الفصل 116 – المُسلّح العظمي
كان ميدان التجارب مشبعًا برائحة البارود.
تجمّع فيه أفراد قسم أبحاث البارود ومعهد التصميم العسكري، الفريقان اللذان لم يلتقيا سابقًا إلا في الجدال والسخرية. أما الآن، فقد جمعهم مشروعٌ واحد.
وقف السيد “راول”، معطفه مبعثر وعَرقه يبلل وجهه، يحدّق بتوتر نحو منتصف الساحة، ممسكًا براية في يده:
“المجموعة الأولى… جيّد! ثلاثة، اثنان، واحد!”
هزّ الراية بعنف.
بوووم—
انفجارٌ لم يكن صاخبًا كصوت المدافع، لكنه كان حادًا بما يكفي ليُمزّق هدفًا من خشب البتولا في طرف الساحة، فتناثر إلى شظايا.
صرخ راول بصوتٍ مبحوح:
“نجحنا! نعم! لقد نجحنا!”
لوّح بذراعيه بحماس، وانطلقت الهتافات من جميع من حوله.
كل العيون تحوّلت نحو الملك الجالس على الطاولة الخشبية النظيفة، خارج نطاق الانفجار، يُرافقه الشيطان.
“يا جلالة الملك! لقد نجحنا!”
ردّ الملك بنبرة هادئة، بينما كانت يداه تتلمّسان حافة الطاولة:
“نعم، لقد نجحتم.”
في قلب منطقة التجربة،
ركع هيكل عظمي على ركبةٍ واحدة، وعلى كتفه أنبوبٌ حديدي أسطواني بارتفاع يقارب المترين.
كان أشبه بنسخة مصغّرة من مدفعٍ، أو قل… نسخة ضخمة من بندقية يدوية.
الطلقة التي أطاحت بالهدف الخشبي خرجت من فوهة هذا المدفع المحمول.
هذه كانت ثمرة جنون السيد “راول” والأخوان “روجرز”،
مشروعهم المشترك تحت اسم: “المدفع الناري فائق القوة”.
شعارهم الوحيد كان:
“الانفجار هو الحقيقة.”
لم يكتفِ هؤلاء بصناعة مدفعٍ يمكنه إسقاط حصن، بل أرادوا إدخال البارود في كل تفاصيل ساحة المعركة.
قال أحد الأخوين روجرز ذات مرة:
“أسلحة البارود يجب أن تُستخدم في كل الجبهات، في البحر كما في اليابسة، لا أن تُختصر على الحصارات فقط!”
ويا للعجب… هذا الجنون حاز على تأييد مصمّمي الأسلحة.
رغم أن أوامر الملك كانت واضحة:
“طوّروا المدافع.”
إلا أن المصممين والباحثين اجتمعوا على فكرةٍ أكبر:
“قلب موازين الحرب كلها.”
نظروا في التاريخ…
في أواخر القرن الرابع عشر، ظهرت أولى البنادق اليدوية في منطقة البحر الداخلي، سُمّيت حينها “العصي النارية”.
وقبل اجتياح الطاعون الأسود، تسلّلت هذه البنادق إلى ليغراند عبر السفن.
لكن…
“أن تُقتل ببندقية يدوية؟ تلك إهانة، لا بطولة!”
هكذا كان الرأي العام.
لم يكن أحد يثق بهذه الأسلحة. ضعيفة، بطيئة، وبدقةٍ مخجلة.
لا يُقتل بها سوى الجبناء أو “غير المحظوظين”.
ولذلك… كان التحدي واضحًا.
السيد راول، المهووس بالتفاصيل، لجأ إلى فرسان القسم الصناعي ليسألهم:
“لماذا لا تُستخدم البنادق اليدوية في أرض المعركة؟”
في البداية، تذمّر الفرسان.
لم تعجبهم أوامر الملك بدعم المدافع بدل الفرسان.
لكن…
صوت الانفجارات اليومية من مختبرات البارود، قادهم للتراجع…
بل وحتى الخوف من راول نفسه!
أحد الفرسان، بملامح ارتجاف، أجاب أخيرًا:
“البندقية اليدوية ثقيلة جدًا، والارتداد عنيف.
لا يمكن للجندي العادي استخدامها أثناء الحركة.
ودقّتها… لا تُصيب شيئًا.”
لهذا السبب…
قرّر قسم البارود ومصمّمو السلاح التعاون لأول مرة.
الروجرز اقترحوا تطوير “فتيل اشتعال”،
أما المصممون… ففكروا:
“ماذا لو دمجنا البندقية اليدوية بنظام قفل إشعال؟”
النتيجة؟
اختراعٌ لا يخطر على بال أحد…
“الهيكل العظمي المسلّح.”
قال السيد راول بحماسة، وهو يشير إلى الهيكل العظمي الجاثي على ركبته:
“هذا هو! صنعنا نسخة مكبّرة من البندقية اليدوية — يمكن اعتبارها نسخة مصغّرة من المدفع.”
“ولأننا لم نحلّ مشكلة آلية الإشعال بعد، فالفرق بينها وبين المدفع الحقيقي لا يكاد يُذكر.”
ثم اقترب من “المُسلّح العظمي” وسحب كتفه العظمي بلطف، وقال بفخر:
“هؤلاء السادة العظام أقوياء للغاية! يستطيعون حمل هذه البنادق الثقيلة، ولا يتأثّرون بالارتداد مثل البشر.
بل وأكثر من ذلك…”
توقف لحظةً، ثم رفع صوته:
“الميزة الأهم أن مشكلتنا الكبرى، وهي بطء الإشعال، لم تعد مشكلة!
الجنود الأحياء يحتاجون أن يمسكوا البندقية بإحدى اليدين، ويشعلوا البارود بالأخرى، وهو أمر صعب…
لكن الهيكل العظمي؟”
ابتسم ابتسامة عريضة.
“ببساطة، يعضُّ عود الإشعال بأسنانه… نعم، بأسنانه!
ثم يوجه السلاح بيديه ويطلق! بدون خوف من الحرارة، وبدقة غير متوقعة.”
الهيكل العظمي الذي تكلّم عنه راول… ابتسم.
أو على الأقل… فتح فكه العلوي والسفلي بطريقة تُشبه الابتسامة.
كان نصف وجهه مغطىً بالسواد من آثار الدخان.
الملك نظر إليه بصمت، ثم سأل:
“وماذا عن المستقبل؟ حين تُحلّ مشكلة آلية الإشعال؟”
سقط فك الهيكل العظمي من مكانه، وكأن السؤال سحق روحه.
شعر راول بتأنيب الضمير فجأة، وكأنه عميل ماكر في بيت للرذيلة.
هزّ رأسه وقال بسرعة:
“لا، لا، جلالتكم… الحقيقة أن لدينا خطة طويلة الأمد، وسيدنا العظمي هذا جزءٌ مهم منها.”
ثم تابع:
“نحن نؤمن أن هناك طريقين لتطوير الأسلحة المحمولة:
الأولى: أن نصغّر حجم البندقية، نحسّن دقّتها، ونجعلها خفيفة ليستطيع الجنود استخدامها.”
“أما الثانية… فهي البقاء على النسخ الثقيلة، وهنا يأتي دور جنودنا العظام!”
ما إن سمع الهيكل العظمي هذا الكلام حتى قفز رأسه من الأرض فرحًا، واستقرّ على جسده من جديد.
واضح أن هؤلاء الهياكل العظمية يُفضّلون القتال في أرض المعركة، بدل حفر الأنفاق أو بناء الحصون.
الشيطان، واقفًا في الظل، نظر إلى هذه المسرحية بازدراء.
“يا للغباء…”
قالها في نفسه.
“هؤلاء العظام البلهاء يقلّلون من معدل الذكاء في الجحيم بأسره.”
الملك ضحك بهدوء، وقال:
“إذاً… حان الوقت لأن أُصدر شارات جديدة، لفوج المسلّحين العظام؟”
صرخ المسلّح العظمي فرحًا، وقذف جمجمته في الهواء.
من بعيد، نظر عامل هيكل عظمي يحمل الحجارة إليه بحسد ظاهر.
قال الشيطان متنهّدًا:
“حسنًا… سأختار لك دفعة جديدة منهم، بعناية.”
ضحك الملك بصوت منخفض.
الشيطان فكّر في نفسه:
“لا بأس… فليُهدر الجحيم كرامته لإرضاء الملك.”
وقبل أن يكمل راول حديثه، حلّق غراب رسول في السماء وهبط بلطف أمام مكتب الملك.
وضع رسالة مختومة أمامه، ثم طار مجددًا.
فتح الملك الرسالة.
انطفأ بريق الابتسامة عن وجهه، وحلّ الجديّة في ملامحه.
همس لنفسه:
“قاعة الحقيقة؟”
—-
مدينة ويل، عاصمة الفنون.
الشمس كانت مشرقة، والحمائم البيضاء – رموز السلام والبهجة – تُحلّق في السماء مع دقّات أجراس الكنائس.
انقضى الشتاء، وأخذت نسمات الدفء تطرق الأبواب.
لكن “تيا”، الجالس بجانب نافذته، كان يشعر ببردٍ يتغلغل إلى العظام.
صوت ابنته، المختنق بالبكاء، ملأ الغرفة:
“أبي، فكّر جيّدًا! رجاءً…”
كانت قُرَّةُ عَيْنِهِ، تبكي وتتوسّله بعينين محمرّتين.
“غدًا فقط… قل إن نظرية مركزية الشمس خاطئة، وانتهى الأمر.
حياتنا، شرفنا… ألا يهمك؟
هل الأرقام التي لا يهتم بها أحد أهمّ منّا؟”
همس الأب، بصوت متهدّج:
“لكن… الرياضيات لا تكذب…”
كان “تيا” واحدًا من علماء الفلك المدعوّين من قِبل الإمبراطورية المقدّسة، للمشاركة في مناظرة “الحقيقة”.
الكنيسة نظّمت تلك المناظرة علنًا، لتظهر “اتساع صدرها” – بحسب زعمها – وتُظهر عدل “الحاكم” الذي يمنح المهرطقين فرصةً للعودة إلى الطريق الصحيح، حيث سيسمح للعلماء أن يُعبّروا عن آرائهم.
بدايةً، شعر “تيا” بالفخر بدعوته.
حتى جاءه أحد الأساقفة قبل أيّام قليلة…
اقترب منه بهدوء، وقال له إن تنكّر لنظرية “مركزية الشمس” خلال المناظرة، فستُمنح زوجته وابنته المجوهرات التي يحلمان بها، وسينال هو منصب كاتب رسمي في المحكمة المقدّسة.
في تلك الليلة، رمَت زوجته الأوراق من يده إلى الموقد المشتعل، وقالت ببرود:
“هل قرأت كتاب مطرقة الساحرات؟ لقد بدأ القضاة يسألون عني وعن بيلا بالفعل…”
“تيا” جلس في صمت، وانهار في كرسيه.
“أعرف…”
همس بحزن.
انسحبت الزوجة والابنة، وبقي الباب نصف مفتوح.
حدّق “تيا” في أوراقه وهي تحترق، بينما الشمس تغيب خلف الجبال.
حلّ الظلام.
ابنته صعدت بعد قليل، تناديه لتناول العشاء…
طرقت الباب مرارًا… دون رد.
فتحت الباب – ثم تجمّدت في مكانها.
الغرفة بلا شموع، النار خمدت… ورائحة دماء قوية في الأجواء.
كانت يد والدها تتدلّى من الكرسي، شاحبة وصلبة.
صرخت بكل ما أوتيت من ألم، وركضت تنادي أمّها.
في ذلك المساء، أشعّة الشمس الأخيرة تدلّت من السماء كأنها خيوط من دم.
هدوء غريب ساد الأرض.
“تيا”…
ذلك الطفل الذي طارد غروب الشمس يومًا ما، معتقدًا أنه إن جرى كفاية، سيصل إليه.
ذلك الصبي الذي أصبح شابًا يحسب زوايا الشمس والنجوم، لعله يومًا “يلمس الضوء”.
لكن حين كبُر، قيل له:
“الحاكم في كل مكان. النجوم تدور حول الأرض. السماء عرش الملائكة لا ملعب الأرقام.”
وتحت دموع ابنته وزوجته…
استسلم.
السنة الأولى من الإمبراطورية المقدسة، 2 فبراير.
افتُتحت مناظرة الحقيقة في “ويل”، عاصمة الفن.
لم يعلم أحد، أن عالِم الفلك الصامت، الذي كان من المفترض أن يُدلي بكلمته،
قد أطفأ نجم حياته في ظلام تلك الليلة، تاركًا خلفه سؤالًا:
“أين ستولد زهرة المعرفة؟
وهل ستُدفن الحقيقة… في وحل الاتهام والجريمة؟”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.