▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بذلتُ كل ما في وسعي في تلك القفزة، وكسرتُ رقبة الزومبي الذي عضّني في كتفي. لم يتحرّك ذلك الزومبي حين مزّقت لحمه، لكن بمجرد أن انكسرت رقبته، فقدت فكاه قوّتها. انتزعت رأسه من كتفي ورميته نحو الكائنات الحمراء التي كانت أسفل مني، مستخدمًا رؤوسهم مرة أخرى لتخفيف سقوطي.
دوّي!
سمعت صرخات أتباعي خلفي، وهم يهجمون على الكائنات الحمراء، ليملأ صدى صرخات الزومبي أرجاء “ماجانغ-دونغ”.
طقطقة!
شعرت بشيء غريب في ساقي، فلوّيت جسدي لأعرف ما الأمر. كان هناك كائن أحمر مستلقٍ على الأرض ينهش في ساقي. هشّمت عموده الفقري بساقي الأخرى، ثم بدأت أوجه اللكمات إلى باقي الزومبيات التي تحيط بي.
لم أكن أعرف مدى قوّة قائد الزومبي الذي يسيطر على “ماجانغ-دونغ”، لكنني أدركت أنه أقوى بكثير من أولئك الذين استخدمهم كطُعم. كانت هذه الكائنات الحمراء أسرع وأكثر تحمّلاً من أي زومبيات صادفتها من قبل.
لم يكن بوسعي تحطيم جماجمهم بيدي فحسب، ولم تكن رؤوسهم تتشقق باللكمات الخفيفة. جسدي ببساطة لم يكن قادرًا على مواجهتهم كلهم.
ربما كنت قادرًا على مواجهة خمسين منهم لوحدي، وربما مئة لو ضغطت على نفسي، لكنني كنت أعلم أن الاستمرار في القتال بهذا الشكل كان خطرًا، لأنني لا أعرف عدد الأعداء الذين ما زالوا قادمين.
تساءلتُ إن كان قائد “ماجانغ-دونغ” قد ازداد قوّة مع مرور الوقت، أم أن المناطق البرتقالية في الخريطة كانت بهذه الخطورة منذ البداية.
كنتُ ساذجًا. لم يكن تدمير روحهم القتالية بالأمر السهل كما ظننت. بدأتُ أتساءل كيف حال أتباعي الآن.
انحنيتُ مجددًا استعدادًا للقفز، وانتفخت عضلات فخذي، وشدّ وتر العرقوب في قدمي. وفي لحظة، قفزتُ نحو المبنى الذي أمامي. لكن بدا أن إصابتي في الساق قد أثّرت عليّ أكثر مما كنت أظن.
في العادة، كنتُ أقفز بسهولة حتى الطابق السابع، لكن الآن بالكاد وصلتُ للطابق الرابع. تشبثتُ بإطار النافذة لأراقب ما يحدث. رأيت أتباعي يُدفعون للخلف تدريجيًا، ولم أكن متأكدًا إن كان ذلك بسبب كثرة الأعداء أم ضعف أتباعي. بدا أن السبب مزيج من الاثنين.
تسللتُ إلى داخل المبنى لأتفقد إصابتي. كان لحم ساقي اليسرى قد تمزّق جزئيًا ويتدلّى مع الريح. تساءلتُ كم كان عمق العضة التي تسببت بهذه الإصابة. عضضتُ على أسناني ونظرتُ من النافذة.
مع تقلّص عدد أتباعي، بدأ يتشكّل فراغ في الجهة اليمنى من صفوفهم. عرفت أنه إن استمرّ القتال بهذا الشكل، فستقوم الكائنات الحمراء بمحاصرتهم ثم القضاء عليهم بالكامل.
«المبنى على اليمين! ادخلوا إلى المبنى على يمينكم!»
استجاب أتباعي لأمري المستميت، واقتحموا نوافذ المبنى ودخلوه.
«اصعدوا السلالم! أوقفوهم هناك!»
أطلق أتباعي صرخاتهم القتالية الموحدة، واتجهوا نحو مخرج الطوارئ في المبنى.
وبمجرد أن اختفوا عن ناظري، دوّى صراخ مروّع من خلفي، جعل شعر جسدي ينتصب.
غررر!!!
كان صوت الكائنات الحمراء وهي تدخل المبنى الذي كنتُ فيه. يبدو أنهم رصدوني وأنا أقفز من نافذة الطابق الرابع.
اتجهتُ نحو الدرج على أمل صدّ الزومبيات التي بدأت بالصعود.
تحطّم! تهشّم!
سمعت صوت تحطّم نوافذ خلفي.
«انتظر، هل يصعدون مباشرة إلى الطابق الرابع؟!»
بدا الأمر مستحيلًا. كنت أعلم أن قوّة الزومبيات تعكس قوّة قائدهم، لكن لم أكن أصدق أنهم قادرون على القفز إلى الطابق الرابع.
تخليت بسرعة عن فكرة الدفاع في الطابق الرابع، وبدأتُ أرتقي الدرج. كنتُ أعلم أنه يجب عليّ الوصول إلى السطح. رغم إصابة ساقي، لم يكن صعود مبنى من ستة طوابق بالأمر العسير.
بلغتُ الدرابزين الذي يحيط بحافة السطح، وألقيت نظرة على الطابق الأول. حينها فقط أدركت كيف وصل الزومبيات إلى الطابق الرابع. كان المدخل الضيّق في الطابق الأول قد أدى إلى تراكم الزومبيات فوق بعضها، حتى تشكّل كومة بلغ ارتفاعها الطابق الرابع.
عندها، أعطيت أوامر لأتباعي:
«جميعًا، إلى السطح. اصعدوا وامنعوهم هناك!»
كان من غير المجدي أن نواجههم في طابق عشوائي. كان يجب على أتباعي أن يتخذوا من السطح ساحة للمعركة، وأن يقاتلوا بشراسة لحماية مدخله.
دمدمة… دمدمة… دمدمة…
سمعتُ وقع خطوات على السلم المؤدي للسطح. عضضتُ شفتي واستدرت. كانت الكائنات الحمراء تصعد نحو السطح وأفواهها مفتوحة على اتساعها. لم يرغبوا حتى في منحي ثانية واحدة لالتقاط أنفاسي. شددت عزيمتي وتوجهت نحو مدخل السطح.
ظهرت وجوههم، وبدأت ألكمهم وأنا أعض على أسناني. امتدت أياديهم نحوي لتقبض على عنقي. معركة شرسة أخرى كانت على وشك البدء.
لم أعد أعرف كم من الوقت مر. لا فكرة لدي كم دام القتال.
لم يكن قتالًا بحق. بل كان صراعًا من أجل البقاء.
صرخنا بهتافات الحرب وتبادلنا الضربات العنيفة. لم تعد ذراعي اليسرى تتحرك. تم تمزيق لحمها بالكامل، ولم أعد قادرًا على رفعها.
ذراعي اليمنى لم تكن بحال أفضل. رغم بذلي كل ما أملك من قوّة، لم أعد قادرًا على تهشيم جماجمهم. كتفي الأيمن قد خُلع، فلم أعد قادرًا على استخدام كامل طاقتي.
كانت ساقي اليسرى تُجر خلفي كأنها معطف مرمي على الأرض. بالكاد كنتُ أحافظ على توازني بساقي اليمنى، الجزء الوحيد المتبقي من جسدي الذي لا يزال يعمل.
لكن الكائنات الحمراء واصلت الهجوم، غير مبالية بإصابتي. كنت أعلم أن النهاية ستأتي لحظة اختراقهم مدخل السطح. كنت أعلم أنني إن حوصرّت، فسينتهي أمري.
أسقطت يدي اليمنى المرتجفة إلى جانبي.
«هل هذا كل ما تبقى لي؟»
كان عليّ أن أجد طريقة لإنهائهم. علمت أنني سأخسر كل شيء إن واصلت هذا الصراع العقيم. وصلتُ إلى حافة الجنون، ولم يكن أمامي سوى التخلي عن إنسانيتي كي أعيش. كان عليّ استخدام ملاذي الأخير… سلاح لم أستخدمه من قبل، ولم أرد استخدامه يومًا.
“غررر!!!”
اندفعتُ نحو من يصرخ في وجهي، وفمي مفتوح.
قضم.
عضضت عنق الزومبي أمامي. قطعت رقبته بسلاسة، كما لو أن سكين سوشي حادة قد مرت بها.
بصقتُ ما تبقى منه، أحارب الغثيان الذي اجتاحني، ثم اندفعتُ مباشرة إلى وسط الكائنات الحمراء. كنتُ كقرش أبيض ضخم يسبح في محيطٍ أحمر باحثًا عن فريسة. التوى عنقي بزاوية غريبة بينما أتابع تمزيق أعناقهم بأسناني واحدًا تلو الآخر.
كلما حاولوا الإمساك بي، كنت أستخدم يدي المرتجفة لدفعهم، أتغلغل أكثر فأكثر داخل هذا الطوفان الوحشي. كنت أقاتلهم كزومبي، لم أعد إنسانًا.
طقطقة!
بينما كنتُ أعض رقبة كائن آخر، ظهر واحد جديد خلفه وعض أذني. ضربتُ ذقنه بكوعي الأيمن. شعرتُ بلسعة في شحمة أذني. فكه انحرف عن مكانه، لكنه اندفع تجاهي من جديد وفمه مفتوح.
رأيت نصف أذني لا يزال في فمه. عبستُ، وأدرت رقبتي وغرست أسناني في جبهته. اخترقت أسناني الحادة جمجمته، واقتلعت وجهه بالكامل.
كنتُ أفقد عقلي ببطء. غرائز الزومبي الكامنة داخلي بدأت تتحرر، وجسدي كان يتحلل تدريجيًا.
طقطقة!
في لحظة، شعرت أنني فقدت عقلي تمامًا. سمعت شيئًا ينكسر في رأسي، وبدأ العالم يتمايل من حولي. وبعد ثانية، بدأ الغثيان يتصاعد من أعماق معدتي.
«هممم؟»
انهرتُ على الأرض. جسدي فقد كل قوته. لم أعد قادرًا على فعل شيء، رغم أن الكائنات الحمراء كانت لا تزال تهاجمني.
غررر!!!
في تلك اللحظة، دوّى صراخ مرعب في كل زقاق من “ماجانغ-دونغ”، أرسل قشعريرة على امتداد عمودي الفقري. اخترق ذلك العواء الرهيب ظلام الليل وصم آذاني بصدى لا يُحتمل.
فجأة، توقّف الزومبيات الذين كانوا يملؤون السلم عن الهجوم. استداروا وركضوا عائدين إلى الطابق الأول. وكذلك فعل من كانوا على سطح المبنى المقابل.
بما تبقى لي من قوّة، زحفت بجسدي المرتجف نحو سور السطح. رأيتهم يركضون بأقصى سرعة.
كانوا يتراجعون. أو على الأقل، بدا الأمر كذلك.
«لكن، لماذا يتراجعون؟ أم أنهم ذاهبون لحماية قائدهم؟»
لم أستطع معرفة السبب الحقيقي، لكنني خمنت أن ظهور “كيم هيونغ-جون” له علاقة بالأمر.
«جميعًا، من هذا الاتجاه.»
بمجرد أن أصدرت هذا الأمر، بدأ أتباعي على سطح المبنى المقابل بالنزول عبر السلالم. أما أنا، فقد ارتميتُ على الأرض أتنفس بصعوبة. ظللت أتقيأ سائلًا أسود. لم أكن أعلم لماذا أشعر بالغثيان. ربما لأنني قمت بعضّ لحم الزومبي. أو ربما كانت آخر ذرة من إنسانيتي تقاوم ما فعلته.
بيب—
وسط هذه الأفكار، شعرت فجأة بخفة غريبة، وبدأ أزيز حاد يملأ أذني. رفعتُ يدي المرتجفة نحو جبيني ببطء وعبست. كان جسدي يرتعش كما لو أنني أتعرض لنوبة. كل شيء أمامي بدأ يتأرجح.
“غرر…”
حاولت جاهدًا أن أرفع جزئي العلوي، لكنني لم أستطع. بدأت رؤيتي تزداد ضبابية. كان نفس الإحساس الذي شعرت به قبل أن أغفو بعد أكل دماغ أحد الأعداء. لم أعد قادرًا على مقاومة التعب، ولا الرغبة الغامرة في النوم التي اجتاحتني.
أغلقت عينيّ، وعقلي يغرق في الضباب. شعرت بجسدي المنهك يهبط إلى هاوية لا قرار لها.
«يجب أن… أعود إلى كيم هيونغ-جون لأساعده…»
ومض وجهه في ذهني، لكنني لم أستطع مقاومة تلك القوة الساحقة التي أحكمت قبضتها علي.
فقدتُ الوعي.
لم أكن أرى شيئًا. فتحتُ عينيّ ووجدتُ نفسي في مكان غريب، مكانٍ تغمره الظلمة بلا نهاية. شعرتُ وكأنني كويكبٌ تائه في فراغ الفضاء الواسع. نظرتُ حولي بعقلٍ ما يزال ضبابيًا.
رشح… رشح…
في تلك اللحظة، لفتت انتباهي خطوات أقدام. كانت تلك الخطوات كفيلة بإيقاظ صدمة دفنتُها عميقًا في ذاكرتي. نظرتُ نحو مصدر الصوت، واجتاحني شعور غريب جعل جسدي يرتعش بلا تحكم، وسقط فكي إلى الأرض من الذهول.
كانت تلك المخلوقة السوداء.
كانت تحدّق إليّ.
اتسعت عيناي من الدهشة. انتصبتُ واقفًا بسرعة وتراجعتُ خطوات إلى الوراء بدافع غريزي، لكن لم يكن هناك مهرب. كنتُ كالهامستر يدور في عجلة لا نهاية لها.
«لا تقترب! لا تقترب!»
صرخاتي ابتلعتها الظلمة الحالكة، كما تمتص الإسفنجة الماء. مهما صرخت، لم تصل صيحاتي إليها.
كانت تقترب مني.
وبعد لحظة، فتحت فمها واندفعت نحوي. غطّيتُ وجهي بيديّ.
فوووف—
لم أفهم ما الذي حدث. مع صوتٍ حاد مفاجئ، تحولت المخلوقة إلى دخان، إلى كيان بلا شكل، واختفت. رغم أن كلمة “اختفت” لم تكن دقيقة لوصف ما جرى، كان الأدق أنني امتصصتُ الكيان somehow.
وفي اللحظة التالية، اجتاحتني آلام رهيبة كادت تمزق ما تبقى من عقلي. شعرتُ وكأنني قفزتُ إلى حفرة من النيران. جسدي بأكمله احترق من الداخل.
«غغغ…!»
كان دمي يتدفق بجنون في عروقي، كما لو كان يحتك بجدرانها حتى يشعلها نارًا. وعلى الرغم من الحرارة اللاهبة، كنت أرتجف كأن رياح الشتاء القارس كانت تخترق جلدي العاري.
نبض، نبض، نبض، نبض.
سمعتُ دقات قلبي… قلبي الذي ظننتُه قد توقف، عاد يدق بوضوح. وضعتُ يدي على صدري لأتأكد، لكن قلبي لم يكن ينبض في الحقيقة. أدركتُ حينها أن الصوت ينبعث من دماغي.
كان رأسي يخفق بعنف، كأنما سينفجر في أي لحظة. شعرتُ بعينيّ وأنفي وفمي يتمزقون، وطبلة أذني تحترق. تدحرجتُ على الأرض وأنا أحاول مقاومة الألم.
«غغغ، كواااا، كاااه!»
صرختُ من الألم، أعضّ على أسناني وأشدّ كل عضلة في جسدي. قبضتاي كانت مشدودتين بقوة لم أشعر بها من قبل.
بشش…
بخارٌ بدأ يتصاعد من جسدي، كما لو كنتُ آلة بخارية تُطلق ضغطها. دخانٌ غريب أخذ ينساب من داخلي.
نبض، نبض، نبض، نبض…
بدأ الطنين في رأسي يخف تدريجيًا. كنتُ ممددًا على الأرض، أتنفس بعمق وأنا أشعر بالعرق البارد يغمرني. حاولتُ أن أستعيد توازني عبر التنفس المنتظم.
ثمّ، اخترق شعاع نور جسدي من السماء. أغمضتُ عينيّ جزئيًا، أحدق فيه بشدة. بدأ ذلك النور يتمدّد حتى غمر كل ما حولي. رفعتُ ذراعي اليمنى لأحجب النور عن وجهي بينما استمررتُ في التحديق.
– ابقَ حيًّا. من أجل أخي، ومن أجل عائلتي.
في تلك اللحظة، ترددت كلماتٌ غامضة في رأسي. بدت كأنها همسات الريح، لكني شعرتُ بها بوضوح. فتحتُ عينيّ على وسعهما ونظرتُ حولي، لكن النور حال دون أن أرى شيئًا.
ثمّ شعرتُ بقوة غريبة تجذب جسدي. كأنني أصبحتُ برادة حديد يجذبها مغناطيس عملاق. لم أكن أدري إن كنتُ أُسحب نحو الأعلى أم الأسفل، ولا إن كانت الجاذبية تشدّني أم أنني أطير.
بذهولٍ وارتباك، وجدتُ نفسي أُسحب إلى داخل النور.
