شرنقة من حرير
الفصل 33 — شرنقة من حرير
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
في شرنقتي الحريرية، تمايلتُ مع النسيم، عادًّا بضع نجمات استطعتُ رصدهن بين ثغرات في أوراق شجرتنا الذهبية. كانت كوا جاثمة على بعد بضعة أغصان لأعلى، مستعدة لبدء نوبة حراستها. أمّا شخير تاج فكان مكتومًا بفضل شرنقته الكثيفة. لم تكن الصفارات الناعمة مزعجة بقدر تذمره المستمر حين كان يجمع وينسج الحرير. على حد تعبيره، فهذا “ألم حقيقي في المؤخرة من أجل شيء سنستخدمه لليلة واحدة.” سألته إن كان يفضل الموت سقوطًا من على غصن شجرة، لكن ذلك أسكته مؤقتًا فقط.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
ابتسامة عارفة تسللت إلى وجهي، وأبقيت رأسي منخفضًا لأخفيها حتى مرّ بي. “لا بد أنه سقط عندما كانت الجثة تُجر،” قلت.
بعد المرة الثالثة التي طعن فيها نفسه بالعصي المدببة التي استخدمناها كإبر، رماها خارج الشجرة وصرخ، “كفى، انتهيت. هذه فكرتك، اصنعها أنت.” بقي الاحمرار الغاضب مرتفعًا على وجنتيه، لكنه خفض صوته وزمجر نصف زمجرة، “سأصلح… سيفك.”
أول طقطقة-فرقعة لغول يحتك بأحد أفخاخي الغدية غُمرت تمامًا، المؤشر الوحيد كان الوميض الساطع في محيط بصري، منعكسًا في عيني كوا السوداوين وهي تلتفت باحثة عني. الصدمة انتقلت عبر ستارة حريرية موضوعة بعناية تتفرع عن المسار المخطط الذي شققناه، مما جعل الغيلان تصرخ ألمًا. لكن عندما انقض السرب على كل شيء في مرمى البصر، لن يكون مكان آمن. إلا…
حاولت أن أثنيه بالمنطق، قائلًا إنه إهدار للمادة المانعة للتسرب أن نصلح النصل المكسور، لكن ذلك أشعله مجددًا. وإذ قررت انتقاء معاركي، تركته ليعبس بينما كان يملأ الشق في سيفي. لم أرده أن يفسد الأرجوحات على أي حال. لقد أخذ مشروعه إلى غصن على الجانب المقابل من الجذع كتلميذ مبتدئ مدلل.
عاجزًا عن الكلام، هززت رأسي فحسب. قابضًا على غصني، انحنيت للأمام، مأخوذًا بالمشهد، وذلك عندما برز رأس ضخم من الهيكل البيضوي. عيون مركبة تلألأت كالعقيق فوق فم غريب من ستة فكوك دائريّة، كل منها مسنن. أطراف زمردية رفيعة مفصّلة سحبت صدرًا صلبًا أسود وأخضر بحجم حاوية شحن، جارة معها ذيلًا طويلًا منتفخًا من الحرير يتوهج من الداخل.
أما كوا فقد استرجعت الإبر وأخذت في الحياكة بصمت تام. ولا حتى نظرة جانبية لامعة، وهو ما كنت شاكرًا عليه. على الأقل هناك شخص واحد حولي يمكن الاعتماد عليه.
صدمة باردة لكَمت أحشائي. “تاج!”
نظرت إليها الآن، فراؤها يتطاير في نسيم الليل. يمكن الاعتماد عليها، صلبة، مفيدة، نعم، في هذه اللحظة، لكنها لا تزال لغزًا إلى حد كبير. ماذا لو قررت أن “كل الحقائق قد اكتملت” وأنها تشير إلى الخروج من هنا؟ قد أصحو غدًا لأجدها راحلة، على حد علمي. وتاج أيضًا.
إذا رحلا، سأبقى وحيدًا في العالم مجددًا. أنا من يبقينا هنا، وإيماني بذلك القرار يتلاشى. عدم اليقين رفيق دائم. كلما ظننت أنني وجدت أفضل مسار للعمل، أفضل طريقة لتحقيق رغبات “سيث” وتصحيح خطأ موته، جاء شيء وانتزع كل شيء من تحتي. هل التمسك بخطتي يستحق خسارة حليفيّ الوحيدين أيضًا؟
“لا،” قال، ضاغطًا على الكلمة.
عند قاعدة الشجرة، أشعل إشعاعه كهالة ساطعة حول جسده بالكامل وانخفض في قرفصاء. كان سيَقفز.
صوت طقطقة خافت أخرجني من شرودي المتجهِم. تحركت كوا على غصنها حتى استطعت تمييز ملامحها. رأسها منحنٍ فوق قطعة حرير ممددة في حجرها، وبين كفيها، تمسك بإبرتين، تشكّ خيوطًا رفيعة حول طرفيهما.
“ربما، لكن ضربة جيدة واحدة قد تكون كل ما أحتاجه. وأريد خيار القتال من مسافة.”
كتمت ضحكة من الصورة السخيفة، مما أذاب بعضًا من الانقباض في صدري، والتفتت بحذر في أرجوحتي لأنام على جانبي بشكل مريح. روّضت نفسي على النوم بممارسة تنفس التأمل.
انطلقنا كالسهم، نمزق العشب. أرجحت عظم فخذ الغول كهراوة، محطمًا النباتات والحرير دون اكتراث. كانت الدبابير النساجة قد هاجت بالفعل، أزيزها القاتل يرتفع مجيبًا الحشد الذي يقتحم حقول أزهارها، يمزق شبكتها. أنياب خلف، فكوك أمام، كنا محشورين في الأرض المعزولة المتقلصة بين جيشين متوغلين. ركضنا نحو العش، نحو الخطر الذي نفهمه، حيث المسارات المعلّمة والخطط الاحتياطية قد توفر لنا ثوانٍ لا تقدر بثمن. إذا استطعنا أن نسبق الغيلان إلى شجرة العش، فالسرب سيمر فوق رؤوسنا مباشرة مطاردًا إياهم.
عندما ظهر عالم الروح، رمشتُ مزيحًا البقع البيضاء من أطراف بصري وتأملتُ الكرة الرمادية الحجرية الثانية التي كانت تدور حولي بارتياح، نظريتي تأكدت الآن تمامًا. مدتُّ يدي وجلبتها قريبًا لفحصها. خشنة ومجدّرة كما بدت، سررتُ بأن أجد أنه لا شقوق في هذه. إخراج ذلك من سبيكة الغول الأخيرة كان صداعًا حقيقيًا.
“ليس عليّ تحمل هذا منك،” قال، يتنفس كثور هيج.
لكن ماذا أصنع بهذه؟
أما كوا فقد استرجعت الإبر وأخذت في الحياكة بصمت تام. ولا حتى نظرة جانبية لامعة، وهو ما كنت شاكرًا عليه. على الأقل هناك شخص واحد حولي يمكن الاعتماد عليه.
ابتسامة عارفة تسللت إلى وجهي، وأبقيت رأسي منخفضًا لأخفيها حتى مرّ بي. “لا بد أنه سقط عندما كانت الجثة تُجر،” قلت.
كنت أرجح فكرة صنع سهم قوس بهذه السبيكة. إذا كانت أسلحة الروح قابلة لإعادة الاستخدام، إذا صيغت جيدًا، فسهم روحي سيكون لا يقدر بثمن… لكن لا شيء يدعم هذا بعد. وعلى حد علمي، قد تعمل المقذوفات المصوغة بالروح تمامًا كالأسلحة المعززة بالإشعاع. مع استثناءات قليلة جدًا، يبهت طلاء الإشعاع حالما يقطع المشع الاتصال. قدرة “ريا” على خلق شريط قصير قابل للانكماش من الإشعاع حول أسلحتها كانت مظهرًا نادرًا للتحكم المتطور بالإشعاع، وحتى قدرتها لا تمتد بعيدًا. وبالمثل، قد تتبدد طاقة الروح حالما أطلق السهم. لا يمكنني تحمل هدر السبائك بينما الوحوش المتحولة والقتلة قد يكونون وراء كل شجرة.
كتمت ضحكة من الصورة السخيفة، مما أذاب بعضًا من الانقباض في صدري، والتفتت بحذر في أرجوحتي لأنام على جانبي بشكل مريح. روّضت نفسي على النوم بممارسة تنفس التأمل.
عندما اختفت الجثث عن الأنظار، غطست قربتي في الجدول. “يمكننا غليه لاحقًا. لا أريد المخاطرة بنار إذا كانت الغيلان لا تزال حولنا.”
ملتزمًا بمشروعي الجاري — سيفي كان يتقدم بشكل جيد — دفعت بطاقة الروح إلى أسفل ذراعيّ وانتزعتها من مدارها، ثم شرعت في العمل.
فخ الكرمة كان قد انقطع، لكن الحفرة بدت تمامًا كما تركناه. جثة الغول بدت طازجة؛ الاختلاف الوحيد كان الدم المتقشر والتصلب في الأطراف. اضطررنا لنشر الجثة ذهابًا وإيابًا لتخفيف الأوتار وإزاحتها عن الأوتاد. بحلول الوقت الذي رميناها خارج الحفرة، كان تاج متعرقًا ونكديًا مجددًا.
—
انتفخ محاولًا التطاول عليّ، لكن بقدر ما تشدّت عضلات فكه، إما أنه لم يرد أو لم يستطع تكوين الكلمة المهينة.
راقبتُ المياه الصافية للجدول وهي تغسل القطع المتناثرة من جثتي غولين منتفختين، قربتي الفارغة تتدلى من أصابعي المرتخية إلى جانبي.
————————
“عظيم،” تذمّر تاج. “الماء ملوث.”
ارتياح خفف أوصالي، وقفزت دون تردد، هابطًا بقدم واحدة في راحتيه. اندفع بقوة لأعلى وقذفني في الهواء. في قمة القفزة، تمامًا حين رفع إحساس زائف بانعدام الوزن أطرافي وشعري، ظهر الغصن. تشبثت به بذراعيّ وسحبت نفسي إلى الأمان، جالسًا في حنيّة الغصن وذلك عندما أمسك تاج به، ساقاه متدليتان تتأرجحان فوق الموجة الأولى من الغيلان. قفز أحدهم نحوه، فضربت بعظم الساق الذي لا يزال في قبضتي، لاطمًا المخالب المندفعة بعيدًا عنه بينما كان يسحب ركبتيه إلى صدره.
“سيكون بخير في أعلى المجرى.” اقتربت من الضفة، حابسًا أنفاسي ضد رائحة العفن وأنا أتفحص الأرجل. لم تكن أي منها في أفضل حالة — مكسورة أو ممضوغة من الدبابير النساجة، وأظن، من غيلان أخرى. لا بد أن هؤلاء المتخلفين كانوا يتضورون جوعًا ليخاطروا بالدخول إلى هنا، وبدت الجذوع مجوفة تمامًا من الأحشاء.
في شرنقتي الحريرية، تمايلتُ مع النسيم، عادًّا بضع نجمات استطعتُ رصدهن بين ثغرات في أوراق شجرتنا الذهبية. كانت كوا جاثمة على بعد بضعة أغصان لأعلى، مستعدة لبدء نوبة حراستها. أمّا شخير تاج فكان مكتومًا بفضل شرنقته الكثيفة. لم تكن الصفارات الناعمة مزعجة بقدر تذمره المستمر حين كان يجمع وينسج الحرير. على حد تعبيره، فهذا “ألم حقيقي في المؤخرة من أجل شيء سنستخدمه لليلة واحدة.” سألته إن كان يفضل الموت سقوطًا من على غصن شجرة، لكن ذلك أسكته مؤقتًا فقط.
تراجعت وبدأت في السير بصعوبة ضد التيار، وتاج وكوا ورائي. سلخ اللحم المنقع بالماء لم يكن على رأس قائمة مهامي. سنجد عينات أفضل في الجانب الشمالي. أو ربما الأفضل هو تلك التي تركناها في الحفرة.
جلس ملقيًا ذراعيه على ركبتيه وعبوس منزعج على وجهه بينما كنت أدور حول الجثة، أضع علامات بسكيني النحت. “يمكننا أخذ عظمي الفخذ للسيوف.” قطعت علامة X فوق المفاصل. “أو، إذا كنت لا تريد سيفًا إضافيًا، يمكننا صنع سيف احتياطي واحد لسيفي عندما ينكسر من أول ضربة حتمًا.” عمل تاج في سد الشق الليلة الماضية لن يدوم دون تدعيم بالإشعاع.
عندما اختفت الجثث عن الأنظار، غطست قربتي في الجدول. “يمكننا غليه لاحقًا. لا أريد المخاطرة بنار إذا كانت الغيلان لا تزال حولنا.”
سافرنا على طول المسار الذي شققناه عبر الحرير أمس. حوالي الوقت الذي ظهرت فيه علامات السكين على الأشجار، بدأت آثار أخرى تتقاطع مع آثارنا. آثار أقدام غيلان طويلة الأصابع اختلطت بآثار حوافر مشقوقة. لقد كانوا يصطادون، بالتأكيد.
راقبتُ المياه الصافية للجدول وهي تغسل القطع المتناثرة من جثتي غولين منتفختين، قربتي الفارغة تتدلى من أصابعي المرتخية إلى جانبي.
حتى الآن، لم نر أي دليل على ذلك. كان الصباح هادئًا. لكن السؤال الكبير من الليلة الماضية لا يزال يقلقني…
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
هل من الحكمة أن أنفّر الشخصين الوحيدين اللذين ساعداني منذ بدأت هذه الكارثة، كل هذا بسبب خطة غير كاملة بدأت بالفعل في الانهيار؟
أشجار صغيرة سقطت تحت سحق الحشد مع طقطقات حادة وارتطامات صاخبة، الدمار قريب جدًا حتى أني شعرت بالاهتزازات في الأرض. امتلأ الهواء بدوامات من الأوراق المتساقطة. صرخات بعيدة موجعة لأودوكو خائف بدت كنساء يولولن، مقشعرة كل شعرة في جسدي.
“أتعرف،” بدأت بينما تاج يجمع ماءه، “أظن أنك كنت محقًا بشأن المغادرة اليوم، حتى لو كانت الدبابير النساجة قد أخافت الغيلان من أمس.”
تجاوزت تاج، الذي يفحص الأرض. علامات الجر اتجهت في اتجاهين مختلفين، واحد خارج الغابة، والآخر ليس بعيدًا جدًا عن حيث ماتت الغيلان. دم أسود شوه الشجرة التي جُذب إليها، والجثة المأكولة جزئيًا استلقيت عبر الأغصان كغزال مربوط على غطاء محرك سيارة.
“أوه؟” نهض، قربته تقطر، وعقد ذراعيه.
أومأ تاج، حاجباه معقودان بشدة. “حسنًا، تورين. أنت محق. لنذهب كلانا لنحمل ثقلنا في صياغة تلك الأسلحة.” وبينما يبتعد عن الجدول، متجهًا تقريبًا نحو مواجهة الأمس، أضاف ناظرًا من على كتفه، “ليس وكأن أحدنا عليه دائمًا أن يقوم بالعمل الشاق هناك.”
“أجل. أعني، حقيقة أنهم جاءوا إلى هنا أصلًا تعني أن هناك فرصة أن كولتر قد نجح في قتل قائدهم، أو على الأقل طردهم من جسر الضوء. وإذا الأمر كذلك، فقد يصبح سلوكهم غير متوقع أكثر.”
واجهته به، رافعًا إياه، واحمرار خجّل أذنيه. “شيء أقل لتصنعه، صحيح؟”
أصدر صوت “مم” منخفضًا غير مقتنع. ليس تمامًا ما توقعته.
ساعدته في التسلق على الغصن، يدي الحرّة تمسك بمقدمة بذلته.
“إذن…” قلت بتردد، محاولًا قياس أفكاره. “أنا متأكد نوعًا ما أنه يمكننا الخروج من هنا بحلول منتصف النهار. نحتاج فقط لحصول على بعض الطعام وصنع بضعة أسلحة أخرى من تلك الغيلان التي قتلناها أمس. ما رأيك؟”
“عظيم،” قال بنبرة مبالغ فيها، وعبوسه لا يزال مكانه.
“ألديك فكرة مختلفة؟” ضغطت، منزعجًا.
إذا رحلا، سأبقى وحيدًا في العالم مجددًا. أنا من يبقينا هنا، وإيماني بذلك القرار يتلاشى. عدم اليقين رفيق دائم. كلما ظننت أنني وجدت أفضل مسار للعمل، أفضل طريقة لتحقيق رغبات “سيث” وتصحيح خطأ موته، جاء شيء وانتزع كل شيء من تحتي. هل التمسك بخطتي يستحق خسارة حليفيّ الوحيدين أيضًا؟
“أتعني، مختلفة عن نفس الفكرة التي كانت لديّ بالأمس، لكنها فجأة أصبحت القرار الصحيح لأنك قررت أننا يجب أن نفعلها؟”
هززت رأسي. “أردتَ الهروب فحسب. بلا شيء،” قلت، مجاهدًا لتعديل نبرتي.
استهزأ. “وه.. ألّا نخطط كل التفاصيل.”
انزلق حذاءا تاج في التراب بينما أبطأ أمام السرب، نصف ملتف حتى وقعت عيناه الواسعتان ورائي.
فركت صدغي. “انظر، الفكرة هي، نحن لا نغادر لأنني قررت، نحن نغادر لأننا اتفقنا كلانا. هكذا يفترض أن يعمل الفريق. كلانا يحمل ثقله، كلانا يقرر.”
الدبابير النساجة أشعلت الخيوط الصفراء على حواف العش، مرسلة غيلانًا تتساقط من الأغصان وتسحق آخرين على الأرض. لكن بينما دفع الحشد بقوة أكبر، قوتهم الكاملة تصطدم بهدف واحد، لم تستطع الدبابير النساجة صدهم. الغيلان حددت قلب العش، ممزقة الشكل البيضوي الأخضر، باحثة على الأرجح عن البيض واليرقات المخبأة بالداخل. الغيلان تسلقت فوق بعضها البعض، ممزقة شقوقًا في الجذع، عاضة بعضها لتتنافس على أفضل المواقع بينما كان السرب يحوم، ممزقًا المنعزلين، مُرتدًا بالأقوياء في المركز. الحرير تساقط كالستائر. خيوط صغيرة ممزقة حملتها الريح كالبذور. قلب الشكل البيضوي تدلى إلى الداخل، جوانبه المحصنة تتقلص كل ثانية.
أومأ تاج، حاجباه معقودان بشدة. “حسنًا، تورين. أنت محق. لنذهب كلانا لنحمل ثقلنا في صياغة تلك الأسلحة.” وبينما يبتعد عن الجدول، متجهًا تقريبًا نحو مواجهة الأمس، أضاف ناظرًا من على كتفه، “ليس وكأن أحدنا عليه دائمًا أن يقوم بالعمل الشاق هناك.”
عاجزًا عن الكلام، هززت رأسي فحسب. قابضًا على غصني، انحنيت للأمام، مأخوذًا بالمشهد، وذلك عندما برز رأس ضخم من الهيكل البيضوي. عيون مركبة تلألأت كالعقيق فوق فم غريب من ستة فكوك دائريّة، كل منها مسنن. أطراف زمردية رفيعة مفصّلة سحبت صدرًا صلبًا أسود وأخضر بحجم حاوية شحن، جارة معها ذيلًا طويلًا منتفخًا من الحرير يتوهج من الداخل.
“لا،” قال، ضاغطًا على الكلمة.
سخن الغضب معدتي، مشكلاً قبضتين في جانبيّ. تجاهله، قلت لنفسي، محدقًا في مؤخرة رأسه ومتخيلًا قذف صخرة عليه.
ملتزمًا بمشروعي الجاري — سيفي كان يتقدم بشكل جيد — دفعت بطاقة الروح إلى أسفل ذراعيّ وانتزعتها من مدارها، ثم شرعت في العمل.
تقدمت كوا أمامي، كف على وركها.
ابتسامة عارفة تسللت إلى وجهي، وأبقيت رأسي منخفضًا لأخفيها حتى مرّ بي. “لا بد أنه سقط عندما كانت الجثة تُجر،” قلت.
“لا تنظرين إليّ هكذا.”
“لا،” قال، ضاغطًا على الكلمة.
هزت كتفًا، تعبيرها الحكمي لم يتغير.
التقت عيناها وعيناي، ورأيت مخاوفي ذاتها منعكسة على وجهها.
عابسًا فيها، أقررت بنقطتها غير المنطوقة بطقطقة لساني — لا يمكنني ترك هذا يمر. تجاوزتها وسرت خلف تاج. “إذن الأرجوحات التي صنعتُها،” قلت حين وصلت جانبه، “والمأوى، والحفرة التي أنقذت أرواحنا — كانت هذه مساهمات عديمة الفائدة؟ أنت بطريقة ما تحمل ثقلًا أكبر لمجرد أن لديك إشعاع يتيح لك الصياغة أسرع؟”
بدلًا من الإجابة، أشعل إشعاعًا حول ساقيه، مسرعًا. لفت عينيّ على صغره لكني لم أتحرك للحاق به.
أطلقت زفيرًا حادًا من أنفي. “ظننتك مستعجلًا للمغادرة. نحتاج للبدء في هذا.”
عندما ظهرت كوا إلى جانبي، استغللت المسافة التي وضعها تاج بيننا لأسأل، “هل يمكنك البدء في إيجاد الطعام والالتقاء بنا في الحفرة؟”
“ليس عليّ تحمل هذا منك،” قال، يتنفس كثور هيج.
بدا وكأنه تقلص، محدثًا غمازة في خده وهو يعض داخله.
بدون كلمة أو إيماءة، تسلقت أقرب شجرة، حقيبة فارغة مضغوطة على بطنها كجراب. وبما أننا كنا دائمًا نرسلها لجلب الحصص، تظاهرت بصنع الحقيبة لها حتى لا تضطر لرحلات متعددة في كل مرة. لم تقدر الجزء حيث كان عليّ أيضًا التظاهر بتدريبها على استخدامها، لكن رغم أنها بدت كأنها تريد لكمي في وجهي، فقد لعبت الدور.
جاءت كوا لتدب بجانبي بينما مدت يدي، داعيًا تاج للمصافحة. “إذن، ماذا سيكون؟”
ظل تاج يغلي طوال الطريق إلى الحافة الشمالية للغابة، لم يقل كلمة، ولم يلتفت إليّ. عندما وصلنا إلى الشجرة المجوفة، توقف وسحب قميصه فوق أنفه. هناك جثة غول واحدة على الأرض، ثقوب داكنة في بطنه ورقبته من سيوفنا. كانت غريبة النظافة مقارنة بالجثث في الجدول، ولا حشرة واحدة تطن حولها. رغم دراما تاج، لم تكن رائحتها سيئة جدًا في الحقيقة. ساعد على الأرجح أن الجثتين الأخريين قد جُرّتا بعيدًا.
أطلقت زفيرًا حادًا من أنفي. “ظننتك مستعجلًا للمغادرة. نحتاج للبدء في هذا.”
تجاوزت تاج، الذي يفحص الأرض. علامات الجر اتجهت في اتجاهين مختلفين، واحد خارج الغابة، والآخر ليس بعيدًا جدًا عن حيث ماتت الغيلان. دم أسود شوه الشجرة التي جُذب إليها، والجثة المأكولة جزئيًا استلقيت عبر الأغصان كغزال مربوط على غطاء محرك سيارة.
بدأت أنسى لماذا ظللت أمدّ له أغصان الزيتون.
“الوحش المرقط وفّر على نفسه وجبة سهلة،” قلت مشيرًا لأعلى. “لا نعلم متى قد يعود ليجمعها.” دفعت الجثة التي ما زالت على الأرض بقدمي. “لنترك هذه ونستخدم الغول الموجود في الحفرة فقط. إذا كانت تلك أيضًا قد أكلت، يمكننا استخدام قرون الأودوكو بدلًا منها.”
رفعت بصري إلى تاج. “ما لم يكن لديك أي اعتراضات؟”
—
الحرير لا يزال يتمايل كأغصان الصفصاف من النصف السفلي للشجرة، وكان السرب علينا. مئات ومئات الأجساد أظلمت الظلة، حاجبة الشمس في سحابة دوّارة. بالأسفل، كانت الغيلان بحرًا رماديًا-أبيضًا متصاعدًا، تمزق الأزهار وهي تصطدم ببعضها في قفزات جنونية نحو الدبابير النساجة.
“لا،” قال، ضاغطًا على الكلمة.
باحثًا بعمق عن الصبر، استدرت نحو الحفرة، لكني ما إن خطوت بضع خطوات حتى ارتطم إصبع قدمي بشيء وكدت أتعثر. نظرت للخلف ورأيت عظمًا أبيض. بإزاحة الأوراق جانبًا، انحنيت والتقطت سيف تاج.
إذ أدخلت سكيني بحذر في مفصل الإصبع، سمعت وشعرت بخيوط النسيج الضام تفرقع واحدة تلو الأخرى، ثم فككت المفصل الكروي من محجره. بعد ذلك، انتقلت للتالي.
غرزته في غول، أها؟
أخيرًا بدأ تاج في العمل لفصل الساق، وبحلول الوقت الذي فصلت فيه كل الأصابع عن الجثة، كان قد جردها حتى العظم ووضعها على العشب بجانبه. بينما بدأت في إزالة الطبقات الرقيقة من اللحم لبدء عملية التجفيف، شاهدته يحول انتباهه للنصل مجددًا، يفحص أصغر شق في العالم ويتجهّم له وكأنه عيب ضخم.
واجهته به، رافعًا إياه، واحمرار خجّل أذنيه. “شيء أقل لتصنعه، صحيح؟”
بأقصى هدوء استطعت، علقت القوس وسحبت عظم الساق الساقط من الأوراق.
تنحنح وأخذه مني بهمس، “أجل.”
أومأ تاج، حاجباه معقودان بشدة. “حسنًا، تورين. أنت محق. لنذهب كلانا لنحمل ثقلنا في صياغة تلك الأسلحة.” وبينما يبتعد عن الجدول، متجهًا تقريبًا نحو مواجهة الأمس، أضاف ناظرًا من على كتفه، “ليس وكأن أحدنا عليه دائمًا أن يقوم بالعمل الشاق هناك.”
غرزته في غول، أها؟
ابتسامة عارفة تسللت إلى وجهي، وأبقيت رأسي منخفضًا لأخفيها حتى مرّ بي. “لا بد أنه سقط عندما كانت الجثة تُجر،” قلت.
عندما رآني أنظر، هزّ قارورة المادة المانعة للتسرب بقرب أذنه، مصغيًا إلى الرجرجة الخافتة. “لا أدري إن كان هناك ما يكفي لإصلاح هذا وسد حافة سيف جديد.”
استقام عموده الفقري قليلًا، وبدأ يلوح بالسيف في الهواء. “أظن ذلك،” قال، وصوته بدأ يعود لطبيعته.
سافرنا على طول المسار الذي شققناه عبر الحرير أمس. حوالي الوقت الذي ظهرت فيه علامات السكين على الأشجار، بدأت آثار أخرى تتقاطع مع آثارنا. آثار أقدام غيلان طويلة الأصابع اختلطت بآثار حوافر مشقوقة. لقد كانوا يصطادون، بالتأكيد.
تقدمت كوا أمامي، كف على وركها.
فخ الكرمة كان قد انقطع، لكن الحفرة بدت تمامًا كما تركناه. جثة الغول بدت طازجة؛ الاختلاف الوحيد كان الدم المتقشر والتصلب في الأطراف. اضطررنا لنشر الجثة ذهابًا وإيابًا لتخفيف الأوتار وإزاحتها عن الأوتاد. بحلول الوقت الذي رميناها خارج الحفرة، كان تاج متعرقًا ونكديًا مجددًا.
“ليس وكأنها ستحدث فرقًا كبيرًا لشخص مثلك.”
جلس ملقيًا ذراعيه على ركبتيه وعبوس منزعج على وجهه بينما كنت أدور حول الجثة، أضع علامات بسكيني النحت. “يمكننا أخذ عظمي الفخذ للسيوف.” قطعت علامة X فوق المفاصل. “أو، إذا كنت لا تريد سيفًا إضافيًا، يمكننا صنع سيف احتياطي واحد لسيفي عندما ينكسر من أول ضربة حتمًا.” عمل تاج في سد الشق الليلة الماضية لن يدوم دون تدعيم بالإشعاع.
“أتعني، مختلفة عن نفس الفكرة التي كانت لديّ بالأمس، لكنها فجأة أصبحت القرار الصحيح لأنك قررت أننا يجب أن نفعلها؟”
التقطت إحدى يدي الغول، ساحبًا الأصابع محاولًا تحديد موقع المفاصل. “سأحاول صنع بعض سهام القوس من هذه.”
ساعدته في التسلق على الغصن، يدي الحرّة تمسك بمقدمة بذلته.
جلس ملقيًا ذراعيه على ركبتيه وعبوس منزعج على وجهه بينما كنت أدور حول الجثة، أضع علامات بسكيني النحت. “يمكننا أخذ عظمي الفخذ للسيوف.” قطعت علامة X فوق المفاصل. “أو، إذا كنت لا تريد سيفًا إضافيًا، يمكننا صنع سيف احتياطي واحد لسيفي عندما ينكسر من أول ضربة حتمًا.” عمل تاج في سد الشق الليلة الماضية لن يدوم دون تدعيم بالإشعاع.
“ستنكسر من أول ضربة أيضًا على الأرجح.”
تراجعت وبدأت في السير بصعوبة ضد التيار، وتاج وكوا ورائي. سلخ اللحم المنقع بالماء لم يكن على رأس قائمة مهامي. سنجد عينات أفضل في الجانب الشمالي. أو ربما الأفضل هو تلك التي تركناها في الحفرة.
تاج لم ينظر إليّ حتى. بدلًا من ذلك، توهجت طاقة ذهبية حول ساقيه وهو اندفع متجاوزًا إياي.
“ربما، لكن ضربة جيدة واحدة قد تكون كل ما أحتاجه. وأريد خيار القتال من مسافة.”
في شرنقتي الحريرية، تمايلتُ مع النسيم، عادًّا بضع نجمات استطعتُ رصدهن بين ثغرات في أوراق شجرتنا الذهبية. كانت كوا جاثمة على بعد بضعة أغصان لأعلى، مستعدة لبدء نوبة حراستها. أمّا شخير تاج فكان مكتومًا بفضل شرنقته الكثيفة. لم تكن الصفارات الناعمة مزعجة بقدر تذمره المستمر حين كان يجمع وينسج الحرير. على حد تعبيره، فهذا “ألم حقيقي في المؤخرة من أجل شيء سنستخدمه لليلة واحدة.” سألته إن كان يفضل الموت سقوطًا من على غصن شجرة، لكن ذلك أسكته مؤقتًا فقط.
ثبّت معصم الغول على الأرض وبدأت أنشر في أحد الأصابع. اخترقت الجلد القاسي في ثوانٍ، مفاجئًا نفسي. نفس المهمة كانت ستستغرق مني ثلاثة أضعاف الوقت، قبل بضعة أيام فقط. لكن دون إشعاع، لم أستطع استخدام مدى قوتي الجديدة بمجرد أن أصل للعظم، أو سأضع ضغطًا كبيرًا على سكيني. ما زلت بحاجة للنحت بذكاء، لا بسرعة.
سخن الغضب معدتي، مشكلاً قبضتين في جانبيّ. تجاهله، قلت لنفسي، محدقًا في مؤخرة رأسه ومتخيلًا قذف صخرة عليه.
نظرت لأجد تاج، عدته مفتوحة بجانبه، يكشط آخر آثار الدم عن سيفه المسترجع. الساق كانت مهملة.
“تاج… إنه مرتفع جدًا!” أدنى الأغصان كان على ارتفاع عشرة أقدام على الأقل. لن أصل إليه أبدًا. الجذع الأملس كان نحيلًا لكنه ما زال أكبر من أن أستطيع لف ذراعيّ حوله.
أطلقت زفيرًا حادًا من أنفي. “ظننتك مستعجلًا للمغادرة. نحتاج للبدء في هذا.”
“تورين…” صوت تاج ارتفع لنوتة جديدة. “ما هذا بحق الجحيم؟”
“اهتم بسهامك الحمقاء، حسنًا؟ يمكنني إصلاح هذا وما زلت سأصيغ لك سيفًا قبل أن تنتهي.” لم ينظر إليّ حتى، فقط لوّح بيده ناهيًا.
صوت طقطقة خافت أخرجني من شرودي المتجهِم. تحركت كوا على غصنها حتى استطعت تمييز ملامحها. رأسها منحنٍ فوق قطعة حرير ممددة في حجرها، وبين كفيها، تمسك بإبرتين، تشكّ خيوطًا رفيعة حول طرفيهما.
بدأت أنسى لماذا ظللت أمدّ له أغصان الزيتون.
عندما ظهر عالم الروح، رمشتُ مزيحًا البقع البيضاء من أطراف بصري وتأملتُ الكرة الرمادية الحجرية الثانية التي كانت تدور حولي بارتياح، نظريتي تأكدت الآن تمامًا. مدتُّ يدي وجلبتها قريبًا لفحصها. خشنة ومجدّرة كما بدت، سررتُ بأن أجد أنه لا شقوق في هذه. إخراج ذلك من سبيكة الغول الأخيرة كان صداعًا حقيقيًا.
عندما رآني أنظر، هزّ قارورة المادة المانعة للتسرب بقرب أذنه، مصغيًا إلى الرجرجة الخافتة. “لا أدري إن كان هناك ما يكفي لإصلاح هذا وسد حافة سيف جديد.”
إذ أدخلت سكيني بحذر في مفصل الإصبع، سمعت وشعرت بخيوط النسيج الضام تفرقع واحدة تلو الأخرى، ثم فككت المفصل الكروي من محجره. بعد ذلك، انتقلت للتالي.
سخن الغضب معدتي، مشكلاً قبضتين في جانبيّ. تجاهله، قلت لنفسي، محدقًا في مؤخرة رأسه ومتخيلًا قذف صخرة عليه.
أخيرًا بدأ تاج في العمل لفصل الساق، وبحلول الوقت الذي فصلت فيه كل الأصابع عن الجثة، كان قد جردها حتى العظم ووضعها على العشب بجانبه. بينما بدأت في إزالة الطبقات الرقيقة من اللحم لبدء عملية التجفيف، شاهدته يحول انتباهه للنصل مجددًا، يفحص أصغر شق في العالم ويتجهّم له وكأنه عيب ضخم.
عاجزًا عن الكلام، هززت رأسي فحسب. قابضًا على غصني، انحنيت للأمام، مأخوذًا بالمشهد، وذلك عندما برز رأس ضخم من الهيكل البيضوي. عيون مركبة تلألأت كالعقيق فوق فم غريب من ستة فكوك دائريّة، كل منها مسنن. أطراف زمردية رفيعة مفصّلة سحبت صدرًا صلبًا أسود وأخضر بحجم حاوية شحن، جارة معها ذيلًا طويلًا منتفخًا من الحرير يتوهج من الداخل.
عندما رآني أنظر، هزّ قارورة المادة المانعة للتسرب بقرب أذنه، مصغيًا إلى الرجرجة الخافتة. “لا أدري إن كان هناك ما يكفي لإصلاح هذا وسد حافة سيف جديد.”
“هذا الشق لا شيء،” قلت. “وفّرها للحافة.” سد المسام في العظم عند حافة القطع للنصل يقويه ضد التشظي. كانت خطوة لا نقاش فيها، إذا توفرت المؤن.
استقام عموده الفقري قليلًا، وبدأ يلوح بالسيف في الهواء. “أظن ذلك،” قال، وصوته بدأ يعود لطبيعته.
“ليس وكأنها ستحدث فرقًا كبيرًا لشخص مثلك.”
يداي توقفتا، سكين النحت يحوم فوق سلامية منزوعة جزئيًا. حدقت فيه حتى شعر بذلك، مرغمًا إياه على النظر إليّ. “إذن، سدّ نصلي الجديد هو إهدار لوقتك الثمين،” قلت، تاركًا غضبي يشحذ صوتي لحافة حادة دون أن يغلي، “لكن الليلة الماضية، كنت سعيدًا بإهدار معظم مؤونتك لملء شق أخبرتك أنه خاسر؟ كيف يكون ذلك منطقيًا، تاج؟”
أخيرًا بدأ تاج في العمل لفصل الساق، وبحلول الوقت الذي فصلت فيه كل الأصابع عن الجثة، كان قد جردها حتى العظم ووضعها على العشب بجانبه. بينما بدأت في إزالة الطبقات الرقيقة من اللحم لبدء عملية التجفيف، شاهدته يحول انتباهه للنصل مجددًا، يفحص أصغر شق في العالم ويتجهّم له وكأنه عيب ضخم.
“أنا أقول، إذا كنا سنستخدم آخر ما تبقى منه، فيجب أن يكون على سيفي لأن سيفي لن يتحطم في يدي.” وخز صدره بإصبعه. “كون نصلي في حالة نقية قد يعني الفرق بين حياتنا وموتنا كلينا.”
عندما رآني أنظر، هزّ قارورة المادة المانعة للتسرب بقرب أذنه، مصغيًا إلى الرجرجة الخافتة. “لا أدري إن كان هناك ما يكفي لإصلاح هذا وسد حافة سيف جديد.”
“لأنك بارع بالسيوف هكذا.”
رفعت بصري إلى تاج. “ما لم يكن لديك أي اعتراضات؟”
اتسع منخراه. “لمَ لا تكون شاكرًا لمرة واحدة؟” صرخ، وذلك عندما سارت كوا بين الأشجار. توقفت برعشة، عيناها السوداوان ضاقتا على تاج.
نظرت لأجد تاج، عدته مفتوحة بجانبه، يكشط آخر آثار الدم عن سيفه المسترجع. الساق كانت مهملة.
“بحق الجحيم، عم تتحدث؟” صرخت عليه. “متى كنت جاحدًا؟”
أخيرًا بدأ تاج في العمل لفصل الساق، وبحلول الوقت الذي فصلت فيه كل الأصابع عن الجثة، كان قد جردها حتى العظم ووضعها على العشب بجانبه. بينما بدأت في إزالة الطبقات الرقيقة من اللحم لبدء عملية التجفيف، شاهدته يحول انتباهه للنصل مجددًا، يفحص أصغر شق في العالم ويتجهّم له وكأنه عيب ضخم.
“أنت لم تشكرني أبدًا على إنقاذك بالأمس.”
صدمة باردة لكَمت أحشائي. “تاج!”
ارتد رأسي للخلف. “المعذرة؟”
لكن ماذا أصنع بهذه؟
“أنا قتلت ذلك الذي تسلل علينا،” قال، عادًّا ذلك على إصبع. “أنا حاربت اثنين منهم بينما كنت أنت ملقى على مؤخرتك.”
بقيت فاغر الفم فيه، محاولًا استيعاب الوقاحة. “ماذا؟”
ثم صوت جديد اعتلى البقية. أزيز خشن قارض، كمنشار شحن يأكل في خشب. العش ارتعد، ثم بدأ يتموّج. انتفخ وانكمش كرئة خضراء ضخمة بينما تحرك شيء ضخم داخل الحرير. الغيلان تبادلت طقطقات غائرة، كثير منها تراجع إلى أسفل جذور الشجرة بينما اقتربت الكتلة داخل العش من الفتحة المظلمة.
هززت رأسي. “أردتَ الهروب فحسب. بلا شيء،” قلت، مجاهدًا لتعديل نبرتي.
“سمعتني. كنت ميتًا دوني، لكنك لا تعرف ذلك من طريقة تصرفك.”
“أتريدني أن أقبل قدميك، على ماذا، مساعدتي على النهوض مرة؟ كلنا كنا نحمي ظهر بعضنا البعض بالأمس. لأننا أناس محترمون. ولأني ظننت أننا في نفس الجانب بحق الجحيم.” وخزت بسكيني في اتجاهه. “لكن إذا كنت تريد حقًا حفظ النتائج، كوا أنقذت حياتي بالأمس، وليس أنت. وأفخاخي أنقذتنا جميعًا. كل ما أتذكره أنك فعلته هو قتل غول نصف ميت كنت أنا قد منعته من التسلل عليك، ثم هربت وخفت حتى أسقطت سيفك.”
“أتريدني أن أقبل قدميك، على ماذا، مساعدتي على النهوض مرة؟ كلنا كنا نحمي ظهر بعضنا البعض بالأمس. لأننا أناس محترمون. ولأني ظننت أننا في نفس الجانب بحق الجحيم.” وخزت بسكيني في اتجاهه. “لكن إذا كنت تريد حقًا حفظ النتائج، كوا أنقذت حياتي بالأمس، وليس أنت. وأفخاخي أنقذتنا جميعًا. كل ما أتذكره أنك فعلته هو قتل غول نصف ميت كنت أنا قد منعته من التسلل عليك، ثم هربت وخفت حتى أسقطت سيفك.”
تاج لم ينظر إليّ حتى. بدلًا من ذلك، توهجت طاقة ذهبية حول ساقيه وهو اندفع متجاوزًا إياي.
“وكأنك أنت لم تكن تتبول على نفسك من الخوف،” زمجر، وجهه أحمر. “أتدري ماذا؟” انتفض واقفًا. “لقد سئمت من أسلوبك المتعالي.”
“وأنا سئمت من أسلوبك،” رديت، ناهضًا لأكون على مستوى عينيه. “كل ما تفعله هو التذمر.”
سعل تاج أوراقًا من فمه. كان مستلقيًا على بطنه وكوا جالسة على ظهره، وقد بدا أنها صدته أرضًا.
“ليس عليّ تحمل هذا منك،” قال، يتنفس كثور هيج.
بدأت أنسى لماذا ظللت أمدّ له أغصان الزيتون.
“ولم لا؟” تحديت.
بعض من ثقته تلاشت، عيناه هبطتا إلى ذقني. “أنت تعلم لماذا.”
تقدمت كوا أمامي، كف على وركها.
اقتربت خطوة. “إذن لمَ لا تتفوّه بها وتقولها في وجهي؟”
بقيت فاغر الفم فيه، محاولًا استيعاب الوقاحة. “ماذا؟”
انتفخ محاولًا التطاول عليّ، لكن بقدر ما تشدّت عضلات فكه، إما أنه لم يرد أو لم يستطع تكوين الكلمة المهينة.
بدأت أنسى لماذا ظللت أمدّ له أغصان الزيتون.
رفعت بصري إلى تاج. “ما لم يكن لديك أي اعتراضات؟”
“هذا ما ظننت،” قلت، مقطًا حوله لألتقط عظم الساق من الأرض. وضعته تحت إبطي، ثبتّ القوس بأحد الحلقات على ورك بذلتي، وواجهته. “انظر، تاج، إذا كنت تريد التصرف وكأن شيئًا لم يتغير وأني ما زلت مجرد خامل تبيع له المذيبات، حسنًا، إذن هنا نفترق. لكني لا أعتقد أن هذه هي الطريقة التي تريد حقًا أن تنتهي بها الأمور.”
بدا وكأنه تقلص، محدثًا غمازة في خده وهو يعض داخله.
“ما أريده نحن أن نفعله، وأظن أنك تريده أيضًا،” تابعت، “هو أن ننسى كل هذا الهراء القديم، وأن نضم رؤوسنا معًا، ونكتشف طريقة للخروج من هذه الفوضى بحق الجحيم. أظن أننا نشكل فريقًا جيدًا نوعًا ما، وأظن أننا إذا بقينا معًا، فسيخطئ كولتر في التقليل من شأننا. وأنا أتطلع إلى ذلك، لذا سأكره أن أراك ترحل بلا سبب.”
بعض من ثقته تلاشت، عيناه هبطتا إلى ذقني. “أنت تعلم لماذا.”
جاءت كوا لتدب بجانبي بينما مدت يدي، داعيًا تاج للمصافحة. “إذن، ماذا سيكون؟”
إذ أدخلت سكيني بحذر في مفصل الإصبع، سمعت وشعرت بخيوط النسيج الضام تفرقع واحدة تلو الأخرى، ثم فككت المفصل الكروي من محجره. بعد ذلك، انتقلت للتالي.
عيناه الداكنتان ارتفعتا من العشب لتحول بين وجهي ويدي. تقدم خطوة، ذراعه ترتفع، وفجأة مزّق عواء قططي الهواء. استدار تاج نحو الصوت، وامتدت يدي إلى السلاح الوحيد المتاح، رافعًا عظم فخذ الغول كمضرب.
“اهتم بسهامك الحمقاء، حسنًا؟ يمكنني إصلاح هذا وما زلت سأصيغ لك سيفًا قبل أن تنتهي.” لم ينظر إليّ حتى، فقط لوّح بيده ناهيًا.
بعد المرة الثالثة التي طعن فيها نفسه بالعصي المدببة التي استخدمناها كإبر، رماها خارج الشجرة وصرخ، “كفى، انتهيت. هذه فكرتك، اصنعها أنت.” بقي الاحمرار الغاضب مرتفعًا على وجنتيه، لكنه خفض صوته وزمجر نصف زمجرة، “سأصلح… سيفك.”
اندفع الوحش المرقط إلى مرأى منا، قطع منعطفًا حادًا باتجاهنا مباشرة، وأغلق المسافة بأقصى سرعة. لعنت، ناظرًا من العظم غير المجدي في قبضتي المرتجفة إلى الوحش المتحول المقبل، بينما تعثر تاج نحو سيفه.
ساعدته في التسلق على الغصن، يدي الحرّة تمسك بمقدمة بذلته.
“أتعرف،” بدأت بينما تاج يجمع ماءه، “أظن أنك كنت محقًا بشأن المغادرة اليوم، حتى لو كانت الدبابير النساجة قد أخافت الغيلان من أمس.”
تطاير اللحاء بينما استخدم الوحش جذع شجرة كمنصة انطلاق وقفز فوق الحفرة.
“اهتم بسهامك الحمقاء، حسنًا؟ يمكنني إصلاح هذا وما زلت سأصيغ لك سيفًا قبل أن تنتهي.” لم ينظر إليّ حتى، فقط لوّح بيده ناهيًا.
“انبطحا!” صرخت، ملقٍ بنفسي جانبًا. ارتطمت بالأرض وتدحرجت لأتأرجح بعظم الفخذ وذلك عندما حط الوحش المرقط على جانبنا من الحفرة… وواصل الركض.
عاجزًا عن الكلام، هززت رأسي فحسب. قابضًا على غصني، انحنيت للأمام، مأخوذًا بالمشهد، وذلك عندما برز رأس ضخم من الهيكل البيضوي. عيون مركبة تلألأت كالعقيق فوق فم غريب من ستة فكوك دائريّة، كل منها مسنن. أطراف زمردية رفيعة مفصّلة سحبت صدرًا صلبًا أسود وأخضر بحجم حاوية شحن، جارة معها ذيلًا طويلًا منتفخًا من الحرير يتوهج من الداخل.
التفت لأشاهده وهو يفر في عداء كامل. قفز فوق شجرة ساقطة واشتعل بمخالبه في جذع آخر، متحولًا إلى الأغصان، حيث نشر جلده الزائد وحلّق خارجًا من البصر. رعب يتجمع في جوفي، نهضت على قدميّ، أذناي مصغيتان إلى صوت آخذ في الارتفاع: أوراق تهتز، أقدام تجري.
استقام عموده الفقري قليلًا، وبدأ يلوح بالسيف في الهواء. “أظن ذلك،” قال، وصوته بدأ يعود لطبيعته.
سعل تاج أوراقًا من فمه. كان مستلقيًا على بطنه وكوا جالسة على ظهره، وقد بدا أنها صدته أرضًا.
عندما ظهرت كوا إلى جانبي، استغللت المسافة التي وضعها تاج بيننا لأسأل، “هل يمكنك البدء في إيجاد الطعام والالتقاء بنا في الحفرة؟”
“اهتم بسهامك الحمقاء، حسنًا؟ يمكنني إصلاح هذا وما زلت سأصيغ لك سيفًا قبل أن تنتهي.” لم ينظر إليّ حتى، فقط لوّح بيده ناهيًا.
التقت عيناها وعيناي، ورأيت مخاوفي ذاتها منعكسة على وجهها.
أطلقت زفيرًا حادًا من أنفي. “ظننتك مستعجلًا للمغادرة. نحتاج للبدء في هذا.”
أول طقطقة-فرقعة لغول يحتك بأحد أفخاخي الغدية غُمرت تمامًا، المؤشر الوحيد كان الوميض الساطع في محيط بصري، منعكسًا في عيني كوا السوداوين وهي تلتفت باحثة عني. الصدمة انتقلت عبر ستارة حريرية موضوعة بعناية تتفرع عن المسار المخطط الذي شققناه، مما جعل الغيلان تصرخ ألمًا. لكن عندما انقض السرب على كل شيء في مرمى البصر، لن يكون مكان آمن. إلا…
بأقصى هدوء استطعت، علقت القوس وسحبت عظم الساق الساقط من الأوراق.
“سمعتني. كنت ميتًا دوني، لكنك لا تعرف ذلك من طريقة تصرفك.”
صرخة غول جائع يتتبع أثرًا حطمت الصمت. بعد لحظة، أجاب الحشد. برد ذعر تسلق عمودي الفقري مع تردد الزمجرة المتنافرة الصارخة مئات المرات. الغابة كلها ارتجت مع الجلبة المتصاعدة حيث انكمشت الوحوش المتحولة الأصغر للاختباء أو حلقت بعيدًا. نزلت كوا عن تاج، الذي نهض بصعوبة، شاحبًا كالعظم.
شعرت بالدم يغادر وجهي وأنا ألتقي نظراتهما ونعقت، “الطريق أ.”
نظرت لأجد تاج، عدته مفتوحة بجانبه، يكشط آخر آثار الدم عن سيفه المسترجع. الساق كانت مهملة.
انطلقنا كالسهم، نمزق العشب. أرجحت عظم فخذ الغول كهراوة، محطمًا النباتات والحرير دون اكتراث. كانت الدبابير النساجة قد هاجت بالفعل، أزيزها القاتل يرتفع مجيبًا الحشد الذي يقتحم حقول أزهارها، يمزق شبكتها. أنياب خلف، فكوك أمام، كنا محشورين في الأرض المعزولة المتقلصة بين جيشين متوغلين. ركضنا نحو العش، نحو الخطر الذي نفهمه، حيث المسارات المعلّمة والخطط الاحتياطية قد توفر لنا ثوانٍ لا تقدر بثمن. إذا استطعنا أن نسبق الغيلان إلى شجرة العش، فالسرب سيمر فوق رؤوسنا مباشرة مطاردًا إياهم.
يداي توقفتا، سكين النحت يحوم فوق سلامية منزوعة جزئيًا. حدقت فيه حتى شعر بذلك، مرغمًا إياه على النظر إليّ. “إذن، سدّ نصلي الجديد هو إهدار لوقتك الثمين،” قلت، تاركًا غضبي يشحذ صوتي لحافة حادة دون أن يغلي، “لكن الليلة الماضية، كنت سعيدًا بإهدار معظم مؤونتك لملء شق أخبرتك أنه خاسر؟ كيف يكون ذلك منطقيًا، تاج؟”
أشجار صغيرة سقطت تحت سحق الحشد مع طقطقات حادة وارتطامات صاخبة، الدمار قريب جدًا حتى أني شعرت بالاهتزازات في الأرض. امتلأ الهواء بدوامات من الأوراق المتساقطة. صرخات بعيدة موجعة لأودوكو خائف بدت كنساء يولولن، مقشعرة كل شعرة في جسدي.
غرزته في غول، أها؟
بينما تكاثفت الأزهار، مهيمنة على أرض الغابة، وبدأت علاماتي X الحمراء الصدئة تظهر على السيقان، نظرت للخلف لأرى الأشجار وأوراق الشجر ترقص كأعلام في عاصفة. تمايلت السعف الورقي جانبًا، ولمحت ومضات من لحم شاحب كالجثة، مخالب سوداء طويلة، وعيون ضوء ميت. كثير لدرجة لا تُعد.
بدا وكأنه تقلص، محدثًا غمازة في خده وهو يعض داخله.
صوت طقطقة خافت أخرجني من شرودي المتجهِم. تحركت كوا على غصنها حتى استطعت تمييز ملامحها. رأسها منحنٍ فوق قطعة حرير ممددة في حجرها، وبين كفيها، تمسك بإبرتين، تشكّ خيوطًا رفيعة حول طرفيهما.
كسر الخوف إيقاع تنفسي المتحكم به، وشهقاتي أصبحت تحرق كسكاكين حارة. تاج وكوا تقدما عني. بقدر ما دفعت جسدي، كنت أخسر أرضًا كل بضع ثوانٍ، والغيلان لا تزداد إلا قربًا. أمامنا، أضواء الشفق الزرقاء المخضرة حُجبت بسحابة من بطون صفراء كهربائية نابضة وكتلة دوّارة من خطوط خضراء. أزيز السرب الأعظم أصبح زمجرة دوّامة كصرخة حرب جمهور ملعب.
انزلق حذاءا تاج في التراب بينما أبطأ أمام السرب، نصف ملتف حتى وقعت عيناه الواسعتان ورائي.
أشجار صغيرة سقطت تحت سحق الحشد مع طقطقات حادة وارتطامات صاخبة، الدمار قريب جدًا حتى أني شعرت بالاهتزازات في الأرض. امتلأ الهواء بدوامات من الأوراق المتساقطة. صرخات بعيدة موجعة لأودوكو خائف بدت كنساء يولولن، مقشعرة كل شعرة في جسدي.
أول طقطقة-فرقعة لغول يحتك بأحد أفخاخي الغدية غُمرت تمامًا، المؤشر الوحيد كان الوميض الساطع في محيط بصري، منعكسًا في عيني كوا السوداوين وهي تلتفت باحثة عني. الصدمة انتقلت عبر ستارة حريرية موضوعة بعناية تتفرع عن المسار المخطط الذي شققناه، مما جعل الغيلان تصرخ ألمًا. لكن عندما انقض السرب على كل شيء في مرمى البصر، لن يكون مكان آمن. إلا…
“تسلقا!” صرخت بأعلى صوتي.
استجابت كوا فورًا، قاطعة منعطفًا حادًا نحو أقرب شجرة على حافة الحقل، حيث بدأت الأزهار تخفف قبضتها الخانقة على التربة. تلفت تاج كغزال تائه، وأخيرًا ترنح وراءها عندما لحقت به. جلده المتعرق كان ملصوقًا بحرير أخضر وأصفر، والمزيد منه يتعلق بالعباءة التي تطير وراءه. عالمًا أني أبدو مثله تمامًا، وضعت كل ما لدي في ساقيّ، أشاهد كوا تتسلق اللحاء الأبيض أمامي. بينما جثمت على أحد الأغصان المتناثرة للشجرة، غاصت معدتي.
استجابت كوا فورًا، قاطعة منعطفًا حادًا نحو أقرب شجرة على حافة الحقل، حيث بدأت الأزهار تخفف قبضتها الخانقة على التربة. تلفت تاج كغزال تائه، وأخيرًا ترنح وراءها عندما لحقت به. جلده المتعرق كان ملصوقًا بحرير أخضر وأصفر، والمزيد منه يتعلق بالعباءة التي تطير وراءه. عالمًا أني أبدو مثله تمامًا، وضعت كل ما لدي في ساقيّ، أشاهد كوا تتسلق اللحاء الأبيض أمامي. بينما جثمت على أحد الأغصان المتناثرة للشجرة، غاصت معدتي.
“ستنكسر من أول ضربة أيضًا على الأرجح.”
“ستنكسر من أول ضربة أيضًا على الأرجح.”
“تاج… إنه مرتفع جدًا!” أدنى الأغصان كان على ارتفاع عشرة أقدام على الأقل. لن أصل إليه أبدًا. الجذع الأملس كان نحيلًا لكنه ما زال أكبر من أن أستطيع لف ذراعيّ حوله.
حتى الآن، لم نر أي دليل على ذلك. كان الصباح هادئًا. لكن السؤال الكبير من الليلة الماضية لا يزال يقلقني…
تاج لم ينظر إليّ حتى. بدلًا من ذلك، توهجت طاقة ذهبية حول ساقيه وهو اندفع متجاوزًا إياي.
“عظيم،” تذمّر تاج. “الماء ملوث.”
جلس ملقيًا ذراعيه على ركبتيه وعبوس منزعج على وجهه بينما كنت أدور حول الجثة، أضع علامات بسكيني النحت. “يمكننا أخذ عظمي الفخذ للسيوف.” قطعت علامة X فوق المفاصل. “أو، إذا كنت لا تريد سيفًا إضافيًا، يمكننا صنع سيف احتياطي واحد لسيفي عندما ينكسر من أول ضربة حتمًا.” عمل تاج في سد الشق الليلة الماضية لن يدوم دون تدعيم بالإشعاع.
صدمة باردة لكَمت أحشائي. “تاج!”
“ليس عليّ تحمل هذا منك،” قال، يتنفس كثور هيج.
سافرنا على طول المسار الذي شققناه عبر الحرير أمس. حوالي الوقت الذي ظهرت فيه علامات السكين على الأشجار، بدأت آثار أخرى تتقاطع مع آثارنا. آثار أقدام غيلان طويلة الأصابع اختلطت بآثار حوافر مشقوقة. لقد كانوا يصطادون، بالتأكيد.
عند قاعدة الشجرة، أشعل إشعاعه كهالة ساطعة حول جسده بالكامل وانخفض في قرفصاء. كان سيَقفز.
“أتعرف،” بدأت بينما تاج يجمع ماءه، “أظن أنك كنت محقًا بشأن المغادرة اليوم، حتى لو كانت الدبابير النساجة قد أخافت الغيلان من أمس.”
عيناه الخائفتان التقتا عينيّ. “أسرع!” صرخ، مشبكًا أصابعه أمامه.
ارتياح خفف أوصالي، وقفزت دون تردد، هابطًا بقدم واحدة في راحتيه. اندفع بقوة لأعلى وقذفني في الهواء. في قمة القفزة، تمامًا حين رفع إحساس زائف بانعدام الوزن أطرافي وشعري، ظهر الغصن. تشبثت به بذراعيّ وسحبت نفسي إلى الأمان، جالسًا في حنيّة الغصن وذلك عندما أمسك تاج به، ساقاه متدليتان تتأرجحان فوق الموجة الأولى من الغيلان. قفز أحدهم نحوه، فضربت بعظم الساق الذي لا يزال في قبضتي، لاطمًا المخالب المندفعة بعيدًا عنه بينما كان يسحب ركبتيه إلى صدره.
عيناه الداكنتان ارتفعتا من العشب لتحول بين وجهي ويدي. تقدم خطوة، ذراعه ترتفع، وفجأة مزّق عواء قططي الهواء. استدار تاج نحو الصوت، وامتدت يدي إلى السلاح الوحيد المتاح، رافعًا عظم فخذ الغول كمضرب.
ساعدته في التسلق على الغصن، يدي الحرّة تمسك بمقدمة بذلته.
“أعلى،” قلت حالما استقر، أقاتل لأُسمع فوق ضجيج الخلية الناخر.
أخيرًا بدأ تاج في العمل لفصل الساق، وبحلول الوقت الذي فصلت فيه كل الأصابع عن الجثة، كان قد جردها حتى العظم ووضعها على العشب بجانبه. بينما بدأت في إزالة الطبقات الرقيقة من اللحم لبدء عملية التجفيف، شاهدته يحول انتباهه للنصل مجددًا، يفحص أصغر شق في العالم ويتجهّم له وكأنه عيب ضخم.
الحرير لا يزال يتمايل كأغصان الصفصاف من النصف السفلي للشجرة، وكان السرب علينا. مئات ومئات الأجساد أظلمت الظلة، حاجبة الشمس في سحابة دوّارة. بالأسفل، كانت الغيلان بحرًا رماديًا-أبيضًا متصاعدًا، تمزق الأزهار وهي تصطدم ببعضها في قفزات جنونية نحو الدبابير النساجة.
يداي توقفتا، سكين النحت يحوم فوق سلامية منزوعة جزئيًا. حدقت فيه حتى شعر بذلك، مرغمًا إياه على النظر إليّ. “إذن، سدّ نصلي الجديد هو إهدار لوقتك الثمين،” قلت، تاركًا غضبي يشحذ صوتي لحافة حادة دون أن يغلي، “لكن الليلة الماضية، كنت سعيدًا بإهدار معظم مؤونتك لملء شق أخبرتك أنه خاسر؟ كيف يكون ذلك منطقيًا، تاج؟”
بينما نتسلق مذعورين إلى الأغصان العلوية الأرفع، اصطدمت القوتان في ومضة متفجرة وعويل صراخ. تشنجت الغيلان وسقطت بالعشرات، لكن المزيد والمزيد ظل قادمًا، غير معاق بالحرير الذي قُطّع بأجساد من داسوا عليه.
الفصل 33 — شرنقة من حرير
يداي توقفتا، سكين النحت يحوم فوق سلامية منزوعة جزئيًا. حدقت فيه حتى شعر بذلك، مرغمًا إياه على النظر إليّ. “إذن، سدّ نصلي الجديد هو إهدار لوقتك الثمين،” قلت، تاركًا غضبي يشحذ صوتي لحافة حادة دون أن يغلي، “لكن الليلة الماضية، كنت سعيدًا بإهدار معظم مؤونتك لملء شق أخبرتك أنه خاسر؟ كيف يكون ذلك منطقيًا، تاج؟”
متأرجحًا على غصن علوي رفيع قافز، لم أستطع إبعاد عينيّ عن الفوضى. مخالب شقّت بطونًا صفراء. فكوك فتحت حلوقًا. دم أسود وكولوروفيل أخضر أمطرا الأزهار المداسة، ملوثين الرحيق الحلو. السرب تكسّر إلى أجزاء، بعضها سقط على أعدائه بينما بحث آخر عن خيوط الحرير الصفراء، محاولًا إيقاف تدفق المفترسات المتوحشة قبل أن تصل العش. عرض الأضواء من الومضات الكهربائية جعل عينيّ تدمعان، لكن الخلية كانت تنفد منها خيوط الحرير، وكانت الغيلان تتحدى الشلل، تزحف أو تعرج إلى الأمام باستمرار.
من وجهة نظري، عاليًا فوق الأزهار، كانت الشجرة القديمة الهائلة حاملة العش الضخم صعبة الفوات، حتى خلال سحق الدبابير النساجة الطائرة. توافد الحشد نحو المنارة العملاقة الفوارة. أي غيلان اجتازت الأزهار استخدمت أقدامها الزنبركية لترمي نفسها على ستائر الحرير وتمزق فكوكها في الطائرات التي تركت خلفها لحراسة العش.
“سيكون بخير في أعلى المجرى.” اقتربت من الضفة، حابسًا أنفاسي ضد رائحة العفن وأنا أتفحص الأرجل. لم تكن أي منها في أفضل حالة — مكسورة أو ممضوغة من الدبابير النساجة، وأظن، من غيلان أخرى. لا بد أن هؤلاء المتخلفين كانوا يتضورون جوعًا ليخاطروا بالدخول إلى هنا، وبدت الجذوع مجوفة تمامًا من الأحشاء.
الدبابير النساجة أشعلت الخيوط الصفراء على حواف العش، مرسلة غيلانًا تتساقط من الأغصان وتسحق آخرين على الأرض. لكن بينما دفع الحشد بقوة أكبر، قوتهم الكاملة تصطدم بهدف واحد، لم تستطع الدبابير النساجة صدهم. الغيلان حددت قلب العش، ممزقة الشكل البيضوي الأخضر، باحثة على الأرجح عن البيض واليرقات المخبأة بالداخل. الغيلان تسلقت فوق بعضها البعض، ممزقة شقوقًا في الجذع، عاضة بعضها لتتنافس على أفضل المواقع بينما كان السرب يحوم، ممزقًا المنعزلين، مُرتدًا بالأقوياء في المركز. الحرير تساقط كالستائر. خيوط صغيرة ممزقة حملتها الريح كالبذور. قلب الشكل البيضوي تدلى إلى الداخل، جوانبه المحصنة تتقلص كل ثانية.
“عظيم،” قال بنبرة مبالغ فيها، وعبوسه لا يزال مكانه.
ثم صوت جديد اعتلى البقية. أزيز خشن قارض، كمنشار شحن يأكل في خشب. العش ارتعد، ثم بدأ يتموّج. انتفخ وانكمش كرئة خضراء ضخمة بينما تحرك شيء ضخم داخل الحرير. الغيلان تبادلت طقطقات غائرة، كثير منها تراجع إلى أسفل جذور الشجرة بينما اقتربت الكتلة داخل العش من الفتحة المظلمة.
“انبطحا!” صرخت، ملقٍ بنفسي جانبًا. ارتطمت بالأرض وتدحرجت لأتأرجح بعظم الفخذ وذلك عندما حط الوحش المرقط على جانبنا من الحفرة… وواصل الركض.
“تورين…” صوت تاج ارتفع لنوتة جديدة. “ما هذا بحق الجحيم؟”
بينما تكاثفت الأزهار، مهيمنة على أرض الغابة، وبدأت علاماتي X الحمراء الصدئة تظهر على السيقان، نظرت للخلف لأرى الأشجار وأوراق الشجر ترقص كأعلام في عاصفة. تمايلت السعف الورقي جانبًا، ولمحت ومضات من لحم شاحب كالجثة، مخالب سوداء طويلة، وعيون ضوء ميت. كثير لدرجة لا تُعد.
عاجزًا عن الكلام، هززت رأسي فحسب. قابضًا على غصني، انحنيت للأمام، مأخوذًا بالمشهد، وذلك عندما برز رأس ضخم من الهيكل البيضوي. عيون مركبة تلألأت كالعقيق فوق فم غريب من ستة فكوك دائريّة، كل منها مسنن. أطراف زمردية رفيعة مفصّلة سحبت صدرًا صلبًا أسود وأخضر بحجم حاوية شحن، جارة معها ذيلًا طويلًا منتفخًا من الحرير يتوهج من الداخل.
الملكة نهضت للدفاع عن عشها.
————————
لكن ماذا أصنع بهذه؟
تجاوزت تاج، الذي يفحص الأرض. علامات الجر اتجهت في اتجاهين مختلفين، واحد خارج الغابة، والآخر ليس بعيدًا جدًا عن حيث ماتت الغيلان. دم أسود شوه الشجرة التي جُذب إليها، والجثة المأكولة جزئيًا استلقيت عبر الأغصان كغزال مربوط على غطاء محرك سيارة.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
هل من الحكمة أن أنفّر الشخصين الوحيدين اللذين ساعداني منذ بدأت هذه الكارثة، كل هذا بسبب خطة غير كاملة بدأت بالفعل في الانهيار؟
تجاوزت تاج، الذي يفحص الأرض. علامات الجر اتجهت في اتجاهين مختلفين، واحد خارج الغابة، والآخر ليس بعيدًا جدًا عن حيث ماتت الغيلان. دم أسود شوه الشجرة التي جُذب إليها، والجثة المأكولة جزئيًا استلقيت عبر الأغصان كغزال مربوط على غطاء محرك سيارة.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
“أوه؟” نهض، قربته تقطر، وعقد ذراعيه.
