يوم عادي في مدينة سيرافين - الجزء 3
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
“…” إلتزمتُ الصمت بوجهٍ مبهم كما لو أنني لم أفهم شيئًا مما قالتهُ… هذا الفِعل ينجح دائمًا في التسليك للأسئلة التي لا أُريد الإجابة عنها…
يُتبع…
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
“أريد….” كرَّرَت بخجل
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
“إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم.” قال
“نعم…” أجبت بحذر
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
‘هل غيَّرَتْ الموضوع للتَّو؟ لماذا أشعر وكأنها تلاعبت بي حالياً؟ ماذا حدث في هذه المحادثة البسيطة؟’
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
“سيِّد طباخ… أحتاج أن تقدم لي لائحة الفواكه، الخضراوات، التوابل، وكل ما تحتاجه لتطهو لنا تلك الوجبات الشهيَّة خاصتك.” قالت
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
نظرت إليها نظرة مبهمة… يبدو أن هذه العاصفة الخفيفة مرَّت ولن تعود… للآن على الأقل.
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
‘ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس…’
**********
‘إنها عجوز عصبية بحق، رغم أنها بطول ساقيّ.’
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
“سيدة كيث العجوز؟ كيف حالك!؟ طلبيتُك المعتادة جاهزة بطبيعة الحال!” قالت بابتسامة
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
وعليه، أمضينا الليلة بأكملها ندوِّن محتجياتنا للغد لأن حماس ليارا قد سيطر على الأجواء وأخذنا ندوِّن من شيئٍ لآخر حتى بزغ فجرُ الصباح…
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
كان سوق سيرافين أشبه بقلبٍ نابض في جسد المدينة الجبلية، دافئ رغم البرد الذي يلفّ كل شيء من حوله. على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة الرمادية، تتناثر الأكشاك الخشبية المزخرفة بنقوشٍ قديمة تمثل رموز الحماية من الصقيع. رائحةُ الخبز الطازج تمتزج بدخان الفحم وعبق الأعشاب الجبلية، لتخلق مزيجًا يجعل الداخل إليه يشعر كأنه غادر الشتاء للحظات.
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
“ما كلُّ هذا التخطيط الذي جعلك تسهرُ الليل بطوله يارجل؟ هل أنت زوجتي أو ماشابه؟” قال بإزدراء
“آسف… لكن كما ترين لقد نفِذت منا سلعتنا للتو… كما أننا لا نبيعُ الحلوى.” قلت
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
“حسناً حسناً يا أبتي لا بأس بذلك صحيح؟ أن نرى مثل هذه التصرفات الطفولية من شخص جادٍّ مثل إليان أحياناً، ألا توافقني؟” قالت بابتسامة
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
‘هل حلَّ عليَّ زمن العبودية أو ماشابه؟ هل عليّ السكوت فقط كي لاتكشف أمري الآن!؟’
كان سوق سيرافين أشبه بقلبٍ نابض في جسد المدينة الجبلية، دافئ رغم البرد الذي يلفّ كل شيء من حوله. على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة الرمادية، تتناثر الأكشاك الخشبية المزخرفة بنقوشٍ قديمة تمثل رموز الحماية من الصقيع. رائحةُ الخبز الطازج تمتزج بدخان الفحم وعبق الأعشاب الجبلية، لتخلق مزيجًا يجعل الداخل إليه يشعر كأنه غادر الشتاء للحظات.
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
**********
‘ماهذا الوضع… هل يتم الترحيب بي حالياً؟ أم ربما أنا ضحية تنمر؟ أيُّهما؟!’
ثم إنتبهت لصوتٍ يأتي من الأسفل لشخصٍ يناديني باستمرار وأنا كنتُ في سهوٍ عن نداءه المستمر.
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
غادر الغرفة، ثم تبعته ليارا بحماس تاركينني وحيداً جالسًا على طاولة غرفة المعيشة والرغبة في النوم تُحيط بي… وضعتُ رأسي على الطاولة وتنهدت طويلًا.
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
‘هل أنا الوحيد الغير متحمِّس للتسوُّق…’
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
فتاةٌ صغيرة في قرابة العاشرة من عمرها، قصيرة القامة وقفت أمام سلَّتنا الفارغة. شعرُها بنيُّ ناعم طويل يحيط بوجه شاحب صافٍ، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. كانت ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء… كانت فتاةً مشرقة رغم ملامحها الباهتة.
خرجنا بعد الإنتهاء من فطورنا، لقد كان الجوُّ لطيفاً ومعتدلًا على غير المتوقَّع ومناسبًا للمشي لمسافة لابأس بها كهذه. السوق ليس بعيداً بشكل كبير، المشي لن يستغرقنا أكثر من ساعة أو نحو ذلك. لذا كان الجوُّ مبشِراً.
“ألا تستمع!” صرخَت
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
نظرت إليّ العجوز نظرة إزدراءٍ وهي تستلم طلبها من ليارا المبتسمة. رمقتني بنظرة تضعني بها في مكانة أسفل من القمامة نفسها مغادرةً.
تحت الأقدام، يصدر الثلج صوتًا خافتًا كأن الأرض تئنّ من وطأة السير عليها، وفي بعض المواضع تُرى آثار ذئابٍ أو حيوانات جبلية عبرت في الليل، ممّا يزيد المكان حياة رغم سكونه. من حينٍ لآخر، تهبّ ريحٌ قوية تنثر ذرات الثلج في الهواء كرمادٍ مضيء، فتغدو الرؤية ضبابية إلا من لمعانٍ خافت في الأفق، حيث تلوح قمم الجبال البعيدة كأشباحٍ فضية.
فجأة… تغيَّر الجو في لمح البصر من صحو دافئ يبعث نور الشمس من بين الغيام البيضاء التي تغطي سماءه الزرقاء، إلى جوٍّ كئيب دون سابق إنذار… تلك السماء الزرقاء تحوَّلت إلى رماديٍّ داكنٍ أقرب إلى السَّواد، وتلك الغيام البيضاء تفاعلَت معه فتحول بياضُها إلى لون رمادٍ يغطِّي حزن السماء. ازدادت حجمًا وتكثلت حتى حجبت نور الشمس الدافئ الذي غطّى بياض الثلوج بالبهجة، فإنتقلت الأجواء من الفرحِ إلى العزاء، وكأن جنازةً نُصِبت خيامها في هذا السوق المكتظ.
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
“أوافقك قولًا ليارا هاها! لا تلقي لذلك بالًا إليان، فسوف آخد معي كميَّة من المال للحيطة” قال مبتسما
كان سوق سيرافين أشبه بقلبٍ نابض في جسد المدينة الجبلية، دافئ رغم البرد الذي يلفّ كل شيء من حوله. على طول الشوارع المرصوفة بالحجارة الرمادية، تتناثر الأكشاك الخشبية المزخرفة بنقوشٍ قديمة تمثل رموز الحماية من الصقيع. رائحةُ الخبز الطازج تمتزج بدخان الفحم وعبق الأعشاب الجبلية، لتخلق مزيجًا يجعل الداخل إليه يشعر كأنه غادر الشتاء للحظات.
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
الناس يتحركون بخطًى سريعة، أكتافهم ملفوفة بالفراء، وأصواتهم تتعالى فوق بعضها، بائع ينادي على لحم الأرانب المدخن، وآخر يعرض جلود الدببة الثقيلة، وامرأة عجوز تبيع تبرّكات من الريش والحجارة اللامعة التي تزعم أنها تحفظ الدفء في الليالي الطويلة. الأطفال يركضون بين الأرجل يلهثون من البرد والضحك، والثلج يذوب ببطء تحت الأقدام، مكوّنًا خطوطًا من الماء الرمادي تعكس أضواء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
“إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده…” قالت بنبرةٍ حزينة
في منتصف السوق، ينتصب موقدٌ ضخم تُشعل فيه جذوع الأشجار الجبلية العطرة، حوله يجتمع المسافرون ليتدفأوا ويبادلوا القصص. من هناك، يمكن رؤية الأبراج البيضاء للعاصمة وهي تلوح فوق الأسطح، تذكيرٌ دائم بأن سيرافين رغم صخبها، ما زالت مدينة من الثلج والنار، متحضّرة بما يكفي لتُبهر، وبسيطة بما يكفي لتُحب.
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
“لدينا أعشاب ونباتات جبلية نادرة للتطبيب والطبخ وغيرها، وكذا فِراء وجلود الدببة والغزلان والأرانب وبعض لحومها ولحوم الطيور الجيِّدة… سِلعة نادرة من الجبال لن تجدوها في مكانٍ آخر!” صرخ قائلًا بحيوية ونشاط
‘شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟’
“إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم.” قال
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
“هل تتوقع منا أن نبيع كل هذا بمفردنا؟ لا تتوقع أنني بمثل مهاراتك الترويجية…” قلت
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
“هاها ستكونان بخير. معك ليارا وهي متمرِّسة في ذلك لن يستغرقكما الأمر وقتاً. بالإضافة إلى أنك لن تحتاج الترويج للسِّلع بعد الآن…” قال
كان الطريق إلى سيرافين يمتد كخيطٍ أبيضَ يشقُّ صمت الجبال المكلّلة بالثلوج. الهواء بارد إلى حدّ يلسع العظم، والأنفاس تتبدّد كسُحبٍ صغيرة في الفضاء الرمادي. الأشجار فارعة الطول تصطفُّ على جانبي الطريق كحُرّاسٍ صامتين، أغصانها مثقلة بالجليد حتى تنحني كأنها تنحّي نفسها احترامًا للعابرين.
لم أفهم قصده لكن بعد كلامه مباشرة تجمهَر حولنا حشدٌ كبير بالعشرات، يسألون عن توفُّر بعض المنتوجات وثمن أخرى…
بعد مدة ليست بالكثيرة كانت كل سِلعتنا قد بيعت سلفًا وقد حصلنا على قدرٍ كبيرٍ من العملة، لكن رايندار لم يكن قد عاد من تسوُّقه بعد فوقفنا في صمتٍ كبير نشاهد الناس من رجالٍ ونساء وأطفال وهم يمشُون بين أكشاك وخيام السوق بضجيج خافت يثلج الصدر.
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور… الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد… ليارا كانت تكفي وأكثر.
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
‘آااه الإنحياز لظرافة النساء نفسُه مهما اختلفت العوالِم إذًا…’
‘ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس…’
ثم إنتبهت لصوتٍ يأتي من الأسفل لشخصٍ يناديني باستمرار وأنا كنتُ في سهوٍ عن نداءه المستمر.
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
“ألا تستمع!” صرخَت
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
لقد كانت إمرأةً عجوزًا قصيرة القامة بالكاد تُرى إن لم تُخفض رأسك. يبدو أنها كانت تناديني منذ مدة دون إدراك منِّي.
الناس يتحركون بخطًى سريعة، أكتافهم ملفوفة بالفراء، وأصواتهم تتعالى فوق بعضها، بائع ينادي على لحم الأرانب المدخن، وآخر يعرض جلود الدببة الثقيلة، وامرأة عجوز تبيع تبرّكات من الريش والحجارة اللامعة التي تزعم أنها تحفظ الدفء في الليالي الطويلة. الأطفال يركضون بين الأرجل يلهثون من البرد والضحك، والثلج يذوب ببطء تحت الأقدام، مكوّنًا خطوطًا من الماء الرمادي تعكس أضواء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
“آسف على ردِّي المتأخر، لقد كنتُ مشتت التركيز.” اعتذرت
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
“أطفالُ هذه الأيام، كلكم أصبحتم مثل العجائز رغم أنكم في ريعان شبابكم” قالت
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
“إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده…” قالت بنبرةٍ حزينة
“أريد….” قالت بصوتٍ منخفض
‘ما الذي يجري هنا؟ ماهذه الأجواء المشحونة فجأة… ماهذا الحضور الغريب؟’
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
فجأة… تغيَّر الجو في لمح البصر من صحو دافئ يبعث نور الشمس من بين الغيام البيضاء التي تغطي سماءه الزرقاء، إلى جوٍّ كئيب دون سابق إنذار… تلك السماء الزرقاء تحوَّلت إلى رماديٍّ داكنٍ أقرب إلى السَّواد، وتلك الغيام البيضاء تفاعلَت معه فتحول بياضُها إلى لون رمادٍ يغطِّي حزن السماء. ازدادت حجمًا وتكثلت حتى حجبت نور الشمس الدافئ الذي غطّى بياض الثلوج بالبهجة، فإنتقلت الأجواء من الفرحِ إلى العزاء، وكأن جنازةً نُصِبت خيامها في هذا السوق المكتظ.
“هلَّا كرَّرتي طلبكِ؟” قلت
“ألا تستمع!” صرخَت
“أريد….” كرَّرَت بخجل
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
إقتربتُ بأذني منها لسماع طلبها ثم كررت سؤالي.
‘هل غيَّرَتْ الموضوع للتَّو؟ لماذا أشعر وكأنها تلاعبت بي حالياً؟ ماذا حدث في هذه المحادثة البسيطة؟’
“هلّا تعيدين طلبكِ يا سيدة؟” طلبتُ بأدب
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
“أريد أعشاب تقوية الأداء الجنسي… اللعنة يا أيها الطفل، ألم تسمع ذلك منذ الصباح!؟” صرَخَت في أذني
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
بقيتُ أحدِّق فيها بعينين فارغتين كالظلام…
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
‘لا أفهم شيئاً… هل ما سمعته خطأ أو ما شابه؟ ربما لم أتقن اللغة الشمالية بعد كل شيئ؟ هل أطلب منها تكرير طلبها؟’
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
‘ربما لم أنم كما يجب وبدأتُ أهلوس…’
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
“إذا؟ هل ستتركني أنتظر هنا أم ماذا اللعنة!”
إتجهت بعذ ذلك للمطبخ لتجهيز الفطور، ثم إرتديت ملابسي التي قدَّمها لي رايندار وإجتمعنا على مائدة الفطور لتناول وجبتنا قبل الخروج.
‘إنها عجوز عصبية بحق، رغم أنها بطول ساقيّ.’
‘هكذا إذا… هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا… مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.’
إلتفتت ليارا لها مبتسمةً كما التجار المتمرِّسين.
أمامه كان يجلسُ في غرفةِ المعيشة وجهان متناقضان تماماً، أحدهما مفعمٌ بالنشاط كما وجه أبيه، والآخر نعسانٌ وكسولٌ كما لو أنه لم يغفو له جفنٌ هذه الليلة.
“سيدة كيث العجوز؟ كيف حالك!؟ طلبيتُك المعتادة جاهزة بطبيعة الحال!” قالت بابتسامة
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
‘شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟’
‘شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟’
“إذًا أنتما أريد منكما بيع كل شيئ في السَّلة، وأنا سأذهب ومعي هذه الورقة التي دوَّنتها من حاجيّات أساسية لإقتنائها من البيَّاعين المتجولين قبل رحيلهم.” قال
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
“ماذا حدثَ إليان؟ أ لم تنم؟” قال
نظرت إليّ العجوز نظرة إزدراءٍ وهي تستلم طلبها من ليارا المبتسمة. رمقتني بنظرة تضعني بها في مكانة أسفل من القمامة نفسها مغادرةً.
“ليارا أنتِ هنا! لم أرك بسبب هذا الحشد الكبير… أين هو فارِسي رايندار؟ ومن هذا الشاب اللَّقيط؟” سألَتْ
“لقيط!…” قالت بإزدراء
نظرت إليها بالأسفل وملامح الحياء والخجل تعتلي وجهها… إنها حتماً في الثمانينات من عمرها كأقلِّ تقدير، لكنها مازالت تستطيع صُنع هذا الوجه الخجول كالمراهقين…
إلتفتتُ إلى ليارا أنظر إليها نظرة شخصٍ يحتاج تفسيرًا عاجلًا.
“هل تتوقع منا أن نبيع كل هذا بمفردنا؟ لا تتوقع أنني بمثل مهاراتك الترويجية…” قلت
“أوه إنها تستعملها للمساعدة في التوازن الهرموني ليس إلَّا، فبعض الأعشاب مثل هذه التي إقتنتها تستخدم أيضاً لتنظيم إفراز الهرمونات، خصوصًا لدى النساء بعد سنٍّ معينة، لتخفيف أعراض الإرهاق أو اضطرابات النوم.” قالت
أمامي كانت توجد ورقة ممتلئة بالحاجيَّات من كلا الجانبين.
‘هكذا إذا… هل كان كل ذلك سوء فهم ليس إلَّا… مهلا، هل هذا يعني أنني كنت لقيطًا فعلًا وغير مهذب للتَّو.’
لا أدري حقا لماذا أخفي عليهم موضوع الانتقال من عالمٍ آخر… لكنه يبدو التصرُّف الأكثر حذر.
نظرتُ إلى ليارا نفس النظرة الفارغة…
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
“هكذا إذاً…” قلت بهدوء وكأنَّ شيئًا لم يكُن
سمعتُ الكلمة الأولى لكن ماجاء بعدها ذهبت به الرياح. تمتمة لم أستطع سماعها بأذنيّ.
“في ماذا كنت تفكر حول إمرأةٍ عجوز بعمرها… صدقاً!” قالت
إنه أول تفاعلٍ لي مع هذا الكمِّ من البشر منذ شهور… الوضع مربك. إلتفتتُ إلى ليارا فوجدتها تستمتع بوقتها في التعامل مع هذا العدد من الزبناء. وفجأة إنتبهتُ أن الحشد الكبير الذي إجتمع حولنا سُرعان ما نصبوا تركيزهم على ليارا وبقيتُ كمن لا رغبة فيه لا زبون لدي. في حين شاهدت ليارا وهي تتلقى كل المديح والضحكات من المشترين والكل يسأل عن حالها وإفتقادهم لها. نظرتُ أمامي فكان يمكنني متابعة تسوُّق الناس دون أن يسألني أحد… ليارا كانت تكفي وأكثر.
**********
نظرت إليّ العجوز نظرة إزدراءٍ وهي تستلم طلبها من ليارا المبتسمة. رمقتني بنظرة تضعني بها في مكانة أسفل من القمامة نفسها مغادرةً.
بعد مدة ليست بالكثيرة كانت كل سِلعتنا قد بيعت سلفًا وقد حصلنا على قدرٍ كبيرٍ من العملة، لكن رايندار لم يكن قد عاد من تسوُّقه بعد فوقفنا في صمتٍ كبير نشاهد الناس من رجالٍ ونساء وأطفال وهم يمشُون بين أكشاك وخيام السوق بضجيج خافت يثلج الصدر.
“تفضلي يا جدة.” قالَت بابتسامة
فتاةٌ صغيرة في قرابة العاشرة من عمرها، قصيرة القامة وقفت أمام سلَّتنا الفارغة. شعرُها بنيُّ ناعم طويل يحيط بوجه شاحب صافٍ، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. كانت ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء… كانت فتاةً مشرقة رغم ملامحها الباهتة.
‘شاب لقيط؟ يبدو أن زبونتي الوحيدة إختارتني لأنها لم تتمكن من رؤية ليارا ليس إلَّا؟ وماذا تقصد بفارسي رايندار؟ وهل سمعت ليارا للتو تقول طلبيتك المعتادة؟ هل يعني هذا أنها تستهلك هذا النوع من الأعشاب كثيرًا؟’
“أريد حلوى من فضلِك!” قالت بحماس
“حسنًا… إذًا في ماذا يمكنني مساعدتك؟” سألتُ بلطف
كانت نبرة صوتها مرتفعة وكأنها تُجيب سؤالًا في القِسم باحترام.
بين المنعطفات، تسيل جداول رقيقة من ماءٍ نصف متجمّد، تصدر صوتًا يشبه الهمس، بينما الطريق المعبد جزئيًا بالحجارة القديمة يبدو وكأنه من زمنٍ نُسي فيه البشر. وكلما اقتربتَ من المدينة، بدأت الأشجار و البياض يخفَّان قليلًا، لتحلّ محلهما مدينة تنبض بالحياة والبشر.
“آسف… لكن كما ترين لقد نفِذت منا سلعتنا للتو… كما أننا لا نبيعُ الحلوى.” قلت
“ياااه الصباح هو الأروع!” قال متحمساً
“إذا أنت أيضاً لا تريد أن تُعطي رينا ما تُريده…” قالت بنبرةٍ حزينة
بجانبي، كانت هناك ليارا المشرقة، كطفلٍ صغيرٍ لم ينم في صباح رحلته الميدانية بالضبط. تبدو وكأنها حصلت على القدر الكافي من النوم هذه الليلة.
إنحنت شفاهها للأسفل مطأطأة رأسها بحزن…
“حسناً سأتَّجهُ لارتداء ملابسي الآن. هلَّا جهزت لنا الفطور إليان؟ سننطلق إلى سوق المدينة فور ذلك.” قال
فجأة… تغيَّر الجو في لمح البصر من صحو دافئ يبعث نور الشمس من بين الغيام البيضاء التي تغطي سماءه الزرقاء، إلى جوٍّ كئيب دون سابق إنذار… تلك السماء الزرقاء تحوَّلت إلى رماديٍّ داكنٍ أقرب إلى السَّواد، وتلك الغيام البيضاء تفاعلَت معه فتحول بياضُها إلى لون رمادٍ يغطِّي حزن السماء. ازدادت حجمًا وتكثلت حتى حجبت نور الشمس الدافئ الذي غطّى بياض الثلوج بالبهجة، فإنتقلت الأجواء من الفرحِ إلى العزاء، وكأن جنازةً نُصِبت خيامها في هذا السوق المكتظ.
صباحاً، استيقظ رايندار مبكِّراً كعادته مفعمًا بالطاقة والحيوية.
يُتبع…
“بئسًا لقد بدأ الوقتُ يمضي ولم ندوِّن شيئًا بعد… يجب علينا تدوين القائمة للغد قبل أن يتأخر الوقت أكثر!” قالت
وضع رايندار السَّلة المحمولة على ظهره و المليئة بالسِّلع ثم بدأ ينادي صارخاً.
