الصيد الأول - الجزء 3
صوتها لم يكن مجرد عاصفة، بل زئير خطىٍ خفيٍّ يقترب من كل اتجاه. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميّ، والثلوج ترتفع من حولنا كأمواج غاضبة.
يبدو من مظهره الملكي أنه أحد أهم شخصيات فصيلته إن لم يكن أهمهم.
صرخَت ليارا بشيء لم أسمعه جيدًا وسط الضجيج، ورأيت رايندار يمسك بذراعها بقوة، يتشبث بجذع شجرةٍ ضخمة تتمايل كأنها على وشك الانكسار.
“اتركني…”
وجهي كان يُصفَع بالثلوج التي قذفَتها عاصفة الرياح، أتنفس بصعوبة، كل ما أراه هو العاصفة البيضاء تبتلع كل شيء. حاولت أن أتمسك بشيء صخرة، جذع، أي شيء، لكن الرياح كانت أقوى منّي. شعرت بجسدي يُنتزع من الأرض، الهواء يخترقني كإبرٍ باردة، صرخة خرجت من حلقي دون وعي، ورأيت رايندار يمدّ يده نحوي مناديًا، ثم اختفى كل شيء في بياضٍ مطلق…
صوتها لم يكن مجرد عاصفة، بل زئير خطىٍ خفيٍّ يقترب من كل اتجاه. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميّ، والثلوج ترتفع من حولنا كأمواج غاضبة.
في تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تبتلعني الريح، رأيتُ ظلالًا تتحرك داخل العاصفة، لم ألمح شكلهم ولا عددهم… مجرد حضورٍ مرعب يجعل الهواء نفسه يرتجف. ثم سقطتُ، لا أعلم إلى أين، سوى أن العالم صار دوّامةً من الثلج والظلام.
لابدَّ أنه انتبه لعينيَّ الفارغتين من شدة الخوف. لبؤبؤ عينيّ المُتَّسِع من هول التجربة التي أخوضُها. شفتاي زرقاوتان جافَّتان من حُمرة الدماء من شدة الصَّقيع البارد.
يبدو أنني ارتطمت مع صخرة أثناء قذفي بعيدًا بهجمة الرياح القوية تلك فرأسي ينزِف دمًا، وأشعر بسائر جسدي يؤلمني وكأنه مغطّى بالكدمات. نظرت يمينًا ثم يسارًا لكنني لم أُبصر شيئًا. كل ما أراه أمامي هو مشهد كامل من البياض النقي للثلوج والضباب يحيطني من كل جهة، وبضعُ قطرات من اللون الأحمر على الثلوج نتيجة نزيف رأسي.
“فهمت… حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!”
‘أشعر بالقليل من الدوار…’
“اتركني…”
تحاملتُ على نفسي وحرَّكت قدماي للأمام وبدأت بالصراخ باسم رايندار وليارا. الألم في قلبي لا يُطاق كذلك، نبض متسارع من الألم والعذاب، وكأنني أحمل قنبلةً موقوتة على وشك الإنفجار. سقطتُ على ركبتاي أرضًا، وشددتُ ملابسي ليساعدني ذلك في احتواء الألم، ثم واصلتُ النظر حولي بحثًا عن بشرٍ وسط هذه الثلوج.
“إنهم… عائلتي…” قلتُ
‘ما كانت تلك الظلال التي أبصرتها سابقًا؟ هل هي مخلوقات ذكية؟ لقد باغثونا تمامًا! حتى حدس رايندار العالي لم يستطيع التنبؤ بذلك الهجوم… هل ذلك الاثنان بخير!؟’
شكَّل بعدها العديد من الأشكال الجليدية الحادَّة التي تطفو حوله في الهواء مصوَّبةً نحوي. كما لو أنها نصلٌ جليديِّ… العديد منها، لقد كانت رؤوسهم حادة، بمجرد النظر لهم تعلم أن الإصابة بهم توازي القطع بالسيف من مناطق متعددة.
فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب…
‘ماهذا… إنه ليس بشرًا!’
‘ماهذا… إنه ليس بشرًا!’
“حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟” قال
أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.
‘ماهذا… إنه ليس بشرًا!’
بنيته توحي بالصَّلابة، كان يقف في نفس طولي، جسده نحيف لكنه مدرَّب وعضليّ يغطيه لون أزرق سماوي. رداؤه يوحي بالمكانة المرموقة والوقار، مكوّن من طبقات من الحرير الأبيض والفراء الرمادي، تلتف حوله كدوَّامة ثلج ساكنة. تطريز صدره من خيوط فضية تتقاطع بنمطٍ معقد يشبه تشكّلات الصقيع على الزجاج، تتخللها أحجار ياقوتية صغيرة. مع رداء أزرق يغطي ظهره، مشدودًا بحزام أبيض رقيق، وعلى ساعديه قفازات بيضاء حامية تزيد من بهاء مظهره، وحزام فضيّ مزخرف يشدُّ سرواله الأبيض حتى أسفل قدميه. و عند رُكبتيه وردتان بيضاوتان متفتِّحتان مطروزتان على ثوبه. وعند قدميه يرتدي حذاءا أبيض لا فرق بين لونه ولون الثلوج التي يخطو عليها.
صوته حين تكلَّم جعل الهواء يبرد من حوله. كان صوته باردًا مثل الثلج ببحًّةٍ خفيفة أثارت الرُّعب في نفسي عند إلقائه لتلك الكلمات.
كان في كل خطوة يخطوها نحوي يملؤ محيطه المكون من دائرة قطرها ثلاث أمتارٍ جليدًا. كما لو أنه يُفرش لنفسه بساطًا جليديا يمشي عليه بثبات دون أن تغرق قدماه في الثلوج المتراكمة.
“أولستَ أنت من تساءلت عن سبب صعوبة نجاتهم؟ حسنًا يبدو أن سيوفكم هذه تمدكم ببعض القوة لتمكُّنكم من صيد فريستنا، لكن هذا ما دفعكم لتكونوا الآن فريستنا الجديدة… جنودي هناك حاليًا يستمتعون بصيدهم اللطيف.”
يبدو من مظهره الملكي أنه أحد أهم شخصيات فصيلته إن لم يكن أهمهم.
يبدو أنني ارتطمت مع صخرة أثناء قذفي بعيدًا بهجمة الرياح القوية تلك فرأسي ينزِف دمًا، وأشعر بسائر جسدي يؤلمني وكأنه مغطّى بالكدمات. نظرت يمينًا ثم يسارًا لكنني لم أُبصر شيئًا. كل ما أراه أمامي هو مشهد كامل من البياض النقي للثلوج والضباب يحيطني من كل جهة، وبضعُ قطرات من اللون الأحمر على الثلوج نتيجة نزيف رأسي.
“أهلًا أيُّها البشريُّ!” قال
“ماذا تقصد… دعني عنك!” قلت بصعوبة
صوته حين تكلَّم جعل الهواء يبرد من حوله. كان صوته باردًا مثل الثلج ببحًّةٍ خفيفة أثارت الرُّعب في نفسي عند إلقائه لتلك الكلمات.
“ثانيًا، لماذا لا تقرَبُهما؟ حسنًا ذلك واضح من مظهرك المختلف… مجرد غريب يعيش معهما لا أقلَّ ولا أكثر، مجرد شخصٍ إضافيٍّ لا بأس في عدم التمسك به عندما هبَّت العاصفة التي خلقتُها.” قال ساخرًا
“…”
“فهمت… حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!”
لم أستطع الإجابة، كل ما اكتفيتُ بفعله هو رمقُه بنظراتٍ مرعوبةٍ متوتِّرة.
كان يحملني من ياقتي عاليًا بيده اليمنى، بينما رفع يده اليسرى عاليًا في السماء وفَرقَع أصابعه…
‘أين هما رايندار… ليارا… هل هما بأمان ياترى؟…’
“حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟” قال
“لقد قُلت أهلًا…” قال
فجأة، ومن العدم، ظهر أمامي كيانٌ مرعب غريب…
تقدَّم باتجاهي خطواتٍ إضافية حتى صرنا نقِف على مسرحٍ جليدي بارد. إقترب مني كفايةً لأرفع بصري باتجاهه.
خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.
لابدَّ أنه انتبه لعينيَّ الفارغتين من شدة الخوف. لبؤبؤ عينيّ المُتَّسِع من هول التجربة التي أخوضُها. شفتاي زرقاوتان جافَّتان من حُمرة الدماء من شدة الصَّقيع البارد.
“أهلًا أيُّها البشريُّ!” قال
“إن كنت تتساءل عن رفاقك فأظنُّ أنهما ميتان بحلول اللحظة. حاولت تفرقتهما بهجومي ذاك رفقة تابعي لكنهم لم يفترقا عن بعضهما بعكسك…”
“وما أدراك؟ ما أدراك بنجاتهم من عدمها؟ وما أدراك بقرابتنا من عدمها؟” قلت بتوتر
“لابد أنك لا تقرَبُهما بأي شكلٍ من الأشكال، ألستُ محقًّا؟” قال ببرود
‘إلف أزرق و مستوحشة قطة! أين أنا بالضبط؟’
“وما أدراك؟ ما أدراك بنجاتهم من عدمها؟ وما أدراك بقرابتنا من عدمها؟” قلت بتوتر
“…”
“يبدو أنك لم تبلع لِسانك بعد كل شيئ… حسناً سأجيبك لكن قبل ذلك، أريد أن أعرف سبب شعوري بحضور غريبٍ كريه منك سابقًا.” تساءل قائلًا
“ما الخطأ؟!” قال
رفعني من ياقتي حتى اختنقت وأصبح التنفس صعبًا فوق ماكان كذلك أساسًا بسبب تجمُّد الهواء حولنا.
“…”
“لقد جئت شخصيًّا لأتفقد سبب هذا الحضور الغريب الذي غَمَر حواسِّي… كما لو أن شيطانًا كريهًا ينفثُ نيرانه من داخلك!” قال باشمئزاز
“…”
“ماذا تقصد… دعني عنك!” قلت بصعوبة
“أولستَ أنت من تساءلت عن سبب صعوبة نجاتهم؟ حسنًا يبدو أن سيوفكم هذه تمدكم ببعض القوة لتمكُّنكم من صيد فريستنا، لكن هذا ما دفعكم لتكونوا الآن فريستنا الجديدة… جنودي هناك حاليًا يستمتعون بصيدهم اللطيف.”
“لا تدَّعي الصلابة يا شقيّ!” قال
“يبدو أنك لم تبلع لِسانك بعد كل شيئ… حسناً سأجيبك لكن قبل ذلك، أريد أن أعرف سبب شعوري بحضور غريبٍ كريه منك سابقًا.” تساءل قائلًا
كان يحملني من ياقتي عاليًا بيده اليمنى، بينما رفع يده اليسرى عاليًا في السماء وفَرقَع أصابعه…
يبدو من مظهره الملكي أنه أحد أهم شخصيات فصيلته إن لم يكن أهمهم.
شكَّل بعدها العديد من الأشكال الجليدية الحادَّة التي تطفو حوله في الهواء مصوَّبةً نحوي. كما لو أنها نصلٌ جليديِّ… العديد منها، لقد كانت رؤوسهم حادة، بمجرد النظر لهم تعلم أن الإصابة بهم توازي القطع بالسيف من مناطق متعددة.
تحاملتُ على نفسي وحرَّكت قدماي للأمام وبدأت بالصراخ باسم رايندار وليارا. الألم في قلبي لا يُطاق كذلك، نبض متسارع من الألم والعذاب، وكأنني أحمل قنبلةً موقوتة على وشك الإنفجار. سقطتُ على ركبتاي أرضًا، وشددتُ ملابسي ليساعدني ذلك في احتواء الألم، ثم واصلتُ النظر حولي بحثًا عن بشرٍ وسط هذه الثلوج.
“سأجيبك عن أسئلتك كهدية وداع مني إليك قبل قتلك وإنهاء وجود هذا الحضور القذر المنبعث منك.” قال
“وغد…” قلت
“…”
“اتركني…”
“لقد استيقظنا من سُباتٍ طويل دام قرابة الخمسين سنة، والآن نحن جيَّاع، يبدو أن الدببة الثلجية صنعت لنفسها ملاذًا وسط غابتنا. نحن نستطيع إخفاء أنفسنا ووجودنا لذلك لم تنتبه تلك المخلوقات لنا، وعند استيقاظنا هربت وجبتنا مسرعة. كان بالإمكان صيدهم جميعًا بفرقعة إصبع، لكنني فضَّلتُ التَّريُّث والاستمتاع بصيدي هذا مثلما أفعل معك الآن.” قال
‘أشعر بالقليل من الدوار…’
“اتركني…”
‘أشعر بالقليل من الدوار…’
في خضم ثرثرته التي لا تنتهي، كنت أختنق من قبضته التي تشدُّ ياقتي..
“لا تدَّعي الصلابة يا شقيّ!” قال
“أولستَ أنت من تساءلت عن سبب صعوبة نجاتهم؟ حسنًا يبدو أن سيوفكم هذه تمدكم ببعض القوة لتمكُّنكم من صيد فريستنا، لكن هذا ما دفعكم لتكونوا الآن فريستنا الجديدة… جنودي هناك حاليًا يستمتعون بصيدهم اللطيف.”
لم أستطع الإجابة، كل ما اكتفيتُ بفعله هو رمقُه بنظراتٍ مرعوبةٍ متوتِّرة.
“…”
يُتبع…
“ثانيًا، لماذا لا تقرَبُهما؟ حسنًا ذلك واضح من مظهرك المختلف… مجرد غريب يعيش معهما لا أقلَّ ولا أكثر، مجرد شخصٍ إضافيٍّ لا بأس في عدم التمسك به عندما هبَّت العاصفة التي خلقتُها.” قال ساخرًا
خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.
“خطأ…” قلت بصعوبة
تقدَّم باتجاهي خطواتٍ إضافية حتى صرنا نقِف على مسرحٍ جليدي بارد. إقترب مني كفايةً لأرفع بصري باتجاهه.
“ما الخطأ؟!” قال
في خضم ثرثرته التي لا تنتهي، كنت أختنق من قبضته التي تشدُّ ياقتي..
‘رايندار وضع نفسه كدرعٍ لي سابقًا قبل دقائق ليس إلَّا! حماني رغم كوني عديم الفائدة، أحمق، لا يجيد شيئاً. علمني السيافة عن طيب خاطر ورعاني دون أن يطلب مني مقابلًا. لقد أكرمني وسمح لشخصٍ غريب مثلي بالعيش في منزله دون أن يراقبني واضعًا فيَّ ثقته الكاملة. منحني ملابسه وسريره حتى واكتفى بالنوم على الأرض كي أشعر وكأنني في بيتي. حاول جاهدًا جعلي انخرط في الأجواء رغم أنني بائسٌ قريب من الموت لا يردُّ له ابتسامته حتى.’
“إنهم… عائلتي…” قلتُ
‘ليارا عالجتني عندما كنت على وشك الموت، أخدت بيدي وساعدتني على تعلم أساليب العيش في هذا العالم! لقد علِمَت بأنني لم أفقد ذاكرتي لكن معاملتها لي لم تتغيَّر أبدًا، لقد اشترت لي هذا المِعطف كعربون صداقة ومودَّة وهو ما يقيني من صقيع الجليد هذا!’
“استيقظتُم من سباتكم إذًا… آلتوس!” قالت
“إنهم… عائلتي…” قلتُ
“حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟” قال
“فهمت… حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!”
“لقد استيقظنا من سُباتٍ طويل دام قرابة الخمسين سنة، والآن نحن جيَّاع، يبدو أن الدببة الثلجية صنعت لنفسها ملاذًا وسط غابتنا. نحن نستطيع إخفاء أنفسنا ووجودنا لذلك لم تنتبه تلك المخلوقات لنا، وعند استيقاظنا هربت وجبتنا مسرعة. كان بالإمكان صيدهم جميعًا بفرقعة إصبع، لكنني فضَّلتُ التَّريُّث والاستمتاع بصيدي هذا مثلما أفعل معك الآن.” قال
“…”
“حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟” قال
“حضورك يجعلني أشمئز لذلك سأقتلك ببساطة، لذا أرجوك ألَّا تتحول لشبحٍ يطاردني حسنًا؟” قال
صوته حين تكلَّم جعل الهواء يبرد من حوله. كان صوته باردًا مثل الثلج ببحًّةٍ خفيفة أثارت الرُّعب في نفسي عند إلقائه لتلك الكلمات.
“وغد…” قلت
“إن كنت تتساءل عن رفاقك فأظنُّ أنهما ميتان بحلول اللحظة. حاولت تفرقتهما بهجومي ذاك رفقة تابعي لكنهم لم يفترقا عن بعضهما بعكسك…”
“وداعًا…” قال
“فهمت… حبٌّ من طرف واحد، لابد أن ذلك صعب!”
بذلك، هجمات نصل الجليد المعلَّقة توجَّهت مسرعةً نحوي، لم يسعني سوى أن أغمض عينيَّ كما الجبان بدون قدرة على الدفاع عن مصير حياتي حتى… سلَّمت كل شيئ للقدر.
صرخَت ليارا بشيء لم أسمعه جيدًا وسط الضجيج، ورأيت رايندار يمسك بذراعها بقوة، يتشبث بجذع شجرةٍ ضخمة تتمايل كأنها على وشك الانكسار.
بعد بُرهة، فتحت عينيَّ فوجدت نفسي ملقيًّا على الأرض سليمًا معافى. سمعتُ هجومًا قويًّا يضرب في مكانٍ قريب قليلًا. كما لو أن هجومه قد نُقل بواسطة شخصٍ ما لمكان آخر…
‘ما كانت تلك الظلال التي أبصرتها سابقًا؟ هل هي مخلوقات ذكية؟ لقد باغثونا تمامًا! حتى حدس رايندار العالي لم يستطيع التنبؤ بذلك الهجوم… هل ذلك الاثنان بخير!؟’
‘أنا حيّ؟!’
“ما الخطأ؟!” قال
ليس طويلًا قبل أن ألمح إمرأةً بالغةً يكسو بشرتها وهجٌ فضيّ ناعم كضوء الفجر حين ينعكس على الثلوج، وعيناها الواسعتان بلون الرماد الهادئ تشعّان صفاءً ممزوجاً بحدسٍ حادّ. أذناها قصيرتان ينتصبنا فوق رأسها بين شَعرِها ومستديرتان عند الأطراف، كأن الطبيعة قصّت حدّتهما عمدًا لتمنع عنهما قسوة الصقيع. لا تنتصبان بحدة، بل تميلان قليلًا إلى الخارج، مكسوّتَين بطبقة كثيفة من الفرو الناعم الذي يملأ التجويف الداخلي ويحرسه من الرياح. على الحواف تنمو شعيرات دقيقة، شاحبة اللون، تعمل كحاجز صامت للثلج، بينما يختفي الجلد تحتهما فلا يكاد يُرى، محتفظًا بحرارته. شَعرُها بلون الرماد المائل إلى البياض، مربوط بخيوطٍ من نسيجٍ بلّوريّ. ترتدي رداءً قصيرًا من الفراء الرمادي على أكتافها، تحته درعٌ خفيف مصنوع من قشورٍ معدنية ناصعة تشبه جليد البحر. في وسطها حزامٌ من الجلد الأسود تتدلّى منه خناجر قصيرة منقوشة بعلاماتٍ بلورية تشير إلى إرثها المختلط ربما. كان لها ذيل رمادي ينساب خلفها بثقلٍ مهيب، كثيف الفراء كذيل قطٍّ سيبيراني يعيش في أقسى الثلوج.
‘أشعر بالقليل من الدوار…’
خطواتها صامتة على الثلج، وهي تتقدَّم نحونا بهدوء.
‘ليارا عالجتني عندما كنت على وشك الموت، أخدت بيدي وساعدتني على تعلم أساليب العيش في هذا العالم! لقد علِمَت بأنني لم أفقد ذاكرتي لكن معاملتها لي لم تتغيَّر أبدًا، لقد اشترت لي هذا المِعطف كعربون صداقة ومودَّة وهو ما يقيني من صقيع الجليد هذا!’
‘نصف بشرية؟ نصف قطة؟’
“وما أدراك؟ ما أدراك بنجاتهم من عدمها؟ وما أدراك بقرابتنا من عدمها؟” قلت بتوتر
‘قطة بهاتين الأذنين اللتان يكسوهما فراءٌ كثيف… كما القط السيبيري.’
“استيقظتُم من سباتكم إذًا… آلتوس!” قالت
“استيقظتُم من سباتكم إذًا… آلتوس!” قالت
“…”
“أنظروا من لدينا هنا… الساقطة فانيسا!” قال
“لا تدَّعي الصلابة يا شقيّ!” قال
وأنا بينهما على الأرض استطعت أن أرى مدى العداوة التي تجمعهما بمنتهى البساطة من خلال النظر في النظرة الجادة التي يرمق كلٌّ منهما الآخر…
كان يحملني من ياقتي عاليًا بيده اليمنى، بينما رفع يده اليسرى عاليًا في السماء وفَرقَع أصابعه…
‘إلف أزرق و مستوحشة قطة! أين أنا بالضبط؟’
‘ليارا عالجتني عندما كنت على وشك الموت، أخدت بيدي وساعدتني على تعلم أساليب العيش في هذا العالم! لقد علِمَت بأنني لم أفقد ذاكرتي لكن معاملتها لي لم تتغيَّر أبدًا، لقد اشترت لي هذا المِعطف كعربون صداقة ومودَّة وهو ما يقيني من صقيع الجليد هذا!’
يُتبع…
“لا تدَّعي الصلابة يا شقيّ!” قال
أمامي ظهر إلف بأذنين طويلتين مذببتين، بشرته بلون السماء الباهتة حين تعكس الثلوج ضوء القمر، باردةٌ إلى حد يثير الخشوع، وعيناه بلون البلور الأزرق تتوهّج بنورٍ خافت كوميضٍ من أرواح الشتاء القديمة. شعره طويل ناصع كالثلج، ناعم كالحرير، ينحدر بسلاسة على كتفيه، وتعلوه تاجات من بلّورات جليدية نمت من جمجمته بشكلٍ طبيعيّ كقرون ملكٍ من عصورٍ سحيقة.
