Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

حتى العناكب تختنق هنا 1

ون شوت
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ون شوت

 

 

“لوريلاي كروفورد! هل تنتبهين؟”

 

 

مئات منهم، متشابكين في شبكاتٍ معقدةٍ كالهيروغليفيات المظلمة، أجسادهم السوداء تتنفس مع الريح. رأت ذبابةً تقترب من أحدهم لحظةٌ من التردد، ثم انقضاض.

صوت الآنسة كالدويل انشقَّ عبر ضباب الصف مثل سكين صدئ، حادٌّ بما يكفي لجرح الهواء نفسه. كانت المعلمة واقفة أمام السبورة، جسدها النحيل يلوح كظلٍّ طويل تحت الضوء الباهت للمصابيح الكهربائية التي تتدلى من السقف المتشقق. يديها المشوّهتين بالأورام والعقد تضغطان على حافة المنضدة، وكأنها تخشى أن تنهار الأرض تحت قدميها لو تركتها.

 

 

 

عيناها صغيرتان، ضيقتان، بلون الطين الجاف تحدقان في لوريلاي بتقزُّزٍ واضح، كما لو كانت الفتاة بقعة عَفِنَة على جدار الفصل. خطوط التجاعيد على وجهها كانت عميقةً كخنادق، محفورةً بسنوات من العبوس والامتعاض. شعرها الرمادي، المربوط في كعكةٍ مشدودةٍ إلى حدِّ الألم، بدا وكأنه يحاول الفرار من جمجمتها.

**الصوت.**

 

 

لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.

 

 

. كان معكم لوك

كانت عيناها تلك العينان الغائرتان، السوداوتان كحبر الأخطبوط تحدقان في شيءٍ ما خلف كتف المعلمة. شيءٍ لا يراه أحدٌ غيرها.

صوتٌ مجوفٌ يتردد في جمجمتها، كجرسٍ مدفون تحت أميال من التراب الرطب.

 

انحنت، أخذت السجارة من بين الأصابع المتصلبة. أطفأتها في المنفضة التي كانت على وشك السقوط، مثل كل شيءٍ في هذا المنزل.

“العناكب…” همست، صوتها خشنٌ كحفيف أوراق الخريف الميتة. “كنتم تتحدثون عن العناكب.”

 

 

 

ضحك الفصل. لكنه لم يكن ضحكاً طبيعياً بل كان صوتاً مكسوراً، مشوهاً، كصراخ غربانٍ تُذبح واحدةً تلو الأخرى. الضحكات ارتدت من الجدران العارية، مختلطةً مع همساتٍ مسمومة:

العنكبوت الأسود الكبير يزحف من بين شفتي ميلاني، ساقاه الأماميتان تمسكان بلسانها المتعفن بينما يجرّ جسده المتورم عبر ذقنها. شعيرات أرجلَه تخدش جلدها، تاركةً خيوطاً لزجةً من الظلام.

 

 

“مجنونة…”

—

“أمها عاهرة، طبعاً ستكون هكذا…”

 

“بنت الشيطان…”

 

 

الجنازة.

الآنسة كالدويل ضربت عصاها الخشبية على المنضدة. الصوت كان كطلقة مسدس في صمت المقبرة.

 

 

 

“وقاحة!” هزت رأسها، وكأنها تتخيل كيف سيكون شكل لوريلاي مشنوقةً بحبلٍ من أمعائها. “العناكب خيال! أوهام! مثل وحيد القرن والهيبوجريف خرافاتٌ لا مكان لها في عالم العقل!”

وكانتا تبتسمان.

 

“هل هناك أي عناكب عليَّ الآن؟”

لكن لوريلاي لم تسمع.

العنكبوت على يدها تحرّك.

 

مشيت إلى المدرسة.

أصابعها النحيلة، الشاحبة كديدان المقابر، كانت ترسم على ظهر يدها. خطوطٌ سوداء من قلم الحبر تكوّن شكلاً ثماني الأرجل… ثم عيوناً… ثم فماً مفتوحاً يقطر سماً أسود.

 

 

الأنياب تغوص في الرقبة.

العنكبوت على يدها تحرّك.

 

 

.

لكنها لم تفزع.

“لطالما حلمت بالرحيل…”

 

الأرض تقترب.

لقد اعتادت عليها.

الملعب كان خاليًا.

 

 

—

 

 

صوته ارتعش كما لو كان طفلاً مرة أخرى، يختبئ تحت الأغطية من حكايات الجدة عن كائنات الليل. أصابعه التي اعتادت الإمساك بالمسدس ارتعدت الآن، ترفض الاقتراب من تلك الحاشية السوداء التي تحتل الجثة.

“أخبريني…”

حذاؤها الممزق يضرب الرصيف بإيقاعٍ أشبه بدقات قلبٍ مريض. السادسة والنصف صباحاً، والشوارع خاوية إلا من الظلال التي تلوح لها من زوايا عينيها.

 

مشيت إلى المدرسة.

همسةٌ لاذعةٌ من المقعد المجاور. ميلاني بروكس فتاةٌ ذات وجهٍ مدببٍ كالفأر، وعينين زائغتين بلون الماء الراكد تميل نحوها، مبتسمةً بسنٍّ واحدةٍ مكسورة.

 

 

ضحكةٌ مكتومة، كأنها تختنق بدمائها الخاصة.

“هل هناك أي عناكب عليَّ الآن؟”

حتى تصل إلى القمة.

 

لقد اعتادت عليها.

لوريلاي التفتت إليها ببطء. رأسها مال قليلاً، كطائرٍ ينظر إلى دودةٍ تتعفن تحت أشعة الشمس.

لثانيةٍ واحدة، تمنت أن تكون هي الذبابة.

 

صرير الدرجات تحت قدميها كأنين ميتٍ يعود للحياة. الباب الذي فقد قدرته على الإغلاق منذ زمن انفتح بصوتٍ يشبه ضحكةً مكتومة.

ثم رأته.

 

 

 

العنكبوت الأسود الكبير يزحف من بين شفتي ميلاني، ساقاه الأماميتان تمسكان بلسانها المتعفن بينما يجرّ جسده المتورم عبر ذقنها. شعيرات أرجلَه تخدش جلدها، تاركةً خيوطاً لزجةً من الظلام.

لوريلاي وقفت في المنتصف، شعرها الأسود المتشابك يرفرف كأعلام الموت.

 

 

لوريلاي أومأت.

 

 

 

“على رقبتك.”

 

 

أسبوعٌ من الصمت.

لحظةٌ من الذعر. عينا ميلاني اتسعتا، يدها ارتعشت نحو عنقها…

. كان معكم لوك

 

لكنها قفزت.

ثم ضحكت.

 

 

العنكبوت على يدها تحرّك.

ضحكةٌ مكتومة، كأنها تختنق بدمائها الخاصة.

 

 

العنكبوت على يدها تحرّك.

“حقاً، كروفورد، أنتِ أكثر غرابةً مما يقولون!”

 

 

 

لكن لوريلاي لم تعد تنظر إليها.

“آسفة. كنت أفكر في عيني.” صوتها كان كحفيف أوراق الخريف الميتة.

 

“لطالما حلمت بالرحيل…”

فالعنكبوت على رقبة ميلاني كان قد التفتَ نحوها الآن، وعيونه الثمانية، السوداء، اللامعة تحدق مباشرةً في عيني لوريلاي.

العناكب لم تهتم.

 

الآنسة كالدويل رفعت حاجبها عنكبوت صغير سقط منه، اختفى بين طيات ملابسها.

وفمُه إن كان له فم ابتسم.

 

 

 

—

المدرسة أغلقت أبوابها ليوم واحد فقط. الآنسة كالدويل وقفت في غرفتها الفارغة، تحدق في المقعد الخالي حيث كانت لوريلاي تجلس. على السبورة، بقعة من الحبر الأحمر  حيث كانت قد ألقت بالقلم يوماً في غضب  تشبه الآن دمعة متجلطة.

 

 

السقف فوقها كان متشققاً، خطوطٌ سوداء تتفرع كأوردة ميتة. لوريلاي حدّقت فيه، محاولةً أن تتخيل نفسها تذوب في الظل.

 

 

“لوريلاي كروفورد! هل تنتبهين؟”

 

ثم صرخ.

 

ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.

 

**”أمي.”**

 

الطبيب الشرعي كتب بخط متعب: “تسمم كحولي حاد”.

 

 

“لطالما حلمت بالرحيل…”

 

 

“حسنًا.”

الظلال في عقل لوريلاي لم تكن مجرد غياب ضوء، بل كيانات حية تتنفس، تتشكل من خيوط العتمة التي تتسلل من زوايا عالمها. كانت تتخيلها أحيانًا كأيدٍ باردة، زلقة كحبر الأخطابيط، تنزلق حول عنقها النحيل، تضغط بلطفٍ قاتل حتى يختفي الهواء، حتى يختفي الضوء، حتى لا يبقى سوى ذلك **الصدى**.

الخيانة.

 

 

صوتٌ مجوفٌ يتردد في جمجمتها، كجرسٍ مدفون تحت أميال من التراب الرطب.

 

 

 

العدم.

 

 

لثانيةٍ واحدة، تمنت أن تكون هي الذبابة.

لكنها لم تكن لتذهب بهذه السهولة.

الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم. عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد. السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.  

 

 

—

 

فسحة المدرسة.

لكنها لم تكن أخباراً عادية.

 

الهواء حولها أصبح كثيفًا، ضبابيًا، مسمومًا.

خرجوا كالقطيع، ضحكاتهم المكسورة تتصادم في الهواء كزجاجٍ مهشم. وقفت لوريلاي على حافة الملعب، حذاؤها البالي المقاس خطأ، مهدى من “متجر الخير” مفتوحٌ عند الأصابع، كفمٍ ميتٍ يئن. أصابع قدميها، الشاحبة والمشوهة كديدان تعرضت للشمس، تلمس حافة الإسفلت المتشقق.

.

 

الخوف.

نظرت نحو الغابة.

.

 

لكنها لم تكن أخباراً عادية.

أشجار الصنوبر السوداء تمتد كأصابع ميتة نحو السماء الرمادية، أغصانها العارية تتشابك كعروقٍ في جسد عملاقٍ مريض. تخيلت تسلقها اللحاء الخشن يمزق جلدها الورقي، الدم الأسود، الغليظ كالقطران، يسيل على ذراعيها بينما تتسلق أعلى، أعلى…

فسحة المدرسة.

 

تخيلت نفسها تأخذ سكين المطبخ الصدئ، تضعه تحت جفنها، تقطعه بعناية…

حتى تصل إلى القمة.

العناكب.

 

أن يكون العالم هو العنكبوت.

حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.

نهضت لوريلاي، معطفها الأسود الكبير بقياسين يبتلع جسدها النحيل، فبدت كشبح طفل ينسحب من عالم الأحياء. الحواف البالية للمعطف تلامس الأرض، تلتقط الغبار والأوراق الميتة كذاكرة ترفض الانفصال.

 

“توقفي عن التحديق بي هكذا، لوريلاي كروفورد، إنه مروع.”

لكنها لم تتحرك.

 

 

“أمها عاهرة، طبعاً ستكون هكذا…”

“ممنوع دخول الغابة.”

الطبيب الشرعي كتب بخط متعب: “تسمم كحولي حاد”.

 

الأطفال تفرقوا كالنمل عند إشعال النار في عشه.

القاعدة الوحيدة التي يطيعها الجميع هنا. ليس خوفًا من العقاب، بل لأن هناك شيئًا في تلك الظلال يجعل حتى أكثر الأطفال وقاحةً يتراجعون. شيءٌ يجعل الغابة تبدو وكأنها فمٌ مفتوح، ينتظر أن تخطو إليه، أن تسقط بين أسنانه الخشبية، أن تختفي إلى الأبد.

كان خشنًا كجلد ميت، دافئًا بشكل غريب، وكأنه  يتنفس.

 

 

ليس بطريقة مثيرة.

الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم. عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد. السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.  

 

 

بل بطريقة كئيبة، وقاتلة، وغير ملحوظة.

همست الكلمات، وصوتها كان كالريح بين القبور.

 

“هناك… هناك شيء…”

—

“عناكب…”

 

 

العناكب.

صوتها الصدئ، المبحوح كبوق قديم، انعكس بين الأشجار واختفى. لم يسمعه أحد.

 

المساء.

لاحظتهم على حافة الغابة.

 

 

 

مئات منهم، متشابكين في شبكاتٍ معقدةٍ كالهيروغليفيات المظلمة، أجسادهم السوداء تتنفس مع الريح. رأت ذبابةً تقترب من أحدهم لحظةٌ من التردد، ثم انقضاض.

لكن لوريلاي لم تكن تحدق فيها بل في ما كان يغطيها.

 

تسلقت السياج.

الأنياب تغوص في الرقبة.

 

 

“سعيد برؤيتك.”

الأرجل الأمامية تضرب كالسكين.

 

 

المساء.

الذبابة تنتفض، ثم تسقط ساكنة.

صوت الآنسة كالدويل انشقَّ عبر ضباب الصف مثل سكين صدئ، حادٌّ بما يكفي لجرح الهواء نفسه. كانت المعلمة واقفة أمام السبورة، جسدها النحيل يلوح كظلٍّ طويل تحت الضوء الباهت للمصابيح الكهربائية التي تتدلى من السقف المتشقق. يديها المشوّهتين بالأورام والعقد تضغطان على حافة المنضدة، وكأنها تخشى أن تنهار الأرض تحت قدميها لو تركتها.

 

الظلال في عقل لوريلاي لم تكن مجرد غياب ضوء، بل كيانات حية تتنفس، تتشكل من خيوط العتمة التي تتسلل من زوايا عالمها. كانت تتخيلها أحيانًا كأيدٍ باردة، زلقة كحبر الأخطابيط، تنزلق حول عنقها النحيل، تضغط بلطفٍ قاتل حتى يختفي الهواء، حتى يختفي الضوء، حتى لا يبقى سوى ذلك **الصدى**.

لوريلاي أغلقت عينيها.

 

 

بل بطريقة كئيبة، وقاتلة، وغير ملحوظة.

لثانيةٍ واحدة، تمنت أن تكون هي الذبابة.

 

 

الظلال في عقل لوريلاي لم تكن مجرد غياب ضوء، بل كيانات حية تتنفس، تتشكل من خيوط العتمة التي تتسلل من زوايا عالمها. كانت تتخيلها أحيانًا كأيدٍ باردة، زلقة كحبر الأخطابيط، تنزلق حول عنقها النحيل، تضغط بلطفٍ قاتل حتى يختفي الهواء، حتى يختفي الضوء، حتى لا يبقى سوى ذلك **الصدى**.

أن يكون العالم هو العنكبوت.

 

 

أكثر مكانٍ في العالم مليء بالعناكب.

أن ينتهي كل شيء بهذه السرعة.

 

 

وكانتا تبتسمان.

—

 

 

جسدها الصغير انحدر للأمام، معطفها الأسود يرفرف كأجنحة الغربان.

 

 

 

 

أكثر مكانٍ في العالم مليء بالعناكب.

الشرفة الأمامية كانت تحفةً من الرعب.

 

 

منزلٌ متنقلٌ متداعٍ في نهاية طريق المقاطعة، صندوق بريده معوجٌ كفكٍّ مكسور نتيجة اصطدام بسيارة شيفروليه ترافيرس يقودها مراهقون سكارى بسرعة 80 ميلاً في الساعة. المزاريب مسدودة بأوراق الشجر المتحللة، جوانبه الفينيلية تتقشر كجلدٍ ميت.

 

 

صوتها الصدئ، المبحوح كبوق قديم، انعكس بين الأشجار واختفى. لم يسمعه أحد.

لكن الشرفة…

 

لأنه في اللحظة الأخيرة، قبل أن يلمسها الموت…

الشرفة الأمامية كانت تحفةً من الرعب.

 

 

عيناها صغيرتان، ضيقتان، بلون الطين الجاف تحدقان في لوريلاي بتقزُّزٍ واضح، كما لو كانت الفتاة بقعة عَفِنَة على جدار الفصل. خطوط التجاعيد على وجهها كانت عميقةً كخنادق، محفورةً بسنوات من العبوس والامتعاض. شعرها الرمادي، المربوط في كعكةٍ مشدودةٍ إلى حدِّ الألم، بدا وكأنه يحاول الفرار من جمجمتها.

خيوط العنكبوت تغطيها من الأعلى إلى الأسفل، سميكةٌ لدرجة أنها بدت كقطعة قماشٍ أسود يرفرف في الريح. العناكب تتدلى كثمارٍ مسمومة، تتلوى، تتزاوج، تلتهم بعضها البعض.

 

 

أن ينتهي كل شيء بهذه السرعة.

لأن العناكب تحب المشاعر القذرة.

أن يكون العالم هو العنكبوت.

 

 

الخوف.

 

 

اليأس.

لوريلاي أحصت علب البيرة الفارغة المتناثرة على الأرض كقبورٍ صغيرة في مقبرةٍ مظلمة. اثنتان تحت الطاولة، ثلاث بجوار الأريكة، واحدةٌ مقلوبة بجانب التلفاز المشوش. رائحة الكحول المتعفنة تختلط بعطر أمها الرخيص رائحةٌ تشبه محاولة إخفاء جثةٍ تحت أكوام من الزهور الذابلة.

 

في منزل المقطورة المهجور، وجدوا ريفا كين ممددة على الأريكة البالية. زجاجات الخمر الفارغة تحيط بها كأتباع مخلصين. عيناها الزجاجيتان  اللتان طالما أخفتها خلف نظارات شمسية فاخرة  كانتا مفتوحتين على مصراعيهما، والفم المغطى بأحمر شفاه زهري فاتح مثقوب بخيط عنكبوت أسود يمتد إلى الحلق.

الغضب.

في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان  المغطاتان بالندوب والجروح القديمة  تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.

 

 

الخطيئة.

همسةٌ لاذعةٌ من المقعد المجاور. ميلاني بروكس فتاةٌ ذات وجهٍ مدببٍ كالفأر، وعينين زائغتين بلون الماء الراكد تميل نحوها، مبتسمةً بسنٍّ واحدةٍ مكسورة.

 

 

—

 

 

مئات منهم، متشابكين في شبكاتٍ معقدةٍ كالهيروغليفيات المظلمة، أجسادهم السوداء تتنفس مع الريح. رأت ذبابةً تقترب من أحدهم لحظةٌ من التردد، ثم انقضاض.

 

خيوط العنكبوت تغطيها من الأعلى إلى الأسفل، سميكةٌ لدرجة أنها بدت كقطعة قماشٍ أسود يرفرف في الريح. العناكب تتدلى كثمارٍ مسمومة، تتلوى، تتزاوج، تلتهم بعضها البعض.

صرير الدرجات تحت قدميها كأنين ميتٍ يعود للحياة. الباب الذي فقد قدرته على الإغلاق منذ زمن انفتح بصوتٍ يشبه ضحكةً مكتومة.

 

 

 

**”أمي.”**

 

 

لحظةٌ من الذعر. عينا ميلاني اتسعتا، يدها ارتعشت نحو عنقها…

المرأة على الأريكة المتهالكة لم تتحرك. شعرها الأشعب المصبوغ بثمنٍ رخيص منتشرٌ كشبكة عنكبوت على الوسادة المتسخة. نظارتها الشمسية ذات العدستين الماسيتين تخفي عينيها الحمراوتين، المتسعتين كعيني جرذٍ في قفص.

 

 

لكن لوريلاي لم تكن تفكر في جمال عينيها بل في إزالتهما.

سجارة متدلية من شفتيها الكرزية المزيفة، الرماد يسقط على صدرها البادي.

“آسفة. كنت أفكر في عيني.” صوتها كان كحفيف أوراق الخريف الميتة.

 

 

لوريلاي تركت حقيبتها تسقط على الأرض.

حتى تصل إلى القمة.

 

عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.

“سعيد برؤيتك.”

 

 

 

انحنت، أخذت السجارة من بين الأصابع المتصلبة. أطفأتها في المنفضة التي كانت على وشك السقوط، مثل كل شيءٍ في هذا المنزل.

 

 

 

“كان لدي يومٌ جيد في المدرسة.” كذبةٌ بيضاء، صغيرة، لا تضر أحداً. “سأعد العشاء.”

أن ينتهي كل شيء بهذه السرعة.

 

ثم ضحكت.

نظرت إلى المطبخ الأطباق المتسخة، العفن في الزوايا، العناكب على السقف.

—

 

 

ثم إلى أمها الجسد الهامد، الروح الميتة منذ زمن.

صوته ارتعش كما لو كان طفلاً مرة أخرى، يختبئ تحت الأغطية من حكايات الجدة عن كائنات الليل. أصابعه التي اعتادت الإمساك بالمسدس ارتعدت الآن، ترفض الاقتراب من تلك الحاشية السوداء التي تحتل الجثة.

ست ساعات على الأقل.

لقد اعتادت عليها.

 

 

لوريلاي أحصت علب البيرة الفارغة المتناثرة على الأرض كقبورٍ صغيرة في مقبرةٍ مظلمة. اثنتان تحت الطاولة، ثلاث بجوار الأريكة، واحدةٌ مقلوبة بجانب التلفاز المشوش. رائحة الكحول المتعفنة تختلط بعطر أمها الرخيص رائحةٌ تشبه محاولة إخفاء جثةٍ تحت أكوام من الزهور الذابلة.

في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان  المغطاتان بالندوب والجروح القديمة  تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.

العشاء سيكون لها وحدها.

 

فتحت خزانة المطبخ الصدأ يزحف على مفاصلها كحشراتٍ جائعة. علبة فاصوليا خضراء منتهية الصلاحية، ووافل توست متعفن من الأسبوع الماضي. أكلت على الأريكة بجانب جسد أمها الهامد، بينما التلفاز بشاشته المشوشة التي تظهر الخطوط العمودية كأعمدة سجن يعرض الأخبار.

 

لكنها لم تكن أخباراً عادية.

 

عنكبوتة سوداء زحفت من عين المراسل اليسرى، تاركةً خيطاً من السائل الأسود يسيل على خده. لوريلاي عرفت ما يعنيه ذلك.

في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان  المغطاتان بالندوب والجروح القديمة  تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.

الخيانة.

 

كان أول عنكبوت رأته في حياتها يخرج من فم أبيها المعوج، في ذلك اليوم الذي اختفى فيه إلى الأبد، تاركاً وراءه فقط رائحة الويسكي وبطاقة ائتمانٍ منتهية الصلاحية.

 

أنواع العناكب:

 

  • الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم.
  • عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد.
  • السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.

 

 

حتى في نومها، لم تكن آمنة.

ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.

حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…

 

استيقظت وهي تلهث، يداها الصغيرتان تضغطان على عنقها كما لو كانت تحاول منع شيءٍ ما من الخروج.

لكنها قفزت.

لم تنم بقية الليل.

الجنازة.

 

 

الصباح.

 

أمها ما زالت نائمة. وجهها الشاحب أصبح أشبه بقناعٍ من الشمع، شفتاها الزرقاوان تنتفخان كحشرةٍ ميتة. لوريلاي لم تتحسس نبضها كانت تخشى ما قد تجده.

 

السيارة الحمراء الهوندا العجوز التي تبدو وكأنها على وشك الموت في أي لحظة كانت مغطاة بطبقةٍ من الغبار وخيوط العنكبوت. لكن لوريلاي لم تكن كبيرةً بما يكفي لقيادتها.

عندما فتحت عينيها، كانوا هناك.

مشيت إلى المدرسة.

 

حذاؤها الممزق يضرب الرصيف بإيقاعٍ أشبه بدقات قلبٍ مريض. السادسة والنصف صباحاً، والشوارع خاوية إلا من الظلال التي تلوح لها من زوايا عينيها.

 

 

“أمها عاهرة، طبعاً ستكون هكذا…”

وصلت مبكراً كالعادة. الباب كان مفتوحاً كما لو أن أحداً كان ينتظرها.

 

المعلمون يكرهون وجودها هنا قبلهم. كان ذلك واضحاً في الطريقة التي يتجنبون بها النظر إليها، كما لو كانت نذير شؤم.

الأطفال ساروا في صفوف مرتبة، كل منهم يحمل زهرة بيضاء كاذبة. لكن لا أحد نظر مباشرة إلى التابوت الصغير المفتوح جزئياً.

الآنسة كالدويل كانت هناك بالفعل. العناكب تزحف على جفونها المتورمة، تتسلل إلى أذنيها، تنسج خيوطاً بين رموشها.

 

لوريلاي حدقت.

لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.

“توقفي عن التحديق بي هكذا، لوريلاي كروفورد، إنه مروع.”

الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم. عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد. السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.  

لكن لوريلاي لم تكن تحدق فيها بل في ما كان يغطيها.

لم يكن صريرًا، ولا طقطقة.

“آسفة. كنت أفكر في عيني.” صوتها كان كحفيف أوراق الخريف الميتة.

 

الآنسة كالدويل رفعت حاجبها عنكبوت صغير سقط منه، اختفى بين طيات ملابسها.

.

“عيناك؟“ سخرت، “الغرور سيكون سبب دمار جيلكم.”

لم يكن هناك عنكبوت واحد عليها.

لكن لوريلاي لم تكن تفكر في جمال عينيها بل في إزالتهما.

العدم.

تخيلت نفسها تأخذ سكين المطبخ الصدئ، تضعه تحت جفنها، تقطعه بعناية…

السيارة الحمراء الهوندا العجوز التي تبدو وكأنها على وشك الموت في أي لحظة كانت مغطاة بطبقةٍ من الغبار وخيوط العنكبوت. لكن لوريلاي لم تكن كبيرةً بما يكفي لقيادتها.

العيون ستسقط مثل حبات عنبٍ فاسد، والعناكب ستسقط معها.

ثم رأته.

ثم ستقف أمام المرآة، تجاويف عينيها الفارغة تنزف أسوداً، لكنها ستبتسم أخيراً، لأنها لن ترى الوحوش بعد اليوم.

 

“أنا آسفة.”قالت لوريلاي

 

“اخرجي إلى الملعب حيث ينتظرك الأطفال الآخرون، من أجل السماء.”

“عناكب…”

 

ارتفعت.

صوت الآنسة كالدويل انشق كالسيف الصدئ عبر صمت الفصل، كل كلمة تسقط كقطرة سمّ على أذن لوريلاي. عينا المعلمة   الضيقتان كشقوق في جدار قديم   تحدقان فيها بتقزز، كما لو كانت الفتاة بقعة عفنة على جدار المدرسة المهترئ.

 

 

 

“حسنًا.”

“لوريلاي كروفورد! هل تنتبهين؟”

 

 

نهضت لوريلاي، معطفها الأسود الكبير بقياسين يبتلع جسدها النحيل، فبدت كشبح طفل ينسحب من عالم الأحياء. الحواف البالية للمعطف تلامس الأرض، تلتقط الغبار والأوراق الميتة كذاكرة ترفض الانفصال.

 

 

المعلمون يكرهون وجودها هنا قبلهم. كان ذلك واضحاً في الطريقة التي يتجنبون بها النظر إليها، كما لو كانت نذير شؤم.

—

لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.

 

إبر الصنوبر اخترقت باطن قدميها العاريتين.

الملعب كان خاليًا.

الخوف.

 

فسحة المدرسة.

ليس فقط خاليًا من الأطفال، بل خاليًا من الحياة ذاتها. الأرجوحة المتحللة تئن تحت ريح خفيفة، كأنها تندب طفلاً لم يعد موجودًا. حبات المطر الأولى بدأت بالسقوط، باردة كدموع الأشباح.

 

 

العشاء سيكون لها وحدها.

لوريلاي وقفت في المنتصف، شعرها الأسود المتشابك يرفرف كأعلام الموت.

 

 

حذاؤها الممزق يضرب الرصيف بإيقاعٍ أشبه بدقات قلبٍ مريض. السادسة والنصف صباحاً، والشوارع خاوية إلا من الظلال التي تلوح لها من زوايا عينيها.

كانت وحيدة.

 

 

 

ليس وحيدة كما في “لا أحد يلعب معي”، بل وحيدة كما في “لقد اختفى العالم كله، ولم يتبق سواي”. الهواء كان ثقيلاً برائحة الأرض الرطبة والأشياء التي تتعفن تحت الصخور.

**”زفير.”**

 

شانتال بريغز الفتاة التي كانت تجلس بجوار لوريلاي في ذلك اليوم  بدأت ترتجف فجأة.

نظرت نحو الغابة.

 

 

أكبر شجرة في الغابة  جذعها الأسود المتشقق يشبه وجهًا معذبًا، أغصانها الملتوية كأذرع تبحث عن ضحية.

في ضوء الشفق الباهت، بدت الأشجار وكأنها أصابع ميتة تمتد نحو السماء، تتشابك في صرخة صامتة. الأغصان العارية تتمايل كعظام معلقة، والضباب يتسلل بينها كأشباح تبحث عن جسد.

 

 

الآنسة كالدويل كانت هناك بالفعل. العناكب تزحف على جفونها المتورمة، تتسلل إلى أذنيها، تنسج خيوطاً بين رموشها.

ما زالت تبدو كالمكان الذي قد تموت فيه.

 

 

 

ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.

 

 

 

 

إبر الصنوبر اخترقت باطن قدميها العاريتين.

تسلقت السياج.

القاعدة الوحيدة التي يطيعها الجميع هنا. ليس خوفًا من العقاب، بل لأن هناك شيئًا في تلك الظلال يجعل حتى أكثر الأطفال وقاحةً يتراجعون. شيءٌ يجعل الغابة تبدو وكأنها فمٌ مفتوح، ينتظر أن تخطو إليه، أن تسقط بين أسنانه الخشبية، أن تختفي إلى الأبد.

 

بل بطريقة كئيبة، وقاتلة، وغير ملحوظة.

أصابع قدميها المعوجة  الشاحبة كديدان المقابر تشبثت بقضبان السلسلة الحديدية الباردة. الحديد كان يئن تحت وزنها الضئيل، كأنه يحذرها.

 

 

 

لكنها قفزت.

 

 

الآنسة كالدويل كانت هناك بالفعل. العناكب تزحف على جفونها المتورمة، تتسلل إلى أذنيها، تنسج خيوطاً بين رموشها.

إبر الصنوبر اخترقت باطن قدميها العاريتين.

 

 

 

“أوه.”

 

 

الذبابة تنتفض، ثم تسقط ساكنة.

صوتها الصدئ، المبحوح كبوق قديم، انعكس بين الأشجار واختفى. لم يسمعه أحد.

 

 

السيارة الحمراء الهوندا العجوز التي تبدو وكأنها على وشك الموت في أي لحظة كانت مغطاة بطبقةٍ من الغبار وخيوط العنكبوت. لكن لوريلاي لم تكن كبيرةً بما يكفي لقيادتها.

—

لوريلاي أغلقت عينيها.

 

 

 

 

أكبر شجرة في الغابة  جذعها الأسود المتشقق يشبه وجهًا معذبًا، أغصانها الملتوية كأذرع تبحث عن ضحية.

همسةٌ لاذعةٌ من المقعد المجاور. ميلاني بروكس فتاةٌ ذات وجهٍ مدببٍ كالفأر، وعينين زائغتين بلون الماء الراكد تميل نحوها، مبتسمةً بسنٍّ واحدةٍ مكسورة.

 

شانتال بريغز الفتاة التي كانت تجلس بجوار لوريلاي في ذلك اليوم  بدأت ترتجف فجأة.

لمست اللحاء.

استيقظت وهي تلهث، يداها الصغيرتان تضغطان على عنقها كما لو كانت تحاول منع شيءٍ ما من الخروج.

 

ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.

كان خشنًا كجلد ميت، دافئًا بشكل غريب، وكأنه  يتنفس.

فتحت خزانة المطبخ الصدأ يزحف على مفاصلها كحشراتٍ جائعة. علبة فاصوليا خضراء منتهية الصلاحية، ووافل توست متعفن من الأسبوع الماضي. أكلت على الأريكة بجانب جسد أمها الهامد، بينما التلفاز بشاشته المشوشة التي تظهر الخطوط العمودية كأعمدة سجن يعرض الأخبار.

 

الجنازة.

بدأت تتسلق.

 

 

الأرجل الأمامية تضرب كالسكين.

في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان  المغطاتان بالندوب والجروح القديمة  تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.

“آسفة. كنت أفكر في عيني.” صوتها كان كحفيف أوراق الخريف الميتة.

 

الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم. عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد. السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.  

ارتفعت.

 

 

 

أعلى.

 

 

 

أعلى.

 

 

لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.

حتى أصبحت البلدة كلها تحت قدميها.

“على رقبتك.”

 

 

—

انحنت، أخذت السجارة من بين الأصابع المتصلبة. أطفأتها في المنفضة التي كانت على وشك السقوط، مثل كل شيءٍ في هذا المنزل.

 

 

العناكب.

 

 

حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.

عندما فتحت عينيها، كانوا هناك.

 

 

ضحكةٌ مكتومة، كأنها تختنق بدمائها الخاصة.

خيوط العنكبوت البيضاء – السميكة كحبال المشنقة – تحيط بها من كل اتجاه، تحول الفرع إلى قفص حريري. العناكب المدارية السوداء والصفراء تزحف على الخيوط، عيونها الثمانية اللامعة تتابع كل حركة لها.

حتى تصل إلى القمة.

 

 

كانت محاصرة.

صوت الآنسة كالدويل انشق كالسيف الصدئ عبر صمت الفصل، كل كلمة تسقط كقطرة سمّ على أذن لوريلاي. عينا المعلمة   الضيقتان كشقوق في جدار قديم   تحدقان فيها بتقزز، كما لو كانت الفتاة بقعة عفنة على جدار المدرسة المهترئ.

 

العيون ستسقط مثل حبات عنبٍ فاسد، والعناكب ستسقط معها.

الهواء حولها أصبح كثيفًا، ضبابيًا، مسمومًا.

 

 

.

لكن الأغرب…

العيون ستسقط مثل حبات عنبٍ فاسد، والعناكب ستسقط معها.

 

 

لم يكن هناك عنكبوت واحد عليها.

العيون ستسقط مثل حبات عنبٍ فاسد، والعناكب ستسقط معها.

 

“كان لدي يومٌ جيد في المدرسة.” كذبةٌ بيضاء، صغيرة، لا تضر أحداً. “سأعد العشاء.”

لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.

 

 

 

“أنتِ غير حقيقية.”

العشاء سيكون لها وحدها.

 

لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.

همست الكلمات، وصوتها كان كالريح بين القبور.

 

 

 

وفي لحظة…

 

 

ليس وحيدة كما في “لا أحد يلعب معي”، بل وحيدة كما في “لقد اختفى العالم كله، ولم يتبق سواي”. الهواء كان ثقيلاً برائحة الأرض الرطبة والأشياء التي تتعفن تحت الصخور.

اختفوا.

 

 

تخيلت نفسها تأخذ سكين المطبخ الصدئ، تضعه تحت جفنها، تقطعه بعناية…

كلهم. الخيوط، العناكب، السجن.

صياد عجوز عيناه غائمتان من الخمر والسنين  رأى شيئًا أسود يتلوى على أرضية الغابة.

 

“أنتِ غير حقيقية.”

ابتسمت.

 

 

 

وأغلقت عينيها.

وفي الزاوية المظلمة من الصالة، حيث لا يصل ضوء الشمس أبداً، بدأت الخيوط الأولى بالظهور…

 

 

 

الملعب كان خاليًا.

جسدها الصغير انحدر للأمام، معطفها الأسود يرفرف كأجنحة الغربان.

**”زفير.”**

 

 

الهواء صفر في أذنيها.

حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.

 

—

البلدة تصغر تحتها.

“مجنونة…”

 

 

الأرض تقترب.

 

 

.

أرض خالية من العناكب.

—

 

بدأت تتسلق.

**”شهيق.”**

همس الضابط بينما تراجع خطوة للوراء، عيناه الرماديتان تتسعان أمام المشهد الكابوسي. المخلوقات السوداء اللامعة تتحرك في انسجام غريب، كأنها تؤدي طقوساً جنائزية على جسد الطفلة. إحداها  ضخمة بحجم كف رجل  رفعت مقدمتها نحو الضوء، وكأنها **تستنشق** رائحة الخوف التي تفوح من الحضور.

 

العناكب لم تهتم.

**”زفير.”**

 

 

حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.

 

 

**الصوت.**

 

 

 

لم يكن صريرًا، ولا طقطقة.

وفمُه إن كان له فم ابتسم.

 

مئات منهم، متشابكين في شبكاتٍ معقدةٍ كالهيروغليفيات المظلمة، أجسادهم السوداء تتنفس مع الريح. رأت ذبابةً تقترب من أحدهم لحظةٌ من التردد، ثم انقضاض.

بل كان صوتًا رطبًا، كفاكهة مفرطة النضج تسقط على الأرض.

لكن لوريلاي لم تسمع.

 

المدرسة أغلقت أبوابها ليوم واحد فقط. الآنسة كالدويل وقفت في غرفتها الفارغة، تحدق في المقعد الخالي حيث كانت لوريلاي تجلس. على السبورة، بقعة من الحبر الأحمر  حيث كانت قد ألقت بالقلم يوماً في غضب  تشبه الآن دمعة متجلطة.

 

ضحك الفصل. لكنه لم يكن ضحكاً طبيعياً بل كان صوتاً مكسوراً، مشوهاً، كصراخ غربانٍ تُذبح واحدةً تلو الأخرى. الضحكات ارتدت من الجدران العارية، مختلطةً مع همساتٍ مسمومة:

المساء.

حتى أصبحت البلدة كلها تحت قدميها.

 

صياد عجوز عيناه غائمتان من الخمر والسنين  رأى شيئًا أسود يتلوى على أرضية الغابة.

“كانت أمي تحكي عن مثل هذه الأشياء…”

 

 

اقترب.

“أنا آسفة.”قالت لوريلاي

 

 

ثم صرخ.

 

 

في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان  المغطاتان بالندوب والجروح القديمة  تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.

الجثة الصغيرة كانت مغطاة بعناكب سوداء ضخمة، تتلوى وتتزاوج وتأكل بعضها البعض فوق جسدها. الدم  الأسود في ضوء القمر انتشر كتاج تحت رأسها.

 

 

 

عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.

“أوه.”

 

الجنازة.

وكانتا تبتسمان.

 

 

لكنها قفزت.

لأنه في اللحظة الأخيرة، قبل أن يلمسها الموت…

 

 

 

رأتهم يختفون.

 

“عناكب…”

لثانيةٍ واحدة، تمنت أن تكون هي الذبابة.

 

 

همس الضابط بينما تراجع خطوة للوراء، عيناه الرماديتان تتسعان أمام المشهد الكابوسي. المخلوقات السوداء اللامعة تتحرك في انسجام غريب، كأنها تؤدي طقوساً جنائزية على جسد الطفلة. إحداها  ضخمة بحجم كف رجل  رفعت مقدمتها نحو الضوء، وكأنها **تستنشق** رائحة الخوف التي تفوح من الحضور.

ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.

 

—

“كانت أمي تحكي عن مثل هذه الأشياء…”

لوريلاي أحصت علب البيرة الفارغة المتناثرة على الأرض كقبورٍ صغيرة في مقبرةٍ مظلمة. اثنتان تحت الطاولة، ثلاث بجوار الأريكة، واحدةٌ مقلوبة بجانب التلفاز المشوش. رائحة الكحول المتعفنة تختلط بعطر أمها الرخيص رائحةٌ تشبه محاولة إخفاء جثةٍ تحت أكوام من الزهور الذابلة.

 

رأتهم يختفون.

صوته ارتعش كما لو كان طفلاً مرة أخرى، يختبئ تحت الأغطية من حكايات الجدة عن كائنات الليل. أصابعه التي اعتادت الإمساك بالمسدس ارتعدت الآن، ترفض الاقتراب من تلك الحاشية السوداء التي تحتل الجثة.

وفمُه إن كان له فم ابتسم.

 

 

العناكب لم تهتم.

كان أول عنكبوت رأته في حياتها يخرج من فم أبيها المعوج، في ذلك اليوم الذي اختفى فيه إلى الأبد، تاركاً وراءه فقط رائحة الويسكي وبطاقة ائتمانٍ منتهية الصلاحية.

 

صرير الدرجات تحت قدميها كأنين ميتٍ يعود للحياة. الباب الذي فقد قدرته على الإغلاق منذ زمن انفتح بصوتٍ يشبه ضحكةً مكتومة.

استمرت في وليمتها.

 

 

 

بعضها تسلق أعلى الذراعين المكسورتين، يدخل ويخرج من تحت الجلد الشاحب عبر الجروح التي خلفتها الأغصان. آخرون تجمعوا حول العينين المغلقتين، كأنهم حراس مقبرة من نوع غريب.

ثم ضحكت.

 

تخيلت نفسها تأخذ سكين المطبخ الصدئ، تضعه تحت جفنها، تقطعه بعناية…

—

لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.

 

الخيانة.

أسبوعٌ من الصمت.

 

 

 

المدرسة أغلقت أبوابها ليوم واحد فقط. الآنسة كالدويل وقفت في غرفتها الفارغة، تحدق في المقعد الخالي حيث كانت لوريلاي تجلس. على السبورة، بقعة من الحبر الأحمر  حيث كانت قد ألقت بالقلم يوماً في غضب  تشبه الآن دمعة متجلطة.

 

 

—

في منزل المقطورة المهجور، وجدوا ريفا كين ممددة على الأريكة البالية. زجاجات الخمر الفارغة تحيط بها كأتباع مخلصين. عيناها الزجاجيتان  اللتان طالما أخفتها خلف نظارات شمسية فاخرة  كانتا مفتوحتين على مصراعيهما، والفم المغطى بأحمر شفاه زهري فاتح مثقوب بخيط عنكبوت أسود يمتد إلى الحلق.

 

 

 

الطبيب الشرعي كتب بخط متعب: “تسمم كحولي حاد”.

“ممنوع دخول الغابة.”

 

 

لكن الممرضة التي ساعدت في نقل الجثة ستقسم لاحقاً أنها رأت شيئاً يتحرك تحت جلد الرقبة.

—

 

اختفوا.

—

 

 

لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.

الجنازة.

اليأس.

 

 

الصالة الرياضية  التي عادة ما تكون مليئة بضجيج الطلاب  تحولت إلى كهف من الهمسات. صور لوريلاي الوحيدة، التي التقطتها المدرسة بشكل إجباري، علقت على لوحة سوداء بسيطة.

 

 

لكن الأغرب…

الأطفال ساروا في صفوف مرتبة، كل منهم يحمل زهرة بيضاء كاذبة. لكن لا أحد نظر مباشرة إلى التابوت الصغير المفتوح جزئياً.

عيناها صغيرتان، ضيقتان، بلون الطين الجاف تحدقان في لوريلاي بتقزُّزٍ واضح، كما لو كانت الفتاة بقعة عَفِنَة على جدار الفصل. خطوط التجاعيد على وجهها كانت عميقةً كخنادق، محفورةً بسنوات من العبوس والامتعاض. شعرها الرمادي، المربوط في كعكةٍ مشدودةٍ إلى حدِّ الألم، بدا وكأنه يحاول الفرار من جمجمتها.

 

“العناكب…” همست، صوتها خشنٌ كحفيف أوراق الخريف الميتة. “كنتم تتحدثون عن العناكب.”

شانتال بريغز الفتاة التي كانت تجلس بجوار لوريلاي في ذلك اليوم  بدأت ترتجف فجأة.

ثم ستقف أمام المرآة، تجاويف عينيها الفارغة تنزف أسوداً، لكنها ستبتسم أخيراً، لأنها لن ترى الوحوش بعد اليوم.

 

 

“هناك… هناك شيء…”

 

 

كانت وحيدة.

صوتها ارتفع إلى صرخة عندما انفجر العنكبوت الأسود السمين من كمها. المخلوق الزيتي سقط على الأرض بطنين غريب، ثم بدأ يزحف بسرعة مخيفة نحو أقرب ظل.

لكن لوريلاي لم تكن تحدق فيها بل في ما كان يغطيها.

 

كلهم. الخيوط، العناكب، السجن.

الأطفال تفرقوا كالنمل عند إشعال النار في عشه.

الأطفال ساروا في صفوف مرتبة، كل منهم يحمل زهرة بيضاء كاذبة. لكن لا أحد نظر مباشرة إلى التابوت الصغير المفتوح جزئياً.

 

 

المعلمون تجمدوا في أماكنهم.

.

 

صوتها الصدئ، المبحوح كبوق قديم، انعكس بين الأشجار واختفى. لم يسمعه أحد.

وفي الزاوية المظلمة من الصالة، حيث لا يصل ضوء الشمس أبداً، بدأت الخيوط الأولى بالظهور…

أن يكون العالم هو العنكبوت.

.

 

.

“كان لدي يومٌ جيد في المدرسة.” كذبةٌ بيضاء، صغيرة، لا تضر أحداً. “سأعد العشاء.”

.

العنكبوت الأسود الكبير يزحف من بين شفتي ميلاني، ساقاه الأماميتان تمسكان بلسانها المتعفن بينما يجرّ جسده المتورم عبر ذقنها. شعيرات أرجلَه تخدش جلدها، تاركةً خيوطاً لزجةً من الظلام.

.

 

.

في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان  المغطاتان بالندوب والجروح القديمة  تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.

.

 

.
كان معكم لوك

العيون ستسقط مثل حبات عنبٍ فاسد، والعناكب ستسقط معها.

“حقاً، كروفورد، أنتِ أكثر غرابةً مما يقولون!”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط