Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

العودة لصفر : لعنة الخيارات 39

المميز و العادي

 

 

الفصل التاسع والثلاثون: “المميز والعادي”

 

فتح سامي عينيه أخيرًا. بدا له المكان مظلمًا، أو ربما كانت حواسه هي التي لم تعد بعد. أغلق عينيه من جديد، وفجأة شعر بلمسة على كتفه، تلاها تدفّق طاقة مريحة اخترقت جسده المنهك، أعادت إليه انتعاشه، فبدأت حواسه تستعيد نشاطها دفعة واحدة.

 

سمع صوتًا إلى جانبه:

“مرحبًا، هل استيقظت يا سامي؟”

 

كان ذلك صوت سلحفاة الماء.

 

حاول سامي الابتعاد بفزع، أو هكذا ظن، لكن جسده كان ضعيفًا وخاليًا من أي قوة، فلم يتحرك أبدًا. نظر حوله، كان لا يزال في نفس المكان المحطم، ملقى على الأرض، وسلحفاة الماء يجلس إلى جواره، وقد اختفى ذلك الوميض الحاد في عينيه، ليعود إلى ملامحه الكئيبة المتعبة المعتادة، ما جعل سامي يشعر بعدم ارتياحٍ أكبر.

 

لقد كان مختلفًا تمامًا…

 

القمر لا يزال يلمع في السماء، وظلمة الليل لم تتبدد بعد. أدرك سامي أنه لم يفقد وعيه طويلًا. زخم القتال من حوله خفّ قليلًا؛ يبدو أن المعركة اقتربت من نهايتها.

 

تنهد سامي، ثم تحدث بنبرة هادئة موجّهًا كلامه إلى سلحفاة الماء:

“لماذا فعلت كل هذا؟”

 

ردّ سلحفاة الماء بنبرة كئيبة:

“ظننت أنه سيجعلني سعيدًا.”

 

قال سامي، وقد اشتعل صوته بالغضب والحقد:

“إذاً؟ هل جعلك كذلك؟ هاه؟ أيها المجنون!”

 

رد سلحفاة الماء بهدوء:

“يبدو أنه فعل… لفترة قصيرة على الأقل. أما الآن، فأنا… فارغ تمامًا.”

 

فتح سامي فمه ليقول شيئًا، ثم أغلقه. ما الذي كان يحاول فعله؟ لا يزال مشوشًا. ولماذا يلوم سلحفاة الماء أصلًا؟ لم يكن له علاقة مباشرة بكل ما حدث… كان عليه أن يسأل عن الشيء الأهم له.

 

“ما علاقتك بذلك الضبابي؟ من هو؟”

 

أجاب سلحفاة الماء بصوت مستسلم:

“أوه، تتحدث عن ذلك الشيطان المخبول؟ حسنًا، لا أعرف من هو حقًا. أقمت صفقة معه فقط، والآن لم يعد بيننا أي شيء.”

 

صُدم سامي، وصمت لبرهة، ثم تغيرت ملامحه تدريجيًا. أصبح عابسًا، مكتئبًا، وكأنه انزلق في دوامة من التساؤلات الثقيلة.

 

فجأة تحدث سلحفاة الماء:

“أتريد أن تعرف لماذا فعلت كل هذا؟ حسنًا، سأخبرك… حتى لو لم ترد. في النهاية، أود أن يسمع شخص قصتي قبل أن أموت. شخص آخر غيري… ويبدو أنك سيء الحظ.”

 

تنهد ثم اتخذ وضعية مريحة على كومة الحطام، ونظر إلى سامي ثم تحدث بصوت مشوش:

“يا سامي، أنا متعب… ربما لا ترى ذلك، لكني متعب. متعب لدرجة أنني لا أستطيع أن أبتسم، ولا أستطيع أن أبكي، متعب حتى أنني لا أستطيع أن أنام أو أستلقي. كل ما أستطيع فعله هو العمل… العمل فقط. لا شيء آخر. الذهاب والعودة، التدريب، الحفظ، الصناعة… متعب حقًا. ربما يمكنني تحمل يوم أو يومين من التعب، ولكن لا يمكنني أن أستريح دقيقة واحدة. لقد فقدت المعنى من كل شيء.”

 

سامي ظل حائرًا… لمَ قرر هذا الرجل التحدث إليه فجأة؟ حسنًا، لم يكن يمانع، أو بالأحرى، لم يكن يملك خيارًا.

 

“هل ستكون عائلتي سعيدة بما فعلته؟ بحقك، عن أي هراء تتحدث؟! بالطبع لن يكونوا سعداء. لا أحد يحب أن يُقتل الناس من أجله. أنا لا أفعل هذا من أجلهم، بل من أجلي… لأكون سعيدًا.”

 

تنهد العجوز ونظر إلى الأسفل:

“هل سيجعلني هذا سعيدًا؟ ربما لا. لكن لا يهم… سأتمسك بذلك الاحتمال الصغير، بأنه من خلال ما أفعله، ربما، فقط ربما، أعرف كيف أصبح سعيدًا.”

 

أطلق سامي تنهيدة طويلة بينما كان لا يزال مستلقيًا على الأرض. لقد كره هذا النوع من البشر.

 

قال بسخرية:

“حسنًا، يبدو أن ما فعلته لم يكن له أي معنى!”

 

صرخ سلحفاة الماء فجأة، غاضبًا، ورمى بندقيته بجانبه:

“اصمت أيها الفتى! أكره أمثالكم، الذين يحاولون البحث عن معنى لكل شيء! أكرهكم! أنا أفعل ما أفعله لأنني أريد ذلك، لا لسبب آخر. لا يوجد معنى! لقد قتلوا أشخاصًا مهمين لي، لذا سأقتلهم، ببساطة. لا معنى في الأمر.”

 

ثم عاد إلى جلسته الكئيبة، وقال بصوت منخفض:

“أنت طفل صغير… وأنا كذلك. كلنا كذلك. البعض يظن أن بضع سنوات تمنحه الحكمة، وكأن طفلًا في السادسة ينادي من هو في الثالثة طفلًا، بينما الفرق بينهما لا قيمة له في الصورة الأكبر. العمر مجرد رقم. مجرد رقم! خمسون عامًا من الأكل والتغوط والنوم لا تعني أنك أهلٌ لأن تخبرني بما علي فعله! لا تعني أنك فعلت شيئًا عظيمًا.”

 

ثم أضاف، وعيناه على سامي:

“يا سامي، عمرك ستة عشر عامًا، ربما عشتُ هذه المدة ثلاث مرات، لكن انظر إلي… حياتي بلا معنى. ورغم أنني أكبر وأكثر خبرة، إلا أنك أقوى مني بالفعل… وحتى تملك حسًا سليمًا أفضل مني. أخبرني، ماذا أفادني هذا العمر بحق؟ أربعون عامًا بلا فائدة!”

 

سامي ظل صامتًا، لم يرَ أي سبب للرد.

 

“حسنًا يا فتى، هل لديك وقت لسماع قصة هذا الفاشل؟ لا يمكنك الرفض، أساسًا. لن تخسر شيئًا سوى راحة بالك، وبصراحة، هذا ثمن صغير مقابل ما ستكسبه.”

 

اعتدل سلحفاة الماء بحماسه الكئيب، جلس القرفصاء، وأسند مرفقه على ركبته، ووضع يده تحت ذقنه:

 

“دعني أبدأ…

 

عشت حياة عادية. كنت الابن الوحيد لعائلتي، ولدي أخت صغيرة تحبني. درست، وتخرجت بدرجات متوسطة، ثم درست الهندسة. أمي كانت تحبني، وأبي كان فخورًا بي. تعرفت على فتاة طيبة، أحبّتني، وتزوجتها. عشنا في بيت عائلتي، حياة عادية. لم أطلب أكثر من ذلك. كنت راضيًا بكوني عاديًا…

 

فلماذا تُسلب مني حياة عادية كهذه؟!

هذا غير عادل، أليس كذلك؟!”

 

لم يشعر سامي بشيء تجاهه… ربما لأنه لا يستطيع، أو لا يريد.

 

أكمل سلحفاة الماء، وقد ترقرقت بعض المشاعر في عينيه:

“أتريد أن تعرف كيف؟

أتذكر الهجوم قبل عشرين عامًا على العشيرة؟

بالطبع لا، لم تكن مولودًا بعد…

 

تم استدعائي من قبل الفرسان المقيدين للدفاع، وتم وضعي في الطليعة ليموت شخص عادي مثلي ببساطة، لكني نجوت. لا تسألني كيف، فقط الحظ.

 

عندما عدت، وجدت أمي وأبي قد ماتا إثر انفجار مستشفى قريب بسبب معركة بين الأسياد. ماذا كان ذنبهما؟ أنهما كانا هناك فقط.

 

زوجتي؟ كانت حاملاً، تذهب للمركز الطبي لأخذ مكملاتها، وتم أسرها كرهينة من قبل المتطرفين. ماتت جوعًا، لأن العشيرة لم تهتم بإنقاذهم.

 

أختي؟ انتحرت بعد شهرين من الاكتئاب، بعدما مات حبيبها في المعركة.

 

عندما عدت، لم أصدق شيئًا. كنت قد أُرسلت إلى الجبهة كمهندس، بضمان أن تبقى عائلتي بخير… فلماذا لم يكونوا كذلك؟!

 

أخبرني يا سامي، ما ذنب الأشخاص العاديين في مشاكل غير العاديين مثل الأسياد والمؤسسين؟”

 

زفر سامي، ثم قرر أخيرًا أن يتحدث، لأن هذا كان يحمل بعض المعنى:

 

“لقد عشت حياة قبيحة يا عجوز…

لكن ما ذنب الآخرين في ذلك؟!”

 

هزّ العجوز رأسه نافيًا:

“والآن تسألني لماذا أُدخل أبرياء لا ذنب لهم؟!

أريدك أن تصحّح مفهومًا: هذا ليس انتقامًا…

أنا فقط أريد من أولئك الغيلان في القمة أن يشعروا بضعف الأشخاص العاديين مثلي…

أن يكرهوني كما كرهتهم… أن يفكروا مرتين قبل أن يزجّوا بنا في مشاكلهم.”

 

تنهد بهدوء:

 

“نعم، أعلم أن ما أفعله خطأ…

لكن ما المشكلة في ذلك؟

هل أنا الوحيد غير المسموح له بارتكاب الخطأ؟!”

 

رد سامي بغضب مستنكر:

“تعرف… لقد احترمتك سابقًا.

أما الآن، فكل ما أشعر به تجاهك هو الشفقة.

أنت شخص متناقض بحق! لا يمكنني فهمك!”

 

رد سلحفاة الماء بصوت هادئ كئيب:

“يا سامي، أعلم أنك ذكي…

لكن لا تستخدم ذكاءك دائمًا لفهم البشر.

أحيانًا نفعل أشياء لا منطق لها.”

 

قال سامي ببرود:

“لا يهمني انتقامك، ولا ما تفعله.

تريد تدمير العشيرة؟ افعل.

تريد تدمير العالم؟ افعل.

 

لقد ظلمت، عشت وحيدًا، كرهت النبلاء…

كل هذا لا يهمني.

 

أنا أيضًا عانيت. لم أكن بخير.

والآن، أنا في حال أسوأ… بسبــبــك.

 

ولن تصبح سعيدًا أبدًا بهذا الطريق… وأنت تعرف ذلك.

 

الآن، أرحني من حوار الشرير والبطل…

فأنا لست بطلًا، فقط أخبرني أين أجد ذلك اللعين.”

 

لم يعجبه كلام سامي، على ما يبدو.

أشاح بوجهه، أمسك بندقيته، وقف، وأدار ظهره لسامي.

 

“ربما ستفهمني يومًا، يا فتى…

 

على أية حال، سأرحل الآن.

وكل ما يمكنني قوله:

أنا لست آسفًا، ولست سعيدًا…

أنا مخطئ، لكنني أردت ذلك.

 

وربما، فقط ربما، حققت شيئًا بطريقة ما…

 

ففي هذه الليلة بالذات، صنعت أعظم شيء في حياتي…

 

“استطعت أن أصنع مسرحًا يسيطر فيه الشخص العادي على المميز، ويقرر مجرى حياتهم وفقًا لنزواته… لقد حطّمت نعيمهم.”

 

أطلق ضحكة صغيرة، ثم تمتم بصوت خافت يكاد يُسمع:

 

“هذه… هي عدالتي.”

 

ثم استدار، وبدأ يبتعد وسط الركام المتناثر، خطواته

تتلاشى شيئًا فشيئًا خلف سُحب الدخان وظلام الليل المتشقق… حتى ابتلعه الظلام تمامًا.

 

وهكذا، وبتلك البساطة، اختفى “سلحفاة الماء”… بعد أن حطّم سامي تمامًا.

 

 

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط