يوم عادي في مدينة سيرافين - الجزء 3
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
‘لا أفهم شيئاً… هل ما سمعته خطأ أو ما شابه؟ ربما لم أتقن اللغة الشمالية بعد كل شيئ؟ هل أطلب منها تكرير طلبها؟’
“…” إلتزمتُ الصمت بوجهٍ مبهم كما لو أنني لم أفهم شيئًا مما قالتهُ… هذا الفِعل ينجح دائمًا في التسليك للأسئلة التي لا أُريد الإجابة عنها…
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
“نعم…” أجبت بحذر
**********
‘هل غيَّرَتْ الموضوع للتَّو؟ لماذا أشعر وكأنها تلاعبت بي حالياً؟ ماذا حدث في هذه المحادثة البسيطة؟’
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
“هلّا تعيدين طلبكِ يا سيدة؟” طلبتُ بأدب
نظرت إليها نظرة مبهمة… يبدو أن هذه العاصفة الخفيفة مرَّت ولن تعود… للآن على الأقل.
“ألا تستمع!” صرخَت
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
‘إنها عجوز عصبية بحق، رغم أنها بطول ساقيّ.’
**********
‘ماهذا الوضع… هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!’
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
“أريد….” كرَّرَت بخجل
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
“هاها ستكونان بخير. معك ليارا وهي متمرِّسة في ذلك لن يستغرقكما الأمر وقتاً. بالإضافة إلى أنك لن تحتاج الترويج للسِّلع بعد الآن…” قال
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
“ما كلُّ هذا التخطيط الذي جعلك تسهرُ الليل بطوله يارجل؟ هل أنت زوجتي أو ماشابه؟” قال بإزدراء
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
“حسناً حسناً يا أبتي لا بأس بذلك صحيح؟ أن نرى مثل هذه التصرفات الطفولية من شخص جادٍّ مثل إليان أحياناً، ألا توافقني؟” قالت بابتسامة
“نعم…” أجبت بحذر
‘هل حلَّ عليَّ زمن العبودية أو ماشابه؟ هل عليّ السكوت فقط كي لاتكشف أمري الآن!؟’
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور… الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد… ليارا كانت تكفي وأكثر.
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
‘ماهذا الوضع… هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!’
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
في منتصف السوق، ينتصب موقدٌ ضخم تُشعل فيه جذوع الأشجار الجبلية العطرة، حوله يجتمع المسافرون ليتدفأوا ويبادلوا القصص. من هناك، يمكن رؤية الأبراج البيضاء للعاصمة وهي تلوح فوق الأسطح، تذكيرٌ دائم بأن سيرافين رغم صخبها، ما زالت مدينة من الثلج والنار، متحضّرة بما يكفي لتُبهر، وبسيطة بما يكفي لتُحب.
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
‘ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس…’
تحت الأقدام، يصدر الثلج صوتًا خافتًا كأن الأرض تئنّ من وطأة السير عليها، وفي بعض المواضع تُرى آثار ذئابٍ أو حيوانات جبلية عبرت في الليل، ممّا يزيد المكان حياة رغم سكونه. من حينٍ لآخر، تهبّ ريحٌ قوية تنثر ذرات الثلج في الهواء كرمادٍ مضيء، فتغدو الرؤية ضبابية إلا من لمعانٍ خافت في الأفق، حيث تلوح قمم الجبال البعيدة كأشباحٍ فضية.
بعد مدة ليست بالكثيرة كانت كل سِلعتنا قد بيعت سلفًا وقد حصلنا على قدرٍ كبيرٍ من العملة، لكن رايندار لم يكن قد عاد من تسوُّقه بعد فوقفنا في صمتٍ كبير نشاهد الناس من رجالٍ ونساء وأطفال وهم يمشُون بين أكشاك وخيام السوق بضجيج خافت يثلج الصدر.
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
**********
كان سوق سيرافين أشبه بقلبٍ نابض في جسد المدينة الجبلية، دافئ رغم البرد الذي يلفّ كل شيء من حوله. على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة الرمادية، تتناثر الأكشاك الخشبية المزخرفة بنقوشٍ قديمة تمثل رموز الحماية من الصقيع. رائحةُ الخبز الطازج تمتزج بدخان الفحم وعبق الأعشاب الجبلية، لتخلق مزيجًا يجعل الداخل إليه يشعر كأنه غادر الشتاء للحظات.
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
الناس يتحركون بخطًى سريعة، أكتافهم ملفوفة بالفراء، وأصواتهم تتعالى فوق بعضها، بائع ينادي على لحم الأرانب المدخن، وآخر يعرض جلود الدببة الثقيلة، وامرأة عجوز تبيع تبرّكات من الريش والحجارة اللامعة التي تزعم أنها تحفظ الدفء في الليالي الطويلة. الأطفال يركضون بين الأرجل يلهثون من البرد والضحك، والثلج يذوب ببطء تحت الأقدام، مكوّنًا خطوطًا من الماء الرمادي تعكس أضواء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
في منتصف السوق، ينتصب موقدٌ ضخم تُشعل فيه جذوع الأشجار الجبلية العطرة، حوله يجتمع المسافرون ليتدفأوا ويبادلوا القصص. من هناك، يمكن رؤية الأبراج البيضاء للعاصمة وهي تلوح فوق الأسطح، تذكيرٌ دائم بأن سيرافين رغم صخبها، ما زالت مدينة من الثلج والنار، متحضّرة بما يكفي لتُبهر، وبسيطة بما يكفي لتُحب.
“أريد….” كرَّرَت بخجل
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
“لدينا أعشاب ونباتات جبلية نادرة للتطبيب والطبخ وغيرها، وكذا فِراء وجلود الدببة والغزلان والأرانب وبعض لحومها ولحوم الطيور الجيِّدة… سِلعة نادرة من الجبال لن تجدوها في مكانٍ آخر!” صرخ قائلًا بحيوية ونشاط
إنحنت شفاهها للأسفل مطأطأة رأسها بحزن…
“إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم.” قال
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
“هل تتوقع منا أن نبيع كل هذا بمفردنا؟ لا تتوقع أنني بمثل مهاراتك الترويجية…” قلت
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
“هاها ستكونان بخير. معك ليارا وهي متمرِّسة في ذلك لن يستغرقكما الأمر وقتاً. بالإضافة إلى أنك لن تحتاج الترويج للسِّلع بعد الآن…” قال
إلتفتت ليارا لها مبتسمةً كما التجار المتمرِّسين.
لم أفهم قصده لكن بعد كلامه مباشرة تجمهَر حولنا حشدٌ كبير بالعشرات، يسألون عن توفُّر بعض المنتوجات وثمن أخرى…
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور… الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد… ليارا كانت تكفي وأكثر.
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
ثم إنتبهت لصوتٍ يأتي من الأسفل لشخصٍ يناديني باستمرار وأنا كنتُ في سهوٍ عن نداءه المستمر.
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
“ألا تستمع!” صرخَت
“هل تتوقع منا أن نبيع كل هذا بمفردنا؟ لا تتوقع أنني بمثل مهاراتك الترويجية…” قلت
لقد كانت إمرأةً عجوزًا قصيرة القامة بالكاد تُرى إن لم تُخفض رأسك. يبدو أنها كانت تناديني منذ مدة دون إدراك منِّي.
‘هكذا إذا… هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا… مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.’
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
“أطفالُ هذه الأيام، كلكم أصبحتم مثل العجائز رغم أنكم في ريعان شبابكم” قالت
إلتفتتُ إلى ليارا أنظر إليها نظرة شخصٍ يحتاج تفسيرًا عاجلًا.
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
“هلَّا كرَّرتي طلبكِ؟” قلت
“نعم…” أجبت بحذر
“أريد….” كرَّرَت بخجل
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
إقتربتُ بأذني منها لسماع طلبها ثم كررت سؤالي.
“هاها ستكونان بخير. معك ليارا وهي متمرِّسة في ذلك لن يستغرقكما الأمر وقتاً. بالإضافة إلى أنك لن تحتاج الترويج للسِّلع بعد الآن…” قال
“هلّا تعيدين طلبكِ يا سيدة؟” طلبتُ بأدب
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
“إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده…” قالت بنبرةٍ حزينة
بقيتُ أحدِّق فيها بعينين فارغتين كالظلام…
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
‘لا أفهم شيئاً… هل ما سمعته خطأ أو ما شابه؟ ربما لم أتقن اللغة الشمالية بعد كل شيئ؟ هل أطلب منها تكرير طلبها؟’
يُتبع…
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
‘ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس…’
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
“إذا؟ هل ستتركني أنتظر هنا أم ماذا اللعنة!”
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
‘إنها عجوز عصبية بحق، رغم أنها بطول ساقيّ.’
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
إلتفتت ليارا لها مبتسمةً كما التجار المتمرِّسين.
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور… الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد… ليارا كانت تكفي وأكثر.
“سيدة كيث العجوز؟ كيف حالك!؟ طلبيتُك المعتادة جاهزة بطبيعة الحال!” قالت بابتسامة
إنحنت شفاهها للأسفل مطأطأة رأسها بحزن…
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
“أريد….” كرَّرَت بخجل
‘شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟’
“أريد….” كرَّرَت بخجل
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
نظرت إليّ العجوز نظرة إزدراءٍ وهي تستلم طلبها من ليارا المبتسمة. رمقتني بنظرة تضعني بها في مكانة أسفل من القمامة نفسها مغادرةً.
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
“لقيط!…” قالت بإزدراء
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
إلتفتتُ إلى ليارا أنظر إليها نظرة شخصٍ يحتاج تفسيرًا عاجلًا.
إقتربتُ بأذني منها لسماع طلبها ثم كررت سؤالي.
“أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم.” قالت
“هكذا إذاً…” قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
‘هكذا إذا… هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا… مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.’
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
“أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم.” قالت
“هكذا إذاً…” قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
“…” إلتزمتُ الصمت بوجهٍ مبهم كما لو أنني لم أفهم شيئًا مما قالتهُ… هذا الفِعل ينجح دائمًا في التسليك للأسئلة التي لا أُريد الإجابة عنها…
“في ماذا كنت تفكر حول إمرأةٍ عجوز بعمرها… صدقاً!” قالت
يُتبع…
**********
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
بعد مدة ليست بالكثيرة كانت كل سِلعتنا قد بيعت سلفًا وقد حصلنا على قدرٍ كبيرٍ من العملة، لكن رايندار لم يكن قد عاد من تسوُّقه بعد فوقفنا في صمتٍ كبير نشاهد الناس من رجالٍ ونساء وأطفال وهم يمشُون بين أكشاك وخيام السوق بضجيج خافت يثلج الصدر.
**********
فتاةٌ صغيرة في قرابة العاشرة من عمرها، قصيرة القامة وقفت أمام سلَّتنا الفارغة. شعرُها بنيُّ ناعم طويل يحيط بوجه شاحب صافٍ، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. كانت ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء… كانت فتاةً مشرقة رغم ملامحها الباهتة.
‘لا أفهم شيئاً… هل ما سمعته خطأ أو ما شابه؟ ربما لم أتقن اللغة الشمالية بعد كل شيئ؟ هل أطلب منها تكرير طلبها؟’
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
“هلّا تعيدين طلبكِ يا سيدة؟” طلبتُ بأدب
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
“ألا تستمع!” صرخَت
“آسف… لكن كما ترين لقد نفِذت منا سلعتنا للتو… كما أننا لا نبيعُ الحلوى.” قلت
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
“إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده…” قالت بنبرةٍ حزينة
إلتفتتُ إلى ليارا أنظر إليها نظرة شخصٍ يحتاج تفسيرًا عاجلًا.
إنحنت شفاهها للأسفل مطأطأة رأسها بحزن…
‘ماهذا الوضع… هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!’
فجأة… تغيَّر الجو في لمح البصر من صحو دافئ يبعث نور الشمس من بين الغيام البيضاء التي تغطي سماءه الزرقاء، إلى جوٍّ كئيب دون سابق إنذار… تلك السماء الزرقاء تحوَّلت إلى رماديٍّ داكنٍ أقرب إلى السَّواد، وتلك الغيام البيضاء تفاعلَت معه فتحول بياضُها إلى لون رمادٍ يغطِّي حزن السماء. ازدادت حجمًا وتكثلت حتى حجبت نور الشمس الدافئ الذي غطّى بياض الثلوج بالبهجة، فإنتقلت الأجواء من الفرحِ إلى العزاء، وكأن جنازةً نُصِبت خيامها في هذا السوق المكتظ.
“ما كلُّ هذا التخطيط الذي جعلك تسهرُ الليل بطوله يارجل؟ هل أنت زوجتي أو ماشابه؟” قال بإزدراء
يُتبع…
“هلَّا كرَّرتي طلبكِ؟” قلت
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
