Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 24

41.24

41.24

ــ العودة بالموت.

ومع صوت خطوات تخرج من على الأرض الصلبة الباردة، أسند ظهره إلى جدار الغرفة الضيّقة. ارتطم مؤخر خوذته بالجدار، وأحدث صوت الحديد المرتطم بالصخر صدىً قاسيًا أفسد سكون الغرفة الحجريّة.

هي سلطةٌ تمنح حاملها، مقابل التضحية بحياته، الحقَّ في العودة بالزمن إلى الوراء، واسترجاع لحظةٍ كان ينبغي أن تكون قد انقضت.

آلديباران: [ثرثرتك لا تنتهي… هذا المكان عاصمة مملكة لوغونيكا، بعيدٌ جدًا عن برج بليادس حيث أُمسِكْت. ونظيرك――]

تحت تأثير تدخل ساحرة الحسد الرهيب، وباستخدام حياته مرارًا وتكرارًا لإزالة كل معاناةٍ وعقبةٍ واجهها، استعمل ناتسكي سوبارو تلك السلطة، العودة بالموت، مرةً تلو أخرى.

كانت الساحرةٌ المخيفة المفترضُ أن تُختم داخل الضريح تمدُّ يدها بلا توقُّفٍ لمعاقبة بيترا لقراءتها «كتاب الموتى» واقتحامها حقلَ المحرّمات. موجةُ الظلال السوداء التي اجتاحت العالم وهدّدت بابتلاعه تُصَدُّ الآن على يد بطلٍ واحد.

ولم يكن الأمر مرتين أو ثلاثًا فحسب، كما قد يُظنّ.

ياي: [لا لا، آل-سان بالتأكيد لن يفقد أعصابه. لكني أظنّ أنه سيتألم. وهذا ما لا أقبله.]

فكما هو معلوم، مات ناتسكي سوبارو أكثر من عشر مرات.

كافحَ وحيدًا ليبعد غضبَ ساحرة الغيرة عن البرج، مانعًا دمارَ العالمِ بذاتِ شعرة، محافظًا على توازنٍ هشّ. ومع ذلك، لا تزال هناك زئيرٌ مدوٌّ واهتزازاتٌ عنيفة كأنّها تقلبُ العالمَ رأسًا على عقب، مع ومضاتِ ضوءٍ تشبه البرق البعيد تظهر من وقتٍ لآخر، ليلًا ونهارًا، كأنّ أبواقَ نهايةِ العالم تُنفَخ دون توقف.

ولا مرةً واحدة، كانت ميتةً هانئة.

وبالمناسبة، كان انطباع فيلت أن اللفائف تحتوي على مكوّنات أكثر من الخضروات. في الحقيقة، لم تكن تفرّق تمامًا بين اللفائف والحَساميّاكي.

ولا مرةً واحدة، انتهى به المطاف دون شعورٍ بالخسارة.

“سوبارو”: [――بترا.]

ولا مرةً واحدة، لفظ أنفاسه الأخيرة معتقدًا أنه اكتفى من كل شيء.

إميليا: [――أعيدوا سوبارو وبياتريس.]

ولا مرةً واحدة، رغب ناتسكي سوبارو في أن يفقد حياته.

الحبّ أعمى، والحبّ حُمّى. لقد استسلمت بترا لايت لمشاعرها، وعاشت على هذا النحو حتى اليوم.

ومع ذلك، ظلّ ناتسكي سوبارو يفقد حياته، مكرّرًا دورة العودة بالموت.

بيترا: [لا أظن أنكِ الشخص المناسب لتقول هذا يا ميلي-تشان.]

لقد انتزعت منه حياته أمورٌ خارجة عن المألوف، سخيفة، مفعمة باليأس. ومع ذلك، لم تكن تلك أمورًا لا يمكن تلافيها إن هو عقد العزم.

ربما لأن كتاب الموتى الذي قرأته بترا كان يدور في زمنٍ يسبق بعامٍ ونصف تقريبًا―― في الأيام المضطربة حين بدأت عملها كخادمة.

ومع ذلك، لِمَ لم يكن سوبارو قادرًا على تفادي الموت؟

كانت «باتراش» قد نظرت للحظة إلى الخلف، ثم أعادت تركيزها إلى الأمام، وبدأت بالاندفاع نحو خط النهاية، بعد أن ركضت دون توقّف طوال الطريق.

كان الجواب هو――

شهيق عميق، وزفير طويل.

؟؟؟: [لأنه… طيّب القلب.]

آلديباران: [حقًّا، لم أكن أظنّ أنّي سأضطرّ لتكرار نفس تجارب المحاولة والخطأ التي مررت بها مع راينهارد…]

لم يكن هناك شخصٌ واحدٌ أراد أن يخسره.

رمقتها فيلت بنظرة حادّة، وخطفت منها الصينية الفضية، ثم قضمت قطعة من الحَساميّاكي (الخبز المحشوّ)، الذي انبعثت منه رائحة دافئة عذبة، وكان طعمه متوازنًا ولطيفًا. أعجبها الطعم، فابتسمت لياي رافعة إبهامها للأعلى.

ولم يكن هناك شخصٌ واحدٌ رغب في التخلي عنه.

لكن ذلك الصراع لم يكن خيارًا اتّخذه بإرادته.

ولا شخصٌ واحدٌ كرهه إلى حدّ تمني زواله.

بل من المحتمل أنّ الصدمة التي اختبرتها بترا من كتاب سوبارو كانت مختلفةً تمامًا عن التحذيرات التي أسداها لهم إيزو.

لم يكن هناك شخصٌ واحدٌ شعر ناتسكي سوبارو أنه يستحق الموت.

آلديباران: [يا للمتاعب… أشرح لك الوضع؟]

ولذلك، استمر ناتسكي سوبارو في فقدان حياته، مكرّرًا دورة العودة بالموت.

فجأة، وبينما كانت فيلت متكئة على الأريكة في الصالون، لاحظت نظرات ياي المُركّزة نحوها، فعقدت حاجبيها.

كل عقبة، وكل نيةٍ شريرة، وكل عدوّ، وكل وحشٍ شيطاني، وكل رئيس خطيئةٍ اعترض طريق حياته، قتلوه مرارًا وتكرارًا، ومنحوه الموت، وسحقوا روحه.

لكن “سوبارو” الجالس بجانبها لم يكن سوبارو الحقيقي.

لكن، أنا أعلم. ―ـ أنا أعلم حقًا.

ميلي: [بيترا-تشااان!]

بلا شك، لقد سلب العديد من الأعداء والعقبات والكوارث القاسية حياة ناتسكي سوبارو. تلك حقيقة لا ريب فيها.

إذ إنه ذهب في مهمة منفصلة عن فيلت وياي، وكانت وجهته――

لكنني أعلم، أكثر من أيّ أحدٍ آخر، وأدركها بمرارة.

ذلك كان تحليلها الذاتي لما جرى لها.

أكثر من الأعداء، وأكثر من الكوارث، وأكثر من اللامعقول…

ومع صوت خطوات تخرج من على الأرض الصلبة الباردة، أسند ظهره إلى جدار الغرفة الضيّقة. ارتطم مؤخر خوذته بالجدار، وأحدث صوت الحديد المرتطم بالصخر صدىً قاسيًا أفسد سكون الغرفة الحجريّة.

فما قتل ناتسكي سوبارو أكثر من أيّ شيءٍ آخر،

إلى متى يمكنُ لهذا التوازن أن يستمر؟ لا بيترا ولا غيرها تعرف الجواب. لكن إن كان هناك أمرٌ واحدٌ مؤكدٌ――

هو ذلك الذي استمرّ في استغلال طيبة قلبه.

روي: [هل تقول إن علينا، نحن الذين لا نعرف سوى الجوع مرارًا وتكرارًا، أن نتعلّم انتظار الإذن؟ ألن يُعدّ هذا أساسًا لتوجيه اتهام تعذيب الأطفال؟]

△▼△▼△▼△

ميلي: [لم أفعل مثل فلام-تشان، التي حملت فانغ أوني-سان وسينسي-سان. ثم إنّه بوجود «قديس السيف» والساحرة يتقاتلان، يبدو أنّ وحوش السحر لا تملك وقتًا للاهتمام بنا.]

؟؟؟: [هيه، لا أظنّ أنكِ بحاجةٍ للقلق كثيرًا بشأن هذا.]

؟؟؟: [――بيترا-تشان، حان وقت التبديل~.]

؟؟؟: […حتى لو قال سوبارو شيئًا كهذا، فلا يمكنني تجاهله فحسب.]

آلديباران: [يا للمتاعب… أشرح لك الوضع؟]

رمقت بترا “ناتسكي سوبارو” المستند إلى جانب العربة، وزفرت تنهيدةً يملؤها الحنين بينما كانت تقود العربة التي تجرها التنين بسرعةٍ عالية.

هو ذلك الذي استمرّ في استغلال طيبة قلبه.

لكن “سوبارو” الجالس بجانبها لم يكن سوبارو الحقيقي.

وكان الهدف النهائي من تلك الخارطة، بطبيعة الحال، إيقاف أفعال «آل»، الذي خان ناتسكي سوبارو―― لكن كان هناك ما هو أبعد من ذلك.

بل يمكن القول إنه مجرد خيالٍ صنعه عقل بترا―― سوبارو المتخيَّل.

آلديباران: [――هناك شخص أريدك أن تبتلعه باستخدام سلطتك. ولن أقبل رفضًا.]

والدليل على ذلك أنّ جسده كان شفافًا قليلًا، يُرى ما خلفه، وملامحه بدت أصغر سنًّا من صورة سوبارو الأخيرة في ذهن بترا.

تحت تأثير تدخل ساحرة الحسد الرهيب، وباستخدام حياته مرارًا وتكرارًا لإزالة كل معاناةٍ وعقبةٍ واجهها، استعمل ناتسكي سوبارو تلك السلطة، العودة بالموت، مرةً تلو أخرى.

ربما لأن كتاب الموتى الذي قرأته بترا كان يدور في زمنٍ يسبق بعامٍ ونصف تقريبًا―― في الأيام المضطربة حين بدأت عملها كخادمة.

آلديباران: [――تبًا، لقد ارتكبت خطأً!]

بترا: [الكثير قد حدث لي ولسوبارو منذ ذلك الحين…]

لذلك، كان سيأخذ ياي وفيلت بسرعة، ثم يلتقي بآلديباران وهاينكل خارج العاصمة الملكية.

ومع مرور ذلك الزمن، كان طبيعيًا أن ينضج كلٌّ منهما على طريقته، خيرًا كان أم شرًّا.

بترا: [سيارات، قيادة تحت تأثير الخمر، إشارات المرور، تورياانسي…]

بعبارةٍ بسيطة، ازدادت بترا طولًا وطال شعرها، وهي تفخر كثيرًا بتقدّمها المذهل كخادمةٍ وكأنثى.

وإن كان منزعجًا من أنه يبدو كمن يسير وفق رغبة خصمه، أجاب أخيرًا.

أما سوبارو، فقد أصبح أقرب إلى بياتريس، وأكثر صخبًا مع أوتو وغارفيل، ونما بجوار إيميليا ليبلغ صورةً ناضجةً ورزينةً عن الرجولة.

ياي: [آه، كم أنتِ قوية~، قوية نفسيًا لدرجة أن حتى ياي تشان تشعر بالرهبة منكِ. حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فأنا خائفة من أن تغوين فول-ساما، لذا لا أريدكِ أن تقتربي منه، يا فيلت-ساما.]

ولهذا بدا “سوبارو” الآن أقلّ نضجًا مما هو عليه اليوم.

بيترا: […ربما أبالغ في التفكير، وكأنني لست نفسي حقًا.]

ومع ذلك―― لا يزال يحتفظ بجاذبيته.

؟؟؟: [――دو…دو…جيوووون!]

حتى إن فقد شيئًا من سحره الذكوري الجريء، فإن لطفه وسحر شخصيته ما زالا يجتمعان في توليفةٍ لا تُقاوَم.

تذكّرت كروش، التي التُهِمت ذكرياتها، وحكاية الفارس يوليوس، فارس أناستازيا، الذي أُكل اسمه. ثم تلك الفتاة في معسكر إميليا التي قيل إن سوبارو يسعى لإيجاد وسيلة لإيقاظها. ―ـ ربما كانت تلك الفتاة قريبة الشبه بـ “الجميلة النائمة” التي تعرفها فيلت ومن معها.

بترا: [لا، لا… ليس الآن وقت التفكير في هذا.]

إذ إنه ذهب في مهمة منفصلة عن فيلت وياي، وكانت وجهته――

وبّخت نفسها، ووضعت يدها على جبينها وهزّت رأسها ببطء.

؟؟؟: [――بيترا-تشان، حان وقت التبديل~.]

لا بأس، يمكنها السيطرة على نفسها.

روي: [الوالدان؟ الأم ماتت عند ولادتنا وأخذت أختنا الصغرى معها أيضًا، وأما الأب المتبنّي، فبالتأكيد لن يتوافق معك، يا عمّي.]

فلم تكن هذه أول مرةٍ تتخيل فيها سوبارو في عقلها، تجعله يقول ما تشاء، ويتخذ الوضعيات التي تفضّلها.

فيلت: [في بريستيلا، التقيتُ بالشراهة… إما الأخ الأكبر أو الأصغر للمسجون حاليًا، وكذلك الأخت الصغرى. وذهبت مع راينهارد لنقل الغضب. لذا دعيني أخبركِ، ما يحاول ذلك الأحمق فعله جنون محض.]

لقد كانت خبيرةً في تخيّل شتى القصص الرومانسية والقصائد الغرامية، تتصور مواقف مختلفة وتجسّد نفسها وسوبارو كشخصيتين، ووجنتاهما وقلوبهما تخفق فرحًا.

روي: [――هاهاه~، تقول أشياء طريفة، يا عمّي ذي الخوذة~.]

وإن اعتبرت ذلك تدريبًا، فإن سوبارو المتخيَّل أمامها بدا أكثر واقعيةً وحياةً، كأنه حقيقيٌّ تمامًا.

وفوق ذلك، كان هناك سببٌ آخر يدفع بترا والبقية إلى التعجيل.

“سوبارو”: [هذا تجاوز حدود الخيال، أليس أبعد من قدرتك على ضبط النفس؟]

روي: [الوالدان؟ الأم ماتت عند ولادتنا وأخذت أختنا الصغرى معها أيضًا، وأما الأب المتبنّي، فبالتأكيد لن يتوافق معك، يا عمّي.]

بترا: [لا بأس، إنها مجرد مشاعر… والأهم، لا تتطفل على رأسي.]

روي: [――علامة لعنةٍ مقيدةٍ بعهد. دقيقة إلى حدّ الإلحاح، أليس كذلك~؟ هل ابتكرتها بنفسك، أيها العم؟ أم أنك تردّد كلمات مستخدمٍ لفنون اللعن المجنون؟]

سوبارو: [لا تكوني سخيفة! حتى لو قلتِ لي ألا أنظر، فأنا حرفيًا داخل عقلك، بترا!]

فكلاهما بات يشترك في وعي الآخر، ويتقاسم أفكاره ومخاوفه.

بترا: [――――]

كان مزيج صوت “سوبارو” الهادئ الرقيق ونظرته المخلصة كفيلًا بتشويش أنفاس بترا ونبضاتها، فلم تجد خيارًا سوى أن تُشيح ببصرها كطفلةٍ صغيرة.

شهقت بترا عند ردّ “سوبارو”، وانحبس نفسها.

ولا شخصٌ واحدٌ كرهه إلى حدّ تمني زواله.

وبدا على “سوبارو” الندم، فحكّ خده بإصبعه بخجل.

وضعت بيترا إصبعها على شفتيها هامسة، وبجانبها أومأ سوبارو متظاهرًا بالدهشة، رافعًا كتفيه بشكلٍ مبالغ فيه. وحين رمقته بنظرة جانبية، رأته يبتسم لها ابتسامة محرجة ويومئ بيده، مما جعلها تضيق عينيها.

تلك النظرة اللطيفة في عينيه، وردود فعله المرتبكة المحبّبة، أعادت إلى بترا مشاعرها القديمة نحوه.

――لقد انتهك “كتاب الموتى” الخاص بناتسكي سوبارو عقل بترا لايت.

――لقد انتهك “كتاب الموتى” الخاص بناتسكي سوبارو عقل بترا لايت.

كلمات آلديباران التي خالطها الأسف أثارت ضحكة عنيدة من روي، الذي كان ما يزال ممدّدًا على الأرض.

ذلك كان تحليلها الذاتي لما جرى لها.

ابتسمت ياي بمكر، واضعة إصبعًا على شفتيها، غير أنّ مضمون كلامها كان يخلو من البراءة.

القارئ الأصليّ النَّهِم لكتب الموتى، إيزو كادنر، قال إن قراءتها تمثّل تحدّيًا يفرض عبئًا عقليًا ثقيلًا، لكن يبدو أن تأثيرها على بترا كان أعمق بكثير مما توقّعت.

بيترا: [لم أتخيل أبدًا أنها ستخنق نفسها فجأة لتفقد الوعي…]

بل من المحتمل أنّ الصدمة التي اختبرتها بترا من كتاب سوبارو كانت مختلفةً تمامًا عن التحذيرات التي أسداها لهم إيزو.

ولهذا، كان عليها ألّا تتعاطف كثيرًا مع ناتسكي سوبارو.

بترا: […أمور مثل العودة بالموت، أو القدوم من ما وراء الشلال العظيم…]

روي: [――علامة لعنةٍ مقيدةٍ بعهد. دقيقة إلى حدّ الإلحاح، أليس كذلك~؟ هل ابتكرتها بنفسك، أيها العم؟ أم أنك تردّد كلمات مستخدمٍ لفنون اللعن المجنون؟]

كان العبء الذي يحمله ناتسكي سوبارو أعظم بكثير مما تخيّلته بترا.

روي: [حشرات الزودا، نادرًا ما تدخل هنا من دون أن يلاحظها أحد، أليس كذلك~؟]

فقد كان منفصلًا عن وطنه، وحيدًا… فبماذا كان يشعر حين التقاها وسائرهم؟

ياي: [… واااه، هناك فعلًا حشرات الزودا. مع أنه لم تمضِ سوى أيام قليلة منذ عُزل الحارس، يا لها من فوضى~.]

وماذا عانى في سبيل إنقاذهم؟

التقيا بنظرةٍ عبر خوذة آلديباران؛ وبينما هو يحدّق من أعلى، نظر روي المقلوب بعينين مستديرتين، غشيتهما آلامٌ خافتة من وطأ عظامه المهشّمة.

وأيّ عزيمةٍ كان يحملها في قلبه حين قاتل لأجلهم؟

آلديباران: [حقًّا، لم أكن أظنّ أنّي سأضطرّ لتكرار نفس تجارب المحاولة والخطأ التي مررت بها مع راينهارد…]

كلّ ذلك―― لا، ما تعلّمته بترا اليوم لم يكن سوى جزءٍ ضئيلٍ جدًا منه.

رهينة مقيّدة الحرية، غير أنّ روح فيلت أبت أن تنكسر.

يصعب التصديق أنّ سوبارو، المثقل بهذا القدر من المصير المأساوي، لم يُضطرّ إلى استخدام سلطته منذ اللحظة التي انتهى فيها كتاب الموتى الذي قرأته بترا.

كانت الساحرةٌ المخيفة المفترضُ أن تُختم داخل الضريح تمدُّ يدها بلا توقُّفٍ لمعاقبة بيترا لقراءتها «كتاب الموتى» واقتحامها حقلَ المحرّمات. موجةُ الظلال السوداء التي اجتاحت العالم وهدّدت بابتلاعه تُصَدُّ الآن على يد بطلٍ واحد.

ولا شك أنّه قد مرّ بعد ذلك بتجارب تمزيق روحه وانتزاع قلبه والدوس على حياته مرارًا لا تُحصى، متحمّلًا كلّ ذلك ليبلغ هذا اليوم.

غير أنّ الوسيلة التي استخدمتها فلام لدخول النوم كانت تفوق إدراك بيترا.

بترا: [――――]

كان كلّ ما تسمعه هو صوت بيترا، غير أنّ انخراطهم المتعمّد في هذه الأحاديث اليومية البسيطة كان وسيلة لتجنّب مواجهة الواقع وضغط حضور الساحرة.

الندبة الدائمة في القلب، التي كان إيزو يخشاها، قد نُقشت فعلًا داخل قلبها.

أعلن ذلك، ثم أدخل آلديباران إبهامه تحت فك خوذته وعضّ طرف إصبعه. ومع ألمٍ حادّ، سالت قطرة دمٍ؛ فأمدَّ إصبعه الملطَّخ بالدم نحو روي.

ربما، بل بلا ريب، اعتقدت بترا بشيءٍ من البلادة أنّ قلبها قد جُرح بعمق، وأن توازنها النفسيّ قد تحطّم تمامًا، وأنها صارت في حالةٍ شديدة الخطورة.

ففيلت دائمًا ما كانت تسدّد ديونها بدقّة متناهية، سواء كانت ديون امتنان أم ضغينة، فلم يكن بينهما فرق عندها.

لقد كانت تتبادل الكلمات مع من تُحبّ، الميت وغير الميت، وتشعر بالفرح والحزن من كلماته، حتى في مثل هذا الظرف.

في أسوأ الحالات، لم يكن لدى “أل” وسيلةٌ حقيقية لإيقاف “ساحرة الحسد”، وكان مستعدًا لترك العالم يهلك، آخِذًا معه قلبه وعقله الميّتَين.

ولم يكن ذلك سوى انهيارٍ عاطفيٍّ ونفسيٍّ كامل.

ارتسمت على وجه ياي نظرة حيرة حين قالت فيلت ما بدا وكأنه كلام لا صلة له بالموضوع، لكن فيلت تابعت حديثها متجاهلة ارتباكها.

بترا: [لكن… لا بأس.]

بيترا: [لا أظن أنكِ الشخص المناسب لتقول هذا يا ميلي-تشان.]

الحبّ أعمى، والحبّ حُمّى. لقد استسلمت بترا لايت لمشاعرها، وعاشت على هذا النحو حتى اليوم.

هزّت ياي رأسها نافية بلطف:

طالما كانت تدرك أنها غير طبيعية، كانت تظنّ أنها قادرةٌ على كبح نفسها―― لكن ذلك تفكيرٌ غير واقعي.

ولهذا، كان عليها ألّا تتعاطف كثيرًا مع ناتسكي سوبارو.

فمهما زعمت أنها صاحبة حكمٍ سليم، فذلك كالقول إنها تعرف أنه لا ينبغي القيادة بعد الشرب.

وأيّ عزيمةٍ كان يحملها في قلبه حين قاتل لأجلهم؟

لا بترا ولا سوبارو يملكان رخصة قيادة، ولا يتذكّران أنهما قادا تحت تأثير الكحول، لكنه الأمر ذاته في المعنى.

بترا: […أمور مثل العودة بالموت، أو القدوم من ما وراء الشلال العظيم…]

بترا: [سيارات، قيادة تحت تأثير الخمر، إشارات المرور، تورياانسي…]

آلديباران: [――――]

فجأةً، استرعى انتباهها سيلٌ من الكلمات انبثق في ذهنها دون سابق إنذار، وبدأت المعلومات تتدفّق كملابسٍ تتدافع من خزانةٍ مكتظةٍ خارج الموسم.

وبالنظر إلى ما حدث في برج المراقبة «بليادس»، كانت «باتراش» تشارك بيترا والباقين الشعور ذاته من القلق والجدية، وصهيلها الآن كان إعلانًا بأنهم بلغوا وجهتهم أخيرًا―― نهاية بحر الرمال.

كانت كلماتٍ تعرفها وأخرى تجهلها، تتقاطع بين المعرفة والجهل، كما لو أنها تواجه شيئًا مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد.

بترا: [――――]

ولو لم تبدأ بترتيب هذه المعلومات بحذر، فقد تجد نفسها فجأةً ترتدي ملابس الرجال وتحمل سوطًا مذنبًا دون أن تدري كيف حدث ذلك.

――في تلك اللحظة، كانت عربة التنين التي تقلّ بترا ورفاقها قد غادرت برج بلياديس، مندفعةً بسرعةٍ عبر كثبان أغريا الرملية.

“سوبارو”: [انتظري، سلاحي الرئيسي سوط؟ أليس هذا مبالغًا فيه؟ أنا متعلّق ببياتريس أكثر من اللازم، ولا أستطيع مجاراة فارق الأجيال…]

بترا: […أمور مثل العودة بالموت، أو القدوم من ما وراء الشلال العظيم…]

بترا: [على أيّ حال، الجميع حصل على فرصةٍ لمعاقبة السيّد، غارف-سان غارق في “تشونيبيو” خاصته، أوتو-سان لم ينم، وإيميليا-نيساما تقوم بعملٍ رائع.]

روي: [هاه؟ أن يُفسَد كلّ ما حاولنا فعله، كانت أوّل مرة نخوض شيئًا كهذا، ومع ذلك لا تقل لي إنك تعزّينا، يا عمّي؟ إن كان كذلك~ فطريقة مواساتنا الأولى ستكون…]

“سوبارو”: [أفهم، إذًا روزوال كان العقل المدبّر وراء كلّ شيء، ها… انتظري؟ ولماذا غُفر له؟]

كان ذلك جزءًا من الانتقام الذي كان يُحصيه.

بترا: [هذا أمرٌ عليك مناقشته مع سوبارو وإيميليا-نيساما…]

بيترا: [لقد عدنا، لذا ساعدنا! أعلم أنك تسمعني، كليند-نيساما!]

ومع ذلك، لم تكن بترا قد غفرت لروزوال بعد.

فـ«آل»، الذي فقدَ سيدته العزيزة «بريسيلا بارييل»―― بل الأصحّ، من كان يكنّ لها حبًّا أعمق بكثير من مجرّد التبجيل―― كان يملك كلّ الحق في أن يكره هذا العالم.

وعلى الرغم من أنها لم تعارض قرار سوبارو وإيميليا آنذاك، فإنها لم توافق عليه تمامًا أيضًا.

وعلى أيّ حال――

فبالطبع، لروزوال فضلٌ كبير في أحداثٍ عديدة، لا سيّما ما يتعلّق بالإمبراطورية، لكن تلك مسألةٌ منفصلة، وقد قررت بترا ألّا تغفر له أبدًا.

كانت بيترا تطمح لأن تكون من أولئك الذين لا يأخذون طيبة الطيبين أمرًا مسلَّمًا به.

غير أنّ الآن، هناك من هو أحقّ بعدم الغفران من روزوال――

لكن ذلك الصراع لم يكن خيارًا اتّخذه بإرادته.

“سوبارو”: [――بترا.]

ياي: [――؟]

بترا: […مهما قلت، مشاعري لن تتغير.]

رهينة مقيّدة الحرية، غير أنّ روح فيلت أبت أن تنكسر.

كان مزيج صوت “سوبارو” الهادئ الرقيق ونظرته المخلصة كفيلًا بتشويش أنفاس بترا ونبضاتها، فلم تجد خيارًا سوى أن تُشيح ببصرها كطفلةٍ صغيرة.

فيلت: [وأنا آكل، أُحدّق مباشرة بجانبه. لو تحسّن ذلك المنظر قليلًا، لكان الطعام أطيب، أليس كذلك؟]

متجاهلةً توسلات قلبها الفاضحة، ركّزت بترا نظرها إلى الأمام نحو البحر الرمليّ الممتدّ بلا نهاية أمامها.

تزحف على الأرض الباردة، قبيحة الشكل ومرعبة، كانت إحدى حشرات الزودا، تلك الحشرات الممقوتة من قِبَل الجميع في هذا العالم. كانت تعادل الصرصور في عالمنا؛ يمكن العثور عليها في أي مكان، لذا لم يكن غريبًا أن تظهر في برج السجن. ――لكن آلديباران لم يفكّر بتلك الطريقة.

――في تلك اللحظة، كانت عربة التنين التي تقلّ بترا ورفاقها قد غادرت برج بلياديس، مندفعةً بسرعةٍ عبر كثبان أغريا الرملية.

لقد كانت تُعجب دومًا بالطيّبين، وتسعى لأن تكون طيّبة بدورها، لكنها شعرت أنّ أمثال سوبارو وإيميليا كانوا مثاليين كما هم.

فما وراء هذا البحر من الرمال، هناك شخصٌ لا بدّ أن يلحقوا به مهما كلّف الأمر.

فالمسجون هناك كان قد ارتكب من الشرور ما لا يُحصى في هذا العالم، زنديقًا لا نظير له.

خصمهم، على الأرجح، سيستعين بأجنحة التنين الإلهيّ للتحليق فوق البحر الرمليّ بسهولة، متفوّقًا في السرعة على تنينٍ أرضيٍّ حتى وإن كان متمتعًا بحماية الرياح، مما يجعل اللحاق به أمرًا بالغ الصعوبة.

آلديباران: [――――]

وفوق ذلك، كان هناك سببٌ آخر يدفع بترا والبقية إلى التعجيل.

فجأةً، استرعى انتباهها سيلٌ من الكلمات انبثق في ذهنها دون سابق إنذار، وبدأت المعلومات تتدفّق كملابسٍ تتدافع من خزانةٍ مكتظةٍ خارج الموسم.

بترا و”سوبارو”: [――ساحرة الحسد.]

ومع ذلك، كان من الصحيح أيضًا أنّهم لم يستطيعوا أن يتخلّوا تمامًا عن بصيص الأمل.

كانت بترا، الغارقة في أفكارها، و”سوبارو” الذي يشارك وعيها، يلفظان السبب الذي يدفعهما إلى هذا السباق المحموم.

سوبارو: [لا يبدو أنهم من النوع الذي يتصرّف بأدبٍ ويفسح المجال للآخرين.]

بلغ بها الدوران حدًّا أرهق رأسها، غير أنّ كلمات “سوبارو” كانت باعثًا كبيرًا على الطمأنينة.

فكما هو معلوم، مات ناتسكي سوبارو أكثر من عشر مرات.

إلا أنّ الشيءَ نفسه ينطبق على بترا كما على سوبارو.

كلمات روي الزلقة توافقت مع الحشرة الصغيرة التي رآها آلديباران.

فكلاهما بات يشترك في وعي الآخر، ويتقاسم أفكاره ومخاوفه.

بترا: [هذا أمرٌ عليك مناقشته مع سوبارو وإيميليا-نيساما…]

بترا: [إذا كان السيّد أل يريد إنهاء العالم…]

أعلن ذلك، ثم أدخل آلديباران إبهامه تحت فك خوذته وعضّ طرف إصبعه. ومع ألمٍ حادّ، سالت قطرة دمٍ؛ فأمدَّ إصبعه الملطَّخ بالدم نحو روي.

فإن الحقيقة المطلقة التي أكّدها كلٌّ من بترا وسوبارو آنفًا لم تعد قائمة.

ومع ذلك، ظلّ ناتسكي سوبارو يفقد حياته، مكرّرًا دورة العودة بالموت.

في أسوأ الحالات، لم يكن لدى “أل” وسيلةٌ حقيقية لإيقاف “ساحرة الحسد”، وكان مستعدًا لترك العالم يهلك، آخِذًا معه قلبه وعقله الميّتَين.

بترا: [الكثير قد حدث لي ولسوبارو منذ ذلك الحين…]

فـ«آل»، الذي فقدَ سيدته العزيزة «بريسيلا بارييل»―― بل الأصحّ، من كان يكنّ لها حبًّا أعمق بكثير من مجرّد التبجيل―― كان يملك كلّ الحق في أن يكره هذا العالم.

فيلت: [لا أعلم ما الذي تهذّين به، لكنني سأركلكِ مرةً إضافية على ذلك.]

ومع ذلك، كان من الصحيح أيضًا أنّهم لم يستطيعوا أن يتخلّوا تمامًا عن بصيص الأمل.

الخيوط الفولاذية التي تردّدت ياي في استخدامها على حشرة زودا التفّت مجددًا حول عنق فيلت.

بيترا: [أنا، وميلي-تشان، وغارف-سان، والجميع ما زلنا أحياء.]

إن لم يسرع بالفرار لأقصى حدّ، فسيُكشف تسلّله قريبًا――،

كان لدى «آل»، الذي نال حتى دعم التنين الإلهي «فولكانيكا»، القوّة لتحديد مصير بيترا والآخرين في البرج. ومع ذلك، اختار أن يمارس حقّه في عدم إزهاق أرواحهم.

آلديباران: [ثرثرتك لا تنتهي… هذا المكان عاصمة مملكة لوغونيكا، بعيدٌ جدًا عن برج بليادس حيث أُمسِكْت. ونظيرك――]

فهل من المبالغة الاعتقاد بأنّ هذا يدلّ على أنّ شيئًا من الإنسانيّة ما زال يسكنه؟

لكن روي ألفارد لم يكن مجرد مشاغبٍ فحسب، بل كان أيضًا كبيرَ أساقفةِ الخطايا قبل كل شيء. لذا رآه آلديباران مخاطرةً تبرُّها الضرورة.

بيترا: […ربما أبالغ في التفكير، وكأنني لست نفسي حقًا.]

روي: [واو، ما كلُّ هذا الغَضَب. هل أثرت عشّ الدبابير؟ جميلٌ، جميلٌ جدًا، أليس كذلك؟ لأنه ربما جميل، بالتأكيد جميل! لن أطرح أكثر من ذلك. بالتأكيد لن أسأل أسئلة مثل: هل أغرقك اليأس من موت أميرتك الغالية الثمينة… غاااه!]

سوبارو: [ياللهول.]

آلديباران: [اهدأ. أنا مثلك لا أؤمن باستخدام الألم لإجبار الآخرين على ما أريد. إن غلَبَت المشاعرُ الألم، فلن يخضع الطرفُ الآخر. لذا…]

وضعت بيترا إصبعها على شفتيها هامسة، وبجانبها أومأ سوبارو متظاهرًا بالدهشة، رافعًا كتفيه بشكلٍ مبالغ فيه. وحين رمقته بنظرة جانبية، رأته يبتسم لها ابتسامة محرجة ويومئ بيده، مما جعلها تضيق عينيها.

وفجأة، وبينما كانت تفكر بذلك، انفتحت نافذة صغيرة لعربة التنين، وسمعت صوتًا يأتي من الخلف.

لم يكن واضحًا إلى أيّ مدى أثّر سوبارو على طريقة تفكير بيترا الحالية.

القارئ الأصليّ النَّهِم لكتب الموتى، إيزو كادنر، قال إن قراءتها تمثّل تحدّيًا يفرض عبئًا عقليًا ثقيلًا، لكن يبدو أن تأثيرها على بترا كان أعمق بكثير مما توقّعت.

إذ لم يكن تأثير «كتاب الموتى» أمرًا إيجابيًا محضًا يسمح لها برؤية صورة سوبارو الوهمية.

روي: [واو، ما كلُّ هذا الغَضَب. هل أثرت عشّ الدبابير؟ جميلٌ، جميلٌ جدًا، أليس كذلك؟ لأنه ربما جميل، بالتأكيد جميل! لن أطرح أكثر من ذلك. بالتأكيد لن أسأل أسئلة مثل: هل أغرقك اليأس من موت أميرتك الغالية الثمينة… غاااه!]

بيترا: [يجب أن أكون أكثر حذرًا…]

بيترا: [لقد عدنا، لذا ساعدنا! أعلم أنك تسمعني، كليند-نيساما!]

كانت بيترا تحبّ سوبارو، لكنها لم ترغب في أن تكونه. بل لم يكن عليها أن تصبح شخصًا يغمر الجميع بلطفٍ عشوائي كما يفعل هو.

ولهذا بدا “سوبارو” الآن أقلّ نضجًا مما هو عليه اليوم.

لقد كانت تُعجب دومًا بالطيّبين، وتسعى لأن تكون طيّبة بدورها، لكنها شعرت أنّ أمثال سوبارو وإيميليا كانوا مثاليين كما هم.

وعلى الرغم من أنها لم تعارض قرار سوبارو وإيميليا آنذاك، فإنها لم توافق عليه تمامًا أيضًا.

كانت بيترا تطمح لأن تكون من أولئك الذين لا يأخذون طيبة الطيبين أمرًا مسلَّمًا به.

بترا: [لا بأس، إنها مجرد مشاعر… والأهم، لا تتطفل على رأسي.]

ولهذا، كان عليها ألّا تتعاطف كثيرًا مع ناتسكي سوبارو.

كان ذلك جزءًا من الانتقام الذي كان يُحصيه.

؟؟؟: [――بيترا-تشان، حان وقت التبديل~.]

ولم يكن الأمر مرتين أو ثلاثًا فحسب، كما قد يُظنّ.

وفجأة، وبينما كانت تفكر بذلك، انفتحت نافذة صغيرة لعربة التنين، وسمعت صوتًا يأتي من الخلف.

آلديباران: [مهما كان، يبدو أنّ كليهما لن يفيدا. ――لا مفرّ.]

كانت «ميلي» هي المتحدثة، وقد كانت تستريح داخل العربة. وعندما عرضت أن تتولّى القيادة، هزّت بيترا رأسها رافضة.

بترا: [――――]

بيترا: [أنا بخير، لذا عليكِ أن ترتاحي يا ميلي-تشان. لقد حملتِني أثناء نومي، بل وأبعدتِ وحوش السحر.]

لقد كانت تُعجب دومًا بالطيّبين، وتسعى لأن تكون طيّبة بدورها، لكنها شعرت أنّ أمثال سوبارو وإيميليا كانوا مثاليين كما هم.

ميلي: [لم أفعل مثل فلام-تشان، التي حملت فانغ أوني-سان وسينسي-سان. ثم إنّه بوجود «قديس السيف» والساحرة يتقاتلان، يبدو أنّ وحوش السحر لا تملك وقتًا للاهتمام بنا.]

آلديباران: [حقًّا، لم أكن أظنّ أنّي سأضطرّ لتكرار نفس تجارب المحاولة والخطأ التي مررت بها مع راينهارد…]

هزّت ميلي كتفيها، وعلامات التعب الشديد بادية على وجهها. كان واضحًا أنّها لم تستطع الاسترخاء داخل العربة مطلقًا؛ فالإحساس بوجود الساحرة في الأفق كان أشبه بضفدع يحدّق فيه ثعبان. ولَكان من الغريب أن تنعم بالراحة في مثل هذا الوضع.

بترا: [لكن… لا بأس.]

وقد كان ذلك أشدّ صعوبة على فتاة مسؤولة مثل ميلي.

نظراته الداعرة، نبرته، حضوره المريب، كلّها دفعت آلديباران لأن ينطق كلماتٍ لم تقع على لسانه بعد.

بيترا: [كيف حال فلام-تشان؟ ما زالت نائمة؟]

ياي: [فقط ظننت أنّ ذلك غير متوقع… أن تكوني أنتِ، يا فيلت-ساما، من يرغب في إيقاظ زوجة هاينكل-ساما―― أي، والدة السياف المقدّس.]

ميلي: [نعم، ما زالت فاقدةً للوعي. لكنني أعتمد على «بركة الحماية» لديها، لذا أظن أننا اتخذنا القرار الصائب~.]

ولا مرةً واحدة، لفظ أنفاسه الأخيرة معتقدًا أنه اكتفى من كل شيء.

سوبارو: [هذه الفتاة… غريب أن أرى ميلي هنا…]

خصمهم، على الأرجح، سيستعين بأجنحة التنين الإلهيّ للتحليق فوق البحر الرمليّ بسهولة، متفوّقًا في السرعة على تنينٍ أرضيٍّ حتى وإن كان متمتعًا بحماية الرياح، مما يجعل اللحاق به أمرًا بالغ الصعوبة.

تداخلت إجابة ميلي الكئيبة مع مشاعر سوبارو القلقة من وجودها. تجاهلت بيترا ردّ فعله، وأخذت تفكّر في فلام وبركة حمايتها.

ياي: [آه، كم أنتِ قوية~، قوية نفسيًا لدرجة أن حتى ياي تشان تشعر بالرهبة منكِ. حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فأنا خائفة من أن تغوين فول-ساما، لذا لا أريدكِ أن تقتربي منه، يا فيلت-ساما.]

إنّ «بركة حماية النُّطق الذهني» لدى فلام تتيح لها التواصل مع شقيقتها التوأم مرة واحدة في اليوم. ورغم أنّ الاتصال كان من طرف واحد، فإنّ القدرة على تبادل الرسائل بغضّ النظر عن المسافة كانت لا تُقدَّر بثمن، خاصة في مثل هذه الظروف.

آلديباران: [مهما كان، يبدو أنّ كليهما لن يفيدا. ――لا مفرّ.]

ويبدو أنّ شرط «مرة واحدة يوميًا» مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدّة نومها، فكلّما اشتدت الحاجة، احتاجت إلى نوم أطول.

――كان المكان ضيّقًا، مظلمًا، خانقًا.

غير أنّ الوسيلة التي استخدمتها فلام لدخول النوم كانت تفوق إدراك بيترا.

ففيلت دائمًا ما كانت تسدّد ديونها بدقّة متناهية، سواء كانت ديون امتنان أم ضغينة، فلم يكن بينهما فرق عندها.

بيترا: [لم أتخيل أبدًا أنها ستخنق نفسها فجأة لتفقد الوعي…]

وكان قد تخلّص تقريبًا من جميع الحُرّاس، لكن من الأفضل أن يظل حذرًا في طريق العودة.

ميلي: [يبدو أنّها لم تستطع أن ترتاح حقًا لأنها كانت قلقة على قدّيس السيف. ولكنّ إصرارها على ذلك يعكس طبيعة أولئك المرتبطين بقدّيس السيف. إنها بالكاد أصغر منّي ومنكِ، بيترا-تشان، لكنها تختلف تمامًا عن الفتيات العاديات~.]

روي: [آه~، كان ذلك خانقًا. أفضل بكثير… إذن؟ يا عمّي، بحسب ذاكرتنا أنت مشارك في اختيار الملك، أليس كذلك؟ وإن أطلقت سراحنا، ونحن كأساقفةِ خطيئة، ألن يُسقِط ذلك سمعةً مشينةً على أميرتك الغالية――]

بيترا: [لا أظن أنكِ الشخص المناسب لتقول هذا يا ميلي-تشان.]

كانت «ميلي» هي المتحدثة، وقد كانت تستريح داخل العربة. وعندما عرضت أن تتولّى القيادة، هزّت بيترا رأسها رافضة.

سوبارو: [ومن يتحدث؟]

ولو للحظةٍ واحدةٍ بدا الأمر كذلك، فقد بدت تلك المرأة الواقفة هناك في غاية الجمال، الروعة، والنبل.

تداخلت كلمات بيترا وسوبارو، فأبدت ميلي امتعاضها بزمّ شفتيها.

؟؟؟: [لأنه… طيّب القلب.]

كان كلّ ما تسمعه هو صوت بيترا، غير أنّ انخراطهم المتعمّد في هذه الأحاديث اليومية البسيطة كان وسيلة لتجنّب مواجهة الواقع وضغط حضور الساحرة.

كانت الساحرةٌ المخيفة المفترضُ أن تُختم داخل الضريح تمدُّ يدها بلا توقُّفٍ لمعاقبة بيترا لقراءتها «كتاب الموتى» واقتحامها حقلَ المحرّمات. موجةُ الظلال السوداء التي اجتاحت العالم وهدّدت بابتلاعه تُصَدُّ الآن على يد بطلٍ واحد.

وربما بفضل هذا الهدوء الذهني استطاعوا مواصلة التقدّم بالعزم ذاته.

“سوبارو”: [انتظري، سلاحي الرئيسي سوط؟ أليس هذا مبالغًا فيه؟ أنا متعلّق ببياتريس أكثر من اللازم، ولا أستطيع مجاراة فارق الأجيال…]

؟؟؟: [――دو…دو…جيوووون!]

كان الجواب هو――

صرخة حادة مفاجئة صدرت من «باتراش»، التي كانت تبذل جهدًا يفوق الجميع، بمن فيهم بيترا وميلي وفلام.

وضعت بيترا إصبعها على شفتيها هامسة، وبجانبها أومأ سوبارو متظاهرًا بالدهشة، رافعًا كتفيه بشكلٍ مبالغ فيه. وحين رمقته بنظرة جانبية، رأته يبتسم لها ابتسامة محرجة ويومئ بيده، مما جعلها تضيق عينيها.

وبالنظر إلى ما حدث في برج المراقبة «بليادس»، كانت «باتراش» تشارك بيترا والباقين الشعور ذاته من القلق والجدية، وصهيلها الآن كان إعلانًا بأنهم بلغوا وجهتهم أخيرًا―― نهاية بحر الرمال.

لم يكن هناك شخصٌ واحدٌ أراد أن يخسره.

وفي البعيد، على حافة ذلك البحر، بدت بلدة «ميرولا» قائمة أمامهم.

إلا أنّ الشيءَ نفسه ينطبق على بترا كما على سوبارو.

ميلي: [بيترا-تشااان!]

ومع ذلك، لم تكن بترا قد غفرت لروزوال بعد.

بيترا: [أعلم!]

بترا: […أمور مثل العودة بالموت، أو القدوم من ما وراء الشلال العظيم…]

استجابت بيترا لنداء ميلي، وأمسكت باللجام بقوة وانحنت إلى الأمام.

فيلت: [… أولئك الشراهة الأوغاد، يتجرّأون على التهام أسماء الناس وذكرياتهم.]

كانت «باتراش» قد نظرت للحظة إلى الخلف، ثم أعادت تركيزها إلى الأمام، وبدأت بالاندفاع نحو خط النهاية، بعد أن ركضت دون توقّف طوال الطريق.

كانت بيترا تحبّ سوبارو، لكنها لم ترغب في أن تكونه. بل لم يكن عليها أن تصبح شخصًا يغمر الجميع بلطفٍ عشوائي كما يفعل هو.

سوبارو: [أحبكِ يا باتراش.]

ياي: [أوه، سيكون من الحكمة ألا تقولي مثل هذه الأمور بحضور آل-سان، حتى لو على سبيل الاستفزاز، حسنًا~؟ ستبدين كمن تفتقد لِحُسنِ الطبع، ولا يسرّني سماع من يسيء الكلام عن سيدي، أفهمين~؟]

همس سوبارو الخيالي، غير الملموس، بكلمات حبّ وامتنان لـ«باتراش»، لم تُقابل بالمثل.

وإن كان منزعجًا من أنه يبدو كمن يسير وفق رغبة خصمه، أجاب أخيرًا.

وبينما كانت اليد اللاملموسة تحاول مسح عنق تنين الأرض، كانت بيترا الصغيرة منشغلة برسم خارطة الطريق التي ينبغي أن يسلكوها بعد الوصول إلى ميرولا.

لكن ذلك الصراع لم يكن خيارًا اتّخذه بإرادته.

وكان الهدف النهائي من تلك الخارطة، بطبيعة الحال، إيقاف أفعال «آل»، الذي خان ناتسكي سوبارو―― لكن كان هناك ما هو أبعد من ذلك.

همس سوبارو الخيالي، غير الملموس، بكلمات حبّ وامتنان لـ«باتراش»، لم تُقابل بالمثل.

وللوصول إلى تلك الغاية――

روي: [لذا؟]

بيترا: [――هه.]

تداخلت كلمات بيترا وسوبارو، فأبدت ميلي امتعاضها بزمّ شفتيها.

اخترقت العربة أخيرًا بوابة المدينة، وبلغت «ميرولا». وفي تلك اللحظة فتحت بيترا فمها على اتساعه لتتحدث، مدركة أنّهم قد عبروا كثبان «أوغريا» الرملية.

إذ إنه ذهب في مهمة منفصلة عن فيلت وياي، وكانت وجهته――

ولتحقيق أيٍّ من هذه الأمور، كان عليهم أولًا أن يطلبوا مساعدة شخصٍ بعينه―― شخصٍ لم يتمكّن من دخول كثبان «أوغريا»، وقد ودّعهم عند هذا المكان من قبل.

أخذ نَفَسه عنوةً ليُنظّم اضطراب تنفّسه ونبضه، ثم ألقى نظرة على الغرفة الحجرية التي غدت فوضوية إلى حدٍّ بالغ في دقيقة واحدة فقط، ورفع كتفيه.

وكأنها تتحدث في تناقضٍ مقصود――

وكان الهدف النهائي من تلك الخارطة، بطبيعة الحال، إيقاف أفعال «آل»، الذي خان ناتسكي سوبارو―― لكن كان هناك ما هو أبعد من ذلك.

بيترا: [لقد عدنا، لذا ساعدنا! أعلم أنك تسمعني، كليند-نيساما!]

إذ لم يكن تأثير «كتاب الموتى» أمرًا إيجابيًا محضًا يسمح لها برؤية صورة سوبارو الوهمية.

نعم، رفعت بيترا صوتها تنادي الورقة الرابحة التي يمكنها أن تردم أيّة هوّة.

ولا شخصٌ واحدٌ كرهه إلى حدّ تمني زواله.

ففيلت دائمًا ما كانت تسدّد ديونها بدقّة متناهية، سواء كانت ديون امتنان أم ضغينة، فلم يكن بينهما فرق عندها.

بعبارةٍ بسيطة، ازدادت بترا طولًا وطال شعرها، وهي تفخر كثيرًا بتقدّمها المذهل كخادمةٍ وكأنثى.

فيلت: [ليس كلّ يوم تتاح لك فرصة ركل مؤخرة تنين، ناهيك عن كونه التنين الإلهي. إن فكّرتِ بالأمر من هذه الزاوية، فأن تُحتجز رهينة يبدو مضحكًا نوعًا ما، أليس كذلك؟]

تزحف على الأرض الباردة، قبيحة الشكل ومرعبة، كانت إحدى حشرات الزودا، تلك الحشرات الممقوتة من قِبَل الجميع في هذا العالم. كانت تعادل الصرصور في عالمنا؛ يمكن العثور عليها في أي مكان، لذا لم يكن غريبًا أن تظهر في برج السجن. ――لكن آلديباران لم يفكّر بتلك الطريقة.

ياي: [آه، كم أنتِ قوية~، قوية نفسيًا لدرجة أن حتى ياي تشان تشعر بالرهبة منكِ. حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فأنا خائفة من أن تغوين فول-ساما، لذا لا أريدكِ أن تقتربي منه، يا فيلت-ساما.]

آلديباران: [――هناك شخص أريدك أن تبتلعه باستخدام سلطتك. ولن أقبل رفضًا.]

فيلت: [ومع ذلك، فإن جعل والد راينهارد يراقب التنين الإلهي أمر في غاية السوء، إن سألتِني.]

فيلت: [قضم.]

ياي: [مع رغبة هاينكل-ساما في الحصول على دم التنين، أظن أنّ ذراعًا أو ذراعين أو ثلاثًا قد تنبثق من حنجرته. آمل فقط ألا يبالغ ويهاجم فول-ساما فعلًا.]

لطالما حملت عيناهما الأرجوانيتان نورًا هادئًا لطيفًا. ――لكن ليس الآن؛ فقد كانت تشتعلان بنار الغضب.

ابتسمت ياي بمكر، واضعة إصبعًا على شفتيها، غير أنّ مضمون كلامها كان يخلو من البراءة.

كلمات روي الزلقة توافقت مع الحشرة الصغيرة التي رآها آلديباران.

بل، ومن وجهة نظرها، حتى لو تحقق هذا السيناريو المتخيّل―― أن يُقتل هاينكل بتهوّر على يد التنين الإلهي―― فالأرجح أنها لن تتأثر مطلقًا. كان ذلك جزءًا من طبيعتها القاسية، بما في ذلك موقفها تجاه هاينكل، الذي يُفترض أنّه رفيقها.

تزحف على الأرض الباردة، قبيحة الشكل ومرعبة، كانت إحدى حشرات الزودا، تلك الحشرات الممقوتة من قِبَل الجميع في هذا العالم. كانت تعادل الصرصور في عالمنا؛ يمكن العثور عليها في أي مكان، لذا لم يكن غريبًا أن تظهر في برج السجن. ――لكن آلديباران لم يفكّر بتلك الطريقة.

وبالطبع، كان التنين الإلهي بارزًا جدًا بحيث لا يمكن السماح له بالاقتراب من العاصمة الملكية؛ وفوق ذلك، فإن إبقاءه بالقرب من فيلت، التي كان لها تأثير ساحر في ذهنه، كان أمرًا مستحيلًا. ومن ثمّ، كان من الطبيعي أن تبدو الترتيبات منحرفة بعض الشيء.

آلديباران: [――تبًا، لقد ارتكبت خطأً!]

ياي: [لستِ فقط حسناء قادرة على إسقاط أمة، بل أنتِ أيضًا فتاة جميلة قادرة على إسقاط تنين، يا فيلت-ساما.]

في أسوأ الحالات، لم يكن لدى “أل” وسيلةٌ حقيقية لإيقاف “ساحرة الحسد”، وكان مستعدًا لترك العالم يهلك، آخِذًا معه قلبه وعقله الميّتَين.

فيلت: [هذا سبب آخر يجعلكِ تستحقين الركل… لكن قولي الحقيقة، هل يمكن لذلك العجوز حقًا أن يحصل على دم التنين الذي يريده من ذلك التنين الأبله؟]

روي: [وما شروط العهد؟]

ياي: [من يدري؟ آه~، لكن إن لم ينجح ذلك، فسيُبقي آل-ساما على وعده، حتى لو اضطر إلى استخراج دم التنين الأكبر المخزَّن في مكانٍ ما داخل القصر. بهذه الطريقة، يجب أن تستفيق زوجة هاينكل-ساما النائمة. ولكن من وجهة نظركِ، يا فيلت-ساما، لا تبدين راضية عن هذا الترتيب، أليس كذلك؟]

كان العبء الذي يحمله ناتسكي سوبارو أعظم بكثير مما تخيّلته بترا.

فيلت: [صحيح تمامًا. بصراحة، لستُ من محبّي هذا النهج.]

بعبارةٍ بسيطة، ازدادت بترا طولًا وطال شعرها، وهي تفخر كثيرًا بتقدّمها المذهل كخادمةٍ وكأنثى.

كانت قد صرّحت بذلك لهاينكل مباشرة، رغم أعذاره التي لا تنتهي.

بدون اكتراثٍ للعواقب، قادت عربةُ التنين لعدة ساعاتٍ — قطعت مسافةً بعيدةً من برج بليادس — ومع ذلك ظل الضغط قائمًا، رافضًا أن ينجو بيترا ورفاقها.

لم تكن فيلت تحبّ هذه الخطة. ومع ذلك، لم يكن من المنطقي أن يُنكر الغرباء أفكار وأفعال من هم معنيّون بها مباشرة.

ولذلك، استمر ناتسكي سوبارو في فقدان حياته، مكرّرًا دورة العودة بالموت.

ولذا، حتى لو أدّى ذلك إلى إيقاظ والدة راينهارد، كانت فيلت تفضّل أن تسلك طريقًا آخر لتحقيق ذلك الهدف، بدلًا من اتّباع طريق هاينكل.

بيترا: [――――]

فيلت: [――؟ ما الأمر؟]

لا بترا ولا سوبارو يملكان رخصة قيادة، ولا يتذكّران أنهما قادا تحت تأثير الكحول، لكنه الأمر ذاته في المعنى.

فجأة، وبينما كانت فيلت متكئة على الأريكة في الصالون، لاحظت نظرات ياي المُركّزة نحوها، فعقدت حاجبيها.

سوبارو: [ومن يتحدث؟]

هزّت ياي رأسها نافية بلطف:

ولا مرةً واحدة، انتهى به المطاف دون شعورٍ بالخسارة.

ياي: [فقط ظننت أنّ ذلك غير متوقع… أن تكوني أنتِ، يا فيلت-ساما، من يرغب في إيقاظ زوجة هاينكل-ساما―― أي، والدة السياف المقدّس.]

روي: [――هاهاه~، تقول أشياء طريفة، يا عمّي ذي الخوذة~.]

فيلت: [… تعلمين، ذلك الأحمق يجلس بجانبي عندما نأكل سويًا.]

وإن اعتبرت ذلك تدريبًا، فإن سوبارو المتخيَّل أمامها بدا أكثر واقعيةً وحياةً، كأنه حقيقيٌّ تمامًا.

ياي: [――؟]

إنّ «بركة حماية النُّطق الذهني» لدى فلام تتيح لها التواصل مع شقيقتها التوأم مرة واحدة في اليوم. ورغم أنّ الاتصال كان من طرف واحد، فإنّ القدرة على تبادل الرسائل بغضّ النظر عن المسافة كانت لا تُقدَّر بثمن، خاصة في مثل هذه الظروف.

ارتسمت على وجه ياي نظرة حيرة حين قالت فيلت ما بدا وكأنه كلام لا صلة له بالموضوع، لكن فيلت تابعت حديثها متجاهلة ارتباكها.

ياي: [لا لا، آل-سان بالتأكيد لن يفقد أعصابه. لكني أظنّ أنه سيتألم. وهذا ما لا أقبله.]

في معسكر فيلت، عند حلول وقت الطعام، كان فلام وغراسيس يناديان الجميع، ومع استثناء مقعد فيلت المعتاد في رأس المائدة، كانت المقاعد تُشغل حسب من يصل أولًا، وغالبًا ما كان راينهارد يجلس بجانبها.

آلديباران: [ما سأقيده عليك ليس ألمًا ولا مشاعرَ، بل وعدٌ.]

و――

وقد كان ذلك أشدّ صعوبة على فتاة مسؤولة مثل ميلي.

فيلت: [وأنا آكل، أُحدّق مباشرة بجانبه. لو تحسّن ذلك المنظر قليلًا، لكان الطعام أطيب، أليس كذلك؟]

آلديباران: [لا أنوي ذلك، وإن شئت لأفعلتُها بنفسي. لقد تعمّدت أن أطلق سراح شيطانٍ مقيتٍ مثلك لأن هناك شيئًا لا يقدر على فعله سواك.]

ياي: [… أستسلم. لستِ فتاة جميلة فحسب، بل أنتِ رجل وسيم أيضًا، يا فيلت-ساما~!]

ياي: [لستِ فقط حسناء قادرة على إسقاط أمة، بل أنتِ أيضًا فتاة جميلة قادرة على إسقاط تنين، يا فيلت-ساما.]

فيلت: [لا أعلم ما الذي تهذّين به، لكنني سأركلكِ مرةً إضافية على ذلك.]

ياي: [إيييه~، لِماذااا؟!]

فيلت: [رغم أنه ليس أمرًا يُقاس بالأرقام، إلا أنه بلغ حدًّا يجعلكِ تتساءلين كم من المصاعب قد تم تجاوزها. ناهيك عن استخدام الساحرة لتشتيت راينهارد، فذلك لا يزال منطقيًا. لكن، رئيس خطيئة؟]

أدارت فيلت وجهها بعيدًا ولم تجب، بينما عبست ياي في استياء.

بلا شك، لقد سلب العديد من الأعداء والعقبات والكوارث القاسية حياة ناتسكي سوبارو. تلك حقيقة لا ريب فيها.

لقد اعتادت أن تكون رهينة، وهو وضع لا يخلو من المهانة، غير أنّ الحفاظ على التوازن النفسي في مثل هذا الموقف يستلزم التحفّظ في الكلام.

فيلت: [… أولئك الشراهة الأوغاد، يتجرّأون على التهام أسماء الناس وذكرياتهم.]

ولهذا، عند إبقاء من عَلِق بالصنارة في حدود التوتر المقبول――

أما إن كانت تلك الابتسامة تعني القبول أم الرفض، فلم يكن آلديباران يعلم. ومهما يكن، فإرادة روي لا شأن لها بالأمر.

ياي: [حسنًا، حسنًا، أعتذر إن أزعجتكِ. خذي هذا الآن.]

لم يزدِ الأمر سوى فُجاجةً ونفورًا، ولم يقدّم عزاءً بل زاد تعاسةَ الأحياء.

قالت ذلك بلطف، وهي تقدّم صينية فضية عليها نوع من الخبز المحشوّ والمحمّص كوجبة خفيفة، فما كان من معدة فيلت إلا أن أصدرت صوتًا خافتًا.

وربما بفضل هذا الهدوء الذهني استطاعوا مواصلة التقدّم بالعزم ذاته.

ضحكت ياي عند سماع ذلك:

لقد اعتادت أن تكون رهينة، وهو وضع لا يخلو من المهانة، غير أنّ الحفاظ على التوازن النفسي في مثل هذا الموقف يستلزم التحفّظ في الكلام.

ياي: [حتى هنا توجد حشرات الزودا؟]

روي: [هاه~، ستتكرّم بذلك؟ ما هذا؟ بدأت تشعر بالشفقة على الطفل الذي كسرت أطرافه؟ ولكن أعتقد أنّ البالغ العاقل لا يبقى هادئًا بعد كسر أطراف طفل بريء، أليس كذلك؟ حسنًا، وصفك بالبالغ العاقل بهذا الشكل وهذه الخوذة قد يكون موضع نقاش~.]

فيلت: [هؤلاء الأوغاد في كل مكان، حتى في معدتي… لا تجعليني أفكر في أمر مقرف كهذا. أعطيني الطعام حالًا.]

――كان المكان ضيّقًا، مظلمًا، خانقًا.

رمقتها فيلت بنظرة حادّة، وخطفت منها الصينية الفضية، ثم قضمت قطعة من الحَساميّاكي (الخبز المحشوّ)، الذي انبعثت منه رائحة دافئة عذبة، وكان طعمه متوازنًا ولطيفًا. أعجبها الطعم، فابتسمت لياي رافعة إبهامها للأعلى.

لطالما علمت أن سوبارو يهتم بها اهتمامًا كبيرًا. بالطبع هناك إميليا وبياتريس، ولا ننسى ريم. لم تكن متوهِّمة بحيث تظنّ أنه يخصّها بما يختلف عنهن، لكنها كانت متيقنة―― بأنها تحتلُّ زاويةً خاصّةً في قلب ناتسكي سوبارو، ذلك المكان الذي يحتفظ فيه بأعزّ ما يملك.

ياي: [ما رأيكِ في الحَساميّاكي؟ صدّقي أو لا تصدّقي، إنه الطبق الوحيد الذي أتقنه~.]

كان هذا الردّ، بعد أن كُسرت ذراعاه وساقاه بعنايةٍ تأديبية، دليلًا على شقاوته الفاضحة. وحتى في عصر شووا، الذي كان يُرجَّح فيه العقاب الجسدي، لما كان هذا المستوى من التأديب ليُعتبر مقبولًا.

فيلت: [لذيذ حقًا… لكن إن كان هذا طبقكِ الوحيد، فذاك أمر آخر. أنتِ خادمة نوعًا ما، أليس كذلك؟ أم أن كونكِ خادمة كان كذبة، وأنكِ في الحقيقة قاتلة؟]

إنّ «بركة حماية النُّطق الذهني» لدى فلام تتيح لها التواصل مع شقيقتها التوأم مرة واحدة في اليوم. ورغم أنّ الاتصال كان من طرف واحد، فإنّ القدرة على تبادل الرسائل بغضّ النظر عن المسافة كانت لا تُقدَّر بثمن، خاصة في مثل هذه الظروف.

ياي: [هممم، الاغتيال من الوظائف الأساسية للنينجا، لكن الجزء المتعلّق بكوني خادمة حقيقي. غير أن التنظيف هو اختصاصي أكثر من الطبخ. آه، وكنت أكذب حين قلت إن الحَساميّاكي هو الطبق الوحيد الذي أبرع فيه؛ فأنا أيضًا أجيد إعداد اللفائف.]

إذ إنه ذهب في مهمة منفصلة عن فيلت وياي، وكانت وجهته――

فيلت: [في النهاية، أليس كلاهما مجرد حشو مكوّنات بين خبز؟]

ولهذا، كان عليها ألّا تتعاطف كثيرًا مع ناتسكي سوبارو.

وبالمناسبة، كان انطباع فيلت أن اللفائف تحتوي على مكوّنات أكثر من الخضروات. في الحقيقة، لم تكن تفرّق تمامًا بين اللفائف والحَساميّاكي.

كان هذا الردّ، بعد أن كُسرت ذراعاه وساقاه بعنايةٍ تأديبية، دليلًا على شقاوته الفاضحة. وحتى في عصر شووا، الذي كان يُرجَّح فيه العقاب الجسدي، لما كان هذا المستوى من التأديب ليُعتبر مقبولًا.

على أيّ حال، شعرت بالاطمئنان لأن الرهائن يتلقّون طعامًا جيدًا، ولم تعد تشكّ في وعود آلديباران من هذه الناحية.

كان ذلك جزءًا من الانتقام الذي كان يُحصيه.

ومع ذلك، فقد كانت أفعاله، رغم غيابه الحالي، تُثير تساؤلًا كبيرًا.

من أجل الحصول على دعم في العاصمة الملكية، أمر ياي بمراقبة فيلت وتركهما ينتظران في فيلا بارييل. كان لايب بارييل قد أعدّ ذلك القصر في الأصل، لكن الخطط تغيّرت كثيرًا بتدخل بريسيلا، ولذلك بُنيت الفيلا بصيغتها الحالية.

إذ إنه ذهب في مهمة منفصلة عن فيلت وياي، وكانت وجهته――

وبينما كانت اليد اللاملموسة تحاول مسح عنق تنين الأرض، كانت بيترا الصغيرة منشغلة برسم خارطة الطريق التي ينبغي أن يسلكوها بعد الوصول إلى ميرولا.

فيلت: [――هل ينوي ذلك الأحمق ذو الخوذة فعلًا تحرير أحد رؤساء الخطايا؟]

؟؟؟: [――دو…دو…جيوووون!]

لو صدقت كلماته، فإن إعلانه―― أنه سيحرّر رئيس خطيئة الشراهة المسجون في برج السجن بالعاصمة الملكية―― كان أمرًا لا يمكن الاستهانة به.

لقد اعتادت أن تكون رهينة، وهو وضع لا يخلو من المهانة، غير أنّ الحفاظ على التوازن النفسي في مثل هذا الموقف يستلزم التحفّظ في الكلام.

ففي الوقت الراهن، تحتجز مملكة لوغونيكا اثنين من رؤساء الخطايا: الغضب والشراهة. وكانت فيلت قد التقت رؤساء الخطايا مباشرة في بريستيلا، حيث تركوا فيها انطباعًا عميقًا من الرعب والوحشية. وتساءلت حينها كيف يمكن للعالم أن يحتوي على أناس لا أمل في خلاصهم.

لقد اعتادت أن تكون رهينة، وهو وضع لا يخلو من المهانة، غير أنّ الحفاظ على التوازن النفسي في مثل هذا الموقف يستلزم التحفّظ في الكلام.

فيلت: [في بريستيلا، التقيتُ بالشراهة… إما الأخ الأكبر أو الأصغر للمسجون حاليًا، وكذلك الأخت الصغرى. وذهبت مع راينهارد لنقل الغضب. لذا دعيني أخبركِ، ما يحاول ذلك الأحمق فعله جنون محض.]

ياي: [من يدري؟ آه~، لكن إن لم ينجح ذلك، فسيُبقي آل-ساما على وعده، حتى لو اضطر إلى استخراج دم التنين الأكبر المخزَّن في مكانٍ ما داخل القصر. بهذه الطريقة، يجب أن تستفيق زوجة هاينكل-ساما النائمة. ولكن من وجهة نظركِ، يا فيلت-ساما، لا تبدين راضية عن هذا الترتيب، أليس كذلك؟]

ياي: [على الأرجح~. ففي النهاية، لا تُنجز الأعمال العظيمة حقًا إلا إن خالطها شيء من الجنون. كل ما نظّمه آل-ساما حتى الآن، أليس استثنائيًا؟]

تذكّرت كروش، التي التُهِمت ذكرياتها، وحكاية الفارس يوليوس، فارس أناستازيا، الذي أُكل اسمه. ثم تلك الفتاة في معسكر إميليا التي قيل إن سوبارو يسعى لإيجاد وسيلة لإيقاظها. ―ـ ربما كانت تلك الفتاة قريبة الشبه بـ “الجميلة النائمة” التي تعرفها فيلت ومن معها.

فيلت: [رغم أنه ليس أمرًا يُقاس بالأرقام، إلا أنه بلغ حدًّا يجعلكِ تتساءلين كم من المصاعب قد تم تجاوزها. ناهيك عن استخدام الساحرة لتشتيت راينهارد، فذلك لا يزال منطقيًا. لكن، رئيس خطيئة؟]

بيترا: [لقد عدنا، لذا ساعدنا! أعلم أنك تسمعني، كليند-نيساما!]

ياي: [من الطبيعي أن يكون هذا ضروريًا لتحقيق هدف آل-ساما، أليس كذلك~؟]

«سوبارو»: [إذا هُزِمَ راينهارد، فكلُّ شيءٍ سينتهي.]

فيلت: [حتى أنتِ لا تعلمين التفاصيل؟]

تحوّل تعبير روي إلى ملامح ألمٍ شديد حين داس آلديباران بقوةٍ على كتفه المكسور. وطأَ كعبُه بعنايةٍ على عظامه المهشّمة قبل أن يرفع قدمه.

وضعت ياي يديها خلف ظهرها وابتسمت دون أن تجيب.

من أجل الحصول على دعم في العاصمة الملكية، أمر ياي بمراقبة فيلت وتركهما ينتظران في فيلا بارييل. كان لايب بارييل قد أعدّ ذلك القصر في الأصل، لكن الخطط تغيّرت كثيرًا بتدخل بريسيلا، ولذلك بُنيت الفيلا بصيغتها الحالية.

لكن هذا الرد كان متوقّعًا؛ إذ لم تكن فيلت تعرف النوايا الحقيقية لياي في اتباع آلديباران، لكنها شعرت أنها تحمل إيمانًا عميقًا، هوسًا لا يلين، يجعلها ترفض الابتعاد عن جانبه مهما كانت الظروف.

ياي: [ما رأيكِ في الحَساميّاكي؟ صدّقي أو لا تصدّقي، إنه الطبق الوحيد الذي أتقنه~.]

ولذلك، لم تفكّر في انتظار الإجابات، بل قرّرت أن تبحث عنها بنفسها.

كلّ ذلك―― لا، ما تعلّمته بترا اليوم لم يكن سوى جزءٍ ضئيلٍ جدًا منه.

فيلت: [… أولئك الشراهة الأوغاد، يتجرّأون على التهام أسماء الناس وذكرياتهم.]

متجاهلةً توسلات قلبها الفاضحة، ركّزت بترا نظرها إلى الأمام نحو البحر الرمليّ الممتدّ بلا نهاية أمامها.

تذكّرت كروش، التي التُهِمت ذكرياتها، وحكاية الفارس يوليوس، فارس أناستازيا، الذي أُكل اسمه. ثم تلك الفتاة في معسكر إميليا التي قيل إن سوبارو يسعى لإيجاد وسيلة لإيقاظها. ―ـ ربما كانت تلك الفتاة قريبة الشبه بـ “الجميلة النائمة” التي تعرفها فيلت ومن معها.

روي: [هاه~، ستتكرّم بذلك؟ ما هذا؟ بدأت تشعر بالشفقة على الطفل الذي كسرت أطرافه؟ ولكن أعتقد أنّ البالغ العاقل لا يبقى هادئًا بعد كسر أطراف طفل بريء، أليس كذلك؟ حسنًا، وصفك بالبالغ العاقل بهذا الشكل وهذه الخوذة قد يكون موضع نقاش~.]

وعلى أيّ حال――

فبالطبع، لروزوال فضلٌ كبير في أحداثٍ عديدة، لا سيّما ما يتعلّق بالإمبراطورية، لكن تلك مسألةٌ منفصلة، وقد قررت بترا ألّا تغفر له أبدًا.

فيلت: [――لا بد أن لديه ما يريد إطعامهم إياه. وإلا، فلا سبب يدفعه لإخراج ذلك الوغد الشره.]

لم يكن واضحًا إلى أيّ مدى أثّر سوبارو على طريقة تفكير بيترا الحالية.

رهينة مقيّدة الحرية، غير أنّ روح فيلت أبت أن تنكسر.

آلديباران: [مهما كان، يبدو أنّ كليهما لن يفيدا. ――لا مفرّ.]

لقد تعلّمت تلك الفلسفة الحياتية من روم-جي العجوز، أحد الرجال القلائل الجديرين بالثقة مثل راينهارد: «عِش بقوّة».

كان قصرًا يحمل بصمات ذوق بريسيلا في التصميم، وعلى الرغم من الحاجة لقاعدةٍ للعمليات، لم يكن آلديباران راغبًا في المكوث فيه طويلًا.

فيلت: [قضم.]

آلديباران: [… قلت لك إنك لو أطعتني واتّبعتني فلن آخذ حياتك، لكنك ذهبت وفعلت ما يناقض ذلك فورًا. حتى حين ينوي الخائن الغدر، فعادةً ما ينتظر قليلاً حتى تحين الفرصة.]

بجرأة، وبينما تملأ بطنها بالحَساميّاكي، كرّست نفسها لتطبيق تلك الفلسفة.

حتى وصفه بـ «زنزانة انفرادية» بدا تلطيفًا مبالغًا فيه، إذ لم تكن هناك أيّ نية لإبقاء من فيه على قيد الحياة. ومع ذلك، فإن وصف ذلك المكان ومن بداخله بـ «القسوة» أو «انعدام الرحمة» سيكون بدوره ضربًا من القسوة.

فبمواصلة التفكير والتقدّم، ستُخلق مساحة تصل إليها يدها. استعدادًا لتلك اللحظة، لحست بلسانها ما تبقّى من الصلصة العالقة في زاوية فمها.

بترا: […أمور مثل العودة بالموت، أو القدوم من ما وراء الشلال العظيم…]

وعلى مقربةٍ منها――

أما إن كانت تلك الابتسامة تعني القبول أم الرفض، فلم يكن آلديباران يعلم. ومهما يكن، فإرادة روي لا شأن لها بالأمر.

ياي: [… واااه، هناك فعلًا حشرات الزودا. مع أنه لم تمضِ سوى أيام قليلة منذ عُزل الحارس، يا لها من فوضى~.]

بيترا: [أعلم!]

سواء أكانت هي الحشرة نفسها التي رأتها فيلت سابقًا أم غيرها، فقد بدا أن ياي اكتشفت عدوّ البشرية، وبدأت تتذمّر بامتعاض.

بيترا: [――. أعلم. لا أريد أن أموت أيضًا… أليس لدى آل-سان طريقة لإيقاف الساحرة؟]

△▼△▼△▼△

ياي: [فقط ظننت أنّ ذلك غير متوقع… أن تكوني أنتِ، يا فيلت-ساما، من يرغب في إيقاظ زوجة هاينكل-ساما―― أي، والدة السياف المقدّس.]

――كان المكان ضيّقًا، مظلمًا، خانقًا.

أما سوبارو، فقد أصبح أقرب إلى بياتريس، وأكثر صخبًا مع أوتو وغارفيل، ونما بجوار إيميليا ليبلغ صورةً ناضجةً ورزينةً عن الرجولة.

حتى وصفه بـ «زنزانة انفرادية» بدا تلطيفًا مبالغًا فيه، إذ لم تكن هناك أيّ نية لإبقاء من فيه على قيد الحياة. ومع ذلك، فإن وصف ذلك المكان ومن بداخله بـ «القسوة» أو «انعدام الرحمة» سيكون بدوره ضربًا من القسوة.

لكن، أنا أعلم. ―ـ أنا أعلم حقًا.

فالمسجون هناك كان قد ارتكب من الشرور ما لا يُحصى في هذا العالم، زنديقًا لا نظير له.

اخترقت العربة أخيرًا بوابة المدينة، وبلغت «ميرولا». وفي تلك اللحظة فتحت بيترا فمها على اتساعه لتتحدث، مدركة أنّهم قد عبروا كثبان «أوغريا» الرملية.

كان الفارق شاسعًا بين أساليب السجن المعتادة، وبين هذا «التابوت الأسود» الذي يُفصل فيه الكائن عن العالم، فلا يعود بحاجة إلى تنفّس أو نبض. ولذلك، لم تكن هناك حاجة لتوفير أيّ من مقومات الحياة.

؟؟؟: [――يكفي.]

ولهذا السبب بالذات، لم يكن هناك مكان أنسب لتبادل اللعنات.

ياي: [مع رغبة هاينكل-ساما في الحصول على دم التنين، أظن أنّ ذراعًا أو ذراعين أو ثلاثًا قد تنبثق من حنجرته. آمل فقط ألا يبالغ ويهاجم فول-ساما فعلًا.]

؟؟؟: [――عذرًا، يبدو أنني مكبوت للغاية. لم أستطع كبح نفسي.]

لم يكن واضحًا إلى أيّ مدى أثّر سوبارو على طريقة تفكير بيترا الحالية.

كان ذلك جزءًا من الانتقام الذي كان يُحصيه.

ياي: [هممم، الاغتيال من الوظائف الأساسية للنينجا، لكن الجزء المتعلّق بكوني خادمة حقيقي. غير أن التنظيف هو اختصاصي أكثر من الطبخ. آه، وكنت أكذب حين قلت إن الحَساميّاكي هو الطبق الوحيد الذي أبرع فيه؛ فأنا أيضًا أجيد إعداد اللفائف.]

ومع صوت خطوات تخرج من على الأرض الصلبة الباردة، أسند ظهره إلى جدار الغرفة الضيّقة. ارتطم مؤخر خوذته بالجدار، وأحدث صوت الحديد المرتطم بالصخر صدىً قاسيًا أفسد سكون الغرفة الحجريّة.

――قديسُ السيف، راينهارد فان أسترِيا.

وبينما كان يحاول التقاط أنفاسه المضطربة، كان هناك جسد ممدّد أمام قدميه―― قدمي آلديباران―― يلهث بصعوبة، مطروحًا على وجهه بلا حراك.

“سوبارو”: [――بترا.]

ذلك الجسد كان لذاك المدنَّس الذي منحتْه مملكة لوغونيكا هذه الحجرة الحجرية المصمّمة كزنزانة انفرادية.

أعلن ذلك، ثم أدخل آلديباران إبهامه تحت فك خوذته وعضّ طرف إصبعه. ومع ألمٍ حادّ، سالت قطرة دمٍ؛ فأمدَّ إصبعه الملطَّخ بالدم نحو روي.

وقد هُزم من دون أن يتمكّن من الردّ، وسقط على يد آلديباران، خاسرًا بائسًا―― كبير أساقفة الخطايا من طائفة الساحرة، ممثّل الشراهة، روي ألفارد، بلحمه ودمه.

آلديباران: [حقًّا، لم أكن أظنّ أنّي سأضطرّ لتكرار نفس تجارب المحاولة والخطأ التي مررت بها مع راينهارد…]

آلديباران: [――――]

ولو للحظةٍ واحدةٍ بدا الأمر كذلك، فقد بدت تلك المرأة الواقفة هناك في غاية الجمال، الروعة، والنبل.

شهيق عميق، وزفير طويل.

روي: [يا له من موقفٍ بارد~.]

أخذ نَفَسه عنوةً ليُنظّم اضطراب تنفّسه ونبضه، ثم ألقى نظرة على الغرفة الحجرية التي غدت فوضوية إلى حدٍّ بالغ في دقيقة واحدة فقط، ورفع كتفيه.

تحت تأثير تدخل ساحرة الحسد الرهيب، وباستخدام حياته مرارًا وتكرارًا لإزالة كل معاناةٍ وعقبةٍ واجهها، استعمل ناتسكي سوبارو تلك السلطة، العودة بالموت، مرةً تلو أخرى.

بجدران متصدّعة وأرضية محطّمة، يمكن وصف الخراب الذي حلّ بهذه الغرفة الضيّقة―― التي لم تُلقَ لها أيّ عناية في الصيانة―― بأنه فوضى لا تسمح حتى بموطئ قدم. وبالنظر إلى أنّ حجمها لا يتعدّى حجم حمّام مقهى، فكيف اندلعت فيها معركة بهذا الحجم؟

فإن الحقيقة المطلقة التي أكّدها كلٌّ من بترا وسوبارو آنفًا لم تعد قائمة.

لكن ذلك الصراع لم يكن خيارًا اتّخذه بإرادته.

سوبارو: [――هذا مرفوض تمامًا. لن أسمح بحدوث ذلك، حتى لو كلفني حياتي.]

آلديباران: [… قلت لك إنك لو أطعتني واتّبعتني فلن آخذ حياتك، لكنك ذهبت وفعلت ما يناقض ذلك فورًا. حتى حين ينوي الخائن الغدر، فعادةً ما ينتظر قليلاً حتى تحين الفرصة.]

تحت تأثير تدخل ساحرة الحسد الرهيب، وباستخدام حياته مرارًا وتكرارًا لإزالة كل معاناةٍ وعقبةٍ واجهها، استعمل ناتسكي سوبارو تلك السلطة، العودة بالموت، مرةً تلو أخرى.

روي: [――هاهاه~، تقول أشياء طريفة، يا عمّي ذي الخوذة~.]

تزحف على الأرض الباردة، قبيحة الشكل ومرعبة، كانت إحدى حشرات الزودا، تلك الحشرات الممقوتة من قِبَل الجميع في هذا العالم. كانت تعادل الصرصور في عالمنا؛ يمكن العثور عليها في أي مكان، لذا لم يكن غريبًا أن تظهر في برج السجن. ――لكن آلديباران لم يفكّر بتلك الطريقة.

كلمات آلديباران التي خالطها الأسف أثارت ضحكة عنيدة من روي، الذي كان ما يزال ممدّدًا على الأرض.

آلديباران: [لا تُبدِ مقاومةً لا طائلَ منها. مارست هذا الأمر بما فيه الكفاية لأستطيع رسمه مغمضَ العينين… لكن هذه ستكون المرّة الأولى التي أختبر فيها فاعليته.]

وبينما لا يزال على بطنه، وجّه روي نظرة حادّة إلى آلديباران القابع عند الجدار، ولعق شفتيه بلسانه الطويل في حركة شهوانيّة متوحّشة.

وبنبرة مقزِّزة وهو يلعق شفتيه، تحدّث روي بلا مبالاة عن موت نظيره. وقد أزعجت تلك اللامبالاة آلديباران دون أن يدرِ.

روي: [هل تقول إن علينا، نحن الذين لا نعرف سوى الجوع مرارًا وتكرارًا، أن نتعلّم انتظار الإذن؟ ألن يُعدّ هذا أساسًا لتوجيه اتهام تعذيب الأطفال؟]

لكن روي ألفارد لم يكن مجرد مشاغبٍ فحسب، بل كان أيضًا كبيرَ أساقفةِ الخطايا قبل كل شيء. لذا رآه آلديباران مخاطرةً تبرُّها الضرورة.

آلديباران: [للأسف، لا أتحمّل مسؤولية تربية شيطانٍ مثلك. يقال إن جيرانَ عصر شووا كانوا يشاركون في تأديب الأطفال حتى لو لم يكونوا من العائلة، لكن هذه لوغونيكا، ولسنا في عصر شووا. على أيّ حال، لقد لقّنتك درسًا وجيهًا بالفعل. فلا أستطيع إنكار تهمة التعذيب.]

آلديباران: [لا أنوي ذلك، وإن شئت لأفعلتُها بنفسي. لقد تعمّدت أن أطلق سراح شيطانٍ مقيتٍ مثلك لأن هناك شيئًا لا يقدر على فعله سواك.]

وضع يده على قطعةٍ معدنية في خوذته فأصدر صوت نقرٍ معدني؛ فردّ عليه روي ضاحكًا ببهجة: «هاها~».

فبالطبع، لروزوال فضلٌ كبير في أحداثٍ عديدة، لا سيّما ما يتعلّق بالإمبراطورية، لكن تلك مسألةٌ منفصلة، وقد قررت بترا ألّا تغفر له أبدًا.

كان هذا الردّ، بعد أن كُسرت ذراعاه وساقاه بعنايةٍ تأديبية، دليلًا على شقاوته الفاضحة. وحتى في عصر شووا، الذي كان يُرجَّح فيه العقاب الجسدي، لما كان هذا المستوى من التأديب ليُعتبر مقبولًا.

لكن لو راودتها تلك الفكرة ولو لوهلة――

لكن روي ألفارد لم يكن مجرد مشاغبٍ فحسب، بل كان أيضًا كبيرَ أساقفةِ الخطايا قبل كل شيء. لذا رآه آلديباران مخاطرةً تبرُّها الضرورة.

حتى إن فقد شيئًا من سحره الذكوري الجريء، فإن لطفه وسحر شخصيته ما زالا يجتمعان في توليفةٍ لا تُقاوَم.

آلديباران: [لم أظنّ أن الأمر سيمضي بسلاسةٍ على أي حال.]

ربما، بل بلا ريب، اعتقدت بترا بشيءٍ من البلادة أنّ قلبها قد جُرح بعمق، وأن توازنها النفسيّ قد تحطّم تمامًا، وأنها صارت في حالةٍ شديدة الخطورة.

تمتم بذلك، وختم العدّ في ذهنه عند الرقم ستة آلاف واثنين وعشرين.

سوبارو: [――هذا مرفوض تمامًا. لن أسمح بحدوث ذلك، حتى لو كلفني حياتي.]

ذلك العدُّ الرقمي، الذي لم يعد بحاجةٍ إلى شرح، كان عددَ المحاولات التي تطلّبتها السيطرة على روي ألفارد المتمرّد. ولو عدَّ عظامَ الأسنانِ المكسورة لضاع العدد بسهولة؛ هكذا كان حجم الجهد في تأديب هذا الطفل الشيطاني.

وضعت ياي يديها خلف ظهرها وابتسمت دون أن تجيب.

آلديباران: [حقًّا، لم أكن أظنّ أنّي سأضطرّ لتكرار نفس تجارب المحاولة والخطأ التي مررت بها مع راينهارد…]

لا بأس، يمكنها السيطرة على نفسها.

فقد استعمل روي ألفارد لقبه «آكل الشراهة» بالكامل، واستغل قدرة الخسوف لاستنساخ قدرات وأساليب الذين ابتلعهم عبر سلطة الشراهة — وهكذا احتوى روي في داخل نفسه عددًا لا يُحصى من المحاربين، وكان يتخلّى عن أي تكتيكٍ غير فعّال ليستبدله فورًا بأسلوب قتالٍ جديد، تمامًا كما فعل راينهارد، الذي يتكيّف ببركاتٍ إلهية حسب الظروف.

فإن الحقيقة المطلقة التي أكّدها كلٌّ من بترا وسوبارو آنفًا لم تعد قائمة.

ولحُسنِ الحظِّ، كان آلديباران قد اكتسب أكثر من مئةٍ وثلاثين ألف نقطة خبرة من قتاله مع راينهارد، فتمكّن من مواجهة خصمٍ مميزٍ مماثل من دون تخطي الألف.

ولا مرةً واحدة، انتهى به المطاف دون شعورٍ بالخسارة.

آلديباران: [على أيّ حال، قُبِضَ عليك فورًا بعد قتال البرج. ومع أنك لم تتلقَّ علاجًا مناسبًا بعد، فقد قاتلت بعنادٍ حقًّا.]

آلديباران: [بعيدًا عن أساليب القتال، يبدو أنك استوعبت أنواعًا مختلفة من طرق التفكير أيضًا. إن لم ترد أن يُنظر إليك كأحمقٍ يجمع أدواته دون أن يفهمها، ففكِّر قبل أن تتكلّم.]

روي: [هاه؟ أن يُفسَد كلّ ما حاولنا فعله، كانت أوّل مرة نخوض شيئًا كهذا، ومع ذلك لا تقل لي إنك تعزّينا، يا عمّي؟ إن كان كذلك~ فطريقة مواساتنا الأولى ستكون…]

بيترا: [لم أتخيل أبدًا أنها ستخنق نفسها فجأة لتفقد الوعي…]

آلديباران: [«شراهة الشرب الشره» ستظلّ تهزُّ أذنيَّ حتى الغد. لمجرد سماعها، يصاب بطن هذا العجوز بالذعر، وهضم الأطعمة المقلية يتعذّر مع تقدّم العمر.]

ياي: [――؟]

روي: [يا له من موقفٍ بارد~.]

بترا: [لا بأس، إنها مجرد مشاعر… والأهم، لا تتطفل على رأسي.]

وبابتسامةٍ كاشفةٍ عن أنياب، نظر روي إلى آلديباران بعينين واسعتين.

سوبارو: [ياللهول.]

كانت نظراته خليطًا من الفضول والجوع والاهتمام والشهوة والسادية — وجوعٌ آخر أيضًا —، وجملةُ هذه الأحاسيس كانت كوجبةٍ كاملةٍ سبّبت قشعريرةً في ظهر آلديباران. فحتى مع ألم الكسور في أطرافه، ظلّ الجوعُ الإحساسَ الطاغي لديه، وذلك بحدِّ ذاته كان مصدر الرهبة؛ إذ كان تشوّهُ حالته النفسية بالغًا.

وبينما كانت اليد اللاملموسة تحاول مسح عنق تنين الأرض، كانت بيترا الصغيرة منشغلة برسم خارطة الطريق التي ينبغي أن يسلكوها بعد الوصول إلى ميرولا.

لم يرد آلديباران أن يَظهر أي تعاطفٍ معه. فهؤلاء الذين اختُيروا بعواملٍ مشابهةٍ لعوامل السَّاحِرات، كبارُ أساقفةِ الخطايا، هم منبوذون مكروهون مُنفَصِلون عن مسارات البَشَر منذ ولادتهم.

القارئ الأصليّ النَّهِم لكتب الموتى، إيزو كادنر، قال إن قراءتها تمثّل تحدّيًا يفرض عبئًا عقليًا ثقيلًا، لكن يبدو أن تأثيرها على بترا كان أعمق بكثير مما توقّعت.

آلديباران: [يا للمتاعب… أشرح لك الوضع؟]

ولم يكن الأمر مرتين أو ثلاثًا فحسب، كما قد يُظنّ.

روي: [هاه~، ستتكرّم بذلك؟ ما هذا؟ بدأت تشعر بالشفقة على الطفل الذي كسرت أطرافه؟ ولكن أعتقد أنّ البالغ العاقل لا يبقى هادئًا بعد كسر أطراف طفل بريء، أليس كذلك؟ حسنًا، وصفك بالبالغ العاقل بهذا الشكل وهذه الخوذة قد يكون موضع نقاش~.]

غير قادرٍ على كبح الرعب المتصاعد في داخله، نسي آلديباران أن يحمل روي بلطف، فاندفع مسرعًا خارج الزنزانة المنفردة، وخارج برج السجن.

آلديباران: [ثرثرتك لا تنتهي… هذا المكان عاصمة مملكة لوغونيكا، بعيدٌ جدًا عن برج بليادس حيث أُمسِكْت. ونظيرك――]

روي: [هاه؟ أن يُفسَد كلّ ما حاولنا فعله، كانت أوّل مرة نخوض شيئًا كهذا، ومع ذلك لا تقل لي إنك تعزّينا، يا عمّي؟ إن كان كذلك~ فطريقة مواساتنا الأولى ستكون…]

روي: [――آه، مات، أليس كذلك؟]

ياي: [――؟]

آلديباران: [――――]

روي: [هاه؟ أن يُفسَد كلّ ما حاولنا فعله، كانت أوّل مرة نخوض شيئًا كهذا، ومع ذلك لا تقل لي إنك تعزّينا، يا عمّي؟ إن كان كذلك~ فطريقة مواساتنا الأولى ستكون…]

روي: [نحنُ نعلم ذلك جيدًا أيضًا. الروابط العائلية أعمق وأوثق مما تظن، يا عمّي… آسف آسف، كانت كذبة. افترضنا ذلك لأننا لم نعد نشعر بعامل الساحرة لدى لاي. ثمّ…]

فيلت: [لذيذ حقًا… لكن إن كان هذا طبقكِ الوحيد، فذاك أمر آخر. أنتِ خادمة نوعًا ما، أليس كذلك؟ أم أن كونكِ خادمة كان كذبة، وأنكِ في الحقيقة قاتلة؟]

آلديباران: [ثمّ؟]

اخترقت العربة أخيرًا بوابة المدينة، وبلغت «ميرولا». وفي تلك اللحظة فتحت بيترا فمها على اتساعه لتتحدث، مدركة أنّهم قد عبروا كثبان «أوغريا» الرملية.

روي: [حتى لو بدا من الخارج أنّ الأمر مستحيل، فالموجودون في هذه الزنزانة المجمّدة يمكنهم أن يشعروا قليلًا بما يحدث في الخارج. ورغم هذا الختم المحكم، أن يكون الكلّ في هذا الاضطراب أمرٌ مثيرٌ للشفقة حقًّا~.]

ولهذا السبب بالذات، لم يكن هناك مكان أنسب لتبادل اللعنات.

وبنبرة مقزِّزة وهو يلعق شفتيه، تحدّث روي بلا مبالاة عن موت نظيره. وقد أزعجت تلك اللامبالاة آلديباران دون أن يدرِ.

تداخلت إجابة ميلي الكئيبة مع مشاعر سوبارو القلقة من وجودها. تجاهلت بيترا ردّ فعله، وأخذت تفكّر في فلام وبركة حمايتها.

كان قبولُه الهادئ لموت شقيقه لاي باتينكايتوس جانبًا من الأمر، أما ما صدم آلديباران حقًّا فكان تأكيدُ روي أنّ «التابوت الأسود» — ذلك الختم من سلالة «أول شاماك» — يتيح له رغم ذلك إدراكَ ما يجري خارجًا.

بيترا: [――――]

ثم، دون اكتراث لذهول آلديباران، استدار روي بجسده وهو يقول «ها نحن»، ثم استلقى على ظهره، فبدت صورة آلديباران مقلوبة في مجال رؤيته.

تحوّل تعبير روي إلى ملامح ألمٍ شديد حين داس آلديباران بقوةٍ على كتفه المكسور. وطأَ كعبُه بعنايةٍ على عظامه المهشّمة قبل أن يرفع قدمه.

روي: [آه~، كان ذلك خانقًا. أفضل بكثير… إذن؟ يا عمّي، بحسب ذاكرتنا أنت مشارك في اختيار الملك، أليس كذلك؟ وإن أطلقت سراحنا، ونحن كأساقفةِ خطيئة، ألن يُسقِط ذلك سمعةً مشينةً على أميرتك الغالية――]

ولا شك أنّه قد مرّ بعد ذلك بتجارب تمزيق روحه وانتزاع قلبه والدوس على حياته مرارًا لا تُحصى، متحمّلًا كلّ ذلك ليبلغ هذا اليوم.

آلديباران: [بعيدًا عن أساليب القتال، يبدو أنك استوعبت أنواعًا مختلفة من طرق التفكير أيضًا. إن لم ترد أن يُنظر إليك كأحمقٍ يجمع أدواته دون أن يفهمها، ففكِّر قبل أن تتكلّم.]

شهيق عميق، وزفير طويل.

روي: [واو، ما كلُّ هذا الغَضَب. هل أثرت عشّ الدبابير؟ جميلٌ، جميلٌ جدًا، أليس كذلك؟ لأنه ربما جميل، بالتأكيد جميل! لن أطرح أكثر من ذلك. بالتأكيد لن أسأل أسئلة مثل: هل أغرقك اليأس من موت أميرتك الغالية الثمينة… غاااه!]

روي: [أن تكتب على جسد طفلٍ عارٍ بالدماء— هذه عادةٌ منحطة بقدرٍ يُذهل حتى كبارَ أساقفةِ الخطايا. لتفعل فعلاً منحرفًا كهذا، ماذا تريد منا أن نفعل؟ أن ندمر الدولة مثلاً؟]

آلديباران: [هكذا أفضل. شكرًا على مراعاتك.]

روي: [――آه، مات، أليس كذلك؟]

تحوّل تعبير روي إلى ملامح ألمٍ شديد حين داس آلديباران بقوةٍ على كتفه المكسور. وطأَ كعبُه بعنايةٍ على عظامه المهشّمة قبل أن يرفع قدمه.

بيترا: [أجل. إذا أُطيح براينهارد… آل، فستتبعنا الساحرة. لا يمكننا التنبؤ بمدى الضرر الذي قد يحدث حتى ذلك الحين.]

ذلك «الندّ» كان أحد أساقفةِ الخطايا. ورغم اختلاف صفاته عن الباقين، إلا أنّه، ليتوافق مع خطة المضيّ قدمًا، كان أسوأَ خيارٍ ممكن. وحتى لو كان ردّه العنيف فور كسر الختم أمرًا متوقَّعًا، فلم تكن هذه توقّعاتٌ تُسعد آلديباران.

فيلت: [كنت أعلم ذلك من قبل، لا أستطيع مجاراتك…]

أسقفُ الخطيئة — ذلك النوع من الأعداء الذين، لو لم تكن حاجتهم ضروريةً للخطة، لَرُميْوا طواعيةً من أعلى الشلال العظيم وتركهم في التابوت.

؟؟؟: [――عذرًا، يبدو أنني مكبوت للغاية. لم أستطع كبح نفسي.]

لكن――

بيترا: [――――]

روي: […هاك—، أن تضطرّ للذهاب إلى هذا الحدّ لاستغلالنا. يا لها من ورطة أنت فيها، أليس كذلك، يا عمّي~؟]

كان قصرًا يحمل بصمات ذوق بريسيلا في التصميم، وعلى الرغم من الحاجة لقاعدةٍ للعمليات، لم يكن آلديباران راغبًا في المكوث فيه طويلًا.

آلديباران: [هذا الفتى لا يصمت أبدًا. ليت والديه عَلَّمَاه كيف يكفّّ عن الثرثرة.]

مزح سوبارو دفع بيترا لتتخيّل ساحرةَ غيرةٍ طيبة تتنازل عن مقعدها لِعجوزٍ في قطارٍ مزدحم، لكنها لم تستطع الضحك في هذا الوقت.

روي: [الوالدان؟ الأم ماتت عند ولادتنا وأخذت أختنا الصغرى معها أيضًا، وأما الأب المتبنّي، فبالتأكيد لن يتوافق معك، يا عمّي.]

ومع ذلك، حتى الآن، لم تُدرك الوزن الحقيقي لعبارةِ “حتى لو كلفني ذلك حياتي” التي ينطقها سوبارو أحيانًا مازحًا.

آلديباران: [مهما كان، يبدو أنّ كليهما لن يفيدا. ――لا مفرّ.]

آلديباران: [――هناك شخص أريدك أن تبتلعه باستخدام سلطتك. ولن أقبل رفضًا.]

رغم أن حوارًا قد اندلع بمعجزة، لم يكن ثمة ما يُرتجى من إجابة. فالثرثرة الجوفاء سمةٌ ملازمة لكبار الأساقفة، والشراهة لم تكن استثناءً.

آلديباران: [اهدأ. أنا مثلك لا أؤمن باستخدام الألم لإجبار الآخرين على ما أريد. إن غلَبَت المشاعرُ الألم، فلن يخضع الطرفُ الآخر. لذا…]

لم يزدِ الأمر سوى فُجاجةً ونفورًا، ولم يقدّم عزاءً بل زاد تعاسةَ الأحياء.

بترا: [لا، لا… ليس الآن وقت التفكير في هذا.]

آلديباران: [――――]

التقيا بنظرةٍ عبر خوذة آلديباران؛ وبينما هو يحدّق من أعلى، نظر روي المقلوب بعينين مستديرتين، غشيتهما آلامٌ خافتة من وطأ عظامه المهشّمة.

بينما كان روي مستلقيًا على ظهره كسمكةٍ على لوح تقطيع، انحنى آلديباران واستند بركبتيه إليه.

بل من المحتمل أنّ الصدمة التي اختبرتها بترا من كتاب سوبارو كانت مختلفةً تمامًا عن التحذيرات التي أسداها لهم إيزو.

التقيا بنظرةٍ عبر خوذة آلديباران؛ وبينما هو يحدّق من أعلى، نظر روي المقلوب بعينين مستديرتين، غشيتهما آلامٌ خافتة من وطأ عظامه المهشّمة.

فيلت: [فهمت. وفي هذا السياق، تذكّري أيضًا هذا: لا أحب كلماتٍ مثل “لطيفة” أو “رقيقة” أو “يليق بكِ ذلك”. تذكّري كم مرة قلتِ لي شيئًا من هذا القبيل.]

روي: [ما هذا؟ ماذا ستفعل الآن، يا عمّي؟ هل ستعلّم الطفل العاصي درسًا بالتعذيب؟ لكن، كما تعلم~ لقد اعتدنا هذا النوع من الألم، كما ترى~.]

تداخلت إجابة ميلي الكئيبة مع مشاعر سوبارو القلقة من وجودها. تجاهلت بيترا ردّ فعله، وأخذت تفكّر في فلام وبركة حمايتها.

آلديباران: [اهدأ. أنا مثلك لا أؤمن باستخدام الألم لإجبار الآخرين على ما أريد. إن غلَبَت المشاعرُ الألم، فلن يخضع الطرفُ الآخر. لذا…]

أخذ نَفَسه عنوةً ليُنظّم اضطراب تنفّسه ونبضه، ثم ألقى نظرة على الغرفة الحجرية التي غدت فوضوية إلى حدٍّ بالغ في دقيقة واحدة فقط، ورفع كتفيه.

روي: [لذا؟]

لو صدقت كلماته، فإن إعلانه―― أنه سيحرّر رئيس خطيئة الشراهة المسجون في برج السجن بالعاصمة الملكية―― كان أمرًا لا يمكن الاستهانة به.

آلديباران: [ما سأقيده عليك ليس ألمًا ولا مشاعرَ، بل وعدٌ.]

رمقت بترا “ناتسكي سوبارو” المستند إلى جانب العربة، وزفرت تنهيدةً يملؤها الحنين بينما كانت تقود العربة التي تجرها التنين بسرعةٍ عالية.

أعلن ذلك، ثم أدخل آلديباران إبهامه تحت فك خوذته وعضّ طرف إصبعه. ومع ألمٍ حادّ، سالت قطرة دمٍ؛ فأمدَّ إصبعه الملطَّخ بالدم نحو روي.

فيلت: [رغم أنه ليس أمرًا يُقاس بالأرقام، إلا أنه بلغ حدًّا يجعلكِ تتساءلين كم من المصاعب قد تم تجاوزها. ناهيك عن استخدام الساحرة لتشتيت راينهارد، فذلك لا يزال منطقيًا. لكن، رئيس خطيئة؟]

ثم، بينما ضغط إصبعه الملطّخ على جسدِ المدنَّس العاري الملقى أرضًا،

الخيوط الفولاذية التي تردّدت ياي في استخدامها على حشرة زودا التفّت مجددًا حول عنق فيلت.

آلديباران: [لا تُبدِ مقاومةً لا طائلَ منها. مارست هذا الأمر بما فيه الكفاية لأستطيع رسمه مغمضَ العينين… لكن هذه ستكون المرّة الأولى التي أختبر فيها فاعليته.]

آلديباران: [ثرثرتك لا تنتهي… هذا المكان عاصمة مملكة لوغونيكا، بعيدٌ جدًا عن برج بليادس حيث أُمسِكْت. ونظيرك――]

روي: [أن تكتب على جسد طفلٍ عارٍ بالدماء— هذه عادةٌ منحطة بقدرٍ يُذهل حتى كبارَ أساقفةِ الخطايا. لتفعل فعلاً منحرفًا كهذا، ماذا تريد منا أن نفعل؟ أن ندمر الدولة مثلاً؟]

فقد كان منفصلًا عن وطنه، وحيدًا… فبماذا كان يشعر حين التقاها وسائرهم؟

آلديباران: [لا أنوي ذلك، وإن شئت لأفعلتُها بنفسي. لقد تعمّدت أن أطلق سراح شيطانٍ مقيتٍ مثلك لأن هناك شيئًا لا يقدر على فعله سواك.]

فيلت: [… أولئك الشراهة الأوغاد، يتجرّأون على التهام أسماء الناس وذكرياتهم.]

روي: [فقط نحن، هاه~؟]

من أجل الحصول على دعم في العاصمة الملكية، أمر ياي بمراقبة فيلت وتركهما ينتظران في فيلا بارييل. كان لايب بارييل قد أعدّ ذلك القصر في الأصل، لكن الخطط تغيّرت كثيرًا بتدخل بريسيلا، ولذلك بُنيت الفيلا بصيغتها الحالية.

بدون اكتراثٍ للعواقب، قادت عربةُ التنين لعدة ساعاتٍ — قطعت مسافةً بعيدةً من برج بليادس — ومع ذلك ظل الضغط قائمًا، رافضًا أن ينجو بيترا ورفاقها.

بلا شك، لقد سلب العديد من الأعداء والعقبات والكوارث القاسية حياة ناتسكي سوبارو. تلك حقيقة لا ريب فيها.

كانت الساحرةٌ المخيفة المفترضُ أن تُختم داخل الضريح تمدُّ يدها بلا توقُّفٍ لمعاقبة بيترا لقراءتها «كتاب الموتى» واقتحامها حقلَ المحرّمات. موجةُ الظلال السوداء التي اجتاحت العالم وهدّدت بابتلاعه تُصَدُّ الآن على يد بطلٍ واحد.

بترا: […أمور مثل العودة بالموت، أو القدوم من ما وراء الشلال العظيم…]

――قديسُ السيف، راينهارد فان أسترِيا.

لكن――

كافحَ وحيدًا ليبعد غضبَ ساحرة الغيرة عن البرج، مانعًا دمارَ العالمِ بذاتِ شعرة، محافظًا على توازنٍ هشّ. ومع ذلك، لا تزال هناك زئيرٌ مدوٌّ واهتزازاتٌ عنيفة كأنّها تقلبُ العالمَ رأسًا على عقب، مع ومضاتِ ضوءٍ تشبه البرق البعيد تظهر من وقتٍ لآخر، ليلًا ونهارًا، كأنّ أبواقَ نهايةِ العالم تُنفَخ دون توقف.

لطالما علمت أن سوبارو يهتم بها اهتمامًا كبيرًا. بالطبع هناك إميليا وبياتريس، ولا ننسى ريم. لم تكن متوهِّمة بحيث تظنّ أنه يخصّها بما يختلف عنهن، لكنها كانت متيقنة―― بأنها تحتلُّ زاويةً خاصّةً في قلب ناتسكي سوبارو، ذلك المكان الذي يحتفظ فيه بأعزّ ما يملك.

إلى متى يمكنُ لهذا التوازن أن يستمر؟ لا بيترا ولا غيرها تعرف الجواب. لكن إن كان هناك أمرٌ واحدٌ مؤكدٌ――

آلديباران: [ثمّ؟]

«سوبارو»: [إذا هُزِمَ راينهارد، فكلُّ شيءٍ سينتهي.]

بترا: [سيارات، قيادة تحت تأثير الخمر، إشارات المرور، تورياانسي…]

بيترا: [أجل. إذا أُطيح براينهارد… آل، فستتبعنا الساحرة. لا يمكننا التنبؤ بمدى الضرر الذي قد يحدث حتى ذلك الحين.]

بيترا: [أنا بخير، لذا عليكِ أن ترتاحي يا ميلي-تشان. لقد حملتِني أثناء نومي، بل وأبعدتِ وحوش السحر.]

سوبارو: [لا يبدو أنهم من النوع الذي يتصرّف بأدبٍ ويفسح المجال للآخرين.]

القارئ الأصليّ النَّهِم لكتب الموتى، إيزو كادنر، قال إن قراءتها تمثّل تحدّيًا يفرض عبئًا عقليًا ثقيلًا، لكن يبدو أن تأثيرها على بترا كان أعمق بكثير مما توقّعت.

مزح سوبارو دفع بيترا لتتخيّل ساحرةَ غيرةٍ طيبة تتنازل عن مقعدها لِعجوزٍ في قطارٍ مزدحم، لكنها لم تستطع الضحك في هذا الوقت.

لا بترا ولا سوبارو يملكان رخصة قيادة، ولا يتذكّران أنهما قادا تحت تأثير الكحول، لكنه الأمر ذاته في المعنى.

عند التفكير في تقليص الأضرار المحتملة، كان على بيترا أن تبقى في برج بليادس وتقبل مصيرها بأن تُسكَت بيد الساحرة، بغضّ النظر عن نتيجة قتال راينهارد.

فهل من المبالغة الاعتقاد بأنّ هذا يدلّ على أنّ شيئًا من الإنسانيّة ما زال يسكنه؟

لكن لو راودتها تلك الفكرة ولو لوهلة――

ولتحقيق أيٍّ من هذه الأمور، كان عليهم أولًا أن يطلبوا مساعدة شخصٍ بعينه―― شخصٍ لم يتمكّن من دخول كثبان «أوغريا»، وقد ودّعهم عند هذا المكان من قبل.

سوبارو: [――هذا مرفوض تمامًا. لن أسمح بحدوث ذلك، حتى لو كلفني حياتي.]

ذلك كان تحليلها الذاتي لما جرى لها.

بيترا: [――――]

ولذلك، لم تفكّر في انتظار الإجابات، بل قرّرت أن تبحث عنها بنفسها.

حين تلفّظ سوبارو بهذه الكلمات مباشرةً إليها، شعرت بيترا أنه لا مجال للنقاش.

؟؟؟: [――بيترا-تشان، حان وقت التبديل~.]

لطالما علمت أن سوبارو يهتم بها اهتمامًا كبيرًا. بالطبع هناك إميليا وبياتريس، ولا ننسى ريم. لم تكن متوهِّمة بحيث تظنّ أنه يخصّها بما يختلف عنهن، لكنها كانت متيقنة―― بأنها تحتلُّ زاويةً خاصّةً في قلب ناتسكي سوبارو، ذلك المكان الذي يحتفظ فيه بأعزّ ما يملك.

بترا: [――――]

ومع ذلك، حتى الآن، لم تُدرك الوزن الحقيقي لعبارةِ “حتى لو كلفني ذلك حياتي” التي ينطقها سوبارو أحيانًا مازحًا.

وكأنها تتحدث في تناقضٍ مقصود――

ناتسكي سوبارو، بحقّ، شخصٌ مستعدٌّ لحماية ما يهمّه “حتى لو كلفه ذلك حياته”.

كل عقبة، وكل نيةٍ شريرة، وكل عدوّ، وكل وحشٍ شيطاني، وكل رئيس خطيئةٍ اعترض طريق حياته، قتلوه مرارًا وتكرارًا، ومنحوه الموت، وسحقوا روحه.

بيترا: [――. أعلم. لا أريد أن أموت أيضًا… أليس لدى آل-سان طريقة لإيقاف الساحرة؟]

روي: [فقط نحن، هاه~؟]

سوبارو: [بلى، ليس غبيًا. يعلم تمامًا نوع الضرر الذي قد يلحق بالعالم. من المؤكد أنه أعدّ أمرًا لإيقافها قبل أن يتفاقم الوضع.]

ياي: [على الأرجح~. ففي النهاية، لا تُنجز الأعمال العظيمة حقًا إلا إن خالطها شيء من الجنون. كل ما نظّمه آل-ساما حتى الآن، أليس استثنائيًا؟]

بيترا: [نعم، أكيد.]

فيلت: [كنت أعلم ذلك من قبل، لا أستطيع مجاراتك…]

سوبارو: [تمامًا.]

لكن روي ألفارد لم يكن مجرد مشاغبٍ فحسب، بل كان أيضًا كبيرَ أساقفةِ الخطايا قبل كل شيء. لذا رآه آلديباران مخاطرةً تبرُّها الضرورة.

قابضًا قبضته، أعلن سوبارو ذلك بقوّة، فأومأت بيترا بالموافقة.

لقد كانت تُعجب دومًا بالطيّبين، وتسعى لأن تكون طيّبة بدورها، لكنها شعرت أنّ أمثال سوبارو وإيميليا كانوا مثاليين كما هم.

ياي: [أوه، سيكون من الحكمة ألا تقولي مثل هذه الأمور بحضور آل-سان، حتى لو على سبيل الاستفزاز، حسنًا~؟ ستبدين كمن تفتقد لِحُسنِ الطبع، ولا يسرّني سماع من يسيء الكلام عن سيدي، أفهمين~؟]

بترا: [هذا أمرٌ عليك مناقشته مع سوبارو وإيميليا-نيساما…]

فيلت: [هاه؟ هل تقولين لي ألا أغضب ذلك الوغد ذو الخوذة؟]

“سوبارو”: [――بترا.]

ياي: [لا لا، آل-سان بالتأكيد لن يفقد أعصابه. لكني أظنّ أنه سيتألم. وهذا ما لا أقبله.]

لم يكن هناك شخصٌ واحدٌ أراد أن يخسره.

خفضت ياي صوتها قليلًا، ومالت برأسها في ختام كلامها. وعلى الفور شعرت فيلت بتوترٍ طفيف في عنقها، كأن روحها نفسها أدركت وجود خيوط شبه غير مرئية.

فكلاهما بات يشترك في وعي الآخر، ويتقاسم أفكاره ومخاوفه.

الخيوط الفولاذية التي تردّدت ياي في استخدامها على حشرة زودا التفّت مجددًا حول عنق فيلت.

ولهذا، عند إبقاء من عَلِق بالصنارة في حدود التوتر المقبول――

فيلت: [إذا آذيتني، فسوف يغضب ذلك الوغد ذو الخوذة، أليس كذلك؟]

ياي: [هممم، الاغتيال من الوظائف الأساسية للنينجا، لكن الجزء المتعلّق بكوني خادمة حقيقي. غير أن التنظيف هو اختصاصي أكثر من الطبخ. آه، وكنت أكذب حين قلت إن الحَساميّاكي هو الطبق الوحيد الذي أبرع فيه؛ فأنا أيضًا أجيد إعداد اللفائف.]

ياي: [ربما. لكن، حتى لو كان كذلك، أليس من المزعج أن تقولي ما تشائين، فيلت-ساما؟ بالنسبة لي كخادمةٍ متعددة المهام، مهمتي إزالة كل عقبة في طريق سيدي.]

ياي: [لستِ فقط حسناء قادرة على إسقاط أمة، بل أنتِ أيضًا فتاة جميلة قادرة على إسقاط تنين، يا فيلت-ساما.]

فيلت: [في شيءٍ غريبٍ في مناداتك له بـ”سيدي”. العلاقة بينكما لا تبدو علاقة خادم وسيد. ومع ذلك، يبدو أن التحدّث من موقعٍ آمن تصرفٌ جبان.]

سوبارو: [لا يبدو أنهم من النوع الذي يتصرّف بأدبٍ ويفسح المجال للآخرين.]

رفعت فيلت يديها لتُظهِر أنها لا تنوي المقاومة. وبعد لحظةٍ من المراقبة، هزّت ياي كتفيها وسحبت الخيط.

ولو لم تبدأ بترتيب هذه المعلومات بحذر، فقد تجد نفسها فجأةً ترتدي ملابس الرجال وتحمل سوطًا مذنبًا دون أن تدري كيف حدث ذلك.

ومع ذلك، أوضحت ياي بجلاء نيتها في إرسال خيوطها دون رحمة، بل وقطع إصبع أو طرفٍ من أطراف فيلت إن بدت منها أي حركةٍ مريبة. ――وبالنظر إلى سرعة ياي ودقّتها، كان لاستفزازها هذا بعضُ الفائدة.

روي: [أن تكتب على جسد طفلٍ عارٍ بالدماء— هذه عادةٌ منحطة بقدرٍ يُذهل حتى كبارَ أساقفةِ الخطايا. لتفعل فعلاً منحرفًا كهذا، ماذا تريد منا أن نفعل؟ أن ندمر الدولة مثلاً؟]

فيلت: [كنت أعلم ذلك من قبل، لا أستطيع مجاراتك…]

ــ العودة بالموت.

حالياً، كانت فيلت وياي الاثنتان الوحيدتان اللتان بقيتا في قصر بارييل.

رفعت فيلت يديها لتُظهِر أنها لا تنوي المقاومة. وبعد لحظةٍ من المراقبة، هزّت ياي كتفيها وسحبت الخيط.

إذا استطاعت فيلت تجاوز مراقبة ياي أو هزيمتها وحدها، فستتمكن من الفرار من وضعها الحالي كأميرةٍ أسيرة، وهدفها إبقاء معسكر فيلت تحت السيطرة.

إنّ «بركة حماية النُّطق الذهني» لدى فلام تتيح لها التواصل مع شقيقتها التوأم مرة واحدة في اليوم. ورغم أنّ الاتصال كان من طرف واحد، فإنّ القدرة على تبادل الرسائل بغضّ النظر عن المسافة كانت لا تُقدَّر بثمن، خاصة في مثل هذه الظروف.

ياي: [تلك الإرادة القوية للرغبة في الفوز بالضبط ما توقعتُه من مرشحةٍ في الانتخاب الملكي؛ إنها تُبهج قلب هذه الخادمة المتواضعة ذي الروح النبيلة. لكن رجاءً، لا تقومي بتصرفٍ متهور، حسنًا~؟ هناك أشخاصٌ مثل الزعران أو هاينكل-ساما يمكنني تقييدهم أو تمزيقهم بلا تردد، لكني لا أحب فعل ذلك للفتيات الجميلات.]

ولهذا بدا “سوبارو” الآن أقلّ نضجًا مما هو عليه اليوم.

فيلت: [فهمت. وفي هذا السياق، تذكّري أيضًا هذا: لا أحب كلماتٍ مثل “لطيفة” أو “رقيقة” أو “يليق بكِ ذلك”. تذكّري كم مرة قلتِ لي شيئًا من هذا القبيل.]

هزّت ياي رأسها نافية بلطف:

ياي: [هياااا~، مخيف. بالمناسبة، ماذا ستفعلين حين أحصّنها؟]

ولتحقيق أيٍّ من هذه الأمور، كان عليهم أولًا أن يطلبوا مساعدة شخصٍ بعينه―― شخصٍ لم يتمكّن من دخول كثبان «أوغريا»، وقد ودّعهم عند هذا المكان من قبل.

فيلت: [حين يحين دوري في الانتقام، سأركلكِ بنفس عدد المرات.]

بل يمكن القول إنه مجرد خيالٍ صنعه عقل بترا―― سوبارو المتخيَّل.

وقد قررت فيلت بالفعل أنها ستضرب ياي ثلاث مرّات. أما ذلك الوغد ذو الخوذة――آلديباران والتنين الإلهي، وكذلك هاينكل، فلكلٍ منهم حسابه الخاص.

وربما بفضل هذا الهدوء الذهني استطاعوا مواصلة التقدّم بالعزم ذاته.

وفي تلك الأثناء، بينما كان إصبع دامية يلامس جسده، ارتسمت على شفتي روي ابتسامة كشف فيها عن أنيابه، مستمتعًا بالإحساس المثير للدغدغة.

ومع ذلك، حتى الآن، لم تُدرك الوزن الحقيقي لعبارةِ “حتى لو كلفني ذلك حياتي” التي ينطقها سوبارو أحيانًا مازحًا.

نظراته الداعرة، نبرته، حضوره المريب، كلّها دفعت آلديباران لأن ينطق كلماتٍ لم تقع على لسانه بعد.

ياي: [حتى هنا توجد حشرات الزودا؟]

وإن كان منزعجًا من أنه يبدو كمن يسير وفق رغبة خصمه، أجاب أخيرًا.

كافحَ وحيدًا ليبعد غضبَ ساحرة الغيرة عن البرج، مانعًا دمارَ العالمِ بذاتِ شعرة، محافظًا على توازنٍ هشّ. ومع ذلك، لا تزال هناك زئيرٌ مدوٌّ واهتزازاتٌ عنيفة كأنّها تقلبُ العالمَ رأسًا على عقب، مع ومضاتِ ضوءٍ تشبه البرق البعيد تظهر من وقتٍ لآخر، ليلًا ونهارًا، كأنّ أبواقَ نهايةِ العالم تُنفَخ دون توقف.

السبب الذي جعل آلديباران يطلق سراح روي ألفارد هو――،

وبّخت نفسها، ووضعت يدها على جبينها وهزّت رأسها ببطء.

آلديباران: [――هناك شخص أريدك أن تبتلعه باستخدام سلطتك. ولن أقبل رفضًا.]

بل يمكن القول إنه مجرد خيالٍ صنعه عقل بترا―― سوبارو المتخيَّل.

روي: [هممم؟ أجل، يبدو كذلك. لقد اطلقت سراحنا. لا بدّ أن هناك سببًا وجيهًا لذلك~.]

؟؟؟: [――عذرًا، يبدو أنني مكبوت للغاية. لم أستطع كبح نفسي.]

مال برأسه وهو مستلقٍ على الأرض، وقد انكمشت وجنتاه عند سماع طلب آلديباران.

ومع ذلك، أوضحت ياي بجلاء نيتها في إرسال خيوطها دون رحمة، بل وقطع إصبع أو طرفٍ من أطراف فيلت إن بدت منها أي حركةٍ مريبة. ――وبالنظر إلى سرعة ياي ودقّتها، كان لاستفزازها هذا بعضُ الفائدة.

أما إن كانت تلك الابتسامة تعني القبول أم الرفض، فلم يكن آلديباران يعلم. ومهما يكن، فإرادة روي لا شأن لها بالأمر.

ولا شخصٌ واحدٌ كرهه إلى حدّ تمني زواله.

إن الوسيلة التي تُجبره على الطاعة نُقِشت على جسده، وحُفِرَت في روحه.

لقد كانت تتبادل الكلمات مع من تُحبّ، الميت وغير الميت، وتشعر بالفرح والحزن من كلماته، حتى في مثل هذا الظرف.

روي: [――علامة لعنةٍ مقيدةٍ بعهد. دقيقة إلى حدّ الإلحاح، أليس كذلك~؟ هل ابتكرتها بنفسك، أيها العم؟ أم أنك تردّد كلمات مستخدمٍ لفنون اللعن المجنون؟]

هي سلطةٌ تمنح حاملها، مقابل التضحية بحياته، الحقَّ في العودة بالزمن إلى الوراء، واسترجاع لحظةٍ كان ينبغي أن تكون قد انقضت.

آلديباران: [ترديد. لا شكّ أنهم كانوا مختلين تمامًا، لكن ذاك الشخص لم يكن مستخدمًا لفنون اللعن. بل كان ساحرًا. وبلا شكّ، أعظم ساحر في تاريخ هذا العالم، بغضّ النظر عن طباعه.]

«سوبارو»: [إذا هُزِمَ راينهارد، فكلُّ شيءٍ سينتهي.]

روي: [وما شروط العهد؟]

ففي الوقت الراهن، تحتجز مملكة لوغونيكا اثنين من رؤساء الخطايا: الغضب والشراهة. وكانت فيلت قد التقت رؤساء الخطايا مباشرة في بريستيلا، حيث تركوا فيها انطباعًا عميقًا من الرعب والوحشية. وتساءلت حينها كيف يمكن للعالم أن يحتوي على أناس لا أمل في خلاصهم.

آلديباران: [إن أكلتَ أحدًا دون إذني، ستحترق حتى تفنى روحك.]

كان مزيج صوت “سوبارو” الهادئ الرقيق ونظرته المخلصة كفيلًا بتشويش أنفاس بترا ونبضاتها، فلم تجد خيارًا سوى أن تُشيح ببصرها كطفلةٍ صغيرة.

قالها بإيجاز، ثم رفع جسد روي على كتفيه دون أن ينظر إلى وجهه.

آلديباران: [――――]

ذلك المجرم الذي غاص في “التهام الغرائب” يلتهم فريسته كما يشاء؛ كان جسده خفيفًا. وبما أن موقعه كان ملائمًا للتسلّل إلى برج السجن حيث وُخِزَ روي، فقد كانت خفة جسده أمرًا مساعدًا.

ولو لم تبدأ بترتيب هذه المعلومات بحذر، فقد تجد نفسها فجأةً ترتدي ملابس الرجال وتحمل سوطًا مذنبًا دون أن تدري كيف حدث ذلك.

وكان قد تخلّص تقريبًا من جميع الحُرّاس، لكن من الأفضل أن يظل حذرًا في طريق العودة.

△▼△▼△▼△

آلديباران: [بعد هذا، سنتّجه لِلِقاء ياي والآنسة فيلت――]

فجأةً، استرعى انتباهها سيلٌ من الكلمات انبثق في ذهنها دون سابق إنذار، وبدأت المعلومات تتدفّق كملابسٍ تتدافع من خزانةٍ مكتظةٍ خارج الموسم.

من أجل الحصول على دعم في العاصمة الملكية، أمر ياي بمراقبة فيلت وتركهما ينتظران في فيلا بارييل. كان لايب بارييل قد أعدّ ذلك القصر في الأصل، لكن الخطط تغيّرت كثيرًا بتدخل بريسيلا، ولذلك بُنيت الفيلا بصيغتها الحالية.

كان قصرًا يحمل بصمات ذوق بريسيلا في التصميم، وعلى الرغم من الحاجة لقاعدةٍ للعمليات، لم يكن آلديباران راغبًا في المكوث فيه طويلًا.

خفضت ياي صوتها قليلًا، ومالت برأسها في ختام كلامها. وعلى الفور شعرت فيلت بتوترٍ طفيف في عنقها، كأن روحها نفسها أدركت وجود خيوط شبه غير مرئية.

لذلك، كان سيأخذ ياي وفيلت بسرعة، ثم يلتقي بآلديباران وهاينكل خارج العاصمة الملكية.

كانت قد صرّحت بذلك لهاينكل مباشرة، رغم أعذاره التي لا تنتهي.

روي: [على ذكر ذلك، كنا قد تكلّمنا عن هذا سابقًا~.]

روي: [نحنُ نعلم ذلك جيدًا أيضًا. الروابط العائلية أعمق وأوثق مما تظن، يا عمّي… آسف آسف، كانت كذبة. افترضنا ذلك لأننا لم نعد نشعر بعامل الساحرة لدى لاي. ثمّ…]

وبينما كان آلديباران شارد الذهن، بدأ روي الحديث مجددًا وهو على كتفه. ومن نظرةٍ جانبية، لاحظ آلديباران أن روي، بأطرافه المترهلة، كان يحدق نحو الأرض.

كان العبء الذي يحمله ناتسكي سوبارو أعظم بكثير مما تخيّلته بترا.

تبع تلك النظرة، وقطّب آلديباران حاجبيه متسائلًا.

فيلت: [هذا سبب آخر يجعلكِ تستحقين الركل… لكن قولي الحقيقة، هل يمكن لذلك العجوز حقًا أن يحصل على دم التنين الذي يريده من ذلك التنين الأبله؟]

ثم――

فيلت: [رغم أنه ليس أمرًا يُقاس بالأرقام، إلا أنه بلغ حدًّا يجعلكِ تتساءلين كم من المصاعب قد تم تجاوزها. ناهيك عن استخدام الساحرة لتشتيت راينهارد، فذلك لا يزال منطقيًا. لكن، رئيس خطيئة؟]

روي: [قبل أن تُخرِجنا، أيها العم، حتى وسطِ عتمة ذلك السواد المتجمّد، كنا لا نزال نستشعر محيطنا ولو بصوتٍ خافت. لكن، انظُر، هذا المكان معزول تمامًا عن العالم الخارجي~. في مثل هذه الحالة، من المستحيل تمامًا أن يدخل أحد، ولا حتى فأر، فضلاً عن حشرة واحدة. ومع ذلك~.]

بترا: […مهما قلت، مشاعري لن تتغير.]

آلديباران: [――هاه؟]

أدارت فيلت وجهها بعيدًا ولم تجب، بينما عبست ياي في استياء.

روي: [حشرات الزودا، نادرًا ما تدخل هنا من دون أن يلاحظها أحد، أليس كذلك~؟]

لكن هذا الرد كان متوقّعًا؛ إذ لم تكن فيلت تعرف النوايا الحقيقية لياي في اتباع آلديباران، لكنها شعرت أنها تحمل إيمانًا عميقًا، هوسًا لا يلين، يجعلها ترفض الابتعاد عن جانبه مهما كانت الظروف.

كلمات روي الزلقة توافقت مع الحشرة الصغيرة التي رآها آلديباران.

بل من المحتمل أنّ الصدمة التي اختبرتها بترا من كتاب سوبارو كانت مختلفةً تمامًا عن التحذيرات التي أسداها لهم إيزو.

تزحف على الأرض الباردة، قبيحة الشكل ومرعبة، كانت إحدى حشرات الزودا، تلك الحشرات الممقوتة من قِبَل الجميع في هذا العالم. كانت تعادل الصرصور في عالمنا؛ يمكن العثور عليها في أي مكان، لذا لم يكن غريبًا أن تظهر في برج السجن. ――لكن آلديباران لم يفكّر بتلك الطريقة.

ارتسمت على وجه ياي نظرة حيرة حين قالت فيلت ما بدا وكأنه كلام لا صلة له بالموضوع، لكن فيلت تابعت حديثها متجاهلة ارتباكها.

آلديباران: [――تبًا، لقد ارتكبت خطأً!]

إن لم يسرع بالفرار لأقصى حدّ، فسيُكشف تسلّله قريبًا――،

غير قادرٍ على كبح الرعب المتصاعد في داخله، نسي آلديباران أن يحمل روي بلطف، فاندفع مسرعًا خارج الزنزانة المنفردة، وخارج برج السجن.

آلديباران: [――تبًا، لقد ارتكبت خطأً!]

إن لم يسرع بالفرار لأقصى حدّ، فسيُكشف تسلّله قريبًا――،

بترا: [الكثير قد حدث لي ولسوبارو منذ ذلك الحين…]

؟؟؟: [――يكفي.]

لذلك، كان سيأخذ ياي وفيلت بسرعة، ثم يلتقي بآلديباران وهاينكل خارج العاصمة الملكية.

في اللحظة التي وطئت فيها قدمه خارج برج السجن، بلغ صراخُ صوتٍ أذنيه.

فقد استعمل روي ألفارد لقبه «آكل الشراهة» بالكامل، واستغل قدرة الخسوف لاستنساخ قدرات وأساليب الذين ابتلعهم عبر سلطة الشراهة — وهكذا احتوى روي في داخل نفسه عددًا لا يُحصى من المحاربين، وكان يتخلّى عن أي تكتيكٍ غير فعّال ليستبدله فورًا بأسلوب قتالٍ جديد، تمامًا كما فعل راينهارد، الذي يتكيّف ببركاتٍ إلهية حسب الظروف.

وفي الوقت ذاته، شعر بانخفاضٍ حادّ في الحرارة على جلده؛ وسمع صرير خوذته بسبب الفرق الحراري مقارنةً بداخل البرج. وبينما تتساقط الثلوج الناعمة في محيط برج السجن، اجتاحته موجة بردٍ موسمية قلبت كيانه، كما لو كان مزارعًا يتخيّل خسارة محصوله.

غير قادرٍ على كبح الرعب المتصاعد في داخله، نسي آلديباران أن يحمل روي بلطف، فاندفع مسرعًا خارج الزنزانة المنفردة، وخارج برج السجن.

صوتٌ مألوفٌ له، أشبه بجرسٍ فضي.

روي: [هاه~، ستتكرّم بذلك؟ ما هذا؟ بدأت تشعر بالشفقة على الطفل الذي كسرت أطرافه؟ ولكن أعتقد أنّ البالغ العاقل لا يبقى هادئًا بعد كسر أطراف طفل بريء، أليس كذلك؟ حسنًا، وصفك بالبالغ العاقل بهذا الشكل وهذه الخوذة قد يكون موضع نقاش~.]

تمشي فوق طبقةٍ رقيقةٍ من الثلج التي غطّت الحديقة المحيطة بالبرج، بشعرها الفضي الطويل المتلألئ وسط المشهد الثلجي، اقتربت بخطى واثقة.

قابضًا قبضته، أعلن سوبارو ذلك بقوّة، فأومأت بيترا بالموافقة.

لطالما حملت عيناهما الأرجوانيتان نورًا هادئًا لطيفًا. ――لكن ليس الآن؛ فقد كانت تشتعلان بنار الغضب.

إلا أنّ الشيءَ نفسه ينطبق على بترا كما على سوبارو.

دون شك، كانتا مشتعلةً بسبب سخطها――،

الخيوط الفولاذية التي تردّدت ياي في استخدامها على حشرة زودا التفّت مجددًا حول عنق فيلت.

إميليا: [――أعيدوا سوبارو وبياتريس.]

روي: […هاك—، أن تضطرّ للذهاب إلى هذا الحدّ لاستغلالنا. يا لها من ورطة أنت فيها، أليس كذلك، يا عمّي~؟]

إعلانٌ صامتٌ، مهيبٌ، لا يليق إلا بحاكمٍ.

كانت الساحرةٌ المخيفة المفترضُ أن تُختم داخل الضريح تمدُّ يدها بلا توقُّفٍ لمعاقبة بيترا لقراءتها «كتاب الموتى» واقتحامها حقلَ المحرّمات. موجةُ الظلال السوداء التي اجتاحت العالم وهدّدت بابتلاعه تُصَدُّ الآن على يد بطلٍ واحد.

ولو للحظةٍ واحدةٍ بدا الأمر كذلك، فقد بدت تلك المرأة الواقفة هناك في غاية الجمال، الروعة، والنبل.

كان قصرًا يحمل بصمات ذوق بريسيلا في التصميم، وعلى الرغم من الحاجة لقاعدةٍ للعمليات، لم يكن آلديباران راغبًا في المكوث فيه طويلًا.

أخذ آلديباران نفسًا أبيضَ مرئيًا، فتجمّد في مكانه. واقفةً أمامه فوق الثلج، كانت ساحرةَ الجليد――إميليا، رفعت حاجبيها المشكّلين بإحكامٍ، وأعلنت:

فيلت: [حتى أنتِ لا تعلمين التفاصيل؟]

إميليا: [أنا غاضبةٌ الآن مجددًا، لذا لن أرحمك حتى لو كنت أنت، يا آل.]

آلديباران: [يا للمتاعب… أشرح لك الوضع؟]

ولهذا، عند إبقاء من عَلِق بالصنارة في حدود التوتر المقبول――

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط