ما وراء الابتسامة؟
الفصل 49: ما وراء الابتسامة؟
لم يستطع إغلاق عينيه. أحرقت الرمشة عينيه. انفجر الضوء خلفهما، فأعماه. نبضت بقع بيضاء وحمراء عند أطراف بصره. رنّت أذناه، ولم يسمع سوى أنفاسه القاسية وأصوات جسده المختنقة الرطبة وهو ينهار.
وقف جوزيف ونفض الغبار عن ثيابه. ثم مد يده إلى جين وساعده على النهوض.
حتى صرخاته التي دوّت لم تستطع الانطلاق. لم تُسمع إلا داخل عقله. حتى الصراخ كان ترفاً لم يُمنح له. تردد الصوت داخل جسده، مزّق أحشاءه وأجبر الدم على التدفق من الداخل.
كان عبئاً لم يعرف جين عنه شيئاً. كانت الابتسامة والمزاح مجرد قناع استخدمه جوزيف ليشعر جين بالأمان والسعادة. حمل جوزيف هذا العبء طويلاً.
لوّح جين وجوزيف مودّعَين جيهون وهما يفترقان.
لينقذ أخاه.
“نتمنى لك حظاً موفقاً في حياة العزوبية.”
أغمض جوزيف عينيه وهو يحتضن أخاه.
“وداعاً يا جين. وداعاً يا جوزيف.”
مشيا نحو الملعب، يحمل كل منهما حقيبة الآخر. وما إن بدآ يبتعدان حتى وضع جوزيف ذراعه حول كتف جين. ساروا معاً خارج فناء المدرسة.
كانت الشمس تغرب خلف المدرسة، ترسم السماء بلون برتقالي. وفاحت في الهواء رائحة العشب والطباشير خفيفة. لامستهما نسمة رقيقة وهما يمران بجانب الملعب.
تثاءب جين.
وتحت ذلك الغروب الهادئ، لم يعرف الحقيقة التي حملها جوزيف على كتفيه سوى الصمت وحده.
“يا جوزيف، انتظر. لنشترِ بعض المصاصات.”
“مصاصات مرة أخرى؟ لماذا تحبها إلى هذا الحد؟”
“لا أعرف. فقط أشعر أنها تمنحني إحساساً هادئاً وحلاوة رائقة.”
وسببي للمضي قدماً.
“لا تقلق يا جوزيف، الأرجنتين ستهزم فريقك. صدّق كلامي، برغوثي سيسجّل هدفين ويصنع تمريرة حاسمة.”
“حسناً، لنشترِها يا صاح.”
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً. اندفع تيار هائل من الدم من فمه وهو يحدّق في السماء.
عبرا الطريق واشتريا مصاصتين مستديرتين من متجر صغير، واحدة بنكهة القهوة والأخرى بنكهة الكولا.
تثاءب جين.
فتح جين غلاف نكهة القهوة ببطء، وعيناه تعكسان ضوء الغروب الذهبي.
مشى جوزيف بجانبه، يهزّ حقيبته بكسل، وابتسامة لا تفارق وجهه.
حاول أن يسحب النفس إلى صدره، لكن رئتيه احترقتا. تعثّرت نبضات قلبه، ثم تسارعت، ثم توقفت لضربة واحدة. لثانية رقيقة، لم يشعر بشيء، سواد فارغ حيث كان ينبغي أن يكون هناك إحساس، ثم عاد الألم أشد حدة من قبل، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة بالذات.
وضع جين المصاصة في فمه ومد يده بمصاصة الكولا إلى جوزيف.
“متى سنشاهد نهائي كأس العالم؟” سأل جوزيف.
فقط لأتمكن من إنقاذك.
انطلقت الصرخة من جين. اصطدمت ركبتاه بالأرض. خدشت يداه الرماد. امتلأ فمه بدم دافئ. جاء نفَسه متقطعاً وضحلاً. ارتدّت عيناه إلى الخلف حتى لم يعد يظهر منهما سوى البياض.
“أظن أنه غداً عند منتصف الليل.”
ثم، من العدم، ظهر نصل أزرق مرة أخرى. اخترق مركز صدره واستمر حتى خرج من ظهره. دفع الضغط أضلاعه إلى الخارج. تدلّت كتفاه. تمزّقت قطعة من داخله وانزلقت بعيداً. شعر بذكريات تتمزق كأوراق، أسماء ولحظات تُنتزع وتُمحى. حاول أن يصرخ بالأسماء، لكن لم يخرج صوت، سوى صراخ حيواني مكسور.
“أخيراً، سينتهي الجدل حول الأعظم، وسنعرف من الأفضل، ميسي أم رونالدو.”
تجهّم وجه جوزيف على الفور. “ما الخطب؟”
“لا تقلق يا جوزيف، الأرجنتين ستهزم فريقك. صدّق كلامي، برغوثي سيسجّل هدفين ويصنع تمريرة حاسمة.”
“لا تقلق يا جوزيف، الأرجنتين ستهزم فريقك. صدّق كلامي، برغوثي سيسجّل هدفين ويصنع تمريرة حاسمة.”
“لا، سيّد دوري الأبطال سيحسمها، سيسجّل هاتريك ويصل إلى هدفه الألف ليثبت أنه الأفضل.”
“أسطورتك انتهت. انظر إليه يتخبط في دوري الجِمال.”
“لا أظن أني أستطيع تحمّل هذا. جسدي بدأ يتلاشى. ربما بقي لي ثلاثة أشهر، ربما خمسة.”
ضربة تلو الأخرى قطّعته في أماكن جديدة. مرة، شقّ نصل حنجرته، فأصدر صوتاً لم يكن كلمة. صار صوته رقيقاً وخشناً. تصلّب فكّه. طحن أسنانه حتى تكسّرت واحدة منها. سال الدم الدافئ على ذقنه.
“أفضل من هراء الـ إم إل إس عندكم. حتى أطفال حيّنا يلعبون أفضل من دوري البرغر ذاك.”
“غيّر الموضوع، رأسي بدأ يدور،” تمتم جين.
“لا تقلق يا جوزيف، الأرجنتين ستهزم فريقك. صدّق كلامي، برغوثي سيسجّل هدفين ويصنع تمريرة حاسمة.”
“حسناً حسناً، لنهدأ،” أجاب جوزيف.
فقط لأتمكن من إنقاذك.
“إذاً، الامتحانات النهائية بعد أسبوعين،” قال جوزيف مبتسماً. “وبعدها سنحظى أخيراً بعطلتنا الصيفية.”
شق.
“نعم،” ابتسم جين ابتسامة خافتة. “من الجميل نوعاً ما أن هذا الفصل الدراسي مرّ بهذه السرعة.”
واصلا السير حتى وصلا إلى مفترق طرق. طريق يمرّ عبر صف من الأشجار التي تتمايل برفق مع النسيم، وضوء الشمس يتسلل بلطف بين الأوراق. كانت الأرض مفروشة ببتلات متساقطة، وحمل الهواء رائحة التراب الهادئة عند نهاية النهار. زقزقت الطيور خفيفةً في الأعلى، وبدا كل شيء هادئاً، بعيداً عن ضجيج المدينة.
أما الطريق الآخر فكان مزدحماً بالسيارات وأبواق النفير ورائحة الدخان.
“وداعاً يا جين. وداعاً يا جوزيف.”
من دون أن ينبسا بكلمة، اتجها نحو الطريق الهادئ تحت الأشجار.
كان جين وجوزيف يفضّلان دائماً السكينة والهدوء.
“لا، سيّد دوري الأبطال سيحسمها، سيسجّل هاتريك ويصل إلى هدفه الألف ليثبت أنه الأفضل.”
“نتمنى لك حظاً موفقاً في حياة العزوبية.”
في منتصف الطريق، وبينما كانا يتحدثان، توقف جين فجأة. تجمّدت خطواته من دون سبب.
“نعم،” ابتسم جين ابتسامة خافتة. “من الجميل نوعاً ما أن هذا الفصل الدراسي مرّ بهذه السرعة.”
“لا أشعر أني بخير يا جوزيف،” قال بصوت خافت. “أشعر بشيء أشبه بالديجا فو.”
في منتصف الطريق، وبينما كانا يتحدثان، توقف جين فجأة. تجمّدت خطواته من دون سبب.
لم يعرف لماذا كان يحتضنه. لم يحاول أن يفهم لماذا اشتاق كثيراً لاحتضانه.
تجهّم وجه جوزيف على الفور. “ما الخطب؟”
“يا جوزيف، انتظر. لنشترِ بعض المصاصات.”
وبينما كان ينظر إلى جين، بدأت ضبابية سوداء داكنة تحيط بوجه جين، تفصله عن الزمن والوجود.
لاحتضانه كله.
اجتاحت موجة من الألم الذي لا يُطاق جسده.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!!!!!!!”
انفجرت عيناه بضوء أعماه تماماً. امتلأ فمه بالدم بينما تباطأت نبضات قلبه، ثم تسارعت فجأة بعنف، تدق كأنها ستنفجر في أي لحظة.
كان الأمر أشبه بأنه انتُزع من المكان والزمان، مُحيَ من الوجود وأبعاده.
كل ما أراده هو أن يقضي وقتاً مع أخيه بسلام، مهما طال أو قصر. لكن القدر بدا قاسياً.
في تلك اللحظة، شعر وكأن مليار سنة تمر كثانية واحدة. توقف العمر والزمن عن النمو.
تبعه سيف ثانٍ، قطع ظهره، ثم ساقيه، ثم كتفه. تمزّق اللحم إرباً. امتلأ الهواء بصوت واحد فقط: نصال البرق تخترق اللحم.
رفع جوزيف يده. تجمّد كل شيء. تحطم العالم كالزجاج، وظهر داخل الضباب، والضوء يحترق في يديه. تحرّك بسرعة، منتشلاً جين من الخطر.
حتى صرخاته التي دوّت لم تستطع الانطلاق. لم تُسمع إلا داخل عقله. حتى الصراخ كان ترفاً لم يُمنح له. تردد الصوت داخل جسده، مزّق أحشاءه وأجبر الدم على التدفق من الداخل.
“آآآآآآآآآآآآآآه!”
كان عبئاً لم يعرف جين عنه شيئاً. كانت الابتسامة والمزاح مجرد قناع استخدمه جوزيف ليشعر جين بالأمان والسعادة. حمل جوزيف هذا العبء طويلاً.
تسارع تنفس جين. تحرك صدره بسرعة وخشونة. انتشر الألم في جسده كنار تحت جلده. شعرت عظامه كأنها تتكسر واحدة تلو الأخرى. تشنجت عضلاته وتصلبت. ثم خرج منه صوت الرعب.
وهكذا وُلد مشهد في غروب الحزن، بين أخوين مبتسمين ودمويين يحتضن أحدهما الآخر، يحمي أحدهما الآخر، ويضحّي أحدهما من أجل الآخر. فقط للهروب من قسوة هذا العالم البغيض.
ظهر أمامه سيف برق أبيض ضخم واخترق جسده. رفعه الاصطدام عن الأرض. انفجر الدم من فمه.
وسببي للمضي قدماً.
“آآآآآآآآآآآآآآه!”
تبعه سيف ثانٍ، قطع ظهره، ثم ساقيه، ثم كتفه. تمزّق اللحم إرباً. امتلأ الهواء بصوت واحد فقط: نصال البرق تخترق اللحم.
حتى كل ما عاناه من قبل، بعد قدومه إلى هذا العالم الجديد وتحوّله إلى لين، حتى حين دُمّر جسده بلعنة الماهول أو حين عذّبته أورالينا نفسها، لم يكن شيئاً أمام هذا.
“حسناً، لنشترِها يا صاح.”
لن يدع جين يعرف الحقيقة، حقيقة لم يكن جين مستعداً لمواجهتها. فلو انطلقت، لجلبت الفوضى إلى العالم.
كان الألم لا يُطاق. حتى مشاهدته وحدها كانت كفيلة بأن تجعل عيني رجل قوي تنزفان حتى يفقد عقله، أو أن تقتل رجلاً أضعف على الفور.
في داخل جين، نُقل جسده إلى مكان مظلم مليء بالضباب قبل أن يتمكن حتى من الإدراك.
انطلقت الصرخة من جين. اصطدمت ركبتاه بالأرض. خدشت يداه الرماد. امتلأ فمه بدم دافئ. جاء نفَسه متقطعاً وضحلاً. ارتدّت عيناه إلى الخلف حتى لم يعد يظهر منهما سوى البياض.
في لحظة ما، انشق جسده، تمزّق صدره وبطنه. شعر بنصفَي جسده ينزلقان عن بعضهما ثم يُجبَران على العودة معاً، كأنهما قماش ممزق يُخاط وهو لا يزال ينزف. سقط، ثم نهض من جديد، مدفوعاً بإرادة خام عنيدة. إرادة قاومت الموت. وكأن روحه لم تكن ملكه أصلاً منذ البداية.
ضرب الألم كمطرقة تحطم العظم. تكسّرت أضلاعه بأصوات جافة. تشنّجت رئتاه وكأن قبضة حديدية تطبق عليهما. خدش كل شهيق حلقه. تذوّق الدم والرماد. اختلط اللعاب بالدم عند زاوية فمه.
“متى سنشاهد نهائي كأس العالم؟” سأل جوزيف.
لكنه كان يحتضنه.
اخترق سيف برق أزرق قصّه الصدري بضربة عنيفة هزّت عموده الفقري بأكمله. للحظة، ارتخى جسده تماماً، ثم اهتز متشنجاً بينما تقلصت عضلاته من دون إرادته. سحب النصل نفسه ثم عاد ليغرز في بطنه. انشق اللحم بصوت تمزق رطب. تناثر الدم في الهواء.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!!!!!!!”
في منتصف الطريق، وبينما كانا يتحدثان، توقف جين فجأة. تجمّدت خطواته من دون سبب.
مشى جوزيف بجانبه، يهزّ حقيبته بكسل، وابتسامة لا تفارق وجهه.
ظهر سيف ثالث واخترق كتفه. تمزّقت الأوتار. ثم خدر ذراعه، ولم يعد يشعر بأصابعه. أصابت ضربة أخرى فخذه، حيث احتك نصل البرق بالعظم. سمع صوت الطحن داخله، مما جعله يصرخ من جديد.
وهو لا يعرف إن كان سيُمنح فرصة أخرى لاحتضانه من جديد.
استمرت النصال البيضاء تظهر وتختفي. طعنت ظهره، كليتيه، أحشاءه. مزّقت كل ضربة شيئاً لا يمكن إصلاحه. تهرأت العضلات. تمزّقت الأعضاء. تجمّع الدم تحته برطوبة مقيتة ومنتشرة. أفرغت معدته محتواها في فمه. اختنق بالمرارة.
حاول أن يسحب النفس إلى صدره، لكن رئتيه احترقتا. تعثّرت نبضات قلبه، ثم تسارعت، ثم توقفت لضربة واحدة. لثانية رقيقة، لم يشعر بشيء، سواد فارغ حيث كان ينبغي أن يكون هناك إحساس، ثم عاد الألم أشد حدة من قبل، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة بالذات.
انطلقت الصرخة من جين. اصطدمت ركبتاه بالأرض. خدشت يداه الرماد. امتلأ فمه بدم دافئ. جاء نفَسه متقطعاً وضحلاً. ارتدّت عيناه إلى الخلف حتى لم يعد يظهر منهما سوى البياض.
لم يستطع إغلاق عينيه. أحرقت الرمشة عينيه. انفجر الضوء خلفهما، فأعماه. نبضت بقع بيضاء وحمراء عند أطراف بصره. رنّت أذناه، ولم يسمع سوى أنفاسه القاسية وأصوات جسده المختنقة الرطبة وهو ينهار.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!!!!!!!”
ثم، من العدم، ظهر نصل أزرق مرة أخرى. اخترق مركز صدره واستمر حتى خرج من ظهره. دفع الضغط أضلاعه إلى الخارج. تدلّت كتفاه. تمزّقت قطعة من داخله وانزلقت بعيداً. شعر بذكريات تتمزق كأوراق، أسماء ولحظات تُنتزع وتُمحى. حاول أن يصرخ بالأسماء، لكن لم يخرج صوت، سوى صراخ حيواني مكسور.
وقف جوزيف فوقه. كانت مفاصل يديه متشققة ودامية. تشابكت أسنانه بقوة حتى آلم فكّه بينما سالت دموعه.
“آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!”
ظهر أمامه سيف برق أبيض ضخم واخترق جسده. رفعه الاصطدام عن الأرض. انفجر الدم من فمه.
“لماذا فعلت ذلك… ج… واي؟”
اخترق سيف برق أزرق قصّه الصدري بضربة عنيفة هزّت عموده الفقري بأكمله. للحظة، ارتخى جسده تماماً، ثم اهتز متشنجاً بينما تقلصت عضلاته من دون إرادته. سحب النصل نفسه ثم عاد ليغرز في بطنه. انشق اللحم بصوت تمزق رطب. تناثر الدم في الهواء.
ضربة تلو الأخرى قطّعته في أماكن جديدة. مرة، شقّ نصل حنجرته، فأصدر صوتاً لم يكن كلمة. صار صوته رقيقاً وخشناً. تصلّب فكّه. طحن أسنانه حتى تكسّرت واحدة منها. سال الدم الدافئ على ذقنه.
صديقي.
مدّ يده إلى الضباب الأسود. تدفق ضوء أبيض من راحته وأحرق جلده. صعد الألم في ذراعه. لم يتراجع. دفع يده إلى داخل رأس جين. ارتطم به شيء من الداخل، فترنّح كأنه أُصيب بنيزك. تذوّق خدشاً واحداً من السيف جعله يتقيأ دماً.
في لحظة ما، انشق جسده، تمزّق صدره وبطنه. شعر بنصفَي جسده ينزلقان عن بعضهما ثم يُجبَران على العودة معاً، كأنهما قماش ممزق يُخاط وهو لا يزال ينزف. سقط، ثم نهض من جديد، مدفوعاً بإرادة خام عنيدة. إرادة قاومت الموت. وكأن روحه لم تكن ملكه أصلاً منذ البداية.
شق.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً. اندفع تيار هائل من الدم من فمه وهو يحدّق في السماء.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
شق.
فقط لينقذه.
لاحتضانه كله.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
حتى كل ما عاناه من قبل، بعد قدومه إلى هذا العالم الجديد وتحوّله إلى لين، حتى حين دُمّر جسده بلعنة الماهول أو حين عذّبته أورالينا نفسها، لم يكن شيئاً أمام هذا.
شق.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
ومع تزايد ظهور اللعنة وتنامي قوتها، ختم جوزيف الذاكرة وأخذ ربع الألم الذي كان سيتلقاه جين، محتملاً الباقي بنفسه.
كل ضربة كانت أسوأ من الموت. ألف موتة كانت لتكون رحمة. مليون موتة كانت لتكون سلاماً. لكن هذا لم يكن له نهاية. كل ضربة حملت شعور الموت مليون مرة في ثانية واحدة. وكأنه يُقتل ويُبعث من جديد مراراً وتكراراً.
كانت الشمس تغرب خلف المدرسة، ترسم السماء بلون برتقالي. وفاحت في الهواء رائحة العشب والطباشير خفيفة. لامستهما نسمة رقيقة وهما يمران بجانب الملعب.
وقف جوزيف فوقه. كانت مفاصل يديه متشققة ودامية. تشابكت أسنانه بقوة حتى آلم فكّه بينما سالت دموعه.
“سيدفعون ثمن ذلك. أنت وأنا سنجعلهم يدفعون الثمن كاملاً. كل واحد منهم سيدفع. كل واحد منهم سيعاني.”
مدّ يده إلى الضباب الأسود. تدفق ضوء أبيض من راحته وأحرق جلده. صعد الألم في ذراعه. لم يتراجع. دفع يده إلى داخل رأس جين. ارتطم به شيء من الداخل، فترنّح كأنه أُصيب بنيزك. تذوّق خدشاً واحداً من السيف جعله يتقيأ دماً.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً آخر، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة.
أخذ نفَساً، وتوهجت يداه بضوء أبيض. امتدت يده إلى رأس جين وهي تدخل الضباب الأسود، ومرّت صدمة هائلة عبر جسده.
“نتمنى لك حظاً موفقاً في حياة العزوبية.”
فتح جين غلاف نكهة القهوة ببطء، وعيناه تعكسان ضوء الغروب الذهبي.
ظهر بجانب جين قبل أن يتمكن نصل آخر من قطعه.
أغمض جوزيف عينيه وهو يحتضن أخاه.
انفجرت عيناه بضوء أعماه تماماً. امتلأ فمه بالدم بينما تباطأت نبضات قلبه، ثم تسارعت فجأة بعنف، تدق كأنها ستنفجر في أي لحظة.
“اهرب يا جوزيف!” حذّره جين، لكن جوزيف أوقف كل شيء في ذلك العالم.
رفع جوزيف يده. تجمّد كل شيء. تحطم العالم كالزجاج، وظهر داخل الضباب، والضوء يحترق في يديه. تحرّك بسرعة، منتشلاً جين من الخطر.
“نتمنى لك حظاً موفقاً في حياة العزوبية.”
حين عادت عينا جوزيف إلى طبيعتهما، كان جين على وشك السقوط. أسنده جوزيف وأجلسه مستنداً إلى شجرة.
فتح جين غلاف نكهة القهوة ببطء، وعيناه تعكسان ضوء الغروب الذهبي.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً. اندفع تيار هائل من الدم من فمه وهو يحدّق في السماء.
“لا أعرف. فقط أشعر أنها تمنحني إحساساً هادئاً وحلاوة رائقة.”
تبعه سيف ثانٍ، قطع ظهره، ثم ساقيه، ثم كتفه. تمزّق اللحم إرباً. امتلأ الهواء بصوت واحد فقط: نصال البرق تخترق اللحم.
“لا أظن أني أستطيع تحمّل هذا. جسدي بدأ يتلاشى. ربما بقي لي ثلاثة أشهر، ربما خمسة.”
وقف جوزيف ونفض الغبار عن ثيابه. ثم مد يده إلى جين وساعده على النهوض.
“لقد ختمت ذاكرته مؤقتاً. إن عادت إلى السطح، سيضطر لمواجهتها.”
فقط لينقذه.
أخذ جوزيف نفَساً طويلاً آخر، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة.
كان عبئاً لم يعرف جين عنه شيئاً. كانت الابتسامة والمزاح مجرد قناع استخدمه جوزيف ليشعر جين بالأمان والسعادة. حمل جوزيف هذا العبء طويلاً.
ومع تزايد ظهور اللعنة وتنامي قوتها، ختم جوزيف الذاكرة وأخذ ربع الألم الذي كان سيتلقاه جين، محتملاً الباقي بنفسه.
“اهرب يا جوزيف!” حذّره جين، لكن جوزيف أوقف كل شيء في ذلك العالم.
صديقي.
كل ما أراده هو أن يقضي وقتاً مع أخيه بسلام، مهما طال أو قصر. لكن القدر بدا قاسياً.
لن يدع جين يعرف الحقيقة، حقيقة لم يكن جين مستعداً لمواجهتها. فلو انطلقت، لجلبت الفوضى إلى العالم.
وهو يقسم بنشوة أن يحميه.
اجتاحت موجة من الألم الذي لا يُطاق جسده.
سأضحّي بكل شيء.
“لا أعرف. فقط أشعر أنها تمنحني إحساساً هادئاً وحلاوة رائقة.”
بمستقبلي. بأحلامي. بحياتي. حتى بنفسي.
طالما أنت حي، لن أندم أبداً على اختياري.
عبرا الطريق واشتريا مصاصتين مستديرتين من متجر صغير، واحدة بنكهة القهوة والأخرى بنكهة الكولا.
لأنك كل شيء لي.
صديقي.
بيتي.
عائلتي.
في داخل جين، نُقل جسده إلى مكان مظلم مليء بالضباب قبل أن يتمكن حتى من الإدراك.
وسببي للمضي قدماً.
شق.
مهما طلب مني القدر، سأضحّي بكل شيء من أجلك.
مهما سقطت مرات، سأواصل النهوض.
شق.
فقط لأتمكن من إنقاذك.
وقف جوزيف فوقه. كانت مفاصل يديه متشققة ودامية. تشابكت أسنانه بقوة حتى آلم فكّه بينما سالت دموعه.
لأنك لست مجرد أخي.
أنت الشخص الوحيد الذي لن أتخلى عنه أبداً، حتى لو أصبح الجميع أعداءك.
وهكذا وُلد مشهد في غروب الحزن، بين أخوين مبتسمين ودمويين يحتضن أحدهما الآخر، يحمي أحدهما الآخر، ويضحّي أحدهما من أجل الآخر. فقط للهروب من قسوة هذا العالم البغيض.
أغمض جوزيف عينيه وهو يحتضن أخاه.
مهما طلب مني القدر، سأضحّي بكل شيء من أجلك.
لم يعرف لماذا كان يحتضنه. لم يحاول أن يفهم لماذا اشتاق كثيراً لاحتضانه.
“أظن أنه غداً عند منتصف الليل.”
واصلا السير حتى وصلا إلى مفترق طرق. طريق يمرّ عبر صف من الأشجار التي تتمايل برفق مع النسيم، وضوء الشمس يتسلل بلطف بين الأوراق. كانت الأرض مفروشة ببتلات متساقطة، وحمل الهواء رائحة التراب الهادئة عند نهاية النهار. زقزقت الطيور خفيفةً في الأعلى، وبدا كل شيء هادئاً، بعيداً عن ضجيج المدينة.
لاحتضانه كله.
أنت الشخص الوحيد الذي لن أتخلى عنه أبداً، حتى لو أصبح الجميع أعداءك.
لكنه كان يحتضنه.
“غيّر الموضوع، رأسي بدأ يدور،” تمتم جين.
يبكي، ينتحب، يذرف الدموع، يرويه بدموعه الدامية.
في تلك اللحظة، شعر وكأن مليار سنة تمر كثانية واحدة. توقف العمر والزمن عن النمو.
وهو يقسم بنشوة أن يحميه.
أن يحميه إلى أبد الآبدين.
وبينما كان ينظر إلى جين، بدأت ضبابية سوداء داكنة تحيط بوجه جين، تفصله عن الزمن والوجود.
أن يضحّي بكل شيء فقط لإنقاذه.
وقف جوزيف فوقه. كانت مفاصل يديه متشققة ودامية. تشابكت أسنانه بقوة حتى آلم فكّه بينما سالت دموعه.
مهما سقطت مرات، سأواصل النهوض.
وهو لا يعرف إن كان سيُمنح فرصة أخرى لاحتضانه من جديد.
استمرت النصال البيضاء تظهر وتختفي. طعنت ظهره، كليتيه، أحشاءه. مزّقت كل ضربة شيئاً لا يمكن إصلاحه. تهرأت العضلات. تمزّقت الأعضاء. تجمّع الدم تحته برطوبة مقيتة ومنتشرة. أفرغت معدته محتواها في فمه. اختنق بالمرارة.
“أسطورتك انتهت. انظر إليه يتخبط في دوري الجِمال.”
وهكذا وُلد مشهد في غروب الحزن، بين أخوين مبتسمين ودمويين يحتضن أحدهما الآخر، يحمي أحدهما الآخر، ويضحّي أحدهما من أجل الآخر. فقط للهروب من قسوة هذا العالم البغيض.
“لا تقلق يا جوزيف، الأرجنتين ستهزم فريقك. صدّق كلامي، برغوثي سيسجّل هدفين ويصنع تمريرة حاسمة.”
وتحت ذلك الغروب الهادئ، لم يعرف الحقيقة التي حملها جوزيف على كتفيه سوى الصمت وحده.
حقيقة ثقيلة بما يكفي لتكسر أكتاف عوالم بأكملها.
“آآآآآآآآآآآآآآآه!”
ومع ذلك، ظل يتحملها كلها.
من دون أن ينبسا بكلمة، اتجها نحو الطريق الهادئ تحت الأشجار.
فقط لينقذه.
لينقذ أخاه.
لينقذ أخاه.
لن يدع جين يعرف الحقيقة، حقيقة لم يكن جين مستعداً لمواجهتها. فلو انطلقت، لجلبت الفوضى إلى العالم.
أغمض جوزيف عينيه وهو يحتضن أخاه.
لأنك لست مجرد أخي.
