Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 209

الاسم الرمزي دمّ التنين

الاسم الرمزي دمّ التنين

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“واجه الحقيقة! تلك كارثة!” رفع مورّات صوته قليلًا، وكان صوته يحمل كراهيةً عميقة. “إنّهم يجلبون الكوارث أينما ذهبوا! هل تظنّ أنّهم سيصبحون مواطنين صالحين في مدينة النجم الأبدي؟”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

نظر رافاييل إلى صديقه القديم وابتسم ابتسامةً غامضة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“كان ذلك مخطّطكم؟” تمتم الأمير لا إراديًا. “جلب الدموية إلى مدينة سحب التنين… وجعلها تثور؟”

Arisu-san

عضّ تاليس على شفته السفلى، وزفر، ثم قال، “كنتم تعلمون منذ ذلك الحين أنّ بوفريت هو الفاعل؟ بل وكنتم تعلمون بخطّة لامبارد أيضًا؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أولًا، تشتيت وجذب العتادين الأسطوريين المضادين للصوفيين بعيدًا.” قال ببرود.

الفصل 209: الاسم الرمزي: دمّ التنين

ظلّت أفكار تاليس عالقة بعلامة الوسم وذلك الشيء الغريب على يد رافاييل. تشبّثت الشقية الصغيرة بذراعه، ترتجف، ولم تجرؤ على النظر إلى الثقب الأسود.

استقرت أنفاس رافاييل. وكان أثر الإرهاق الذي بدا عليه حين فتح الثقب الأسود في ذراعه يتلاشى ببطء. “صاحب السموّ يستفسر عن (دمّ التنين).”

حدّق الآخرون في الثقب الأسود المخيف على ذراع رافاييل، يصغون، لكنهم لم يستطيعوا التفاعل مطلقًا مع صوت النبي الأسود الذي بدا وكأنّه يتردّد في آذانهم.

جاء ضحك النبي الأسود الساخر من الجهة الأخرى من الحيّز المجهول.

ظلّت أفكار تاليس عالقة بعلامة الوسم وذلك الشيء الغريب على يد رافاييل. تشبّثت الشقية الصغيرة بذراعه، ترتجف، ولم تجرؤ على النظر إلى الثقب الأسود.

لم يتكلّم أحد في الظلام، إلى أن جاء صوت النبي الأسود الخالي من العاطفة مرّةً أخرى.

وقف وايا بوجهٍ متجهّم أمام تاليس، يمدّ يده لا إراديًا نحو سيفه أحاديّ الحدّ. أمّا تعبير رالف فكان مخفيًا تحت قناعه النصفي، غير أنّ ارتعاش حاجبيه كان كافيًا ليفضح ما به.

“إذًا جلبتموها إلى مدينة سحب التنين فقط لتنفيذ مخطّطكم، مؤامرتكم؟” قال وهو يضغط على أسنانه. “تستخدمونها كسلاح، كأداة، كقطعة شطرنج؟!”

بعينين متّسعتين، حدّق كوهين في الهيئة الغريبة لصديقه القديم بصدمةٍ لا تُصدَّق. أمّا ميراندا، فكانت تحدّق في ذراع رافاييل، وأنفاسها غير منتظمة.

(“…بل نحن أنفسنا.”)

“نوع الاتصال: طائرة السُّكَّر.” بدا رافاييل واهيًا. وبوجهٍ شاحب، اعتدل في وقفته، وأشار بعينيه للآخرين أن يبقوا في أماكنهم، ثم قال شيئًا غامضًا للثقب الأسود المخيف على ذراعه.

“غير صحيح.” هزّ الشاب من جهاز الاستخبارات السرّية رأسه بتعبيرٍ بارد. “ذلك ما صنعته الدموية. لا يمكننا بأيّ حال أن نمحو منطقة كاملة من خريطة مدينة سحب التنين في ليلةٍ واحدة.”

“القفّاز الأبيض تلوّث بالدم. الرمح ذو الحدّين قد انكسر.”

تذكّر تاليس كيف اندفع السيف الأسود نحو الصوفية الدموية من دون أن يلتفت.

قطّب تاليس حاجبيه قليلًا. (هل هذه شيفرة سرّية؟)

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

ما إن أنهى رافاييل كلامه، حتى خيّم الصمت على السجن. وفجأة، بدأت الأسنان الحادّة المحيطة بالثقب الأسود تتحرّك.

رفع تاليس ذقنه، وهو يرتجف. “تركتموها… تقتل كلّ كائنٍ حيٍّ يقع في مرماها قبل أن تُختَم؟”

كادت أنفاس الجميع تنقطع. بل إنّ وايا سحب جزءًا صغيرًا من سيفه خارج غمده من شدّة التوتّر.

دوّى ضحك النبي الأسود مرّةً أخرى.

في الثانية التالية، ومع تلوّي الثقب الأسود، صدر من ذراع رافاييل صوتٌ أجوف لكنه واضح، بدا كأنّه آتٍ من مسافة بعيدة.

تجاهله الجميع، وأصغوا بدلًا من ذلك إلى ما كان النبي الأسود يقوله.

“من الحاضر؟” سأل صوت النبي الأسود البارد. رفع رافاييل ذقنه.

“إذًا، ماذا تودّ أن تعرف، صاحب السموّ؟” قال النبي الأسود ببطء.

“الأمير، ومرافقوه…” جالت عينا رافاييل الحمراوان على الأمير ومن خلفه، ثم على كوهين وميراندا. كان في نظرته مزيجٌ معقّد من المشاعر. “…والشخصان اللذان ذكرتُهما من قبل.”

“الثقة؟”

سكن الثقب الأسود مرّةً أخرى.

عضّ تاليس على شفته السفلى، وزفر، ثم قال، “كنتم تعلمون منذ ذلك الحين أنّ بوفريت هو الفاعل؟ بل وكنتم تعلمون بخطّة لامبارد أيضًا؟”

استقرت أنفاس رافاييل. وكان أثر الإرهاق الذي بدا عليه حين فتح الثقب الأسود في ذراعه يتلاشى ببطء. “صاحب السموّ يستفسر عن (دمّ التنين).”

ضحك النبي الأسود مرّةً أخرى. وهذه المرّة كان ضحكه مرعبًا إلى حدٍّ بعيد.

كبح تاليس شعوره بالنفور من ذلك الثقب الأسود المقزّز المليء بتلك الأسنان الحادّة. فمنذ لقائه بـصوفية الدم، ازدادت قدرته على تحمّل ما يثير الغثيان بدرجةٍ كبيرة. شهق الأمير وهو يقطّب حاجبيه.

“ينبغي أن تكون أكثر امتنانًا، أيّها الأمير الصغير. لحسن الحظّ، تمكّن جهاز الاستخبارات السرّية من السيطرة على الدموية، قطعة الشطرنج المرعبة تلك.” قال مورّات ببرود، وكأنّ كلماته مشبعة بجليدٍ عمره سنون. “بثمنٍ صغير، ضمِنّا أن تفنى هذه الآفة في مدينة سحب التنين إلى الأبد.

رفع رأسه وسأل، “ما هو بالضبط؟”

شعر تاليس بأنّ قبضة الشقية الصغيرة على ذراعه اشتدّت قليلًا. واصل مورّات حديثه.

لم يكن داخل الثقب الأسود سوى ظلامٍ لا قعر له. ومع ذلك، كان تاليس يعلم أنّ ما يكمن فيه ليس ذراع رافاييل ولا لحمه.

حدّقت ميراندا فيه بتعبيرٍ غريب.

تحت الضوء الخافت، حدّق الأمير في الثقب الأسود بعدم تصديق، وطرح السؤال الذي كان الجميع يريد طرحه، “هذا… صوت مورّات؟”

“عبر التاريخ، مهما بلغت القوّة من شدّة، أو بلغ الكيان من رعب؛ وحتى لو كانت وحوشًا قادرة على تدمير قارّةٍ كاملة في لحظة، فهي مجرّد أشياء تافهة لا تلبث أن تُحدث ضجيجًا عابرًا ثم تتلاشى كالضباب في غمضة عين.”

ألقى رافاييل عليه نظرةً عميقة من دون أن ينبس بكلمة. وكان الردّ هو تلوّي الثقب الأسود.

“من الحاضر؟” سأل صوت النبي الأسود البارد. رفع رافاييل ذقنه.

ظهر ذلك الصوت الأجشّ مرّةً أخرى، لكن صاحبه هذه المرّة وجّه كلامه إلى شخصٍ آخر. “الأمير تاليس، هل تعرف من أكون؟”

“لا أحد يستطيع الاعتماد على القوّة المطلقة لقهر كلّ شيء.” رفع رافاييل يده وأشار إلى رأسه. “لذلك، لا ينبغي أن تثق بالقوّة كثيرًا. أمام الأقوياء حقًّا، حتى الكارثة ليست سوى قطعة شطرنج.”

تحوّلت أنظار الجميع إلى الأمير. أومأ رافاييل له، موجّهًا الثقب الأسود على ذراعه نحو تاليس.

“كان ذلك مخطّطكم؟” تمتم الأمير لا إراديًا. “جلب الدموية إلى مدينة سحب التنين… وجعلها تثور؟”

لم ينظر تاليس إلى الثقب الأسود. بل أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا. طرد من ذهنه كلّ الأفكار غير الضرورية، محاولًا نسيان اللقاء غير السارّ في قاعة مينديس.

تذكّر تاليس النظرة المتجمّدة الخالية من العاطفة على وجه آسدا، وتعبير جيزا وهي تقهقه بلا توقّف.

فتح تاليس عينيه وقال بهدوء للثقب الأسود، “بالطبع، اللورد هانسن. لقد تركتَ انطباعًا عميقًا، لا أجرؤ على نسيانه.”

كان الآخرون يحدّقون في هذا المشهد بتعابير متباينة. تلوّى الثقب الأسود، بينما انبعث من أعماقه ضحك مورّات الأجشّ.

أطلق كوهين زفرةً محبطة. شدّ تاليس قبضتيه مرّةً أخرى، وزفر من بين أسنانه. “لكنّكم جلبتم الدموية.”

“لا تقلق، صاحب السموّ. لستُ بجانبك الآن.” كان صوت النبي الأسود أشبه بفحيح أفعى، يبعث التوتّر. “وبالطبع، يمكنك أن تتظاهر بأنّي هناك معك، إن كان ذلك يمنحك بعض الطمأنينة.”

عند سماع هذا الاسم مجدّدًا، شعر تاليس بأنّ قلبه بدأ يخفق من جديد.

ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة متكلّفة وغير مريحة، رغم أنّه لا يعلم إن كان النبي الأسود قادرًا على رؤيتها.

“غير اعتيادي؟” قطّب تاليس حاجبيه. “هل تقصد كراهية لامبارد لنوڤين السابع، ولآل والتون، ومدينة سحب التنين؟”

“إذًا، ماذا تودّ أن تعرف، صاحب السموّ؟” قال النبي الأسود ببطء.

“تابع.” بدأت ميراندا، وكان صوتها الصافي البارد بارزًا في السجن. “كيف استخدمتم الكارثة؟”

“خمس عشرة دقيقة.” ذكّر رافاييل. “لا تنسَ الدورية القادمة.”

(لا، أفعى.)

(ماذا أودّ أن أعرف؟) شدّ تاليس قبضتيه. بدأ عقله بالدوران، وتلاحقت الصور أمام عينيه، مشهدًا تلو آخر. رفع ذقنه وقال من دون تردّد،

تذكّر تاليس كيف اندفع السيف الأسود نحو الصوفية الدموية من دون أن يلتفت.

“كلّ شيء… كلّ شيء عن عملية لامبارد، وعن موت الملك نوڤين؛ أريد أن أعرف كلّ ما يعرفه جهاز الاستخبارات السرّية.”

لم يتكلّم تاليس، بل كان ينتظر مورّات.

صدر قهقهة مكتومة من داخل الثقب الأسود. تبادل كوهين وميراندا نظرةً قلقة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

وأخيرًا، بدا صوت النبي الأسود أكثر حيوية، رغم بقائه مزعجًا. “حسنًا. من أين أبدأ؟”

صدر قهقهة مكتومة من داخل الثقب الأسود. تبادل كوهين وميراندا نظرةً قلقة.

لم يتكلّم تاليس، بل كان ينتظر مورّات.

صدر قهقهة مكتومة من داخل الثقب الأسود. تبادل كوهين وميراندا نظرةً قلقة.

“همم… هناك نقطة بداية مناسبة.” قال النبي الأسود بهدوء من الجهة الأخرى. “العام الدموي.”

كبح تاليس شعوره بالنفور من ذلك الثقب الأسود المقزّز المليء بتلك الأسنان الحادّة. فمنذ لقائه بـصوفية الدم، ازدادت قدرته على تحمّل ما يثير الغثيان بدرجةٍ كبيرة. شهق الأمير وهو يقطّب حاجبيه.

عند سماع هذا الاسم مجدّدًا، شعر تاليس بأنّ قلبه بدأ يخفق من جديد.

لم يتكلّم تاليس، بل كان ينتظر مورّات.

رفعت ميراندا ورافاييل رأسيهما في آنٍ واحد. تبادلا نظرةً التقطا فيها مشاعر لا يفهمها سواهما.

ثبّت تاليس نظره على الثقب الأسود البشع على ذراع رافاييل، وحدقتاه لا تتحرّكان. “ألم يكن هذا ما أردتموه؟ أن تجلبوا الكارثة إلى مدينة سحب التنين؟”

“خلال أشدّ الفترات قسوةً في الكوكبة، وصل كونت من إقليم الرمال السوداء يحمل وثيقةً رسمية من ملك إكستيدت. وبعبارةٍ أخرى: إعلان حرب.” كان صوت النبي الأسود أجشًّا مزعجًا كعادته، لكنّه هادئ على نحوٍ غريب. “في ذلك الوقت، كان الكونت يكتسب سمعةً في الشمال. وقد اتّبع تقليد الشمال القديم والقاسي—فانتزع وراثة آرشيدوق إقليم الرمال السوداء فوق جثّة أخيه.”

تذكّر أيضًا كيف سقط كلّ ذلك في الخراب في لحظةٍ واحدة.

شعر تاليس بأنّ قبضة الشقية الصغيرة على ذراعه اشتدّت قليلًا. واصل مورّات حديثه.

“كانت هذه مهمّتنا…” ألقى رافاييل نظرةً على من حوله، ونبرته لا تزال محايدة كما كانت. “…لتحقيق هدفين.

“وعندما قدّم طلب نوڤين أمام البلاط بأسره—فيما كان التنّين العظيم والكوكبة على شفا الحرب—قام الملك السابق باحتجاز هذا المبعوث من إكستيدت. وبالنظر إلى مكانته كوريث لإقليم الرمال السوداء، كان من الممكن أن يصبح ورقة مساومة في الحرب.”

دُهش تاليس.

شدّ تاليس قبضتيه. فالقصة التي رواها له لامبارد في العربة توقّفت عند ذهابه في مهمةٍ دبلوماسية إلى الكوكبة. وما لم يتوقّعه الأمير، هو أن يسمع بقية القصة من فم النبي الأسود.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

تابع النبي الأسود، “لكن، بعد الجمع بين نتائج تحقيقات الاستخبارات السرّية، توصّل أميرٌ حكيم إلى أنّ هدف مدينة سحب التنين كان أن نقوم نحن بقتل تشابمان لامبارد بالنيابة عنهم. وعلى الأرجح، كان الملك نوڤين يكره ابن اخته هذا الذي قتل أخاه بيديه.”

في الثانية التالية، ومع تلوّي الثقب الأسود، صدر من ذراع رافاييل صوتٌ أجوف لكنه واضح، بدا كأنّه آتٍ من مسافة بعيدة.

ارتفع حاجب تاليس. (أميرٌ حكيم؟)

(الشخص المناسب… لتحريكها…)

“وبعد سلسلة من الاجتماعات السرّية، تمّ (إنقاذ) تشابمان لامبارد على يد مرؤوسيه خلال (عملية).” أطلق النبي الأسود ضحكةً باردة، كأنّه يتسلّى باسترجاع الذكرى. “قال لي الأمير ميدير إنّه رأى شيئًا غير اعتيادي في عيني الكونت الشاب لامبارد.”

“غير صحيح.” هزّ الشاب من جهاز الاستخبارات السرّية رأسه بتعبيرٍ بارد. “ذلك ما صنعته الدموية. لا يمكننا بأيّ حال أن نمحو منطقة كاملة من خريطة مدينة سحب التنين في ليلةٍ واحدة.”

(ميدير جيدستار.) استخرج تاليس الاسم من ذاكرته: كان الابن الأكبر للملك السابق ووليّ العهد الأسبق، عمّه.

سكن الثقب الأسود مرّةً أخرى.

“غير اعتيادي؟” قطّب تاليس حاجبيه. “هل تقصد كراهية لامبارد لنوڤين السابع، ولآل والتون، ومدينة سحب التنين؟”

“قطعة شطرنج؟” خفّض تاليس رأسه ببطء. شعر الأمير الثاني وكأنّ ذهنه في فوضى. عاد إليه الإرهاق الذي لم يشعر به منذ مدّة. كان متعبًا للغاية.

صدر من الثقب الأسود همهمة مورّات الغامضة، تحمل لمحة سخرية أو تهكّم.

جاء ضحك النبي الأسود الساخر من الجهة الأخرى من الحيّز المجهول.

“عبر التاريخ، كره كلّ آرشيدوق من إكستيدت الرجلَ الجالس على العرش المنتخب شعبيًا. وليس بالضرورة أن يكون والتونًا أو لامباردًا.” قال النبي الأسود بصوته الأجشّ. “لكن لماذا تشابمان تحديدًا؟ أظنّ أنّ الأمير ميدير كان لديه أسبابه.”

أظهر رافاييل ابتسامةً غامضة.

“وهكذا، زُرعت بذرة، ونمت في الظلام على مدى الاثني عشر عامًا الماضية.” بدا مورّات وكأنّه يتحسّر. “مع أنّ ميدير لم يرَها قطّ.”

“عبر التاريخ، مهما بلغت القوّة من شدّة، أو بلغ الكيان من رعب؛ وحتى لو كانت وحوشًا قادرة على تدمير قارّةٍ كاملة في لحظة، فهي مجرّد أشياء تافهة لا تلبث أن تُحدث ضجيجًا عابرًا ثم تتلاشى كالضباب في غمضة عين.”

شعر تاليس بالتوتّر.

كان صدر تاليس يعلو ويهبط. حاول جاهدًا ضبط صوته. “هل رأيتم منطقة الدرع؟ هل رأيتم ما الذي فعلته؟”

“انتظر. المراسلات بين جهاز الاستخبارات السرّية ولامبارد بدأت منذ اثني عشر عامًا؟” رفع الأمير رأسه بدهشة. “إذًا لماذا لم توقفوا خطّته لاغتيال موريا ومنع خطر الحرب بين المملكتين؟ وحصن التنّين المحطّم—”

أنهى مورّات كلامه، وعاد الصمت الكامل ليخيّم على السجن.

قاطعه النبي الأسود.

“أتظنّ أنّه كان ذنبنا؟ ذنب جهاز الاستخبارات السرّية؟” قال مورّات بفتور.

“مراسلات؟ أنت مخطئ.” قال الصوت المبحوح من داخل الثقب الأسود بازدراء. “لامبارد كان دائمًا مستقلًا وحُرًّا. لم يقم جهاز الاستخبارات السرّية برشوته أو التحكّم به؛ فذلك أقلّ الأساليب كفاءةً.

(ماذا أودّ أن أعرف؟) شدّ تاليس قبضتيه. بدأ عقله بالدوران، وتلاحقت الصور أمام عينيه، مشهدًا تلو آخر. رفع ذقنه وقال من دون تردّد،

“كان هذا تفاهمًا متبادلًا غير مُعلَن، ولم نتفاعل طيلة الاثني عشر عامًا الماضية، متجاهلين بعضنا بعضًا.

تدفّقت المشاهد في ذهنه: أناسٌ يتخبّطون، ينوحون، يصرخون، ثم يموتون اختناقًا في النهاية، أو يُدفنون تحت المجسات في منطقة الدرع.

“لكن عندما يحين الوقت، نستيقظ كلانا من سباتنا، ونرى بعضنا بعضًا في الظلام الذي لا نهاية له.”

“قطعة شطرنج؟” خفّض تاليس رأسه ببطء. شعر الأمير الثاني وكأنّ ذهنه في فوضى. عاد إليه الإرهاق الذي لم يشعر به منذ مدّة. كان متعبًا للغاية.

ازداد صوت النبي الأسود قتامة. وفي تلك اللحظة بالذات، شعر تاليس أنّ ما يكمن في الجهة الأخرى من الثقب الأسود ليس إلّا مفترسًا شرسًا.

Arisu-san

(لا، أفعى.)

“ليس أمرًا سيحدث يومًا ما، حيث تقفون جميعًا تبكون وتصرخون وأنتم تشاهدون مدينة النجم الأبدي تتحوّل إلى أنقاض شبرًا شبرًا تحت يدي تلك المجنونة القاتلة.”

في السجن الكئيب، حدّق تاليس صامتًا في الثقب الأسود على يد رافاييل. وعلى الجهة المقابلة، كان كوهين يطلق زفرةً طويلة، وعلى وجهه تردّد واضح.

لم يتكلّم تاليس، بل كان ينتظر مورّات.

“مؤامرةٌ لعينة.” تمتم الشرطي بصوتٍ منخفض.

“التوقيت المثالي لقطعة الشطرنج المثالية.” أطلق مورّات زفرةً ذات مغزى، كأنّه يعبّر عن إعجابه بعملٍ فنّي. “والجلّاد المثالي.

تجاهله الجميع، وأصغوا بدلًا من ذلك إلى ما كان النبي الأسود يقوله.

“وعندما قدّم طلب نوڤين أمام البلاط بأسره—فيما كان التنّين العظيم والكوكبة على شفا الحرب—قام الملك السابق باحتجاز هذا المبعوث من إكستيدت. وبالنظر إلى مكانته كوريث لإقليم الرمال السوداء، كان من الممكن أن يصبح ورقة مساومة في الحرب.”

“منذ أن مُنحتَ اللقب الملكي، وبعد محاولة اغتيالك… انكشفت مؤامرة لامبارد وبوفريت لتعطيل خطّ وراثة آل والتون للعرش.” أطلق مورّات ضحكةً باردة من الجهة الأخرى. “وعرف جهاز الاستخبارات السرّية أنّ الوقت قد حان.”

ثبّت تاليس نظره على الثقب الأسود البشع على ذراع رافاييل، وحدقتاه لا تتحرّكان. “ألم يكن هذا ما أردتموه؟ أن تجلبوا الكارثة إلى مدينة سحب التنين؟”

عضّ تاليس على شفته السفلى، وزفر، ثم قال، “كنتم تعلمون منذ ذلك الحين أنّ بوفريت هو الفاعل؟ بل وكنتم تعلمون بخطّة لامبارد أيضًا؟”

تابع رافاييل من حيث توقّف النبي الأسود. “الليلة الماضية، أطلقنا عملية الدموية وفق الخطة. تلقّى الملك نوڤين الخبر فورًا—بأنّ وحشًا أسطوريًا يعيث خرابًا في مدينته.

ضحك النبي الأسود ببرودٍ مرّةً أخرى ولم يُجب. وكان من ردّ هو رافاييل.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“لا، نحن لا نهتمّ بالحقيقة ولا بتفاصيلها.” كان الشاب من جهاز الاستخبارات السرّية يسند ذراعه اليمنى، محدّقًا في الثقب الأسود البشع عليها. “ما نهتمّ به بسيط وواضح: اليقين بأنّ (إكستيدت غير مستقرة).”

أدار رافاييل رأسه ونظر إليه.

“نعم. لم نكن نعمل مع لامبارد فحسب.” قال رافاييل بهدوء. انحنى رأسه، وتعذّر تبيّن ما في تعبيره. “بل قدّمنا له العون أيضًا، لكن مرّة واحدة فقط—وكانت حتى الجزء الأكثر حسمًا في خطّته.”

أطلق تاليس شخيرًا خفيفًا، وعيناه باردتان.

حدّقت ميراندا فيه بتعبيرٍ غريب.

وقف وايا بوجهٍ متجهّم أمام تاليس، يمدّ يده لا إراديًا نحو سيفه أحاديّ الحدّ. أمّا تعبير رالف فكان مخفيًا تحت قناعه النصفي، غير أنّ ارتعاش حاجبيه كان كافيًا ليفضح ما به.

أغمض تاليس عينيه، ابتلع ريقه، وقال بصعوبةٍ ما، “الدموية.”

“عاملتم تلك… الكارثة كقطعة شطرنج؟” بدا صوت تاليس واهيًا ومثقلًا بالحزن. “ما الذي منحكم الثقة لتظنّوا أنّكم قادرون على التلاعب بكارثةٍ أسطورية؛ على التحكّم بقوّة دمارٍ هائلة… حتى بعدما كادت أن تُبيد جميع سكّان منطقة كاملة في مدينة سحب التنين؟”

أومأ رافاييل برأسه.

ضمّت الشقية الصغيرة شفتيها وهي تنكمش في الزاوية. تعبيرها لم يكن واضحًا.

رفع رافاييل ذقنه. كانت كلّ المشاعر قد اختفت تمامًا من وجهه. “قبل وقتٍ من مغادرتك في المهمة الدبلوماسية، كادت عصابة قديمة لها صلات بالصوفيين أن تُباد بالكامل في العاصمة.

(ماذا أودّ أن أعرف؟) شدّ تاليس قبضتيه. بدأ عقله بالدوران، وتلاحقت الصور أمام عينيه، مشهدًا تلو آخر. رفع ذقنه وقال من دون تردّد،

“وبسبب هذه الهزيمة الكارثية، اضطُرّت الدموية—التي كانت متوارية لسنوات—إلى الظهور مجددًا.”

ارتجف تاليس. تذكّر الرجل حامل الرمح ونيكولاس حين أدخله السيف الأسود إلى منطقة القتال.

دوّى ضحك النبي الأسود مرّةً أخرى.

“هذا أكثر من…” شدّ الشرطي على أسنانه بوجهٍ مكفهرّ. “كارثة تلك الليلة… جهاز الاستخبارات السرّية هو من تسبّب بها؟”

“التوقيت المثالي لقطعة الشطرنج المثالية.” أطلق مورّات زفرةً ذات مغزى، كأنّه يعبّر عن إعجابه بعملٍ فنّي. “والجلّاد المثالي.

لم يتكلّم أحد في الظلام، إلى أن جاء صوت النبي الأسود الخالي من العاطفة مرّةً أخرى.

“بالنسبة لتشابمان لامبارد، لم يكن هناك عونٌ أفضل من هذا.”

(ميدير جيدستار.) استخرج تاليس الاسم من ذاكرته: كان الابن الأكبر للملك السابق ووليّ العهد الأسبق، عمّه.

شعر تاليس ببرودةٍ في صدره. حدّق في الثقب الأسود. امتلأ قلبه بمشاعر معقّدة. تردّد ضحك النبي الأسود في المكان.

(لقد جُذِبا بعيدًا عن قصد…)

“زيّفنا بعض المعلومات الاستخباراتية.” قال رئيس جهاز الاستخبارات السرّية من الجهة الأخرى بنبرةٍ متسلّية. “طرحنا طُعمًا زائفًا جزئيًا، يكفي فقط لاستدراج الصوفية الدموية شمالًا.”

شعر تاليس ببرودةٍ في صدره. حدّق في الثقب الأسود. امتلأ قلبه بمشاعر معقّدة. تردّد ضحك النبي الأسود في المكان.

استفاق تاليس من صدمته، وقال وقد اتّضحت له الصورة، “رامون، أتذكّر أنّه كان الشخص الذي كانت عصابة قوارير الدم تطارده. إذًا، لم يكن وجوده ضمن مرافقي مصادفة، أليس كذلك؟”

“التوقيت المثالي لقطعة الشطرنج المثالية.” أطلق مورّات زفرةً ذات مغزى، كأنّه يعبّر عن إعجابه بعملٍ فنّي. “والجلّاد المثالي.

أظهر رافاييل ابتسامةً غامضة.

“منذ أن مُنحتَ اللقب الملكي، وبعد محاولة اغتيالك… انكشفت مؤامرة لامبارد وبوفريت لتعطيل خطّ وراثة آل والتون للعرش.” أطلق مورّات ضحكةً باردة من الجهة الأخرى. “وعرف جهاز الاستخبارات السرّية أنّ الوقت قد حان.”

“وهكذا، استُدرجت الصوفية الدموية من قبلنا إلى مدينة سحب التنين.” قال النبي الأسود بفتور. “وبذلك وُضعت قطعة الشطرنج، بانتظار الشخص المناسب لتحريكها.”

“القفّاز الأبيض تلوّث بالدم. الرمح ذو الحدّين قد انكسر.”

أنّـت الشقية الصغيرة بخوف. وكان تاليس يعلم ما الذي تذكّرته.

أنهى مورّات كلامه، وعاد الصمت الكامل ليخيّم على السجن.

(الشخص المناسب… لتحريكها…)

“تابع.” بدأت ميراندا، وكان صوتها الصافي البارد بارزًا في السجن. “كيف استخدمتم الكارثة؟”

تذكّر تاليس كيف اندفع السيف الأسود نحو الصوفية الدموية من دون أن يلتفت.

شعر تاليس بأنّ قبضة الشقية الصغيرة على ذراعه اشتدّت قليلًا. واصل مورّات حديثه.

(لكن…)

“استُدرج إلى مدينة سحب التنين… تحريك…؟” تمتم تاليس لنفسه، وقبضتاه مشدودتان.

“التوقيت المثالي لقطعة الشطرنج المثالية.” أطلق مورّات زفرةً ذات مغزى، كأنّه يعبّر عن إعجابه بعملٍ فنّي. “والجلّاد المثالي.

تدفّقت المشاهد في ذهنه: أناسٌ يتخبّطون، ينوحون، يصرخون، ثم يموتون اختناقًا في النهاية، أو يُدفنون تحت المجسات في منطقة الدرع.

أومأ رافاييل برأسه.

تذكّر نفسه والشقية الصغيرة وهما يفرّان يائسَين من الخطر. كانت هناك مئات الجثث ملقاة في كلّ زاوية من الأماكن التي ركضا عبرها.

“منذ أن مُنحتَ اللقب الملكي، وبعد محاولة اغتيالك… انكشفت مؤامرة لامبارد وبوفريت لتعطيل خطّ وراثة آل والتون للعرش.” أطلق مورّات ضحكةً باردة من الجهة الأخرى. “وعرف جهاز الاستخبارات السرّية أنّ الوقت قد حان.”

بعد بضع ثوانٍ، زفر تاليس بصعوبة.

كان الآخرون يحدّقون في هذا المشهد بتعابير متباينة. تلوّى الثقب الأسود، بينما انبعث من أعماقه ضحك مورّات الأجشّ.

طفَت في ذهنه صورة شوارع منطقة الدرع—الأزقّة القذرة المليئة بثلجٍ ذائب موحل، الجدران المحطّمة والأشجار الذابلة المنتشرة في كلّ مكان، الطرق الحصوية الوعرة، نباح كلبٍ من مربطه، ولعنات عامّة أهل الشمال الغاضبة.

و…

أطلق كوهين زفرةً محبطة. شدّ تاليس قبضتيه مرّةً أخرى، وزفر من بين أسنانه. “لكنّكم جلبتم الدموية.”

تذكّر أيضًا كيف سقط كلّ ذلك في الخراب في لحظةٍ واحدة.

“رمح قاتل الأرواح القادر على القتل بضربةٍ واحدة، ونصل قاطع الأرواح الذي يستطيع تشكيل حاجزٍ كامل.” شرح رافاييل بهدوء. “كانا سيشكّلان عائقًا كبيرًا أمام القاتل الذي جاء من أجل نوڤين.”

أناسٌ يمسكون بأعناقهم، يراقبون برعبٍ بخار الماء وهو يتصاعد من أعينهم وأفواههم. أطرافهم تتخبّط وتتشنّج. وجوههم تحمرّ وتلتوي. كان كلّ واحدٍ منهم يصارع ويرتجف، متشبّثًا بأنفاسه الأخيرة حتى بعدما عجز عن إصدار أيّ صوت.

كان الآخرون يحدّقون في هذا المشهد بتعابير متباينة. تلوّى الثقب الأسود، بينما انبعث من أعماقه ضحك مورّات الأجشّ.

عائلاتٌ تبكي وتصرخ وتلعن بينما كانت المجسات الوحشية تشدّهم. تشابكوا بإحكام، لكنّهم هبطوا في النهاية إلى جحيم الدم واللحم الممزّق، ولم يستيقظوا بعد ذلك قطّ.

قطّب تاليس حاجبيه قليلًا. (هل هذه شيفرة سرّية؟)

جثثٌ لا تُحصى، باردة، ناقصة الأطراف، كانت ملقاة بين الأنقاض. ولوّحت مجسات كيليكا العملاقة في الهواء، ساحقةً مبنىً بعد آخر، وجذعًا بعد آخر.

“بالنسبة لتشابمان لامبارد، لم يكن هناك عونٌ أفضل من هذا.”

غرست أظافر تاليس في راحتيه المرتجفتين وكادت تُدميهما. كان ذلك طريقه—طريق الموت الذي ركض عليه هو والشقية الصغيرة.

الفصل 209: الاسم الرمزي: دمّ التنين

“كان ذلك مخطّطكم؟” تمتم الأمير لا إراديًا. “جلب الدموية إلى مدينة سحب التنين… وجعلها تثور؟”

رفع رافاييل رأسه ونظر إلى صديقه القديم.

ضمّت الشقية الصغيرة شفتيها وهي تنكمش في الزاوية. تعبيرها لم يكن واضحًا.

“لا أحد يستطيع الاعتماد على القوّة المطلقة لقهر كلّ شيء.” رفع رافاييل يده وأشار إلى رأسه. “لذلك، لا ينبغي أن تثق بالقوّة كثيرًا. أمام الأقوياء حقًّا، حتى الكارثة ليست سوى قطعة شطرنج.”

رفع تاليس ذقنه، وهو يرتجف. “تركتموها… تقتل كلّ كائنٍ حيٍّ يقع في مرماها قبل أن تُختَم؟”

“ينبغي أن تكون أكثر امتنانًا، أيّها الأمير الصغير. لحسن الحظّ، تمكّن جهاز الاستخبارات السرّية من السيطرة على الدموية، قطعة الشطرنج المرعبة تلك.” قال مورّات ببرود، وكأنّ كلماته مشبعة بجليدٍ عمره سنون. “بثمنٍ صغير، ضمِنّا أن تفنى هذه الآفة في مدينة سحب التنين إلى الأبد.

قطّب كوهين حاجبيه وأطبق فمه، محدّقًا في رافاييل الذي ارتدى وجهًا بلا مشاعر.

“لا، نحن لا نهتمّ بالحقيقة ولا بتفاصيلها.” كان الشاب من جهاز الاستخبارات السرّية يسند ذراعه اليمنى، محدّقًا في الثقب الأسود البشع عليها. “ما نهتمّ به بسيط وواضح: اليقين بأنّ (إكستيدت غير مستقرة).”

“هذا أكثر من…” شدّ الشرطي على أسنانه بوجهٍ مكفهرّ. “كارثة تلك الليلة… جهاز الاستخبارات السرّية هو من تسبّب بها؟”

“كلّ شيء… كلّ شيء عن عملية لامبارد، وعن موت الملك نوڤين؛ أريد أن أعرف كلّ ما يعرفه جهاز الاستخبارات السرّية.”

رفع رافاييل رأسه ونظر إلى صديقه القديم.

تحت الضوء الخافت، حدّق الأمير في الثقب الأسود بعدم تصديق، وطرح السؤال الذي كان الجميع يريد طرحه، “هذا… صوت مورّات؟”

“غير صحيح.” هزّ الشاب من جهاز الاستخبارات السرّية رأسه بتعبيرٍ بارد. “ذلك ما صنعته الدموية. لا يمكننا بأيّ حال أن نمحو منطقة كاملة من خريطة مدينة سحب التنين في ليلةٍ واحدة.”

صدر قهقهة مكتومة من داخل الثقب الأسود. تبادل كوهين وميراندا نظرةً قلقة.

أطلق كوهين زفرةً محبطة. شدّ تاليس قبضتيه مرّةً أخرى، وزفر من بين أسنانه. “لكنّكم جلبتم الدموية.”

أومأ رافاييل برأسه.

رفع تاليس رأسه فجأة، وصدر صوت فرقعةٍ من مفصل عنقه، كأنّه يريد أن يعبّر بهذه الحركة الوحيدة عن غضبه المكبوت العميق. “استخدمتم رامون طُعمًا لجذبها إلى الشمال، إلى مدينة سحب التنين!”

“قطعة شطرنج؟” خفّض تاليس رأسه ببطء. شعر الأمير الثاني وكأنّ ذهنه في فوضى. عاد إليه الإرهاق الذي لم يشعر به منذ مدّة. كان متعبًا للغاية.

كان صدر تاليس يعلو ويهبط. حاول جاهدًا ضبط صوته. “هل رأيتم منطقة الدرع؟ هل رأيتم ما الذي فعلته؟”

ارتبك تاليس المرهق قليلًا عند سماعه هذا الكلام.

لم يتكلّم أحد في الظلام، إلى أن جاء صوت النبي الأسود الخالي من العاطفة مرّةً أخرى.

تذكّر أيضًا كيف سقط كلّ ذلك في الخراب في لحظةٍ واحدة.

“أتظنّ أنّه كان ذنبنا؟ ذنب جهاز الاستخبارات السرّية؟” قال مورّات بفتور.

“الثقة؟”

ثبّت تاليس نظره على الثقب الأسود البشع على ذراع رافاييل، وحدقتاه لا تتحرّكان. “ألم يكن هذا ما أردتموه؟ أن تجلبوا الكارثة إلى مدينة سحب التنين؟”

تحوّلت أنظار الجميع إلى الأمير. أومأ رافاييل له، موجّهًا الثقب الأسود على ذراعه نحو تاليس.

جاء ضحك النبي الأسود الساخر من الجهة الأخرى من الحيّز المجهول.

Arisu-san

“واجه الحقيقة! تلك كارثة!” رفع مورّات صوته قليلًا، وكان صوته يحمل كراهيةً عميقة. “إنّهم يجلبون الكوارث أينما ذهبوا! هل تظنّ أنّهم سيصبحون مواطنين صالحين في مدينة النجم الأبدي؟”

أنهى مورّات كلامه، وعاد الصمت الكامل ليخيّم على السجن.

أطلق تاليس شخيرًا خفيفًا، وعيناه باردتان.

“قطعة شطرنج؟” خفّض تاليس رأسه ببطء. شعر الأمير الثاني وكأنّ ذهنه في فوضى. عاد إليه الإرهاق الذي لم يشعر به منذ مدّة. كان متعبًا للغاية.

“إذًا جلبتموها إلى مدينة سحب التنين فقط لتنفيذ مخطّطكم، مؤامرتكم؟” قال وهو يضغط على أسنانه. “تستخدمونها كسلاح، كأداة، كقطعة شطرنج؟!”

كان صدر تاليس يعلو ويهبط. حاول جاهدًا ضبط صوته. “هل رأيتم منطقة الدرع؟ هل رأيتم ما الذي فعلته؟”

ضحك النبي الأسود مرّةً أخرى. وهذه المرّة كان ضحكه مرعبًا إلى حدٍّ بعيد.

“وبعد سلسلة من الاجتماعات السرّية، تمّ (إنقاذ) تشابمان لامبارد على يد مرؤوسيه خلال (عملية).” أطلق النبي الأسود ضحكةً باردة، كأنّه يتسلّى باسترجاع الذكرى. “قال لي الأمير ميدير إنّه رأى شيئًا غير اعتيادي في عيني الكونت الشاب لامبارد.”

“ينبغي أن تكون أكثر امتنانًا، أيّها الأمير الصغير. لحسن الحظّ، تمكّن جهاز الاستخبارات السرّية من السيطرة على الدموية، قطعة الشطرنج المرعبة تلك.” قال مورّات ببرود، وكأنّ كلماته مشبعة بجليدٍ عمره سنون. “بثمنٍ صغير، ضمِنّا أن تفنى هذه الآفة في مدينة سحب التنين إلى الأبد.

ارتعش جفن رافاييل ونظر إلى تاليس. وفي النهاية قال الشاب، “معلّمي.”

“ليس أمرًا سيحدث يومًا ما، حيث تقفون جميعًا تبكون وتصرخون وأنتم تشاهدون مدينة النجم الأبدي تتحوّل إلى أنقاض شبرًا شبرًا تحت يدي تلك المجنونة القاتلة.”

(الشخص المناسب… لتحريكها…)

أنهى مورّات كلامه، وعاد الصمت الكامل ليخيّم على السجن.

“وهكذا، زُرعت بذرة، ونمت في الظلام على مدى الاثني عشر عامًا الماضية.” بدا مورّات وكأنّه يتحسّر. “مع أنّ ميدير لم يرَها قطّ.”

حدّق تاليس في الثقب الأسود. وفي تلك اللحظة، تذكّر ما قاله له يودل في قاعة مينديس قبل وقتٍ غير بعيد:

في الثانية التالية، ومع تلوّي الثقب الأسود، صدر من ذراع رافاييل صوتٌ أجوف لكنه واضح، بدا كأنّه آتٍ من مسافة بعيدة.

(“الأشياء التي هي حقًّا مخيفة ومرعبة ليست الكوارث…”)

“لا تقلق، صاحب السموّ. لستُ بجانبك الآن.” كان صوت النبي الأسود أشبه بفحيح أفعى، يبعث التوتّر. “وبالطبع، يمكنك أن تتظاهر بأنّي هناك معك، إن كان ذلك يمنحك بعض الطمأنينة.”

تذكّر تاليس النظرة المتجمّدة الخالية من العاطفة على وجه آسدا، وتعبير جيزا وهي تقهقه بلا توقّف.

ظلّت أفكار تاليس عالقة بعلامة الوسم وذلك الشيء الغريب على يد رافاييل. تشبّثت الشقية الصغيرة بذراعه، ترتجف، ولم تجرؤ على النظر إلى الثقب الأسود.

(“…بل نحن أنفسنا.”)

“واجه الحقيقة! تلك كارثة!” رفع مورّات صوته قليلًا، وكان صوته يحمل كراهيةً عميقة. “إنّهم يجلبون الكوارث أينما ذهبوا! هل تظنّ أنّهم سيصبحون مواطنين صالحين في مدينة النجم الأبدي؟”

في الثانية التالية، حلّت محلّ وجهي الصوفيين صورة شخصٍ آخر—وجه مورّات هانسن المتغضّن وعيناه الميّتتان.

“الثقة؟”

(“إلى أيّ حدّ سننحدر نحن البشر العاديون أمام وجود هذه الكيانات المسماة بالكوارث؟ وكم سنفسد، وكم من الأخلاق سنضحّي بها؟”)

“نوع الاتصال: طائرة السُّكَّر.” بدا رافاييل واهيًا. وبوجهٍ شاحب، اعتدل في وقفته، وأشار بعينيه للآخرين أن يبقوا في أماكنهم، ثم قال شيئًا غامضًا للثقب الأسود المخيف على ذراعه.

فكّ تاليس قبضتيه وأطلق زفرةً خافتة. ألقى نظرةً على الآخرين: كان رأس رافاييل منخفضًا قليلًا، ووجهه محجوبًا بالظلّ. كانت ميراندا عابسةً في صمت. وكان كوهين يضغط على أسنانه، وفي عينيه مشاعر معقّدة.

“منذ أن مُنحتَ اللقب الملكي، وبعد محاولة اغتيالك… انكشفت مؤامرة لامبارد وبوفريت لتعطيل خطّ وراثة آل والتون للعرش.” أطلق مورّات ضحكةً باردة من الجهة الأخرى. “وعرف جهاز الاستخبارات السرّية أنّ الوقت قد حان.”

“قطعة شطرنج؟” خفّض تاليس رأسه ببطء. شعر الأمير الثاني وكأنّ ذهنه في فوضى. عاد إليه الإرهاق الذي لم يشعر به منذ مدّة. كان متعبًا للغاية.

تابع النبي الأسود، “لكن، بعد الجمع بين نتائج تحقيقات الاستخبارات السرّية، توصّل أميرٌ حكيم إلى أنّ هدف مدينة سحب التنين كان أن نقوم نحن بقتل تشابمان لامبارد بالنيابة عنهم. وعلى الأرجح، كان الملك نوڤين يكره ابن اخته هذا الذي قتل أخاه بيديه.”

“عاملتم تلك… الكارثة كقطعة شطرنج؟” بدا صوت تاليس واهيًا ومثقلًا بالحزن. “ما الذي منحكم الثقة لتظنّوا أنّكم قادرون على التلاعب بكارثةٍ أسطورية؛ على التحكّم بقوّة دمارٍ هائلة… حتى بعدما كادت أن تُبيد جميع سكّان منطقة كاملة في مدينة سحب التنين؟”

“لا.” قال الشاب بهدوء. “جذبها بعيدًا عن الملك نوڤين.”

أدار رافاييل رأسه ونظر إليه.

تحت الضوء الخافت، حدّق الأمير في الثقب الأسود بعدم تصديق، وطرح السؤال الذي كان الجميع يريد طرحه، “هذا… صوت مورّات؟”

“الثقة؟”

“وما الهدف الثاني؟” سألت ميراندا ببرود.

ضيّق رافاييل عينيه وهزّ رأسه ببطء.

“وبسبب هذه الهزيمة الكارثية، اضطُرّت الدموية—التي كانت متوارية لسنوات—إلى الظهور مجددًا.”

“عبر التاريخ، مهما بلغت القوّة من شدّة، أو بلغ الكيان من رعب؛ وحتى لو كانت وحوشًا قادرة على تدمير قارّةٍ كاملة في لحظة، فهي مجرّد أشياء تافهة لا تلبث أن تُحدث ضجيجًا عابرًا ثم تتلاشى كالضباب في غمضة عين.”

(لكن…)

“لا أحد يستطيع الاعتماد على القوّة المطلقة لقهر كلّ شيء.” رفع رافاييل يده وأشار إلى رأسه. “لذلك، لا ينبغي أن تثق بالقوّة كثيرًا. أمام الأقوياء حقًّا، حتى الكارثة ليست سوى قطعة شطرنج.”

جاء ضحك النبي الأسود الساخر من الجهة الأخرى من الحيّز المجهول.

ارتبك تاليس المرهق قليلًا عند سماعه هذا الكلام.

أظهر رافاييل ابتسامةً غامضة.

(الأقوياء حقًّا…)

لم يكن داخل الثقب الأسود سوى ظلامٍ لا قعر له. ومع ذلك، كان تاليس يعلم أنّ ما يكمن فيه ليس ذراع رافاييل ولا لحمه.

تيقّظ تاليس. امتلأت عيناه بالفضول. “هذه الكلمات… من قالها لك؟”

بعينين متّسعتين، حدّق كوهين في الهيئة الغريبة لصديقه القديم بصدمةٍ لا تُصدَّق. أمّا ميراندا، فكانت تحدّق في ذراع رافاييل، وأنفاسها غير منتظمة.

ارتعش جفن رافاييل ونظر إلى تاليس. وفي النهاية قال الشاب، “معلّمي.”

استفاق تاليس من صدمته، وقال وقد اتّضحت له الصورة، “رامون، أتذكّر أنّه كان الشخص الذي كانت عصابة قوارير الدم تطارده. إذًا، لم يكن وجوده ضمن مرافقي مصادفة، أليس كذلك؟”

دُهش تاليس.

“القفّاز الأبيض تلوّث بالدم. الرمح ذو الحدّين قد انكسر.”

“تابع.” بدأت ميراندا، وكان صوتها الصافي البارد بارزًا في السجن. “كيف استخدمتم الكارثة؟”

قاطعه النبي الأسود.

أطلق النبي الأسود ضحكةً عميقة ثقيلة أخرى.

في الثانية التالية، ومع تلوّي الثقب الأسود، صدر من ذراع رافاييل صوتٌ أجوف لكنه واضح، بدا كأنّه آتٍ من مسافة بعيدة.

تابع رافاييل من حيث توقّف النبي الأسود. “الليلة الماضية، أطلقنا عملية الدموية وفق الخطة. تلقّى الملك نوڤين الخبر فورًا—بأنّ وحشًا أسطوريًا يعيث خرابًا في مدينته.

“من الحاضر؟” سأل صوت النبي الأسود البارد. رفع رافاييل ذقنه.

“كانت هذه مهمّتنا…” ألقى رافاييل نظرةً على من حوله، ونبرته لا تزال محايدة كما كانت. “…لتحقيق هدفين.

حدّق تاليس في الثقب الأسود. وفي تلك اللحظة، تذكّر ما قاله له يودل في قاعة مينديس قبل وقتٍ غير بعيد:

“أولًا، تشتيت وجذب العتادين الأسطوريين المضادين للصوفيين بعيدًا.” قال ببرود.

“وعندما قدّم طلب نوڤين أمام البلاط بأسره—فيما كان التنّين العظيم والكوكبة على شفا الحرب—قام الملك السابق باحتجاز هذا المبعوث من إكستيدت. وبالنظر إلى مكانته كوريث لإقليم الرمال السوداء، كان من الممكن أن يصبح ورقة مساومة في الحرب.”

قطّب كوهين حاجبيه قليلًا. “جذب؟ جذبها بعيدًا عن الكارثة؟”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

نظر رافاييل إلى صديقه القديم وابتسم ابتسامةً غامضة.

وقف وايا بوجهٍ متجهّم أمام تاليس، يمدّ يده لا إراديًا نحو سيفه أحاديّ الحدّ. أمّا تعبير رالف فكان مخفيًا تحت قناعه النصفي، غير أنّ ارتعاش حاجبيه كان كافيًا ليفضح ما به.

“لا.” قال الشاب بهدوء. “جذبها بعيدًا عن الملك نوڤين.”

“نوع الاتصال: طائرة السُّكَّر.” بدا رافاييل واهيًا. وبوجهٍ شاحب، اعتدل في وقفته، وأشار بعينيه للآخرين أن يبقوا في أماكنهم، ثم قال شيئًا غامضًا للثقب الأسود المخيف على ذراعه.

ارتجف تاليس. تذكّر الرجل حامل الرمح ونيكولاس حين أدخله السيف الأسود إلى منطقة القتال.

غرست أظافر تاليس في راحتيه المرتجفتين وكادت تُدميهما. كان ذلك طريقه—طريق الموت الذي ركض عليه هو والشقية الصغيرة.

(لقد جُذِبا بعيدًا عن قصد…)

“لا، نحن لا نهتمّ بالحقيقة ولا بتفاصيلها.” كان الشاب من جهاز الاستخبارات السرّية يسند ذراعه اليمنى، محدّقًا في الثقب الأسود البشع عليها. “ما نهتمّ به بسيط وواضح: اليقين بأنّ (إكستيدت غير مستقرة).”

“رمح قاتل الأرواح القادر على القتل بضربةٍ واحدة، ونصل قاطع الأرواح الذي يستطيع تشكيل حاجزٍ كامل.” شرح رافاييل بهدوء. “كانا سيشكّلان عائقًا كبيرًا أمام القاتل الذي جاء من أجل نوڤين.”

استقرت أنفاس رافاييل. وكان أثر الإرهاق الذي بدا عليه حين فتح الثقب الأسود في ذراعه يتلاشى ببطء. “صاحب السموّ يستفسر عن (دمّ التنين).”

“وما الهدف الثاني؟” سألت ميراندا ببرود.

كادت أنفاس الجميع تنقطع. بل إنّ وايا سحب جزءًا صغيرًا من سيفه خارج غمده من شدّة التوتّر.

أدار رافاييل رأسه ليواجه السيّافة إلى جواره. هذه المرّة، كانت في عينيه مشاعر لا يمكن قراءتها. نظر في عيني ميراندا وتابع كلامه.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“كانت هذه مهمّتنا…” ألقى رافاييل نظرةً على من حوله، ونبرته لا تزال محايدة كما كانت. “…لتحقيق هدفين.

(الشخص المناسب… لتحريكها…)

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط