المجلد الأول – الفصل الثامن والثلاثون
“سلحفاة الماء”
ركض سامي في كل مكان، بسرعة مجنونة، يبحث بجديّة، غاضبًا، مكبوتًا… لكنه كان أيضًا مليئًا بالأمل.
خيط الأمل الوحيد الذي انتظره طوال عامين، أخيرًا أمسك به.
المنازل كانت محطّمة في كل مكان.
صواعق البرق تنهمر خلفه، الأعاصير تكتسح ما حوله، والمنازل تطير في الهواء كما لو كانت من ورق.
فوقه، موجات من الطاقة تتصادم في السماء، الأرض تتألم، والسماء تبكي، والرياح تصرخ.
وفي وسط هذا الجحيم، كانت أعين سامي مشتعلة، تفيض برغبةٍ جامحة وأملٍ لا يمكن كبحه.
كان يجري بلا تردد، متجاهلًا كل شيء.
وفجأة، صاعقة برق تضرب المنزل المجاور له. انفجر المبنى، وتفجّرت منه موجة طاقة قوية أطاحت بسامي أرضًا، وانهال عليه الحطام.
استدعى سامي قوته، وبإطلاق خاطف، أبعد الأنقاض عنه وخرج منها مغطى بالدماء.
استدعى سيفه، الذي تشكّل بين يديه، وواصل الجري، يترك خلفه خطًا أحمر من دمائه على طول الطريق.
ركض بجنون، لا يبالي بشيء، حتى الجثث التي تملأ المكان، لم يلاحظها.
أطفال يبكون، نساء يصرخن، وكل شيء من حوله ينزف.
وفجأة، اصطدم بطفل يحمل رأس رجل مقطوع، الرأس مشوّه، وعيناه منطفئتان باللون الأحمر.
وقع الطفل من شدّة الاصطدام، لكنّه تجاهل جروحه، التقط الرأس مجددًا وواصل الهروب.
توقف سامي.
لأول مرة، أدرك الرعب الحقيقي لما يحدث حوله.
أدرك أنه في جحيم لا يرحم، وأن القرار الوحيد الصائب الآن هو الهروب.
ارتعش، مسح الدم عن وجهه، وأكمل الجري…
رغبته في الوصول إلى ذلك “الكيان” كانت أقوى من كل شيء.
“علي أن أجدَه مجددًا… لن أسمح له أن يضيع مني.
أين هو؟
أين يجب أن أذهب؟
أين يمكن أن يكون؟
تبًا… لا يهم. سأواصل الجري وسأجده…
سأجده مهما كلف الأمر.
بمجرّد أن أجده، سينتهي كل شيء.
سأتحرّر من هذا الحلم اللعين…
سأعود…”
واصل الجري، رغم النزيف والانفجارات المتكررة.
ذلك الكيان كان كل ما يشغله.
أخيرًا، وصل إلى قلب العشيرة… قصرها.
كان مدمّرًا بالكامل، يشتعل، محطّمًا إلى رماد.
اقترب منه، تملأه مشاعر مختلطة من القلق والتوقع.
لكن فجأة، رأى شيئًا لم يكن يتوقع رؤيته مطلقًا…
وسط الحطام، وسط الجثث والدماء…
رجل أربعيني بلباس أسود ملطّخ، يحمل بندقية قنص رمادية تلمع تحت ضوء القمر والنيران.
كان حليق الرأس، بلحية قصيرة، وعلى وجهه ابتسامة مجنونة.
“سلحفاة الماء.”
كان يضحك، يضحك بهستيرية، كالمجنون.
صُعق سامي.
قبض على سيفه بكلتا يديه، وانطلق بقطع سريع نحوه.
لكن سلحفاة الماء فتح ذراعيه، كما لو كان يرحّب به.
تردد سامي للحظة.
خفض سيفه قليلاً، فأصاب ساق الرجل بجرح غائر، ومع ذلك واصل الضحك.
اقترب منه سامي، في اضطراب كامل.
“هل هذا هو نفس العجوز الذي عرفته؟
العجوز الهادئ، الكسول، صاحب العيون الكئيبة؟”
ربما لم يعرفه أكثر من يوم…
لكن كان من الصعب تصديق هذا التغيّر.
أنزل سيفه، استدار، وابتعد.
كان “سلحفاة الماء” يلهو ببندقيته، في نشوة غريبة.
قال سامي بصوت حازم:
“لم أكن أتوقع أن تكون هكذا… بعد التفكير، أنت لا تبدو رائعًا مع البندقية!”
تابع سيره، لكنه فجأة شعر بألم حارق…
رصاصة اخترقت قدمه.
“بانغ!”
سقط على الأرض، الألم يفجّره من الداخل.
قال العجوز بصوته الهادئ المعتاد:
“أوه… إنه أنت. ذلك الفتى.
يال حظك السيء… لم أتوقع أن تكون من أبناء الغيلان.”
وضع يده على وجهه:
“يا لك من فتى بحظ سيء حقًا.”
سامي يتلوى من الألم.
سلحفاة الماء يقترب، البندقية لا تزال موجهة نحوه.
توسعت ابتسامة سلحفاة الماء، سعادته كانت حقيقية، غير مصطنعة.
اقترب أكثر، وسامي عاجز.
المسافة بينهما متران فقط.
جلس سامي، مد يده ببطء نحو سيفه…
طلقة تفصل بينه وبين سلاحه.
أعاد يده، نظرات الحقد تزداد.
حاول تهدئة الموقف:
“لماذا تفعل هذا؟
أنت لست من هذا النوع… أنت شخص طيب، أعرفك.
أرجوك… توقف.”
ضحك سلحفاة الماء، وقال بابتسامة أكبر:
“توقف عن تمثيل الصلاح.
تظن أن هذا الحوار الضعيف سيؤثّر بي؟”
عبس سامي، تراجع للخلف، وانفجار ضخم وبعيد أضاء بجانبه.
“لم أكن أتوقّع ذلك…” قال بغضب.
كلاهما كان وسط القصر المدمر.
النيران تلتهم كل شيء، والدماء تلطخ الوجوه.
سامي… غاضب، محترق من الداخل.
سلحفاة الماء… يبتسم بجنون، وجهه مغطّى بالدم.
حولهما، جثث الخدم وسكان القصر، هامدة، متفحمة.
وفي هذا المشهد، سأل سامي نفسه:
“هل هذه حياتي الآن؟
هل هذا ما سأعيشه من الآن فصاعدًا؟
ماذا فعلت لأستحق هذا؟
أنا لم أطلب أي شيء من هذا…”
وفجأة…
خلف سلحفاة الماء، ظهر كيان ضبابي، بردائه الرمزي القبيح.
اشتعلت عينا سامي من جديد، لكن عاد الشعور القديم… القمع، الشلل.
ركّز عليه بقوة، حتى فقد القدرة على الحركة.
الألم يمزّقه، عقله توقّف، حواسه تعطّلت.
بصره يضيق، الكيان يقترب.
عينيه تشتعلان بالأحمر، وجهه ضبابي ومشوّه، ل
كن سامي رأى الابتسامة الساخرة…
ثم… كل شيء اسود.
فقد سامي وعيه.
غرق في الحزن، في الضعف، في الظلام…
كان شعورًا حارقًا، مؤلمًا، وقبيحًا.

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!