يوم عادي في مدينة سيرافين - الجزء 2
‘بعد نهاية التدريب، أتممنا يومنا كما هو مخططٌ له، نفس الروتين لم يتغيَّر شيئ بالتحديد. غير أن ليارا ورايندار لم يذهبا للصيد نظراً لأننا نملك فائضًا في المؤونة بالفعل. لكن المشكلة الأكبر التي واجهتنا كانت…’
“لا تزعج نفسَك، لقد بقيتُ مستيقظة بالفعل، لم أستطع النوم لدى قررتُ أن أدوِّن كل ما نحتاجه كما إتفقنا سابقًا.” قالت
“لقد نفِذت منا الخضار والفواكه!” قلنا جميعاً بنبرة حزينة.
“حسنا!” قلنا معا
كنا نقف جميعاً في المطبخ حينما أردت استعمال بعض الخضار على الغداء ووجدتُ أن كل ماتبقى هو بعض البطاطس التي بالكاد تكفي لغداء اليوم.
“آسف، لابد أن ضوء المصباح الزيتي أزعجكِ ولم يسمح لك بالنوم…” قلت
“ماذا سنفعل بخصوص هذا الآن.” قلت
“ماذا تقصد؟ كيف تظن أننا عشنا حياتنا في هذه الجبال القاسية كل هذه المدة في نظرك غير مخصوصين من أي شيئ؟” سأل رايندار
“لا بأس أمور كهذه تحصل. أليس كذلك ليارا؟” قال رايندار
“فهمت…” أجبت
أومأت ليارا برأسها بالإيجاب وبنبرةٍ متحمسة لما هو قادم.
“إليان أنت… لم تفقِد ذاكرتك، صحيح؟” سألَت بنبرة لطيفة
“حسناً في هذه الحالة إذاً جهِّزا نفسيكما فغذاً صباحاً سنتَّجه للمدينة!” أعلن رايندار
“تستخدم الأعشاب والنباتات الجبلية في العديد من الوصفات العلاجية، كما تستخرج منها أجود وأغلى أنواع الزيوت مما يجعلهم يُدِرُّون أموالًا جيدة، أضف لذلك أنهم يُستخدَمون للطعام والشراب كذلك، فهم إذاً منتوجات أساسية. وأما الفراء فيستخدم في صناعة الملابس الشتوية كما التي نرتديها والحصائر أيضاً، كما أن فراء الصقور وبعض أنواع الطيور يستخدمون كذلك للزينة والقبعات لدى النبلاء.” شَرَحَتْ
“يااااااي” صرخ الاثنان
“سنبيع سلعتنا الخاصة أيضًا بالطبع ونكسب منها مالًا كافياً لمقتنياتنا!” أجابت ليارا مبتسمة
صفق الاثنان راحة يديهما ببعض في فرحة حماسٍ عارمة غمرت ليارا خصوصًا وشاركها رايندار إيّاها.
“شيئٌ ما أريد إقتناءه؟! هممم… لا أدري بصراحة. إضافة إلى أن لا مال لي فأنا مفلسٌ تماماً!” أجبتها بإحراج
‘بالمدينة هم يقصدون سيرافين، إنها المدينة التي نقطُن فيها أساسًا، لكن كوخ رايندار يقبع قرب الجبال خارج المنطقة السكنية وبعيدًا عنها ببضعة أميال مشيًا على حدِّ قولهما.’
توقفَت لحظة، تحدّق في النافذة حيث الثلج يتساقط ببطء.
“ما المميَّز في المدينة لهذه الدرجة؟” سألتُ
“حسناً إذا سأذهب لتجهيز البضاعة التي سنأخدها رفقتنا؛ الفِراء والجلود، وأيضا بعض الأعشاب والنباتات. أنتما إكتبا لائحةً لاحتياجاتنا معا.” قال رايندار مغادراً المطبخ
أمسكت ليارا يديَّ بقوة واندفاع، إقترب وجهها من وجهي وهي تثرثر بحماسٍ واضح مفرط حول مزايا المدينة بفرح وإبتهاج.
إِلتَفَّت حول الكرسي الذي أنا جالسٌ عليه من الوراء، وأخفضت رأسها قرب وجهي لترى ما أقرأه.
“أتعلم يا إليان؟” قالت ليارا وعيناها تلمعان كما لو أن النار في الموقد انعكست داخلهما
إبتسمت بخفة وهي تُرتِّب سلة صغيرة قربها.
“المدينة دائمًا تجعلني أشعر أن العالم أكبر مما نظنه هنا بين الثلوج. الشوارع المزدحمة، رائحة الخبز الطازج في الصباح، وصوت الباعة ينادون من كل زاوية… حتى الهواء مختلف هناك، كأنه مملوء بالحكايات ويوجد العديد من السِّلع والأشياء المختلفة التي ستشدُّ إنتباهك أينما وجَّهت بصرك!” قالت بحماس
“لا بأس أمور كهذه تحصل. أليس كذلك ليارا؟” قال رايندار
إبتسمت بخفة وهي تُرتِّب سلة صغيرة قربها.
“أتعلم يا إليان؟” قالت ليارا وعيناها تلمعان كما لو أن النار في الموقد انعكست داخلهما
“أتوق لشراء بعض القماش الناعم، ليس مثل الصوف الخشن الذي ننسجه هنا، وهناك أيضًا تلك الحلوى التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة، ما اسمها؟ آه نعم، دورين المثلجة! كنت صغيرة عندما تذوقتها آخر مرة.”
“نعم حقاً!” قلت
توقفَت لحظة، تحدّق في النافذة حيث الثلج يتساقط ببطء.
“أتوق لشراء بعض القماش الناعم، ليس مثل الصوف الخشن الذي ننسجه هنا، وهناك أيضًا تلك الحلوى التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة، ما اسمها؟ آه نعم، دورين المثلجة! كنت صغيرة عندما تذوقتها آخر مرة.”
“ربما هي ليست أجمل من الجبال، لكنها مختلفة، صاخبة بطريقة تجعلني أشعر أني على قيد الحياة. في الجبال كل شيء صامت أكثر من اللازم، حتى الفرح يبدو همسًا. أما هناك، فالضحك يملأ الطرقات، والأنوار تبقى مشتعلة حتى الفجر. غدًا… أريد أن أمشي في تلك الطرقات كلها، حتى تتعب قدماي.” قالت مبتسمة
“لا بأس أمور كهذه تحصل. أليس كذلك ليارا؟” قال رايندار
‘ماهذا… إذاً ليارا أيضاً تستطيع صنع هذا الوجه الظريف.’
أومأت ليارا برأسها بالإيجاب وبنبرةٍ متحمسة لما هو قادم.
ثم نظرت إليَّ مبتسمة كطفلةٍ صغيرة في مساء رحلة مدرسية ميدانية، بطريقتها البسيطة التي تخفي حماسًا طفوليًا لم تعشه كما يجب ربما.
وجنتاها ارتفعتا بلطف، فانبثق منهما توهّجٌ ورديّ خفيف يذيب كل ما حوله، وعيناها تلك الزمرّديتان اللتان عادةً ما تبدوان جادتين تلألأتا الآن بصفاءٍ طفوليٍّ لا يشبهها حين تصمت بمظرها الجِدِّي المعتاد. شعرها الأشقر المائل إلى البني انزلق على عينيها بينما رأسها مالَ بخفّة، ليُكمِل المشهد الذي بدا كأن الحياة نفسها تبتسم من خلاله.
“ألستَ متحمسًا ولو قليلًا يا إليان؟ المدينة تنتظرنا، وأظنها اشتاقت لي كما اشتقت أنا إليها. ألا تملك شيئاً تريد إقتناءه غداً؟” سألَت
“من ذا الذي سيموت قريباً؟”
‘بالنسبة لهم في هذا العالم غير الحضاري قد تبدو أنشطةٌ بسيطة كالتسوُّق شيئًا تترقَّب وصوله، لكنني جئت من أكثر العوالم حضارةً، لا أظن أن شيئًا يُباع في أسواق المنطقة سيشدُّني مثل ليارا، كما أنني لا أُحبِّذ فكرة الذهاب، لست إجتماعيا أساسًا وأُفضِّل تجنب الاختلاط بالعديد من الناس…’
“لقد نفِذت منا الخضار والفواكه!” قلنا جميعاً بنبرة حزينة.
إنهالت عليّ بطاقة إيجابية كما لو أنني أحدق في الشمس المشرقة. نظرت في اتجاه رايندار فوجدته يومئ برأسه بالإيجاب على كل ثرثرتها مشاطراً إياها حماسها الطفولي بوجه سخيف.
‘بالمدينة هم يقصدون سيرافين، إنها المدينة التي نقطُن فيها أساسًا، لكن كوخ رايندار يقبع قرب الجبال خارج المنطقة السكنية وبعيدًا عنها ببضعة أميال مشيًا على حدِّ قولهما.’
‘ماهذا الوجه السخيف التي تُبديه في هذا العمر يا رجل!’
“أتوق لشراء بعض القماش الناعم، ليس مثل الصوف الخشن الذي ننسجه هنا، وهناك أيضًا تلك الحلوى التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة، ما اسمها؟ آه نعم، دورين المثلجة! كنت صغيرة عندما تذوقتها آخر مرة.”
“شيئٌ ما أريد إقتناءه؟! هممم… لا أدري بصراحة. إضافة إلى أن لا مال لي فأنا مفلسٌ تماماً!” أجبتها بإحراج
“تستخدم الأعشاب والنباتات الجبلية في العديد من الوصفات العلاجية، كما تستخرج منها أجود وأغلى أنواع الزيوت مما يجعلهم يُدِرُّون أموالًا جيدة، أضف لذلك أنهم يُستخدَمون للطعام والشراب كذلك، فهم إذاً منتوجات أساسية. وأما الفراء فيستخدم في صناعة الملابس الشتوية كما التي نرتديها والحصائر أيضاً، كما أن فراء الصقور وبعض أنواع الطيور يستخدمون كذلك للزينة والقبعات لدى النبلاء.” شَرَحَتْ
“ماذا تقصد؟ كيف تظن أننا عشنا حياتنا في هذه الجبال القاسية كل هذه المدة في نظرك غير مخصوصين من أي شيئ؟” سأل رايندار
“يااااااي” صرخ الاثنان
“سنبيع سلعتنا الخاصة أيضًا بالطبع ونكسب منها مالًا كافياً لمقتنياتنا!” أجابت ليارا مبتسمة
“آسف، لابد أن ضوء المصباح الزيتي أزعجكِ ولم يسمح لك بالنوم…” قلت
‘عَمَل؟ هذا الأسوأ!’
وجنتاها ارتفعتا بلطف، فانبثق منهما توهّجٌ ورديّ خفيف يذيب كل ما حوله، وعيناها تلك الزمرّديتان اللتان عادةً ما تبدوان جادتين تلألأتا الآن بصفاءٍ طفوليٍّ لا يشبهها حين تصمت بمظرها الجِدِّي المعتاد. شعرها الأشقر المائل إلى البني انزلق على عينيها بينما رأسها مالَ بخفّة، ليُكمِل المشهد الذي بدا كأن الحياة نفسها تبتسم من خلاله.
حين ابتسمت ليارا تلك المرة، بدا وكأن الضوء نفسه انحنى ليحطّ على وجهها. كانت ابتسامتها صافية على نحوٍ غريب، نادرة كوميض شمسٍ يطلّ من خلف الغيوم. رأيت أسنانها البيضاء تصطفّ بانسجامٍ تامّ، كأنها حبات لؤلؤ تشرّدت فوق شفتيها الورديتين، شفاهٌ لا تحمل تكلّف المدن بل دفء الجبال ونقائها.
حين ابتسمت ليارا تلك المرة، بدا وكأن الضوء نفسه انحنى ليحطّ على وجهها. كانت ابتسامتها صافية على نحوٍ غريب، نادرة كوميض شمسٍ يطلّ من خلف الغيوم. رأيت أسنانها البيضاء تصطفّ بانسجامٍ تامّ، كأنها حبات لؤلؤ تشرّدت فوق شفتيها الورديتين، شفاهٌ لا تحمل تكلّف المدن بل دفء الجبال ونقائها.
وجنتاها ارتفعتا بلطف، فانبثق منهما توهّجٌ ورديّ خفيف يذيب كل ما حوله، وعيناها تلك الزمرّديتان اللتان عادةً ما تبدوان جادتين تلألأتا الآن بصفاءٍ طفوليٍّ لا يشبهها حين تصمت بمظرها الجِدِّي المعتاد. شعرها الأشقر المائل إلى البني انزلق على عينيها بينما رأسها مالَ بخفّة، ليُكمِل المشهد الذي بدا كأن الحياة نفسها تبتسم من خلاله.
إنهالت عليّ بطاقة إيجابية كما لو أنني أحدق في الشمس المشرقة. نظرت في اتجاه رايندار فوجدته يومئ برأسه بالإيجاب على كل ثرثرتها مشاطراً إياها حماسها الطفولي بوجه سخيف.
في تلك اللحظة أدركتُ أنني لم أرَ ليارا من قبل حقًا… رأيت فقط ظلّها الهادئ، أما الآن فقد انكشف الوجه الذي تخفيه عن الغرباء، وجه دافئ، حيّ، يسرق الأنفاس دون أن يقصد.
يُتبع…
‘إنها… أملٌ…’
…
“حسناً إذا سأذهب لتجهيز البضاعة التي سنأخدها رفقتنا؛ الفِراء والجلود، وأيضا بعض الأعشاب والنباتات. أنتما إكتبا لائحةً لاحتياجاتنا معا.” قال رايندار مغادراً المطبخ
وضعت ما تحمله بيدها على الطاولة، ثم سحبت الكرسي الأقرب لي وجلست بجانبي على يميني. وضعت يدها اليمنى على خذها ونظرت في وجهي… نظرت نظرة شخصٍ واثق يعرِف كل شيئ. نظرة شخصٍ لا تستطيع استغباءه بتبادل سخيف بالكلمات كهذا… نظرةً جادَّة… نظرة شخصٍ موثوق بعينين خضراوتين قويَّتين لكنها تحافظ على إبتسامتها كمن حاولتَ مجاراته لكن إنتهى المطاف به هو من يُجاريك… لقد كانت تلك النوع من النظرات.
“حسنا!” قلنا معا
‘ماذا أقول بحق… يبدو أنني جعلتُ الأجواء الدافئة هنا تجرِفني رغم كل شيئ… أنا مثير للشفقة لكوني لازلت متمسكاً بالحياة ولديَّ طموحات سخيفة كهذه…’
“هل الأعشاب والنباتات وكذا الفراء والجلود يُباعون بشكلٍ جيد؟ أقصد ما الغرض منهم ليكونوا أهم سِلعنا!؟” قلتُ
“آسف، لابد أن ضوء المصباح الزيتي أزعجكِ ولم يسمح لك بالنوم…” قلت
“تستخدم الأعشاب والنباتات الجبلية في العديد من الوصفات العلاجية، كما تستخرج منها أجود وأغلى أنواع الزيوت مما يجعلهم يُدِرُّون أموالًا جيدة، أضف لذلك أنهم يُستخدَمون للطعام والشراب كذلك، فهم إذاً منتوجات أساسية. وأما الفراء فيستخدم في صناعة الملابس الشتوية كما التي نرتديها والحصائر أيضاً، كما أن فراء الصقور وبعض أنواع الطيور يستخدمون كذلك للزينة والقبعات لدى النبلاء.” شَرَحَتْ
“من ذا الذي سيموت قريباً؟”
“فهمت…” أجبت
“نعم حقاً!” قلت
…
“من ذا الذي سيموت قريباً؟”
‘في المساء، وبعد وجبة العشاء توجَّهتُ إلى غرفة المعيشة، مكاني المعتاد لدراسة اللغة. صحيحٌ أنني أتقنت اللغة الشمالية بالفعل، لكن تعلم المزيد من اللُّغات لن يضر، بما أنني فقدت الألعاب التي عليَّ تختيمها قبل وفاتي قرِّرتُ أن أتعلم شيئاً كإشارة إلى أنني مازلتُ على قيد الحياة. وهذا العالم يزخرُ بمختلف الثقافات واللُّغات بدوره، مما يجعل الأمر مثيراً للاهتمام، وجدتُ صدفةً أن تعلُّم اللغات أمرٌ ممتع. يبدو أن ليارا تتقن أغلب لغات العالم رُغم أنها لم تغادر مدينة سيرافين يومًا، لكنها قرأت بدورها العديد من الكتب كنوعٍ من التسلية في طفولتها على حدِّ قولها ما جعلها متمكنةً من أغلب اللُّغات وعلى دراية بمختلفِ الثقافات. حاليًا أنا أُراجعُ لغتي الشمالية و أدرسُ اللغة الإليثية وبعدها سأدرسُ اللغة الشرقية ثم اللغة السَّماوية الخالدة، ثم اللغة النورماندية، وهكذا دوالي…’
“هممم هذا جيد… أن تتعلم شيئًا جديدًا قصدي.” قالت
‘ماذا أقول بحق… يبدو أنني جعلتُ الأجواء الدافئة هنا تجرِفني رغم كل شيئ… أنا مثير للشفقة لكوني لازلت متمسكاً بالحياة ولديَّ طموحات سخيفة كهذه…’
“لابدَّ أن ذلك بسبب أن شيئا ما يشغلُ تفكيرك.” قالت
“سأموت قريباً… أنا…” تنهدت قائلًا
توقفَت لحظة، تحدّق في النافذة حيث الثلج يتساقط ببطء.
“من ذا الذي سيموت قريباً؟”
“نعم حقاً!” قلت
إنها ليارا… لقد قدمت لغرفة المعيشة ومعها ريشةٌ وورقة في يدها اليمنى، وزجاجة حبرٍ في يدها اليسرى.
‘بالنسبة لهم في هذا العالم غير الحضاري قد تبدو أنشطةٌ بسيطة كالتسوُّق شيئًا تترقَّب وصوله، لكنني جئت من أكثر العوالم حضارةً، لا أظن أن شيئًا يُباع في أسواق المنطقة سيشدُّني مثل ليارا، كما أنني لا أُحبِّذ فكرة الذهاب، لست إجتماعيا أساسًا وأُفضِّل تجنب الاختلاط بالعديد من الناس…’
‘ليارا… هل سمعت تذمُّري سابقاً؟ لم أسمع عزفها بالناي الليلة، لم ألحظ ذلك إلا الآن.’
“ليس بالشيئ الكبير… أنا فقط قررتُ تعلُّم شيئٍ جديد… يبدو أنني أجهل الكثير…” قلت بنبرة خافتة سخيفة
“آسف، لابد أن ضوء المصباح الزيتي أزعجكِ ولم يسمح لك بالنوم…” قلت
‘عَمَل؟ هذا الأسوأ!’
“لا تزعج نفسَك، لقد بقيتُ مستيقظة بالفعل، لم أستطع النوم لدى قررتُ أن أدوِّن كل ما نحتاجه كما إتفقنا سابقًا.” قالت
“لقد نفِذت منا الخضار والفواكه!” قلنا جميعاً بنبرة حزينة.
“لقد نسيتُ ذلك تماماً، لقد إختفى عن بالي وتفكيري فعلًا.” قلت
“فهمت…” أجبت
“لابدَّ أن ذلك بسبب أن شيئا ما يشغلُ تفكيرك.” قالت
ثم نظرت إليَّ مبتسمة كطفلةٍ صغيرة في مساء رحلة مدرسية ميدانية، بطريقتها البسيطة التي تخفي حماسًا طفوليًا لم تعشه كما يجب ربما.
إِلتَفَّت حول الكرسي الذي أنا جالسٌ عليه من الوراء، وأخفضت رأسها قرب وجهي لترى ما أقرأه.
ثم نظرت إليَّ مبتسمة كطفلةٍ صغيرة في مساء رحلة مدرسية ميدانية، بطريقتها البسيطة التي تخفي حماسًا طفوليًا لم تعشه كما يجب ربما.
‘قريبة جدا!’
“حسناً إذا سأذهب لتجهيز البضاعة التي سنأخدها رفقتنا؛ الفِراء والجلود، وأيضا بعض الأعشاب والنباتات. أنتما إكتبا لائحةً لاحتياجاتنا معا.” قال رايندار مغادراً المطبخ
“إذا ماذا لدينا هنا ياترى؟ أوه اللغة الإليثية! إليان أنت مجتهد فعلًا…”
“ليس بالشيئ الكبير… أنا فقط قررتُ تعلُّم شيئٍ جديد… يبدو أنني أجهل الكثير…” قلت بنبرة خافتة سخيفة
“إليان أنت… لم تفقِد ذاكرتك، صحيح؟” سألَت بنبرة لطيفة
“هممم هذا جيد… أن تتعلم شيئًا جديدًا قصدي.” قالت
“أتوق لشراء بعض القماش الناعم، ليس مثل الصوف الخشن الذي ننسجه هنا، وهناك أيضًا تلك الحلوى التي يبيعها الرجل العجوز قرب الساحة، ما اسمها؟ آه نعم، دورين المثلجة! كنت صغيرة عندما تذوقتها آخر مرة.”
“نعم.” أجبت
…
وضعت ما تحمله بيدها على الطاولة، ثم سحبت الكرسي الأقرب لي وجلست بجانبي على يميني. وضعت يدها اليمنى على خذها ونظرت في وجهي… نظرت نظرة شخصٍ واثق يعرِف كل شيئ. نظرة شخصٍ لا تستطيع استغباءه بتبادل سخيف بالكلمات كهذا… نظرةً جادَّة… نظرة شخصٍ موثوق بعينين خضراوتين قويَّتين لكنها تحافظ على إبتسامتها كمن حاولتَ مجاراته لكن إنتهى المطاف به هو من يُجاريك… لقد كانت تلك النوع من النظرات.
“هل الأعشاب والنباتات وكذا الفراء والجلود يُباعون بشكلٍ جيد؟ أقصد ما الغرض منهم ليكونوا أهم سِلعنا!؟” قلتُ
“ما ذلك الكلام سابقاً عن كونك ستموت قريباً؟” قالت بلطف
“ماذا سنفعل بخصوص هذا الآن.” قلت
“هيه؟! ماذا تقصدين؟ لقد كان تعبيراً مزاجياً ليس إلَّا عن أن اللُّغة الإليثية صعبة بجدِّية…” قلت بنبرة سخيفة متهرِّباً من سؤالها
“سنبيع سلعتنا الخاصة أيضًا بالطبع ونكسب منها مالًا كافياً لمقتنياتنا!” أجابت ليارا مبتسمة
“فعلًا… إنها لا تُقارن باللغة الشمالية من ناحية الصعوبة حتى!” قالت
“حسناً في هذه الحالة إذاً جهِّزا نفسيكما فغذاً صباحاً سنتَّجه للمدينة!” أعلن رايندار
“نعم حقاً!” قلت
“ألستَ متحمسًا ولو قليلًا يا إليان؟ المدينة تنتظرنا، وأظنها اشتاقت لي كما اشتقت أنا إليها. ألا تملك شيئاً تريد إقتناءه غداً؟” سألَت
“إليان أنت… لم تفقِد ذاكرتك، صحيح؟” سألَت بنبرة لطيفة
‘ماذا أقول بحق… يبدو أنني جعلتُ الأجواء الدافئة هنا تجرِفني رغم كل شيئ… أنا مثير للشفقة لكوني لازلت متمسكاً بالحياة ولديَّ طموحات سخيفة كهذه…’
يُتبع…
أومأت ليارا برأسها بالإيجاب وبنبرةٍ متحمسة لما هو قادم.
“سأموت قريباً… أنا…” تنهدت قائلًا
