ليمدد الدم حكمه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(حين تجمع كل تلك القرائن والإشارات، أليس الأمر جليًّا تمامًا؟)
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
هذا، هذا، هذا… دوّى السخط في رأس تاليس من فرط غرابة المشهد، لم لا تصرخون أيضًا “لتتوحد كلّ الأراضي”؟
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
Arisu-san
تأمّل غيلبرت تاليس طويلاً.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 33: ليمدد الدم حكمه.
….
“أمم، اسمي تاليس، وعمري حوالي سبعة أعوام. في الماضي…”
ضوء القمر انساب فوق عشب قصر الكرمة، والعيون شاخصة بذهول نحو الطفلين الممدَّين على الأرض، فيما ساد صمت ثقيل لبرهة.
بل شاركوا مشاركةً واسعة في شؤون شبه الجزيرة، إذ أرسلوا في الحربين الثانية والثالثة جيوشهم الملقّبة بـ”جيش الدم المقدّس”، المؤلّف من نخبة محاربي عشيرة الدم.
كان تاليس مستلقيًا على الأرض، يلهث بأنفاس متقطعة. جسده شبه العاري لم يكن مغطى سوى بضمادٍ فوق جرحه، وكل ما أحسّ به كان البرد والألم.
بمظهرها كطفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها، خفضت سيرينا وجهها المستدير، وأمسكت بطرف فستانٍ ليس بموجود، وانحنت بانحناءةٍ أرستقراطية، ثمّ رفعت رأسها دون أن يظهر على وجهها أيّ انفعال.
أما الفتاة ذات الشعر الفضي المستلقية على صدره، فدفعت جسدها إلى الأعلى بضغطةٍ من يدها على كتفه دون أن يبدو على وجهها أية ملامح. نظرت إلى الضماد على صدره، حيث غطّى جرحًا بحجم قطعة نقدية فضية، واستنشقت رائحة الدم عليه، فانكشفت في ملامحها نظرة توقٌ وانبهار.
ضحكت جينيس خلفه بخفّة.
ذلك التعبير أفزع تاليس، فانتفض جالسًا، ودون أن يمنح فتاة عشيرة الدماء الخطيرة (التي لطالما اعتبرها وحشًا زعيمًا قد يتحول في أي لحظة إلى مومياء ماصّة للدماء) فرصةً لإظهار أنيابها، دفعها بعيدًا عن صدره.
بعد معركة الإبادة المدمرة قبل أكثر من ستمئة عام، وكحال العديد من الأجناس العريقة، انقسمت العشائر الثلاث عشرة المرموقة من عشيرة الدم إلى فصيلين: الشرقيّ والغربيّ، على جانبي بحر الإبادة.
ظهر يودل وكريس فورًا أمام الطفلين.
“أنا بخير يا يودل، لا تقلق.” رأى تاليس الجرح على صدر الحارس السري فابتسم بتعب. نزع الأخير العباءة من فوق بزّته وألقاها على تاليس.
أومأ تاليس برأسه. “قبل أي شيء، ثمة أمر عاجل يجب معالجته.”
“جلالتك!” كان وجه كريس الجامد مفعمًا بالانفعال، فانحنى على ركبةٍ واحدة أمام الفتاة ذات الشعر الفضي، المرتجفة، ووضع البطانية الصوفية التي بيده على جسدها الصغير.
استدار نحو اتجاهٍ آخر. كانت هناك حفرة واسعة، يرقد في داخلها جسدٌ نصف ميت، بلا ساقين.
تابع الريح الشبحية، ميديرا رالف. ذاك الذي ناضل وتحطمت قيوده. ناجٍ رفض الهرب من الألم بالموت.
“سيدي غيلبرت، أرجوك تأكد من إنقاذ ذلك الرجل.” وجَّه تاليس صوته نحو غيلبرت البعيد قليلًا، وقد خيّم على نظره بريقٌ خافت من العزم. “لولاه، لما صمدتُ حتى وصولكم.”
“ههه، أمم.”
(وأيضًا،) همس في أعماقه، (إنه أول إنسان أنقذته حقًا في هذا العالم اللعين).
أومأ غيلبرت وأمر فارس الإبادة القريب منه بإنقاذ رالف.
قطّب كريس حاجبيه، غير أنّه لم يتمكّن في الوقت المناسب من إسكات مصّاص الدماء الأشقر، إذ كان يعلم أنّ الملثم هو مقاتل يقف عند ذروة الفئة الفائقة.
“جلالتك!” كان وجه كريس الجامد مفعمًا بالانفعال، فانحنى على ركبةٍ واحدة أمام الفتاة ذات الشعر الفضي، المرتجفة، ووضع البطانية الصوفية التي بيده على جسدها الصغير.
ذلك التعبير أفزع تاليس، فانتفض جالسًا، ودون أن يمنح فتاة عشيرة الدماء الخطيرة (التي لطالما اعتبرها وحشًا زعيمًا قد يتحول في أي لحظة إلى مومياء ماصّة للدماء) فرصةً لإظهار أنيابها، دفعها بعيدًا عن صدره.
كان قميص تاليس صغيرًا وممزقًا من عدة مواضع، بالكاد غطّى الطفلة حتى ركبتيها، كاشفًا عن ساقيها الشاحبتين. وما إن خطر ذلك في بال كريس حتى رمق تاليس بنظرةٍ حادة.
كانت سيادتها ذات مقامٍ رفيع، لا تأبه بنظرات النمل حولها، لكن كخادمٍ مخلص لعائلة كورليوني لأكثر من ستمائة عام، كان من الطبيعي أن يأخذ كريس كل اعتبارٍ نيابةً عن سيدته.
وجهها الطفولي المستدير، الذي لا يزال يحتفظ بشيء من امتلاء الأطفال، بقي جادًا بلا ابتسامة، وهي تنطق بلسانٍ متلعثمٍ ببراءةٍ مبهمة: “الإخـلاصُ سـيُكـافَـأُ بـلا شـك.”
“جلالتك، لقد استيقظتِ أخيرًا.”
أدار تاليس رأسه نحو غيلبرت ويودل بنظرة جادّة.
أومأت الصغيرة ذات العينين الحمراوين بوجهٍ خالٍ من المشاعر. اعتادت أن تمسك بيد كريس الممدودة وتتكلم كلمةً كلمةً بنبرةٍ لا يستعملها إلا أصحاب السلطة.
بعد معركة الإبادة المدمرة قبل أكثر من ستمئة عام، وكحال العديد من الأجناس العريقة، انقسمت العشائر الثلاث عشرة المرموقة من عشيرة الدم إلى فصيلين: الشرقيّ والغربيّ، على جانبي بحر الإبادة.
“تشويش، أديـتُم عمـلكم جيـدًا.”
وجهها الطفولي المستدير، الذي لا يزال يحتفظ بشيء من امتلاء الأطفال، بقي جادًا بلا ابتسامة، وهي تنطق بلسانٍ متلعثمٍ ببراءةٍ مبهمة: “الإخـلاصُ سـيُكـافَـأُ بـلا شـك.”
رفعت الطفلة عينيها القرمزيتين نحو تاليس بنظرةٍ معقدة، ثم قالت بلا اكتراث:
استغرق تاليس ثانيتين ليفهم الجملة: (الإخلاص سيكافأ بلا شك).
مرّت لحظة طويلة.
ثم انفجر ضاحكًا.
أومأ تاليس برأسه. “قبل أي شيء، ثمة أمر عاجل يجب معالجته.”
كان مشهدًا مروّعًا بحق أن تتفوّه طفلة صغيرة متلعثمة بكلماتٍ بهذه الهيبة. رمقَه كريس، الذي كان يومئ امتنانًا، بنظرةٍ غاضبة.
“يمكنكم أن تخدموني مقابل حمايتي.”
“أ… جلالتك؟” ظهرت رولانا وإسترون أمام الطفلة بوجوهٍ مدهوشة مضطربة. حدّقت الأولى بطولها القصير وسألت بتوجس: “لم تغيّرَتْ هيئتُكِ هكذا؟”
رفعت الطفلة عينيها القرمزيتين نحو تاليس بنظرةٍ معقدة، ثم قالت بلا اكتراث:
“مـا دامـت قـواي سـتُستعـاد، سـأعـود إلـى مظهـري السـابق.”
وما إن أنهت عبارتها حتى التفتت نحو تاليس الذي كان يحاول كتم ضحكه. لم يبدو عليها أنها تدرك مشكلتها في النطق، فسألت ببرودٍ وشيءٍ من الحيرة:
وعلى مدى ستمئة عامٍ وأكثر، بالمقارنة مع أقربائهم في الغرب الذين تشتّتهم الخلافات وأجبروا على توقيع “معاهدة التبعية بين الدول البشرية والخالدين”، فقد أصبح أفراد عشيرة الدم في مملكة الليل أكثر وحدةً وقوّة، تحت الحكم الحديدي لـ”ملك جناح الليل” الشهير ببطشه، لوري كورليوني.
“مـا الـذي يُضحـك؟”
أومأ غيلبرت وأمر فارس الإبادة القريب منه بإنقاذ رالف.
لم يتمالك تاليس نفسه أكثر، وانفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
استدار نحو اتجاهٍ آخر. كانت هناك حفرة واسعة، يرقد في داخلها جسدٌ نصف ميت، بلا ساقين.
عندها، رمقَه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة بنظراتٍ معادية، فيما علت في عيني إسترون طبقةٌ من الحذر والرهبة وهو يراقبه.
“لا شـيء، هـها… كح، كح.” سارع تاليس لتغطية ضحكه بسعالٍ مصطنع. “لا شـيء مضحـك… هـها… كح، كح… عذرًا.”
اقترب غيلبرت وجينيس بعد أن جمعا فرسان الإبادة، ووقفا أمامهم في الوقت نفسه. أمسك غيلبرت بعصاه، ونزع قبعته احترامًا قائلاً:
غير أنّ كريس، الواقف بجانبه، خطا خطوةً جادّة إلى الأمام وتحدّث بنبرةٍ مهيبة.
“يا سيدي تاليس المبجّل، وهذه السيدة الصغيرة من عشيرة الدماء، هلّا شرحتما لنا ما جرى؟”
بل شاركوا مشاركةً واسعة في شؤون شبه الجزيرة، إذ أرسلوا في الحربين الثانية والثالثة جيوشهم الملقّبة بـ”جيش الدم المقدّس”، المؤلّف من نخبة محاربي عشيرة الدم.
أخفى تاليس ابتسامته ونظر إلى غيلبرت بعينين يشوبهما الامتنان.
“سيدي غيلبرت، أشكركم لإنقاذي… ولتضحيتكم.”
“سيدي غيلبرت، أشكركم لإنقاذي… ولتضحيتكم.”
رفع الكونت غيلبرت كاسو رأسه، وبملامح تفيض وقارًا، نطق كلماتٍ وجيزة:
غير أنه شعر فجأة بنظرة المرأة التي خلف غيلبرت – تلك السيدة الساحرة في الأربعينيات من عمرها – تلاحقه بتعقيدٍ وغموضٍ عميقين.
وبينما كانت إحدى الجهات تتهاوى، كانت الأخرى تنهض.
(هل هذا هو الفتى؟ الابن الذي أنجبه مع… تلك المرأة؟) غامت نظرة جينيس فورًا.
“ولماذا يجب أن نخدمك؟ يمكننا أن نبادلُك بمنافع أخرى، وإن لزم الأمر، سنرحل ببساطة.” كانت رولانا، ذات الشعر الأحمر، تقول ذلك بنظرةٍ عدائية.
لم يُعر تاليس الأمر اهتمامًا، وأكمل حديثه:
“فلنُرجئ التعارف لاحقًا، فقد أُريق من الدم الليلة ما يكفي. لذا، ومع هذا…” ألقى نظرة على الفتاة الصغيرة ذات العينين الحمراوين، التي بدت بريئة ولطيفة لكنها اختارت أن تحافظ على ملامح صارمة، ثم توقّف لحظة.
وحين لاحظ تعبيرها العدائي، استدرك سريعًا.
“… الفتاة الصغيرة… أعني، السيّدة… سيرينا كورليوني… بعد نقاشٍ وديّ ومثمر…”
بل إنّ عائلة هولير خانت المملكة بأسرها، إذ عبرت البحر وانضمّت إلى جمعية الليل المظلم في تلّة الوليمة الكبرى.
شعرت سيرينا بحكّةٍ خفيفة في عنقها، فزمّت شفتيها بخفوت كي لا يلحظ أحد ذلك.
“لقد قررنا أن نطوي صفحات الحقد، وأن ننهي عداءنا، ونقيم تحالفًا. سأقدّم للسيدة سيرينا دوريًّا من دمي، بينما ستخدمني هي وتابعيها حتى…”
عندها، رمقَه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة بنظراتٍ معادية، فيما علت في عيني إسترون طبقةٌ من الحذر والرهبة وهو يراقبه.
وقبل أن يُكمل عبارته، أحسّ بيد يودل التي تمسكه تشدّ عليه فجأة، ثم قُطع صوته بحدةٍ من جانب اثنين آخرين.
“ولماذا يجب أن نخدمك؟ يمكننا أن نبادلُك بمنافع أخرى، وإن لزم الأمر، سنرحل ببساطة.” كانت رولانا، ذات الشعر الأحمر، تقول ذلك بنظرةٍ عدائية.
“سيدي تاليس! دمك؟ هذا خطرٌ بالغ، كيف يمكن…” صاح غيلبرت، الحارس القلق على سيده.
وأضافت في سرّها( تمامًا كما فعل قبل أعوام.)
لكن تاليس رفع يده اليمنى فجأة، وقبضها بإحكام.
كانت تلك الإشارة التي اعتاد استعمالها في حياته السابقة أثناء إدارته لحصصٍ تعليمية لطلبة الجامعات، لتهدئة النقاشات التي تتخذ منحىً متوترًا ومتفرعًا.
فتوقّف الاثنان في اللحظة نفسها، واستنشق الفتى نفسًا عميقًا.
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
ابتعد تاليس عن يودل، الذي كان يسنده من ذراعه، ومضى بخطى بطيئة نحو أفراد عشيرة الدماء، رغم محاولة غيلبرت منعه. قال بصوتٍ منخفض:
“يمكنكم أن تخدموني مقابل حمايتي.”
“أما أنا، فبالنسبة لكم – أنتم مجموعة اللاجئين السياسيين المشردين، الذين لا يعيشون سوى بالخداع والتذرع براية كورليوني وشعار زهرة السوسن – فسأمنحكم اللجوء في الكوكبة. حمايةٌ أعظم مما يستطيع مالك هذا القصر منحكم اياه.”
“يمكنكم أن تخدموني مقابل حمايتي.”
تبدلت ملامح كريس، وإسترون، ورولانا في اللحظة نفسها، واتجهت أنظارهم نحو سيرينا. غير أن الفتاة الصغيرة ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين اكتفت بأن زفرت ببرود:
بمظهرها كطفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها، خفضت سيرينا وجهها المستدير، وأمسكت بطرف فستانٍ ليس بموجود، وانحنت بانحناءةٍ أرستقراطية، ثمّ رفعت رأسها دون أن يظهر على وجهها أيّ انفعال.
“لـم أخبـره بشـيء. اسـتنتج ذلـك بنفسـه.”
(استنتج؟ الخلاف مع عصابة قوارير الدم، وعدم الانسجام مع صاحب القصر، وعبارة إسترون “بوضعنا الحالي”، والتابوت في الطابق الثاني الذي يبدو كبركة سباحة لكنه في الحقيقة قاعة مرضى ضخمة…) فكّر الفتى في صمتٍ داخلي،
(حين تجمع كل تلك القرائن والإشارات، أليس الأمر جليًّا تمامًا؟)
ضحكت جينيس خلفه بخفّة.
كان يعلم أن أفراد عشيرة الدم كانوا في غاية الحذر منه، غير أنّه لم يُعر ذلك اهتمامًا، إذ إنّ المشكلة القائمة قد حُلّت، على الأقلّ مؤقتًا.
أدار تاليس رأسه نحو غيلبرت ويودل بنظرة جادّة.
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
“غيلبرت، يودل، أرجوكما أن تثقا بي. سأُقدّم الدم في ظروفٍ لا تضرّ بصحّتي، لمعاونة السيّدة سيرينا على استعادتـ… كح كح… تعافيها. لقد قطعت هذا الوعد مقابل أمني، وكذلك مقابل صداقة سموّها.”
وفي تلك اللحظة، تقدّمت جينيس بخطواتٍ حادّة وعلى وجهها ملامح انزعاج، لكنّ غيلبرت أوقفها قبل أن تتكلّم.
تأمّل غيلبرت تاليس طويلاً.
“يا سيدي تاليس المبجّل، وهذه السيدة الصغيرة من عشيرة الدماء، هلّا شرحتما لنا ما جرى؟”
غير أنّ جينيس، التي كانت خلف غيلبرت، تقدّمت خطوة إلى الأمام بتعبيرٍ معقّد وقالت بهدوء:
في شبه الجزيرة الغربية، كوّنت خمس عشائر اتحادًا قبليًا وجمعية “الليل المظلم”، واتخذوا من “تلّة الوليمة الكبرى” مقرًّا لهم (أو بالأحرى قطعة أرض أطلقوا عليها ذلك الاسم).
“غيلبرت، هذا وعدٌ قطعه بنفسه، وهو كذلك وعدٌ قطعته عائلته.”
وأضافت في سرّها( تمامًا كما فعل قبل أعوام.)
نظر إلى وجه سموّها وأطلق ابتسامةً باردة نحو تاليس.
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
“شكرًا على… دعم وحماية جيش الدم المقدّس.”
“بالطبع، نثق بك. ولكن، سأرفع تقريرًا بهذا إلى…”
تابع الريح الشبحية، ميديرا رالف. ذاك الذي ناضل وتحطمت قيوده. ناجٍ رفض الهرب من الألم بالموت.
ابتسم تاليس بخفّة. ثم استدار بحيث يتمكّن من رؤية جميع أفراد عشيرة الدم، وقال بنبرةٍ منخفضة:
“اسمحوا لي إذًا بتقديم نفسي رسميًا…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
غير أنّ كريس، الواقف بجانبه، خطا خطوةً جادّة إلى الأمام وتحدّث بنبرةٍ مهيبة.
“رجاءً، لا تكلّف نفسك عناء ذلك. الواقف أمامك…” أسند الطفلة الصغيرة بذراعه برفق بينما تقدّمت بخطواتٍ متردّدة وأكمل، “…هي الدوقة الكبرى، السيّدة سيرينا إل. آيه. كورليوني، الوريثة الشرعية لعائلة كورليوني — العائلة التي تتزعّم العشائر السبع العُظمى في مملكة الليل بشبه الجزيرة الشرقية. وهي كذلك الحاكمة القانونية والشرعية لتلّ الألم.”
“أ… جلالتك؟” ظهرت رولانا وإسترون أمام الطفلة بوجوهٍ مدهوشة مضطربة. حدّقت الأولى بطولها القصير وسألت بتوجس: “لم تغيّرَتْ هيئتُكِ هكذا؟”
نظر كريس إلى البشر بنظرةٍ متعالية. وخلفه، أظهرت رولانا وإسترون تعابير فخرٍ واضحة.
“أ… جلالتك؟” ظهرت رولانا وإسترون أمام الطفلة بوجوهٍ مدهوشة مضطربة. حدّقت الأولى بطولها القصير وسألت بتوجس: “لم تغيّرَتْ هيئتُكِ هكذا؟”
بمظهرها كطفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها، خفضت سيرينا وجهها المستدير، وأمسكت بطرف فستانٍ ليس بموجود، وانحنت بانحناءةٍ أرستقراطية، ثمّ رفعت رأسها دون أن يظهر على وجهها أيّ انفعال.
“ليمدد الدم حكمه.”
تمتم تاليس في نفسه ساخرًا، يا لها من مقدّمة تُضفي عليها العظمة.
“… الفتاة الصغيرة… أعني، السيّدة… سيرينا كورليوني… بعد نقاشٍ وديّ ومثمر…”
تبادل غيلبرت وجينيس النظرات، ورأى كلٌّ منهما في عيني الآخر الصدمة نفسها.
الفصل 33: ليمدد الدم حكمه.
بعد معركة الإبادة المدمرة قبل أكثر من ستمئة عام، وكحال العديد من الأجناس العريقة، انقسمت العشائر الثلاث عشرة المرموقة من عشيرة الدم إلى فصيلين: الشرقيّ والغربيّ، على جانبي بحر الإبادة.
في شبه الجزيرة الغربية، كوّنت خمس عشائر اتحادًا قبليًا وجمعية “الليل المظلم”، واتخذوا من “تلّة الوليمة الكبرى” مقرًّا لهم (أو بالأحرى قطعة أرض أطلقوا عليها ذلك الاسم).
ما إن أنهى إسترون حديثه، حتى أحسّت رولانا، الواقفة إلى جانبه، بأنّ هناك خطبًا ما.
أمّا في شبه الجزيرة الشرقية، فقد أسّست ثماني عشائر نظامًا ملكيًا، واتخذت الضفة الشرقية لبحر الإبادة موطنًا لها، تحت اسم “مملكة الليل”.
وعلى مدى ستمئة عامٍ وأكثر، بالمقارنة مع أقربائهم في الغرب الذين تشتّتهم الخلافات وأجبروا على توقيع “معاهدة التبعية بين الدول البشرية والخالدين”، فقد أصبح أفراد عشيرة الدم في مملكة الليل أكثر وحدةً وقوّة، تحت الحكم الحديدي لـ”ملك جناح الليل” الشهير ببطشه، لوري كورليوني.
بل شاركوا مشاركةً واسعة في شؤون شبه الجزيرة، إذ أرسلوا في الحربين الثانية والثالثة جيوشهم الملقّبة بـ”جيش الدم المقدّس”، المؤلّف من نخبة محاربي عشيرة الدم.
“سيدي غيلبرت، أرجوك تأكد من إنقاذ ذلك الرجل.” وجَّه تاليس صوته نحو غيلبرت البعيد قليلًا، وقد خيّم على نظره بريقٌ خافت من العزم. “لولاه، لما صمدتُ حتى وصولكم.”
وفي الحرب الثالثة، قاد ملك جناح الليل بنفسه جيشه لمهاجمة مدينة سحب التنين، عاصمة “نصل شبه الجزيرة الغربية”، مملكة إكستيدت.
لكن قبل مئتي عام، وقع تغيّرٌ مفاجئ في المشهد السياسي لمملكة الليل — اختفى ملك جناح الليل في ظروفٍ غامضة، واهتزّت أسس العشائر الثمان العظمى.
“سيدي غيلبرت، أشكركم لإنقاذي… ولتضحيتكم.”
بل إنّ عائلة هولير خانت المملكة بأسرها، إذ عبرت البحر وانضمّت إلى جمعية الليل المظلم في تلّة الوليمة الكبرى.
لكن قبل مئتي عام، وقع تغيّرٌ مفاجئ في المشهد السياسي لمملكة الليل — اختفى ملك جناح الليل في ظروفٍ غامضة، واهتزّت أسس العشائر الثمان العظمى.
ومنذ ذلك الحين، لم يبقَ في مملكة الليل سوى سبع عشائر حاكمة، كما فقدت المملكة آخر نخبةٍ كانت تملك فرصةً لاختراق “الفئة العليا”.
وحين هاجمتها قاعة الشروق، بدأت قوّتها تتدهور تدريجيًا.
وبينما كانت إحدى الجهات تتهاوى، كانت الأخرى تنهض.
ففي تلّة الوليمة الكبرى في الغرب، سعت جمعية الليل المظلم التي تضمّ العشائر الستّ العظمى إلى بناء دولةٍ قوية، أصلحت نظامها الفاسد البالي، وطوّرت علاقاتها الدبلوماسية بنجاح، حتى أصبحت أحد حلفاء “معاهدة الحصن”، ولقّبوا أنفسهم بـ”الأعمدة الستة لعشيرة الدم”.
نظر كريس إلى البشر بنظرةٍ متعالية. وخلفه، أظهرت رولانا وإسترون تعابير فخرٍ واضحة.
أما الطفلة اليافعة الواقفة أمامهم، فكانت تدّعي أنّها سيّدة “تلّ الألم” في مملكة الليل، معقل عائلة كورليوني، والمكان الذي وُلد فيه ملك جناح الليل.
“رجاءً، لا تكلّف نفسك عناء ذلك. الواقف أمامك…” أسند الطفلة الصغيرة بذراعه برفق بينما تقدّمت بخطواتٍ متردّدة وأكمل، “…هي الدوقة الكبرى، السيّدة سيرينا إل. آيه. كورليوني، الوريثة الشرعية لعائلة كورليوني — العائلة التي تتزعّم العشائر السبع العُظمى في مملكة الليل بشبه الجزيرة الشرقية. وهي كذلك الحاكمة القانونية والشرعية لتلّ الألم.”
رفع غيلبرت رأسه وقال باحترام:
“اعذريني على جرأتي، لكن حسب علمي، فإنّ ملكة الليل هي سيّدة عائلة كورليوني حاليًا، وهي كذلك الحاكمة الفعلية لتلّ الألم، وصاحبة السيادة على مملكة الليل بأسرها — ’الباكية‘، جلالتها كاترينا إل. آيه. كورليوني.”
كان يعلم أن أفراد عشيرة الدم كانوا في غاية الحذر منه، غير أنّه لم يُعر ذلك اهتمامًا، إذ إنّ المشكلة القائمة قد حُلّت، على الأقلّ مؤقتًا.
تعمّد غيلبرت التشديد على لقبي ملكة الليل و جلالتها، مبرزًا الفارق بينهما وبين سموّ سيرينا.
تثاءب تاليس، مما أثار استياء كريس الذي رمقه بنظرةٍ حادّة.
عندها، رمقَه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة بنظراتٍ معادية، فيما علت في عيني إسترون طبقةٌ من الحذر والرهبة وهو يراقبه.
تقلّصت حدقتا سيرينا الحمراوان قليلًا، وبرزت شفتاها في امتعاضٍ طفوليّ وهي تخطو خطوة إلى الأمام.
لكن قبل مئتي عام، وقع تغيّرٌ مفاجئ في المشهد السياسي لمملكة الليل — اختفى ملك جناح الليل في ظروفٍ غامضة، واهتزّت أسس العشائر الثمان العظمى.
“أختي الصغرى البكّاءة، كاترينا، استولت بغير وجه حقّ على الحقّ الذي ورثته عن أبي، ملك جناح الليل. لقد اغتصبت عرش محيط الدماء. لكن، يومًا ما، سأستعيد عرشي.”
ومع وجنتيها الممتلئتين بملامح الطفولة، ويدها الصغيرة المعقودة أمام صدرها، أغمضت عينيها وردّدت شعار عائلة كورليوني:
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
“ليمدد الدم حكمه.”
ما إن أنهى إسترون حديثه، حتى أحسّت رولانا، الواقفة إلى جانبه، بأنّ هناك خطبًا ما.
غدت ملامح إسترون ورولانا جادّة في الحال، وخفضا صدريهما بتواضع، ووضعا قبضتيهما على موضع القلب، ثم تراجعا خطوةً إلى الخلف مع كريس، وانحنوا جميعًا في وقارٍ مردّدين:
رفع غيلبرت رأسه وقال باحترام:
“ليمدد الدم حكمه.”
“أمم، اسمي تاليس، وعمري حوالي سبعة أعوام. في الماضي…”
هذا، هذا، هذا… دوّى السخط في رأس تاليس من فرط غرابة المشهد، لم لا تصرخون أيضًا “لتتوحد كلّ الأراضي”؟
“فلنُرجئ التعارف لاحقًا، فقد أُريق من الدم الليلة ما يكفي. لذا، ومع هذا…” ألقى نظرة على الفتاة الصغيرة ذات العينين الحمراوين، التي بدت بريئة ولطيفة لكنها اختارت أن تحافظ على ملامح صارمة، ثم توقّف لحظة.
“سأكافئكم جميعًا على عونكم ودعمكم، بلا شكّ.”
فتحت سيرينا عينيها وحدّقت في تاليس بثبات، ولعقت شفتيها بلا وعي.
ضوء القمر انساب فوق عشب قصر الكرمة، والعيون شاخصة بذهول نحو الطفلين الممدَّين على الأرض، فيما ساد صمت ثقيل لبرهة.
أتُراكِ تنوين شقّ عنقي بأسنانك؟
دحرج تاليس عينيه وتجنّب نظرتها المُلتهبة، وقال ببرود:
شعرت سيرينا بحكّةٍ خفيفة في عنقها، فزمّت شفتيها بخفوت كي لا يلحظ أحد ذلك.
“واو، إنه امتياز لم أكن لأحظى به حتى لو تمنّيته. يشرفني حقًا.”
انتفخت وجنتا سيرينا الصغيرتان في امتعاضٍ خفيف من نبرته غير الجادّة.
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
وبينما راقب إسترون سلوك تاليس الغريب، تذكّر أنّ هذا الفتى هو ذاته الذي تجرّأ على إعطائه الأوامر سابقًا، فاشتعلت نيران الغيظ في صدره.
أما الطفلة اليافعة الواقفة أمامهم، فكانت تدّعي أنّها سيّدة “تلّ الألم” في مملكة الليل، معقل عائلة كورليوني، والمكان الذي وُلد فيه ملك جناح الليل.
نظر إلى وجه سموّها وأطلق ابتسامةً باردة نحو تاليس.
“لـم أخبـره بشـيء. اسـتنتج ذلـك بنفسـه.”
“أيها الصبي، يبدو أنّك لا تعرف الكثير عن مملكة الليل، في الضفّة المقابلة من البحر. سأوضّح لك: حتى لو كان عدوّك ملك الكوكبة الأعلى نفسه، فمع دعم جيشنا المقدّس، لن يجرؤ أحد على مضايقتك.”
ما إن أنهى إسترون حديثه، حتى أحسّت رولانا، الواقفة إلى جانبه، بأنّ هناك خطبًا ما.
وبينما راقب إسترون سلوك تاليس الغريب، تذكّر أنّ هذا الفتى هو ذاته الذي تجرّأ على إعطائه الأوامر سابقًا، فاشتعلت نيران الغيظ في صدره.
كانت وجوه الواقفين في الجهة المقابلة غريبة الملامح، خصوصًا النبيل متوسّط العمر ذو التعبير المربك، والمرأة ذات الشعر الأسود التي بدا عليها الانزعاج.
قطّب كريس حاجبيه، غير أنّه لم يتمكّن في الوقت المناسب من إسكات مصّاص الدماء الأشقر، إذ كان يعلم أنّ الملثم هو مقاتل يقف عند ذروة الفئة الفائقة.
ارتجف وجه تاليس قليلًا. الغرور داءٌ، وعليك أن تُعالجه!
“إذن، حان دوري للتعريف بنفسي.”
“لا شـيء، هـها… كح، كح.” سارع تاليس لتغطية ضحكه بسعالٍ مصطنع. “لا شـيء مضحـك… هـها… كح، كح… عذرًا.”
حكّ تاليس رأسه وقال للطفلة الصغيرة:
“أمم، اسمي تاليس، وعمري حوالي سبعة أعوام. في الماضي…”
“سيدي غيلبرت، أرجوك تأكد من إنقاذ ذلك الرجل.” وجَّه تاليس صوته نحو غيلبرت البعيد قليلًا، وقد خيّم على نظره بريقٌ خافت من العزم. “لولاه، لما صمدتُ حتى وصولكم.”
وفي تلك اللحظة، تقدّمت جينيس بخطواتٍ حادّة وعلى وجهها ملامح انزعاج، لكنّ غيلبرت أوقفها قبل أن تتكلّم.
تعمّد غيلبرت التشديد على لقبي ملكة الليل و جلالتها، مبرزًا الفارق بينهما وبين سموّ سيرينا.
زفر النبيل ذو الشعر الرمادي وقال بجدّية:
“رجاءً، لا تكلّف نفسك عناء ذلك. الواقف أمامك…” أسند الطفلة الصغيرة بذراعه برفق بينما تقدّمت بخطواتٍ متردّدة وأكمل، “…هي الدوقة الكبرى، السيّدة سيرينا إل. آيه. كورليوني، الوريثة الشرعية لعائلة كورليوني — العائلة التي تتزعّم العشائر السبع العُظمى في مملكة الليل بشبه الجزيرة الشرقية. وهي كذلك الحاكمة القانونية والشرعية لتلّ الألم.”
“أظنّ أنّ التحالف بيننا لن يكون قصير الأمد، والسيّدة سيرينا تحتاج أيضًا إلى وقتٍ للاستعداد لاستعادة عرشها. لذلك، سنكون صريحين معكم.”
عندها، رمقَه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة بنظراتٍ معادية، فيما علت في عيني إسترون طبقةٌ من الحذر والرهبة وهو يراقبه.
رفع الكونت غيلبرت كاسو رأسه، وبملامح تفيض وقارًا، نطق كلماتٍ وجيزة:
“بالطبع، نثق بك. ولكن، سأرفع تقريرًا بهذا إلى…”
“هذا هو تاليس، وريث الكوكبة القادم… الملك الأعلى التالي.”
مرّت لحظة طويلة.
ثم لحظة أطول.
ثم لحظة أطول.
حتى خُيّل لتاليس أنّ الهواء ذاته قد تحجّر، قبل أن تهبّ نسمة ريحٍ خفيفة.
زفر النبيل ذو الشعر الرمادي وقال بجدّية:
“ههه، أمم.”
زفر النبيل ذو الشعر الرمادي وقال بجدّية:
ضحك ضحكةً عصبية ولوّح بيده نحو مصّاصي الدماء الأربعة الذين تجمّدوا في أماكنهم.
“بالطبع، نثق بك. ولكن، سأرفع تقريرًا بهذا إلى…”
“شكرًا على… دعم وحماية جيش الدم المقدّس.”
“لا شـيء، هـها… كح، كح.” سارع تاليس لتغطية ضحكه بسعالٍ مصطنع. “لا شـيء مضحـك… هـها… كح، كح… عذرًا.”
ضحكت جينيس خلفه بخفّة.
“جلالتك!” كان وجه كريس الجامد مفعمًا بالانفعال، فانحنى على ركبةٍ واحدة أمام الفتاة ذات الشعر الفضي، المرتجفة، ووضع البطانية الصوفية التي بيده على جسدها الصغير.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“غيلبرت، هذا وعدٌ قطعه بنفسه، وهو كذلك وعدٌ قطعته عائلته.”
دحرج تاليس عينيه وتجنّب نظرتها المُلتهبة، وقال ببرود:
لم يتمالك تاليس نفسه أكثر، وانفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
كان يعلم أن أفراد عشيرة الدم كانوا في غاية الحذر منه، غير أنّه لم يُعر ذلك اهتمامًا، إذ إنّ المشكلة القائمة قد حُلّت، على الأقلّ مؤقتًا.
كان قميص تاليس صغيرًا وممزقًا من عدة مواضع، بالكاد غطّى الطفلة حتى ركبتيها، كاشفًا عن ساقيها الشاحبتين. وما إن خطر ذلك في بال كريس حتى رمق تاليس بنظرةٍ حادة.
ومع وجنتيها الممتلئتين بملامح الطفولة، ويدها الصغيرة المعقودة أمام صدرها، أغمضت عينيها وردّدت شعار عائلة كورليوني:
تقلّصت حدقتا سيرينا الحمراوان قليلًا، وبرزت شفتاها في امتعاضٍ طفوليّ وهي تخطو خطوة إلى الأمام.
“… الفتاة الصغيرة… أعني، السيّدة… سيرينا كورليوني… بعد نقاشٍ وديّ ومثمر…”
“ليمدد الدم حكمه.”
تقلّصت حدقتا سيرينا الحمراوان قليلًا، وبرزت شفتاها في امتعاضٍ طفوليّ وهي تخطو خطوة إلى الأمام.
حتى خُيّل لتاليس أنّ الهواء ذاته قد تحجّر، قبل أن تهبّ نسمة ريحٍ خفيفة.
في شبه الجزيرة الغربية، كوّنت خمس عشائر اتحادًا قبليًا وجمعية “الليل المظلم”، واتخذوا من “تلّة الوليمة الكبرى” مقرًّا لهم (أو بالأحرى قطعة أرض أطلقوا عليها ذلك الاسم).
وحين هاجمتها قاعة الشروق، بدأت قوّتها تتدهور تدريجيًا.
“أظنّ أنّ التحالف بيننا لن يكون قصير الأمد، والسيّدة سيرينا تحتاج أيضًا إلى وقتٍ للاستعداد لاستعادة عرشها. لذلك، سنكون صريحين معكم.”
ابتعد تاليس عن يودل، الذي كان يسنده من ذراعه، ومضى بخطى بطيئة نحو أفراد عشيرة الدماء، رغم محاولة غيلبرت منعه. قال بصوتٍ منخفض:
زفر النبيل ذو الشعر الرمادي وقال بجدّية:
“غيلبرت، هذا وعدٌ قطعه بنفسه، وهو كذلك وعدٌ قطعته عائلته.”
“شكرًا على… دعم وحماية جيش الدم المقدّس.”
زفر النبيل ذو الشعر الرمادي وقال بجدّية:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أختي الصغرى البكّاءة، كاترينا، استولت بغير وجه حقّ على الحقّ الذي ورثته عن أبي، ملك جناح الليل. لقد اغتصبت عرش محيط الدماء. لكن، يومًا ما، سأستعيد عرشي.”
….
بل شاركوا مشاركةً واسعة في شؤون شبه الجزيرة، إذ أرسلوا في الحربين الثانية والثالثة جيوشهم الملقّبة بـ”جيش الدم المقدّس”، المؤلّف من نخبة محاربي عشيرة الدم.
Arisu-san
أما الفتاة ذات الشعر الفضي المستلقية على صدره، فدفعت جسدها إلى الأعلى بضغطةٍ من يدها على كتفه دون أن يبدو على وجهها أية ملامح. نظرت إلى الضماد على صدره، حيث غطّى جرحًا بحجم قطعة نقدية فضية، واستنشقت رائحة الدم عليه، فانكشفت في ملامحها نظرة توقٌ وانبهار.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
….
شعرت سيرينا بحكّةٍ خفيفة في عنقها، فزمّت شفتيها بخفوت كي لا يلحظ أحد ذلك.
بل إنّ عائلة هولير خانت المملكة بأسرها، إذ عبرت البحر وانضمّت إلى جمعية الليل المظلم في تلّة الوليمة الكبرى.
“ليمدد الدم حكمه.”
“سيدي تاليس! دمك؟ هذا خطرٌ بالغ، كيف يمكن…” صاح غيلبرت، الحارس القلق على سيده.
تبدلت ملامح كريس، وإسترون، ورولانا في اللحظة نفسها، واتجهت أنظارهم نحو سيرينا. غير أن الفتاة الصغيرة ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين اكتفت بأن زفرت ببرود:
أومأت الصغيرة ذات العينين الحمراوين بوجهٍ خالٍ من المشاعر. اعتادت أن تمسك بيد كريس الممدودة وتتكلم كلمةً كلمةً بنبرةٍ لا يستعملها إلا أصحاب السلطة.
“جلالتك، لقد استيقظتِ أخيرًا.”
رفع غيلبرت رأسه وقال باحترام:
لم يتمالك تاليس نفسه أكثر، وانفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
بل إنّ عائلة هولير خانت المملكة بأسرها، إذ عبرت البحر وانضمّت إلى جمعية الليل المظلم في تلّة الوليمة الكبرى.
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
“مـا الـذي يُضحـك؟”
….
استغرق تاليس ثانيتين ليفهم الجملة: (الإخلاص سيكافأ بلا شك).
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أيها الصبي، يبدو أنّك لا تعرف الكثير عن مملكة الليل، في الضفّة المقابلة من البحر. سأوضّح لك: حتى لو كان عدوّك ملك الكوكبة الأعلى نفسه، فمع دعم جيشنا المقدّس، لن يجرؤ أحد على مضايقتك.”
ومع وجنتيها الممتلئتين بملامح الطفولة، ويدها الصغيرة المعقودة أمام صدرها، أغمضت عينيها وردّدت شعار عائلة كورليوني:
“لا شـيء، هـها… كح، كح.” سارع تاليس لتغطية ضحكه بسعالٍ مصطنع. “لا شـيء مضحـك… هـها… كح، كح… عذرًا.”
“اسمحوا لي إذًا بتقديم نفسي رسميًا…”
(هل هذا هو الفتى؟ الابن الذي أنجبه مع… تلك المرأة؟) غامت نظرة جينيس فورًا.
ففي تلّة الوليمة الكبرى في الغرب، سعت جمعية الليل المظلم التي تضمّ العشائر الستّ العظمى إلى بناء دولةٍ قوية، أصلحت نظامها الفاسد البالي، وطوّرت علاقاتها الدبلوماسية بنجاح، حتى أصبحت أحد حلفاء “معاهدة الحصن”، ولقّبوا أنفسهم بـ”الأعمدة الستة لعشيرة الدم”.
“واو، إنه امتياز لم أكن لأحظى به حتى لو تمنّيته. يشرفني حقًا.”
الفصل 33: ليمدد الدم حكمه.
“غيلبرت، يودل، أرجوكما أن تثقا بي. سأُقدّم الدم في ظروفٍ لا تضرّ بصحّتي، لمعاونة السيّدة سيرينا على استعادتـ… كح كح… تعافيها. لقد قطعت هذا الوعد مقابل أمني، وكذلك مقابل صداقة سموّها.”
حتى خُيّل لتاليس أنّ الهواء ذاته قد تحجّر، قبل أن تهبّ نسمة ريحٍ خفيفة.
“يمكنكم أن تخدموني مقابل حمايتي.”
….
“أنا بخير يا يودل، لا تقلق.” رأى تاليس الجرح على صدر الحارس السري فابتسم بتعب. نزع الأخير العباءة من فوق بزّته وألقاها على تاليس.
ذلك التعبير أفزع تاليس، فانتفض جالسًا، ودون أن يمنح فتاة عشيرة الدماء الخطيرة (التي لطالما اعتبرها وحشًا زعيمًا قد يتحول في أي لحظة إلى مومياء ماصّة للدماء) فرصةً لإظهار أنيابها، دفعها بعيدًا عن صدره.
شعرت سيرينا بحكّةٍ خفيفة في عنقها، فزمّت شفتيها بخفوت كي لا يلحظ أحد ذلك.
“أ… جلالتك؟” ظهرت رولانا وإسترون أمام الطفلة بوجوهٍ مدهوشة مضطربة. حدّقت الأولى بطولها القصير وسألت بتوجس: “لم تغيّرَتْ هيئتُكِ هكذا؟”
