ملك القبضة الحديدية (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“من ذا الذي تذكّر الدماء، والجثث، والأرامل، والأيتام الذين خلّفهم اجتياح جيش إكستيدت لأرضنا؟ من ذا الذي تذكّر أنه بعد نهاية السنة الدموية، حين كانت المملكة بأسرها تحتفل بـمعاهدة الحصن مبتهجة، كان ثلاثة أرباع رجال الإقليم الشمالي قد ماتوا، ونصف نسائه أيضًا! وأنّ الشيوخ والأطفال الذين بقوا، اضطرّوا للخروج في زمهرير الشتاء بحثًا عن طعامٍ وإلا ماتوا جوعًا في بيوتهم! وأولئك الذين خرجوا، تجمّد نصفهم حتى الموت في البراري!”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“كفى!” رفع ڤال رأسه بغتة، واشتعل الغضب في عينيه. “لا يُسمح لك بذكر ليسيا وكونستانس. أنت لا تستحقّ ذلك.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
….
Arisu-san
“أتظنّ نفسك ملكًا تراجيديًا؟ آخر مَن تبقّى من الأسرة الملكية لجيدستار؟ لا!” صرخ ڤال بجنون: “كلّ ما اهتممتَ به يومًا هو نفسك، وإرادتك، وعالمك! أتعلم لِمَ انتهيتم إلى ما أنتم عليه اليوم؟ أنتم وحدكم من جلب المصائب لأنفسكم في السنة الدموية!”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“اصمت، يا إكستيدتي. سأحاسبك لاحقًا.” كان صوت الملك الأعلى مدوّيًا، ونبرته لا تحتمل جدالًا. “نحن الآن نناقش شؤون الكوكبة الداخلية.”
الفصل 71: ملك القبضة الحديدية (1)
“كفى!” رفع ڤال رأسه بغتة، واشتعل الغضب في عينيه. “لا يُسمح لك بذكر ليسيا وكونستانس. أنت لا تستحقّ ذلك.”
….
“هل شهدتَ مثل هذا المشهد، أيها السيد الشاب ابن العاصمة؟! من ذا الذي يذكر أنّ رأس والدي عُلّق على بوابة القلعة الباردة شهرًا كاملًا لأنه رفض الاستسلام بعد سقوط القلعة؟ حين أنزلتُه بنفسي… وما زلتُ أرى تلك البوابة الملعونة كل يومٍ وأنا أدخل وأخرج من قلعتي!”
“أهكذا هو الأمر؟”
ضيّق الملك عينيه. “ماذا؟”
حين أنصت كيسل إلى تصريح ڤال، تبدّلَت ملامحه على نحوٍ معقّدٍ على غير عادته.
“أنت تمامًا كأبيك الملعون. كلاكما كنتما تعرفان أين ستقودكما خياراتكما، ومع ذلك لم تكترثا! لم تحاولا أبدًا فهم توابعكما، ولا الاهتمام برعاياكما، ولا بمن حولكما، أيها الملك ذو القبضة الحديدية! حين ينادونك بهذا اللقب، ألا تشعر بالسخرية؟ أنت لا تحكم بيدٍ من حديد، بل بدمٍ بارد!”
“لكن، لِمَ كنتَ أنت؟ كان من المفترض أن تكون رجلًا نبيلاً، محاربًا نقيًّا، ذا عقيدةٍ راسخة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هاها.” ضحك ڤال دون سببٍ ظاهر. “ولِمَ لا أكون أنا؟”
ارتاع تاليس ونظر غريزيًا إلى غيلبرت الواقف بجانبه، غير أنّ الأخير ضمّ شفتيه ولم ينطق بكلمة.
توقّف كيسل، ونظر بأسى إلى الندبة التي امتدّت من صدر ڤال حتى ذقنه. “كنتَ يومًا أكثر أصدقائي وإخوتي ثقةً بي. نشأنا معًا في العاصمة، وكنا خيرَ شريكين وأقربَ الإخوة. كنتُ أقرب إليك من إخوتي بالدم أمثال ميدير. بل وعدنا أن نصبح أصهارًا.”
“هي أسرة جيدستار، تلك التي التصقت دائمًا بالنكبات التي جرّت السنة الدموية على الكوكبة، هي التي جلبت ذلك الجحيم!”
“كفى!” رفع ڤال رأسه بغتة، واشتعل الغضب في عينيه. “لا يُسمح لك بذكر ليسيا وكونستانس. أنت لا تستحقّ ذلك.”
الفصل 71: ملك القبضة الحديدية (1)
ارتجف قلب تاليس، وانعكست في ذهنه صورة ليسيا آروند وكونستانس جيدستار — هيئة الكاهنة الكبرى الوحيدة والجرّة الحجرية الصغيرة.
اكمل ڤال مرتجفًا، “بعد أن خضنا جحيم حرب الصحراء قبل خمس سنوات، كيسل جيدستار، كيف تجرؤ على التذمّر من ضعف قوّاتنا العسكرية؟! كيف تجرؤ على القول إننا لا نملك من الفرسان ما يكفي لتشكيل خمس فرقٍ طلائعية؟!”
خَفَتَت ملامح الملك. “كنت أعلم أنك تبغضني، لكني ظننت أنّ سببك ليسيا فقط، وأنك — كسيدٍ تابع — ما زلتَ مخلصًا لي وللكوكبة. ظننتُ أنّ الإيمان في قلبك لا يزال نبيلًا لا يتزعزع.”
أطبق كيسل جفنيه بقوة، واسترجع الحاضرون تلك الأيام حتى خفَض كثيرون رؤوسهم.
تحدي دوق الإقليم الشمالي، الخائن لإقليمه، بمرارة. “أليس كذلك؟ أجل، أبغضك حقًّا، لكن كل ما أفعلُه هو من أجل الكوكبة!”
“بعد أن تُوّجتُ بلقب الدوق الحارس للإقليم الشمالي، لم يكن أول ما فعلتُه أن أبحث لهم عن طعام، بل أن أعيد دفن الذين ماتوا جوعًا أو تجمّدوا حتى الموت! لولا ذلك، لنبش الجياع جثثهم والتهموها، أولئك الذين أنهكهم الجوع حتى عجزوا عن السير!”
ضيّق الملك عينيه. “ماذا؟”
خَفَتَت ملامح الملك. “كنت أعلم أنك تبغضني، لكني ظننت أنّ سببك ليسيا فقط، وأنك — كسيدٍ تابع — ما زلتَ مخلصًا لي وللكوكبة. ظننتُ أنّ الإيمان في قلبك لا يزال نبيلًا لا يتزعزع.”
مشى ڤال آروند مبتعدًا عن صفّ التوابع، ونظره ثابتٌ صلب.
لكنّ الملك فتح عينيه فجأةً وقطع كلامه بصيحةٍ مدوّية.
“إن استطعتُ النجاح ببذل ثمنٍ ما واحتمال سفكٍ مؤقّتٍ للدماء، فستفتح الكوكبة والتنين — درعُ ونصل شبه الجزيرة الغربية — صفحةً جديدة في التاريخ.
“أنتم جميعًا مسؤولون عن تلك الكوارث! أبوك الواهم الأحمق، وعمّك الذي يظنّ الوقاحة ظرفًا، وأخوك الأكبر المتشائم، وأولئك الإخوة المتغطرسون عديمو الفائدة، وأنت، الملك الأعلى، المولود بدم أولئك الطغاة من الإمبراطورية!”
في عصر الإمبراطورية القديمة، كانت أسرة آروند سلالةً فائقة حكمت مقاطعة الشمال، فيما كان لامبارد سليلَ ملك الثورة كيسو لامبارد الذي تمرّد على الطاغية. لقد استمرّ العداء بين الأسرتين اكثر من ألف عامٍ، وترسّخ الحقد في دمائنا. ولكن، إن أمكن لخصمين لدودين كهذين أن يتصالحا، فماذا عساه يكون مستحيلًا بعد؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تنفّس تاليس بعمق.
تقدّم ڤال خطوة، ونظر إلى الجمع بعينين متوحّشتين. “الخلافات والعداوات بين المملكتين ستمّحى بفضل الصداقة البطولية والتعاون المخلص بيني وبين لامبارد. سيلتحق نسلُ المملكتين — أولادُنا — بعقد خِطبة. وسيَرِث ابنُهم الكوكبة وإكستيدت معًا. وستتوحّد المملكتان العظيمتان، الكوكبة والتنين، في كيانٍ واحد. تصوّروا ذلك: دمُ التنين العظيم الدافئ البطوليّ في الشمال يجري في جسد وريث الإمبراطورية العظمى!”
(لا، لم تتصالحا. هذا تبادُلُ مصالح فحسب.)
حدّق ڤال في الملك وهو يلهث، مذهولًا وعاجزًا عن الرد.
تقدّم ڤال خطوة، ونظر إلى الجمع بعينين متوحّشتين. “الخلافات والعداوات بين المملكتين ستمّحى بفضل الصداقة البطولية والتعاون المخلص بيني وبين لامبارد. سيلتحق نسلُ المملكتين — أولادُنا — بعقد خِطبة. وسيَرِث ابنُهم الكوكبة وإكستيدت معًا. وستتوحّد المملكتان العظيمتان، الكوكبة والتنين، في كيانٍ واحد. تصوّروا ذلك: دمُ التنين العظيم الدافئ البطوليّ في الشمال يجري في جسد وريث الإمبراطورية العظمى!”
أطبق كيسل جفنيه بقوة، واسترجع الحاضرون تلك الأيام حتى خفَض كثيرون رؤوسهم.
تابع ڤال بحماسةٍ متقدة: “قد لا نستطيع استعادة مجد الإمبراطورية، لكننا سنقضي بلا ريبٍ على نيران الحرب في الإقليم الشمالي. لن تشتعل الحرب مجددًا، ولن تتكرّر الكوارث مثل العام الدموي. سيظلّ الإقليم الشمالي في سلامٍ دائم!”
بلغت مشاعر ڤال ذروتها، فصرخ بحزن وأسى.
“إلى الجحيم مع سلامِك!” بصق الكونت زيمونتو بغضب.
أغمض الملك عينيه بإحكام. “السنة الدموية؟”
لم يأبه ڤال، بل قبض كفّه اليمنى بقوة. “بل يمكننا أن نخطو أبعد من ذلك — قوةٌ وليدة ستنهض في شبه الجزيرة الغربية. وبدرعٍ في يدٍ وسيفٍ في الأخرى، سنوجّه سيوفنا نحو اتحاد كاموس، ونمزّق أراضي أولئك التجّار لنغتنم أرباحهم. وبعد أن يُكسَر توازن القوى بين القوى الثلاث الكبرى في شبه الجزيرة الغربية، فلن يبقى سواها تهديدٌ يُذكر. قريبًا، ستتوحد شبه الجزيرة الغربية من جديد!”
تنفّس تاليس بعمق.
قبض دوق الشمال على أسنانه وألقى نظره على النبلاء والوزراء. “لذلك، فكلّ هذا لأجل الكوكبة، كي لا تتحمّل مزيدًا من المآسي، ولعظمتها القادمة، كي يسود السلام الأبدي بينها وبين التنين.”
حدّق كيسل في ڤال بعينين متناقضتين في أعماقهما مزيجٌ من الغضب والألم. “أنت لا تؤمن إلا بما تريد أن تؤمن به. إنك كقطعة خشبٍ غبية، غارق في جهلك المضحك.”
قطّب تاليس حاجبيه.
“أنتم جميعًا مسؤولون عن تلك الكوارث! أبوك الواهم الأحمق، وعمّك الذي يظنّ الوقاحة ظرفًا، وأخوك الأكبر المتشائم، وأولئك الإخوة المتغطرسون عديمو الفائدة، وأنت، الملك الأعلى، المولود بدم أولئك الطغاة من الإمبراطورية!”
خلفهم، سعل البارون لاسال وتحدث على نحوٍ متردّد. “بخصوص ذلك، أظنّ أن—”
حدّق ڤال في الملك وهو يلهث، مذهولًا وعاجزًا عن الرد.
دوّي!
“اصمت، يا إكستيدتي. سأحاسبك لاحقًا.” كان صوت الملك الأعلى مدوّيًا، ونبرته لا تحتمل جدالًا. “نحن الآن نناقش شؤون الكوكبة الداخلية.”
ضرب كيسل الخامس مسند ذراعه الأيسر!
(نكبات؟ التصقوا بالنكبات؟)
“اصمت، يا إكستيدتي. سأحاسبك لاحقًا.” كان صوت الملك الأعلى مدوّيًا، ونبرته لا تحتمل جدالًا. “نحن الآن نناقش شؤون الكوكبة الداخلية.”
تكلّم ڤال بغيظٍ متفجّر، “بعد أن انتهت تلك الكارثة، لم يتذكّر الناس سوى أنّ الأسرة الملكية لجيدستار أُبيدت تقريبًا، وأنّ أسرة تابارك لم يتبقّ منها سوى فتاةٍ يتيمة! من ذا الذي تذكّر تضحيات الإقليم الشمالي ومآثره؟”
خرس لاسال لوهلةٍ عاجزًا عن الكلام.
“هل شهدتَ مثل هذا المشهد، أيها السيد الشاب ابن العاصمة؟! من ذا الذي يذكر أنّ رأس والدي عُلّق على بوابة القلعة الباردة شهرًا كاملًا لأنه رفض الاستسلام بعد سقوط القلعة؟ حين أنزلتُه بنفسي… وما زلتُ أرى تلك البوابة الملعونة كل يومٍ وأنا أدخل وأخرج من قلعتي!”
نهض الملك ببطء، ونظر إلى ڤال من الأعلى.
قبض دوق الشمال على أسنانه وألقى نظره على النبلاء والوزراء. “لذلك، فكلّ هذا لأجل الكوكبة، كي لا تتحمّل مزيدًا من المآسي، ولعظمتها القادمة، كي يسود السلام الأبدي بينها وبين التنين.”
“من أجل الكوكبة؟” احمرّت عينا كيسل الخامس، مشهدٌ نادر الحدوث. امتلأ وجهه بالغضب. “خيانةُ ملكك وتوابعك، وخيانةُ الإقليم الشمالي وشعبه — أهذا من أجل الكوكبة؟ إشعال حربٍ دامية لا تحصى ضحاياها لتظفر بالعرش — أهذا أيضًا من أجل الكوكبة؟”
“إن استطعتُ النجاح ببذل ثمنٍ ما واحتمال سفكٍ مؤقّتٍ للدماء، فستفتح الكوكبة والتنين — درعُ ونصل شبه الجزيرة الغربية — صفحةً جديدة في التاريخ.
قبض ڤال آروند قبضتَيه، واستدار نحو الملك. “كيسل جيدستار، أترى نفسك أكثرُ نُبلًا مني؟” ارتجف ڤال، كمن يكبح مشاعره بصعوبة. “أنت… رجلٌ من عائلة جيدستار، لستَ مؤهلًا لأن تشير إليّ بإصبعك!”
لكنّ الملك فتح عينيه فجأةً وقطع كلامه بصيحةٍ مدوّية.
وفي اللحظة التالية، دون اكتراثٍ بالآداب، صرخ، “أسرتُكم، الأسرة الملكية لجيدستار، هي أعظم مصدرٍ للمآسي في هذا المملكة! أنتم من جلب الجحيم — الكارثة التي وقعت قبل اثنتي عشرة سنة! وحتى الآن، نحن ما زلنا نكفّر عن خطاياكم!”
ضيّق الملك عينيه. “ماذا؟”
شدّ تاليس قبضتَيه غريزيًا، فيما التفت كلّ من في القاعة نحو الملك في آنٍ واحد، وقد ارتسمت على وجوه كثيرين منهم ملامح غريبة.
“كفى!” كان كيسل مضطربًا، وزجر آروند بغضبٍ عارم، “ڤال! ما زلتَ الأحمق ذاته، الغبي، المتطرّف، العنيد كما كنتَ دومًا!”
أغمض الملك عينيه بإحكام. “السنة الدموية؟”
قبض دوق الشمال على أسنانه وألقى نظره على النبلاء والوزراء. “لذلك، فكلّ هذا لأجل الكوكبة، كي لا تتحمّل مزيدًا من المآسي، ولعظمتها القادمة، كي يسود السلام الأبدي بينها وبين التنين.”
“السنة الدموية؟ نعم! السنة الدموية ذاتها!” ضحك ڤال بمرارة، ورفع قبضتَيه عالياً.
حين أنصت كيسل إلى تصريح ڤال، تبدّلَت ملامحه على نحوٍ معقّدٍ على غير عادته.
اشتدّ الاضطراب في قلب تاليس، فالتفت إلى غيلبرت. (ما السرّ الكامن، ذاك الخفيّ بالغ الأهمية، الذي تُخفيه السنة الدموية؟)
“أنت تمامًا كأبيك الملعون. كلاكما كنتما تعرفان أين ستقودكما خياراتكما، ومع ذلك لم تكترثا! لم تحاولا أبدًا فهم توابعكما، ولا الاهتمام برعاياكما، ولا بمن حولكما، أيها الملك ذو القبضة الحديدية! حين ينادونك بهذا اللقب، ألا تشعر بالسخرية؟ أنت لا تحكم بيدٍ من حديد، بل بدمٍ بارد!”
تكلّم ڤال بغيظٍ متفجّر، “بعد أن انتهت تلك الكارثة، لم يتذكّر الناس سوى أنّ الأسرة الملكية لجيدستار أُبيدت تقريبًا، وأنّ أسرة تابارك لم يتبقّ منها سوى فتاةٍ يتيمة! من ذا الذي تذكّر تضحيات الإقليم الشمالي ومآثره؟”
في عصر الإمبراطورية القديمة، كانت أسرة آروند سلالةً فائقة حكمت مقاطعة الشمال، فيما كان لامبارد سليلَ ملك الثورة كيسو لامبارد الذي تمرّد على الطاغية. لقد استمرّ العداء بين الأسرتين اكثر من ألف عامٍ، وترسّخ الحقد في دمائنا. ولكن، إن أمكن لخصمين لدودين كهذين أن يتصالحا، فماذا عساه يكون مستحيلًا بعد؟”
استنشقت الدوقة ليانا ذات الخمسة عشر ربيعًا نَفَسًا عميقًا وأغمضت عينيها.
….
“من ذا الذي تذكّر الدماء، والجثث، والأرامل، والأيتام الذين خلّفهم اجتياح جيش إكستيدت لأرضنا؟ من ذا الذي تذكّر أنه بعد نهاية السنة الدموية، حين كانت المملكة بأسرها تحتفل بـمعاهدة الحصن مبتهجة، كان ثلاثة أرباع رجال الإقليم الشمالي قد ماتوا، ونصف نسائه أيضًا! وأنّ الشيوخ والأطفال الذين بقوا، اضطرّوا للخروج في زمهرير الشتاء بحثًا عن طعامٍ وإلا ماتوا جوعًا في بيوتهم! وأولئك الذين خرجوا، تجمّد نصفهم حتى الموت في البراري!”
“إن استطعتُ النجاح ببذل ثمنٍ ما واحتمال سفكٍ مؤقّتٍ للدماء، فستفتح الكوكبة والتنين — درعُ ونصل شبه الجزيرة الغربية — صفحةً جديدة في التاريخ.
“بعد أن تُوّجتُ بلقب الدوق الحارس للإقليم الشمالي، لم يكن أول ما فعلتُه أن أبحث لهم عن طعام، بل أن أعيد دفن الذين ماتوا جوعًا أو تجمّدوا حتى الموت! لولا ذلك، لنبش الجياع جثثهم والتهموها، أولئك الذين أنهكهم الجوع حتى عجزوا عن السير!”
قبض دوق الشمال على أسنانه وألقى نظره على النبلاء والوزراء. “لذلك، فكلّ هذا لأجل الكوكبة، كي لا تتحمّل مزيدًا من المآسي، ولعظمتها القادمة، كي يسود السلام الأبدي بينها وبين التنين.”
“هل شهدتَ مثل هذا المشهد، أيها السيد الشاب ابن العاصمة؟! من ذا الذي يذكر أنّ رأس والدي عُلّق على بوابة القلعة الباردة شهرًا كاملًا لأنه رفض الاستسلام بعد سقوط القلعة؟ حين أنزلتُه بنفسي… وما زلتُ أرى تلك البوابة الملعونة كل يومٍ وأنا أدخل وأخرج من قلعتي!”
“كفى!” رفع ڤال رأسه بغتة، واشتعل الغضب في عينيه. “لا يُسمح لك بذكر ليسيا وكونستانس. أنت لا تستحقّ ذلك.”
“سيف الضوء المعكوس، الأمير هوراس، اخترق حصار إكستيدت الضيّق بشجاعةٍ لا تلين، وقاتل حتى الموت دون أن يتراجع، أُصيب إحدى عشرة مرة وضحّى بحياته بشرف… يا لها من بطولةٍ مجيدة! ولكن، من ذا الذي تذكّر أنّ إخوتي، أبناء آروند، ظلّوا إلى جواره يحمونه حتى قضَوا نحبهم؟ روهان، كول، ونولانور.”
حدّق ڤال في الملك وهو يلهث، مذهولًا وعاجزًا عن الرد.
“جثمانُ أمير الكوكبة أُعيدَ إلى العاصمة باحتفالٍ مهيب. أمّا إخوتي، فمُزّقوا أحياءً إلى لحمٍ مفرومٍ بسيوف جلّادي إكستيدت! وبعد أن انتهى كلّ شيء، لم أستطع دفنهم إلا بأن أغرفَ بيداي ذاك الركام السميك من اللحم الممزوج بالتراب والدماء! من ذا الذي تذكّرهم؟!”
ارتجف قلب تاليس، وانعكست في ذهنه صورة ليسيا آروند وكونستانس جيدستار — هيئة الكاهنة الكبرى الوحيدة والجرّة الحجرية الصغيرة.
“عربة أختي وزوجتي اختفت في البراري حين عمّها الجنون بسبب الحرب. ولم يصلني عنهما أي خبرٍ طوال اثنتي عشرة سنة! رأيتُهما في كوابيس لا تُحصى… الله وحده يعلم ما الذي قاستاه!”
نهض الملك ببطء، ونظر إلى ڤال من الأعلى.
“وما زلتَ تجرؤ على القول إنّ لي ابنةً وحيدة وريثة؟ أتدري لماذا أرسلتُ ابنتي ذات الأعوام السبعة إلى برج الإبادة؟ لتتدرّب على الوراثة؟ هراء! أرسلتها إلى برج الإبادة لأنني كنتُ أخشى أنّه في غيابي، سيتسلّق الجياع، بعيونٍ حمراء من الجوع، أطلال القلعة الباردة ويلتهمون ميراندا حيّة!”
Arisu-san
أطبق كيسل جفنيه بقوة، واسترجع الحاضرون تلك الأيام حتى خفَض كثيرون رؤوسهم.
….
اكمل ڤال مرتجفًا، “بعد أن خضنا جحيم حرب الصحراء قبل خمس سنوات، كيسل جيدستار، كيف تجرؤ على التذمّر من ضعف قوّاتنا العسكرية؟! كيف تجرؤ على القول إننا لا نملك من الفرسان ما يكفي لتشكيل خمس فرقٍ طلائعية؟!”
وفي اللحظة التالية، دون اكتراثٍ بالآداب، صرخ، “أسرتُكم، الأسرة الملكية لجيدستار، هي أعظم مصدرٍ للمآسي في هذا المملكة! أنتم من جلب الجحيم — الكارثة التي وقعت قبل اثنتي عشرة سنة! وحتى الآن، نحن ما زلنا نكفّر عن خطاياكم!”
“أتظنّ أنّك أنت من أبغضه؟ أتظنّ أنني أبغضك لأنك لم تتزوّج أختي؟ لأنك خذلتها وجعلتها كاهنةً تقضي حياتها دون زواج؟”
“كفى!” كان كيسل مضطربًا، وزجر آروند بغضبٍ عارم، “ڤال! ما زلتَ الأحمق ذاته، الغبي، المتطرّف، العنيد كما كنتَ دومًا!”
“لا! ما أبغضه هو أسرة جيدستار! أسرتك الملعونة!”
بلغت مشاعر ڤال ذروتها، فصرخ بحزن وأسى.
“أنتم جميعًا مسؤولون عن تلك الكوارث! أبوك الواهم الأحمق، وعمّك الذي يظنّ الوقاحة ظرفًا، وأخوك الأكبر المتشائم، وأولئك الإخوة المتغطرسون عديمو الفائدة، وأنت، الملك الأعلى، المولود بدم أولئك الطغاة من الإمبراطورية!”
“هي أسرة جيدستار، تلك التي التصقت دائمًا بالنكبات التي جرّت السنة الدموية على الكوكبة، هي التي جلبت ذلك الجحيم!”
خلفهم، سعل البارون لاسال وتحدث على نحوٍ متردّد. “بخصوص ذلك، أظنّ أن—”
(نكبات؟ التصقوا بالنكبات؟)
“كفى!” رفع ڤال رأسه بغتة، واشتعل الغضب في عينيه. “لا يُسمح لك بذكر ليسيا وكونستانس. أنت لا تستحقّ ذلك.”
ارتاع تاليس ونظر غريزيًا إلى غيلبرت الواقف بجانبه، غير أنّ الأخير ضمّ شفتيه ولم ينطق بكلمة.
خَفَتَت ملامح الملك. “كنت أعلم أنك تبغضني، لكني ظننت أنّ سببك ليسيا فقط، وأنك — كسيدٍ تابع — ما زلتَ مخلصًا لي وللكوكبة. ظننتُ أنّ الإيمان في قلبك لا يزال نبيلًا لا يتزعزع.”
“أتظنّ نفسك ملكًا تراجيديًا؟ آخر مَن تبقّى من الأسرة الملكية لجيدستار؟ لا!” صرخ ڤال بجنون: “كلّ ما اهتممتَ به يومًا هو نفسك، وإرادتك، وعالمك! أتعلم لِمَ انتهيتم إلى ما أنتم عليه اليوم؟ أنتم وحدكم من جلب المصائب لأنفسكم في السنة الدموية!”
لكنّ الملك فتح عينيه فجأةً وقطع كلامه بصيحةٍ مدوّية.
“أنت تمامًا كأبيك الملعون. كلاكما كنتما تعرفان أين ستقودكما خياراتكما، ومع ذلك لم تكترثا! لم تحاولا أبدًا فهم توابعكما، ولا الاهتمام برعاياكما، ولا بمن حولكما، أيها الملك ذو القبضة الحديدية! حين ينادونك بهذا اللقب، ألا تشعر بالسخرية؟ أنت لا تحكم بيدٍ من حديد، بل بدمٍ بارد!”
(نكبات؟ التصقوا بالنكبات؟)
بلغت مشاعر ڤال ذروتها، فصرخ بحزن وأسى.
تحدي دوق الإقليم الشمالي، الخائن لإقليمه، بمرارة. “أليس كذلك؟ أجل، أبغضك حقًّا، لكن كل ما أفعلُه هو من أجل الكوكبة!”
“لِمَ لم يُنهِ شارلتون ودرع الظلّ أمركم دفعةً واحدة؟! لولا أنكم جلبتم ذلك الوحش—”
استنشقت الدوقة ليانا ذات الخمسة عشر ربيعًا نَفَسًا عميقًا وأغمضت عينيها.
لكنّ الملك فتح عينيه فجأةً وقطع كلامه بصيحةٍ مدوّية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“كفى!” كان كيسل مضطربًا، وزجر آروند بغضبٍ عارم، “ڤال! ما زلتَ الأحمق ذاته، الغبي، المتطرّف، العنيد كما كنتَ دومًا!”
وفي اللحظة التالية، دون اكتراثٍ بالآداب، صرخ، “أسرتُكم، الأسرة الملكية لجيدستار، هي أعظم مصدرٍ للمآسي في هذا المملكة! أنتم من جلب الجحيم — الكارثة التي وقعت قبل اثنتي عشرة سنة! وحتى الآن، نحن ما زلنا نكفّر عن خطاياكم!”
حدّق كيسل في ڤال بعينين متناقضتين في أعماقهما مزيجٌ من الغضب والألم. “أنت لا تؤمن إلا بما تريد أن تؤمن به. إنك كقطعة خشبٍ غبية، غارق في جهلك المضحك.”
قبض دوق الشمال على أسنانه وألقى نظره على النبلاء والوزراء. “لذلك، فكلّ هذا لأجل الكوكبة، كي لا تتحمّل مزيدًا من المآسي، ولعظمتها القادمة، كي يسود السلام الأبدي بينها وبين التنين.”
حدّق ڤال في الملك وهو يلهث، مذهولًا وعاجزًا عن الرد.
….
جلس الملك بخيبةٍ وتعبٍ عميق وأمر. “الحرس، خذوا الدوق آروند إلى الزنزانات.”
تكلّم ڤال بغيظٍ متفجّر، “بعد أن انتهت تلك الكارثة، لم يتذكّر الناس سوى أنّ الأسرة الملكية لجيدستار أُبيدت تقريبًا، وأنّ أسرة تابارك لم يتبقّ منها سوى فتاةٍ يتيمة! من ذا الذي تذكّر تضحيات الإقليم الشمالي ومآثره؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
مشى ڤال آروند مبتعدًا عن صفّ التوابع، ونظره ثابتٌ صلب.
“سيف الضوء المعكوس، الأمير هوراس، اخترق حصار إكستيدت الضيّق بشجاعةٍ لا تلين، وقاتل حتى الموت دون أن يتراجع، أُصيب إحدى عشرة مرة وضحّى بحياته بشرف… يا لها من بطولةٍ مجيدة! ولكن، من ذا الذي تذكّر أنّ إخوتي، أبناء آروند، ظلّوا إلى جواره يحمونه حتى قضَوا نحبهم؟ روهان، كول، ونولانور.”
