▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 36 – تعال واضربني
***
بما أنّ ماي كان مُحاربًا طوطميًّا من المستوى المتوسّط، فقد شغل مكانة مهمّة داخل فريق الصيد، ولهذا كان عليه أن يتولّى الكثير من الأمور عند عودته إلى القبيلة. وبالطبع، لم يكن ليبقى خاليًا من العمل مثل لانغ غا. وعندما وصل شاو شوان، كان ماي يُسند مهامّ الدورية إلى بعض المحاربين.
انتظر شاو شوان، ولم يدخل إلّا بعد أن غادر المحاربان الآخران.
في الداخل، كان ماي يقطع اللحم. ففي مهمة الصيد، كان المحاربون يكتفون بالمعالجة الأولية للّحم، أمّا بعد عودتهم، فيلزَم تقطيعه إلى قطع أصغر، وحفظ بعضه، ثم فرز الأنواع المختلفة لاستعمالات لاحقة.
“مرحبًا.” لوّح ماي بيده عندما رأى شاو شوان يدخل الغرفة، وألقى إليه قطعة لحم مغطاة بالدماء بحجم ثمرة بطيخ، “خذ هذه معك لاحقًا، لأنك ستجوع سريعًا بعد أن تُصبح محاربًا طوطميًّا. التدريب مُنهِك.”
كان كثير من الناس يُنقِصون من وقت تدريبهم عندما يقلّ الطعام. فالمحارب الطوطمي يستهلك كمًّا كبيرًا من الطاقة أثناء التدريب، فيأكل أكثر بطبيعة الحال. ولا سيّما المحاربون الجدد مثل شاو شوان، فهم في طور بناء أجسادهم، ويُصبح الطعام لديهم ضرورة لا غنى عنها.
“شكرًا لك، العمّ ماي.” أخذ شاو شوان اللحم وقدّم له الكيس الشبكي، “هذا لك.”
ترك ماي الفأس الحجري من يده، وحدّق في الكيس الشبكي بفضول، “أأنتَ من صنع هذا؟”
“نعم. لا يمكن مقارنتها بأدواتك طبعًا، لكن أظنّ أنها ستنفع على أيّ حال.” حكّ شاو شوان رأسه. وعلى خلاف الأدوات التي أهداها للانغ غا، لم يختر هذه المرّة الكثير من رؤوس السهام الحجرية، بل أضاف المزيد من رؤوس الرماح. فهذه تُستخدم للرمي، ولأنّ موقع كلٍّ من الرجلين داخل فريق الصيد مختلف، اختلفت الأدوات الحجريّة التي يُفضِّلان استعمالها.
كان ماي قد سمع من لانغ غا أنّ شاو شوان يتعلّم صناعة الأدوات الحجرية على يد كي، ولكن لم يمضِ إلّا زمن قصير، لذا لم يتوقّع منه شيئًا مُتقَنًا. ولم يخطر بباله تحطيم حماسة الفتى أو ثقته.
ابتسم ماي وهو يفتح الكيس الشبكي، وقد همّ بأن يقول كلامًا مشجّعًا: “في الحقيقة، لا يمكن الاستعجال في تعلّم صناعة الحجر. في مثل سنّك ومع هذا الوقت القصير، فأنتَ بالفعل جيد في صنع هذه، وفي المستقبل…”
وتوقّفت الكلمات في حلقه عندما رأى رؤوس الرماح المتقنة بداخله. لقد ابتلع بقيّة الجملة في جوفه.
كانت تلك الرؤوس الحجرية مُتقنة الصنع تمامًا كتلك التي يستخدمها عادةً. ذات حوافّ عميقة، وشفرات حادّة على الجناحين تمتدّ وتتلاقى عند القمة الحادة بكلّ سلاسة دون أي أثر للنحت. من الواضح أنّ صانعها أولى عناية فائقة في صقلها. وعلى خلاف معظم رؤوس الرماح المُعدّة لباقي المحاربين، كان ماي يُفضّل الرؤوس ذات الأخاديد العميقة “الجائعة للدم” على الجانبين، وقد لاحظ شاو شوان ذلك، فأضاف تلك السمة عليها أيضًا!
وكما فعل لانغ غا، فقد أعطى ماي لشاو شوان بعض الأدوات الحجرية المستعملة من قبل ليتدرّب عليها، وكان معظمها رؤوس رماح. لكنّه لم يتوقّع يومًا أن يتلقّى هدايا بهذه الجودة مقابل ما قدّمه.
“هل… هل هذه… من صناعتك أنت؟!”
حدّق ماي في شاو شوان طويلًا إلى أن رآه يومئ برأسه. عندها نظر مجددًا إلى الرؤوس في كفّه. لم يتخيل أن يمتلك شاو شوان مثل هذا القدر من الموهبة. فحتى إن لم يتطور أبدًا، فبوسعه الاعتماد على هذه المهارة ليعيش حياة هادئة بلا جوع داخل القبيلة.
بعد لحظة تردّد، ضحك ماي بصوت عالٍ، “رائع! ممتاز!”
وعلى خلاف لانغ غا، لم يكن ماي يبالغ في الاهتمام بصناعة الحجر، ولم يكن شديد التنافس. أمام هذه الصنعة المتقنة، لم يشعر إلّا بالإعجاب الخالص.
وبعد أن حفظ الرؤوس بعناية، سأل عن تدريب شاو شوان مؤخرًا، وقدّم له بعض النصائح. كان واثقًا من قدرته، ولكنّه أيّد فكرة أن على المحاربين الجدد أن يتدرّبوا قدر المستطاع، وألا يتعجّلوا المشاركة في مهامّ الصيد. وإلّا سينتهي بهم الحال مثل الصبيّ آ-فَي، الذي كان عبئًا على فريق الصيد حين جاء وقت المواجهة الحقيقية. فقد استعجل النجاح، لكنه كان مليئًا بالثغرات.
فكّر ماي قليلًا، ثم مدّ كفّه إلى الأمام وقال لشاو شوان: “اضرب كفّي، ودعني أرى مقدار قوتك.”
كان من الواضح أن المحارب الطوطمي كلما ازداد قوة ظهرت عليه زيادة في القوة البدنية. لهذا طلب ماي ذلك، ليُقدّر مدى تقدّم شاو شوان في هذه الفترة. لكنه لم يتوقع الكثير، فشاو شوان كان مشغولًا بصناعة الحجر في الأيام الماضية.
“حسنًا.”
وضع شاو شوان قطعة اللحم في زاوية، وحرّك أطرافه قليلًا. وفي الحقيقة، هو نفسه لم يكن يعرف الفرق بينه وبين الآخرين الذين استيقظوا معه، سوى تلك القدرة الخاصة التي حصل عليها. ولم يكن يدري أي مرحلة بلغ. وكانت نصيحة ماي وتقييمه مفيدة جدًا بالنسبة لتدريبه.
وبما أنها تجربة للقوة، فعليه استخدام القوة الطوطمية بداخله.
بعد نفس عميق، حرّك شاو شوان القوة الطوطمية داخله، فانكشفت على خدّيه خطوط الطوطم واضحة على الفور، ثم امتدّت نحو مؤخرة عنقه.
وعندما رأى ماي أنه استثار القوة بهذه السرعة والطبيعية، بدا راضيًا؛ فقد كان بذلك أفضل من كثيرين قضَوا أعمارًا حتى يستطيعوا استثارة قوّتهم مثل هذا.
فجأة، ضغط شاو شوان بقدمه اليمنى على الأرض، وانطلق نحو ماي بسرعة، ووجّه قبضة ثقيلة نحو كفّه.
بانــغ!
كانت قبضةً ضد كفّ، ولكن وقعها كان كما لو أنّ جبلين ارتطما ببعضهما.
شعر شاو شوان كأنه ضرب قطعة من الفولاذ، وكان الإحساس مختلفًا تمامًا عن ضرب صخور الجبل أثناء التدريب.
اهتزّ جسده قليلًا، وتراجع خطوتين وهو يسحب قبضته ويفرك يده وفمه مفتوح من الألم. لم يكن الألم في يده فحسب، بل في كامل ذراعه.
كما كان متوقّعًا، فالفارق بين محارب مبتدئ وبين محارب طوطمي متوسط هائل. نظر إلى ماي، فلم يتورّد كفّه حتى، وكأنه ضُرب بقطعة من التوفو!
ولاحظ شاو شوان أن خطوط الطوطم تتوهّج على جسم ماي وتمتدّ إلى ما بعد مرفقيه، حتى ساعديه. أمّا خطوطه هو فلم تصل إلّا إلى كتفيه.
لكن ماي لم يكن هادئًا كما بدا. فقد كان يتأمل شاو شوان بدهشة. فخطوط الطوطم على جسده هي ما صدمه أكثر من ألم كفّه. لكنها اختفت سريعًا، فلم يكن متأكدًا هل تخيّل الأمر… لكن قوة الضربة كانت أعظم مما يصدر عن محاربين جدد عادةً…
ولم يكن فصل الشتاء، والحرارة ترتفع يومًا بعد يوم. وبسبب التدريب اليومي، كان شاو شوان يرتدي صدرية جلدية بلا أكمام لتسهيل الحركة. ولهذا كانت خطوطه الطوطمية ظاهرة للعيان عند الكتفين.
ورغم أنه ليس بالملاحِظ مثل العجوز كي، إلا أنّ عينه أفضل من معظم الناس.
“مرة أخرى! هذه المرة استخدم كل قوّتك.” أمر ماي.
ورأى شاو شوان أنّ ماي ربما لاحظ أمرًا ما، فلم يتردّد.
أخذ نفسًا عميقًا، واستثار القوة الطوطمية مجددًا، فأضاء الطوطم داخل ذهنه، وارتفعت ألسنة اللهب التي تغطّي القرنين، علامة على استنفار كامل للقوة الطوطمية.
ومع إحساسه بالقوة الهائلة تجري في عضلاته وعظامه، بلغ ذهنه ذروة التركيز. وبعد زمن طويل من صناعة الأدوات الحجرية، أصبح تحكمه الدقيق بالقوة ميزة واضحة؛ فقد اعتاد إحساس تركيز القوة أثناء الحفر والنحت كل يوم، وكان كلما شعر بذلك ينتابه يقين صلب!
وفي أثناء ذلك، ظهرت الخطوط الطوطمية على جسده بوضوح تام، وأمكن الإحساس بحرارة اللهيب المتّقد.
وفي اللحظة التي خطا فيها خطوة، ارتجّت الأرض قليلًا.
هســس!
وقبل أن تصل القبضة، سبقها ضغط الريح.
مع أنه مجرد محارب مبتدئ، ولم يمضِ وقت طويل على استيقاظه، وكانت قوته البدنية لم تكتمل بعد، إلّا أنّ قبضته حملت زخمًا لا يمكن مجاراته عند لحظة الانفجار.
ورأى ماي الصبي أمامه ـ ولا يبلغ طوله سوى خصره ـ بعينين متسعتين.
بانــغ!
ارتفع صوت تشقّق واضح.
وشعر شاو شوان فورًا بوخز حاد يشتعل في كامل ذراعه، وكأنه يُشوى فوق نار، بألم حارق لا ينتهي.
وتجمّد وجه ماي لحظةً، ثم عاد إلى طبيعته، لكن الصدمة في داخله لم تخمد، إذ كان يحدّق في شاو شوان ولم يسحب كفّه بعد.
أما الارتداد فقد دفع شاو شوان إلى الوراء بضع خطوات، وراح يهزّ ذراعه وهو يُصدر صفيرًا من الألم بلا وعي. لم يتوقع أن يكون الألم شديدًا هكذا، وكان يختلف كليًّا عن الضربة السابقة.
“آه-شوان.” نطق ماي، وصوته يحمل شيئًا من العسر والمرارة.
“نعم؟” رفع شاو شوان بصره وهو يواصل هزّ ذراعه. ولم يقلق من احتمال كسر العظام، فحتى إن حدث، سيشفى تمامًا بعد عدة أيام. وهذه إحدى مزايا أجساد أهل القبيلة.
“عندما تعود… عليك أن تستعد…”
وتوقّع شاو شوان أن يقول ماي ما قاله له لانغ غا: ألّا يُظهر وجهه ثلاثة أيام أو نحو ذلك. فنظر إليه منتظرًا أن يتم عبارته.
“استعد… للمشاركة في مهمة الصيد القادمة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!