن مدى تسرعه عندما كشف عن اسمه. لكنه أيضًا لم يكن متأكدًا من أن أي خيار آخر كان ليحميه من بطش فينسنت.

ثم――

“――――”

 

 

“نحن الآن داخل عربة تنين متوجهة نحو مملكة لوغونيكا. سمعتهم يتحدثون بذلك.”

 

 

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

“هـا؟ كيف يعقل هذا؟ لماذا؟ لكن… أعني… ألم يكن هنالك تمرد…؟!”

 

 

 

“لا علم لي! حدث كل شيء فجأة. لقد دُفعنا بالقوة إلى داخل العربة… وأنت، لم تستيقظ أبدًا رغم كل ما جرى!”

“أوه…؟”

 

 

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

إذا كانت أفعال تشيشا أثناء انتحاله لشخصية الإمبراطور تعكس بالفعل شخصية فينسنت فولاكيا الحقيقية، فربما يكون السبب واضحًا. على الأرجح، الإمبراطور شديد الذكاء لكنه قليل الكلام، مما يجعل من يعملون تحت إمرته يعانون معه.

 

 

كان على وشك أن يقول: “كنت أول من سيستيقظ”، لكنه تراجع عن ذلك حين قارن كلماته بالواقع الذي لم يستطع فيه النهوض فعلاً. وعندها، خطر على بال سوبارو شيءٌ واحد: الحليب الذي شربه في الليلة الماضية.

“أوه، ومَن يكون هذا؟”

 

 

ذاك الحليب الذي شربه أثناء حديثه مع تشيشا في شرفة الجناح الملكي، كان من إعداد تشيشا خصيصًا له. ويتذكر بوضوح أن النعاس داهمه بشكل مفاجئ فور انتهاء حديثهما. ثم عاد مترنّحًا إلى الغرفة التي خُصّصت له، وسقط في نومٍ عميقٍ كمن سقط في مستنقع.

بجوارها، حاول الطفل الصغير بشجاعة الهجوم على المرأة.

 

“ماذا تعني بـ’بعد ذلك’؟”

“لقد أوقعني تشيشا في الفخ…! ما الذي كان يفكر فيه… يا لي من أحمق. لا، أنا فعلاً أحمق. ما الذي يمكن أن يفكر فيه تشيشا غير ذلك؟ إنه واضح وضوح الشمس!”

 

 

 

لم يكن هناك مجال للشك. النية التي تقف خلف هذا الوضع الذي رتّبه تشيشا أصبحت جلية.

 

 

في صدره، كان قلبه ينبض بلحن بارد، مسببًا له الألم، ولم يكن قد استوعب بعد المصير المؤسف الذي حلّ بأراكيا.

لقد قرر أن يخوض المعركة وحده. فبعد أن اعتمد على سوبارو طوال الطريق لترتيب رقعة اللعب، ها هو في النهاية، كما فعل مع الإمبراطور، يُقصي سوبارو من المعادلة، ويختار أن يواجه “الكارثة العظمى” بمفرده.

 

 

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

أما أسئلة من قبيل: هل كانت هذه نيته منذ البداية؟، أو منذ متى بدأ يخدعني؟، فقد بدأت تعصف بذهن سوبارو كزوابع من الندم والأسى، إلا أنه أغلق عليها بصرامة.

 

 

ولكن—

الآن، وفي هذه اللحظة، لا جدوى من الحزن أو الشكوى.

ثم، مندفِعًا بالمشاعر التي غمرته، رفع قبضته نحو السماء، وهتف:

 

 

“يجب أن أخرج من هنا، بأي طريقة كانت…” تمتم سوبارو في نفسه، ثم نظر إلى من حوله.

 

 

 

“لا أظن أن ذلك ممكن. حاولت عدة مرات، لكن الصندوق متين للغاية، لا يتحرك قيد أنملة. يبدو أنهم سيطلقون سراحنا بعد عبور الحدود المؤدية إلى مملكة لوغونيكا…”

 

 

“بمعنى آخر، هدفك ليس العرش… أما عن ماهيته، فلا أعلم.”

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

 

 

 

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

 

 

 

“… إنفِزِبُل – بروفيدِنس!” (العِناية الخفية)

 

 

 

ضغط سوبارو على أسنانه بقوة واستدعى الذراع الخفية الكامنة داخله – “الذراع غير المرئية” – محاولًا تحطيم الصندوق.

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

 

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

لكن خلافًا لحاملها الأصلي، أسقف الكسل من أساقفة الخطايا السبعة، فإن هذه القدرة في يد سوبارو لا تختلف كثيرًا عن ذراع ثالثة غير مرئية. وإن لم تستطع ذراعاه العاديتان كسر الجدران، فلن يفلح بها كذلك، حتى وإن كانت خارقة.

 

 

اقترب وجه الفتاة من وجه المرأة لدرجة أن أنفيهما كادا أن يتلامسا، وفي العين الحمراء الوحيدة للمرأة – تلك التي لم تُحجب بضمادة العين – رأت الفتاةُ انعكاسَ وجهها.

“لو أن قفل الصندوق كان بسيطًا على الأقل، لتمكنت من فتحه باستخدام الـ إنفِزِبُل – بروفيدِنس…”

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

 

 

كل ما جناه سوبارو من محاولته كان ألمًا في جسده نَتيجة الارتداد، مما جعله يعض على أسنانه غيظًا لفشل خطته.

 

 

 

إلى جانبه، كانت ريم قد خاضت صراعًا مشابهًا، وقد خلّفت أطراف أصابعها العديد من الانبعاجات الصغيرة في جدار الصندوق الصلب. كانت ملامحها متوترة بوضوح — هي أيضًا لم تكن راضية عن مغادرة الإمبراطورية في هذه اللحظة بالتحديد.

“ناتسومي شوارتز! لم أكن أظنك ستفعلين شيئًا كهذا…!”

 

 

صحيح أن ريم وُضعت في قصر بيرلستيتز كرهينة مرتبطة بسوبارو، لكنها وخلال تلك الفترة استعادت قدرتها على استخدام فنون الشفاء، ما جعلها ذات قيمة عالية في مكانٍ ندر فيه أمثالها.

 

 

 

وشعرت ريم برضا داخلي عن هذا الدور الذي أدته، وكانت قد بدأت تشكل علاقات خاصة بها داخل الإمبراطورية. حتى أن سوبارو سمع منها أنها كوّنت صداقات هناك.

“حسنا! انتهينا من نصب الأعلام قبل الليلة الفاصلة! أفرغتُ كل ما كان بخاطري… آه، وشكرًا لك على اعتنائك بحياة ريم. لقد ساعدتني كثيرًا، وأنا ممتن لك حقًا. وبالمرة… شكرًا لروي أيضًا، رغم أن الوضع معقد بشكل لا يُحتمل.”

 

 

“مادلين وكاتشوا… بقيتا في العاصمة… بينما أنا…”

“أنا لا أحب محاولة حل الأمور من خلال وضع النفس في موقفٍ مأساوي لا مَفر منه، كما لو أنه لم يبقَ مكانٌ للعودة إليه أو مأوى يُحتضَن فيه. لهذا، إن استطعت أن أمد يدي لأحد، فلن أتردد في ذلك.”

 

 

من المؤكد أنها لم تُمنح حتى فرصة وداعهن.

 

 

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

أما سوبارو، فلا يسعه إلا أن يتذكر أن آخر شيء قاله لتشيشا كان شيئًا تافهًا من قبيل: “علي أن أذهب لأتغوط قبل أن أنام”، أو شيء كهذا. رغم أنه كان قد بلغ حد الإنهاك، إلا أن هذا لا يبرر تفاهة ختام اللقاء.

الشخص الذي وقف أمام فينسينت بهذه الابتسامة المستهترة كان رجلًا ذا ملامح لطيفة وشعر رمادي طويل.

 

“وجود أراكيا وحدها في ساحة المعركة قد يجعل فارق الأعداد بلا معنى تمامًا.”

“تبًا! أخرجونا! على الأقل… على الأقل ناقشوا الأمر معنا! كيف تجرؤون على المضي هكذا من دوننا!”

“هل هذا الاستنتاج الذي توصلتَ إليه عبر الاستماع إلى كلمات المتفرجين في السماء — إلى ‘النجوم’؟”

 

وبفضل وجود النسخة المصغّرة الأصلية بجانبه مباشرة، تمكن سوبارو – شوارتز الذي كان يقف خلفهم من تمييز الشَخصية المتقَمصَة على الفور.

“… آاا، أُو؟”

 

 

“ـــ ظل الإمبراطور؟”

“اصمتي! دائمًا ما تتدخلين، لكن الآن على وجه الخصوص ليس لدي وقت لأعبث معك!”

 

 

 

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

 

“مستقبل الإمبراطورية، تقصد…؟”

وحين عجز سوبارو عن تمالك نفسه، تقدّمت ريم لتضم روي من الخلف برفق، وكأنها تحاول حمايتها من غضبه.

 

 

 

بعد ذلك—

 

 

وأمامها، وقف رجل ذو ملامح مخيفة، وجهه وحده كفيل بجعل أي طفل يتذكره في الليل أن يمتنع عن الذهاب إلى الحمام خوفًا. فيقضي حاجته في غرفته لتأتي والدته صباح الغد وترى بُحيرة ساحرة من الذهب السائح فوق سريره~

“أووه؟”

 

 

~~~

“…أنا لست بخير. أودّ الادعاء أنني بخير حتى لا أُقلق روي، لكن في الواقع… أنا، وهذه الفتاة أيضًا، لسنا بخير.”

’تبا، قلتها مرة أخرى. رغم أن بياكو كانت تغضب في كل مرة أستخدم فيها هذا التعبير لأنه يسبب سوء الفهم، وها أنا ذا أكررها مجددا.‘

 

“اصمتي! دائمًا ما تتدخلين، لكن الآن على وجه الخصوص ليس لدي وقت لأعبث معك!”

“أوا… إيو… ــآه، أوه…”

 

 

“الشلال العظيم… فهمت الآن، يبدو الأمر منطقياً.”

رفّت عينا روي وهي تنظر إلى كلمات ريم التي كانت تغالب دموعها، ثم شدّت على تعابير وجهها قليلًا، ومدّت يدها لتلمس سوبارو.

 

 

 

وعند تلك اللمسة، عضّ سوبارو على أسنانه بشدة. ― وفورًا بعد ذلك.

“… وهل هناك داعٍ للاستمرار بهذا المظهر أمامي، رغم أنني أعرف حقيقتك؟”

 

أما هذه المرة، فلا يوجد أي منطق.

«ـــ ها؟»

ولكن…

 

 

في اللحظة التالية، وفيما بدا وكأن رؤيته قد اهتزت فجأة، وجد سوبارو نفسه جالسًا في منتصف الطريق.

“يبدو أنك كنت تخلطني بشخص آخر، لذا أنا هنا لأجيبك.”

 

 

“ماذا… هاه؟! أنا في الخارج؟ لا، هذا خارج أكثر مما هو متوقع!”

“أنا—”

 

 

أطلق سوبارو صوتاً غير مفهوم ونهض مرتبكاً، غير أن المفاجأة لم تكن صادمة له وحده، بل حتى ريم التي كانت تحتضن روي كانت قد جلست هناك مذهولة.

“ريم، سأذهب لبعض الوقت. قد أتأخر، لذا لا تترددي في تناول العشاء بدوني.”

 

 

الثلاثة، بنفس الترتيب الذي كانوا عليه داخل العربة، وجدوا أنفسهم على الطريق العام—.

 

 

“أليس بإمكانك فعل ذلك جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور؟”

“هل كان ذلك… انتقالاً آنياً؟ تنقلاً؟ لا يعقل…”

بصوت مهيب ولهجة تنم عن سلطة مطلقة، بدا الرجل الوسيم وكأنه على وشك أن يحكم على مصير سوبارو بلا رحمة.

 

“رهينة مناسبة؟… لا تقل لي أنك تقصد…!”

“أوه!”

 

 

 

قبل أن تكتمل فكرة سوبارو، رفعت روي يدها فجأة بحماس.

 

 

 

كانت تلك هي قدرة روي— لا، كانت قوة سلطتها بصفتها أسقُف خطيئة «الشراهة». فـ«الشراهة» التي كانت في برج بلياديس للمراقبة قد التهمت من شخص ما قدرته على الانتقال لمسافات قصيرة. وباستخدام تلك القدرة، قامت روي بإخراج سوبارو وريم من داخل العربة.

 

 

اقترب الشاب — كافما — من سوبارو وانحنى له باحترام أثناء إبلاغه بالأمر.

“أنتِ مذهلة، روي…”

’لا أستطيع تقبّل أن يُنظر إلى المناورات في الأوقات الحرجة وكأنها دناءة في الطبع!‘ -أوتو

 

 

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

 

 

— أراكيا، “آكلة الأرواح”.

“أووه؟ آوو، أووه آوو…”

 

 

“نحن سنتكفل بالأمر هنا. —أما أنت، فأدِّ واجبك، يا غوستاف موريلو!”

أمسك سوبارو بكتفيها بحماس وأخذ يهزّ رأسها للأمام والخلف، فما كان من روي إلا أن أدارت عينيها وأشارت برأسها نفيًا. ففهم سوبارو من ذلك أن الأمر غير ممكن، وشعر بخيبة أمل.

 

 

 

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

“أليس كذلك؟! في ظل هذه الظروف، هل من الحكمة زيارتها مباشرةً بهذه البساطة؟!”

 

 

بل إنه فكّر، وإن كان الأمر يؤلمه، أن يُرسل ريم نحو حدود البلاد لتأمين سلامتها، بينما يعود هو وحده إلى العاصمة — وما إن خطرت له هذه الفكرة، حتى…

 

 

 

“――――”

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

 

“هاه؟”

صدر فجأة صوتٌ حادٌ من ريم، فاستدار سوبارو بذهول، مرتاعًا. وعندما نظر، رأى أن مصدر ذلك الصوت الغريب كان شيئًا صغيرًا يشبه الصفارة، قد وضعته ريم على شفتيها ونفخت فيه.

“مجددا؟――”

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

وبينما كان سوبارو يحملق بعينين متسعتين متسائلًا عمّا يكون هذا الشيء، أوضحت ريم قائلة: “إنها صفارة من عظم التنين.”

 

 

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

“أعطتني إياها الآنسة ماديلين. عندما قمتُ بخياطة ثوبها في وقت سابق، وكان ثوبًا عزيزًا عليها للغاية، أرادت أن ترد لي الجميل. فقالت إن عليّ أن أنفخ هذه الصفارة، وعندها—”

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

 

 

“وعندها… ماذا؟ وااه!؟”

“… آاا، أُو؟”

 

قال سوبارو ذلك ثم استدار فجأة وأسند ظهره إلى الدرابزين، رافعًا نظره نحو سماء الليل.

فور أن نفخت الصفارة التي أهدتها لها ماديلين، بدأ تأثيرها يتجلى، إذ نزل شيء من السماء بسُرعة خيالية.

 

 

“توقعات، تقول ذلك بنفسك؟ يالك من شخص مستفز…”

ربما كان ذلك أحد التنانين الطائرة التي تتحكم بها ماديلين، والتي تنتمي بدورها إلى عرق البَشر التنانين. وهي مخلوقات شرسة لا تألف البشر أبدًا إلا عبر طرق ترويض خاصة جدًا. ومع ذلك، ها هو هذا التنين يركع أمام ريم التي تحمل الصفارة، ويخفض رأسه في طاعة واضحة.

“—فشلنا، فشلنا.”

 

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

على الأرجح، قد أوصته مادلين بأن يطيع ريم وينفذ أوامرها.

“ـــ قناع «الشمس».”

 

غير أن――،

“لو كان سيسمح لنا بالركوب عليه، فبإمكاننا الوصول إلى العاصمة الإمبراطورية!”

 

 

 

“ألستَ أنت من كان يفكر قبل قليل في تركي أنا وروي، والعودة وحدك إلى العاصمة؟”

 

 

 

“أعلم أني كنت مخطئًا! لكنني لم أقصد الإساءة! فقط… أنا أقدّركِ وأحبكِ كثيرًا، هذا كل ما في الأمر!”

 

 

على الرغم من ردود الفعل الباردة التي تلقاها، إلا أن مشاعر الفرح غلبت على الألم لدى سوبارو، مما جعل ريم تشعر بحالة معقدة يصعب وصفها.

“ماذا؟ إذًا لن أسمح لك بالركوب.”

 

 

 

“حسناً! سأتوقف عن الكلام! فقط دعيني أركب!”

“وفوق ذلك، ألم يأمر بيرلستيتز مادلين بمهاجمة المدينة المحصنة؟ إذا كان يعرف أن تشيشا كان يتنكر في هيئة الإمبراطور، فكان ينبغي عليه على الأقل تنسيق الأمور بشكل أفضل، أليس كذلك؟”

 

تمكنهم من الفرار من العربة كان أمرًا يستحق الامتنان، لكن على الأرجح، تم نقلهم إلى مكان بعيد جدًا عن العاصمة. والآن، مع اضطرارهم للعودة سيرًا على الأقدام، ومع أن ريم لم تتعافَ تمامًا بعد، فكم من الوقت سيستغرق الوصول مجددًا إلى العاصمة؟

في خضم ارتباكه وحماسته، أدركت ريم ما كان يدور في ذهن سوبارو، فما كان منه إلا أن بدأ يتوسل إليها باضطراب واضح. تنهدت ريم أمام توسلاته، ثم جذبت روي إليها بذراع ممدودة، وقالت:

لكن المشكلة تكمن في أن هذا العالم قد يحتوي بالفعل على عرافين حقيقيين، وإذا كان هذا الرجل واحداً منهم، فيوجد احتمال كبير بأنه يرى سوبارو – شوارتز كواحد من أمثاله.

 

 

“لا أعرف مدى السرعة التي يمكن أن يبلغها… فتمسكوا جيدًا.”

 

 

كعقوبة على من يتجرؤ بالإمساس في المحظور، كان ذلك المشهد قريبًا من ما جرى حين كشف سوبارو لـ”إيكيدُنا” عن “العودة بعد الموت” داخل ضريح “المِحنة”. حينها، لولا منديل “بيترا” الذي دسّت فيه “إيكيدُنا” نورًا خفيًا، لكان قد وُضع في موقف لن يُسمح له فيه حتى بالانتحار.

ركوب مخلوقٍ طائرٍ والتحليق بحرية في السماء ليس من التجارب التي تتاح للمرء بسهولة. وحتى الآن، لم يسبق لسوبارو أن خاض تجربة الطيران في ظروف مماثلة سوى مع روزوال.

 

 

“أوه!”

وبينما كان يعيش هذه اللحظة بشيء من التأمل العبثي، مدّ سوبارو ذراعيه من الخلف ولفّهما حول خصر ريم وروي، ثم رفعهما معًا بخفة وقفز بهما إلى ظهر التنين الطائر.

“أوتظن أن بوسعك الفرار؟!”

 

 

وأثناء اعتذارٍ سريع منه إلى ريم التي احتجّت قائلة: *مهلًا!”،

 

 

لكي يخترق هذا الجدار، لكي يتجاوزه، عليه أن يجد تلك الفجوة الضيقة، تلك الإمكانية الضئيلة――،

صرخ سوبارو بحماس:

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

 

 

 

~~~

 

 

“أحقا ذلك… أم مُجرد مزحة؟”

“――تشيشا-سان، تلك اللحظة باتت وشيكة.”

“كلمات لم يُسمع بها من قبل، طرق تفكير مجهولة، بعض التقنيات، وتلك القيم… أن يُربّى المرء في بيئة غير مألوفة إلى هذا الحد، ومع ذلك يكتسب قدرًا من الاجتماعية والقدرة على التواصل، فإن تعريفه بصفته تابعًا لساحرة يُعد أمرًا مخيفًا. لذا، من الأفضل – حفاظًا على راحة بالي – أن أعدّه زائرًا من وراء الشلال العظيم.”

 

 

هكذا أعلن أوبيرك عندما زار تشيشا قبيل اندلاع معركة العاصمة الإمبراطورية.

 

 

 

بصفته أحد «قارئي النجوم»، كان أوبيرك يتلقى إشارات من أولئك الذين يدعونهم بـ«النجوم»— مشاهدون سماويون يَسْمون فوق هذا العالم، سنّوا قوانينه، ويكرّسون الفواصل المطلقة كأمرٍ لا مفر منه. وبالنسبة لتشيشا، مجرد تلقي «اتصال» من تلك الكيانات يثير في نفسه اشمئزازًا بالغًا.

 

 

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

“اتصال، هاه… لا بد أن هذا من تأثير ناتسوكي-دونو.”

 

 

 

عندما التفت إلى الكلمة التي همس بها في صدره، ارتسمت على شفتي تشيشا ابتسامة صغيرة.

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

 

 

سوبارو، الذي تم تخديره ونُقل من العاصمة في الليلة السابقة، ومعه ريم وروي، تم توجيههم مباشرة إلى حدود الإمبراطورية والمملكة. الجنود الأوفياء لتشيشا، رغم عدم حصولهم على أي شرح، قبلوا الأوامر دون تردد، وامتثلوا للتعليمات التي تقتضي إبعادهم عن ساحة المعركة.

—

 

“يا لها من نظرة رقيقة… أراها متساهلة بعض الشيء، إن سمحت لي بالقول، لكنها مثيرة للاهتمام بما يكفي لأرغب في سماع المزيد.”

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

 

 

 

“بالطبع، لا شك في ذلك! فأنا من يرافقك! أليس من الطبيعي إذًا أن تحظى بكل هذا الحظ؟!”

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

 

 

“…ألم أُصدِر أمراً بالفعل بتوجّهك إلى موقعك؟ ما الذي تفعله هنا إذن؟”

وفوق كل هذا—

 

حتى الآن، لم تصدر منه أي أفعال شريرة تتناسب مع ما يُقال عن كونه أحد أساقفة الخطايا، بل يبدو على العكس تمامًا، مخلصًا ويعتني بريم بإخلاص. ومع ذلك، لا يمكن لسوبارو أن يتيقن من نواياه الحقيقية في أعماقه. ــ وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فإن اتخاذ قرار بشأن ما يجب فعله بها عند اصطحاب ريم إلى المملكة يظل مصدر صداع دائم له.

قال تشيشا وهو يعبس بعد أن التقى بـ«البرق الأزرق» بهيئته الطفولية في ممر قصر البلّور. لكن، كأن السؤال نفسه عبث لا يُرد عليه، مدّ سيسيلوس يده قائلاً “هُراء!” ثم تابع:

 

 

كان الحاكم المسؤول عن إدارة الجزيرة، غوستاف موريلو، عنيدًا للغاية ولا يعرف المرونة، حتى أنه لم يُبدِ أي موافقة على طلبات سوبارو – شوارتز، رغم أن تشيشا كان برفقته، والذي يمثل بدوره قمةً في القدرة على الإقناع.

“أوتعرف من أنا؟ أنا النجم المتألق على خشبة هذا العالم! ولهذا، فحضوري في اللحظات المصيرية أمرٌ مفروغ منه! وها أنا ذا، أقف أمامكم في مشهدٍ يهُز أركان الإمبراطورية!”

 

 

 

“لكن، أليس ذلك فقط لأنني أنا، وناتسومي شوارتز-دونو، ذهبنا لاستدعائك بأنفسنا؟”

من دون حتى أن يلمسه مباشرة، جرفته العاصفة العاتية التي أثارتها تلك الذراع النحيلة، ليُقذف جسده بعنف نحو جدار القلعة. ارتطم سوبارو بقوة، متذوقًا ألم تحطم عظامه بالكامل، مع صوت من التهشم المُروع… لقي حتفه على الفور.

 

صدر صوت صرير مُزعِج مع انحناء شديد في العظام، ثم تغيرت بنيته الجسدية، سُمك لحمِه، وهيئة جسده شيئًا فشيئًا.

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

——

 

“بغضّ النظر عن الخلاصة التي تصل إليها، فإنني أجد كل ذلك مجحفًا وغير منصف.”

“كما هو متوقَّع منك… حتى ‘قارئو النجوم’ ينقلون رسائل النجوم بشيء من التحفظ، أما أنت، فلا جدوى من قول شيء لك، أليس كذلك؟”

 

 

 

“وهذا طبيعي. كيف يمكن لشخص ذو طبيعة ملتوية تتشوه بسهولة أن يكون بطلاً جذاباً ومحبوباً؟ حتى وإن لم يحمل المرء سيفًا، فلا بد أن يحمل إيمانًا راسخًا داخل قلبه، وهذا لا يقتصر عليّ فقط، بل يشملك أنت و«مام» أيضاً.”

وببطء، كما لو أنها تحذو حذو الطفل الصغير، بدأ الواقع يبتعد عن وعيها.

 

 

وأشار سيسيلوس بإصبعه مُصِرًا، متحدثاً بطريقته المعتادة. ولأنها كانت طريقته المعتادة إلى درجة مبالغ فيها، فقد نسي الآخر للحظة وجيزة صِغَر سنه.

“لا أحد يعلم من أين قد تظهر الثغرات. هل تفهمني؟ يقال أن التمثيل خارج نطاق المسرح ينتج عنه إتقان أكبر للدور، وهذا هو ما يعنيه الإخلاص في العمل.”

 

حين وقع بصرها على أراكيا، ازدادت ريم حذرًا، بينما التفتت الأخيرة بعيون نصف نائمة نحو فينسينت، الذي تنهد بهدوء.

كان لدى “سيسيلوس” و”مام” – وهو يشير بهذا الاسم إلى ناتسومي شوارتز، أو ناتسوكي سوبارو – بالفعل إيمان يُمكن وصفه بـ”الطيبة” أو “اللين” كما يقول.

 

 

أدرك سوبارو أن هذه كانت علامة على استيقاظها، فاستدار نحوها فجأة كما لو أنه قد دُفع بقوة. ثم جثا على ركبتيه بجانبها، منتظرًا أن تتفتح جفونها المظللة برموشها الطويلة ببطء. وحين رأى انعكاس صورته في عينيها ذات اللون الأزرق الفاتح الباهت، صاح بقلق:

فهل يا تُرى، تشيشا غولد يمتلك مثل هذا الإيمان؟

 

هل يمتلك إيماناً راسخاً؟

شاب ذو شعر أسود، بنظرات حادة، حاملا معه إحساسًا غريبًا من الطاقة السلبية ورغبة جامحة غير مفهومة…

 

 

“بالطبع يوجد. ــ فأنت أيضًا من بين الممثلين الذين اعترفتُ بهم.”

 

 

“الكارثة العظمى… مصيبة كبرى؟”

“لكن من اختارني ليس أنت. هذا ما أردت قوله فحسب.”

 

 

لم تأته الضربة القاتلة التي كان يتوقعها، ولا الألم الفظيع الذي يصاحب «الموت». بل جاء بدلًا من ذلك… سؤالٌ.

“قاسٍ كعادتك. ها نحن ذا، يبدو أن أجواء المعركة بدأت تلوح في الأفق.”

 

 

 

شمّ الهواء وهو ينظر من النافذة، وعيناه الزرقاوان تضيقان.

 

 

“بما معناه سنُفوِت معركة الحسم في العاصمة الإمبراطورية! هيي! هيييي! افتحوا! افتحوووا! اسمعوني! أنا، ناتسومي شوارتز، خطيبة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، آمركم بفتح هذا الصندوق حالاً!”

هل كانت تلك مجرد حركة عابرة؟ أم أنه بالفعل شمّ رائحة المعركة؟ لم يكن بمقدور تشيشا التأكد من ذلك.

 

 

 

لكن حين استدار سيسيلوس مغادرًا، قاصدًا ساحة المعركة التي أُوكلت إليه هذه المرة، ناداه تشيشا بصوت خافت:

 

 

 

“رغم أنني قد قلتُ ما أردتُ قوله مرة بالفعل، أرجو أن تسمح لي بإضافة شيء آخر.”

 

 

 

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

 

 

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

“أن أقود العربة إلى جانبك، وأن نرسم سويًا أثر العجلات على الطريق… كانت أيامًا ممتعة على غير ما توقعت. ― أتمنى لك النصر، سيسيلوس سيغموند.”

 

 

 

“…”

 

 

أعداؤه كُثر. وليس بينهم أحد سيتردد للحظة في قتله. ――إنهم جميعًا يسدون طريقه، بلا أدنى رحمة، بلا أي تردد في إزهاق الأرواح.

كان صوته أكثر هدوءًا مما كان يتصور، فتفاجأ به وأخفى دهشته بهدوء. أما سيسيلوس، فقد اتسعت عيناه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المألوفة، وقال:

 

 

 

“ــــ بيرفكتو!!”

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

 

 

~~~

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

بعد سماع هذا التفسير، شعر سوبارو بالارتياح لكون تشيشا ليس كابيلا، مطران خطيئة الـ “الشهوة”. لكن في الوقت ذاته، خطر على باله احتمال آخر…

مكر، تزوير، كذب، تدبير، نصبُ فخاخ، استدراج، وخداعٌ، فخداع، فخداع لا ينتهي.

 

 

 

لم يكن يُحِب الخداع. لكنّه كان مجاله الذي يُجيده.

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

 

 

أن تنبع “القدرة” في تشيشا غولد كان أمرًا عارضًا، لكن حين يفكر فيما آلت إليه الأمور بسببها، لا يسعه إلا أن يشعر بأنها كانت حتمية— بل، كأنها “مقدمة درامية” لا بد منها.

الوافد كان رجلًا وسيماً ذو شعر أسود، يعتمر قناعًا يحاكي هيئة شيطان، والمفارقة الساخرة أنّه وقف وجهًا لوجه أمام تشيشا، الذي اتّخذ من ارتداء “الأقنعة” مهنةً له.

 

 

أفكاره تلك، ربما كانت مغرقة في طابعٍ قصصيٍّ أكثر مما ينبغي.

“إذا استسلمت، فسيكون ذلك عبئًا على ريم… من أجل ريم، يجب أن…”

 

 

“ولكن، لا بأس. كم من الوقت قضيتُه مع سيسيلوس، وكم مرة اجتاحتني أمواج كلماته الجامحة الصاخبة تلك.”

 

 

 

حتى وإن لم يتفق تمامًا مع طريقة تفكيره، إلا أن التأثر بها كان أمرًا لا مفر منه من نواحٍ كثيرة.

 

 

 

ليس كل ما يقوله سيسيلوس يمكن رفضه باعتباره محض هراء. بل، في بعض الأحيان، تنطوي كلماته على قدرٍ غير متوقع من العمق.

“حين واجهتما في جينونهايف ذلك الظل العملاق، أنتِ وسِسي، ربما كان لهويتي «ناتسومي شوارتز» ذات العقلية الهشة حينها دورٌ في الأمر… لكن شعرت بشيء وقتها. ――أن هذين الاثنين الواقفين جنبًا إلى جنب، هما الأقوى في الإمبراطورية.”

 

 

وخاصةً تلك الفكرة: أن الناس جميعًا ممثلون، ولكلٍّ منهم دورٌ يؤديه على خشبة المسرح… فكرة كان يستطيع أن يتفهّمها. ــ إذًا، ما هو الدور الذي أُوكل إلى تشيشا غولد؟

بمعنى آخر—

 

 

“لم أتوقع… أن يخلو قلبي من أي مشاعر. ــ حتى وأنا أحدّق إلى العرش المفقود، من هنا، من الأسفل.”

 

 

 

“――――”

 

 

 

وهو يخطو بثبات كما لو أن المكان ملكٌ له، داس على السجّاد الأحمر المفروش حتى اعتلى العرش، فاستقبله تشيشا بعينَين ذهبيتين ضاقتا تأملاً.

“――――”

 

 

الوافد كان رجلًا وسيماً ذو شعر أسود، يعتمر قناعًا يحاكي هيئة شيطان، والمفارقة الساخرة أنّه وقف وجهًا لوجه أمام تشيشا، الذي اتّخذ من ارتداء “الأقنعة” مهنةً له.

 

 

 

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

 

 

 

“ـــ بعد أن تحالفتَ مع بيرلستيتز ونَفيتني… هل بلغت ما كنت تطمح إليه؟”

“ببساطة، أنت ترفع من شأن قيمة الحياة… أكثر من اللازم. أو إن شئت الدقة: تُعلي من قيمة حياة الآخرين إلى درجة لافتة.”

 

 

رغم طرده، رغم العقبات التي لا تُحصى، عاد فينسنت إلى قصره.

 

 

بجسده الشبيه بالمصارعين المحترفين، وبشرته الزرقاء، وأذرعه الأربعة التي تخالف المألوف، كان غوستاف واحدًا من قبيلة ‘ذوي الأذرع المتعددة’، إحدى القبائل الشبه بشرية.

لم يكن يملك قوة جسدية خارقة، ولا حلفاء يُعوَّل عليهم في موقعه حين أُقصي عن العرش، بل لم يكن سلاحه سوى دهائه وقوة لسانه. وها هو ذا يعود، منتصرًا.

 

 

“في النهاية، ستستقر الأوضاع. على الأقل هذا ما أقدّره.”

قمة الإمبراطورية، سيّد تشيشا غولد، يسأله إن كان قد نال مُناه.

يمكن اعتبار قدرة سوبارو – شوارتز على “العودة بعد الموت” بمثابة اطلاع على المستقبل.

 

 

“يؤسفني القول إنه لا يمكنني بعد الادعاء بأن رغبتي قد تحققت. ولهذا، لا يزال لدي ما أرجو من سيادتكم التعاون فيه، لبعض الوقت فحسب.”

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

 

أوضح تشيشا أنه يُطلق على قدرته التي تُمكّنه من تغيير مظهره اسم “نو”.

“بعد كل ما سُلب، وما زلتَ تطمح لأخذ المزيد مني؟ كنتُ أعلم أنك طمّاع… لكن يبدو أن وجهك أشد جشعًا مما قدرت. ــ ومع ذلك، كله خداع.”

 

 

“هذَا ما أقولُه! إنها الهداية التي تأتيني حين أحتاجها. لنفترض، فقط لنفترض، أنه لم تكن مام أو أنت من جئتم لاصطحابي! أو حتى لو لم يأتني أحد من الأساس! كنتُ لأتواجد في ساحة المعركة هذه على أية حال. مهما كانت تلك مصادفةً عابثةً من القدر.”

“――――”

إلى جانبه، كانت ريم قد خاضت صراعًا مشابهًا، وقد خلّفت أطراف أصابعها العديد من الانبعاجات الصغيرة في جدار الصندوق الصلب. كانت ملامحها متوترة بوضوح — هي أيضًا لم تكن راضية عن مغادرة الإمبراطورية في هذه اللحظة بالتحديد.

 

“المقصلة، هاه… من المفارقات أن تتبادر إلى الذهن ‘مقصلة ماغريتزا’ في هذا الموقف.”

“لقد نزعتني عن العرش، وما ظننته مكسبًا لم يكن سوى سراب بلا جوهر. أشعلت نيران الحرب عبثًا، والإمبراطورية تشتعل الآن في لهيب لا داعي له. ــ وإن أردت، يمكنني إخمادها من فوري.”

 

 

——

قال ذلك، ومدّ يده إلى وجهه، ثم نزع القناع الشيطاني.

“آه.”

 

 

وحين انكشف وجهه الحقيقي، لم يكن هناك شك لدى تشيشا أن هذا هو نفسه وجه سيّده الذي لم يعُد بمقدوره حتى أن يراه في المرآة بعد أن فقد “قناعه”.

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

ربما بسبب ما تكبّده من مشقّة، كان شاحب الوجه أكثر من ذي قبل، وبدا بروز عظام وجنتيه أوضح مما اعتاد عليه.

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

 

“――――”

ومع ذلك، فإن مجرد المقارنة بين الإرهاق الذي ناله حين كان يؤدي مهام الإمبراطور، والإرهاق الذي ناله وهو يسعى لاستعادة عرشه، يشي بأن فينسنت كان يتجاهل نفسه إلى حدٍ مفرط.

بما أنهم يُدعون “التسعة العظماء”، فمن المفترض أن يكون هناك تسعة أفراد. وعلى الرغم من وجود استثناءات مثل كافما، فإن القاعدة العامة هي أن مواجهة أحد الجنرالات لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جنرال آخر. فهم جميعًا محاربون خارقون بوسعهم مواجهة جيش بمفردهم، وإذا كان البحث عن شخص يوقف أراكيا هو الهدف، فإن الحل يجب أن يكون ضمنهم.

 

على الرغم من أن سوبارو لم يقل سوى الحقيقة، إلا أن أراكيا كانت تشكك في كلامه بريبة واضحة.

— نعم، هذا الإمبراطور، كان يتجاهل نفسه بإفراطٍ شديد.

 

 

“سأكتفي بالقول أنك لست مخطئًا تمامًا. فالحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقف على ذات القمة التي يبلغها سيسيلوس سيغموند.―― باستثناء أولئك من أمثال ’قديس السيف‘ أو ’المُبجِّل‘.”

“أنا—”

 

 

 

“— يا صاحب الجلالة.”

“أنت…!”

 

 

قاطع تشيشا كلماته، وناداه باسمه، بصفته سيّده.

مثلها مثل سوبارو، كانت تحت رعاية بيرلستيتز، وقد صادف أن تلتقي به مرارًا في هذا القصر. ومع ذلك، كانت معاملتها له دائمًا متحفظة وحادة، لذا لم يكن بالإمكان القول أنهما طورا علاقة ودية.

 

 

وفي تلك اللحظة، مرت في ذهنه وجوهٌ كثيرة، دون أن يرمش حتى. وجوه أولئك الذين خدعهم جميعًا. ومع كل وجهٍ مرّ، طعنته في قلبه وخزه من الذنب، ومع ذلك تنفّس بهدوء وقال:

همس فينسنت بتلك الكلمات، وفجأة، بدأ وجهه يتفكك أمام عيني سوبارو – شوارتز.

 

“هاه؟ لا تقل كلامًا غريبًا، فأنا أسمعك.”

“نظرتك الشمولية إلى رقعة اللعبة… هي في الحقيقة من أكبر عيوبك، يا صاحب الجلالة.”

 

 

نهاية لا مفر منها، بل قَدَرًا لا بد أن يقع.

في اللحظة التالية، مدّ تشيشا يده التي كانت خلف ظهره، ووضعها على وجهه، مرتديًا “القناع”. ومع صرير خافت، بدأ جسده يتحوّل—قامته تقصر، عضلاته تتبدّل، وصدره ينتفخ.

 

 

وعلى الرغم من أن إجابته كانت كفيلة بإثارة استياء الرجل الوسيم، إلا أن الأخير، بعد سماعها،

وهكذا تجلّت أمام فنسنت ورقته الأخيرة، ورقة الحسم:

غير آبهة بسوبارو وأوبيرك اللذين سقطا أرضًا، رفعت ريم جسدها جالسة على الأريكة، ونظرت حولها بقلق، ثم صاحت:

 

 

“ـــ قناع «الشمس».”

“حقًا؟ هل بلغت المعلومات هذا الحد من الثقل بحيث لا يمكن موازنتها دون هذا النوع من الإقناع… ليتني أنصتت إلى حديث بياكو بجدية أكبر…”

 

 

بريسكا بِنديكت.

كان هذا جرحًا قاتلًا، بلا شك. ومع ذلك، حمله فينسينت بين ذراعيه وبدأ بالتحرك.

 

همس تشيشا بذلك وهو يحدّق من شرفة القصر الجانبي نحو قصر البِلور المتلألئ، ممسكًا بكأس خمرٍ في يده.

في ذلك الزمان، كان يُطلق عليها هذا الاسم. والآن، في مملكة لوغونيكا المجاورة، أصبحت إحدى المرشحات لعرش المملكة.

ولكن—

وها هو تشيشا، مرتديًا “قناع” أعظم نقاط ضعف فينسنت فولاكيا، يبتسم.

 

 

فورًا، بدأ ضوء باهت ينبعث ليقوم بشفاء جرح سوبارو الذي كان قد نُزع من بطنه. كانت تلك القوة العلاجية، التي بدت وكأنها تعيد الزمن إلى الوراء، بالتأكيد قوة فيريس الخارقة.

أمام هذا اللقاء المستحيل، شهق فينسنت من الدهشة.

 

وفي تلك اللحظة، اندفع تشيشا نحوه بقفزةٍ رشيقة وكأنها رقصة. مدّ يده إلى وجه فينسنت المتيبّس، ثم —

 

 

 

“— قناع «الإمبراطور الحكيم»”

 

 

 

بسرعةٍ فائقة، استخدم تشيشا “قدرته” لتشكيل قناع جديد على هيئة فينسنت، ثم نزع قناع بريسكا الذي كان قد ارتداه، واستبدله بالقناع الجديد.

 

 

 

فيما ترددت أصوات التبدّل مجددًا، صمد تشيشا أمام تحوّل جسده،

“أنا—”

ثم أقدم على فعل آخر وهو يواجه الإمبراطور المتجمّد.

“كما هو متوقع من شخص يعتمد على الذكاء والاستراتيجيات. بالمناسبة، هذا يذكرني بشيء… هناك تسعة جنرالات، لكن أولئك الذين لم يكونوا في العاصمة ولم ينضموا إلى أبيل، ماذا حل بهم؟ بخلاف يورنا، أين البقية؟”

 

“إبعادي عن ريم وأخذي إلى هذا المكان البعيد لم يكن جزءًا من الاتفاق!”

أخذ القناع الشيطاني الذي نزعه فينسنت قبل لحظات، وأعاده إلى وجهه، مخفيًا مرة أخرى ملامح الإمبراطور الحقيقي.

 

 

“――――”

“أنت…!”

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

 

 

لأجل ماذا، ومن أجل من، ولماذا؟

 

 

 

ارتجف صوت فينسنت، الإمبراطور الذي كان دومًا حادّ الذكاء،

أفعاله، التي لا يمكن لأحد أن يفهمها، كانت تقوم على دعامتين واضحتين لا غبار عليهما.

وكأنّه يفتّش بين كلماته عن إجابة لما حدث للتو.

 

لكن، من دون كلمات تشيشا، لن يصل إلى تلك الإجابة.

 

 

وفي تلك اللحظة، كان ثلاثة منهم يقاتلون بعضهم البعض، في ساحة معركة جحيمية داخل كايوس فلايم.

كما قال له منذ لحظات…

 

 

 

فينسنت، الذي ينظر إلى الرقعة من فوق، ويفكر بالأمور من منظور الكفاءة، ويقيّم جميع القطع على رقعة الشطرنج بمعيارٍ واحد، يفتقد لأمرٍ جوهري:

 

 

 

أنه هو نفسه أحد الممثلين على خشبة هذا المسرح.

الوافد كان رجلًا وسيماً ذو شعر أسود، يعتمر قناعًا يحاكي هيئة شيطان، والمفارقة الساخرة أنّه وقف وجهًا لوجه أمام تشيشا، الذي اتّخذ من ارتداء “الأقنعة” مهنةً له.

 

مُستشعرا التغير في الأجواء، وضع سوبارو كأسه أيضًا، موجّهًا نظره إلى ذات المشهد.

ولهذا، لم يكن بوسعه أن يدرك حقيقة تصرفات تشيشا. لكن لا بأس في ذلك. ففهم الحقيقة… لم يكن هو الغاية.

 

 

 

ما أراده تشيشا هو النتيجة.

ومع ذلك، لم تحاول ريم إبعاده تمامًا بحجة الهالة الشريرة التي تحيط به، وذلك لأنها كانت قد شهدت ما حدث في القصر البلوري — عندما أدرك سوبارو أنه قد نُقل إلى مكان خطير، قرر أن يكون الطُعم لإنقاذ ريم وروي… أو بالأحرى، ريم فقط. ورغم ذلك، فقد أدركت ريم تفانيه وحاولت فهم موقفه بجدية.

 

 

أن يصل من كان مُجرّد دورٍ هامشي باسم تشيشا تريم، بعد أن ارتدى “قناع” تشيشا غولد، إلى ما سعى إليه، حتى ولو كان ذلك بالخداع والتمثيل.

 

 

قفز العدو إلى الخلف متجنبًا السوط الشائك الذي امتد نحوه، وفي تلك اللحظة، هبط مقاتل جديد بجواره، مشهرًا سيفين طويلين في يديه. ثم قام بتوجيه ضربات خاطفة، قاطعًا الأشواك التي كانت تهدد زميله.

لن يكون بوسعه أن يشهد بنفسه ما ستؤول إليه النهاية.

كان هدفه أثناء الطريق هو تهدئة وتحفيز جنود الإمبراطورية المتمركزين في مختلف المناطق، وقد كانت ناتسومي شوارتز، المرشحة لتكون زوجة الإمبراطور الذي لم يتخذ لنفسه زوجة من قبل ويُعرف بـ«الإمبراطور الحكيم»، ذات فائدة كبيرة في ذلك.

 

“رائع! الحديث مع مرشحة الإمبراطورة يجعل الإلهام يتفجر داخلي بكلمات لم أسمع بها من قبل! وأعتقد أن ما قلته صحيح بالفعل! فالقصة تحتاج إلى… وجهة نهائية.”

لكن كان واثقًا…

 

 

 

بأن النتيجة ستتحقق.

 

 

“السبب وراء اصطحابكِ إلى ‘المدينة الشيطانية’ ليس معقدًا. ببساطة، نحتاج إلى إجراء محادثة مع أحد أعضاء ‘الجِنرالات التسعة العظماء’، وهي ‘يورنا ميشيغري’.”

خدع الحاضرين، ونصب فخًا لـ«الكارثة العظمى»، ونجح في خداع فينسنت فولاكيا حتى النهاية… إن تمكن تشيشا من بلوغ هذا الحد، فحتمًا، الشيء الذي كان يطمح إليه سيتلألأ ببريقه المنتظر.

 

 

وبينما كان يصرخ متقمصًا شخصية “ناتسومي شوارتز”، أخذ يطرق بعنف على جدران الصندوق، لكن لم يأتِ أي رد من الجهة الأخرى لعربة التنين. وهذا طبيعي. فلا شك أن تشيشا أوصى الجميع بتجاهل أي صوت يصدر عن من بداخل الصندوق بعد استيقاظهم.

لذا—

 

 

 

“――――”

وبعد ذلك――

 

لو حدث ذلك، فقد لا يكون قادرًا على تحمل الأمر.

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

 

 

 

تلك الملامح، التي سيُخطئ الكثيرون في فهمها، لا شك أنها تحمل معنًى مختلفًا.

 

 

 

فالإمبراطور، شديد الذكاء، قليل الكلمات، كثيرًا ما يحذف ما لا ينبغي حذفه من تعبيرٍ أو قول، حتى هذا التعبير الوجهي، لم يُعلّق عليه بكلمة.

 

 

ظِلّ “الساحرة” الذي أخذ يتقدّم، وكأنه امتصّ سواد مياه البحيرة، صار بحجم تلٍّ صغير، مهيمنًا بقوّةٍ لا يمكن ردعها، قادرا على ابتلاع كل شيء على سطح الجزيرة، أينما كان موقعه فيها.

وربما، الوحيد القادر على تفسير هذا الوجه تفسيرًا صحيحًا… هو الشخص الذي رافق هذا الإمبراطور سنين طويلة.

 

 

“أوتظن أن دمية تحركها النجوم مثلك يمكنها قراءة أفكاري؟”

“آه، ولكن—”

 

 

 

ومع ذلك، راودته لحظةٌ من الأمل…

 

 

صرخ في وجه روي، التي كانت تنظر إليه من الجانب بوجه يعلوه القلق، بينما كان يضرب الحائط بقبضته. كان يدرك تمامًا أن ما فعله ليس سوى تفريغ لغضبه، وأن توجيه انفعاله نحوها، رغم كونها أسقُفا من الخطايا، ليس إلا تصرفًا يثير الاشمئزاز من ذاته.

ربما، فقط ربما، يوجد هناك من قد يرى هذا الرجل. كالإمبراطور الذكي بشكل مذهل، والرجل الغبي بشكل موجع، الذي يقلل من قيمة نفسه باستمرار…

 

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

ربما هناك من يمكنه النظر إليه بصدق.

هذا القانون السحري، الذي يُفعل عبر أداة سحرية يملكها غوستاف، يغطي كامل الجزيرة ضمن نطاق تأثيره، وقد انطبق أيضًا على سوبارو ورفاقه بمجرد دخولهم إليها دون علمهم، مما حال دون مغادرتهم.

 

“ليست جميلة، ولا ساحرة، ولا حتى لطيفة.”

حتى وإن كان أملًا عابرًا… لم يكن لوم النفس عليه ممكنًا.

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

 

 

“――――”

“ألديك أي أدنى فكرة عن مدى الجهد الذي بذلته لإبقاء سيسيلوس مقيدًا في منصبه كأحد الجنرالات؟ أود أن أسمع بالضبط ما الذي تعتبره ‘شَغبًا’ حياله.”

 

 

وفي اللحظة التي اخترق فيها الضوء صدر تشيشا، المرتدي لـ«قناع الإمبراطور»، متجنبًا في طريقه جسد فينسنت الذي طُرِح بعيدًا وكُسرت به جدران القصر، ظهر من نافذةٍ مفتوحة…

 

 

في زاوية عقل سوبارو، كان أوتو الخيالي يصرخ بصوت عالٍ كالدجاجة. وبينما كان سوبارو يلوح بيده ليطرده من أفكاره، وجه نظره نحو فينسينت.

―― شريكه في الجريمة، ذاك الذي كان قد أبعده، يمتطي ظهر تنين طائر، محلقًا نحو قلب الحدث.

“ناتسوكي سوبارو… ’قارئ نجوم‘؟ هل أنت متأكد؟”

 

“――――”

القلب الذي يُخترق لا يُكتب له النجاة.

~~~

 

“وصفه بالمشؤوم مبالغة. أنا مدرك لموقفي المعقد، وأتفهم أنكم تغضون الطرف عني، ولذلك أعتقد أنه يجب أن أرد الجميل بطريقة ما. ولكن…”

ولهذا، كانت تلك النهاية أمرًا محتومًا.

 

نهاية لا مفر منها، بل قَدَرًا لا بد أن يقع.

 

 

سماء الليل هذه، التي لم يكن ليحظى بفرصة لرؤيتها في الأصل، بدت له وكأنها تشبه الأشخاص الذين التقاهم في فولاكيا، غرباء في البداية، أصبحوا مألوفين بشكل لا يُنسى.

“――――”

 

 

 

لقد مات الرجل.

“…”

 

 

ذاك الذي كان يُعرف باسم تشيشا تريم،

حُوصر سوبارو من كل الجهات، لم يُترَك له أي مجال للهرب، ولم يُمنح أي فرصة لتبرير نفسه. وفي اللحظة التالية، اخترقت عشرات الشفرات الحادة جسده بلا رحمة، تغرقه في جروح قاتلة من رأسه حتى أخمص قدميه. سقط على الأرض، واهنًا، ليُفارق أنفاسه الأخيرة… ويموت كالكلب.

ثم أصبح تشيشا غولد،

دُفع بقوة، ويمكن رؤية تصلب وجنتيه قليلًا من خلف القناع الشيطاني.

ثم ارتدى «قناع» فينسنت فولاكيا…

 

 

“لا، بما أننا أصبحنا حلفاء في هذا المصير المشترك، فمن الضروري أن نوحد فهمنا للأمور. لذا، سأبدأ أنا أولًا. هناك الكثير مما يجب أن يُقال عن سيسيلوس، لدرجة أن أصابع يديّ وقدميّ حتى لو ضاعفت عددها، لن تكفي لسرد مشاكله…”

قد مات.

 

 

عندما ألقى سوبارو – شوارتز هذه العبارة، وبينما كان منكسرًا ومتدلي الكتفين، ردّ فينسنت بكلمة غير مألوفة: “سبيريتس؟” (أرواح؟)، مُظهرًا رد فعلٍ يشي بالحيرة تجاه هذه المفردة الغريبة.”

أمام عيني سيّده الذي أخلص له،

 

وأمام أعين شريكه الذي خان ذلك السيّد معه.

“لكن لحظة، هل تُصدق حقا أنني أتيت من ما وراء الشَلال العظيم؟”

 

 

— تلك هي الحقيقة الوحيدة التي وقعت في هذه اللحظة.

 

 

“――――”

~~~

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

 

 

――وهكذا، تبدأ القصة بالانحسار نحو شكلها الأصلي، وتدنو لحظة “الكارثة العظمى”.

“حتى بهذا الحجم، لا يزال لسانك سليطًا… وما الذي تعنيه بالعزم؟”

 

 

جحافل الموتى الذين عادوا إلى الحياة، تقودهم “ساحرة” تتوق إلى سقوط الإمبراطورية، وتشرع في إحراق العالم.

غصّ بدمه المتصاعد، وشعر كما لو أنه يغرق. سقط جسده على الأرض، بينما ركض الإمبراطور، فينسينت فولاكيا، نحوه بسرعة، فإذا بملامحه تتصلب وهو يرى الدم ينتشر تحته.

 

 

أما “الجنرالات التسعة”، فقد اتخذوا مواقعهم في تشكيلات تختلف عن تلك التي كانت في التاريخ الرسمي، وبعضهم غيّر مصيره نفسه بين الحياة والموت، مستنفدين أقصى ما لديهم من قوة، ماضين نحو مصيرهم وهم يشعلون أرواحهم.

 

 

 

وأولئك اللواتي عبرن إلى البلاد المجاورة بحثًا عن الفتى العزيز الذي افترقن عنه، شهدن التحول العنيف الذي داهم الإمبراطورية، ومع كل ذلك لم يفقدن الأمل، بل أشعلن روابطهن بالإيمان والعزم.

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

 

ابتسم سيسيلوس، بينما سوبارو – شوارتز وغوستاف وقفا مرتجفين.

وفي قلب تلك النار، المرأة المشعة كالشمس، حاملة نصف “سيفَي الشمس” اللذين لا ينبغي أن يكونا معًا، تواجه حشود الموتى المحرّفة الكينونة، وترد على غضب “الساحرة” التي تصب جام حقدها عليها، متألقة بجمالها المتغطرس الذي لم يتغير، مشتعلة بروحها حتى آخرها.

 

 

شعر تشيشا، بتأمل عميق، أنه كان محظوظًا أكثر مما يظن في من أحاطوا به من الناس.

وفي مركز تلك الحكاية المكلّلة باللهيب، أولئك الذين شهدوا موت الرجل الذي خدع كل شيء وكل أحد، صرخوا حتى بُحت أصواتهم، وذرفوا دموعًا من دم، وتشققت أرواحهم… ليحترقوا مع القدر.

كانت علاقة ريم ومادلين قد وصلت إلى مستوى تستطيع فيه ريم تلبية طلبات مادلين المتعجرفة بكل هدوء.

 

كان المطاردون، حملة السيوف الفولاذية، مجموعة من المحاربين المدججين بالسلاح، تنضح أعينهم بالحدة والقتل.

“انهض! لا تستسلم! الاستسلام هو الشيء الوحيد الذي لن أسمح لك به مطلقًا! أنت تعرف تمامًا لماذا كذب ذلك الرجل!!”

 

 

 

“اصمت، أيها الأحمق. ما الذي تعرفه عني لتتحدث بهذا الشكل؟ أنا—”

 

 

 

“أنت!!”

 

 

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

” — إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.”

“هوهو، وما عساه يكون؟ أرجو أن يكون شيئًا مشرقًا يليق ببطل ذاهب إلى ساحة قتال.”

 

لكن رغم ذلك، سوبارو لم يكن لييأس.

الركبتان اللتان كادتا تنثنيان ارتجفتا، فنهض الرجل واقفًا.

تحت أضواء الليل المنعكسة، أطلق القصر وهجًا بديعًا من الانعكاسات الساحرة، ومع هذا المشهد الساحر، رفع سوبارو بدوره كأسه—وإن كان مليئًا بالحليب—ليقف إلى جانب تشيشا، ويتمتم بهدوء:

 

“إذن، ما الخطوة التالية؟ ربما يمكننا إصدار إعلان مثير ليعزز معنويات الجنود ويمنع الانشقاقات… أو ربما يجب أن نحاول التحدث إلى غوز المحتجز ونكشف له كل شيء؟”

والفتى، وقد أوشك قلبه على الانهيار بالبكاء، تمسّك بأمل ضعيف، وقبض يده بقوة.

“إن لم يعجبكَ ذلك، فتراجَع.”

 

ثم قال سوبارو:

والفتاة، رغم لومها لنفسها على ضعفها، رفعت رأسها مؤمنة بأن ما زال هناك ما يمكن فعله، وفي جوارها، الطفلة الصغيرة أشارت نحو “الكارثة العظمى” التي هزّت عاصمة الإمبراطورية، وصرخت بشراسة.

“ليس تمامًا. ريم مهمة، أما الأخرى فليست كذلك. هذا كل شيء.”

 

كان بحاجة إلى لفت الأنظار، لكن أي تحرك طائش قد يؤدي به إلى مواجهة محاربين لا يمكنه مجاراتهم مطلقًا، لينتهي به الأمر مقتولًا في لحظة.

وعند الفجوة الكبرى التي خلفها الحائط المحطم للقصر، وقف رجال يحدقون نحو المدينة من علو.

 

 

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

تلاقَت نظراتهم، وكان في مقدمتهم ناتسوكي سوبارو وفينسنت فولاكيا، الاثنان اللذان كان من المفترض أن يلتقيا منذ زمن، الذين وُكِّل إليهم مصير رجل خدع القدر بأسره، ليتقدما معًا نحو “الكارثة العظمى” الزاحفة، ويُحطّماها، وينتزعا المستقبل الذي أراده ذلك الرجل.

ارتفع صوت ينادي اسمه، مما جعل عينيه تتسعان دهشة.

 

 

«أنا إمبراطوركم، فينسنت فولاكيا. — أحد ذئاب السيف في هذه الإمبراطورية!»

“لقد خُدِعت… عيني قد خُدِعت… لا أفهم، كيف؟ هذا مخيف…”

 

 

«اسمي ناتسوكي سوبارو، عابر طريق في رعد السماء، ومتواطئ مع الكاذب الأكبر، تشيشا غولد!»

“وهذه؟”

 

 

أعلنا عن نفسيهما، ورفعا صوتهما بقوة، ليتردد صداهما في سماء العاصمة الإمبراطورية.

“كافما، بما أن علاج ريم السحري بدأ يؤتي ثماره معه، أصبح فجأة من أكبر المعجبين بها، وهذا، بصراحة، أمر مضحك. لكن بما أنني غالبًا ما أكون مشغولًا ومضطربًا، من المريح أن يكون هناك أشخاص مثل مادلين وكافما ممن يهتمون برِيم. أما أوبيرك، فممم… كيف أقولها… لعله يلعب دور الزيت الذي يجعل التروس تدور بسلاسة…”

 

بغض النظر عن التشبيه، فإن ما يحدث هو تصرف غير أخلاقي بكل المقاييس.

حين تصل تلك “الكارثة العظمى”، وحين تندفع جموع الأعداء المروّعة، سوف يُظهر العالم أن ناتسوكي سوبارو هو من وضع القطع في أماكنها ليتركز أقوى جهد دفاعي في العاصمة الإمبراطورية.

 

 

ذاك الرجل لم يكن سوى قائد المتمردين الزاحفين نحو العاصمة الإمبراطورية، لا— بل كان هو بعينه الإمبراطور الحقيقي والوحيد للإمبراطورية المقدسة فولايكا: فينسنت فولاكيا.

ثم قال —

“——”

 

أما أبيل، الذي كان يراقب من فوق الأنقاض، فقد لاحظ تصميم فينسنت على عدم التوقف، فلم يقل شيئًا إضافيًا. وهكذا، انفصل الطرفان، كلٌ يحمل طموحاته المتضاربة نحو العرش.

“لقد استلمت العصا التي مُررت إليّ دون إذن. — هيا بنا، يا أيها القدر، سأريك من أكون!”

“لا تكوني سخيفة! عادةً أستيقظ بسهولة، ولو كان هناك فوضى مثل هذه، كنت أول من…”

 

“وليس لأنك كنت متقمّصا هيئة سيسيلوس البالغ، هذا ليس السبب. ذلك الشعور بالاعتماد عليكما، وبالثقة بِكما، لم ينبع من التمثيل أو القوة وحدها. لم يكن الأمر متعلقًا بمجرد القدرة على الانتصار، بل بشيء أبعد من ذلك، في بُعد مختلف تمامًا… لا أستطيع التعبير عنه جيدًا!”

~~~

“مذهلة فعلاً… يغيظني أن أمدحك مباشرة، لكنك أحسنتِ التصرف هذه المرة! هل يمكنكِ باستخدام هذه القدرة الانتقال فورًا إلى العاصمة الإمبراطورية!؟”

 

لكن ما شتّت ذهن سوبارو لم يكن هذا المصير القاسي، بل شيء آخر— شيء أكثر غرابة.

— كان ذلك مُجرد زِر اختل مَوضعه، في احتمال لم يكن ينبغي أن يوجد.

“الإمبراطور السابع والسبعون للإمبراطورية المقدسة فولاكيا، فينسنت فولاكيا.”

 

 

خلل واحد في مجموعة من التروس، كفيل بأن يحَرِّف مجرى أحداث قصة بالكامل، لتُغير خيوط القدر مَسارها وكأن شيئا لم يكن.

ورغم اعتراض تشيشا الشديد على استدعاء سيسيلوس كوسيلة لتعويض نقص الحسم النهائي، فإن الكائن الأقوى لا يمكن استبداله ببديل. وبذلك، أقبل سوبارو – شوارتز بكل حماس على إقناع سيسيلوس، محاولًا ضمّه كَضربة سيف في سبيل درء «الكارثة العظمى» التي تهدد مصير الإمبراطورية ــ وبهذا، فقد…

فإن تغير المسار، وإنحرف التيار عن إطاره المُعتاد، فإن سيل المصير الجارف سيعبث بالبشر كما لو كانوا أوراقًا تطفو على سطح الماء.

 

 

“عبارة غريبة… ومع ذلك، يسهل أن تستقر في القلب دون مشقّة.”

ومع ذلك، إن تمكن أحدهم من الوصول إلى الضفة الأخرى دون أن ينحني لإرادة التيار، فذلك لن يكون إلا لأن رغبة صلبة لا تتزعزع قد تمكنت من خداع القدر نفسه.

ما يثير قلق سوبارو – شوارتز هو التغير الغريب الذي بدأ يصيب “العودة بعد الموت”.

 

——

إنما تلك الكذبة العظمى التي لا تُتاح إلا مرة واحدة في العُمر، هي جَوهر حياة الرجل.

“――――”

 

 

“وبهذا، أُسدل الستار على مسرحية العمر، الأولى والأخيرة، التي خُصِّصت لي.”

 

 

“يا لها من طريقة واضحة جدًا لإخباري أنني مصدر إزعاج.”

النهاية.

“بغض النظر عن مهاراتك في التسلل، يبدو أنك جاسوس سيئ جدًا عندما يتعلق الأمر بتلفيق الأعذار. أكثر ما يثير الاهتمام هو أنك لم تحاول إخفاء هويتك كـ ناتسوكي سوبارو.”

 

“أوه!”

——

 

 

 

تعليق الكاتب:

ركضَ سوبارو فوق العشب المشذَّب بعناية، متجهًا نحو اتجاه مختلف تمامًا عن المسارات المسدودة التي واجهها سابقًا، ليجد نفسه أمام قصرٍ فاخرٍ منعزل.

وهكذا، كان هذا مشروع كذبة أبريل المعتاد!

 

رجل لم يحظَ بالكثير من الظهور في القصة الرئيسية، ثم ما لبث أن أفصح عن نواياه دفعةً واحدة في النهاية، واختفى.

“عائدون إلى العاصمة الإمبراطورية! لا تظنوا أننا سنخرج من القصة بهذه السهولة ونسدل الستار هكذا فقط!”

نظرًا لندرة تفاعله مع سوبارو، ظلّت معظم جوانب شخصيته غامضة باستثناء النقاط المحورية. لكن، ماذا لو أن لقاءً جمعهما في خط زمني مختلف — هكذا وُلد الفصل السابع من الـ “ماذا لو”.

 

في هذا الخط الزمني البديل، تختلف الشخصيات المتفاعلة مع سوبارو هنا وهناك، وتتغير مسارات الأحداث التي يخوضها، كما تتبدّل درجة تعمّقه في علاقاته مع الآخرين، بين من يتمكن من الاقتراب منهم ومن لا يستطيع، مما يخلق تجربة شيقة ومميزة. وعلى كل حال، أياً كان المسار، فإن سوبارو يستمر في إرتداء زيّ النساء. ذلك قدره الملعون.

 

على أي حال، شكرًا لمرافقتكم لنا هذا العام أيضًا!

بعدها، قام سوبارو وتشيشا بوضع خطة، حيث أعلنوا أن فينسنت فولاكيا قد أصيب بمرض جعل من المستحيل عليه الظهور علنًا. وسرعان ما اشتعلت حماسة الشعب الإمبراطوري، حيث بدأوا في طرح تساؤلات مثل “كيف يمكن لشخص يمرض في خضم الثورة أن يكون إمبراطورًا؟” و”إذا سقط بسبب المرض، فهل سيصبح الإمبراطور القادم مريضًا أيضا؟” وهكذا كانت الأوضاع تسير إلى حال من الجنون. تولى بيرلستيتز مسؤولية التعامل مع هذه الفوضى، في حين سافر سوبارو إلى أماكن أخرى.

هذا العمل الخاص كنت أرغب بطرحه فقط في كذبة أبريل لهذا العام، بعد ختام فصل الإمبراطورية، لذا أنا سعيد بتحقيق ذلك.

استمع تشيشا إلى كلمات سوبارو بصمت، ثم خفَض رأسه قليلًا وقال:

أما عن مدى التغيرات في المواقع والمصائر بين الشخصيات في القصة الأصلية وهذه النسخة البديلة، فآمل أن أتناول هذا الموضوع لاحقًا في تقارير منفصلة!

 

إلى اللقاء، و… أحلامًا سعيدة!

 

~~~

 

تعليق المُترجم:

 

آآآ، تجربة؟ هل تسمعون صوتي؟! أوه صحيح إنها كتابة~

 

على كل حال، أتمنى لو حاز المَسار على إعجابكم، لقد كانت رحلة طويلة بعض الشي. قُرابة ال٢١٥٠٠ كلمة في فصل واحد تبا لهذا الكاتب المتفرغ ألا يشعر بالتعب؟! لكن لعلها تستحق…

لم تكن صورة الرجل ذي الشعر الأسود هي التي ظهرت في المرآة، بل صورة رجل أطول منه، بشعر أبيض، وملابس بيضاء، وقناع أبيض يخفي ملامحه.

كَوني مُتابع قديم للعمل -عِلما أنني لست بقارئ للرواية- كُنت أتوق حقًا لقراءة أمثال هذه الروايات الجانبية في وقت صدورها، لكن وللأسف لم تكن الترجمة متوفرة حينها ولم تتوفر ترجمة المسارات إلا بعد فترة طويلة جدا من صدورها. لدرجة أنني كنت أتابعها على شكل مقاطع أو مُلخصات!

 

وبالتالي قررت التطوع هذه المرة، لأقدم لكم هذا المسار الجديد في أسرع وقت ممكن وبترجمة جيدة تليق به، اعتبروه عيدية متأخرة أو شيء كهذا؟ لا أدري… لكني بَذلت ما بوسعي، وترجمت من اليابانية مُباشرة لتجنب أي أخطاء. وأيضا بحُكم أنني لم اقرأ الرواية ولا الأرك بحثث قليلا هنا وهناك لأحافظ على الأسماء الدقيقة -بالذات أن كم الشخصيات الجديدة علي كان كبيرا هُنا- ولا أُنكر رُغم الحرق الشديد الذي تلقيته، إلا أن الأمر شَدني أكثر للإستمرار في مُتابعة العمل!

كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ناتسكي سوبارو مع “تشيشا غولد”، الملقب بـ ’العنكبوت الأبيض‘. ـــ اللقاء الحقيقي بين شخصين خدعا القدر، وكان مصيرهما ألا يلتقيا أبدًا.

تشيشا غولد، المُخادع الذي كذب كذبة عظمى صدقها الجميع، وشَريكه ناتسكي سوبارو. الوحيد المُطلع على كذبته! رِحلة من التزييف وارتداء الأقنعة، من أجل دَحر كارثة عُظمى، وإنقاذ إمبراطورية بالكامل! هذه كانت حِكاية مسارنا هذا، مَسار كان بَطله شخصية ثانوية، لم تأخد حقها في القصة الأساسية.

 

هل ترثرت أكثر من اللازم؟ يبدو ذلك… وتبا لك أنت قرأت ٢١ ألف كلمة كاملة ولا تستطيع إكمال قراءة هرائي هذا؟! هيه، أمزح فقط~ لا أعلم ما أقول -في الواقع قُلت كل ما أريد قوله فقط أمطط الآن- لكِن شُكرا لحُسن قرائتكم، عيدكم مُبارك سَعيد. وإلى اللقاء!

ظهر الرجل ذو الثياب البيضاء بالكامل ــ والذي قدم نفسه باسم “تشيشا غولد” ــ وكانت كلماته إجابة متأخرة على ذكر “كابيلا” قبل قليل، وهو الأمر الذي أدركه سوبارو متأخراً.

«وهكذا، أسُدِلت السِتارة. في إنتظار أن تُفتح مرة أخرى بعرضٍ جديد يسرِد حِكايات من الأمَلِ والتجديد.»

 

——

 

 

“أَبيل…”

– المترجم، مُجرد عابِر مَجهول؟

 

– للدعم المادي : https://www.paypal.me/lreizo

 

– للتواصل : تويتر – 3nsisl

 

إذا أخذنا في الاعتبار المبادئ التي تقوم عليها إمبراطورية فولاكيا، فلو كان تشيشا قد تمكن بالفعل من هزيمة فينسنت بيديه، لكان العرش قد انتقل إليه وفقًا لهذا النظام القائم على القوة. ومع ذلك، اختار أن ينتحل هيئة فينسنت ويخفي غيابه، مما يعني أن هدفه لم يكن ببساطة مجرد الاستيلاء على العرش.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط