الفصل السابع
كل شيء كان ثابتًا، مألوفًا، غير أن شيئًا صغيرًا زاغ عن موضعه، فاختل العالم كله، ولم يلحظ ذلك أحد سوى بياتريكس.
“أنا آسفة، أنا آسفة، سامحيني رين… لا تتركيني، أنا راضية بأن أكون حلقة ثالثة…”
—
محت بياتريكس الحدث الغريب من ذاكرتها، لكنها تذكرت، بعد أن كانت تمشي في الساحة، حين طارت فجأة في الهواء للأمام، ثم ارتطام،
فوجئت في العام الماضي، وها هي مجددًا تُذهل ببهاء ساحة المدرسة أثناء كرنفال نهاية العام.
—
سحب غائمة تتهادى في العلو، وأشرطة زاهية تنساب مع النسيم، وأصوات متقاطعة من ضجيج وضحكات وموسيقى تُبث في أرجاء المدرسة.
لكن حاولت جاهدة أن أتقرب منها… فلماذا؟
دفء غامض لجّ في عروقها، أحست بقلبها يخفق بعنف ولطف، يضخ الدماء والسرور وشيئًا من حنين مجهول.
حين توقفت رين لبُرهة لتشتري مشروبًا باردًا، بقيت بياتريكس واقفة تتأمل الساحة المفعمة بالحركة. مرت اللحظة أطول مما ينبغي، أبطأ، وأطول بكثير من مجرد لحظة عابرة، كأن الزمن يتمهل ليحفظ الصورة في ذهنها.
ضحكت بلا سبب تعرفه، وشاركتها رين الضحك والإرتباك، ثم أمسكت بيدها وسحبتها بحماس.
تصلّبت بياتريكس، كادت أن تنقض عليها، فهي ليست فقط تضايقها، بل تلعب كذلك دور الضحية المظلومة..
تجولتا بين الزوايا، من لعبة إلى أخرى، ومن تحدٍ لآخر، ثم إلى مسرح صغير، فإلى كشك الرسم المزدحم بالأوراق الملونة والأنامل الصغيرة الملطخة.
تصلّبت بياتريكس، كادت أن تنقض عليها، فهي ليست فقط تضايقها، بل تلعب كذلك دور الضحية المظلومة..
كما تنساب الرمال من بين الأصابع، مرت الساعات كأنها دقائق.
منذ تلك المجادلة في الإدارة، التي انتهت بفصل آن لأسبوع، تغيّرت رين.
حين توقفت رين لبُرهة لتشتري مشروبًا باردًا، بقيت بياتريكس واقفة تتأمل الساحة المفعمة بالحركة. مرت اللحظة أطول مما ينبغي، أبطأ، وأطول بكثير من مجرد لحظة عابرة، كأن الزمن يتمهل ليحفظ الصورة في ذهنها.
اقتربت معلمة مذعورة، أمسكت بياتريكس التي كانت تخفض رأسها بصمت خانق، بينما تولّت أخرى آن التي كانت تترجى وتصرخ بين شهقاتها:
أكمام الفساتين الصغيرة تتطاير، وخيوط شمس المغيب بلون العسل تخترق السحب الغائمة، فيما الموسيقى تخفت شيئًا فشيئًا.
يوم دراسي جديد.
رفعت بياتريكس يدها لتلامس الضوء، فشعرت بحرارة لطيفة على أطراف أصابعها، ثم رفعت بصرها، ورأت من بعيد رين تلوح بعصيرين، بشعرها القصير المرفرف، آخر أثر للضوء يلامسها.
“بياتريكس!”
فرفعت يدها بالمثل، مبتسمتين، اقتربتا والضوء يبهت شيئًا فشيئًا، حتى انطفأت الموسيقى.
لو اختفت بياتريكس، فقط اختفت، ستعود الأمور كما كانت… أليس كذلك؟
—
ولسبب غريب آخر، هي أيضًا تطيع كل كلمات رين. فعندما أخبرتها رين أن هذا النوع من التشبث المفرط خطأ، ابتعدت عنها بهدوء، حتى مع نظراتها غير الراغبة ولمساتها. مسحت رين على رأسها وشرحت لها متى يمكنها التشبث بها، واستَمعت بياتريكس بعناية.
—
فوجئت في العام الماضي، وها هي مجددًا تُذهل ببهاء ساحة المدرسة أثناء كرنفال نهاية العام.
قريبًا، ستمسي السنة ذكريات ثمينة أخرى مع رفيقتي رين.
نهضت بياتريكس دفعة واحدة، تغلّب الغضب على الألم، وخطت نحو آن، فتراجعت الأخيرة خطوة، ثم أخرى، قبل أن تدير ظهرها وتهرع، ركضت بياتريكس خلفها، وأمسكت بشعرها بقوة، فتهاوت آن أرضًا.
مؤخرًا، حُلّ التنمر عن بياتريكس أخيرًا، سعدت كثيرًا لأجلها، لكن عند سماع رين تقول إن بياتريكس ستنضم لنا، لحلقتنا الثمينة التي لم تدخلها من قبل، شعرت بانقباض خانق.
فواجهتاها بهدوء، سألتها رين، عمّ إذا كان ما قالته بياتريكس حقيقة، ولم تجب آن، ألحت عليها رين، فبكت آن..
لكني في النهاية لم أبُد أي اعتراض. رين لم تخطئ، فبينما كانت تمد يدها لبياتريكس دون اهتمام، سعيت باستمرار لمصلحتي بأنانية: أن أسعد بما تسعد به، وأن أبتعد عما يزعجها. هذا هو واجبي كرفيقة رين.
مرت لحظة صمت طويلة، ظلّت رين فيها ساكنة، تنظر إلى تلك البقعة نفسها. أما بياتريكس، شعرت بأن الهواء في الصف أصبح أثقل من أن يُستنشَق
—
“ما خطبك؟! لم تستمرين بإيذائي؟!”
شهد الفصل تغيرًا كبيرًا، بياتريكس، كالنبع الذي استرد عافيته بعد جفاف طويل، عادت مشرقة وأكثر مما كانت عليه. وهذا حدث سعيد، عدا أن بياتريكس، لسبب ما، بدأت تتشبث برين كثيرًا.
أخذت بياتريكس مكاني كرفيقة رين المفضلة، وكان واضحًا.
ذراعها لا تفارق ذراع رين أبدًا، وهي دائمًا بقربها، حتى عندما تذهب رين للمرحاض، تتبعها دون خجل أو أي اهتمام بالأنظار.
في البداية، حاولت التظاهر بأن شيئًا لم يحدث، كانت تبتسم وتطلق النكات نفسها، لكنها كانت تضحك بلا فرح، ثم شيئًا فشيئًا بهتت، وصارت لا تهتم بشيء.
ولسبب غريب آخر، هي أيضًا تطيع كل كلمات رين. فعندما أخبرتها رين أن هذا النوع من التشبث المفرط خطأ، ابتعدت عنها بهدوء، حتى مع نظراتها غير الراغبة ولمساتها. مسحت رين على رأسها وشرحت لها متى يمكنها التشبث بها، واستَمعت بياتريكس بعناية.
ولسبب غريب آخر، هي أيضًا تطيع كل كلمات رين. فعندما أخبرتها رين أن هذا النوع من التشبث المفرط خطأ، ابتعدت عنها بهدوء، حتى مع نظراتها غير الراغبة ولمساتها. مسحت رين على رأسها وشرحت لها متى يمكنها التشبث بها، واستَمعت بياتريكس بعناية.
قلت لها بالفعل إن رين ستنزعج، لكنها اكتفت بالرد بابتسامة مهذبة، وكأنها لا تفهم رين حقًا، وهذا أشعرني بإحباط شديد.
—
—
“لماذا… حتى الآن، أول من فكرت بها هي بياتريكس… دائمًا بياتريكس.”
كما ظننت، بياتريكس حقًا لم تهتم بشأني، هي تحافظ على نفس الابتسامة المهذبة، ونفس الجو الودي تجاه الجميع، لكنني لاحظت القناع الخفي الذي تخلعه فقط أمام رين لتظهر حقيقتها. أرى الفرق بوضوح، محال أن أخطئ.
محت بياتريكس الحدث الغريب من ذاكرتها، لكنها تذكرت، بعد أن كانت تمشي في الساحة، حين طارت فجأة في الهواء للأمام، ثم ارتطام،
لكن حاولت جاهدة أن أتقرب منها… فلماذا؟
—
—
حولت كلمات قليلة حالة آن من الغضب إلى هدوء، ثم إلى بكاء هستيري:
أخذت بياتريكس مكاني كرفيقة رين المفضلة، وكان واضحًا.
تصلّبت بياتريكس، كادت أن تنقض عليها، فهي ليست فقط تضايقها، بل تلعب كذلك دور الضحية المظلومة..
ولشدة إحباطي، أول شيء فكرت فيه لم يكن إيجاد حل لمشكلتي، بل كيف أن الوضع ليس منطقيًا. فأنا، على عكس رين وبياتريكس، لازلت تلك الفتاة الخجولة، لا أملك شيئًا يثير الإعجاب، لا براعة في الرياضة، ولا تفوقًا في الدراسة، وصوتي بالكاد يُسمع.
كل شيء كان ثابتًا، مألوفًا، غير أن شيئًا صغيرًا زاغ عن موضعه، فاختل العالم كله، ولم يلحظ ذلك أحد سوى بياتريكس.
مثاليتان، بلون الأصفر والبني، كأشجار الخريف بأوراقها، أما هي، أسود كالمرض.
فوجئت في العام الماضي، وها هي مجددًا تُذهل ببهاء ساحة المدرسة أثناء كرنفال نهاية العام.
من الطبيعي أن تشعر رين بأنها أقرب لبياتريكس مني، وكأنها هي التي انضمت لتوها للمجموعة.
دخلت المعلمة كعادتها، وعمّ الصمت مع دخولها.
لكن… أنا، رين صديقتي الأولى، ألم يكن يجب علي أن أحافظ عليها؟ هذا غير عادل.
اقتربت معلمة مذعورة، أمسكت بياتريكس التي كانت تخفض رأسها بصمت خانق، بينما تولّت أخرى آن التي كانت تترجى وتصرخ بين شهقاتها:
—
نظرت رين لآن طويلاً، تنفست بعمق ثم قالت بصوت جاف:
تراءى لي الكرنفال كآخر أحداث الفصل.
“أجيبي..!”
نزَلت علي حمى شديدة فلم أقدر على الذهاب.
______
—
لم تنتظر أحدًا ليسأل، وقالت برتابة:
لو اختفت بياتريكس، فقط اختفت، ستعود الأمور كما كانت… أليس كذلك؟
اختلط بكاء آن مع صرخات غضبها:
—
نزَلت علي حمى شديدة فلم أقدر على الذهاب.
كان حادثا غريباً..
تراءى لي الكرنفال كآخر أحداث الفصل.
تذكرت بياتريكس كيف التفتت لآن التي تتصرف وكأن شيئا لم يحدث بعد مضايقتها لأيام.. في البداية حاولت بياتريكس أن تصبر، أن تُقنع نفسها بأن الأمر لا يستحقّ، لكن حين بلغ الألم حدّه، لجأت لرين، لم تكن تريد للمشكلة أن تتضخّم..
لكن حاولت جاهدة أن أتقرب منها… فلماذا؟
فواجهتاها بهدوء، سألتها رين، عمّ إذا كان ما قالته بياتريكس حقيقة، ولم تجب آن، ألحت عليها رين، فبكت آن..
“نظرًا لانتقالها، لن تحضر آن بعد الآن.”
تصلّبت بياتريكس، كادت أن تنقض عليها، فهي ليست فقط تضايقها، بل تلعب كذلك دور الضحية المظلومة..
حنّت رين على آن، فهدّأتها، وأخبرتها أن ما تفعله خطأ، فأومأت الأخيرة، واعتذرت لبياتريكس..
شهد الفصل تغيرًا كبيرًا، بياتريكس، كالنبع الذي استرد عافيته بعد جفاف طويل، عادت مشرقة وأكثر مما كانت عليه. وهذا حدث سعيد، عدا أن بياتريكس، لسبب ما، بدأت تتشبث برين كثيرًا.
محت بياتريكس الحدث الغريب من ذاكرتها، لكنها تذكرت، بعد أن كانت تمشي في الساحة، حين طارت فجأة في الهواء للأمام، ثم ارتطام،
لو اختفت بياتريكس، فقط اختفت، ستعود الأمور كما كانت… أليس كذلك؟
ألمٌ شديد حلّ بكفّيها وركبتيها، وخطٌّ دافئ من الدم سال على جبينها..
لكني في النهاية لم أبُد أي اعتراض. رين لم تخطئ، فبينما كانت تمد يدها لبياتريكس دون اهتمام، سعيت باستمرار لمصلحتي بأنانية: أن أسعد بما تسعد به، وأن أبتعد عما يزعجها. هذا هو واجبي كرفيقة رين.
رفعت رأسها ببطء، التقطت أنفاسها المتقطّعة،
“أنا أكرهك…”
ثم التفتت خلفها إلى “آن” الواقفة بأيدي مرفوعة..
“أجيبي..!”
______
كل شيء كان ثابتًا، مألوفًا، غير أن شيئًا صغيرًا زاغ عن موضعه، فاختل العالم كله، ولم يلحظ ذلك أحد سوى بياتريكس.
لكن حاولت جاهدة أن أتقرب منها… فلماذا؟
فواجهتاها بهدوء، سألتها رين، عمّ إذا كان ما قالته بياتريكس حقيقة، ولم تجب آن، ألحت عليها رين، فبكت آن..
جلست بياتريكس، تنظر بغضب نحو آن التي بدت مذهولة، كأنها لا تدرك ما فعلته.
دفء غامض لجّ في عروقها، أحست بقلبها يخفق بعنف ولطف، يضخ الدماء والسرور وشيئًا من حنين مجهول.
نهضت بياتريكس دفعة واحدة، تغلّب الغضب على الألم، وخطت نحو آن، فتراجعت الأخيرة خطوة، ثم أخرى، قبل أن تدير ظهرها وتهرع، ركضت بياتريكس خلفها، وأمسكت بشعرها بقوة، فتهاوت آن أرضًا.
لكني في النهاية لم أبُد أي اعتراض. رين لم تخطئ، فبينما كانت تمد يدها لبياتريكس دون اهتمام، سعيت باستمرار لمصلحتي بأنانية: أن أسعد بما تسعد به، وأن أبتعد عما يزعجها. هذا هو واجبي كرفيقة رين.
جلست بياتريكس فوقها، تثبت كفيها على يدي آن، وأعينها تقدح شررًا، صاحت بغضب:
دفء غامض لجّ في عروقها، أحست بقلبها يخفق بعنف ولطف، يضخ الدماء والسرور وشيئًا من حنين مجهول.
“ما خطبك؟! لم تستمرين بإيذائي؟!”
كل شيء كان ثابتًا، مألوفًا، غير أن شيئًا صغيرًا زاغ عن موضعه، فاختل العالم كله، ولم يلحظ ذلك أحد سوى بياتريكس.
حاولت آن دفعها، تتخبط بارتباك، لكن بياتريكس شدّت قبضتها أكثر وكررت السؤال:
سحب غائمة تتهادى في العلو، وأشرطة زاهية تنساب مع النسيم، وأصوات متقاطعة من ضجيج وضحكات وموسيقى تُبث في أرجاء المدرسة.
“أجيبي..!”
“أجيبي..!”
ارتعدت آن، ذرفت الدموع، ولامت:
اقتربت معلمة مذعورة، أمسكت بياتريكس التي كانت تخفض رأسها بصمت خانق، بينما تولّت أخرى آن التي كانت تترجى وتصرخ بين شهقاتها:
“كله بسببك… رين لم تعد تنظر إليّ، سرقتها مني..!”
اقتربت رين، وذهبت نحو بياتريكس.
حيرة ودهشة صدمتا بياتريكس، ارتخت يدها، ونهضت من فوق آن.
حين توقفت رين لبُرهة لتشتري مشروبًا باردًا، بقيت بياتريكس واقفة تتأمل الساحة المفعمة بالحركة. مرت اللحظة أطول مما ينبغي، أبطأ، وأطول بكثير من مجرد لحظة عابرة، كأن الزمن يتمهل ليحفظ الصورة في ذهنها.
حينها تنبهتا للحشد حولهما، مجموعة فتيات متجمهرات، وجوههن مذهولة، وهن يتهامسن بخوف، تناهى صوت خطوات مسرعة، ثم ارتفع صوت مألوف:
“لماذا هي؟ أنا عرفتك أولًا، بقيت معك أطول!”
“بياتريكس!”
لكن آن واصلت:
اقتربت رين، وذهبت نحو بياتريكس.
تجولتا بين الزوايا، من لعبة إلى أخرى، ومن تحدٍ لآخر، ثم إلى مسرح صغير، فإلى كشك الرسم المزدحم بالأوراق الملونة والأنامل الصغيرة الملطخة.
“لماذا… حتى الآن، أول من فكرت بها هي بياتريكس… دائمًا بياتريكس.”
أخذت بياتريكس مكاني كرفيقة رين المفضلة، وكان واضحًا.
اختلط بكاء آن مع صرخات غضبها:
“كفى!!” صرخت رين.
“أنا أكرهك…”
“ما خطبك؟! لم تستمرين بإيذائي؟!”
“كفى!!” صرخت رين.
لكني في النهاية لم أبُد أي اعتراض. رين لم تخطئ، فبينما كانت تمد يدها لبياتريكس دون اهتمام، سعيت باستمرار لمصلحتي بأنانية: أن أسعد بما تسعد به، وأن أبتعد عما يزعجها. هذا هو واجبي كرفيقة رين.
لكن آن واصلت:
فوجئت في العام الماضي، وها هي مجددًا تُذهل ببهاء ساحة المدرسة أثناء كرنفال نهاية العام.
“لماذا هي؟ أنا عرفتك أولًا، بقيت معك أطول!”
حين توقفت رين لبُرهة لتشتري مشروبًا باردًا، بقيت بياتريكس واقفة تتأمل الساحة المفعمة بالحركة. مرت اللحظة أطول مما ينبغي، أبطأ، وأطول بكثير من مجرد لحظة عابرة، كأن الزمن يتمهل ليحفظ الصورة في ذهنها.
نظرت رين لآن طويلاً، تنفست بعمق ثم قالت بصوت جاف:
—
“حسنًا… نحن لم نعد صديقتين.”
ولشدة إحباطي، أول شيء فكرت فيه لم يكن إيجاد حل لمشكلتي، بل كيف أن الوضع ليس منطقيًا. فأنا، على عكس رين وبياتريكس، لازلت تلك الفتاة الخجولة، لا أملك شيئًا يثير الإعجاب، لا براعة في الرياضة، ولا تفوقًا في الدراسة، وصوتي بالكاد يُسمع.
حولت كلمات قليلة حالة آن من الغضب إلى هدوء، ثم إلى بكاء هستيري:
—
“أنا آسفة، أنا آسفة، سامحيني رين… لا تتركيني، أنا راضية بأن أكون حلقة ثالثة…”
لكن آن واصلت:
اقتربت معلمة مذعورة، أمسكت بياتريكس التي كانت تخفض رأسها بصمت خانق، بينما تولّت أخرى آن التي كانت تترجى وتصرخ بين شهقاتها:
حينها تنبهتا للحشد حولهما، مجموعة فتيات متجمهرات، وجوههن مذهولة، وهن يتهامسن بخوف، تناهى صوت خطوات مسرعة، ثم ارتفع صوت مألوف:
“رين! رين! انظري إليّ! رين!”
المكان لم يكن لها منذ البداية.
لكن رين لم تلتفت.
اختلط بكاء آن مع صرخات غضبها:
—
دخلت بينهما صدفةً أو خطأً. أغمضت عينيها لحظة، كم كانت غافلة… كان واضحًا كل شيء، لكنها لم ترغب في رؤيته، انغمست في سعادتها حتى العمى، ولم تفكر ولو لمرة أن تلك السعادة ربما تحوّل قلبًا آخر إلى رماد.
يوم دراسي جديد.
رفعت بياتريكس يدها لتلامس الضوء، فشعرت بحرارة لطيفة على أطراف أصابعها، ثم رفعت بصرها، ورأت من بعيد رين تلوح بعصيرين، بشعرها القصير المرفرف، آخر أثر للضوء يلامسها.
جلست بياتريكس في مقعدها، تتأمل رين التي كانت تنظر إلى بقعة ما بنظرة غائمة.
“كفى!!” صرخت رين.
منذ تلك المجادلة في الإدارة، التي انتهت بفصل آن لأسبوع، تغيّرت رين.
حيرة ودهشة صدمتا بياتريكس، ارتخت يدها، ونهضت من فوق آن.
في البداية، حاولت التظاهر بأن شيئًا لم يحدث، كانت تبتسم وتطلق النكات نفسها، لكنها كانت تضحك بلا فرح، ثم شيئًا فشيئًا بهتت، وصارت لا تهتم بشيء.
—
اليوم هو اليوم الذي من المفترض أن تعود فيه آن…
فوجئت في العام الماضي، وها هي مجددًا تُذهل ببهاء ساحة المدرسة أثناء كرنفال نهاية العام.
آه…
ألمٌ شديد حلّ بكفّيها وركبتيها، وخطٌّ دافئ من الدم سال على جبينها..
على الأرجح ستعتذر رين، وستعود هي وآن كما كانتا، وستتخلصان منها… ربما هذا للأفضل.
“بياتريكس!”
المكان لم يكن لها منذ البداية.
منذ تلك المجادلة في الإدارة، التي انتهت بفصل آن لأسبوع، تغيّرت رين.
دخلت بينهما صدفةً أو خطأً. أغمضت عينيها لحظة، كم كانت غافلة… كان واضحًا كل شيء، لكنها لم ترغب في رؤيته، انغمست في سعادتها حتى العمى، ولم تفكر ولو لمرة أن تلك السعادة ربما تحوّل قلبًا آخر إلى رماد.
“أنا أكرهك…”
دخلت المعلمة كعادتها، وعمّ الصمت مع دخولها.
“كفى!!” صرخت رين.
لم تنتظر أحدًا ليسأل، وقالت برتابة:
حين توقفت رين لبُرهة لتشتري مشروبًا باردًا، بقيت بياتريكس واقفة تتأمل الساحة المفعمة بالحركة. مرت اللحظة أطول مما ينبغي، أبطأ، وأطول بكثير من مجرد لحظة عابرة، كأن الزمن يتمهل ليحفظ الصورة في ذهنها.
“نظرًا لانتقالها، لن تحضر آن بعد الآن.”
لكن حاولت جاهدة أن أتقرب منها… فلماذا؟
مرت لحظة صمت طويلة، ظلّت رين فيها ساكنة، تنظر إلى تلك البقعة نفسها. أما بياتريكس، شعرت بأن الهواء في الصف أصبح أثقل من أن يُستنشَق
حولت كلمات قليلة حالة آن من الغضب إلى هدوء، ثم إلى بكاء هستيري:
تراءى لي الكرنفال كآخر أحداث الفصل.
آه…
