العالم الخارجي (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومنذ ذلك الحين، وُلد كل فرد من العشيرة بجسدٍ عاجز عن التحكم بالمانا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“حين هزمت توأمي تونا في قلعة العاصفة مستخدمًا القوة الروحية، لم أسألك كيف حصلت عليها. تذكر ذلك؟”
ترجمة: Arisu san
“القوة السوداء التي تمتلكها… هي السبب في عدم قدرتنا على تكريم البطريرك الأول. أرني طاقتك الروحية.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“الآخرون غادروا حديقة السيوف ليكسبوا اعتراف العشيرة… أما أنت، فستغادرها لتجد سببًا يدفعك للاعتراف بالعشيرة؟ لست متأكدًا إن كان ذلك مدعاة للمديح أم وقاحة خالصة. كهاهاهاها.”
كان جين يحلم…
ورغم أنه كان يتوقع هذا اليوم، إلا أن وقع كلمات جيلي جعله يشعر بشيء من التردد.
وحش أسود حالك، مكوّن من مجسّات، كان ملتصقًا بوجهه، يأبى أن ينفكّ عنه مهما حاول.
“أهذه زيارتك الأولى للضريح؟”
ـ مــمــه! مـمممـه!
فناء “حديقة السيوف”، حيث غرست آلاف السيوف في الأرض، كان بمثابة مقبرة العشيرة. لكن أولئك الذين سطّروا أعظم البطولات من بين نخبة الفرسان وحدهم كانوا يُمنحون شرف الراحة الأبدية في الضريح، كأبطال خالدين.
لم يستطع التنفس، ولم يخرج من فمه سوى أنين مكتوم وهو يختنق.
بل ومنعتهم من تقديم الإحترام لأسلافهم السحرة أيضًا.
لكن حين فتح عينيه بجزع، أدرك أخيرًا سبب كابوسه.
“لقد سمعتُ عن هذا من المربيات الأقدم، لكنه شعور غريب للغاية… أن تفقد قوتك فجأة.”
ـ مياو~
“سأحميك من الآن فصاعدًا، مربيتي… ليس فقط لخمسة أعوام، بل لبقية حياتي. أنا آسف.”
ـ مياو، مياو~ ميااووو!
“نعم، والدي.”
قط اسود صغير كان نائم على وجهه. نعم، لقد كان موراكان، وقد بقي متمدد عليه لأكثر من ثلاثين دقيقة.
“نعم. ربما… تحمل لك مشاعر خاصة؟”
قال جين بتأفف وهو ينهض ببطء:
لقد تذوّق لأول مرة شعور “سيف الوعي” أثناء تمرينه على “أحجار الصفاء”، وبعدها حاول إعادة استحضار الشعور نفسه مرارًا، دون جدوى، مما سبّب له الإحباط.
“أزح جسدك عني، بحق السماء…”
لم يستطع التنفس، ولم يخرج من فمه سوى أنين مكتوم وهو يختنق.
تمدّد، ثم مدّ ذراعيه متثائبًا. تسللت أشعة الشمس من النافذة لتضيء غرفته، وحفّ أنفه عبق الشاي الأسود الذي اعتادت جيلي على إعداده له.
“هاها، صحيح. لقد أنقذك صغر سنك آنذاك. أما لو قلت لي هذا اليوم، لما مرّت الكذبة بسلام.”
“أكان الكابوس بسبب موراكان…؟ لكني أشعر بالانتعاش الآن. هل فقدت وعيي مباشرة بعد مبارزتي مع فيشوكيل؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان جسده خفيفًا كريشة، ولم يَبدُ عليه أثرٌ للجراح أو الخدوش. لا شك أن المعالجين من عشيرة رونكاندل قد تولّوا أمره وهو غائب عن الوعي.
اكتفت جيلي برفع كتفيها.
قالت جيلي وهي تقترب منه حاملة كوبًا من الشاي وآخر من الماء البارد:
قال سايرون:
“لقد استيقظت، يا سيدي الشاب.”
“شكرًا على كل شيء حتى اليوم. سأراك مجددًا بعد خمس سنوات، يا أبي.”
“كم لبثت فاقدًا للوعي، جيلي؟”
ضحك جين بصوت خافت وهو يستعيد ذكراها.
“يومين كاملين.”
“الآخرون غادروا حديقة السيوف ليكسبوا اعتراف العشيرة… أما أنت، فستغادرها لتجد سببًا يدفعك للاعتراف بالعشيرة؟ لست متأكدًا إن كان ذلك مدعاة للمديح أم وقاحة خالصة. كهاهاهاها.”
“ماذا؟ يومان؟”
ضحك جين بصوت خافت وهو يستعيد ذكراها.
انبهر جين، لكنه سرعان ما أومأ متفهمًا. لقد نزف كثيرًا، ثم اجتاحه شعور غريب حين اخترق عتبة جديدة في آخر لحظات النزال، استنفد كل طاقته الذهنية والجسدية. بالنظر إلى ذلك، فاستفاقته بعد يومين تُعدّ مبكرة نوعًا ما.
“هل ستكون قادرًا على هزيمة إخوتك، والسيطرة على العشيرة بقوة تلك الطاقة؟”
“لابد أن الحفل قد انتهى، يبدو أنني لم أتمكن من توديع الضيوف.”
أخرج جين سيفه [برادامانتي]، ثم رفعه أمامه قائلًا:
“لا داعي للقلق، فخلال اليومين الماضيين، كانت مبارزتك مع اللورد فيشوكيل حديث الساعة في أرجاء الحفل. الجميع أبدى تفهّمه لوضعك. بل لقد أظهرت من الأدب والكياسة ما يفوق المطلوب أثناء حضورك.”
قالت جيلي وهي تقترب منه حاملة كوبًا من الشاي وآخر من الماء البارد:
كانت جيلي على حق. فرغم التفاوت الشاسع بين فارس من ثماني نجوم وآخر من خمس، فقد ظلّت المبارزة محور الحديث حتى نهاية الوليمة.
ـ مياو~
وذلك بسبب سيف الوعي الذي أظهره جين في اللحظة الأخيرة. ورغم أنّه لم يكن سيف وعي متقن، إلا أن مجرد اقترابه من قلب المعركة في مواجهة فارس من ثماني نجوم أمر لا يُصدّق.
“أكان الكابوس بسبب موراكان…؟ لكني أشعر بالانتعاش الآن. هل فقدت وعيي مباشرة بعد مبارزتي مع فيشوكيل؟”
لم يكن فيشوكيل وحده من لاحظ ذلك. كثيرون غيره أدركوا ما فعله جين. واللافت أن فيشوكيل لم يعد إلى الحلبة حتى نهاية الحفل، وكأن وقع ما جرى تركه مذهولًا.
في الطابق السفلي الأخير من الضريح، لم يكن هناك بصيص ضوء. والظلمة تفوح منها رائحة الحديد، بينما دوّى صوتٌ منخفض في الأرجاء:
“وأخيرًا بدأت تضحيات التدريب اليومي مع الأخت الكبرى لونا تؤتي ثمارها… لم أفهم شيئًا في البداية… لكنها كانت تردد دومًا: راقب بعين العقل.”
“هل كنت تعلم؟ أن البطريرك الأول للعشيرة، تيمار رونكاندل، لا يرقد هنا.”
ضحك جين بصوت خافت وهو يستعيد ذكراها.
“نعم، والدي.”
لقد تذوّق لأول مرة شعور “سيف الوعي” أثناء تمرينه على “أحجار الصفاء”، وبعدها حاول إعادة استحضار الشعور نفسه مرارًا، دون جدوى، مما سبّب له الإحباط.
قال سايرون:
“يبدو أنني لا أستطيع استدعاء هذا الإحساس إلا في مواقف حرجة أو لحظات غريزية.”
كان جين يحلم…
كان ذلك مؤسفًا، لكن لا حيلة له. مجرد محاكاته لسيف الوعي، وإن كانت غير متقنة، يُعد إنجازًا بحد ذاته. فالخوض في عالم سيف الوعي لا يكون إلا لمن تجاوزوا مرحلة الثماني نجوم.
معاهدة حرّمت على الفرسان استخدام السحر مجددًا.
تمدّد جين مرة أخرى، ثم نهض من السرير.
“هذه الزهور تركتها وريثة القصر الخفي لك. انتظرتك حتى هذا الصباح، لكنها غادرت بعد ذلك مضطرة.”
“كانت وليمة مثمرة بحق… لقد عرفت مكانة برادين داخل عشيرة زيڤل، وبدأت علاقة جيدة… أو صداقة؟ أو رباط؟ مع وريثة القصر الخفي. على الأقل، كانت أكثر وُدًّا بعد مبارزتنا.”
بل وأكثر من ذلك، فقد لقّن بوفار غاستون درساّ لا يُنسى، وعلم أنه على صلة وثيقة بفيشوكيل، وهو ما اعتبره جين أعظم مكاسب الحفل.
بل وأكثر من ذلك، فقد لقّن بوفار غاستون درساّ لا يُنسى، وعلم أنه على صلة وثيقة بفيشوكيل، وهو ما اعتبره جين أعظم مكاسب الحفل.
تمدّد جين مرة أخرى، ثم نهض من السرير.
“من المرجّح أن تكون عشيرة إيفليانو أو فيشوكيل نفسه يقفون خلف جرائم التحوّل. وربما يكون فيشوكيل تابعًا لمنظمةٍ خارج عشيرته، وبوفار جزء منها.”
استطاع جين بالكاد أن يرى ظلّ سايرون من الخلف، فانحنى احترامًا.
فكّر جين في احتمالات كثيرة، لكنه لم يشأ التسرع. عليه أن يتحقق بنفسه ويكشف الحقيقة كاملة.
لكن ما لفت انتباه جين كان شيئًا آخر… كانت هناك مسامير معدنية مغروزة في معصمي جيلي وكاحليها. وما إن لمح نظراته، حتى عدّلت ملابسها لإخفاء تلك المواضع.
بل وكان ينوي إجبارهم على تحمّل مسؤولية محاولة اغتياله قبل خمس سنوات، حين نفّذ أتباع زيڤل المتطرفون العملية متنكرين. كان ينوي انتزاع اعترافٍ منهم، عن تلك الحادثة.
“رجاءً، لا تقل هذا الكلام… أنا سعيدة وممتنة لأنك أصبحت حامل راية مؤقّت، يا سيدي الصغير. وسأستعيد قوتي ما إن ينتهي الاختبار، فلا تشغل بالك.”
وقبل أن يغرق في مزيد من التفكير، أشارت جيلي إلى مزهرية قرب السرير. كانت الزهور البيضاء النقية تشبه “نفس الطفل”، لكن شكلها كان أقرب إلى بلورات الثلج، تتوهّج بهدوء.
في الطابق السفلي الأخير من الضريح، لم يكن هناك بصيص ضوء. والظلمة تفوح منها رائحة الحديد، بينما دوّى صوتٌ منخفض في الأرجاء:
“هذه الزهور تركتها وريثة القصر الخفي لك. انتظرتك حتى هذا الصباح، لكنها غادرت بعد ذلك مضطرة.”
“إن كانت الحديقة مقبرة لمن جلبوا المجد للعشيرة، فالضريح حكرٌ على من حمَوا العشيرة.”
“هم؟ السيدة سيريس هي من تركها؟”
وهذا ما جعل عشيرة [سيوف السحر] العريقة، تنحدر إلى مجرد عشيرة من الفرسان العاديين.
“نعم. ربما… تحمل لك مشاعر خاصة؟”
“لا أظن. أزهار الثلج التي تنمو في القصر الخفي ترمز إلى (معركة غير مكتملة) بلغة الزهور. يبدو أنها ترغب في مواجهتي مجددًا. إنها امرأة مثابرة وعنيدة.”
ولو كُسر الختم دون إذن رسمي، لكانت العقوبة… القتل.
اكتفت جيلي برفع كتفيها.
انبهر جين، لكنه سرعان ما أومأ متفهمًا. لقد نزف كثيرًا، ثم اجتاحه شعور غريب حين اخترق عتبة جديدة في آخر لحظات النزال، استنفد كل طاقته الذهنية والجسدية. بالنظر إلى ذلك، فاستفاقته بعد يومين تُعدّ مبكرة نوعًا ما.
“على أي حال، هذه أول مرة تتلقى فيها زهورًا من فتاة. تهانينا، سيدي الصغير.”
تمدّد، ثم مدّ ذراعيه متثائبًا. تسللت أشعة الشمس من النافذة لتضيء غرفته، وحفّ أنفه عبق الشاي الأسود الذي اعتادت جيلي على إعداده له.
قهقه موركان بصوت عالٍ وهو يعلق:
أخرج جين سيفه [برادامانتي]، ثم رفعه أمامه قائلًا:
“كهاهاها! أول باقة زهور يتلقاها جين، وإذا بها رسالة تحدٍ! أليس ذلك لحظة تستحق التوثيق يا (فطيرة الفراولة)؟”
ضحك جين بصوت خافت وهو يستعيد ذكراها.
ثم رمق جيلي بنظرة خفيفة، حذرًا منها بعد أن تسلل إلى قاعة الوليمة دون إذنها. ولليوم الثاني على التوالي، كانت جيلي تتجاهله وكأنه غير موجود.
“إن كانت الحديقة مقبرة لمن جلبوا المجد للعشيرة، فالضريح حكرٌ على من حمَوا العشيرة.”
أدرك جين الموقف، واكتفى بهز رأسه. أما موركان، فاستسلم بخيبة أمل وتحوّل مجددًا إلى هيئة قطة بأذنتين منسدلتين.
ولو كُسر الختم دون إذن رسمي، لكانت العقوبة… القتل.
“على ذكر ذلك، أمر البطريرك أن تذهب إليه فور استيقاظك، يا سيدي الصغير. كما قلت سابقًا… أعتقد أن وقت إثبات أهليتك قد حان.”
بعد موت تيمار، عقدت عشيرة رونكاندل معاهدة مذلة مع عائلة زيڤل.
الاختبار لإثبات أحقيته بأن يكون حامل الراية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ورغم أنه كان يتوقع هذا اليوم، إلا أن وقع كلمات جيلي جعله يشعر بشيء من التردد.
لم يُترك خلفه سوى سيفه المحبوب [باريسادا]، والذي أصبح رمزًا موروثًا للعشيرة. خلاف ذلك، لا أثر لتخليد ذكراه.
في حياته السابقة، لم يتخيّل قط أن يحظى بهذه الفرصة. وها هي الآن، تقترب منه كأنها قدر لا مهرب منه.
“هاها، صحيح. لقد أنقذك صغر سنك آنذاك. أما لو قلت لي هذا اليوم، لما مرّت الكذبة بسلام.”
“فهمت. يبدو أننا سنغادر العشيرة لبعض الوقت. أين والدي؟”
شينغ!
“في الضريح.”
بل ومنعتهم من تقديم الإحترام لأسلافهم السحرة أيضًا.
“حسنًا، سأذهب إليه.”
“أكان الكابوس بسبب موراكان…؟ لكني أشعر بالانتعاش الآن. هل فقدت وعيي مباشرة بعد مبارزتي مع فيشوكيل؟”
حين كان إخوته يُستدعون لمقابلة والدهم، كانوا يرتدون اللباس الرسمي ويعتنون بمظهرهم بعناية.
قال سايرون بصوت هادئ:
أما جين، فاكتفى بتسوية شعره بطريقة عابرة، وارتدى ثياب سفرٍ من الجلد الفاخر، ثم علّق [برادامانتي] على خصره قبل أن يسير في الممر.
ضحكت جيلي، لكن في صدر جين كان هناك وجعٌ خانق.
الضريح.
وقبل أن يغرق في مزيد من التفكير، أشارت جيلي إلى مزهرية قرب السرير. كانت الزهور البيضاء النقية تشبه “نفس الطفل”، لكن شكلها كان أقرب إلى بلورات الثلج، تتوهّج بهدوء.
فناء “حديقة السيوف”، حيث غرست آلاف السيوف في الأرض، كان بمثابة مقبرة العشيرة. لكن أولئك الذين سطّروا أعظم البطولات من بين نخبة الفرسان وحدهم كانوا يُمنحون شرف الراحة الأبدية في الضريح، كأبطال خالدين.
لقد تذوّق لأول مرة شعور “سيف الوعي” أثناء تمرينه على “أحجار الصفاء”، وبعدها حاول إعادة استحضار الشعور نفسه مرارًا، دون جدوى، مما سبّب له الإحباط.
في الطابق السفلي الأخير من الضريح، لم يكن هناك بصيص ضوء. والظلمة تفوح منها رائحة الحديد، بينما دوّى صوتٌ منخفض في الأرجاء:
“هم؟ السيدة سيريس هي من تركها؟”
“لقد أتيت.”
فناء “حديقة السيوف”، حيث غرست آلاف السيوف في الأرض، كان بمثابة مقبرة العشيرة. لكن أولئك الذين سطّروا أعظم البطولات من بين نخبة الفرسان وحدهم كانوا يُمنحون شرف الراحة الأبدية في الضريح، كأبطال خالدين.
استطاع جين بالكاد أن يرى ظلّ سايرون من الخلف، فانحنى احترامًا.
قال سايرون بصوت هادئ:
قال سايرون:
“نعم، والدي.”
“لقد مرّ زمن طويل منذ أن حضر أحد أولادي أمامي بثياب مريحة كهذه. أظنك تدرك أنك ستقضي وقتًا بعيدًا عن العشيرة، أليس كذلك؟”
“القوة السوداء التي تمتلكها… هي السبب في عدم قدرتنا على تكريم البطريرك الأول. أرني طاقتك الروحية.”
“نعم، وأنوي المغادرة على الفور.”
أما أمتعته، فلم تكن سوى سلّة صغيرة بداخلها موراكان نائمًا، وبعض المؤونة الجافة، ودفتر ملاحظات يحتوي على نسخٍ من المخطوطات السرّية.
كان سايرون يحب هذا الجانب من أصغر أبنائه. الصبي لا يرهب والده، ويُعلن عن نواياه بوضوح.
قالت وهي تضحك بخفة، محاولة إخفاء ارتباكها:
أما إخوته، فلم يجرؤوا حتى على تصوّر مثل هذا التصرف أمام والدهم. كانوا يجهدون في إخفاء رهبتهم وقلقهم بمجرد الوقوف في حضرته… وإن كانت لونا استثناءً، إذ خرجت مبكرًا من تحت عباءة والدها وشقّت طريقها.
قال جين بصوت حازم، تعتريه نبرة ألم:
أما جين، فقد عرف كيف يتعامل مع شخصية والده، ولهذا جاء بملابس بسيطة عن عمد.
في حياته السابقة، لم يتخيّل قط أن يحظى بهذه الفرصة. وها هي الآن، تقترب منه كأنها قدر لا مهرب منه.
“منذ عودتي بالزمن، أصبح والدي أكثر شخص يمكنني فهمه بسهولة… غريب.”
لم يُترك خلفه سوى سيفه المحبوب [باريسادا]، والذي أصبح رمزًا موروثًا للعشيرة. خلاف ذلك، لا أثر لتخليد ذكراه.
في حياته السابقة، لم يكن يشعر سوى بالخوف من سايرون، ولم يجتمع به سوى مرات نادرة خلال سنواته الثمانية والعشرين.
“لا أظن. أزهار الثلج التي تنمو في القصر الخفي ترمز إلى (معركة غير مكتملة) بلغة الزهور. يبدو أنها ترغب في مواجهتي مجددًا. إنها امرأة مثابرة وعنيدة.”
سكت الأب والابن، لكن الصمت لم يكن ثقيلًا.
أما إخوته، فلم يجرؤوا حتى على تصوّر مثل هذا التصرف أمام والدهم. كانوا يجهدون في إخفاء رهبتهم وقلقهم بمجرد الوقوف في حضرته… وإن كانت لونا استثناءً، إذ خرجت مبكرًا من تحت عباءة والدها وشقّت طريقها.
قال سايرون أولًا:
في الطابق السفلي الأخير من الضريح، لم يكن هناك بصيص ضوء. والظلمة تفوح منها رائحة الحديد، بينما دوّى صوتٌ منخفض في الأرجاء:
“أهذه زيارتك الأولى للضريح؟”
ورغم أنه كان يتوقع هذا اليوم، إلا أن وقع كلمات جيلي جعله يشعر بشيء من التردد.
“نعم، والدي.”
فكّر جين في احتمالات كثيرة، لكنه لم يشأ التسرع. عليه أن يتحقق بنفسه ويكشف الحقيقة كاملة.
“إن كانت الحديقة مقبرة لمن جلبوا المجد للعشيرة، فالضريح حكرٌ على من حمَوا العشيرة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كانت تلك خلاصة القول.
في الطابق السفلي الأخير من الضريح، لم يكن هناك بصيص ضوء. والظلمة تفوح منها رائحة الحديد، بينما دوّى صوتٌ منخفض في الأرجاء:
فلطالما وُضعت عشيرة رونكاندل في مهبّ العواصف طيلة ألف عام. تفاوتت الأخطار ما بين خلافات داخلية ومصائب كادت تعصف بالعشيرة بأكملها.
“لا داعي للقلق، فخلال اليومين الماضيين، كانت مبارزتك مع اللورد فيشوكيل حديث الساعة في أرجاء الحفل. الجميع أبدى تفهّمه لوضعك. بل لقد أظهرت من الأدب والكياسة ما يفوق المطلوب أثناء حضورك.”
وفي كل مرة، كان هناك من ضحوا حتى الرمق الأخير لحماية العشيرة، وهؤلاء فقط هم من حظوا بشرف الدفن في الضريح.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هل كنت تعلم؟ أن البطريرك الأول للعشيرة، تيمار رونكاندل، لا يرقد هنا.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وفور ذكر اسم تيمار، شعر جين أن والده سيأتي على ذكر سولديريت. كان واثقًا من حدسه.
بل وأكثر من ذلك، فقد لقّن بوفار غاستون درساّ لا يُنسى، وعلم أنه على صلة وثيقة بفيشوكيل، وهو ما اعتبره جين أعظم مكاسب الحفل.
“نعم، وأعلم أيضًا أنه لا يوجد قبر أو نصب واحد مخصص للبطريرك الأول في الحديقة.”
قال سايرون بصوت هادئ:
لم يُترك خلفه سوى سيفه المحبوب [باريسادا]، والذي أصبح رمزًا موروثًا للعشيرة. خلاف ذلك، لا أثر لتخليد ذكراه.
لم يُترك خلفه سوى سيفه المحبوب [باريسادا]، والذي أصبح رمزًا موروثًا للعشيرة. خلاف ذلك، لا أثر لتخليد ذكراه.
قال سايرون:
“كانت وليمة مثمرة بحق… لقد عرفت مكانة برادين داخل عشيرة زيڤل، وبدأت علاقة جيدة… أو صداقة؟ أو رباط؟ مع وريثة القصر الخفي. على الأقل، كانت أكثر وُدًّا بعد مبارزتنا.”
“القوة السوداء التي تمتلكها… هي السبب في عدم قدرتنا على تكريم البطريرك الأول. أرني طاقتك الروحية.”
“نعم، وأعلم أيضًا أنه لا يوجد قبر أو نصب واحد مخصص للبطريرك الأول في الحديقة.”
مدّ جين يده بهدوء، وخلق كرةً من الطاقة الروحية فوق راحته.
كان جين قد أعدّ إجابته مسبقًا:
بعد موت تيمار، عقدت عشيرة رونكاندل معاهدة مذلة مع عائلة زيڤل.
“كم لبثت فاقدًا للوعي، جيلي؟”
معاهدة حرّمت على الفرسان استخدام السحر مجددًا.
قط اسود صغير كان نائم على وجهه. نعم، لقد كان موراكان، وقد بقي متمدد عليه لأكثر من ثلاثين دقيقة.
بل ومنعتهم من تقديم الإحترام لأسلافهم السحرة أيضًا.
فناء “حديقة السيوف”، حيث غرست آلاف السيوف في الأرض، كان بمثابة مقبرة العشيرة. لكن أولئك الذين سطّروا أعظم البطولات من بين نخبة الفرسان وحدهم كانوا يُمنحون شرف الراحة الأبدية في الضريح، كأبطال خالدين.
وهذا ما جعل عشيرة [سيوف السحر] العريقة، تنحدر إلى مجرد عشيرة من الفرسان العاديين.
“أكان الكابوس بسبب موراكان…؟ لكني أشعر بالانتعاش الآن. هل فقدت وعيي مباشرة بعد مبارزتي مع فيشوكيل؟”
لقد كان قدرًا لا مفرّ منه، بعدما غاب [سولديريت] عن حمايتهم أمام روح زيڤل الحامية.
رغم ضحكه، علم جين أن والده يعني ما يقول، ولهذا لم يشاركه الضحك.
فبوحدتهم، صبّت روح زيڤل لعنتها على سلالة رونكاندل.
وقد توقّع أن تُرضي هذه الإجابة والده تمامًا. وكما كان متوقعًا، ارتسمت على وجه سايرون ابتسامة عريضة، كاشفة عن صفّ أسنانه البيضاء المتناسقة.
ومنذ ذلك الحين، وُلد كل فرد من العشيرة بجسدٍ عاجز عن التحكم بالمانا.
فأجابته جيلي مبتسمة، وعيناها دامعتان:
قال سايرون:
“فهمت. يبدو أننا سنغادر العشيرة لبعض الوقت. أين والدي؟”
“حين هزمت توأمي تونا في قلعة العاصفة مستخدمًا القوة الروحية، لم أسألك كيف حصلت عليها. تذكر ذلك؟”
حين كان إخوته يُستدعون لمقابلة والدهم، كانوا يرتدون اللباس الرسمي ويعتنون بمظهرهم بعناية.
“أجل، وأذكر أيضًا أنني كذبت حين قلت إنني سأستخدم تلك القوة لحماية العشيرة.”
غادرا الغرفة، وخرجا معًا من “حديقة السيوف”، متجهين نحو العالم الخارجي.
ضحك سايرون ضحكة خافتة:
حين كان إخوته يُستدعون لمقابلة والدهم، كانوا يرتدون اللباس الرسمي ويعتنون بمظهرهم بعناية.
“هاها، صحيح. لقد أنقذك صغر سنك آنذاك. أما لو قلت لي هذا اليوم، لما مرّت الكذبة بسلام.”
أما جين، فاكتفى بتسوية شعره بطريقة عابرة، وارتدى ثياب سفرٍ من الجلد الفاخر، ثم علّق [برادامانتي] على خصره قبل أن يسير في الممر.
رغم ضحكه، علم جين أن والده يعني ما يقول، ولهذا لم يشاركه الضحك.
شينغ!
“[…سولديريت.] هل سمعت صوته؟”
ـ مياو، مياو~ ميااووو!
“نعم، لقد سمعت صوته. ناداني بلقب: المتعاقد معه.”
سكت الأب والابن، لكن الصمت لم يكن ثقيلًا.
بطبيعة الحال، لم يكن جين قد سمع صوت [سولديريت] منذ عودته بالزمن، لكنه لم يعد بحاجة لإخفاء هويته كمتعاقد عن والده، سايرون.
قال سايرون:
قال سايرون بصوت هادئ:
لم يكن فيشوكيل وحده من لاحظ ذلك. كثيرون غيره أدركوا ما فعله جين. واللافت أن فيشوكيل لم يعد إلى الحلبة حتى نهاية الحفل، وكأن وقع ما جرى تركه مذهولًا.
“ما أظلمه لأشقائك…”
“أكان الكابوس بسبب موراكان…؟ لكني أشعر بالانتعاش الآن. هل فقدت وعيي مباشرة بعد مبارزتي مع فيشوكيل؟”
لم يكن جين يتمتع بموهبة تفوق لونا فحسب، بل وكان أيضًا متعاقدًا مع روح الظلام التي غادرت العشيرة منذ زمن طويل. وربما كان ذلك بفضل موهبته الفذّة، أنه استطاع جذب انتباه سولديريت والتعاقد معه.
وحش أسود حالك، مكوّن من مجسّات، كان ملتصقًا بوجهه، يأبى أن ينفكّ عنه مهما حاول.
“هل ستكون قادرًا على هزيمة إخوتك، والسيطرة على العشيرة بقوة تلك الطاقة؟”
قال سايرون أولًا:
كان جين قد أعدّ إجابته مسبقًا:
وذلك بسبب سيف الوعي الذي أظهره جين في اللحظة الأخيرة. ورغم أنّه لم يكن سيف وعي متقن، إلا أن مجرد اقترابه من قلب المعركة في مواجهة فارس من ثماني نجوم أمر لا يُصدّق.
“إن جُلت العالم، ولم أجد فيه ما يستحق إخضاعه أكثر من العشيرة، فسأفعل.”
ـ مــمــه! مـمممـه!
وقد توقّع أن تُرضي هذه الإجابة والده تمامًا. وكما كان متوقعًا، ارتسمت على وجه سايرون ابتسامة عريضة، كاشفة عن صفّ أسنانه البيضاء المتناسقة.
وهكذا…
قال سايرون:
تلك المسامير لم تكن عادية، بل أدوات طبية استخدمت لختم طاقتها. لن تتمكن جيلي من استخدام أي طاقة حتى يُثبت جين أهليته كحاملٍ للراية.
“الآخرون غادروا حديقة السيوف ليكسبوا اعتراف العشيرة… أما أنت، فستغادرها لتجد سببًا يدفعك للاعتراف بالعشيرة؟ لست متأكدًا إن كان ذلك مدعاة للمديح أم وقاحة خالصة. كهاهاهاها.”
لم يُترك خلفه سوى سيفه المحبوب [باريسادا]، والذي أصبح رمزًا موروثًا للعشيرة. خلاف ذلك، لا أثر لتخليد ذكراه.
ثم انحنى بجسده نحو جين، الذي ما زال يمدّ يده اليمنى حاملةً كرة من الطاقة الروحية.
قط اسود صغير كان نائم على وجهه. نعم، لقد كان موراكان، وقد بقي متمدد عليه لأكثر من ثلاثين دقيقة.
“أمنحك خمس سنوات. خلال تلك المدة، سواء نلتَ اعتراف العشيرة، أو منحتَها أنت الاعتراف، ابحث عن جوابك وعد إليّ. سأكون في انتظارك، على أحرّ من الجمر.”
قال سايرون:
لم يكن هناك داعٍ لإطالة الحديث.
“كهاهاها! أول باقة زهور يتلقاها جين، وإذا بها رسالة تحدٍ! أليس ذلك لحظة تستحق التوثيق يا (فطيرة الفراولة)؟”
شينغ!
“لابد أن الحفل قد انتهى، يبدو أنني لم أتمكن من توديع الضيوف.”
أخرج جين سيفه [برادامانتي]، ثم رفعه أمامه قائلًا:
تمدّد جين مرة أخرى، ثم نهض من السرير.
“شكرًا على كل شيء حتى اليوم. سأراك مجددًا بعد خمس سنوات، يا أبي.”
“أمنحك خمس سنوات. خلال تلك المدة، سواء نلتَ اعتراف العشيرة، أو منحتَها أنت الاعتراف، ابحث عن جوابك وعد إليّ. سأكون في انتظارك، على أحرّ من الجمر.”
غادر جين الضريح عائدًا إلى غرفته، حيث كانت جيلي قد أتمّت تحضيرات الرحيل وتنتظره.
وهكذا…
أما أمتعته، فلم تكن سوى سلّة صغيرة بداخلها موراكان نائمًا، وبعض المؤونة الجافة، ودفتر ملاحظات يحتوي على نسخٍ من المخطوطات السرّية.
قال سايرون:
لكن ما لفت انتباه جين كان شيئًا آخر… كانت هناك مسامير معدنية مغروزة في معصمي جيلي وكاحليها. وما إن لمح نظراته، حتى عدّلت ملابسها لإخفاء تلك المواضع.
“رجاءً، لا تقل هذا الكلام… أنا سعيدة وممتنة لأنك أصبحت حامل راية مؤقّت، يا سيدي الصغير. وسأستعيد قوتي ما إن ينتهي الاختبار، فلا تشغل بالك.”
تلك المسامير لم تكن عادية، بل أدوات طبية استخدمت لختم طاقتها. لن تتمكن جيلي من استخدام أي طاقة حتى يُثبت جين أهليته كحاملٍ للراية.
“هاها، صحيح. لقد أنقذك صغر سنك آنذاك. أما لو قلت لي هذا اليوم، لما مرّت الكذبة بسلام.”
قالت وهي تضحك بخفة، محاولة إخفاء ارتباكها:
لم يكن فيشوكيل وحده من لاحظ ذلك. كثيرون غيره أدركوا ما فعله جين. واللافت أن فيشوكيل لم يعد إلى الحلبة حتى نهاية الحفل، وكأن وقع ما جرى تركه مذهولًا.
“لقد سمعتُ عن هذا من المربيات الأقدم، لكنه شعور غريب للغاية… أن تفقد قوتك فجأة.”
“كانت وليمة مثمرة بحق… لقد عرفت مكانة برادين داخل عشيرة زيڤل، وبدأت علاقة جيدة… أو صداقة؟ أو رباط؟ مع وريثة القصر الخفي. على الأقل، كانت أكثر وُدًّا بعد مبارزتنا.”
ضحكت جيلي، لكن في صدر جين كان هناك وجعٌ خانق.
“حين هزمت توأمي تونا في قلعة العاصفة مستخدمًا القوة الروحية، لم أسألك كيف حصلت عليها. تذكر ذلك؟”
فقد كانت هذه من تقاليد العشيرة… إذ يُختم طاق المربّية كي لا تتمكن من مساعدة حامل الراية المؤقّت في كسب المجد والشهرة.
“لقد مرّ زمن طويل منذ أن حضر أحد أولادي أمامي بثياب مريحة كهذه. أظنك تدرك أنك ستقضي وقتًا بعيدًا عن العشيرة، أليس كذلك؟”
ولو كُسر الختم دون إذن رسمي، لكانت العقوبة… القتل.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
قال جين بصوت حازم، تعتريه نبرة ألم:
“القوة السوداء التي تمتلكها… هي السبب في عدم قدرتنا على تكريم البطريرك الأول. أرني طاقتك الروحية.”
“سأحميك من الآن فصاعدًا، مربيتي… ليس فقط لخمسة أعوام، بل لبقية حياتي. أنا آسف.”
كان سايرون يحب هذا الجانب من أصغر أبنائه. الصبي لا يرهب والده، ويُعلن عن نواياه بوضوح.
فأجابته جيلي مبتسمة، وعيناها دامعتان:
“أكان الكابوس بسبب موراكان…؟ لكني أشعر بالانتعاش الآن. هل فقدت وعيي مباشرة بعد مبارزتي مع فيشوكيل؟”
“رجاءً، لا تقل هذا الكلام… أنا سعيدة وممتنة لأنك أصبحت حامل راية مؤقّت، يا سيدي الصغير. وسأستعيد قوتي ما إن ينتهي الاختبار، فلا تشغل بالك.”
يا له من فصل رائع بحق! مشهد جين مع جيلي دافئ ومليء بالمشاعر.
وهكذا…
“أزح جسدك عني، بحق السماء…”
غادرا الغرفة، وخرجا معًا من “حديقة السيوف”، متجهين نحو العالم الخارجي.
قال جين بتأفف وهو ينهض ببطء:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لقد استيقظت، يا سيدي الشاب.”
يا له من فصل رائع بحق! مشهد جين مع جيلي دافئ ومليء بالمشاعر.
“لقد سمعتُ عن هذا من المربيات الأقدم، لكنه شعور غريب للغاية… أن تفقد قوتك فجأة.”
بل وأكثر من ذلك، فقد لقّن بوفار غاستون درساّ لا يُنسى، وعلم أنه على صلة وثيقة بفيشوكيل، وهو ما اعتبره جين أعظم مكاسب الحفل.
