41.25
إيميليا: [أنا غاضبة جدًّا الآن، لذا لن أتحفّظ حتى لو كنتَ أنتَ، آل.]
لم تفهم فحوى كلامه، فاتّسعت عيناها، وضاعت الكلمات من شفتيها. كان أوتو قد غطّى وجهه بيديه المستندتين إلى وجنتيه، ثم رفع بصره نحو السقف. ولأنه أطول منها، لم تتمكّن من رؤية وجهه، لكن ارتجاف صوته كان كافيًا ليُخبرها أن ما بداخله لم يكن غضبًا فقط.
قالت ذلك، والساحرة المتجمد، التي حوّلت محيط برج السجن إلى مشهدٍ شتوي مغطّى بالثلوج، وجهت نحوه نظرةً صارمة.
وكان الجندي مُجسّدًا على هيئة “سوبارو”، ذاك الذي تعتمد عليه إميليا بشدّة، فعضّ “أل” على أسنانه وقال: [هذا الأسوأ…!]
كانت المشاعر الغاضبة المتأججة في عينيها البنفسجيتين تُشعل جفافًا في حلق آلديباران.
وفور تفوّهه بتلك الكلمات، انقلب موضع قدميه فجأة، فانطلق هو ورفيقه في الهواء مبتعدَين عن ساحة القتال.
حتى في الإمبراطورية، رآها مرارًا وهي تركل بساقيها الطويلتين بكل ما أوتيت من قوة، تقاتل بوجهٍ جادٍّ يفيض جمالًا. غير أن تلك الجدية كانت دائمًا ممتزجةً بشجاعتها ورقتها، ولم يكن الغضب يومًا جزءًا منها.
لم تفهم فحوى كلامه، فاتّسعت عيناها، وضاعت الكلمات من شفتيها. كان أوتو قد غطّى وجهه بيديه المستندتين إلى وجنتيه، ثم رفع بصره نحو السقف. ولأنه أطول منها، لم تتمكّن من رؤية وجهه، لكن ارتجاف صوته كان كافيًا ليُخبرها أن ما بداخله لم يكن غضبًا فقط.
ولذا، كانت هذه هي المرة الأولى.
كانت تلك الضربة بكل قوتها كفيلة بأن تُحدث ألمًا فادحًا. لكنها لم تكن مؤلمة فحسب.
آلديباران: [――――]
تقلّبت مشاعر إميليا بين الغضب والارتباك، لكن “أل” اكتفى بهزّ كتفيه وأشار بذقنه نحو عمود الأرض الذي ارتفع قبل قليل. في مركزه، كان “روي” مقيّدًا رأسًا على عقب، مغطّى بطبقةٍ من التراب، يضحك ساخرًا حين التقت نظراته بنظرتها.
المرة الأولى التي يرى فيها عيني إيميليا مشتعلتين بالغضب، موجّهتين نظرةً حارقة نحو شخصٍ ما.
وبسرعة، شكّل كلٌّ منهما سلاحه التالي؛ إميليا بسيفٍ نحيلٍ من الجليد، و”أل” بسيفٍ صخريٍّ جديد. وهكذا بدأت معركةٌ تقاطعت فيها السيوف، سيوفٌ تتكسر بمجرد أن تُصنع، وتُصنع بمجرد أن تتكسر.
وفوق ذلك، أن يكون هذا الغضب موجَّهًا نحوه تمامًا… حتى مجرد تخيّل ذلك كان مرهقًا.
أوتو: [كلا، لا ينبغي لنا ذلك، إيميليا-ساما.]
آلديباران: […أن أقول إنني لم أكن لأتخيل هذا أبدًا… لعل في ذلك بعض المبالغة.]
شعرت فيلت بالضغط الصامت المنبعث من غضبه، والذي كان معروفًا لدى جميع من في معسكر إيميليا، فوضعت ذراعيها متقاطعتين، وقالت:
من السيطرة على جثة التنين الإلهي فولكانيكا، إلى استخدام ساحرة الحسد لإيقاف سياف السيف المقدس راينهارد، لقد أصبح عدوًّا للعالم بأسره.
إميليا
بل وقبل كل هذا، منذ أن قام بختم ناتسكي سوبارو، حتى وإن لم يكن على نطاقٍ عالمي، فقد جعل من نفسه عدوًّا لكثير من الناس.
: [إذاً، إمّا نحن أو سوبارو، صحيح؟]
وكانت إيميليا على رأس تلك القائمة. كانت هذه المواجهة الثمن الحتمي لقراره.
: [أنت من―― ممف.]
؟؟؟: [ما هذا~؟ غريب حقًا. يبدو أنك أغضبتها كثيرًا، أيها العم. تلك الشابة مخيفة عندما تغضب، هل كنت تعلم؟]
إيميليا: [فيلت-تشان كانت قلقة على راينهارد، لذا عادت لتستعد… لكن، ماذا عنّا؟ إن كنّا نريد أن نستعد، فربما علينا أن نفعل ذلك مع فيلت-تشان والبقيّة…]
آلديباران: [اصمت.]
كان هذا القول قد تجاوز الحد―― وأثار غضب إميليا بشدّة.
؟؟؟: [أوه، مخيف، مخيف.]
[روي]: [بذلي جهدكِ، أونيه-سان. لو لم تفوزي، فلن يكون لدينا خيار غير ان نسمع كلام هذا العم. لحظة~؟ حتى لو فزتي، سنرجع برج السجن… هاها، هذا يعني انه لا يوجد فرق من سيفوز، صحيح~؟]
روى، الذي كان مشلولًا ومحمولًا على كتفي آلديباران، سخر بابتسامةٍ ساخرة.
المرة الأولى التي يرى فيها عيني إيميليا مشتعلتين بالغضب، موجّهتين نظرةً حارقة نحو شخصٍ ما.
لقد أُسِر روى بعد قتاله مع مجموعة ناتسكي سوبارو في برج بلياديس، وكانت إيميليا حاضرة هناك، فمن الطبيعي أن يعرفها.
صرخت رافعةً صوتها، ثمّ رفعت سيفها الجليدي العظيم عاليًا وضربت به نحو “أل”، الذي رفع سيفه الصخري ليصدّ الضربة―― فجأة، أحاط بشخصه شيءٌ التفّ على ساقيه وخصره.
بل وحتى قبل ذلك، أكل روى العديد من الأسماء والذكريات في بريستيلا، ولم يكن من الغريب أن يكون من بينها من يعرف إيميليا.
في اللحظة التي هزّت فيها رأسها بالإيجاب، دوّى صوت صفعةٍ أخرى، إذ صفع أوتو خديه مثلها تمامًا. ولشدّة ما فعل، ارتعبت إيميليا من الصوت العالي، حتى خافت أن ينزف أنفه، لكنه لم يفعل، وإن احمرّت وجنتاه كوجنتيها تمامًا.
ولذا، ما كان على آلديباران التركيز عليه الآن ليس كلمات روى اللزجة، بل――
كان من المفترض أن تصيب قبضتها جسد “أل” مباشرة، لكن الارتداد جعلها تشعر كأنها اصطدمت بجدارٍ صلبٍ لا يتزعزع――
آلديباران: [يا لها من مصادفةٍ أن ألتقي بكِ هنا، آنسة――]
ومع هذا…
مُجهدًا في اختيار كلماته لأول مرة، فتح آلديباران فاه.
ارتطم رأسه بالسقف ثم سقط متدحرجًا رأسًا على عقب، غير أن إميليا استدارت بسرعةٍ نحو موضع سقوطه، وغرزت سيفيها الجليديين نحوه وهو لا يزال معلّقًا في الهواء――
لكن، وللأسف، ضاع جهده في اختيار تلك الكلمات سُدًى.
صدّ “أل” ضربة إميليا الخادعة بذراعه اليسرى―― وهي ذراعٌ حجرية صنعها بالسحر. لكن رغم تصديه للضربة، زمجر بانزعاج، ثم دمّر الذراع التي كلّف نفسه عناء صنعها وألقاها أرضًا.
وذلك لأن――
كانت أسلحتها الجليدية تُجمّد خصمها عند الإصابة، فتشلّ جسده وسلاحه معًا. صحيح أن هذا الأسلوب استدعى زيادةً طفيفة في استهلاك المانا مقارنةً بأسلحتها المعتادة، إلا أنه بقي في الحدود المقبولة، ما دام القتال لن يدوم طويلًا.
آلديباران: [هك…!]
إيميليا: [ماذا؟]
في منتصف عبارته، التي كانت تهدف إلى استكشاف نوايا خصمه، اندفعت إيميليا إلى الأمام، مفجّرةً الثلج المتراكم تحت قدميها، وشعرها الفضي يرفرف بينما ركلت الأرض.
لكن، وللأسف، ضاع جهده في اختيار تلك الكلمات سُدًى.
وفي رؤيته الملبّدة بالثلج، بعد أن لمح بريق شعرها الفضي الطائر――
عندها، رفعت إميليا قدمها، المغطاة بنعلٍ من الجليد، عاليًا――
إيميليا: [هياااه!]
صدّ “أل” ضربة إميليا الخادعة بذراعه اليسرى―― وهي ذراعٌ حجرية صنعها بالسحر. لكن رغم تصديه للضربة، زمجر بانزعاج، ثم دمّر الذراع التي كلّف نفسه عناء صنعها وألقاها أرضًا.
ودون رحمة، سددت قفازًا جليديًا مباشرةً إلى معدة آلديباران.
وفي تلك المرّة، اخترقت ركلتها القويّة دفاعات “أل” الصخريّة، ووجّهت له ضربةً مباشرةً سحقته تمامًا.
△▼△▼△▼△
لم يدم لقاؤهما طويلًا، ولم يكن فحواه سارًّا على الإطلاق. ومع ذلك، عانقت إيميليا فيلت قبل وداعها، وراقبت الفتاة التي بدت ملامحها غريبة وهي تغادر القصر الملكي.
لنَعُد قليلًا بالزمن إلى ما قبل تلك الضربة إلى البطن.
؟؟؟: [سوبارو والبقية…!]
؟؟؟: [سوبارو والبقية…!]
إن أقدم آل على تصرفٍ متهور كهذا، فلا بد أنه مرتبطٌ بموت بريسيلا.
؟؟؟: [هذا ما أخبرني به أحد رجالي. الجميع في البرج قد سقطوا.]
[أوتو]: [لو وضعنا العواطف جانبًا، فإن القبض على ذلك الرجل حيًّا أمرٌ ضروري لإنقاذ ناتسكي-سان وبياتريس-ساما. ومن هذه الناحية، أسلوب قتال إميليا-ساما ملائم تمامًا. ومع ذلك――]
من نقل إليهم هذا الخبر كانت فيلت، التي كانت تقيم آنذاك في العاصمة الملكية.
أوتو: [――هذا خطئي.]
كان هذا أول لقاءٍ لهم منذ أحداث مدينة بوابة الماء، بريستيلا، لكن لم يكن هناك وقت للحديث عن الذكريات.
فقد استقبلت دعمًا غير متوقَّع، وملأتها مشاعر معقّدةٌ للغاية――
فأصلًا، سبب زيارة إيميليا للعاصمة لم يكن سارًّا؛ إذ كان عليها إبلاغ القصر الملكي بأن بريسيلا بارييل قد فقدت حياتها في إمبراطورية فولاكيا.
ودون رحمة، سددت قفازًا جليديًا مباشرةً إلى معدة آلديباران.
كانت إيميليا حزينةً بشدة لأنها أُجبرت على إيصال خبرٍ سيؤثر كثيرًا في مسار الانتخاب الملكي، وقبل كل شيء، سيحزن الكثيرين ممّن عرفوا بريسيلا وأحبوها.
أوتو: […حقًا؟ في هذه الحالة، أنا أيضًا――]
أما ما أخبرت به فيلت إيميليا فكان ضربةً قاصمة.
فيلت: [فارسُكِ وتلك الروح الصغيرة محتجزان عند ذاك الوغد ذي الخوذة. لا أعلم كيف، لكنه لا ينوي قتلهما فيما يبدو.]
إيميليا: [آل…]
إيميليا: [هل السبب أن راينهارد سيجد صعوبةً إن زاد عددنا؟ أعلم أن تخفيف الحمل سيكون صعبًا، لكني سأبذل جهدي…!]
لم تستطع إيميليا أن تنطق بالكلمات التي تدور في قلبها: لماذا قد يفعل شيئًا كهذا؟
في وجه ريغولوس، الذي قيّد قلوب عرائسه، سيلفي والبقيّة، بدوافع أنانيةٍ بحتة، شعرت إيميليا بالغضب، غضبٍ حقيقيٍ صادق. والغضب ذاته، أو ربما أشدّ منه، كان يشتعل في داخلها الآن.
إن أقدم آل على تصرفٍ متهور كهذا، فلا بد أنه مرتبطٌ بموت بريسيلا.
وكان ذلك طبيعيًا، إذ إنّ قلقه على سوبارو والبقيّة جعله يرافقها إلى الإمبراطورية، فلا يمكن ترك الأمور على حالها――
ألمُ آل بسبب فقدانه لشخصٍ بهذه الأهمية جعله في حالةٍ لا تُحتمل، ولهذا استجابت إيميليا والآخرون لرجاء سوبارو وتركوه يذهب إلى برج بلياديس.
[أوتو]: [أرجوكِ كبح رغبتكِ في سماع تبريرات الخصم أو جانبه من القصة. يمكننا فرز كل ذلك لاحقًا، لكن في الوقت الراهن علينا منعه من اللعب بأوراقه.]
لقد ظنّت أن ذلك سيوفّر لآل فرصةً ليتعافى، أو على الأقل ليتقدّم خطوةً إلى الأمام.
صرخت رافعةً صوتها، ثمّ رفعت سيفها الجليدي العظيم عاليًا وضربت به نحو “أل”، الذي رفع سيفه الصخري ليصدّ الضربة―― فجأة، أحاط بشخصه شيءٌ التفّ على ساقيه وخصره.
لكن رغم ذلك――
كان “أل” بذراعٍ واحدةٍ يحمل جسدًا صغيرًا على كتفه الأيمن، ورغم شعورها بأن استغلال ذلك الوضع غير منصف، تعمّدت إميليا أن تصوّب ضربتها نحو يساره.
؟؟؟: [فيلت-ساما، هل لي أن أطلب منكِ تفاصيل أكثر؟]
إلى جانب إيميليا، التي كانت تعضّ شفتها وتقبض يديها، كان أوتو الذي جاء معها إلى العاصمة الملكية، وقد توجه بالسؤال إلى فيلت.
إلى جانب إيميليا، التي كانت تعضّ شفتها وتقبض يديها، كان أوتو الذي جاء معها إلى العاصمة الملكية، وقد توجه بالسؤال إلى فيلت.
؟؟؟: [فيلت-ساما، هل لي أن أطلب منكِ تفاصيل أكثر؟]
على عكس إيميليا، التي أربكها الخبر المفجع، كان وجه أوتو هادئًا وعيناه مثبتتين على فيلت، وصوته رزينًا.
أوتو: [إيميليا-ساما، شكرًا لكِ على استجابتك لطلبي.]
لكن إيميليا كانت تعرف ما يعنيه أن يتحدث أوتو هكذا―― لقد بلغ ذروة الغضب.
أل
شعرت فيلت بالضغط الصامت المنبعث من غضبه، والذي كان معروفًا لدى جميع من في معسكر إيميليا، فوضعت ذراعيها متقاطعتين، وقالت:
إيميليا: [نحن حقًا سيئون في الاستسلام.]
فيلت: [فارسُكِ وتلك الروح الصغيرة محتجزان عند ذاك الوغد ذي الخوذة. لا أعلم كيف، لكنه لا ينوي قتلهما فيما يبدو.]
كانت المشاعر الغاضبة المتأججة في عينيها البنفسجيتين تُشعل جفافًا في حلق آلديباران.
أوتو: [لا ينوي القتل؟ وماذا عن الآخرين في البرج؟]
وبتحكّمٍ بارعٍ في أصابعها، أطلقت “ياي” وابلًا من هجمات الخيوط التي حجبت الرؤية تمامًا، ومزّقت ديكور الغرفة الفاخر. لكنّ خصمها أبدى مهارةً لا تقلّ عنها، فصدّ الهجمات وجهًا لوجه، وبقوةٍ أطاح بالخيوط التي كادت تقيّد سيفه――
فيلت: [فلام تواصلت معي وقالت إنهم بخير. ميلي والخادمة التابعة لإيميليا بخير. لكن معلّمنا وذاك الفتى غارفيل قد تعرّضا لضربٍ مبرح. يبدو أنه لم يسلب حياتهما.]
إميليا
أوتو: [أفهم… أشكركِ.]
أوتو: [فهمت! فهمت، لذا أرجوكِ فقط أطلِقيني!]
فيلت: [لا داعي للشكر. كنت سأشعر بالأسوأ لو علمت ولم أقل.]
إميليا: [――حين تتحدّث إليّ، انظر إليّ مباشرةً!!]
بعد أن روت كل شيء بلا تردد، نظرت فيلت إلى إيميليا التي كانت لا تزال تقبض يديها، فشهقت الأخيرة تحت شدة نظرتها.
إميليا: [كلّ شيءٍ آخر يمكننا معالجته لاحقًا، بعد أن ننهي هذا هنا.]
ثم تابعت فيلت حديثها، بينما كان وجه إيميليا قد شُلّ.
بتردد، أفرجت إيميليا عن ذراعي أوتو، تراقبه باهتمامٍ كما لو كانت تتحقق من أنه تعافى حقًا. مسح أوتو جبينه بمنديله، وتنهد بعمق.
فيلت: [لقد قررنا خطتنا. راينهارد سيعيدنا إلى أراضينا بأسرع وقت. نحتاج إلى التشاور مع روم-جي لنقرر ما علينا فعله بعد ذلك.]
كان هذا القول قد تجاوز الحد―― وأثار غضب إميليا بشدّة.
إيميليا: [أليست تلك منطقة أستريا؟ إن كانت كذلك، فهي قريبة من كثبان أوغريا الرملية، لذا يمكننا الذهاب معكِ، فيلت!]
رغم أن درع “أل” الحجري امتص الضربة، إلا أن قوتها أطاحت به إلى الوراء. وبينما كان يحاول الردّ، سدت إميليا فمها بعناد لتمنع نفسها من قول المزيد، ثم شكّلت مطرقةً جليدية بكلتا يديها ولوّحت بها نحوه في ضربةٍ أفقية.
أوتو: [كلا، لا ينبغي لنا ذلك، إيميليا-ساما.]
أوتو: [هذا صحيح. بالطبع، لو بدأنا الحديث عن الاستعداد للاستعداد، فلن ينتهي النقاش أبدًا. والسبب وراء تصرّف ذلك الرجل المتهوّر هو ما جرى في الإمبراطورية… حتى وإن كان مخطّطه محكمًا، فمن غير المرجّح أنه حظي بوقتٍ كافٍ للتحضير.]
إيميليا: [ماذا؟]
حين يتأذى، وحين يشعر أنه على وشك الانكسار، كانت تتوق لأن تكون إلى جانبه.
مالت إيميليا للأمام بحماسة، لكن صوت أوتو الهادئ أوقفها.
عزمت على أن تبذل كلّ ما بوسعها لتطرد هذا الملك القاسي من على وجه الأرض. ――مستحضرةً تلك العبارة المبتذلة التي قالها لها “سوبارو” يومًا في لحظة غضب، اشتعلت نيران الغضب في قلبها.
كانت حائرة، إذ لم تفهم لماذا أوقفها. فبعد كل شيء، كان عليها الإسراع إلى البرج حيث سوبارو والبقية في مأزق.
حتى في الإمبراطورية، بذل جهدًا عظيمًا من أجل ريم وسبّيكا، وقاتل إلى جانب آيبل، وتقلّص حجمه ليصبح طفلًا، ثم عاد كما كان، ومع ذلك لم يستطع إنقاذ بريسيلا.
إيميليا: [هل السبب أن راينهارد سيجد صعوبةً إن زاد عددنا؟ أعلم أن تخفيف الحمل سيكون صعبًا، لكني سأبذل جهدي…!]
أوتو: [نحن من سيواجه راينهارد-سان، أولئك الذين استعدّت لهم فيلت-ساما والبقية.]
فيلت: [حتى لو انضمت إيميليا وذاك السيد باك، فلن يغيّر ذلك كثيرًا من عبء راينهارد. لكنك لا تقصد هذا، صحيح؟]
إميليا: [أيها المقلِّد…!]
أوتو: [بغضّ النظر عن نظرتكِ لي، فيلت-ساما… أجل.]
كانت تريد أن تراه. أن تلمسه. أن تسمع صوته.
أومأت فيلت وأوتو لبعضهما، بينما كانت علامات الاستفهام تحوم فوق رأس إيميليا.
أمام العاصفة القادمة من السيوف، قفزت “ياي” إلى الخلف، وهي تلوّح بخيوطها.
لكن رغم أنها لم تكن قادرةً على متابعة أفكارهما، لم يساورها شك في أنهما يفكران بعقلٍ راجح.
إميليا: [لكن الآن، سيُصابان بخيبة أمل كبيرة…!]
إيميليا: [فيلت-تشان، كوني حذرة. وأخبري راينهارد أيضًا. أما بخصوص آل…]
△▼△▼△▼△
فيلت: [بطبيعة الحال، فيما يخص ذاك الوغد ذي الخوذة، لا أستطيع تقديم أي وعود. آسفة بشأن ذلك.]
وفي رؤيته الملبّدة بالثلج، بعد أن لمح بريق شعرها الفضي الطائر――
إيميليا: [لا، أنا ممتنّة لأنكِ كنتِ صريحةً في قولك إنكِ لا تستطيعين أن تعديني.]
ومع صرخةٍ حادّةٍ دوّت في السماء، فشلت محاولة فرار “أل”، إذ ارتطم سقف المكان بغطاءٍ جليديٍّ محكم.
لم يدم لقاؤهما طويلًا، ولم يكن فحواه سارًّا على الإطلاق. ومع ذلك، عانقت إيميليا فيلت قبل وداعها، وراقبت الفتاة التي بدت ملامحها غريبة وهي تغادر القصر الملكي.
لم تكن مشاعر الغضب هي ما كانت تملأ صدرها لهيبًا، ومع ذلك لم تستطع أن تدرك على وجه الدقّة ماهية المشاعر التي كانت تضطرم في داخلها.
وبعد ذلك، أُقِلّت فيلت والبقية إلى منطقة أستريا بواسطة راينهارد، ومن هناك أصبح الأمر متعلّقًا بأداء مهامّ حيويةٍ عديدة.
كان “أل” يستخدم ذراعًا حجرية، ويقاتل بأسلحةٍ حجرية―― لكن “روي”، الذي كان على كتفه قبل لحظة، لم يعد موجودًا.
ومع هذا…
إيميليا: [――――]
إيميليا: [سوبارو…]
أوتو: [صحيح. فكّري في الأمر، باستثناء ناتسكي-سان والبقية، إن تعرّض رفاق فيلت-ساما في البرج لهجوم، فبطبيعة الحال سيظهر راينهارد-سان. ومع كل ذلك، أل-سان… ذلك الرجل، أقدم على تلك الخطوة.]
بعد رحيل فيلت العاصف، بقيت إيميليا في مقر الإقامة الملكي تحدّق في الأرض.
أما ما أخبرت به فيلت إيميليا فكان ضربةً قاصمة.
حتى تلك اللحظة، لم تستطع أن تُرخي قبضتيها المشدودتين.
كان “أل” بذراعٍ واحدةٍ يحمل جسدًا صغيرًا على كتفه الأيمن، ورغم شعورها بأن استغلال ذلك الوضع غير منصف، تعمّدت إميليا أن تصوّب ضربتها نحو يساره.
كانت فيلت قد أخبرتها أن جميع من ذهبوا إلى برج بلياديس قد عانوا كثيرًا.
: [أنت من―― ممف.]
ولكن، من بينهم، كان أكثر من أقلق إيميليا هو فارسها، سوبارو.
ولذلك، دون أن تفلت ذراعه، جذبت إيميليا أوتو نحوها، وضمّت رأسه إلى صدرها. ربما من شدّة المفاجأة، تجمّد أوتو في مكانه دون أن ينطق بكلمة. وفي تلك اللحظة――
حتى في الإمبراطورية، بذل جهدًا عظيمًا من أجل ريم وسبّيكا، وقاتل إلى جانب آيبل، وتقلّص حجمه ليصبح طفلًا، ثم عاد كما كان، ومع ذلك لم يستطع إنقاذ بريسيلا.
؟؟؟: [أوه، مخيف، مخيف.]
الطريقة التي عاقب بها نفسه، بأن سمح لأصدقائه من الإمبراطورية أن يضربوه، كانت مؤلمةً لإيميليا. ومع ذلك، فإن ذلك اللطف الذي أبداه سوبارو من أجل آل قد قوبل بالخيانة――
كانت تلك الضربة بكل قوتها كفيلة بأن تُحدث ألمًا فادحًا. لكنها لم تكن مؤلمة فحسب.
إيميليا: [أنا…]
إميليا: [آه…! من الآن فصاعدًا، لن أنطق بكلمة واحدة.]
شعورٌ غريبٌ قد اشتعل في أعماق صدرها، وبدأ يطفو حتى جعل إيميليا تُدرك الحرارة في قلبها.
كانت قلقة على سوبارو… هل كانت بياتريس بخير؟ وسمعت أن غارفيل أُصيب، وبترا وميلي لا بدّ أن القلق ينهشهما، حتى باتراش، فرس سوبارو المخلصة، ربّما كانت تبكي أيضًا. ――وبينما تتزاحم هذه المشاعر في صدرها، بدأ قلبها يغلي كاللهب.
لم يكن ذلك حزنًا ولا ألمًا، بل إحساسًا نادرًا ما راودها، ولهذا أربكها بشدّة.
أما ما أخبرت به فيلت إيميليا فكان ضربةً قاصمة.
ذلك الإحساس الذي غمر صدرها، وسكن أعماق عينيها، وتوهّج في جوهر قلبها، كان يغلي بعنفٍ كأنّه بركان، تمامًا كما شعرت آخر مرة――حين واجهت ريغولوس في بريستيلا.
ارتطم رأسه بالسقف ثم سقط متدحرجًا رأسًا على عقب، غير أن إميليا استدارت بسرعةٍ نحو موضع سقوطه، وغرزت سيفيها الجليديين نحوه وهو لا يزال معلّقًا في الهواء――
في وجه ريغولوس، الذي قيّد قلوب عرائسه، سيلفي والبقيّة، بدوافع أنانيةٍ بحتة، شعرت إيميليا بالغضب، غضبٍ حقيقيٍ صادق. والغضب ذاته، أو ربما أشدّ منه، كان يشتعل في داخلها الآن.
كانت قلقة على سوبارو… هل كانت بياتريس بخير؟ وسمعت أن غارفيل أُصيب، وبترا وميلي لا بدّ أن القلق ينهشهما، حتى باتراش، فرس سوبارو المخلصة، ربّما كانت تبكي أيضًا. ――وبينما تتزاحم هذه المشاعر في صدرها، بدأ قلبها يغلي كاللهب.
أوتو: [إيميليا-ساما، شكرًا لكِ على استجابتك لطلبي.]
إيميليا: [إييب!]
إيميليا: [أوتو-كون…]
وبعد ذلك، أُقِلّت فيلت والبقية إلى منطقة أستريا بواسطة راينهارد، ومن هناك أصبح الأمر متعلّقًا بأداء مهامّ حيويةٍ عديدة.
أدركت إيميليا أنها كانت غاضبة إلى حدٍّ يكاد يُفقدها السيطرة على نفسها، ومع ذلك فهمت، بحدسها، أن أوتو، رغم مظهره الهادئ، كان يشعر بالأمر ذاته.
إميليا: [خطّ الجليد!]
وكان ذلك طبيعيًا، إذ إنّ قلقه على سوبارو والبقيّة جعله يرافقها إلى الإمبراطورية، فلا يمكن ترك الأمور على حالها――
إيميليا: [آل…]
إيميليا: [إييب!]
كانت قلقة على سوبارو… هل كانت بياتريس بخير؟ وسمعت أن غارفيل أُصيب، وبترا وميلي لا بدّ أن القلق ينهشهما، حتى باتراش، فرس سوبارو المخلصة، ربّما كانت تبكي أيضًا. ――وبينما تتزاحم هذه المشاعر في صدرها، بدأ قلبها يغلي كاللهب.
وبصوتٍ مرتفع، صفعت إيميليا وجنتيها بكلتا يديها. كان ذلك مفاجئًا إلى درجة أن أوتو شهق قائلًا: [إ-إيميليا-ساما؟!] مندهشًا.
وأمام أنظارها المندهشة، دار “أل” بفعل التصادم بين سيوف الجليد والحجر، ومع اتساع المسافة بينهما، هبط مجددًا على الأرض المغطاة بالثلج.
ثم، وقد شعرت بالحرج، أنزلت يديها عن وجنتيها اللتين وخزهما الألم الخفيف.
إميليا: [آه…! من الآن فصاعدًا، لن أنطق بكلمة واحدة.]
إيميليا: [لقد كان ذهني مشوشًا للتو، ولم أشعر أنني سأستطيع الكلام كما ينبغي، لذلك فعلت ذلك. لكن الآن، أظنّ أنني بخير… حسنًا، كلمة “بخير” كذبة صغيرة، لكنني أستطيع التحدّث كما يجب.]
آلديباران: [هك…!]
أوتو: […حقًا؟ في هذه الحالة، أنا أيضًا――]
لم يدم لقاؤهما طويلًا، ولم يكن فحواه سارًّا على الإطلاق. ومع ذلك، عانقت إيميليا فيلت قبل وداعها، وراقبت الفتاة التي بدت ملامحها غريبة وهي تغادر القصر الملكي.
إيميليا: [آي!]
إيميليا: [لا، أنا ممتنّة لأنكِ كنتِ صريحةً في قولك إنكِ لا تستطيعين أن تعديني.]
في اللحظة التي هزّت فيها رأسها بالإيجاب، دوّى صوت صفعةٍ أخرى، إذ صفع أوتو خديه مثلها تمامًا. ولشدّة ما فعل، ارتعبت إيميليا من الصوت العالي، حتى خافت أن ينزف أنفه، لكنه لم يفعل، وإن احمرّت وجنتاه كوجنتيها تمامًا.
ياي: [――――]
أوتو: [――سأشرح الآن سبب عدم مرافقتنا لفيلت-ساما. لأن ذهابنا لن يُجدي نفعًا… وللتحضير لاحتمالٍ غير متوقّع.]
لم تفهم فحوى كلامه، فاتّسعت عيناها، وضاعت الكلمات من شفتيها. كان أوتو قد غطّى وجهه بيديه المستندتين إلى وجنتيه، ثم رفع بصره نحو السقف. ولأنه أطول منها، لم تتمكّن من رؤية وجهه، لكن ارتجاف صوته كان كافيًا ليُخبرها أن ما بداخله لم يكن غضبًا فقط.
إيميليا: […تفضّل.]
ياي: [――――]
لم تقاطع إيميليا شرح أوتو، الذي وضع يديه على وجنتيه وهو يتحدث. كانت لديها تساؤلات كثيرة، وكلمات أرادت قولها، لكنها آثرت الصمت أولًا، لتستمع إلى كلّ ما عنده. إذ كانت تعلم أنه قد أعدّ مسبقًا إجابة لكل ما يدور في ذهنها.
أوتو: [بغضّ النظر عن نظرتكِ لي، فيلت-ساما… أجل.]
أوتو: [إن كان راينهارد-سان في الخطوط الأمامية، فليس من جدوى لإرسال أحدٍ بناءً على قوّته العسكريّة. فلا شكّ أن فيلت-ساما تدرك ذلك أيضًا. إذاً، السبب وراء قرارها بالعودة إلى نطاقها هو――]
لذا، ظلّت “فيلت” ثابتةً في مكانها، ووضعت “ياي” يدها على الباب لتفتحه―― لكن في تلك اللحظة، اخترق طرفُ سيفٍ البابَ بلا صوت، منطلقًا بسرعةٍ لا ترحم نحو عنق “ياي”.
إيميليا: [――هل هو… من أجل الاستعداد؟]
أل: [――. ألم تقولي إنّكِ لن تتحدّثي معي؟]
أوتو: [صحيح. فكّري في الأمر، باستثناء ناتسكي-سان والبقية، إن تعرّض رفاق فيلت-ساما في البرج لهجوم، فبطبيعة الحال سيظهر راينهارد-سان. ومع كل ذلك، أل-سان… ذلك الرجل، أقدم على تلك الخطوة.]
صرخت رافعةً صوتها، ثمّ رفعت سيفها الجليدي العظيم عاليًا وضربت به نحو “أل”، الذي رفع سيفه الصخري ليصدّ الضربة―― فجأة، أحاط بشخصه شيءٌ التفّ على ساقيه وخصره.
بدأت إيميليا أخيرًا تفهم ما يرمي إليه أوتو.
بل وحتى قبل ذلك، أكل روى العديد من الأسماء والذكريات في بريستيلا، ولم يكن من الغريب أن يكون من بينها من يعرف إيميليا.
راينهارد كان قويًّا بشكلٍ ساحق. ومن بين كل من عرفَت، بل حتى من لم تعرف، كان الأقوى في العالم بلا منازع. وقد قال باك ذلك بنفسه، فلا بدّ أنّه على حق.
إيميليا: [――أفهم. إن كان يعلم أن راينهارد قادم، وكان يستعد لذلك، وكانت هي تخطّط لتلك الاستعدادات… أمم.]
وبينما تدرك أنه سيصطدم براينهارد، فمن الغريب أن نتوقع أنّ أل لم يُحضّر شيئًا. وهذا يعني أنّه قد أعدّ عدّته فعلًا، وربّما كان حتى راينهارد في خطر.
قالت ذلك، والساحرة المتجمد، التي حوّلت محيط برج السجن إلى مشهدٍ شتوي مغطّى بالثلوج، وجهت نحوه نظرةً صارمة.
إيميليا: [فيلت-تشان كانت قلقة على راينهارد، لذا عادت لتستعد… لكن، ماذا عنّا؟ إن كنّا نريد أن نستعد، فربما علينا أن نفعل ذلك مع فيلت-تشان والبقيّة…]
إميليا
أوتو: [نحن من سيواجه راينهارد-سان، أولئك الذين استعدّت لهم فيلت-ساما والبقية.]
؟؟؟: [غيييييااااااه!!]
إيميليا: [――أفهم. إن كان يعلم أن راينهارد قادم، وكان يستعد لذلك، وكانت هي تخطّط لتلك الاستعدادات… أمم.]
حتى في الإمبراطورية، بذل جهدًا عظيمًا من أجل ريم وسبّيكا، وقاتل إلى جانب آيبل، وتقلّص حجمه ليصبح طفلًا، ثم عاد كما كان، ومع ذلك لم يستطع إنقاذ بريسيلا.
أوتو: [هذا صحيح. بالطبع، لو بدأنا الحديث عن الاستعداد للاستعداد، فلن ينتهي النقاش أبدًا. والسبب وراء تصرّف ذلك الرجل المتهوّر هو ما جرى في الإمبراطورية… حتى وإن كان مخطّطه محكمًا، فمن غير المرجّح أنه حظي بوقتٍ كافٍ للتحضير.]
أل: [――. ألم تقولي إنّكِ لن تتحدّثي معي؟]
إيميليا: […نعم، هذا صحيح.]
إيميليا: [فيلت-تشان، كوني حذرة. وأخبري راينهارد أيضًا. أما بخصوص آل…]
بفضل شرح أوتو المفصّل، استطاعت إيميليا أن تواكب ما يجري. وبينما أُعجبت بعمق تفكيره، لم تستطع أن تمنع نفسها من الإحساس بالحزن حين انتقل أوتو عن قصدٍ من مناداة “أل-سان” إلى “ذلك الرجل”.
: [――نعم، لنفعل ذلك. علينا أن نتحرك بسرعة.]
كان أوتو ذا حسٍّ رفيع بالرفقة، ومن بين أصدقاء إيميليا، كان أكثرهم وفاءً، ولهذا كان موثوقًا به بشدّة، وإن اضطرّه ذلك أحيانًا إلى تقديم تضحياتٍ مؤلمة.
ياي: [――――]
ومع ذلك――
روى، الذي كان مشلولًا ومحمولًا على كتفي آلديباران، سخر بابتسامةٍ ساخرة.
إيميليا: […أنا أيضًا، لا أعلم ما الذي ينبغي أن أشعر به، يا أل.]
إيميليا: [أنا أعلم! حتى وإن قلت هذا، فأوتو-كون يدركه بالفعل، أليس كذلك؟ لكني لا أملك سوى كلماتي، ولا أستطيع إلا أن أقول ما أشعر به، لذا على الأقل سأقوله بكلّ مشاعري. لذا――]
كان لديه سبب، لا شك في ذلك. لكن، حتى وإن وُجد السبب، تبقى هناك أمور لا يمكن التسامح فيها.
إلى جانب إيميليا، التي كانت تعضّ شفتها وتقبض يديها، كان أوتو الذي جاء معها إلى العاصمة الملكية، وقد توجه بالسؤال إلى فيلت.
كانت قلقة على سوبارو… هل كانت بياتريس بخير؟ وسمعت أن غارفيل أُصيب، وبترا وميلي لا بدّ أن القلق ينهشهما، حتى باتراش، فرس سوبارو المخلصة، ربّما كانت تبكي أيضًا. ――وبينما تتزاحم هذه المشاعر في صدرها، بدأ قلبها يغلي كاللهب.
صدّ “أل” ضربة إميليا الخادعة بذراعه اليسرى―― وهي ذراعٌ حجرية صنعها بالسحر. لكن رغم تصديه للضربة، زمجر بانزعاج، ثم دمّر الذراع التي كلّف نفسه عناء صنعها وألقاها أرضًا.
أوتو: [――هذا خطئي.]
إيميليا: [أنا…]
قالها أوتو فجأة، بصوتٍ خافت، أمام إيميليا التي كانت نيران مشاعرها تتأجّج.
قالت هذه الكلمات وهي تحدّق فيه بثبات، ثم عادت لتنظر إلى “أل”.
لم تفهم فحوى كلامه، فاتّسعت عيناها، وضاعت الكلمات من شفتيها. كان أوتو قد غطّى وجهه بيديه المستندتين إلى وجنتيه، ثم رفع بصره نحو السقف. ولأنه أطول منها، لم تتمكّن من رؤية وجهه، لكن ارتجاف صوته كان كافيًا ليُخبرها أن ما بداخله لم يكن غضبًا فقط.
وبسرعة، شكّل كلٌّ منهما سلاحه التالي؛ إميليا بسيفٍ نحيلٍ من الجليد، و”أل” بسيفٍ صخريٍّ جديد. وهكذا بدأت معركةٌ تقاطعت فيها السيوف، سيوفٌ تتكسر بمجرد أن تُصنع، وتُصنع بمجرد أن تتكسر.
أوتو: [كنت أظن أن ناتسكي-سان يتورّط أكثر من اللازم. وبحجّة التحرّك من أجل إرث موت بريسيلا-ساما، أقنعت نفسي بالموافقة حتى أساعده على تشتيت تركيزه. وأوهمت نفسي بأنه سيكون بخير ما دامت بياتريس-تشان، التي انفصلت عنه، بجانبه. واعتقدت أنني أستطيع ترك المتابعة والعناية على عاتق بترا-تشان الشجاعة.]
إيميليا: [أوتو-كون…]
كانت فيلت قد أخبرتها أن جميع من ذهبوا إلى برج بلياديس قد عانوا كثيرًا.
أوتو: [وفوق كلّ ذلك، حمّلت غارفيل كلّ شيء. كلّ ما كان يجب أن نفعله، ألقيناه على عاتق غارفيل الصريح، الصادق، الحسّاس.]
ودون رحمة، سددت قفازًا جليديًا مباشرةً إلى معدة آلديباران.
إيميليا: [أوتو-كون!]
إميليا: [أيها المقلِّد…!]
في اللحظة التي كاد فيها صوت أوتو ينكسر تمامًا، أمسكت إيميليا بذراعيه بكلتا يديها، وأنزلت وجهه لتقابل ناظريه مباشرة. وهناك، رأت ذلك――
ثم بدأت تتكوّن حوله أسلحة حجرية واحدة تلو الأخرى، تُحدث أصواتًا عميقةً في محيطه. وما إن أدركت إميليا أنه قادر على تقليد فنّها القتالي باستخدام سحر الأرض، لاحظت أمرًا مهمًّا:
لأوّل مرةٍ في حياتها، رأت عيني أوتو الزرقاوين تغمرهما الدموع.
؟؟؟: [فيلت-ساما، هل لي أن أطلب منكِ تفاصيل أكثر؟]
أوتو: [اللعنة… لماذا أكون دائمًا بهذا القدر من التهور…]
صرخ “أل” غاضبًا على المتهكّم الذي كان يحمله على ظهره، وقد ألقى بذراعه الاصطناعية المتجمّدة أرضًا.
إيميليا: [――――]
؟؟؟: [سوبارو والبقية…!]
أوتو: [حين تعجز يداي عن الوصول، وقدماي عن اللحاق، لا خيار لي سوى أن أستخدم رأسي لتعويض ذلك. ومع أنني أتصرف وكأنني أفهم، وأتظاهر بالذكاء، ففي أكثر اللحظات حرجًا دائمًا――]
ولهذا، ومن أجل إنهاء تلك المجازفة في أقرب وقت ممكن، كانت تبذل قصارى جهدها.
إيميليا: [――!]
كانت أسلحتها الجليدية تُجمّد خصمها عند الإصابة، فتشلّ جسده وسلاحه معًا. صحيح أن هذا الأسلوب استدعى زيادةً طفيفة في استهلاك المانا مقارنةً بأسلحتها المعتادة، إلا أنه بقي في الحدود المقبولة، ما دام القتال لن يدوم طويلًا.
لم ترغب في سماع المزيد من كلماته المليئة باللوم الذاتي، ولا رؤية وجهه المنكسر بالحزن.
في اللحظة التي هزّت فيها رأسها بالإيجاب، دوّى صوت صفعةٍ أخرى، إذ صفع أوتو خديه مثلها تمامًا. ولشدّة ما فعل، ارتعبت إيميليا من الصوت العالي، حتى خافت أن ينزف أنفه، لكنه لم يفعل، وإن احمرّت وجنتاه كوجنتيها تمامًا.
ولذلك، دون أن تفلت ذراعه، جذبت إيميليا أوتو نحوها، وضمّت رأسه إلى صدرها. ربما من شدّة المفاجأة، تجمّد أوتو في مكانه دون أن ينطق بكلمة. وفي تلك اللحظة――
إيميليا: […نعم، هذا صحيح.]
إيميليا: [لا تتحدث عن نفسك بهذه الطريقة! أوتو-كون يبذل دائمًا قصارى جهده! ونحن جميعًا نفهم ذلك. ولهذا نريد أن نسمع من أوتو-كون بنفسه.]
روى، الذي كان مشلولًا ومحمولًا على كتفي آلديباران، سخر بابتسامةٍ ساخرة.
أوتو: [إمي… ليا-ساما…]
إميليا
إيميليا: [أنا أعلم! حتى وإن قلت هذا، فأوتو-كون يدركه بالفعل، أليس كذلك؟ لكني لا أملك سوى كلماتي، ولا أستطيع إلا أن أقول ما أشعر به، لذا على الأقل سأقوله بكلّ مشاعري. لذا――]
لقد أُسِر روى بعد قتاله مع مجموعة ناتسكي سوبارو في برج بلياديس، وكانت إيميليا حاضرة هناك، فمن الطبيعي أن يعرفها.
أوتو: [――――]
قالت هذه الكلمات وهي تحدّق فيه بثبات، ثم عادت لتنظر إلى “أل”.
إيميليا: [لم ينتهِ شيء بعد. ما زال بإمكاننا فعل الكثير، حقًا!]
ياي: [أليس هذا تمييزًا ضدّ الشينوبي؟ تصرّفٌ غير لائقٍ برجل، أليس كذلك؟]
قالت إيميليا ذلك بإصرارٍ وهي تحتضن رأس أوتو بين ذراعيها. وكأنها كانت تقول ذلك لنفسها، لكنها في الوقت ذاته كانت مؤمنةً تمامًا بما تقول.
إميليا
فهذا الإيمان، كان شيئًا زرعه فيها فارسها، ناتسكي سوبارو، مرارًا وتكرارًا.
ولهذا، ومن أجل إنهاء تلك المجازفة في أقرب وقت ممكن، كانت تبذل قصارى جهدها.
معًا، نسجت إيميليا وسوبارو تلك الثقة التي لا تتزعزع، لتكون أعظم ما يفخران به.
إميليا: [لا تقل لي إنك…!]
إيميليا: [نحن حقًا سيئون في الاستسلام.]
؟؟؟: [أوه، مخيف، مخيف.]
بالفعل، لم يكونوا بارعين في ذلك أبدًا: في خفض رؤوسهم بيأس، والانكماش والفرار من كلّ شيء. وبالضبط لأنهم لم يستطيعوا ذلك، لم يكن أمامهم سوى المضيّ قدمًا بعزمٍ وبذل كل ما في وسعهم دون أن يتخلّوا عن شيء.
لم تقاطع إيميليا شرح أوتو، الذي وضع يديه على وجنتيه وهو يتحدث. كانت لديها تساؤلات كثيرة، وكلمات أرادت قولها، لكنها آثرت الصمت أولًا، لتستمع إلى كلّ ما عنده. إذ كانت تعلم أنه قد أعدّ مسبقًا إجابة لكل ما يدور في ذهنها.
وربّما وصلت كلماتها إلى قلبه. فجأة، ارتخت عضلات أوتو المتوتّرة، ثم قال:
وبينما تدرك أنه سيصطدم براينهارد، فمن الغريب أن نتوقع أنّ أل لم يُحضّر شيئًا. وهذا يعني أنّه قد أعدّ عدّته فعلًا، وربّما كان حتى راينهارد في خطر.
أوتو: […أرجوكِ أطلقي سراح ذراعي، وإلّا فإن ناتسكي-سان سيقتلني بالتأكيد.]
كانت قلقة على سوبارو… هل كانت بياتريس بخير؟ وسمعت أن غارفيل أُصيب، وبترا وميلي لا بدّ أن القلق ينهشهما، حتى باتراش، فرس سوبارو المخلصة، ربّما كانت تبكي أيضًا. ――وبينما تتزاحم هذه المشاعر في صدرها، بدأ قلبها يغلي كاللهب.
إيميليا: [لا، لا أحد سيموت! ولهذا السبب بالضبط نفعل كل هذا…]
وفوق ذلك――
أوتو: [فهمت! فهمت، لذا أرجوكِ فقط أطلِقيني!]
: [لقد وعدت ألا أكون متهوّرةً مثل سوبارو!]
بتردد، أفرجت إيميليا عن ذراعي أوتو، تراقبه باهتمامٍ كما لو كانت تتحقق من أنه تعافى حقًا. مسح أوتو جبينه بمنديله، وتنهد بعمق.
؟؟؟: [غيييييااااااه!!]
كان تنهدًا عميقًا، طويلاً.
لكن سيوفها اصطدمت بشيءٍ صلبٍ للغاية، فاتسعت عيناها دهشةً، وانحبس نَفَسها.
[أوتو]: [أعلم أن الوقت غير مناسب لهذا، لكنني تذكّرت شيئًا للتو.]
كانت تلك الضربة الاستباقية التي أوصى أوتو بتنفيذها، لكنها لم تُفلح. ومع ذلك، لم يكن هذا وقت التوقف أو التردد؛ فإن لم تُصب الضربة الأولى، فعليها أن تجرّب ثانية وثالثة.
إميليا
قالت ذلك، بمزيجٍ من الضيق والإعجاب.
: [ماذا تذكّرت؟]
وكان أحد تلك الآمال، حين تذكّرت لحظةً سابقة قيل لها فيها إنها “عُقدت على الموت”، أن يكون هناك شيءٌ تافه يتنصّت على حديثها مع “ياي”.
[أوتو]: [――السبب الذي يجعلني أقدّم مساعدتي لناتسكي-سان وإميليا-ساما.]
إيميليا: [ماذا؟]
قال أوتو هذه الكلمات بهدوء، مستخدمًا منديله ليمسح بقايا دموعه. كان التعبير على وجهه في تلك اللحظة مغايرًا تمامًا للغضب الذي شوّه ملامحه قبل قليل؛ فقد أضاء وجهه شعورٌ جديد بالشجاعة.
عزمت على أن تبذل كلّ ما بوسعها لتطرد هذا الملك القاسي من على وجه الأرض. ――مستحضرةً تلك العبارة المبتذلة التي قالها لها “سوبارو” يومًا في لحظة غضب، اشتعلت نيران الغضب في قلبها.
[أوتو]: [العدو اختطف ناتسكي-سان وبياتريس-تشان. لا بدّ من وجود سبب لذلك. فالاختطاف عادةً يكون وسيلةً لتهديد المقرّبين من الضحايا، أو حتى وسيلةً لابتزازهم أنفسهم…]
إيميليا: [أوتو-كون…]
إميليا
كان أوتو، الذي دفع إميليا للانطلاق، قد استخدم الحماية الإلهية المسماة “روح اللغة” لتتبّع أثر “أل” ورفاقه. وقد ازداد وجهه شحوبًا حتى بدت عليه علامات الإنهاك والمرض.
: [إذاً، إمّا نحن أو سوبارو، صحيح؟]
ذلك الإحساس الذي غمر صدرها، وسكن أعماق عينيها، وتوهّج في جوهر قلبها، كان يغلي بعنفٍ كأنّه بركان، تمامًا كما شعرت آخر مرة――حين واجهت ريغولوس في بريستيلا.
[أوتو]: [نعم. وإن كان التنين الإلهي متورّطًا فعلًا، فستكون هذه قضية تمسّ المملكة بأسرها. ومهما يكن الدور المطلوب منا، فلنقم به في العاصمة الملكية.]
؟؟؟: [للأسف، لا أذكر أنني كنتُ يومًا مستحقًّا للقب “رجلٍ نبيل”. أينما أخذتني الرياح، لا يمكنني أن أكون أكثر من مبارزٍ لا موهبة له سوى في التلويح بالسيف.]
إميليا
إيميليا: […تفضّل.]
: [――نعم، لنفعل ذلك. علينا أن نتحرك بسرعة.]
ولهذا، ومن أجل إنهاء تلك المجازفة في أقرب وقت ممكن، كانت تبذل قصارى جهدها.
وأثناء استماعها إلى خطة أوتو للمستقبل، كانت إميليا تحاول جاهدةً كبح جماح رغبتها الداخلية الجامحة.
قالت إيميليا ذلك بإصرارٍ وهي تحتضن رأس أوتو بين ذراعيها. وكأنها كانت تقول ذلك لنفسها، لكنها في الوقت ذاته كانت مؤمنةً تمامًا بما تقول.
تجلّت تلك الرغبات المتأخرة في شوقٍ عارم للاندفاع فورًا لإنقاذ سوبارو والبقية. كانت الحجج التي ساقها أوتو، مثل وجود راينهارد واستعداد فيلت، تكاد تتلاشى أمام تلك الرغبة المشتعلة في صدرها.
كان تنهدًا عميقًا، طويلاً.
كانت تريد أن تراه. أن تلمسه. أن تسمع صوته.
ثم، وقد شعرت بالحرج، أنزلت يديها عن وجنتيها اللتين وخزهما الألم الخفيف.
حين يتأذى، وحين يشعر أنه على وشك الانكسار، كانت تتوق لأن تكون إلى جانبه.
كانت أسلحتها الجليدية تُجمّد خصمها عند الإصابة، فتشلّ جسده وسلاحه معًا. صحيح أن هذا الأسلوب استدعى زيادةً طفيفة في استهلاك المانا مقارنةً بأسلحتها المعتادة، إلا أنه بقي في الحدود المقبولة، ما دام القتال لن يدوم طويلًا.
لم تكن مشاعر الغضب هي ما كانت تملأ صدرها لهيبًا، ومع ذلك لم تستطع أن تدرك على وجه الدقّة ماهية المشاعر التي كانت تضطرم في داخلها.
الطريقة التي عاقب بها نفسه، بأن سمح لأصدقائه من الإمبراطورية أن يضربوه، كانت مؤلمةً لإيميليا. ومع ذلك، فإن ذلك اللطف الذي أبداه سوبارو من أجل آل قد قوبل بالخيانة――
△▼△▼△▼△
لكن طرف الرمح اصطدم بسيفٍ صخري، فتهشّما معًا.
من دون أن تنطق كلمة واحدة، اندفعت ووجّهت لكمة بكل ما أوتيت من قوة إلى معدة “أل”―― وكان ذلك تنفيذًا لتعليمات أوتو، الذي أرسل إميليا إلى هنا.
ارتطم رأسه بالسقف ثم سقط متدحرجًا رأسًا على عقب، غير أن إميليا استدارت بسرعةٍ نحو موضع سقوطه، وغرزت سيفيها الجليديين نحوه وهو لا يزال معلّقًا في الهواء――
[أوتو]: [أرجوكِ كبح رغبتكِ في سماع تبريرات الخصم أو جانبه من القصة. يمكننا فرز كل ذلك لاحقًا، لكن في الوقت الراهن علينا منعه من اللعب بأوراقه.]
بعد أن روت كل شيء بلا تردد، نظرت فيلت إلى إيميليا التي كانت لا تزال تقبض يديها، فشهقت الأخيرة تحت شدة نظرتها.
كان أوتو، الذي دفع إميليا للانطلاق، قد استخدم الحماية الإلهية المسماة “روح اللغة” لتتبّع أثر “أل” ورفاقه. وقد ازداد وجهه شحوبًا حتى بدت عليه علامات الإنهاك والمرض.
فيلت: [بطبيعة الحال، فيما يخص ذاك الوغد ذي الخوذة، لا أستطيع تقديم أي وعود. آسفة بشأن ذلك.]
لم تكن تريد له أن يتهور، لكن حين تحين اللحظة، لا يكون هناك خيار آخر سوى المجازفة. ولم تكن حياة إميليا خالية من التهور لدرجة تمنعها من فهم ذلك.
أوتو: […حقًا؟ في هذه الحالة، أنا أيضًا――]
ولهذا، ومن أجل إنهاء تلك المجازفة في أقرب وقت ممكن، كانت تبذل قصارى جهدها.
أوتو: [اللعنة… لماذا أكون دائمًا بهذا القدر من التهور…]
إميليا
إيميليا: [لم ينتهِ شيء بعد. ما زال بإمكاننا فعل الكثير، حقًا!]
: [ماذا عن――]
أوتو: [حين تعجز يداي عن الوصول، وقدماي عن اللحاق، لا خيار لي سوى أن أستخدم رأسي لتعويض ذلك. ومع أنني أتصرف وكأنني أفهم، وأتظاهر بالذكاء، ففي أكثر اللحظات حرجًا دائمًا――]
“هذا!” وبينما بدأت إميليا نطق كلماتها، شعرت بإحساس غريب في قبضتها المغلّفة بالجليد.
قالت إيميليا ذلك بإصرارٍ وهي تحتضن رأس أوتو بين ذراعيها. وكأنها كانت تقول ذلك لنفسها، لكنها في الوقت ذاته كانت مؤمنةً تمامًا بما تقول.
كان من المفترض أن تصيب قبضتها جسد “أل” مباشرة، لكن الارتداد جعلها تشعر كأنها اصطدمت بجدارٍ صلبٍ لا يتزعزع――
إلى جانب إيميليا، التي كانت تعضّ شفتها وتقبض يديها، كان أوتو الذي جاء معها إلى العاصمة الملكية، وقد توجه بالسؤال إلى فيلت.
أل
إيميليا: [لم ينتهِ شيء بعد. ما زال بإمكاننا فعل الكثير، حقًا!]
: [يا له من هجومٍ مفاجئ…!!]
وفي تلك المرّة، اخترقت ركلتها القويّة دفاعات “أل” الصخريّة، ووجّهت له ضربةً مباشرةً سحقته تمامًا.
قال ذلك بصوتٍ بدا وكأنه يُستخرج من حنجرته عنوة، فيما كان صدره محميًا بدرعٍ حجري.
: [لقد وعدت أنني… لَن――!]
كانت تلك الضربة الاستباقية التي أوصى أوتو بتنفيذها، لكنها لم تُفلح. ومع ذلك، لم يكن هذا وقت التوقف أو التردد؛ فإن لم تُصب الضربة الأولى، فعليها أن تجرّب ثانية وثالثة.
ودون رحمة، سددت قفازًا جليديًا مباشرةً إلى معدة آلديباران.
أل
من نقل إليهم هذا الخبر كانت فيلت، التي كانت تقيم آنذاك في العاصمة الملكية.
: [أن ترفضي حتى سماع كلمةٍ واحدةٍ مني، هذا قاسٍ بعض الشيء.]
ولذا، كانت هذه هي المرة الأولى.
إميليا
في اللحظة التي كاد فيها صوت أوتو ينكسر تمامًا، أمسكت إيميليا بذراعيه بكلتا يديها، وأنزلت وجهه لتقابل ناظريه مباشرة. وهناك، رأت ذلك――
: [أنت من―― ممف.]
كان أوتو ذا حسٍّ رفيع بالرفقة، ومن بين أصدقاء إيميليا، كان أكثرهم وفاءً، ولهذا كان موثوقًا به بشدّة، وإن اضطرّه ذلك أحيانًا إلى تقديم تضحياتٍ مؤلمة.
إميليا
ومع صرخةٍ حادّةٍ دوّت في السماء، فشلت محاولة فرار “أل”، إذ ارتطم سقف المكان بغطاءٍ جليديٍّ محكم.
: [لقد وعدت أنني… لَن――!]
إيميليا: [أنا أعلم! حتى وإن قلت هذا، فأوتو-كون يدركه بالفعل، أليس كذلك؟ لكني لا أملك سوى كلماتي، ولا أستطيع إلا أن أقول ما أشعر به، لذا على الأقل سأقوله بكلّ مشاعري. لذا――]
رغم أن درع “أل” الحجري امتص الضربة، إلا أن قوتها أطاحت به إلى الوراء. وبينما كان يحاول الردّ، سدت إميليا فمها بعناد لتمنع نفسها من قول المزيد، ثم شكّلت مطرقةً جليدية بكلتا يديها ولوّحت بها نحوه في ضربةٍ أفقية.
ارتطم رأسه بالسقف ثم سقط متدحرجًا رأسًا على عقب، غير أن إميليا استدارت بسرعةٍ نحو موضع سقوطه، وغرزت سيفيها الجليديين نحوه وهو لا يزال معلّقًا في الهواء――
كان “أل” بذراعٍ واحدةٍ يحمل جسدًا صغيرًا على كتفه الأيمن، ورغم شعورها بأن استغلال ذلك الوضع غير منصف، تعمّدت إميليا أن تصوّب ضربتها نحو يساره.
لكن إيميليا كانت تعرف ما يعنيه أن يتحدث أوتو هكذا―― لقد بلغ ذروة الغضب.
كانت تلك الضربة بكل قوتها كفيلة بأن تُحدث ألمًا فادحًا. لكنها لم تكن مؤلمة فحسب.
ثم بدأت تتكوّن حوله أسلحة حجرية واحدة تلو الأخرى، تُحدث أصواتًا عميقةً في محيطه. وما إن أدركت إميليا أنه قادر على تقليد فنّها القتالي باستخدام سحر الأرض، لاحظت أمرًا مهمًّا:
صدّ “أل” ضربة إميليا الخادعة بذراعه اليسرى―― وهي ذراعٌ حجرية صنعها بالسحر. لكن رغم تصديه للضربة، زمجر بانزعاج، ثم دمّر الذراع التي كلّف نفسه عناء صنعها وألقاها أرضًا.
أوتو: [بغضّ النظر عن نظرتكِ لي، فيلت-ساما… أجل.]
وكان السبب أن موضع الضربة بدأ يتجمّد، والجليد الزاحف كاد يمتدّ إلى جسده.
فهذا الرجل، الذي قدّم نفسه على أنه مجرّد مبارز، لم يكن سوى شيطان السيف، الذي تجاوز يومًا قمّة فنّ السيف――
[أوتو]: [لو وضعنا العواطف جانبًا، فإن القبض على ذلك الرجل حيًّا أمرٌ ضروري لإنقاذ ناتسكي-سان وبياتريس-ساما. ومن هذه الناحية، أسلوب قتال إميليا-ساما ملائم تمامًا. ومع ذلك――]
وبالفعل، لم تكن تعلم إن كان رجلًا نبيلاً أم لا، لكنها كانت واثقة من أن وصف “مبارز” وحده لا يكفي للإحاطة بحقيقته. فهناك كثيرون لن يقبلوا بهذا الوصف كافيًا لهذا الرجل، وكانت “فيلت” تدرك ذلك.
إميليا
لم تكن ترغب في أن يتحدّث “أل” عن علاقتها بـ”سوبارو” بتلك الطريقة.
: [لقد وعدت ألا أكون متهوّرةً مثل سوبارو!]
أوتو: [――سأشرح الآن سبب عدم مرافقتنا لفيلت-ساما. لأن ذهابنا لن يُجدي نفعًا… وللتحضير لاحتمالٍ غير متوقّع.]
محتفظةً بذلك الحوار والوعد الذي قطعته مع أوتو قبل مغادرتها محفورًا في قلبها، استحضرت إميليا زوجًا جديدًا من سيوف الجليد الثنائية―― أسلوب إميليا المميّز في فنون الجليد، وقد اكتسب الآن طابعًا جديدًا.
وفي رؤيته الملبّدة بالثلج، بعد أن لمح بريق شعرها الفضي الطائر――
كانت أسلحتها الجليدية تُجمّد خصمها عند الإصابة، فتشلّ جسده وسلاحه معًا. صحيح أن هذا الأسلوب استدعى زيادةً طفيفة في استهلاك المانا مقارنةً بأسلحتها المعتادة، إلا أنه بقي في الحدود المقبولة، ما دام القتال لن يدوم طويلًا.
[أوتو]: [نعم. وإن كان التنين الإلهي متورّطًا فعلًا، فستكون هذه قضية تمسّ المملكة بأسرها. ومهما يكن الدور المطلوب منا، فلنقم به في العاصمة الملكية.]
إيقاف الخصم دون قتله―― تلك الإمكانية في فنها القتالي الجديد كانت ما تطمح إليه إميليا دائمًا.
فهذا الرجل، الذي قدّم نفسه على أنه مجرّد مبارز، لم يكن سوى شيطان السيف، الذي تجاوز يومًا قمّة فنّ السيف――
[???]: [آه-هاها~! عمي، يبدو أنك في ورطةٍ حقيقية، أليس كذلك~؟]
ترددت أصوات “روي” وهو يلعق شفتيه، يراقب قتال السيوف بين إميليا و”أل” بلهفةٍ بالغة.
صرخ “أل” غاضبًا على المتهكّم الذي كان يحمله على ظهره، وقد ألقى بذراعه الاصطناعية المتجمّدة أرضًا.
إيميليا: [ماذا؟]
وحين رأت إميليا أن الشخص الذي بذل “أل” جهدًا كبيرًا في حمله لم يكن سوى “روي ألفارد”، ذلك المحتجز في برج السجن، عضّت شفتيها بقلقٍ بالغ.
عزمت على أن تبذل كلّ ما بوسعها لتطرد هذا الملك القاسي من على وجه الأرض. ――مستحضرةً تلك العبارة المبتذلة التي قالها لها “سوبارو” يومًا في لحظة غضب، اشتعلت نيران الغضب في قلبها.
كان “روي”، كبير أساقفة الخطيئة، أحد الذين بذل رفاق إميليا أقصى جهدهم للقبض عليه في مرصد بلياديس، بمساعدة مجموعة أناستازيا. وكان يوليوس على وجه الخصوص قد أبدى شجاعةً كبيرة في الامتناع عن قتله، كما أظهرت أناستازيا حكمةً في قبول ذلك القرار، ما جعلهما محل تقديرٍ عميق لدى إميليا.
وكانت سيوفٌ من جهة، وخيوطٌ من الجهة الأخرى، ومع ذلك، فقد اشتعلت الغرفة بصوت الفولاذ على الفولاذ، وأحرقت عيني “فيلت” تلك اللمعان الحادّ للسيوف.
إميليا: [لكن الآن، سيُصابان بخيبة أمل كبيرة…!]
فيلت: [لا داعي للشكر. كنت سأشعر بالأسوأ لو علمت ولم أقل.]
ومهما كانت دوافعه، كان لزامًا على إميليا أن توقف “أل” هنا والآن. ومعه، عليها أن توقف الشخص الذي أخرجه، “روي”.
أوتو: […حقًا؟ في هذه الحالة، أنا أيضًا――]
أل: [ليس لدي أيّ سببٍ يجعلني أنفّذ نواياك.]
شهق “أل” وقد أدرك أنّ من أمسك به لم يكن سوى جنديٍّ جليدي―― ذو ذراعين جليديّتين.
وفور تفوّهه بتلك الكلمات، انقلب موضع قدميه فجأة، فانطلق هو ورفيقه في الهواء مبتعدَين عن ساحة القتال.
قالت إيميليا ذلك بإصرارٍ وهي تحتضن رأس أوتو بين ذراعيها. وكأنها كانت تقول ذلك لنفسها، لكنها في الوقت ذاته كانت مؤمنةً تمامًا بما تقول.
بهذه الطريقة، حاول “أل” الهرب من إميليا. كان انطلاقه أسرع منها، فلم يكن بإمكانها اللحاق به حتى لو مدّت جليدها نحوه.
بفضل شرح أوتو المفصّل، استطاعت إيميليا أن تواكب ما يجري. وبينما أُعجبت بعمق تفكيره، لم تستطع أن تمنع نفسها من الإحساس بالحزن حين انتقل أوتو عن قصدٍ من مناداة “أل-سان” إلى “ذلك الرجل”.
لكن――
عندها، رفعت إميليا قدمها، المغطاة بنعلٍ من الجليد، عاليًا――
إميليا: [خطّ الجليد!]
أوتو: [كنت أظن أن ناتسكي-سان يتورّط أكثر من اللازم. وبحجّة التحرّك من أجل إرث موت بريسيلا-ساما، أقنعت نفسي بالموافقة حتى أساعده على تشتيت تركيزه. وأوهمت نفسي بأنه سيكون بخير ما دامت بياتريس-تشان، التي انفصلت عنه، بجانبه. واعتقدت أنني أستطيع ترك المتابعة والعناية على عاتق بترا-تشان الشجاعة.]
في لحظةٍ خاطفة، انطلق حول برج السجن حاجزٌ من الجليد، ليقطع طريق هروبه.
بعد رحيل فيلت العاصف، بقيت إيميليا في مقر الإقامة الملكي تحدّق في الأرض.
ومع صرخةٍ حادّةٍ دوّت في السماء، فشلت محاولة فرار “أل”، إذ ارتطم سقف المكان بغطاءٍ جليديٍّ محكم.
وفي تلك المرّة، اخترقت ركلتها القويّة دفاعات “أل” الصخريّة، ووجّهت له ضربةً مباشرةً سحقته تمامًا.
ارتطم رأسه بالسقف ثم سقط متدحرجًا رأسًا على عقب، غير أن إميليا استدارت بسرعةٍ نحو موضع سقوطه، وغرزت سيفيها الجليديين نحوه وهو لا يزال معلّقًا في الهواء――
△▼△▼△▼△
لكن سيوفها اصطدمت بشيءٍ صلبٍ للغاية، فاتسعت عيناها دهشةً، وانحبس نَفَسها.
أوتو: [حين تعجز يداي عن الوصول، وقدماي عن اللحاق، لا خيار لي سوى أن أستخدم رأسي لتعويض ذلك. ومع أنني أتصرف وكأنني أفهم، وأتظاهر بالذكاء، ففي أكثر اللحظات حرجًا دائمًا――]
لو أنه صدّ الضربة بذراعه الاصطناعية كما فعل سابقًا، لما كانت لتتفاجأ. صحيح أن “أل” قد صنع ذراعًا جديدة، لكن لم يكن ذلك كلّ ما صنعه―― فقد ظهر أمامها زوجٌ من السيوف مصنوعان من الصخر.
إيميليا: [فيلت-تشان كانت قلقة على راينهارد، لذا عادت لتستعد… لكن، ماذا عنّا؟ إن كنّا نريد أن نستعد، فربما علينا أن نفعل ذلك مع فيلت-تشان والبقيّة…]
أل: [فنّ صخور الأرض، أو شيءٌ من هذا القبيل.]
إيميليا: [لم ينتهِ شيء بعد. ما زال بإمكاننا فعل الكثير، حقًا!]
إميليا: [أيها المقلِّد…!]
أوتو: […أرجوكِ أطلقي سراح ذراعي، وإلّا فإن ناتسكي-سان سيقتلني بالتأكيد.]
أل: [كان ناتسكي سوبارو من ابتكر هذا الفن، أليس كذلك؟ في هذه الحالة، يحقّ لي استخدامه أيضًا.]
فيلت: [فلام تواصلت معي وقالت إنهم بخير. ميلي والخادمة التابعة لإيميليا بخير. لكن معلّمنا وذاك الفتى غارفيل قد تعرّضا لضربٍ مبرح. يبدو أنه لم يسلب حياتهما.]
وأمام أنظارها المندهشة، دار “أل” بفعل التصادم بين سيوف الجليد والحجر، ومع اتساع المسافة بينهما، هبط مجددًا على الأرض المغطاة بالثلج.
لم يكن ذلك حزنًا ولا ألمًا، بل إحساسًا نادرًا ما راودها، ولهذا أربكها بشدّة.
ثم بدأت تتكوّن حوله أسلحة حجرية واحدة تلو الأخرى، تُحدث أصواتًا عميقةً في محيطه. وما إن أدركت إميليا أنه قادر على تقليد فنّها القتالي باستخدام سحر الأرض، لاحظت أمرًا مهمًّا:
وفوق ذلك――
كان “أل” يستخدم ذراعًا حجرية، ويقاتل بأسلحةٍ حجرية―― لكن “روي”، الذي كان على كتفه قبل لحظة، لم يعد موجودًا.
في اللحظة التي كاد فيها صوت أوتو ينكسر تمامًا، أمسكت إيميليا بذراعيه بكلتا يديها، وأنزلت وجهه لتقابل ناظريه مباشرة. وهناك، رأت ذلك――
إميليا: [لا تقل لي إنك…!]
إميليا
أل: [آه، تمنّيت أن أقول إنني استغللت الفوضى لأتركه يهرب… لكنّ الحقيقة أنني لم أستطع. لقد تخلّصت منه فقط لأنه كان يعيقني. هناك.]
وقبل كل شيء――
تقلّبت مشاعر إميليا بين الغضب والارتباك، لكن “أل” اكتفى بهزّ كتفيه وأشار بذقنه نحو عمود الأرض الذي ارتفع قبل قليل. في مركزه، كان “روي” مقيّدًا رأسًا على عقب، مغطّى بطبقةٍ من التراب، يضحك ساخرًا حين التقت نظراته بنظرتها.
وأثناء استماعها إلى خطة أوتو للمستقبل، كانت إميليا تحاول جاهدةً كبح جماح رغبتها الداخلية الجامحة.
[روي]: [بذلي جهدكِ، أونيه-سان. لو لم تفوزي، فلن يكون لدينا خيار غير ان نسمع كلام هذا العم. لحظة~؟ حتى لو فزتي، سنرجع برج السجن… هاها، هذا يعني انه لا يوجد فرق من سيفوز، صحيح~؟]
لم تستطع إيميليا أن تنطق بالكلمات التي تدور في قلبها: لماذا قد يفعل شيئًا كهذا؟
إميليا
إيميليا: [لم ينتهِ شيء بعد. ما زال بإمكاننا فعل الكثير، حقًا!]
قالت هذه الكلمات وهي تحدّق فيه بثبات، ثم عادت لتنظر إلى “أل”.
ولكن، من بينهم، كان أكثر من أقلق إيميليا هو فارسها، سوبارو.
كان “روي” قد تحرّر من الختم السحري الذي كبّله، ما جعله خطرًا بالغًا. لكن بما أن الزمن قد تجمّد بالنسبة له، لم يكن بالإمكان إيقاظ ضميره. لذلك، رأت إميليا أن أفضل حلّ هو حبسه في بيئةٍ لا يستطيع الفرار منها، وعلى وعيه الكامل، يُجبر على مواجهة ما اقترفته يداه.
إميليا: [لا تذكر ذلك فقط حين يناسبك! وهناك أمرٌ آخر!]
إميليا: [كلّ شيءٍ آخر يمكننا معالجته لاحقًا، بعد أن ننهي هذا هنا.]
[روي]: [بذلي جهدكِ، أونيه-سان. لو لم تفوزي، فلن يكون لدينا خيار غير ان نسمع كلام هذا العم. لحظة~؟ حتى لو فزتي، سنرجع برج السجن… هاها، هذا يعني انه لا يوجد فرق من سيفوز، صحيح~؟]
أل: [كلامكِ جميلٌ وكلّ شيء… لكن، هل يعني هذا أنّكِ قرّرتِ أخيرًا التحدث معي؟]
حتى في الإمبراطورية، رآها مرارًا وهي تركل بساقيها الطويلتين بكل ما أوتيت من قوة، تقاتل بوجهٍ جادٍّ يفيض جمالًا. غير أن تلك الجدية كانت دائمًا ممتزجةً بشجاعتها ورقتها، ولم يكن الغضب يومًا جزءًا منها.
إميليا: [آه…! من الآن فصاعدًا، لن أنطق بكلمة واحدة.]
أل: [كان ناتسكي سوبارو من ابتكر هذا الفن، أليس كذلك؟ في هذه الحالة، يحقّ لي استخدامه أيضًا.]
أل: [باردة. كنت أظن أنك ستتفهمينني لو تحدّثتِ―― واااه!]
لكنّ ما أغضبها أكثر، هو إدراكها أنّ “أل” لم يكن يعني ما قاله، بل قاله فقط ليستفزّها عمدًا.
وقبل أن يُكمل حديثه، أطلقت إميليا رمحًا من الجليد نحوه؛ وكان ذلك إعلانًا صريحًا عن نيتها القتالية. قفز “أل” إلى الجانب ليتفاداه، بينما اندفعت إميليا نحوه من جانبه، وطعنت برمحٍ جليديٍّ في خاصرته.
وبالفعل، لم تكن تعلم إن كان رجلًا نبيلاً أم لا، لكنها كانت واثقة من أن وصف “مبارز” وحده لا يكفي للإحاطة بحقيقته. فهناك كثيرون لن يقبلوا بهذا الوصف كافيًا لهذا الرجل، وكانت “فيلت” تدرك ذلك.
لكن طرف الرمح اصطدم بسيفٍ صخري، فتهشّما معًا.
أوتو: [لا ينوي القتل؟ وماذا عن الآخرين في البرج؟]
وبسرعة، شكّل كلٌّ منهما سلاحه التالي؛ إميليا بسيفٍ نحيلٍ من الجليد، و”أل” بسيفٍ صخريٍّ جديد. وهكذا بدأت معركةٌ تقاطعت فيها السيوف، سيوفٌ تتكسر بمجرد أن تُصنع، وتُصنع بمجرد أن تتكسر.
انطلقت ركلةٌ أماميّةٌ بلا رحمة، وأصابت خصر “ياي” النحيل مباشرةً. فلفّت جسدها بسرعة، وأدارت نصف دورةٍ في الهواء أثناء تطايرها إلى الخلف؛ غرست قدميها في الجدار قبل أن تهبط على الأرض، ويدها تمسك بطنها.
روي: [جميل، جميل، جميل جدًّا، ربّما جميل، أليس كذلك؟ لا بدّ أنه جميل، لأنّه يبدو جميلًا-! الشراهة الشرهة! شراهة!]
لقد ظنّت أن ذلك سيوفّر لآل فرصةً ليتعافى، أو على الأقل ليتقدّم خطوةً إلى الأمام.
ترددت أصوات “روي” وهو يلعق شفتيه، يراقب قتال السيوف بين إميليا و”أل” بلهفةٍ بالغة.
كان هذا أول لقاءٍ لهم منذ أحداث مدينة بوابة الماء، بريستيلا، لكن لم يكن هناك وقت للحديث عن الذكريات.
متجاهلةً ضجيجه، أطلقت إميليا سيلًا من الهجمات الرشيقة؛ كانت واثقةً من إصابتها، ومع ذلك، استطاع “أل” تفادي كلٍّ منها بصعوبة. ومع كلّ مرة كان يتفادى فيها، كانت الشكوك تتنامى في قلب إميليا.
رغم أن درع “أل” الحجري امتص الضربة، إلا أن قوتها أطاحت به إلى الوراء. وبينما كان يحاول الردّ، سدت إميليا فمها بعناد لتمنع نفسها من قول المزيد، ثم شكّلت مطرقةً جليدية بكلتا يديها ولوّحت بها نحوه في ضربةٍ أفقية.
هجماتها لا تُصيب رغم أنّها ينبغي أن تُصيب. كان الأمر أشبه بمحاولة ركلِ ماءٍ بلا شكل.
ترددت أصوات “روي” وهو يلعق شفتيه، يراقب قتال السيوف بين إميليا و”أل” بلهفةٍ بالغة.
وقبل كل شيء――
إيميليا: [سوبارو…]
أل: [――لا أريد أن أُطنب في مديحك، ولكن تقنيتك ممتازة. أحسدك على هذا التفاهم بينك وبين نفسك، أيتها الصغيرة.]
؟؟؟: [سوبارو والبقية…!]
كان هذا القول قد تجاوز الحد―― وأثار غضب إميليا بشدّة.
وبالفعل، لم تكن تعلم إن كان رجلًا نبيلاً أم لا، لكنها كانت واثقة من أن وصف “مبارز” وحده لا يكفي للإحاطة بحقيقته. فهناك كثيرون لن يقبلوا بهذا الوصف كافيًا لهذا الرجل، وكانت “فيلت” تدرك ذلك.
عزمت على أن تبذل كلّ ما بوسعها لتطرد هذا الملك القاسي من على وجه الأرض. ――مستحضرةً تلك العبارة المبتذلة التي قالها لها “سوبارو” يومًا في لحظة غضب، اشتعلت نيران الغضب في قلبها.
لكن سيوفها اصطدمت بشيءٍ صلبٍ للغاية، فاتسعت عيناها دهشةً، وانحبس نَفَسها.
لم تكن ترغب في أن يتحدّث “أل” عن علاقتها بـ”سوبارو” بتلك الطريقة.
إيميليا: [هياااه!]
لكنّ ما أغضبها أكثر، هو إدراكها أنّ “أل” لم يكن يعني ما قاله، بل قاله فقط ليستفزّها عمدًا.
روي: [جميل، جميل، جميل جدًّا، ربّما جميل، أليس كذلك؟ لا بدّ أنه جميل، لأنّه يبدو جميلًا-! الشراهة الشرهة! شراهة!]
وفوق ذلك――
لم تقاطع إيميليا شرح أوتو، الذي وضع يديه على وجنتيه وهو يتحدث. كانت لديها تساؤلات كثيرة، وكلمات أرادت قولها، لكنها آثرت الصمت أولًا، لتستمع إلى كلّ ما عنده. إذ كانت تعلم أنه قد أعدّ مسبقًا إجابة لكل ما يدور في ذهنها.
إميليا: [منذ مدّة وأنا أتساءل… لماذا تبدو حزينًا حين تتحدّث إليّ، يا أل؟]
فيلت: [لا داعي للشكر. كنت سأشعر بالأسوأ لو علمت ولم أقل.]
أل: [――. ألم تقولي إنّكِ لن تتحدّثي معي؟]
: [ماذا تذكّرت؟]
إميليا: [لا تذكر ذلك فقط حين يناسبك! وهناك أمرٌ آخر!]
إميليا: [كلّ شيءٍ آخر يمكننا معالجته لاحقًا، بعد أن ننهي هذا هنا.]
صرخت رافعةً صوتها، ثمّ رفعت سيفها الجليدي العظيم عاليًا وضربت به نحو “أل”، الذي رفع سيفه الصخري ليصدّ الضربة―― فجأة، أحاط بشخصه شيءٌ التفّ على ساقيه وخصره.
إميليا: [لا تذكر ذلك فقط حين يناسبك! وهناك أمرٌ آخر!]
شهق “أل” وقد أدرك أنّ من أمسك به لم يكن سوى جنديٍّ جليدي―― ذو ذراعين جليديّتين.
ولكن، من بينهم، كان أكثر من أقلق إيميليا هو فارسها، سوبارو.
وكان الجندي مُجسّدًا على هيئة “سوبارو”، ذاك الذي تعتمد عليه إميليا بشدّة، فعضّ “أل” على أسنانه وقال: [هذا الأسوأ…!]
ومع ذلك――
عندها، رفعت إميليا قدمها، المغطاة بنعلٍ من الجليد، عاليًا――
أدركت إيميليا أنها كانت غاضبة إلى حدٍّ يكاد يُفقدها السيطرة على نفسها، ومع ذلك فهمت، بحدسها، أن أوتو، رغم مظهره الهادئ، كان يشعر بالأمر ذاته.
إميليا: [――حين تتحدّث إليّ، انظر إليّ مباشرةً!!]
: [ماذا عن――]
وفي تلك المرّة، اخترقت ركلتها القويّة دفاعات “أل” الصخريّة، ووجّهت له ضربةً مباشرةً سحقته تمامًا.
إيميليا: [آي!]
△▼△▼△▼△
ولذا، ما كان على آلديباران التركيز عليه الآن ليس كلمات روى اللزجة، بل――
؟؟؟: [――――]
؟؟؟: [――――]
ارتفع حاجب “ياي” قليلًا بتوتّر، ولم يَفُت هذا التغيير الدقيق على فطنة “فيلت”.
أومأت فيلت وأوتو لبعضهما، بينما كانت علامات الاستفهام تحوم فوق رأس إيميليا.
لم تكن واثقة، لكنها كانت في وضعٍ بائسٍ لا تستطيع فيه فعل شيء، فتعلّقت بكلّ أملٍ ضئيل، معتبرةً أن مزيدًا من الإذلال لن يغيّر شيئًا.
إيميليا: [أنا غاضبة جدًّا الآن، لذا لن أتحفّظ حتى لو كنتَ أنتَ، آل.]
وكان أحد تلك الآمال، حين تذكّرت لحظةً سابقة قيل لها فيها إنها “عُقدت على الموت”، أن يكون هناك شيءٌ تافه يتنصّت على حديثها مع “ياي”.
من السيطرة على جثة التنين الإلهي فولكانيكا، إلى استخدام ساحرة الحسد لإيقاف سياف السيف المقدس راينهارد، لقد أصبح عدوًّا للعالم بأسره.
ياي: [اصمتي.]
لكن رغم ذلك――
فتحت إحدى عينيها الضيّقتين المعتادتين، وتقدّمت نحو باب الغرفة.
حتى في الإمبراطورية، بذل جهدًا عظيمًا من أجل ريم وسبّيكا، وقاتل إلى جانب آيبل، وتقلّص حجمه ليصبح طفلًا، ثم عاد كما كان، ومع ذلك لم يستطع إنقاذ بريسيلا.
وكان في نبرتها من الحزم ما يكفي ليقنع “فيلت” بأنّ أيّ حركةٍ طائشةٍ منها قد تكون نهاية حياتها.
إيميليا: [أوتو-كون!]
لذا، ظلّت “فيلت” ثابتةً في مكانها، ووضعت “ياي” يدها على الباب لتفتحه―― لكن في تلك اللحظة، اخترق طرفُ سيفٍ البابَ بلا صوت، منطلقًا بسرعةٍ لا ترحم نحو عنق “ياي”.
شهق “أل” وقد أدرك أنّ من أمسك به لم يكن سوى جنديٍّ جليدي―― ذو ذراعين جليديّتين.
فيلت: [――هه.]
؟؟؟: [――――]
انحبس نَفَس “فيلت”، ورأت بعينيها عنق “ياي” الأبيض، والسيف يتجه نحوه―― لكنّه لم يخترقه. إذ توقّف طرفُ السيف قبل أن يصله.
كانت تلك الضربة الاستباقية التي أوصى أوتو بتنفيذها، لكنها لم تُفلح. ومع ذلك، لم يكن هذا وقت التوقف أو التردد؛ فإن لم تُصب الضربة الأولى، فعليها أن تجرّب ثانية وثالثة.
لم يكن ذلك رحمةً من المهاجم، بل لأنّ “ياي” ربطت خيطًا بطرف السيف، ومن خلاله أوقفت الضربة.
آلديباران: [――――]
بفارق شعرةٍ، انتزعت النجاة من بين أنياب الموت، لكنّ الخطر لم ينتهِ بعد. ――إذ انطلق سيفٌ آخر، مختلفٌ عن الأوّل، مضيئًا في ومضةٍ، قاطعًا الباب، وجعل الفولاذ اللامع يجول في أرجاء الغرفة.
كان “أل” بذراعٍ واحدةٍ يحمل جسدًا صغيرًا على كتفه الأيمن، ورغم شعورها بأن استغلال ذلك الوضع غير منصف، تعمّدت إميليا أن تصوّب ضربتها نحو يساره.
ياي: [――――]
إيميليا: [نحن حقًا سيئون في الاستسلام.]
أمام العاصفة القادمة من السيوف، قفزت “ياي” إلى الخلف، وهي تلوّح بخيوطها.
ارتطم رأسه بالسقف ثم سقط متدحرجًا رأسًا على عقب، غير أن إميليا استدارت بسرعةٍ نحو موضع سقوطه، وغرزت سيفيها الجليديين نحوه وهو لا يزال معلّقًا في الهواء――
وكانت سيوفٌ من جهة، وخيوطٌ من الجهة الأخرى، ومع ذلك، فقد اشتعلت الغرفة بصوت الفولاذ على الفولاذ، وأحرقت عيني “فيلت” تلك اللمعان الحادّ للسيوف.
لم تكن تريد له أن يتهور، لكن حين تحين اللحظة، لا يكون هناك خيار آخر سوى المجازفة. ولم تكن حياة إميليا خالية من التهور لدرجة تمنعها من فهم ذلك.
وبتحكّمٍ بارعٍ في أصابعها، أطلقت “ياي” وابلًا من هجمات الخيوط التي حجبت الرؤية تمامًا، ومزّقت ديكور الغرفة الفاخر. لكنّ خصمها أبدى مهارةً لا تقلّ عنها، فصدّ الهجمات وجهًا لوجه، وبقوةٍ أطاح بالخيوط التي كادت تقيّد سيفه――
روى، الذي كان مشلولًا ومحمولًا على كتفي آلديباران، سخر بابتسامةٍ ساخرة.
؟؟؟: [غيييييااااااه!!]
من السيطرة على جثة التنين الإلهي فولكانيكا، إلى استخدام ساحرة الحسد لإيقاف سياف السيف المقدس راينهارد، لقد أصبح عدوًّا للعالم بأسره.
ياي: […غاه.]
وكان السبب أن موضع الضربة بدأ يتجمّد، والجليد الزاحف كاد يمتدّ إلى جسده.
انطلقت ركلةٌ أماميّةٌ بلا رحمة، وأصابت خصر “ياي” النحيل مباشرةً. فلفّت جسدها بسرعة، وأدارت نصف دورةٍ في الهواء أثناء تطايرها إلى الخلف؛ غرست قدميها في الجدار قبل أن تهبط على الأرض، ويدها تمسك بطنها.
؟؟؟: [――هل كان ذلك ضروريًّا؟ أأن أترفق، مع من هي شينوبي مثلك؟]
ثمّ ثبّتت نظرها على الدخيل الذي قام بتلك الأفعال،
[أوتو]: [العدو اختطف ناتسكي-سان وبياتريس-تشان. لا بدّ من وجود سبب لذلك. فالاختطاف عادةً يكون وسيلةً لتهديد المقرّبين من الضحايا، أو حتى وسيلةً لابتزازهم أنفسهم…]
ياي: [أن تركل بطن امرأة فجأةً، يا لك من زائرٍ عنيفٍ حقًا~!]
: [ماذا عن――]
؟؟؟: [――هل كان ذلك ضروريًّا؟ أأن أترفق، مع من هي شينوبي مثلك؟]
كانت فيلت قد أخبرتها أن جميع من ذهبوا إلى برج بلياديس قد عانوا كثيرًا.
ياي: [أليس هذا تمييزًا ضدّ الشينوبي؟ تصرّفٌ غير لائقٍ برجل، أليس كذلك؟]
: [أنت من―― ممف.]
؟؟؟: [للأسف، لا أذكر أنني كنتُ يومًا مستحقًّا للقب “رجلٍ نبيل”. أينما أخذتني الرياح، لا يمكنني أن أكون أكثر من مبارزٍ لا موهبة له سوى في التلويح بالسيف.]
أومأت فيلت وأوتو لبعضهما، بينما كانت علامات الاستفهام تحوم فوق رأس إيميليا.
وبينما نطق بهذه الكلمات، نفض الخيوط عن سيفيه، وحدّق بعينيه الزرقاوين الهادئتين نحو “ياي”―― وعند سماعها لتلك النظرة الذاتية، تمتمت “فيلت” بهدوء: [توقّف عن ترديد هذا الهراء.]
كان هذا أول لقاءٍ لهم منذ أحداث مدينة بوابة الماء، بريستيلا، لكن لم يكن هناك وقت للحديث عن الذكريات.
وبالفعل، لم تكن تعلم إن كان رجلًا نبيلاً أم لا، لكنها كانت واثقة من أن وصف “مبارز” وحده لا يكفي للإحاطة بحقيقته. فهناك كثيرون لن يقبلوا بهذا الوصف كافيًا لهذا الرجل، وكانت “فيلت” تدرك ذلك.
ومع ذلك――
فهذا الرجل، الذي قدّم نفسه على أنه مجرّد مبارز، لم يكن سوى شيطان السيف، الذي تجاوز يومًا قمّة فنّ السيف――
لكن سيوفها اصطدمت بشيءٍ صلبٍ للغاية، فاتسعت عيناها دهشةً، وانحبس نَفَسها.
؟؟؟: [――ويلهيلم ترياس. عندما بلغني ما حلّ بالمملكة من مأساة، أتيت على الفور لأقدّم ما أستطيع من عون.]
[أوتو]: [――السبب الذي يجعلني أقدّم مساعدتي لناتسكي-سان وإميليا-ساما.]
وعند سماع هذا التعريف، تراجعت “فيلت” إلى زاوية الغرفة، وتنهدت.
أوتو: [هذا صحيح. بالطبع، لو بدأنا الحديث عن الاستعداد للاستعداد، فلن ينتهي النقاش أبدًا. والسبب وراء تصرّف ذلك الرجل المتهوّر هو ما جرى في الإمبراطورية… حتى وإن كان مخطّطه محكمًا، فمن غير المرجّح أنه حظي بوقتٍ كافٍ للتحضير.]
فقد استقبلت دعمًا غير متوقَّع، وملأتها مشاعر معقّدةٌ للغاية――
ارتفع حاجب “ياي” قليلًا بتوتّر، ولم يَفُت هذا التغيير الدقيق على فطنة “فيلت”.
فيلت: [… زودا-بوغ-نييتشان، حقًّا لا توفّر جهدًا أبدًا، أليس كذلك…؟ ما شأن كلّ هؤلاء القادمين من جهة إميليا-نييتشان؟]
بدأت إيميليا أخيرًا تفهم ما يرمي إليه أوتو.
قالت ذلك، بمزيجٍ من الضيق والإعجاب.
أل: [كان ناتسكي سوبارو من ابتكر هذا الفن، أليس كذلك؟ في هذه الحالة، يحقّ لي استخدامه أيضًا.]
كانت حائرة، إذ لم تفهم لماذا أوقفها. فبعد كل شيء، كان عليها الإسراع إلى البرج حيث سوبارو والبقية في مأزق.
