ما وراء الابتسامة؟
الفصل 49: ما وراء الابتسامة؟
“أسطورتك انتهت. انظر إليه يتخبط في دوري الجِمال.”
وهكذا وُلد مشهد في غروب الحزن، بين أخوين مبتسمين ودمويين يحتضن أحدهما الآخر، يحمي أحدهما الآخر، ويضحّي أحدهما من أجل الآخر. فقط للهروب من قسوة هذا العالم البغيض.
وقف جوزيف ونفض الغبار عن ثيابه. ثم مد يده إلى جين وساعده على النهوض.
ظهر بجانب جين قبل أن يتمكن نصل آخر من قطعه.
لوّح جين وجوزيف مودّعَين جيهون وهما يفترقان.
“نتمنى لك حظاً موفقاً في حياة العزوبية.”
مهما طلب مني القدر، سأضحّي بكل شيء من أجلك.
“وداعاً يا جين. وداعاً يا جوزيف.”
“مصاصات مرة أخرى؟ لماذا تحبها إلى هذا الحد؟”
مشيا نحو الملعب، يحمل كل منهما حقيبة الآخر. وما إن بدآ يبتعدان حتى وضع جوزيف ذراعه حول كتف جين. ساروا معاً خارج فناء المدرسة.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!”
صديقي.
كانت الشمس تغرب خلف المدرسة، ترسم السماء بلون برتقالي. وفاحت في الهواء رائحة العشب والطباشير خفيفة. لامستهما نسمة رقيقة وهما يمران بجانب الملعب.
تثاءب جين.
“يا جوزيف، انتظر. لنشترِ بعض المصاصات.”
“يا جوزيف، انتظر. لنشترِ بعض المصاصات.”
“مصاصات مرة أخرى؟ لماذا تحبها إلى هذا الحد؟”
فقط لأتمكن من إنقاذك.
“لا أعرف. فقط أشعر أنها تمنحني إحساساً هادئاً وحلاوة رائقة.”
كان الألم لا يُطاق. حتى مشاهدته وحدها كانت كفيلة بأن تجعل عيني رجل قوي تنزفان حتى يفقد عقله، أو أن تقتل رجلاً أضعف على الفور.
“حسناً، لنشترِها يا صاح.”
حتى كل ما عاناه من قبل، بعد قدومه إلى هذا العالم الجديد وتحوّله إلى لين، حتى حين دُمّر جسده بلعنة الماهول أو حين عذّبته أورالينا نفسها، لم يكن شيئاً أمام هذا.
عبرا الطريق واشتريا مصاصتين مستديرتين من متجر صغير، واحدة بنكهة القهوة والأخرى بنكهة الكولا.
أما الطريق الآخر فكان مزدحماً بالسيارات وأبواق النفير ورائحة الدخان.
مشيا نحو الملعب، يحمل كل منهما حقيبة الآخر. وما إن بدآ يبتعدان حتى وضع جوزيف ذراعه حول كتف جين. ساروا معاً خارج فناء المدرسة.
فتح جين غلاف نكهة القهوة ببطء، وعيناه تعكسان ضوء الغروب الذهبي.
مشى جوزيف بجانبه، يهزّ حقيبته بكسل، وابتسامة لا تفارق وجهه.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!!!!!!!”
وضع جين المصاصة في فمه ومد يده بمصاصة الكولا إلى جوزيف.
“متى سنشاهد نهائي كأس العالم؟” سأل جوزيف.
“أظن أنه غداً عند منتصف الليل.”
عائلتي.
“أخيراً، سينتهي الجدل حول الأعظم، وسنعرف من الأفضل، ميسي أم رونالدو.”
وبينما كان ينظر إلى جين، بدأت ضبابية سوداء داكنة تحيط بوجه جين، تفصله عن الزمن والوجود.
“لا تقلق يا جوزيف، الأرجنتين ستهزم فريقك. صدّق كلامي، برغوثي سيسجّل هدفين ويصنع تمريرة حاسمة.”
“لا، سيّد دوري الأبطال سيحسمها، سيسجّل هاتريك ويصل إلى هدفه الألف ليثبت أنه الأفضل.”
“أسطورتك انتهت. انظر إليه يتخبط في دوري الجِمال.”
“حسناً حسناً، لنهدأ،” أجاب جوزيف.
“أفضل من هراء الـ إم إل إس عندكم. حتى أطفال حيّنا يلعبون أفضل من دوري البرغر ذاك.”
“غيّر الموضوع، رأسي بدأ يدور،” تمتم جين.
فتح جين غلاف نكهة القهوة ببطء، وعيناه تعكسان ضوء الغروب الذهبي.
“إذاً، الامتحانات النهائية بعد أسبوعين،” قال جوزيف مبتسماً. “وبعدها سنحظى أخيراً بعطلتنا الصيفية.”
“حسناً حسناً، لنهدأ،” أجاب جوزيف.
“إذاً، الامتحانات النهائية بعد أسبوعين،” قال جوزيف مبتسماً. “وبعدها سنحظى أخيراً بعطلتنا الصيفية.”
ضرب الألم كمطرقة تحطم العظم. تكسّرت أضلاعه بأصوات جافة. تشنّجت رئتاه وكأن قبضة حديدية تطبق عليهما. خدش كل شهيق حلقه. تذوّق الدم والرماد. اختلط اللعاب بالدم عند زاوية فمه.
“نعم،” ابتسم جين ابتسامة خافتة. “من الجميل نوعاً ما أن هذا الفصل الدراسي مرّ بهذه السرعة.”
رفع جوزيف يده. تجمّد كل شيء. تحطم العالم كالزجاج، وظهر داخل الضباب، والضوء يحترق في يديه. تحرّك بسرعة، منتشلاً جين من الخطر.
واصلا السير حتى وصلا إلى مفترق طرق. طريق يمرّ عبر صف من الأشجار التي تتمايل برفق مع النسيم، وضوء الشمس يتسلل بلطف بين الأوراق. كانت الأرض مفروشة ببتلات متساقطة، وحمل الهواء رائحة التراب الهادئة عند نهاية النهار. زقزقت الطيور خفيفةً في الأعلى، وبدا كل شيء هادئاً، بعيداً عن ضجيج المدينة.
عبرا الطريق واشتريا مصاصتين مستديرتين من متجر صغير، واحدة بنكهة القهوة والأخرى بنكهة الكولا.
أما الطريق الآخر فكان مزدحماً بالسيارات وأبواق النفير ورائحة الدخان.
وضع جين المصاصة في فمه ومد يده بمصاصة الكولا إلى جوزيف.
من دون أن ينبسا بكلمة، اتجها نحو الطريق الهادئ تحت الأشجار.
تثاءب جين.
كان جين وجوزيف يفضّلان دائماً السكينة والهدوء.
في منتصف الطريق، وبينما كانا يتحدثان، توقف جين فجأة. تجمّدت خطواته من دون سبب.
ضربة تلو الأخرى قطّعته في أماكن جديدة. مرة، شقّ نصل حنجرته، فأصدر صوتاً لم يكن كلمة. صار صوته رقيقاً وخشناً. تصلّب فكّه. طحن أسنانه حتى تكسّرت واحدة منها. سال الدم الدافئ على ذقنه.
“لا أشعر أني بخير يا جوزيف،” قال بصوت خافت. “أشعر بشيء أشبه بالديجا فو.”
تجهّم وجه جوزيف على الفور. “ما الخطب؟”
تجهّم وجه جوزيف على الفور. “ما الخطب؟”
وبينما كان ينظر إلى جين، بدأت ضبابية سوداء داكنة تحيط بوجه جين، تفصله عن الزمن والوجود.
شق.
اجتاحت موجة من الألم الذي لا يُطاق جسده.
انفجرت عيناه بضوء أعماه تماماً. امتلأ فمه بالدم بينما تباطأت نبضات قلبه، ثم تسارعت فجأة بعنف، تدق كأنها ستنفجر في أي لحظة.
كان جين وجوزيف يفضّلان دائماً السكينة والهدوء.
كان الأمر أشبه بأنه انتُزع من المكان والزمان، مُحيَ من الوجود وأبعاده.
وسببي للمضي قدماً.
في تلك اللحظة، شعر وكأن مليار سنة تمر كثانية واحدة. توقف العمر والزمن عن النمو.
حتى صرخاته التي دوّت لم تستطع الانطلاق. لم تُسمع إلا داخل عقله. حتى الصراخ كان ترفاً لم يُمنح له. تردد الصوت داخل جسده، مزّق أحشاءه وأجبر الدم على التدفق من الداخل.
“آآآآآآآآآآآآآآه!”
لوّح جين وجوزيف مودّعَين جيهون وهما يفترقان.
تسارع تنفس جين. تحرك صدره بسرعة وخشونة. انتشر الألم في جسده كنار تحت جلده. شعرت عظامه كأنها تتكسر واحدة تلو الأخرى. تشنجت عضلاته وتصلبت. ثم خرج منه صوت الرعب.
اجتاحت موجة من الألم الذي لا يُطاق جسده.
ظهر أمامه سيف برق أبيض ضخم واخترق جسده. رفعه الاصطدام عن الأرض. انفجر الدم من فمه.
ظهر سيف ثالث واخترق كتفه. تمزّقت الأوتار. ثم خدر ذراعه، ولم يعد يشعر بأصابعه. أصابت ضربة أخرى فخذه، حيث احتك نصل البرق بالعظم. سمع صوت الطحن داخله، مما جعله يصرخ من جديد.
تبعه سيف ثانٍ، قطع ظهره، ثم ساقيه، ثم كتفه. تمزّق اللحم إرباً. امتلأ الهواء بصوت واحد فقط: نصال البرق تخترق اللحم.
حتى كل ما عاناه من قبل، بعد قدومه إلى هذا العالم الجديد وتحوّله إلى لين، حتى حين دُمّر جسده بلعنة الماهول أو حين عذّبته أورالينا نفسها، لم يكن شيئاً أمام هذا.
كان الألم لا يُطاق. حتى مشاهدته وحدها كانت كفيلة بأن تجعل عيني رجل قوي تنزفان حتى يفقد عقله، أو أن تقتل رجلاً أضعف على الفور.
كان جين وجوزيف يفضّلان دائماً السكينة والهدوء.
كان الألم لا يُطاق. حتى مشاهدته وحدها كانت كفيلة بأن تجعل عيني رجل قوي تنزفان حتى يفقد عقله، أو أن تقتل رجلاً أضعف على الفور.
حاول أن يسحب النفس إلى صدره، لكن رئتيه احترقتا. تعثّرت نبضات قلبه، ثم تسارعت، ثم توقفت لضربة واحدة. لثانية رقيقة، لم يشعر بشيء، سواد فارغ حيث كان ينبغي أن يكون هناك إحساس، ثم عاد الألم أشد حدة من قبل، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة بالذات.
في داخل جين، نُقل جسده إلى مكان مظلم مليء بالضباب قبل أن يتمكن حتى من الإدراك.
انطلقت الصرخة من جين. اصطدمت ركبتاه بالأرض. خدشت يداه الرماد. امتلأ فمه بدم دافئ. جاء نفَسه متقطعاً وضحلاً. ارتدّت عيناه إلى الخلف حتى لم يعد يظهر منهما سوى البياض.
لم يعرف لماذا كان يحتضنه. لم يحاول أن يفهم لماذا اشتاق كثيراً لاحتضانه.
لن يدع جين يعرف الحقيقة، حقيقة لم يكن جين مستعداً لمواجهتها. فلو انطلقت، لجلبت الفوضى إلى العالم.
ضرب الألم كمطرقة تحطم العظم. تكسّرت أضلاعه بأصوات جافة. تشنّجت رئتاه وكأن قبضة حديدية تطبق عليهما. خدش كل شهيق حلقه. تذوّق الدم والرماد. اختلط اللعاب بالدم عند زاوية فمه.
اخترق سيف برق أزرق قصّه الصدري بضربة عنيفة هزّت عموده الفقري بأكمله. للحظة، ارتخى جسده تماماً، ثم اهتز متشنجاً بينما تقلصت عضلاته من دون إرادته. سحب النصل نفسه ثم عاد ليغرز في بطنه. انشق اللحم بصوت تمزق رطب. تناثر الدم في الهواء.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!!!!!!!”
ثم، من العدم، ظهر نصل أزرق مرة أخرى. اخترق مركز صدره واستمر حتى خرج من ظهره. دفع الضغط أضلاعه إلى الخارج. تدلّت كتفاه. تمزّقت قطعة من داخله وانزلقت بعيداً. شعر بذكريات تتمزق كأوراق، أسماء ولحظات تُنتزع وتُمحى. حاول أن يصرخ بالأسماء، لكن لم يخرج صوت، سوى صراخ حيواني مكسور.
“متى سنشاهد نهائي كأس العالم؟” سأل جوزيف.
ظهر سيف ثالث واخترق كتفه. تمزّقت الأوتار. ثم خدر ذراعه، ولم يعد يشعر بأصابعه. أصابت ضربة أخرى فخذه، حيث احتك نصل البرق بالعظم. سمع صوت الطحن داخله، مما جعله يصرخ من جديد.
رفع جوزيف يده. تجمّد كل شيء. تحطم العالم كالزجاج، وظهر داخل الضباب، والضوء يحترق في يديه. تحرّك بسرعة، منتشلاً جين من الخطر.
حتى كل ما عاناه من قبل، بعد قدومه إلى هذا العالم الجديد وتحوّله إلى لين، حتى حين دُمّر جسده بلعنة الماهول أو حين عذّبته أورالينا نفسها، لم يكن شيئاً أمام هذا.
استمرت النصال البيضاء تظهر وتختفي. طعنت ظهره، كليتيه، أحشاءه. مزّقت كل ضربة شيئاً لا يمكن إصلاحه. تهرأت العضلات. تمزّقت الأعضاء. تجمّع الدم تحته برطوبة مقيتة ومنتشرة. أفرغت معدته محتواها في فمه. اختنق بالمرارة.
“لماذا فعلت ذلك… ج… واي؟”
حاول أن يسحب النفس إلى صدره، لكن رئتيه احترقتا. تعثّرت نبضات قلبه، ثم تسارعت، ثم توقفت لضربة واحدة. لثانية رقيقة، لم يشعر بشيء، سواد فارغ حيث كان ينبغي أن يكون هناك إحساس، ثم عاد الألم أشد حدة من قبل، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة بالذات.
لم يستطع إغلاق عينيه. أحرقت الرمشة عينيه. انفجر الضوء خلفهما، فأعماه. نبضت بقع بيضاء وحمراء عند أطراف بصره. رنّت أذناه، ولم يسمع سوى أنفاسه القاسية وأصوات جسده المختنقة الرطبة وهو ينهار.
“غيّر الموضوع، رأسي بدأ يدور،” تمتم جين.
ثم، من العدم، ظهر نصل أزرق مرة أخرى. اخترق مركز صدره واستمر حتى خرج من ظهره. دفع الضغط أضلاعه إلى الخارج. تدلّت كتفاه. تمزّقت قطعة من داخله وانزلقت بعيداً. شعر بذكريات تتمزق كأوراق، أسماء ولحظات تُنتزع وتُمحى. حاول أن يصرخ بالأسماء، لكن لم يخرج صوت، سوى صراخ حيواني مكسور.
أما الطريق الآخر فكان مزدحماً بالسيارات وأبواق النفير ورائحة الدخان.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!”
مهما طلب مني القدر، سأضحّي بكل شيء من أجلك.
“لماذا فعلت ذلك… ج… واي؟”
في لحظة ما، انشق جسده، تمزّق صدره وبطنه. شعر بنصفَي جسده ينزلقان عن بعضهما ثم يُجبَران على العودة معاً، كأنهما قماش ممزق يُخاط وهو لا يزال ينزف. سقط، ثم نهض من جديد، مدفوعاً بإرادة خام عنيدة. إرادة قاومت الموت. وكأن روحه لم تكن ملكه أصلاً منذ البداية.
ضربة تلو الأخرى قطّعته في أماكن جديدة. مرة، شقّ نصل حنجرته، فأصدر صوتاً لم يكن كلمة. صار صوته رقيقاً وخشناً. تصلّب فكّه. طحن أسنانه حتى تكسّرت واحدة منها. سال الدم الدافئ على ذقنه.
ومع ذلك، ظل يتحملها كلها.
في لحظة ما، انشق جسده، تمزّق صدره وبطنه. شعر بنصفَي جسده ينزلقان عن بعضهما ثم يُجبَران على العودة معاً، كأنهما قماش ممزق يُخاط وهو لا يزال ينزف. سقط، ثم نهض من جديد، مدفوعاً بإرادة خام عنيدة. إرادة قاومت الموت. وكأن روحه لم تكن ملكه أصلاً منذ البداية.
مهما طلب مني القدر، سأضحّي بكل شيء من أجلك.
انطلقت الصرخة من جين. اصطدمت ركبتاه بالأرض. خدشت يداه الرماد. امتلأ فمه بدم دافئ. جاء نفَسه متقطعاً وضحلاً. ارتدّت عيناه إلى الخلف حتى لم يعد يظهر منهما سوى البياض.
شق.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
ضربة تلو الأخرى قطّعته في أماكن جديدة. مرة، شقّ نصل حنجرته، فأصدر صوتاً لم يكن كلمة. صار صوته رقيقاً وخشناً. تصلّب فكّه. طحن أسنانه حتى تكسّرت واحدة منها. سال الدم الدافئ على ذقنه.
شق.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً آخر، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
شق.
الفصل 49: ما وراء الابتسامة؟
اجتاحت موجة من الألم الذي لا يُطاق جسده.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
“لا، سيّد دوري الأبطال سيحسمها، سيسجّل هاتريك ويصل إلى هدفه الألف ليثبت أنه الأفضل.”
كل ضربة كانت أسوأ من الموت. ألف موتة كانت لتكون رحمة. مليون موتة كانت لتكون سلاماً. لكن هذا لم يكن له نهاية. كل ضربة حملت شعور الموت مليون مرة في ثانية واحدة. وكأنه يُقتل ويُبعث من جديد مراراً وتكراراً.
وسببي للمضي قدماً.
وقف جوزيف فوقه. كانت مفاصل يديه متشققة ودامية. تشابكت أسنانه بقوة حتى آلم فكّه بينما سالت دموعه.
“سيدفعون ثمن ذلك. أنت وأنا سنجعلهم يدفعون الثمن كاملاً. كل واحد منهم سيدفع. كل واحد منهم سيعاني.”
“لقد ختمت ذاكرته مؤقتاً. إن عادت إلى السطح، سيضطر لمواجهتها.”
أما الطريق الآخر فكان مزدحماً بالسيارات وأبواق النفير ورائحة الدخان.
مدّ يده إلى الضباب الأسود. تدفق ضوء أبيض من راحته وأحرق جلده. صعد الألم في ذراعه. لم يتراجع. دفع يده إلى داخل رأس جين. ارتطم به شيء من الداخل، فترنّح كأنه أُصيب بنيزك. تذوّق خدشاً واحداً من السيف جعله يتقيأ دماً.
صديقي.
أخذ نفَساً، وتوهجت يداه بضوء أبيض. امتدت يده إلى رأس جين وهي تدخل الضباب الأسود، ومرّت صدمة هائلة عبر جسده.
ظهر بجانب جين قبل أن يتمكن نصل آخر من قطعه.
“لا أعرف. فقط أشعر أنها تمنحني إحساساً هادئاً وحلاوة رائقة.”
“اهرب يا جوزيف!” حذّره جين، لكن جوزيف أوقف كل شيء في ذلك العالم.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً. اندفع تيار هائل من الدم من فمه وهو يحدّق في السماء.
رفع جوزيف يده. تجمّد كل شيء. تحطم العالم كالزجاج، وظهر داخل الضباب، والضوء يحترق في يديه. تحرّك بسرعة، منتشلاً جين من الخطر.
حين عادت عينا جوزيف إلى طبيعتهما، كان جين على وشك السقوط. أسنده جوزيف وأجلسه مستنداً إلى شجرة.
انطلقت الصرخة من جين. اصطدمت ركبتاه بالأرض. خدشت يداه الرماد. امتلأ فمه بدم دافئ. جاء نفَسه متقطعاً وضحلاً. ارتدّت عيناه إلى الخلف حتى لم يعد يظهر منهما سوى البياض.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً. اندفع تيار هائل من الدم من فمه وهو يحدّق في السماء.
تسارع تنفس جين. تحرك صدره بسرعة وخشونة. انتشر الألم في جسده كنار تحت جلده. شعرت عظامه كأنها تتكسر واحدة تلو الأخرى. تشنجت عضلاته وتصلبت. ثم خرج منه صوت الرعب.
من دون أن ينبسا بكلمة، اتجها نحو الطريق الهادئ تحت الأشجار.
“لا أظن أني أستطيع تحمّل هذا. جسدي بدأ يتلاشى. ربما بقي لي ثلاثة أشهر، ربما خمسة.”
مدّ يده إلى الضباب الأسود. تدفق ضوء أبيض من راحته وأحرق جلده. صعد الألم في ذراعه. لم يتراجع. دفع يده إلى داخل رأس جين. ارتطم به شيء من الداخل، فترنّح كأنه أُصيب بنيزك. تذوّق خدشاً واحداً من السيف جعله يتقيأ دماً.
“لقد ختمت ذاكرته مؤقتاً. إن عادت إلى السطح، سيضطر لمواجهتها.”
“مصاصات مرة أخرى؟ لماذا تحبها إلى هذا الحد؟”
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً آخر، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة.
بمستقبلي. بأحلامي. بحياتي. حتى بنفسي.
“متى سنشاهد نهائي كأس العالم؟” سأل جوزيف.
كان عبئاً لم يعرف جين عنه شيئاً. كانت الابتسامة والمزاح مجرد قناع استخدمه جوزيف ليشعر جين بالأمان والسعادة. حمل جوزيف هذا العبء طويلاً.
ومع تزايد ظهور اللعنة وتنامي قوتها، ختم جوزيف الذاكرة وأخذ ربع الألم الذي كان سيتلقاه جين، محتملاً الباقي بنفسه.
كل ما أراده هو أن يقضي وقتاً مع أخيه بسلام، مهما طال أو قصر. لكن القدر بدا قاسياً.
لن يدع جين يعرف الحقيقة، حقيقة لم يكن جين مستعداً لمواجهتها. فلو انطلقت، لجلبت الفوضى إلى العالم.
“نعم،” ابتسم جين ابتسامة خافتة. “من الجميل نوعاً ما أن هذا الفصل الدراسي مرّ بهذه السرعة.”
سأضحّي بكل شيء.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
في منتصف الطريق، وبينما كانا يتحدثان، توقف جين فجأة. تجمّدت خطواته من دون سبب.
بمستقبلي. بأحلامي. بحياتي. حتى بنفسي.
طالما أنت حي، لن أندم أبداً على اختياري.
لأنك كل شيء لي.
في منتصف الطريق، وبينما كانا يتحدثان، توقف جين فجأة. تجمّدت خطواته من دون سبب.
صديقي.
“أظن أنه غداً عند منتصف الليل.”
“مصاصات مرة أخرى؟ لماذا تحبها إلى هذا الحد؟”
بيتي.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
تبعه سيف ثانٍ، قطع ظهره، ثم ساقيه، ثم كتفه. تمزّق اللحم إرباً. امتلأ الهواء بصوت واحد فقط: نصال البرق تخترق اللحم.
عائلتي.
وسببي للمضي قدماً.
اجتاحت موجة من الألم الذي لا يُطاق جسده.
ضربة تلو الأخرى قطّعته في أماكن جديدة. مرة، شقّ نصل حنجرته، فأصدر صوتاً لم يكن كلمة. صار صوته رقيقاً وخشناً. تصلّب فكّه. طحن أسنانه حتى تكسّرت واحدة منها. سال الدم الدافئ على ذقنه.
مهما طلب مني القدر، سأضحّي بكل شيء من أجلك.
مهما سقطت مرات، سأواصل النهوض.
“وداعاً يا جين. وداعاً يا جوزيف.”
فقط لأتمكن من إنقاذك.
“لا أظن أني أستطيع تحمّل هذا. جسدي بدأ يتلاشى. ربما بقي لي ثلاثة أشهر، ربما خمسة.”
لأنك لست مجرد أخي.
لينقذ أخاه.
أنت الشخص الوحيد الذي لن أتخلى عنه أبداً، حتى لو أصبح الجميع أعداءك.
لوّح جين وجوزيف مودّعَين جيهون وهما يفترقان.
أغمض جوزيف عينيه وهو يحتضن أخاه.
لأنك كل شيء لي.
“سيدفعون ثمن ذلك. أنت وأنا سنجعلهم يدفعون الثمن كاملاً. كل واحد منهم سيدفع. كل واحد منهم سيعاني.”
لم يعرف لماذا كان يحتضنه. لم يحاول أن يفهم لماذا اشتاق كثيراً لاحتضانه.
شق.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!”
لاحتضانه كله.
“آآآآآآآآآآآآآآه!”
لكنه كان يحتضنه.
يبكي، ينتحب، يذرف الدموع، يرويه بدموعه الدامية.
تجهّم وجه جوزيف على الفور. “ما الخطب؟”
وهو يقسم بنشوة أن يحميه.
كانت الشمس تغرب خلف المدرسة، ترسم السماء بلون برتقالي. وفاحت في الهواء رائحة العشب والطباشير خفيفة. لامستهما نسمة رقيقة وهما يمران بجانب الملعب.
أن يحميه إلى أبد الآبدين.
أن يضحّي بكل شيء فقط لإنقاذه.
وهو لا يعرف إن كان سيُمنح فرصة أخرى لاحتضانه من جديد.
“لا أعرف. فقط أشعر أنها تمنحني إحساساً هادئاً وحلاوة رائقة.”
وهكذا وُلد مشهد في غروب الحزن، بين أخوين مبتسمين ودمويين يحتضن أحدهما الآخر، يحمي أحدهما الآخر، ويضحّي أحدهما من أجل الآخر. فقط للهروب من قسوة هذا العالم البغيض.
وتحت ذلك الغروب الهادئ، لم يعرف الحقيقة التي حملها جوزيف على كتفيه سوى الصمت وحده.
حقيقة ثقيلة بما يكفي لتكسر أكتاف عوالم بأكملها.
ومع ذلك، ظل يتحملها كلها.
صديقي.
فقط لينقذه.
“نتمنى لك حظاً موفقاً في حياة العزوبية.”
لينقذ أخاه.
“يا جوزيف، انتظر. لنشترِ بعض المصاصات.”
فقط لأتمكن من إنقاذك.
