الفصل الثامن والأخير
الفصل الثامن والأخير
كسرت آن الصمت:
كانت تمضي بخطى متسارعة وهي تحمل مظلتها الشفافة، وإذا برياح مفاجئة اقتلعتها. مرّت بالمبرك العاكسة على الرصيف، تحت سماء غائمة رمادية تمطر أمطارًا باردة على الطرق والشوارع. طارت المظلة واتبعتها حتى موقف الحافلة، حيث توقفت عند قدمي شخص، فانحنت صاحبتهما وأمسكت بالمظلة ومدتها إليها. أبدت امتنانها ولمحت وجهها.
“أنتِ… رين؟”
توقفت قليلًا، ثم تابعت:
نظرت الغريبة إليها بحاجب مرفوع، ثم بعيون واسعة غير مصدقة:
“آن..؟”
—
“هاه…”
—
جلستا متقابلتين.
“أنتِ… رين؟”
وهي تنزع غطاء رأسها، استنشقت آن عبير البن الثقيل، وأصغت لرذاذ المطر الناعم المتساقط خارج النافذة. نظرت آن إلى نفسها، كانت ترتدي هودي وسروالًا باليًا، لا تعي تعابيرها، غالبًا متجهمة، ومحاطة بهالات زرقاء داكنة واضحة، على عكس أناقة آن، بدت كمتشردة هائمة.
كسرت آن الصمت:
“آنذاك، أحببت بياتريكس حقًا. شعرت بشيء جديد معها، فاتّبعت مشاعري.
“كيف هي أحوالك؟”
“آه، حلقة مغلقة، الجامعة، دوام جزئي، لم أكن بأفضل حال…”
حتى لم تعد تبدو كابتسامة..
لكن التحديق الصامت استمر.
ابتسمت آن، غطت شفتيها بكفها ثم أزالتها وأكملت بنفس النبرة الساخرة:
ثم سكتت. استسلمت رين لصمتها ونظراتها الثاقبة، وللمرة الأولى، التقت أبصارهما.
“آن..؟”
“مسرورة لأجلك…”
أتت نادلة وقدمت كوب قهوة لآن، ومشروبًا لرين. خيم صمت محرج، ثم سألت آن مجددًا:
“بكل الأحوال، ألا ينبغي أن تكوني آخر من يذكر الماضي؟”
“في المدرسة، في العمل، في كل مكان… لم أتوقف عن ارتكاب الأخطاء.
“ماذا عنها؟”
أخذت الصمت كتأكيد، فأكملت:
توقفت رين للتفكير، ثم أدركت:
فكّرت رين:
“تقصدين بياتريكس؟”
“بكل الأحوال، ألا ينبغي أن تكوني آخر من يذكر الماضي؟”
أخذت الصمت كتأكيد، فأكملت:
آذيتك، وكنت على الأرجح سبب انتقال بياتريكس… وبعدها طلاق والديّ.”
“انتقلت مباشرة بعد انتهاء السنة الدراسية، حتى المدرسة الثانوية. عندما تلقيت إيميلًا من مجهول، اكتشفت أنه من بياتريكس. كيف حصلت على عنواني؟ لا أعلم. أرسلت لي رسالة طويلة عن انتقالها لمدرسة خاصة وتأقلمها. بدا أنها وجدت خلاصها… على ما أعتقد.”
“مؤسف…”
عاد الصمت المحرج، لكن هذه المرة أطول. تنهدت آن، وضعت الكوب بين يديها، ثم أفصحت بنبرة نصف ساخرة عمّا يعتمر ذهنها:
عاد الصمت المحرج، لكن هذه المرة أطول. تنهدت آن، وضعت الكوب بين يديها، ثم أفصحت بنبرة نصف ساخرة عمّا يعتمر ذهنها:
والمفارقة أن الناس أحبّوني لعفويّتي، لعجزي عن الكتمان، لتصرفي دون تفكير…
“هاه…”
“ظننتني قادرة، على الأقل، على كبح فضولي.”
نظرت الغريبة إليها بحاجب مرفوع، ثم بعيون واسعة غير مصدقة:
أنا حقًا فظيعة، أعلم هذا. لا أجرؤ حتى على مسامحة نفسي.
ثم سكتت. استسلمت رين لصمتها ونظراتها الثاقبة، وللمرة الأولى، التقت أبصارهما.
“رين كانت الأولى والأخيرة من اعتبرتها صديقة حقيقية، للأسف، مازلت لم أتجاوز الأمر بشكل كامل، حاولت بعد فترة من الحادث أن أصنع صداقات، ومهما بذلت من جهد، لم أقدر على صنع أكثر من بضعة علاقات سطحية، بكيت كثيراً آنذاك، وكرهت نفسي كثيراً لفترة، وكرهتك أنت وبياتريكس وكل شيء…
فكّرت رين:
كيف لها أن تطلب شرحًا بتلك العينين الخاليتين من الاهتمام؟
” أنا أسامحك، لا تسيئي فهمي، أنا أسامحك، لكن لن أعاملك كما لو لم تؤذيني، أثبتي ندمك بأفعالك، حينها سأصدقك..”
فكّرت رين:
“بكل الأحوال، ألا ينبغي أن تكوني آخر من يذكر الماضي؟”
كانت آن صامتة طوال الوقت، تنظر إلى رين بتعبير جامد.
لكن التحديق الصامت استمر.
“مسرورة لأجلك…”
“هاه…”
لكن التحديق الصامت استمر.
تلك المعركة التي تمنت لو أنها خسرتها.
أنا فقط… نادمة. حقًا نادمة على كل شيء.”
كسرت آن الصمت:
«نحن لم نعد صديقتين»
“محال أن نعود كما كنا، ولكن… أتقلبين أن نبدأ من جديد..؟”
بينما كانت تعيد كلماتها الأخيرة في ذهنها، استهجنت ذاتها، وكرهت خشونة صوتها آنذاك.
والمفارقة أن الناس أحبّوني لعفويّتي، لعجزي عن الكتمان، لتصرفي دون تفكير…
تمنت، سرًا، لو أن آن صرخت ردًا، لعلها ندمت حينها أسرع… لكنها بدل ذلك انهارت.
ذلك الشعور… الحُرقة، عبئ جداً ثقيل… وأطمح للتخلص منه..
«نحن لم نعد صديقتين»
‘ظننتها ستقاتل بقوة أكبر… لم أدرك هشاشتها.’
‘كاذبة…’
ذلك الشعور… الحُرقة، عبئ جداً ثقيل… وأطمح للتخلص منه..
‘شعرت ببهجة حقيقية مع بياتريكس… لا أدري حقًا كيف تجاهلتها.’
غطت آن فمها بيدها، رتبت كلماتها بعناية ثم قالت مستذكرة:
ذلك الشعور… الحُرقة، عبئ جداً ثقيل… وأطمح للتخلص منه..
‘ومهما كانت أعذارك، فحقيقة أنك تجاهلتِ آن لإشباع نزوتك الأنانية باقية.’
“آه، حلقة مغلقة، الجامعة، دوام جزئي، لم أكن بأفضل حال…”
قالت رين بهدوءٍ منكسر:
“آنذاك، أحببت بياتريكس حقًا. شعرت بشيء جديد معها، فاتّبعت مشاعري.
«نحن لم نعد صديقتين»
والمفارقة أن الناس أحبّوني لعفويّتي، لعجزي عن الكتمان، لتصرفي دون تفكير…
لكن بسبب هذه العفويّة، ارتكبت حماقات لا تُحصى.
آذيتك، وكنت على الأرجح سبب انتقال بياتريكس… وبعدها طلاق والديّ.”
“آنذاك، أحببت بياتريكس حقًا. شعرت بشيء جديد معها، فاتّبعت مشاعري.
توقفت قليلًا، ثم تابعت:
“آه، حلقة مغلقة، الجامعة، دوام جزئي، لم أكن بأفضل حال…”
فكّرت رين:
“تخاصمت مع والدتي حينها، وكنت قد ضقت ذرعًا منها. لإزعاجها، قلت لها إنّ عقلية كهذه هي ما جعلت والدي يخونها مع نساء أخريات… كانت كذبة. حاول والدي الاعتذار، وفعل المستحيل لتصدّقه، لكنها لم تفعل إلا لاحقًا، عندما اعترفت لها بالحقيقة. كنت في التاسعة.”
كانت تمضي بخطى متسارعة وهي تحمل مظلتها الشفافة، وإذا برياح مفاجئة اقتلعتها. مرّت بالمبرك العاكسة على الرصيف، تحت سماء غائمة رمادية تمطر أمطارًا باردة على الطرق والشوارع. طارت المظلة واتبعتها حتى موقف الحافلة، حيث توقفت عند قدمي شخص، فانحنت صاحبتهما وأمسكت بالمظلة ومدتها إليها. أبدت امتنانها ولمحت وجهها.
تنفّست بعمق، وأكملت بصوتٍ خافت:
“في المدرسة، في العمل، في كل مكان… لم أتوقف عن ارتكاب الأخطاء.
” أنا أسامحك، لا تسيئي فهمي، أنا أسامحك، لكن لن أعاملك كما لو لم تؤذيني، أثبتي ندمك بأفعالك، حينها سأصدقك..”
أنا حقًا فظيعة، أعلم هذا. لا أجرؤ حتى على مسامحة نفسي.
ثم أحنت رين رأسها، تمسح دموعها بيدٍ، بينما استقرت الأخرى على ركبتها.
لكن حين أنظر إلى نفسي وأسأل: ماذا كان يمكنني أن أفعل؟ من كان ليتوقّع أن تؤدي أفعالي إلى هذا؟
ثم أسأل ثانية: هل أظلم نفسي؟ لا أعلم.
“رين كانت الأولى والأخيرة من اعتبرتها صديقة حقيقية، للأسف، مازلت لم أتجاوز الأمر بشكل كامل، حاولت بعد فترة من الحادث أن أصنع صداقات، ومهما بذلت من جهد، لم أقدر على صنع أكثر من بضعة علاقات سطحية، بكيت كثيراً آنذاك، وكرهت نفسي كثيراً لفترة، وكرهتك أنت وبياتريكس وكل شيء…
غطت آن فمها بيدها، رتبت كلماتها بعناية ثم قالت مستذكرة:
لكنّي أعلم أنّي فعلت أشياء فظيعة فعلًا.
” أنا أسامحك، لا تسيئي فهمي، أنا أسامحك، لكن لن أعاملك كما لو لم تؤذيني، أثبتي ندمك بأفعالك، حينها سأصدقك..”
أنا صادقة حين أقول: ما حدث لم يكن خطأك، كان خطئي وحدي.
تمنت، سرًا، لو أن آن صرخت ردًا، لعلها ندمت حينها أسرع… لكنها بدل ذلك انهارت.
أعلم أن الاعتذار لا يُصلح شيئًا، ولا أستحق حتى قبوله.
شعرت برين ترتاح عليها، فأخفضت رأسها ببطء، وعادت ابتسامتها، واحتضنتها بشكل، أكثر إحكاما..
أنا لا أقول هذا طلبًا للمغفرة، ولا تبريرًا، ولا استدرارًا لأيّ تعاطف… لست أدري حتى لماذا ما زلت حيّة.
أخذت رين اليد وضمتها لجبهتها، بكت، مسحت آن على رأسها، ثم نظرت نظرة خاطفة للمرآة، ورأت انعكاسها.. انشق التعبير الرواقي لإبتسامة صغيرة، ثم اتسعت اكثر واكثر..
أنا فقط… نادمة. حقًا نادمة على كل شيء.”
ربما الحادث ولو للحظة لم يغرب عن ذهنها، وكل حادث آخر تسببت به.. طيلة فترة حياتها تحملت..
ثم أحنت رين رأسها، تمسح دموعها بيدٍ، بينما استقرت الأخرى على ركبتها.
كانت آن صامتة طوال الوقت، تنظر إلى رين بتعبير جامد.
نظرت الغريبة إليها بحاجب مرفوع، ثم بعيون واسعة غير مصدقة:
‘والآن… ماذا أفعل؟’
“هاه…”
عندما كانت رين تشرب سابقاً، انتفض كتفاها فجأة، والذي قد يعزى إلى البرد ولكن إن لم تخني ذاكرتي فيمكن أن يعني يكون أيضا للتوتر والقلق المتراكمين لفترات طويلة، كذلك لمحت معصميها ملفوفين بالضمادات وبلا وعي كانت تخفيهم.. وطوال حديثها تكلمت بنبرة لوم واحتقار لنفسها..
ربما الحادث ولو للحظة لم يغرب عن ذهنها، وكل حادث آخر تسببت به.. طيلة فترة حياتها تحملت..
وجهها أكثر من كافي لتعلم أنها على الحافة..
غطت آن فمها بيدها، رتبت كلماتها بعناية ثم قالت مستذكرة:
“رين كانت الأولى والأخيرة من اعتبرتها صديقة حقيقية، للأسف، مازلت لم أتجاوز الأمر بشكل كامل، حاولت بعد فترة من الحادث أن أصنع صداقات، ومهما بذلت من جهد، لم أقدر على صنع أكثر من بضعة علاقات سطحية، بكيت كثيراً آنذاك، وكرهت نفسي كثيراً لفترة، وكرهتك أنت وبياتريكس وكل شيء…
توقفت قليلًا، ثم تابعت:
ولكن.. أوتعلمين..
أنا لا أقول هذا طلبًا للمغفرة، ولا تبريرًا، ولا استدرارًا لأيّ تعاطف… لست أدري حتى لماذا ما زلت حيّة.
ذلك الشعور… الحُرقة، عبئ جداً ثقيل… وأطمح للتخلص منه..
آذيتك، وكنت على الأرجح سبب انتقال بياتريكس… وبعدها طلاق والديّ.”
أنا مثلك لازلت محتارة عن الكثير..
ولكن..
أن تكرهي نفسك، وأن تستصغريها لإرتكاب الأخطاء هو ظلم بحق ذاتك، رين، كان خطأنا جميعاً، خطأ عدم نضجنا، وقلة تواصلنا وتفاهمنا..”
‘ظننتها ستقاتل بقوة أكبر… لم أدرك هشاشتها.’
” أنا أسامحك، لا تسيئي فهمي، أنا أسامحك، لكن لن أعاملك كما لو لم تؤذيني، أثبتي ندمك بأفعالك، حينها سأصدقك..”
النهاية
“محال أن نعود كما كنا، ولكن… أتقلبين أن نبدأ من جديد..؟”
ولكن..
مدت آن يدها ولمعت عينا رين..
“محال أن نعود كما كنا، ولكن… أتقلبين أن نبدأ من جديد..؟”
أخذت رين اليد وضمتها لجبهتها، بكت، مسحت آن على رأسها، ثم نظرت نظرة خاطفة للمرآة، ورأت انعكاسها.. انشق التعبير الرواقي لإبتسامة صغيرة، ثم اتسعت اكثر واكثر..
تلك المعركة التي تمنت لو أنها خسرتها.
كيف لها أن تطلب شرحًا بتلك العينين الخاليتين من الاهتمام؟
حتى لم تعد تبدو كابتسامة..
ثم أسأل ثانية: هل أظلم نفسي؟ لا أعلم.
غطت فمها بيدها، نزعتها وعادت ابتسامتها
أنا صادقة حين أقول: ما حدث لم يكن خطأك، كان خطئي وحدي.
توقفت رين للتفكير، ثم أدركت:
شعرت برين ترتاح عليها، فأخفضت رأسها ببطء، وعادت ابتسامتها، واحتضنتها بشكل، أكثر إحكاما..
ربما الحادث ولو للحظة لم يغرب عن ذهنها، وكل حادث آخر تسببت به.. طيلة فترة حياتها تحملت..
النهاية
أتت نادلة وقدمت كوب قهوة لآن، ومشروبًا لرين. خيم صمت محرج، ثم سألت آن مجددًا:
أتت نادلة وقدمت كوب قهوة لآن، ومشروبًا لرين. خيم صمت محرج، ثم سألت آن مجددًا:
