Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 32

نيران صديقة!

نيران صديقة!


▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

قبل نحو عشر دقائق، كان قد مرّ من هنا اثنان وثلاثون فارسًا، تراوحت قوتهم ما بين الطبقة العادية والفئة العليا. كان قائدهم رجلًا من النبلاء، يتحرك بخفةٍ واضحة، لكنه لم يكن جنديًّا بالمعنى الحقيقي. حتى إن امرأة كانت تتبعهم من الخلف، ومع ذلك لم يرى جينارد أي رايةٍ مرفوعةٍ فوقهم.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

طَطَطْ… طَطَطْ… طَطَطْ…

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“فلنأمل ألا يكون هذا من صنع العشائر الأخرى.”

Arisu-san

سيتقاطر إلى العاصمة كل رسل النبلاء في أنحاء المملكة، وسفراء المقاطعات التابعة، بل وحتى القوى الخفية التي تختبئ في زوايا البلاد المظلمة، صغيرها وكبيرها، ستجتمع هنا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

الفصل 32: نيران صديقة!

 

وبأوامر من قادته، اقتحم وليمة الاستقبال التي أقامها الكونت ديلبرت في قصره، وشهد الدوق جون، ضيف الشرف، وهو يُبيد جيش الكونت الخاص دون أن يرمش له جفن.

منذ زمنٍ بعيد، كانت مقاطعة المدينة الشرقية مجرد ضاحيةٍ تقع في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة النجم الأبدي. كان ذلك في الحقبة التي سبقت قدوم الأمير تورموند برفقة الناجين من الإمبراطورية الأخيرة، حين رفع بصره نحو النجوم فوق رأسه، وأقسم أن يُشيّد الكوكبة في المكان الذي تقوم فيه مدينة النجم الأبدي اليوم.

في يوم معركته الأخيرة—معركة زودرا—زفر جينارد زفرةً طويلة ولعن يومًا اجتمع فيه النصر والحزن. لوّح لرفاقه ليُفسحوا الطريق أمام فرسان راية زهرة السوسن.

ومع تصاعد قوة الكوكبة واتساع رقعتها، أخذت بُنية السلطة في طبقة النبلاء داخل المملكة تتضخم. ازداد عدد اللوردات الإقطاعيين والنبلاء والموظفين، ولم يكن كبار الشخصيات في العاصمة راغبين في مجاورة التجار الوضيعين، والعامة، والبغايا القذرات، واللصوص، ورجال العصابات. ولهذا بنوا منازلهم في ضواحي الجهة الشمالية الغربية.

 

شيئًا فشيئًا، تحوّلت تلك المنطقة إلى بقعةٍ يتسابق النبلاء لتشييد قصورهم فيها. ثم ضمّتها بلدية المدينة إلى سلطتها، فأضحت من أهم مناطق العاصمة بعد المنطقتين المركزية ومنطقة نجم الصباح. اللوردات الذين يحرسون حدود المملكة، وأصحاب النفوذ في البلاط، وحتى المبعوثون الأجانب المنفيون من أوطانهم، جميعهم أحبوا أن يبنوا قصورهم ومنازلهم في هذا المكان.

 

كانت المنطقة حافلة بممتلكات النبلاء الكبار والصغار والموظفين على حدٍّ سواء. لم يكن فيها تقريبًا مساكن للعامة ولا أسواق تجارية من أي نوع. حتى المارة في الشوارع كانوا في الغالب من الخدم والتابعين لتلك الأسر. وإضافةً إلى أسعار الأراضي الباهظة حدّ الجنون، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في المقاطعة الشرقية: من يشتري قطعة أرض هنا يجب أن يملك مكانةً تليق بقيمتها. ولا أحد يرغب بمعرفة عاقبة من يتجرأ على مخالفة هذه القاعدة. حتى العشائر الست الكبرى والعائلات الثلاث عشرة المرموقة أقامت عقاراتها الخاصة في هذه المقاطعة، رغم امتلاكها قصورًا في مناطق أخرى من العاصمة. وبالطبع، كانت جميعها في أفضل بقاع المنطقة… سواء أكان نبلاؤها يزورونها أم لا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لهذا السبب كانت القصور والمنازل الفخمة متباعدة عن بعضها، وكان ذلك ممكنًا فقط لأن مساحة المقاطعة الشرقية شاسعة منذ البداية. أما الأعشاب والأشجار بين تلك القصور فقد اعتنت بها بلدية المدينة بعنايةٍ فائقة، لذا بدت يانعةً وقوية. ورُصفت الشوارع الرئيسية بعناية، وكانت مستقرةً ومعبدة، وعلى جانبيها مصابيح أبدية—وفرتها قاعة المدينة—نُصبت واحدةً كل عشرين مترًا.

 

أما شرطة المدينة ووحدة الحرس التي تجوب تلك الشوارع فكانت تتحرك بحذرٍ شديد، إذ إن إغضاب أحد أولئك النبلاء قد يودي بهم، ولن يستطيع حتى رؤساؤهم تحمل العواقب. ومع ذلك، كانت وظائفهم سهلة ومريحة في أغلب الأوقات. فعادةً، حين تقع مشكلةٌ تستدعي تدخل الشرطة أو الحرس، يتكفّل النبلاء بحلها بطريقتهم الخاصة؛ ولم يكن هناك داعٍ لأن يتورط الغرباء في شؤونهم.

 

خلال السنوات العشر التي قضاها جينارد قائدًا لفريق الحرس المناوب في الشارع الرئيسي بالمقاطعة الشرقية، لم يكد يستخدم السيف أو القوس المعلّقين على جسده. لمع كل من خوذته ودرعه كأنهما جديدان. وحين يصادف عربات النبلاء في الشوارع، كان يعتدل في وقفته، ويُصلح درعه بعادةٍ متأصلة، ثم يتراجع خطوةً إلى الوراء وينزع خوذته احترامًا لهم. (وكما قال مدير شرطة المقاطعة الشرقية: كان يجدر بفريق الحرس أن يستبدل خوذاته الثقيلة بقبعات، إذ إن نزع الخوذ لتحية النبلاء أمرٌ يبعث على السخرية).

…..

كان جينارد يقدّر عمله بالغ التقدير. فقد علم أن زملاءه بذلوا جهدًا كبيرًا لنقله إلى حرس العاصمة بعد أن كان يفترض به أن يبحث عن رزقه بنفسه إثر تفكك الجيش. بل وتمكن حتى من الانتقال إلى المقاطعة الشرقية، تلك المنطقة الآمنة الهادئة التي كان سكانها يمنحونه الإكراميات من حينٍ لآخر.

 

كان جينارد مزارعًا وُلد في مقاطعة دورون جنوب الكوكبة، وتجربته الحياتية المفعمة بالأحداث كانت بحق جديرة بأن تُخلّد في أنشودةٍ شعرية.

قبل عقدٍ تقريبًا، حين كان في التاسعة عشرة من عمره—ولم يكن يكترث لتذكر يوم مولده بعد وفاة والده—حلّت الكارثة على قريته بأكملها. فقد هاجمها اللصوص، ونهبوها. وجد جينارد نفسه بلا سبيلٍ للعيش، فاستجاب لنداء دوقٍ في الجنوب، وجنّد نفسه في كتيبة ضوء النجوم التابعة للدوق جون.

قبل عقدٍ تقريبًا، حين كان في التاسعة عشرة من عمره—ولم يكن يكترث لتذكر يوم مولده بعد وفاة والده—حلّت الكارثة على قريته بأكملها. فقد هاجمها اللصوص، ونهبوها. وجد جينارد نفسه بلا سبيلٍ للعيش، فاستجاب لنداء دوقٍ في الجنوب، وجنّد نفسه في كتيبة ضوء النجوم التابعة للدوق جون.

بعض أولئك الرجال أنقذوا حياته ذات مرة، وقد أنقذ هو حياتهم أيضًا. كانوا جميعًا رجالًا شجعانًا—وربما امرأةً واحدة—يمكنه أن يأتمنهم على ظهره في ساحة القتال، ولم يُخزي أيٌّ منهم راية النجمة التساعية التي حملوها.

قاتل جينارد بشجاعةٍ وبذكاءٍ لامع، وخاض معركة الدفاع عن مدينة الجاد، ونجا بأعجوبة.

قبل عقدٍ تقريبًا، حين كان في التاسعة عشرة من عمره—ولم يكن يكترث لتذكر يوم مولده بعد وفاة والده—حلّت الكارثة على قريته بأكملها. فقد هاجمها اللصوص، ونهبوها. وجد جينارد نفسه بلا سبيلٍ للعيش، فاستجاب لنداء دوقٍ في الجنوب، وجنّد نفسه في كتيبة ضوء النجوم التابعة للدوق جون.

وفي مرةٍ أخرى، خاطر بحمل كيسين من الطحين، واستطاع اللحاق بالكتيبة التي كانت تنسحب عبر ممر والا. تبع الدوق بشجاعةٍ وهو يقتحم المتاريس حول أرض العاج.

 

(“قبل أن نتحد مع القوات الأخرى، نحن مدينون لك بثمن كيسي الطحين.” — الدوق جون).

 

وبأوامر من قادته، اقتحم وليمة الاستقبال التي أقامها الكونت ديلبرت في قصره، وشهد الدوق جون، ضيف الشرف، وهو يُبيد جيش الكونت الخاص دون أن يرمش له جفن.

قال سيشيل بنبرةٍ حذرة. كان قد ارتحل إلى ساحة المعركة الفوضوية في مملكة الفجر والظلام، وتعلّم من حكماء الشرق كيف يكون يقظًا ودقيقًا.

بل إنه اندفع عبر موجة الانفجار التي تسببت بها رماح الصوفيين في مرج الشرارة، وسحق فأس معركةٍ بقبضته.

 

وقاد كتيبةً صغيرة تحت راية النجمة التساعية الخاصة بالدوق، وصدّ آخر هجومٍ يائس في فجوة النصل.

بعض أولئك الرجال أنقذوا حياته ذات مرة، وقد أنقذ هو حياتهم أيضًا. كانوا جميعًا رجالًا شجعانًا—وربما امرأةً واحدة—يمكنه أن يأتمنهم على ظهره في ساحة القتال، ولم يُخزي أيٌّ منهم راية النجمة التساعية التي حملوها.

خاض هجومه الأخير حين كانت سيوف جيش المتمردين على وشك أن تلامس حناجرهم—لكنه قلب الموازين وانتصر.

غيلبرت لم يلتفت إلى إهانات جينيس، بل ركّز انتباهه على إسترون. كان ذلك الرجل هو من اختطف تاليس من بين ثمانية حراسٍ بسرعةٍ خارقة، بل وأودى بحياتهم جميعًا.

في يوم معركته الأخيرة—معركة زودرا—زفر جينارد زفرةً طويلة ولعن يومًا اجتمع فيه النصر والحزن. لوّح لرفاقه ليُفسحوا الطريق أمام فرسان راية زهرة السوسن.

لعنت رولانا في نفسها. لم تستطع إطلاق العنان لسرعتها الخارقة ولا لقواها الفريدة أمام هذا النوع من الأعداء.

كان عدد فرسان عائلة كوڤندير أربعةً وثلاثين فارسًا. لم تصحبهم عربات، لذا لا بد أنهم كانوا يؤدون مهمةً نيابةً عن سيدهم.

(نعم…) قال جينارد لنفسه مجددًا،

أما الرجلان اللذان قادا الفريق، فكانا على الأرجح يمتلكان قدراتٍ تتجاوز الفئة العليا. وأما الآخرون، فمن طريقة سيرهم وموضع أسلحتهم، بدا أنهم مجرد مرافقةٍ شكلية. عضّ جينارد شفته بخفة وتراجع إلى طرف الطريق.

 

في سنةٍ وبضعة أشهر فحسب، ترقّى من ضابط في فيلق الإمداد إلى مجند، ثم إلى حامل فأس، فإلى قائد وحدة مشاة، وأخيرًا إلى أشرف لقبٍ على الإطلاق—حارس الدوق الشخصي. تحوّل جينارد من مزارعٍ لا يعرف كيف يمسك بالسيف إلى قائدٍ بارع خاض معارك لا تُحصى. وقد جعلته خبراته القتالية النادرة مشهدًا استثنائيًا بين أبناء الطبقة العادية. فطالما كان معه ثلاثة أو خمسة رفاقٍ يصطفون معه بتشكيلةٍ دفاعية، فإنه حتى لو واجه مقاتلين من الفئة العليا، لما تراجع خطوة. وحتى بعد تفكك كتيبة ضوء النجوم، ظلّ جينارد يذكر تعاليم قائد حرس الدوق المحترم، ولم يُهمل تدريبه يومًا واحدًا.

“يا مولاي الكريم، وحدهم اللوردات الإقطاعيون من يُسمح لهم بتحريك هذا العدد من الجنود في المقاطعة الشرقية. ونحن لا نجرؤ على التدخل في شؤونهم.”

رأى في تلك الأيام عددًا كبيرًا من الفرسان الذين اعتبرها أخطر أيام حياته. بعضهم كانوا محاربين أشداء ذوي مهارةٍ وبأسٍ لا يُضاهى، اشتهروا بشجاعتهم في الهجوم على ظهور الخيل. لكن بعضهم الآخر لم يكن سوى جبناءٍ عاجزين لا يُحسنون سوى إذلال الضعفاء والتذلل للأقوياء. وبالطبع، كان الصنف الأول أكثر عددًا بكثير في عهد الدوق جون.

كان عدد فرسان عائلة كوڤندير أربعةً وثلاثين فارسًا. لم تصحبهم عربات، لذا لا بد أنهم كانوا يؤدون مهمةً نيابةً عن سيدهم.

لهذا، استطاع جينارد أن يميز بنظرةٍ واحدة أن الفارسين في المقدمة أمامه من النخبة أصحاب الخبرة القتالية. فقد لاحظ حركة أجسادهم السلسة رغم هدوء ملامحهم، وانحناءة ظهورهم الطفيفة التي تمنحهم توازنًا فور امتطائهم صهوات الخيل، وموقع السيوف على خصورهم وسروجهم القريبة من أيديهم المسيطرة. هؤلاء النبلاء الذين يفوقون الفئة العليا لا بد أنهم ضباطٌ رفيعو الرتبة في وحدات الهجوم—سواء في الطليعة أو فرق الاقتحام أو الدفاع أو الاحتياط أو حتى الحرس الشخصي للقادة. كانوا بحقّ العصب والعمود الفقري للجيش، كالبَارون الشهير أراكا مورخ في المملكة.

(نعم…) قال جينارد لنفسه مجددًا،

حينها، كان ينبغي لهذين الرجلين أن يمرّا به، غير أن أحدهما شدّ لجام فرسه فتوقف، وتقدّم نحو جينارد.

كانت المنطقة حافلة بممتلكات النبلاء الكبار والصغار والموظفين على حدٍّ سواء. لم يكن فيها تقريبًا مساكن للعامة ولا أسواق تجارية من أي نوع. حتى المارة في الشوارع كانوا في الغالب من الخدم والتابعين لتلك الأسر. وإضافةً إلى أسعار الأراضي الباهظة حدّ الجنون، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في المقاطعة الشرقية: من يشتري قطعة أرض هنا يجب أن يملك مكانةً تليق بقيمتها. ولا أحد يرغب بمعرفة عاقبة من يتجرأ على مخالفة هذه القاعدة. حتى العشائر الست الكبرى والعائلات الثلاث عشرة المرموقة أقامت عقاراتها الخاصة في هذه المقاطعة، رغم امتلاكها قصورًا في مناطق أخرى من العاصمة. وبالطبع، كانت جميعها في أفضل بقاع المنطقة… سواء أكان نبلاؤها يزورونها أم لا.

“فريق الدفاع المدني!”

 

كان فارسًا أصلع في الثلاثينيات من عمره، يرتدي درعًا خفيفًا أخضر مزخرفًا، بديع الصنع، واضح أنه من كنوز العائلة الموروثة. نظر إلى جينارد من فوق صهوة جواده بملامح جامدة، وقال بنبرة آمرة لقائد الحرس:

أدار كاساين رأسه وقال ببرود: “إن كنت قلقًا إلى هذا الحد، فبمجرد إتمام مهمتك، عُد وقدّم تقريرك. فالأمر لا يتعلق بمهمتنا الحالية.”

“رأينا آثار حوافرٍ لجماعةٍ كبيرةٍ على الطريق. في مثل هذه الساعة لا ينبغي أن يظهر هذا العدد من الفرسان في المقاطعة الشرقية. هل رأيتهم؟”

 

(وهل يفترض بكم أن تكونوا هنا أصلًا؟)

ما كان يخشاه حقًّا هو العصا في يد غيلبرت اليسرى!

تردّد جينارد ساخرًا في نفسه وهو ينظر إلى فرسان النبلاء تحت راية زهرة السوسن الثلاثية.

بلمسةٍ سريعة من معصمها، ارتفع سيف السلسلة الفضي، فالتفّت سلاسله وقيدتهما معًا.

لكن بعد عشر سنواتٍ في الحرس، كانت حدّة طبعه قد خمدت منذ زمن. فانحنى حارس الدوق السابق برأسه بتواضعٍ واحترام، وأجاب:

 

“يا مولاي الكريم، وحدهم اللوردات الإقطاعيون من يُسمح لهم بتحريك هذا العدد من الجنود في المقاطعة الشرقية. ونحن لا نجرؤ على التدخل في شؤونهم.”

حينها، كان ينبغي لهذين الرجلين أن يمرّا به، غير أن أحدهما شدّ لجام فرسه فتوقف، وتقدّم نحو جينارد.

قطّب سيشيل الفارس الموثوق لدى الدوق زاين حاجبيه، “هل صادفتم هؤلاء الفرسان؟ لأي عشيرةٍ ينتمون؟ وأي رايةٍ كانوا يرفعون؟”

سيتقاطر إلى العاصمة كل رسل النبلاء في أنحاء المملكة، وسفراء المقاطعات التابعة، بل وحتى القوى الخفية التي تختبئ في زوايا البلاد المظلمة، صغيرها وكبيرها، ستجتمع هنا.

سقط جينارد في صمتٍ قصير.

(نعم…) قال جينارد لنفسه مجددًا،

قبل نحو عشر دقائق، كان قد مرّ من هنا اثنان وثلاثون فارسًا، تراوحت قوتهم ما بين الطبقة العادية والفئة العليا. كان قائدهم رجلًا من النبلاء، يتحرك بخفةٍ واضحة، لكنه لم يكن جنديًّا بالمعنى الحقيقي. حتى إن امرأة كانت تتبعهم من الخلف، ومع ذلك لم يرى جينارد أي رايةٍ مرفوعةٍ فوقهم.

“إن كانوا من عشائر أخرى، فلماذا لم يرفعوا راياتهم؟ كتيبة فرسانٍ مجهولة الهوية مؤلفة من ثلاثين إلى أربعين فارسًا، تقتحم المقاطعة الشرقية في جوف الليل… منذ متى حدث أمرٌ كهذا؟”

لكن، كيف له ألّا يميّز حركات الجنود، وأسلحتهم، وطراز دروعهم بعد أن خدم أعوامًا طويلة تحت راية الدوق جون؟

 

حين كان في فريق حرس الدوق الشخصي، كان هناك عددٌ كبير من الجنود الخواص الذين جلبهم الدوق من عشيرته ليصطحبهم معه إلى الجنوب كحرسٍ شخصي له.

ولهذا السبب بالذات شعر إسترون أن غيلبرت هو من كان يقيّده، لا العكس.

بعض أولئك الرجال أنقذوا حياته ذات مرة، وقد أنقذ هو حياتهم أيضًا. كانوا جميعًا رجالًا شجعانًا—وربما امرأةً واحدة—يمكنه أن يأتمنهم على ظهره في ساحة القتال، ولم يُخزي أيٌّ منهم راية النجمة التساعية التي حملوها.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

(نعم…) قال جينارد لنفسه مجددًا،

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

(أولئك الفرسان الثلاثون ينتمون إلى عائلة جيدستار، إنهم الجنود الخواص للعائلة المالكة).

رأى كل من في الساحة المشهد نفسه — تاليس عاري الصدر تقريبًا، يجر خلفه فتاةً ذات شعرٍ فضيّ ترتدي قميصه، يلهث بشدّة وهما يركضان عبر الباب نحو العشب أمام المنزل.

والأهم من ذلك أنهم من أسرة الدوق جون نفسه، الذي أقسم جينارد أن يخدمه حتى آخر لحظةٍ من حياته.

“من الصعب علينا الصمود أكثر. ألم تستيقظ صاحبة السمو بعد؟ إن لم نتمكن من الصمود، فسنأخذ تابوت الأسلاف وننسحب.”

“بالفعل يا مولاي الكريم،” أجاب جينارد بثبات، “لقد التقينا بهم منذ لحظات. لم يرفعوا أي راية، ولا أعلم إلى أين توجهوا بعد ذلك.”

 

انحنى حارس الدوق السابق برأسه. يا للسخرية. حين كان يخدم تحت لواء الدوق جون، شقيق الملك الأصغر، لم يُعلّمه أحد كيف ينحني لتحية النبلاء. لكن في اليوم الثاني من وصوله إلى العاصمة، علّمه أحد موظفي قاعة المدينة ذوي الرتب المتدنية الطريقة الرسمية للانحناء، وهو يغلي غضبًا.

 

(“إنهم نبلاء، أفهمت؟” — قائده السابق في فريق الدفاع المدني).

 

غير أن هذا القائد البسيط لفريق الحرس لم يكن ليدرك أن كتمانه لهذه المعلومة سيترك أثرًا عظيمًا على مستقبل الكوكبة.

ومع تصاعد قوة الكوكبة واتساع رقعتها، أخذت بُنية السلطة في طبقة النبلاء داخل المملكة تتضخم. ازداد عدد اللوردات الإقطاعيين والنبلاء والموظفين، ولم يكن كبار الشخصيات في العاصمة راغبين في مجاورة التجار الوضيعين، والعامة، والبغايا القذرات، واللصوص، ورجال العصابات. ولهذا بنوا منازلهم في ضواحي الجهة الشمالية الغربية.

تجهّم سيشيل قليلًا، ثم مدّ يده إلى كيسه الذهبي وأخرج حفنة من النقود. بعد أن ألقى قطعة فضية وقطعة ذهبية أخرجها بالخطأ، نثر ما تبقّى من نحاسٍ على رجال الحرس المدني.

صوتُ خطوات أطفالٍ يهرولون من داخل المنزل انتشر في الساحة.

“إكرامية لكم.” قالها، ثم حرّك فرسه ليلتحق برفاقه بسرعة.

لكن إسترون لم يدرك أنه وقع في فخّ غيلبرت منذ البداية. فسرّ فنون القتال لدى عائلة غيلبرت، المتوارث جيلاً بعد جيل، لم يكن في العصا، بل في السيف الأيمن الذي بدا بسيطًا ومألوفًا.

“لا تشغل بالك كثيرًا، ولا تهتم بأمر العشائر. نحن فقط ننفّذ أوامر الدوق. طالما نحن الاثنان هنا، فليس في العاصمة ما لا يمكننا معالجته—إلا لو تعلق الأمر باقتحام قصر النهضة. أما إن لم يتعاون مصاصو الدماء معنا، فمصيرهم الموت لا غير.”

ولم تطُل حيرتهم طويلًا…

قال سيشيل ذلك بينما عاد إلى مقدّمة الركب، يصغي إلى رفيقه كاساين وهو يتحدث بنبرةٍ هادئة.

 

“إن كانوا من عشائر أخرى، فلماذا لم يرفعوا راياتهم؟ كتيبة فرسانٍ مجهولة الهوية مؤلفة من ثلاثين إلى أربعين فارسًا، تقتحم المقاطعة الشرقية في جوف الليل… منذ متى حدث أمرٌ كهذا؟”

 

قال سيشيل بنبرةٍ حذرة. كان قد ارتحل إلى ساحة المعركة الفوضوية في مملكة الفجر والظلام، وتعلّم من حكماء الشرق كيف يكون يقظًا ودقيقًا.

لكن، كيف له ألّا يميّز حركات الجنود، وأسلحتهم، وطراز دروعهم بعد أن خدم أعوامًا طويلة تحت راية الدوق جون؟

“إن عيد ميلاد جلالته الثامن والأربعين يقترب. وهذه المناسبة في غاية الأهمية.

وقاد كتيبةً صغيرة تحت راية النجمة التساعية الخاصة بالدوق، وصدّ آخر هجومٍ يائس في فجوة النصل.

سيتقاطر إلى العاصمة كل رسل النبلاء في أنحاء المملكة، وسفراء المقاطعات التابعة، بل وحتى القوى الخفية التي تختبئ في زوايا البلاد المظلمة، صغيرها وكبيرها، ستجتمع هنا.

نظرت جينيس من داخل تشكيل السيوف إلى غيلبرت بذهول. كان الأخير يعبس، يحاول فهم ما يجري أمامه.

يمكنك القول إن أنظار العالم بأسره ستتجه إلى هذا المكان.”

أما الخصم الثاني، فقد جعل شعر إسترون يقف من الخوف — ذاك الرجل المتأنّق الوقور ذو الملامح الهادئة: غيلبرت. كان شبيهًا بنيكولاي، لا يستطيع اللحاق بسرعته، لكنه تمكّن بأسلوبه الفريد من كبح السرعة التي كان إسترون يفاخر بها.

“العشائر العظمى في المملكة تتحرك على جبهاتٍ عدة. بعضها يخطط علنًا، وبعضها في الخفاء، وهذا أمرٌ طبيعي تمامًا. ألسنا نفعل الشيء ذاته؟ نحن نبذل جهدنا لتحقيق غايتنا.”

 

أدار كاساين رأسه وقال ببرود: “إن كنت قلقًا إلى هذا الحد، فبمجرد إتمام مهمتك، عُد وقدّم تقريرك. فالأمر لا يتعلق بمهمتنا الحالية.”

 

“نرجو أن يكون كذلك…”

أما الرجلان اللذان قادا الفريق، فكانا على الأرجح يمتلكان قدراتٍ تتجاوز الفئة العليا. وأما الآخرون، فمن طريقة سيرهم وموضع أسلحتهم، بدا أنهم مجرد مرافقةٍ شكلية. عضّ جينارد شفته بخفة وتراجع إلى طرف الطريق.

تحسّس سيشيل مقبض سيفه عند خصره. وبينما تذكّر قائد الحرس ذي النظرة الحادّة قبل قليل، تمتم بشرود.

ومع تلك الخطوات، دوّى صوتُ صبيٍّ يافع:

“فلنأمل ألا يكون هذا من صنع العشائر الأخرى.”

 

“لا تقلق، يا لورد سيشيل،” قال كاساين ببرود، “في هذه المرحلة، كل قوةٍ لا تخدم العائلة الملكية، وكل تحركٍ يهدف إلى دعم العائلات النبيلة التسع عشرة، سيُعدّ خيانة.

 

وكيف لخائنٍ بين النبلاء أن يفلح في اختيار الملك؟”

بلمسةٍ سريعة من معصمها، ارتفع سيف السلسلة الفضي، فالتفّت سلاسله وقيدتهما معًا.

…..

رأى في تلك الأيام عددًا كبيرًا من الفرسان الذين اعتبرها أخطر أيام حياته. بعضهم كانوا محاربين أشداء ذوي مهارةٍ وبأسٍ لا يُضاهى، اشتهروا بشجاعتهم في الهجوم على ظهور الخيل. لكن بعضهم الآخر لم يكن سوى جبناءٍ عاجزين لا يُحسنون سوى إذلال الضعفاء والتذلل للأقوياء. وبالطبع، كان الصنف الأول أكثر عددًا بكثير في عهد الدوق جون.

تألّق بريقٌ لامع في عيني جينيس وهي تتفادى عبيد دم اندفعا نحوها بجنون.

رأى في تلك الأيام عددًا كبيرًا من الفرسان الذين اعتبرها أخطر أيام حياته. بعضهم كانوا محاربين أشداء ذوي مهارةٍ وبأسٍ لا يُضاهى، اشتهروا بشجاعتهم في الهجوم على ظهور الخيل. لكن بعضهم الآخر لم يكن سوى جبناءٍ عاجزين لا يُحسنون سوى إذلال الضعفاء والتذلل للأقوياء. وبالطبع، كان الصنف الأول أكثر عددًا بكثير في عهد الدوق جون.

بلمسةٍ سريعة من معصمها، ارتفع سيف السلسلة الفضي، فالتفّت سلاسله وقيدتهما معًا.

تعثّرت رولانا، التي كانت لتوها قد تفادت ومضة سيف، وسقطت أرضًا وهي تصرخ بينما تُجرّ بعنفٍ على الأرض!

وفي انسجامٍ تام، اندفع فارسان من فرسان الإبادة التابعين لعائلة جيدستار إلى الأمام، وغرزا سيفيهما الفضيين في قلب عبدي الدم.

 

غير أن المسؤولة الشابة شعرت بشيءٍ في تلك اللحظة. انخفضت فجأة وتدحرجت جانبًا، متجنبةً مخلبًا حادًا انقضّ نحوها من العدم.

لهذا السبب كانت القصور والمنازل الفخمة متباعدة عن بعضها، وكان ذلك ممكنًا فقط لأن مساحة المقاطعة الشرقية شاسعة منذ البداية. أما الأعشاب والأشجار بين تلك القصور فقد اعتنت بها بلدية المدينة بعنايةٍ فائقة، لذا بدت يانعةً وقوية. ورُصفت الشوارع الرئيسية بعناية، وكانت مستقرةً ومعبدة، وعلى جانبيها مصابيح أبدية—وفرتها قاعة المدينة—نُصبت واحدةً كل عشرين مترًا.

حين رأت مصّاصة الدماء رولانا أنها أخفقت في إصابة جينيس بضربةٍ واحدة، استدارت بسرعةٍ وصدّت سيفين فضيين بضربةٍ خاطفة، ثم أطلقت صرخةً حادّة وهي تتراجع بخفةٍ مذهلة. تبعتها أصوات فحيحٍ غاضب.

“أنتم… مجرد زمرةٍ من الرجال العاجزين!”

(ما زلت غير معتادة على استخدام ذراعي اليمنى الجديدة… إنها تحدّ من قوتي الحقيقية).

 

فكرت رولانا بغضب.

الفصل 32: نيران صديقة!

(ذلك الوغد الملعون، نصف المعاق، صاحب القدرات النفسية).

 

“أيا مصاصة الدماء الحقيرة! في المرة القادمة، أصيبي هدفك بدقةٍ أكبر! لقد رأيت الكثير من أمثالكم يرتكبون الجرائم في العاصمة! بل وألقيتُ القبض بنفسي على أحد كونتات عشيرة أولاس!”

 

زمجرت جينيس وهي تنهض بغضب، وذراعاها النحيلتان تتأرجحان بقوة. انطلقت سلاسل سيفها لتلتف فجأة حول ساق رولانا اليسرى.

“أيا مصاصة الدماء الحقيرة! في المرة القادمة، أصيبي هدفك بدقةٍ أكبر! لقد رأيت الكثير من أمثالكم يرتكبون الجرائم في العاصمة! بل وألقيتُ القبض بنفسي على أحد كونتات عشيرة أولاس!”

ثم لفت السلاسل حول ذراعها اليمنى، فانبعثت منها قوة غريبة جبارة، وجذبت السلسلة بقسوةٍ مروّعة!

وبأوامر من قادته، اقتحم وليمة الاستقبال التي أقامها الكونت ديلبرت في قصره، وشهد الدوق جون، ضيف الشرف، وهو يُبيد جيش الكونت الخاص دون أن يرمش له جفن.

تعثّرت رولانا، التي كانت لتوها قد تفادت ومضة سيف، وسقطت أرضًا وهي تصرخ بينما تُجرّ بعنفٍ على الأرض!

زمجرت رولانا وغرست مخالبها في الأرض تقاوم قوة جينيس الوحشية، لكن قبل أن تثبت قدميها، اندفع نحوها سيفٌ فضيّ آخر ليطعنها!

(قوة هذه البشرية… أهي وحش؟!)

 

زمجرت رولانا وغرست مخالبها في الأرض تقاوم قوة جينيس الوحشية، لكن قبل أن تثبت قدميها، اندفع نحوها سيفٌ فضيّ آخر ليطعنها!

 

(تشكيلة السيوف الملعونة!)

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

لعنت رولانا في نفسها. لم تستطع إطلاق العنان لسرعتها الخارقة ولا لقواها الفريدة أمام هذا النوع من الأعداء.

 

كانت تشكيلة ضوء النجوم تشكيلةً دفاعية دائرية، تتمحور حول فرقٍ صغيرة تتقدم من الأطراف كالهوائيات أو المستكشفين، تسمح للتشكيلة بأكملها بالتحرك بخفة، تقدمًا أو تراجعًا، خلال القتال.

توقف الاثنان، هذان المحاربان من الفئة الفائقة، عن القتال فجأة، وتراجعا في اتجاهين مختلفين.

رولانا تجنّبت بعناية السيوف الفضية بينما كانت تقاوم القوة الوحشية لجينيس، وتركُل السيافين الذين نصبوا لها كمينًا. كانت أعداد عبيد الدم تتناقص داخل طوق تشكيل السيف. فكيف يمكن لمسوخٍ بلا عقل أن يصمدوا أمام سيوف رجالٍ خاضوا مئات المعارك؟

“إن عيد ميلاد جلالته الثامن والأربعين يقترب. وهذه المناسبة في غاية الأهمية.

“غيلبرت!” صرخت جينيس بغضبٍ عارم وهي تشد السلسلة في قبضتها. “أين الطفل؟ لقد شُغِلنا بهذين الاثنين وبزمرةٍ من المجانين طوال هذا الوقت، من الأفضل أن يكون لديك خطة تبرر ذلك!”

 

على الجانب الآخر من التشكيل، عند مدخل المنزل، كان غيلبرت يمسك سيفًا بيده اليمنى وعصًا بيده اليسرى، يقاتل إلى جانب بضعةٍ من فرسان الإبادة، وقد أحاطوا بالرجل الأشقر «إسترون» ليهاجموه.

 

“يودل مشغول بخصمٍ آخر. ذلك الرجل أيضًا من الفئة الفائقة!” قال غيلبرت بعبوسٍ. “لكن طالما أننا جميعًا عالقون هنا، فليس أمامنا سوى الثقة به!”

 

“أنتم… مجرد زمرةٍ من الرجال العاجزين!”

 

غيلبرت لم يلتفت إلى إهانات جينيس، بل ركّز انتباهه على إسترون. كان ذلك الرجل هو من اختطف تاليس من بين ثمانية حراسٍ بسرعةٍ خارقة، بل وأودى بحياتهم جميعًا.

 

كانت موهبة إسترون الفطرية تكمن في سرعته التي تفوق سرعة معظم أفراد عشيرته. ورغم أنه لم يتجاوز الفئة العليا، فقد كان أسرع من أغلب أقرانه في المستوى نفسه. إلا أنه، في هذه الليلة وحدها، واجه عدوّين من الفئة العليا، وكلاهما لم يخف من سرعته الفائقة.

(أولئك الفرسان الثلاثون ينتمون إلى عائلة جيدستار، إنهم الجنود الخواص للعائلة المالكة).

أحدهما كان نيكولاي من عصابة قوارير الدم. إسترون رأى حركات خصمه الأولى بوضوح — نيكولاي لم يكن قادرًا على مجاراة سرعته إطلاقًا، ولكن لسببٍ مجهول، ومع كل تبادلٍ للضربات، ازدادت سرعة نيكولاي وردّات فعله تدريجيًا، حتى صارا متكافئين في اللحظة الحاسمة من القتال. لولا تدخل كريس المفاجئ، لكان إسترون على يقينٍ بأن سرعة نيكولاي ستتفوق عليه في النهاية.

بعض أولئك الرجال أنقذوا حياته ذات مرة، وقد أنقذ هو حياتهم أيضًا. كانوا جميعًا رجالًا شجعانًا—وربما امرأةً واحدة—يمكنه أن يأتمنهم على ظهره في ساحة القتال، ولم يُخزي أيٌّ منهم راية النجمة التساعية التي حملوها.

أما الخصم الثاني، فقد جعل شعر إسترون يقف من الخوف — ذاك الرجل المتأنّق الوقور ذو الملامح الهادئة: غيلبرت. كان شبيهًا بنيكولاي، لا يستطيع اللحاق بسرعته، لكنه تمكّن بأسلوبه الفريد من كبح السرعة التي كان إسترون يفاخر بها.

(أولئك الفرسان الثلاثون ينتمون إلى عائلة جيدستار، إنهم الجنود الخواص للعائلة المالكة).

كان السيف الفضي في يد غيلبرت اليمنى ثابتًا لا يهتز، وخطواته تنضح برزانة النبلاء في القتال. ومع ذلك، لم يكن السيف ما يُقلق إسترون. فهو قادر على تفادي ضرباته بسهولة، بل وحتى قلب اثنين من الفرسان أثناء المراوغة.

 

ما كان يخشاه حقًّا هو العصا في يد غيلبرت اليسرى!

 

مقارنةً بأسلوب سيفه الأرستقراطي، بدت العصا وكأن شخصًا آخر هو من يستخدمها. في كل مرة يتفادى فيها إسترون السيف الفضي أو يصدّه، وحين يستعد لهجمةٍ مضادة، كانت العصا تباغته من حيث لا يتوقع، فتضربه بدقةٍ في الاتجاه الذي كان سيهاجم منه، أو على المفصل الحاسم الذي يستخدمه للاندفاع. لم تكن تخطئ قط. وبسببها اضطر مرارًا للتراجع، فيما يشتعل قلبه غيظًا، ليجد نفسه محاصرًا مجددًا بين سيوف الفرسان.

 

ولهذا السبب بالذات شعر إسترون أن غيلبرت هو من كان يقيّده، لا العكس.

أدار كاساين رأسه وقال ببرود: “إن كنت قلقًا إلى هذا الحد، فبمجرد إتمام مهمتك، عُد وقدّم تقريرك. فالأمر لا يتعلق بمهمتنا الحالية.”

لكن إسترون لم يدرك أنه وقع في فخّ غيلبرت منذ البداية. فسرّ فنون القتال لدى عائلة غيلبرت، المتوارث جيلاً بعد جيل، لم يكن في العصا، بل في السيف الأيمن الذي بدا بسيطًا ومألوفًا.

 

“السيد كريس…” تحرّكت أذنا إسترون فجأة؛ التقطت همساتٍ خافتة من رولانا وسط العراك.

 

“من الصعب علينا الصمود أكثر. ألم تستيقظ صاحبة السمو بعد؟ إن لم نتمكن من الصمود، فسنأخذ تابوت الأسلاف وننسحب.”

قبل أن يتبيّن ما يجري حوله، جمع تاليس كل ما يملك من قوة كطفلٍ في السابعة، واستعمل كل ما يعرفه من طرقٍ لإيصال صوته، ليصرخ نحو السماء بعقلٍ مضطرب:

لكنهم لم يكونوا يعلمون أن كريس، الذي كان يُمسك بسيف يودل القصير بإحكام، كان وجهه في تلك اللحظة مفعمًا بالذهول والدهشة.

 

هذا الانفعال امتد حتى أصاب خصمه يودل، الذي كان وجهه محجوبًا خلف القناع.

“يا مولاي الكريم، وحدهم اللوردات الإقطاعيون من يُسمح لهم بتحريك هذا العدد من الجنود في المقاطعة الشرقية. ونحن لا نجرؤ على التدخل في شؤونهم.”

تمتم كريس ببضع كلماتٍ خافتة لم يسمعها سوى يودل وأفراد عشيرة الدم بفضل سمعهم الخارق.

 

توقف الاثنان، هذان المحاربان من الفئة الفائقة، عن القتال فجأة، وتراجعا في اتجاهين مختلفين.

 

وحين سمعت رولانا وإسترون تلك الكلمات، تجمّدت وجوههما من الصدمة، لكنهما سرعان ما انسحبا بسرعةٍ خاطفة، يتفاديان الضربات دون أن يردّا عليها.

 

ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى لاحظ كل من كان يقاتل على العشب المشهد المذهل: عبيد الدم أنفسهم بدأوا بالتراجع إلى طرف الساحة، وهم يزمجرون ويهدرون. حتى وإن قُطعت رؤوس بعضهم بسيوف الفرسان، لم يُبدوا أدنى اكتراث.

 

نظرت جينيس من داخل تشكيل السيوف إلى غيلبرت بذهول. كان الأخير يعبس، يحاول فهم ما يجري أمامه.

 

ولم تطُل حيرتهم طويلًا…

“من الصعب علينا الصمود أكثر. ألم تستيقظ صاحبة السمو بعد؟ إن لم نتمكن من الصمود، فسنأخذ تابوت الأسلاف وننسحب.”

طَطَطْ… طَطَطْ… طَطَطْ…

 

صوتُ خطوات أطفالٍ يهرولون من داخل المنزل انتشر في الساحة.

كانت تشكيلة ضوء النجوم تشكيلةً دفاعية دائرية، تتمحور حول فرقٍ صغيرة تتقدم من الأطراف كالهوائيات أو المستكشفين، تسمح للتشكيلة بأكملها بالتحرك بخفة، تقدمًا أو تراجعًا، خلال القتال.

ومع تلك الخطوات، دوّى صوتُ صبيٍّ يافع:

 

“أيها الجميع!”

 

رأى كل من في الساحة المشهد نفسه — تاليس عاري الصدر تقريبًا، يجر خلفه فتاةً ذات شعرٍ فضيّ ترتدي قميصه، يلهث بشدّة وهما يركضان عبر الباب نحو العشب أمام المنزل.

هذا الانفعال امتد حتى أصاب خصمه يودل، الذي كان وجهه محجوبًا خلف القناع.

قبل أن يتبيّن ما يجري حوله، جمع تاليس كل ما يملك من قوة كطفلٍ في السابعة، واستعمل كل ما يعرفه من طرقٍ لإيصال صوته، ليصرخ نحو السماء بعقلٍ مضطرب:

ومع تصاعد قوة الكوكبة واتساع رقعتها، أخذت بُنية السلطة في طبقة النبلاء داخل المملكة تتضخم. ازداد عدد اللوردات الإقطاعيين والنبلاء والموظفين، ولم يكن كبار الشخصيات في العاصمة راغبين في مجاورة التجار الوضيعين، والعامة، والبغايا القذرات، واللصوص، ورجال العصابات. ولهذا بنوا منازلهم في ضواحي الجهة الشمالية الغربية.

“توقفوا! نحن حلفاء! نيران صديقة! كفّوا عن القتال!”

 

وفي اللحظة التي أنهى فيها صراخه، اصطدمت الفتاة فضية الشعر بظهره، إذ لم تستطع التوقف في الوقت المناسب، فسقطا معًا على الأرض.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

(تشكيلة السيوف الملعونة!)

 

“يا مولاي الكريم، وحدهم اللوردات الإقطاعيون من يُسمح لهم بتحريك هذا العدد من الجنود في المقاطعة الشرقية. ونحن لا نجرؤ على التدخل في شؤونهم.”

 

غير أن المسؤولة الشابة شعرت بشيءٍ في تلك اللحظة. انخفضت فجأة وتدحرجت جانبًا، متجنبةً مخلبًا حادًا انقضّ نحوها من العدم.

 

وقاد كتيبةً صغيرة تحت راية النجمة التساعية الخاصة بالدوق، وصدّ آخر هجومٍ يائس في فجوة النصل.

 

 

 

(ما زلت غير معتادة على استخدام ذراعي اليمنى الجديدة… إنها تحدّ من قوتي الحقيقية).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان جينارد يقدّر عمله بالغ التقدير. فقد علم أن زملاءه بذلوا جهدًا كبيرًا لنقله إلى حرس العاصمة بعد أن كان يفترض به أن يبحث عن رزقه بنفسه إثر تفكك الجيش. بل وتمكن حتى من الانتقال إلى المقاطعة الشرقية، تلك المنطقة الآمنة الهادئة التي كان سكانها يمنحونه الإكراميات من حينٍ لآخر.

 

كان عدد فرسان عائلة كوڤندير أربعةً وثلاثين فارسًا. لم تصحبهم عربات، لذا لا بد أنهم كانوا يؤدون مهمةً نيابةً عن سيدهم.

 

 

 

 

 

“أنتم… مجرد زمرةٍ من الرجال العاجزين!”

 

في سنةٍ وبضعة أشهر فحسب، ترقّى من ضابط في فيلق الإمداد إلى مجند، ثم إلى حامل فأس، فإلى قائد وحدة مشاة، وأخيرًا إلى أشرف لقبٍ على الإطلاق—حارس الدوق الشخصي. تحوّل جينارد من مزارعٍ لا يعرف كيف يمسك بالسيف إلى قائدٍ بارع خاض معارك لا تُحصى. وقد جعلته خبراته القتالية النادرة مشهدًا استثنائيًا بين أبناء الطبقة العادية. فطالما كان معه ثلاثة أو خمسة رفاقٍ يصطفون معه بتشكيلةٍ دفاعية، فإنه حتى لو واجه مقاتلين من الفئة العليا، لما تراجع خطوة. وحتى بعد تفكك كتيبة ضوء النجوم، ظلّ جينارد يذكر تعاليم قائد حرس الدوق المحترم، ولم يُهمل تدريبه يومًا واحدًا.

 

لكن، كيف له ألّا يميّز حركات الجنود، وأسلحتهم، وطراز دروعهم بعد أن خدم أعوامًا طويلة تحت راية الدوق جون؟

 

 

 

 

 

“العشائر العظمى في المملكة تتحرك على جبهاتٍ عدة. بعضها يخطط علنًا، وبعضها في الخفاء، وهذا أمرٌ طبيعي تمامًا. ألسنا نفعل الشيء ذاته؟ نحن نبذل جهدنا لتحقيق غايتنا.”

 

تمتم كريس ببضع كلماتٍ خافتة لم يسمعها سوى يودل وأفراد عشيرة الدم بفضل سمعهم الخارق.

 

حين كان في فريق حرس الدوق الشخصي، كان هناك عددٌ كبير من الجنود الخواص الذين جلبهم الدوق من عشيرته ليصطحبهم معه إلى الجنوب كحرسٍ شخصي له.

 

“إن عيد ميلاد جلالته الثامن والأربعين يقترب. وهذه المناسبة في غاية الأهمية.

 

تحسّس سيشيل مقبض سيفه عند خصره. وبينما تذكّر قائد الحرس ذي النظرة الحادّة قبل قليل، تمتم بشرود.

 

حين رأت مصّاصة الدماء رولانا أنها أخفقت في إصابة جينيس بضربةٍ واحدة، استدارت بسرعةٍ وصدّت سيفين فضيين بضربةٍ خاطفة، ثم أطلقت صرخةً حادّة وهي تتراجع بخفةٍ مذهلة. تبعتها أصوات فحيحٍ غاضب.

 

لهذا، استطاع جينارد أن يميز بنظرةٍ واحدة أن الفارسين في المقدمة أمامه من النخبة أصحاب الخبرة القتالية. فقد لاحظ حركة أجسادهم السلسة رغم هدوء ملامحهم، وانحناءة ظهورهم الطفيفة التي تمنحهم توازنًا فور امتطائهم صهوات الخيل، وموقع السيوف على خصورهم وسروجهم القريبة من أيديهم المسيطرة. هؤلاء النبلاء الذين يفوقون الفئة العليا لا بد أنهم ضباطٌ رفيعو الرتبة في وحدات الهجوم—سواء في الطليعة أو فرق الاقتحام أو الدفاع أو الاحتياط أو حتى الحرس الشخصي للقادة. كانوا بحقّ العصب والعمود الفقري للجيش، كالبَارون الشهير أراكا مورخ في المملكة.

 

كانت المنطقة حافلة بممتلكات النبلاء الكبار والصغار والموظفين على حدٍّ سواء. لم يكن فيها تقريبًا مساكن للعامة ولا أسواق تجارية من أي نوع. حتى المارة في الشوارع كانوا في الغالب من الخدم والتابعين لتلك الأسر. وإضافةً إلى أسعار الأراضي الباهظة حدّ الجنون، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في المقاطعة الشرقية: من يشتري قطعة أرض هنا يجب أن يملك مكانةً تليق بقيمتها. ولا أحد يرغب بمعرفة عاقبة من يتجرأ على مخالفة هذه القاعدة. حتى العشائر الست الكبرى والعائلات الثلاث عشرة المرموقة أقامت عقاراتها الخاصة في هذه المقاطعة، رغم امتلاكها قصورًا في مناطق أخرى من العاصمة. وبالطبع، كانت جميعها في أفضل بقاع المنطقة… سواء أكان نبلاؤها يزورونها أم لا.

 

 

 

 

 

 

 

مقارنةً بأسلوب سيفه الأرستقراطي، بدت العصا وكأن شخصًا آخر هو من يستخدمها. في كل مرة يتفادى فيها إسترون السيف الفضي أو يصدّه، وحين يستعد لهجمةٍ مضادة، كانت العصا تباغته من حيث لا يتوقع، فتضربه بدقةٍ في الاتجاه الذي كان سيهاجم منه، أو على المفصل الحاسم الذي يستخدمه للاندفاع. لم تكن تخطئ قط. وبسببها اضطر مرارًا للتراجع، فيما يشتعل قلبه غيظًا، ليجد نفسه محاصرًا مجددًا بين سيوف الفرسان.

 

 

 

قبل عقدٍ تقريبًا، حين كان في التاسعة عشرة من عمره—ولم يكن يكترث لتذكر يوم مولده بعد وفاة والده—حلّت الكارثة على قريته بأكملها. فقد هاجمها اللصوص، ونهبوها. وجد جينارد نفسه بلا سبيلٍ للعيش، فاستجاب لنداء دوقٍ في الجنوب، وجنّد نفسه في كتيبة ضوء النجوم التابعة للدوق جون.

 

 

 

“توقفوا! نحن حلفاء! نيران صديقة! كفّوا عن القتال!”

 

 

 

 

 

“غيلبرت!” صرخت جينيس بغضبٍ عارم وهي تشد السلسلة في قبضتها. “أين الطفل؟ لقد شُغِلنا بهذين الاثنين وبزمرةٍ من المجانين طوال هذا الوقت، من الأفضل أن يكون لديك خطة تبرر ذلك!”

 

ما كان يخشاه حقًّا هو العصا في يد غيلبرت اليسرى!

 

ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى لاحظ كل من كان يقاتل على العشب المشهد المذهل: عبيد الدم أنفسهم بدأوا بالتراجع إلى طرف الساحة، وهم يزمجرون ويهدرون. حتى وإن قُطعت رؤوس بعضهم بسيوف الفرسان، لم يُبدوا أدنى اكتراث.

 

 

 

 

 

ولهذا السبب بالذات شعر إسترون أن غيلبرت هو من كان يقيّده، لا العكس.

 

 

 

 

 

كان جينارد مزارعًا وُلد في مقاطعة دورون جنوب الكوكبة، وتجربته الحياتية المفعمة بالأحداث كانت بحق جديرة بأن تُخلّد في أنشودةٍ شعرية.

 

 

 

(أولئك الفرسان الثلاثون ينتمون إلى عائلة جيدستار، إنهم الجنود الخواص للعائلة المالكة).

 

 

 

كانت تشكيلة ضوء النجوم تشكيلةً دفاعية دائرية، تتمحور حول فرقٍ صغيرة تتقدم من الأطراف كالهوائيات أو المستكشفين، تسمح للتشكيلة بأكملها بالتحرك بخفة، تقدمًا أو تراجعًا، خلال القتال.

 

 

 

 

 

على الجانب الآخر من التشكيل، عند مدخل المنزل، كان غيلبرت يمسك سيفًا بيده اليمنى وعصًا بيده اليسرى، يقاتل إلى جانب بضعةٍ من فرسان الإبادة، وقد أحاطوا بالرجل الأشقر «إسترون» ليهاجموه.

 

 

 

قال سيشيل بنبرةٍ حذرة. كان قد ارتحل إلى ساحة المعركة الفوضوية في مملكة الفجر والظلام، وتعلّم من حكماء الشرق كيف يكون يقظًا ودقيقًا.

 

 

 

 

 

 

 

وبأوامر من قادته، اقتحم وليمة الاستقبال التي أقامها الكونت ديلبرت في قصره، وشهد الدوق جون، ضيف الشرف، وهو يُبيد جيش الكونت الخاص دون أن يرمش له جفن.

 

قبل أن يتبيّن ما يجري حوله، جمع تاليس كل ما يملك من قوة كطفلٍ في السابعة، واستعمل كل ما يعرفه من طرقٍ لإيصال صوته، ليصرخ نحو السماء بعقلٍ مضطرب:

 

 

 

 

 

رأى كل من في الساحة المشهد نفسه — تاليس عاري الصدر تقريبًا، يجر خلفه فتاةً ذات شعرٍ فضيّ ترتدي قميصه، يلهث بشدّة وهما يركضان عبر الباب نحو العشب أمام المنزل.

 

 

 

سيتقاطر إلى العاصمة كل رسل النبلاء في أنحاء المملكة، وسفراء المقاطعات التابعة، بل وحتى القوى الخفية التي تختبئ في زوايا البلاد المظلمة، صغيرها وكبيرها، ستجتمع هنا.

 

كان جينارد مزارعًا وُلد في مقاطعة دورون جنوب الكوكبة، وتجربته الحياتية المفعمة بالأحداث كانت بحق جديرة بأن تُخلّد في أنشودةٍ شعرية.

 

تعثّرت رولانا، التي كانت لتوها قد تفادت ومضة سيف، وسقطت أرضًا وهي تصرخ بينما تُجرّ بعنفٍ على الأرض!

 

 

 

 

 

“إن عيد ميلاد جلالته الثامن والأربعين يقترب. وهذه المناسبة في غاية الأهمية.

 

قبل عقدٍ تقريبًا، حين كان في التاسعة عشرة من عمره—ولم يكن يكترث لتذكر يوم مولده بعد وفاة والده—حلّت الكارثة على قريته بأكملها. فقد هاجمها اللصوص، ونهبوها. وجد جينارد نفسه بلا سبيلٍ للعيش، فاستجاب لنداء دوقٍ في الجنوب، وجنّد نفسه في كتيبة ضوء النجوم التابعة للدوق جون.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

 

في يوم معركته الأخيرة—معركة زودرا—زفر جينارد زفرةً طويلة ولعن يومًا اجتمع فيه النصر والحزن. لوّح لرفاقه ليُفسحوا الطريق أمام فرسان راية زهرة السوسن.

 

قبل عقدٍ تقريبًا، حين كان في التاسعة عشرة من عمره—ولم يكن يكترث لتذكر يوم مولده بعد وفاة والده—حلّت الكارثة على قريته بأكملها. فقد هاجمها اللصوص، ونهبوها. وجد جينارد نفسه بلا سبيلٍ للعيش، فاستجاب لنداء دوقٍ في الجنوب، وجنّد نفسه في كتيبة ضوء النجوم التابعة للدوق جون.

 

 

 

بلمسةٍ سريعة من معصمها، ارتفع سيف السلسلة الفضي، فالتفّت سلاسله وقيدتهما معًا.

 

غير أن هذا القائد البسيط لفريق الحرس لم يكن ليدرك أن كتمانه لهذه المعلومة سيترك أثرًا عظيمًا على مستقبل الكوكبة.

 

ولم تطُل حيرتهم طويلًا…

 

على الجانب الآخر من التشكيل، عند مدخل المنزل، كان غيلبرت يمسك سيفًا بيده اليمنى وعصًا بيده اليسرى، يقاتل إلى جانب بضعةٍ من فرسان الإبادة، وقد أحاطوا بالرجل الأشقر «إسترون» ليهاجموه.

 

 

 

خاض هجومه الأخير حين كانت سيوف جيش المتمردين على وشك أن تلامس حناجرهم—لكنه قلب الموازين وانتصر.

 

 

 

كانت موهبة إسترون الفطرية تكمن في سرعته التي تفوق سرعة معظم أفراد عشيرته. ورغم أنه لم يتجاوز الفئة العليا، فقد كان أسرع من أغلب أقرانه في المستوى نفسه. إلا أنه، في هذه الليلة وحدها، واجه عدوّين من الفئة العليا، وكلاهما لم يخف من سرعته الفائقة.

 

حين كان في فريق حرس الدوق الشخصي، كان هناك عددٌ كبير من الجنود الخواص الذين جلبهم الدوق من عشيرته ليصطحبهم معه إلى الجنوب كحرسٍ شخصي له.

 

كان جينارد مزارعًا وُلد في مقاطعة دورون جنوب الكوكبة، وتجربته الحياتية المفعمة بالأحداث كانت بحق جديرة بأن تُخلّد في أنشودةٍ شعرية.

 

 

 

ثم لفت السلاسل حول ذراعها اليمنى، فانبعثت منها قوة غريبة جبارة، وجذبت السلسلة بقسوةٍ مروّعة!

 

كانت المنطقة حافلة بممتلكات النبلاء الكبار والصغار والموظفين على حدٍّ سواء. لم يكن فيها تقريبًا مساكن للعامة ولا أسواق تجارية من أي نوع. حتى المارة في الشوارع كانوا في الغالب من الخدم والتابعين لتلك الأسر. وإضافةً إلى أسعار الأراضي الباهظة حدّ الجنون، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في المقاطعة الشرقية: من يشتري قطعة أرض هنا يجب أن يملك مكانةً تليق بقيمتها. ولا أحد يرغب بمعرفة عاقبة من يتجرأ على مخالفة هذه القاعدة. حتى العشائر الست الكبرى والعائلات الثلاث عشرة المرموقة أقامت عقاراتها الخاصة في هذه المقاطعة، رغم امتلاكها قصورًا في مناطق أخرى من العاصمة. وبالطبع، كانت جميعها في أفضل بقاع المنطقة… سواء أكان نبلاؤها يزورونها أم لا.

 

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

…..

 

 

 

 

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط