قرية أنصاف البشر المخفية - الجزء 4
إليان
“أ لا ترتادون المدرسة؟” سألتُ
‘لا أستطيع القيام بتصرُّف متسرِّع يعرّض حياة أهالي القرية للخطر… فانيسا تحتاج وقتًا أطول لتجميع مانا كافية وأنا لا أملك القوة التي تسمح لي بالدفاع عن نفسي حتى… مع ذلك… أتساءل كيف يُبلي كلٌّ من رايندار وليارا! أتمنى أن يكونا بخير… صدقًا!’
يُتبع…
وأنا أتجوَّل حول المدينة، كنتُ شارد الذهن، سارحًا بأفكاري حتى سمعتُ صوتًا يناديني من خلف.
استدار نحوي وواجه عيناي بنفس النظرة الجادة على محياه.
“العم إليان!” قال
“كما سمِعتم… ارحلوا!” قالت نينا
‘العم؟’
لقد كان لانغ يوبِّخ هيو في كلامه سابقًا لتسكُّعه مع أصدقاءه دون إتمام عمله.
انتبهت لاتجاه الصوت، لقد كان شقيًّا بشعر رأس أسود تنتصب فوقه أذنا قطٍّ يكسيهما فروٌ أسود اللون، كانت لديه ملامح حادة، بعينان بنِّيتان داكنتان متوهِّجتان، ونظرةٍ واثقة. لقد كانت وجنتاه محمرَّتان إثر البرد القارس رغم ملابسه الشتوية الصوفيَّة التي تحميه من وطأة الثلوج… لقد كان هيو، إبن فرانكي لكنه يبدو أكثر صرامةً من والده.
تقدم سولدات نحو فال وواجهه بنظرة جدِّية تعلو وجهه.
“هيو؟” قلت
“ماذا تفعُل هنا تتجوَّل وحيدًا؟” سأل
“أنا أعتذر… يُمكنكما الذهاب سويًّا! أنا سوف أعود لكوخ الأم الشَّريفة على ما يبدو. لديَّ العديد من الأسئلة لها!” قلت
“لقد كنتُ برفقة فاني… القائدة للتَّو! لقد كان لدينا كلام وجب مناقشته والآن كنتُ أتجوَّل في القرية قليلًا. ماذا عنك؟” قلت
“لا… يُمكنك تأجيل ذلك لوقتٍ لاحق! لا يجدُر بهذا أن يفوتك!” قال لانغ
“لا شيئ محدَّد، لقد تسكَّعتُ مع بعض الأصدقاء وقد كنتُ عائدًا للمنزل حين لاحظتك تمشي وحيدًا أيضًا.” قال
“الأمر أنه قد فكرتُ بأنك لم تبتسم أثناء الفطور…” قال
“ماذا عن لانغ؟ لا أراه معك…” قلت
‘رغم انسحابه من النقاش المتوتِّر إلَّا أنه لايزال مستفزًّا بكلماته… تبًّا له!’
“إنه في العمل غالب الظن.” قال
“حسنًا حسنًا… لانغ، إليان… هيَّا لنعد ونلتقي بأصدقاءنا، لقد كانوا على وشك بناء أضخم رجل ثلجٍ قبل قليل!” قال هيو
العمل… في هذا العمر الصغير…
لقد كان لانغ؛ نسخة طبق الأصل أصغر سنًّا من والده سولدات بشعره الأشقر وعيناه البنيتان، وأعلى رأسه كما كل أنصاف البشر في قبيلة القطط كانت تنتصب أذنان ناعمتان شقراوتان، و ذيلٌ أسفل ظهره كما هو الأمر لدى الجميع، عدا ذلك فكلُّ خصائصهم الأخرى بشرية. كان يرتدي ملابس العمل ويبذُل الجهد كما فرانكي وسولدات وبقيَّة العاملين؛ سروال بنِّي اللون مائل للسواد يكسوه الغبار، وقميص أبيض خفيف بأكتاف وأذرع مكشوفة يغطيه العرق والتُّراب. لقد كان الجميع مبتهجًا ونشيطًا رغم أن مظهرهم يوحي عكس ذلك، فقد كانت وجوههم متَّسخة بالتراب والعرق، وكانت أيديهم متصلِّبة وخشنة يبدو عليها أثر العمل الجاد.
“أوه أنظر هناك إليان!” قال
“لا شيئ محدَّد، لقد تسكَّعتُ مع بعض الأصدقاء وقد كنتُ عائدًا للمنزل حين لاحظتك تمشي وحيدًا أيضًا.” قال
لقد أشار بإصبعه بعيدًا لشيئ خلفي فاستدرت لأرى ما يحدث، لكنني لم أجد شيئًا، بل شعرتُ بكرةِ ثلج تضرب مؤخرة رأسي بدل ذلك.
‘حسنًا… رايندار، ليارا… أين سأجدكما…؟’
‘بارد…’
“أنت حقًّا لا تبتسم إذًا!” قال
“ماكان ذلك!….” قلت
لقد وصلتُ إلى وجهتي قبل أقل من ساعة على غروب الشمس، مع ذلك لقد أُنيرت مصابيح القرية واشتعلت نيران الشموع الكبيرة في الفوانيس لتُضيئ القرية ودروبها فقد كان الجوُّ باردًا غائِمًا، كما أنارت الشجرة الضخمة المتجمدة وسط القرية، بجذعها من بلورٍ أزرق المكان.
قاطعني فور انتهاء توبيخي بكرةِ ثلجٍ ثانية على وجهي مباشرة هذه المرة.
رفع لانغ أخاه هيو الساقط على الأرض المثلجة، ثم واجهاني بأعينٍ حادة غير مبتسمة…
“ضربة مباشرة!” قال مبتسمًا
“إليان… إنه شخصٌ جيد! لقد حمته القائدة والأم الشريفة وسمِحا له بالبقاء بيننا وهما على عِلمٍ بكونه غريبًا عنَّا، لذلك وجب علينا احترام قرارها. كما أنه ضعيفٌ في الوقت الحالي ويحتاج مساعدتنا. لذلك أطلب منكم جميعًا الهدوء والاسترخاء.” قال سولدات
“لا نيَّة لي بمشاركتك في لعبة الثلج هذه فالجوُّ قارس البرودة سلفًا!” قلت
‘لقد قالت عن قلادة رايندار سابقًا أنها كانت تحمل مانا صاحبها… لابدَّ أن هذه الربطة بدورها تحمل جزءًا من مانا فانيسا وخيطها المكاني!’
“الأمر أنه قد فكرتُ بأنك لم تبتسم أثناء الفطور…” قال
“إليان… هلَّا أعدتَ سيفك لحاميَتِه؟” طلب
“هل هناك قاعدة تنصُّ على أن الإفطار يجب أن يُأخدَ بابتسامة؟” قلت
‘بعكسهما… رايندار… ليارا… أين أنتما؟ هل أنتما بخير؟ لقد استضافوني لأشهُر واعتبروني جزءًا من العائلة. لم أشعُر يومًا بمثل هذا الشعور أنني غير مرحَّب بي. لقد قالت ليارا أنها حليفتي… وقد قدَّم رايندار الكثير لي… هل البقاء في قرية غبيَّة كهذه هو القرار الصحيح؟ ألستُ مجرَّد وغدٍ ناكرٍ للجميل هكذا… لا أستطيع انتظار فانيسا لتعيدني خارجًا… رايندار وليارا بين الحياة والموت… لا أستطيع التَّمسُّك بأملٍ زائف ومحاولة الاسترخاء في مكانٍ كهذا…’
“أشكُّ في أنك تبتسمُ أساسًا… تبدو مملًّا!” قال
“أ لا ترتادون المدرسة؟” سألتُ
“لم أطلُب رأيك…” قلت
‘ما لم يستطع الجميع قوله، قاله الرَّجل المدعوُّ فال قبل قليل. في النهاية، لن يتقبلني أحد… بالنسبة لهم أنا مجرَّد بشري غريب وسط أنصاف القطط. لربما سمحوا لي بالمكوث هنا يومًا، لكن هذا لا يعني أنهم سيستضيفونني لأسابيع أو أشهُر…’
“أقصد إن لم تبتسم حتى، فما الدافع الذي سيجعلك قادرًا على الاستمرار؟” قال
‘شخصٌ جيِّد… أنا؟’
“دافع؟ ماهذا؟ لا أحتاج شيئًا مثله!” قلت
‘حلم… هذف…’
بدأت المشي تاركًا هيو خلفي… لكنه سرعان ما لحقني من الخلف وهو يحادثني بنبرة مسترخية واضعًا يديه خلف رأسه.
لم تكُن وجهتي كوخ العجوز سيرا كما ادَّعيتُ سابقًا…
“أ ليس لديك حلمٌ؟ هذف؟” قال
إليان
‘حلم… هذف…’
“أنا بخيرٍ هكذا.” قلت
“هراء! هل من الضروري للشخص أن يعيش وهو يلاحقٌ شيئًا؟” سألتُ
“الأمر أنه قد فكرتُ بأنك لم تبتسم أثناء الفطور…” قال
“نعم هذا ما يقوله الجميع في البيت! ملاحقة شيئ لا يملكه المرء هو مايُعطي حياته معنى. البقاء في نطاق راحتك دون هذف معيَّن سيجعلك مجرد عالة… هذا ما يقوله عمي! لذلك لانغ وأنا نعمل!” قال
‘صحيح… بالنسبة لهؤلاء القرويِّين فإن العالم الخارجي ليس سوى شيئ يسمعون به. كل ما يحتاجونه هو القراءة والحساب لخدمة بعضهم البعض في مجتمعهم المصغَّر هذا. لايحتاجون العالم أو تطوُّره. كل ما يحتاجونه يستطيعون توفيره دون اللجوء للخارج. ليس وكأن طفلًا كهذا يستطيع فهم حالتي.’
“أ لا ترتادون المدرسة؟” سألتُ
“ضربة مباشرة!” قال مبتسمًا
“المدرسة؟ لا نحتاجها! نكتفي بتعلم الحساب والقراءة في سنٍّ صغيرة في البيت عبر الكتب التي تُحضرها القائدة كلما عادت من العالم الخارجي.” قال
“لماذا يا أُمِّي!” قال هيو
‘صحيح… بالنسبة لهؤلاء القرويِّين فإن العالم الخارجي ليس سوى شيئ يسمعون به. كل ما يحتاجونه هو القراءة والحساب لخدمة بعضهم البعض في مجتمعهم المصغَّر هذا. لايحتاجون العالم أو تطوُّره. كل ما يحتاجونه يستطيعون توفيره دون اللجوء للخارج. ليس وكأن طفلًا كهذا يستطيع فهم حالتي.’
بجانبها كان هناك رأسٌ صغير يطلُّ علينا… لقد كانت نينا الصغيرة حادَّة الطباع. لقد أخرجَت لسانها لنا في حركة استفزازية.
“هل ستتَّجه للبيت إذًا؟” قلت
لقد كانت مارلا تقف مُحرَجَةً أمام البوابة ترفض السَّماح لنا بالدخول.
“يبدو أنني سأمرُّ على والدي، عمي، ولانغ في العمل أولًّا. هل تريد مرافقتي؟” سأل
“شُكرًا لتفهُّمكم!” قال سولدات
“حسنًا إذًا… هيا بنا!” قلت
بذلك غادر ثلاثتنا؛ أنا، هيو، ولانغ، إلى كوخهم كما طلب فرانكي منا سابقًا.
لا أظن أنني أملك شيئًا أفضل للقيام به على كلّ حال.
“ماذا تفعُل هنا تتجوَّل وحيدًا؟” سأل
“أنت حقًّا لا تبتسم إذًا!” قال
“حسنًا إذًا… هيا بنا!” قلت
“أنا بخيرٍ هكذا.” قلت
“مظهرك هذا يوحي لي بعكس ذلك، أنت حتى لاترتدي ملابس عملك.” قال لانغ
“همممم فهمت… يا للملل…” قال
وضعتُ ربطة شعر فانيسا البلَّورية على الحجر المكاني فتفاعلت المانا خاصَّته معها، تركتها فوقه لبُرهة فأضاء بنورٍ أبيض… تزلزلت الأرض وانخفض الحجر عميقًا في الأرض حتى اختفى، تاركًا خلفه مكانًا مألوفًا… غابة أشجر عملاقة!
وبذلك مشينا ومشينا مرورًا بمختلف أزقَّة القرية وصولًا لمكان عمل الثلاثة الآخرين. لقد كانوا يعملون في غابة مجاورة يقطعون الشجر ويجهزون الحطب للتدفئة وغيرها من الاستعمالات.
‘كم تظنُّ عمري برأيك؟…’
التقينا وكان الجو العام جيدًا ومناسبًا للعمل حيث كان الجميع جادًّا ومبتهجًا.
“أ لا ترتادون المدرسة؟” سألتُ
“أنت… كيف تجرؤ على المغادرة للتسكُّع دون إتمام عملك؟”
“أنت… كيف تجرؤ على المغادرة للتسكُّع دون إتمام عملك؟”
لقد كان لانغ؛ نسخة طبق الأصل أصغر سنًّا من والده سولدات بشعره الأشقر وعيناه البنيتان، وأعلى رأسه كما كل أنصاف البشر في قبيلة القطط كانت تنتصب أذنان ناعمتان شقراوتان، و ذيلٌ أسفل ظهره كما هو الأمر لدى الجميع، عدا ذلك فكلُّ خصائصهم الأخرى بشرية. كان يرتدي ملابس العمل ويبذُل الجهد كما فرانكي وسولدات وبقيَّة العاملين؛ سروال بنِّي اللون مائل للسواد يكسوه الغبار، وقميص أبيض خفيف بأكتاف وأذرع مكشوفة يغطيه العرق والتُّراب. لقد كان الجميع مبتهجًا ونشيطًا رغم أن مظهرهم يوحي عكس ذلك، فقد كانت وجوههم متَّسخة بالتراب والعرق، وكانت أيديهم متصلِّبة وخشنة يبدو عليها أثر العمل الجاد.
‘لقد قالت عن قلادة رايندار سابقًا أنها كانت تحمل مانا صاحبها… لابدَّ أن هذه الربطة بدورها تحمل جزءًا من مانا فانيسا وخيطها المكاني!’
لقد كان لانغ يوبِّخ هيو في كلامه سابقًا لتسكُّعه مع أصدقاءه دون إتمام عمله.
“أنتُما مُزعجان صدقًا… دعوني وشأني! قلت يُمكنكما الذهاب وحدكما… أنا لديَّ شؤوني!” قلت
“حسنًا حسنًا… ما الضرر في الاستراحة قليلًا فأنا عامل مكدٌّ كما تعلم.” قال هيو
“عجيبٌ أمرك يا سولدات، أ لم تكُن أول من عارض فكرة دخوله هذه الأرض؟ والآن تدافع عنه وتُبقيه في بيتكما الليلة… ماذا ذهاك؟” قال فال بحدّة
“مظهرك هذا يوحي لي بعكس ذلك، أنت حتى لاترتدي ملابس عملك.” قال لانغ
“همممم فهمت… يا للملل…” قال
“لا بأس أيُّها الاثنان… لا عِراك حسنًا؟ لانغ لقد بدلتَ جُهدًا كبيرًا اليوم هذا يكفي! خذ كمية كافية من الحطب وتوَّجه للبيت رفقة هيو وإليان واعتبر هذا يومًا!” تدخَّل فرانكي قائلًا
“أنت… كيف تجرؤ على المغادرة للتسكُّع دون إتمام عملك؟”
“لكن…” عارَضَ لانغ
وأنا أتجوَّل حول المدينة، كنتُ شارد الذهن، سارحًا بأفكاري حتى سمعتُ صوتًا يناديني من خلف.
“هيا أسرع، لا أريد منك معارضة كلامي.” قال فرانكي
“الأمر أنه قد فكرتُ بأنك لم تبتسم أثناء الفطور…” قال
“بالمناسبة إليان… سيفك هذا، هل تظنُّ أنه قادر على قطع الحطب بإتقان؟” سألني هيو
“لم أطلُب رأيك…” قلت
“هممم” قلت
“الأمر ليس كذلك يا سيد فال… لقد كان يريد مساعدتنا في قطع الخشب ليس إلَّا!” قال لانغ
وضعتُ يدي على غمدِ السَّيف، فكَّرت في الأمر ثم سحبت السيف من غمده. لقد كان مشحوذًا بحرفيَّة عالية لدرجة أن الثلوج تنعكس على حدِّه اللامع والحاد. لقد كان نور الشمس يزيد من لمعان وجمالية السيف حتى ترك هيو ولانغ في حالة ذهول، بينما وقف فرانكي يتأملُّ في مدى السيف.
“أرجوك استمع إليّ سيد فال، وأنتم جميعًا…” قال
وضع هيو جدع شجرة أمامي لقطعه، لكن ما إن إتخذت وضعيتي حتى شعرتُ بعشرات الأعين تراقبني من خلف ظهري وكافَّة محيطي… لقد كان يُبدي العاملون استنكارهم وانزعاجهم من سيفي. لقد كانوا غاضبين ويتهامسون لبعضهم البعض حولي. سُرعان ما ارتعشت أذنيّ هيو إثر سماع محادثاتهم وغضبهم. قبل أن يتقدَّموا نحوي في جماعة.
“الأمر ليس كذلك يا سيد فال… لقد كان يريد مساعدتنا في قطع الخشب ليس إلَّا!” قال لانغ
“ما تظنُّ نفسكً فاعلًا في قبيلتنا؟ سمحنا لك بالمكوث حولنا بسبب طلب القائدة، لكن أن تتجرَّأ حتَّى تحمل سيفك علينا في هذه القرية المسالمة فهذا تصرُّف غير مقبول!” قال أحدهم
لقد كانت مارلا تقف مُحرَجَةً أمام البوابة ترفض السَّماح لنا بالدخول.
لقد كان رجلًا في منتصف العمر تبدو عليه الصرامة والغضب، لقد كان يملك لحيةً طويلة ناعمة سوداء على وجهه. وقد كان ضعيف البنية لكنه ظهر في مظهرٍ صلب واثق. لقد كانت ملامحه جادّة ولا يمكن نكران رأيه فقد تكلم بلسان جميع من استفزَّهم سيفي.
“أنا أعتذر… يُمكنكما الذهاب سويًّا! أنا سوف أعود لكوخ الأم الشَّريفة على ما يبدو. لديَّ العديد من الأسئلة لها!” قلت
“الأمر ليس كذلك يا سيد فال… لقد كان يريد مساعدتنا في قطع الخشب ليس إلَّا!” قال لانغ
لقد كان لانغ يوبِّخ هيو في كلامه سابقًا لتسكُّعه مع أصدقاءه دون إتمام عمله.
“يُستحسن أن لا تتعلَّقوا بهذا البشريّ يا لانغ! لقد سمعتُ أنك أويته في منزلك يا فرانكي أليس كذلك؟ لا أحب ذلك… لديَّ شعورٌ سيئ من شكله. أنظر إلى وجهه الشاحب يبدو كما لو أنه قريب من الموت. شخصٌ مثله لن يجلب إلَّا البلاء لقريتنا المسالمة!” قال فال
“ماكان ذلك!….” قلت
من بين الحشد المتجمهر خرج شخصٌ أعرفه بصعوبة بالغة وهو يحاول تجاوز الجميع في الحشد… لقد كان سولدات.
تقدم سولدات نحو فال وواجهه بنظرة جدِّية تعلو وجهه.
“انتظر!” قال
‘حلم… هذف…’
تقدم سولدات نحو فال وواجهه بنظرة جدِّية تعلو وجهه.
‘كم تظنُّ عمري برأيك؟…’
“أرجوك استمع إليّ سيد فال، وأنتم جميعًا…” قال
‘خطَّتي مثاليَّة!!’
استدار نحوي وواجه عيناي بنفس النظرة الجادة على محياه.
“كما سمِعتم… ارحلوا!” قالت نينا
“إليان… هلَّا أعدتَ سيفك لحاميَتِه؟” طلب
“إري… لابدَّ أنها تُعدُّ شيئًا لنا جميعًا لذلك تمَّ منعنا من الدخول. حاول أن لا تُفسد ذلك و عُد مع حلول الليل كما أخبرتنا العمة مارلا!” قال لانغ
بذلك، استجبتُ لطلبه فورًا وأعدت سيفي لغمده، ثم استدار سولدات من جديد لمواجهة فال وجميع الغاضبين.
“حسنًا الجميع… لنُكمل العمل!” قال فال
“إليان… إنه شخصٌ جيد! لقد حمته القائدة والأم الشريفة وسمِحا له بالبقاء بيننا وهما على عِلمٍ بكونه غريبًا عنَّا، لذلك وجب علينا احترام قرارها. كما أنه ضعيفٌ في الوقت الحالي ويحتاج مساعدتنا. لذلك أطلب منكم جميعًا الهدوء والاسترخاء.” قال سولدات
‘شخصٌ جيِّد… أنا؟’
“عجيبٌ أمرك يا سولدات، أ لم تكُن أول من عارض فكرة دخوله هذه الأرض؟ والآن تدافع عنه وتُبقيه في بيتكما الليلة… ماذا ذهاك؟” قال فال بحدّة
“يُستحسن أن لا تتعلَّقوا بهذا البشريّ يا لانغ! لقد سمعتُ أنك أويته في منزلك يا فرانكي أليس كذلك؟ لا أحب ذلك… لديَّ شعورٌ سيئ من شكله. أنظر إلى وجهه الشاحب يبدو كما لو أنه قريب من الموت. شخصٌ مثله لن يجلب إلَّا البلاء لقريتنا المسالمة!” قال فال
“لقد أجبتُ عن ذلك سلفًا… إنَّه شخصٌ جيِّد… إليان.” أجاب سولدات
“لا… يُمكنك تأجيل ذلك لوقتٍ لاحق! لا يجدُر بهذا أن يفوتك!” قال لانغ
‘شخصٌ جيِّد… أنا؟’
“شُكرًا لتفهُّمكم!” قال سولدات
بذلك، انسحب فال من النقاش واستدار ليستكمل عمله.
“هل هناك قاعدة تنصُّ على أن الإفطار يجب أن يُأخدَ بابتسامة؟” قلت
“حسنًا الجميع… لنُكمل العمل!” قال فال
لم تكُن وجهتي كوخ العجوز سيرا كما ادَّعيتُ سابقًا…
“شُكرًا لتفهُّمكم!” قال سولدات
“لكن…” عارَضَ لانغ
“لا بأس لدي مادمتَ مُصرًّا على الدفاع عنه… لكن حذاري والندم في وقتٍ لا ينفعُ فيه الندم!” قال فال
“أشكُّ في أنك تبتسمُ أساسًا… تبدو مملًّا!” قال
‘رغم انسحابه من النقاش المتوتِّر إلَّا أنه لايزال مستفزًّا بكلماته… تبًّا له!’
لقد كان لانغ يوبِّخ هيو في كلامه سابقًا لتسكُّعه مع أصدقاءه دون إتمام عمله.
“حسنًا إليان، هيا بنا… سنعود للبيت!” قال لانغ
“أشكُّ في أنك تبتسمُ أساسًا… تبدو مملًّا!” قال
“حسنًا…” أجبت
إليان
بذلك غادر ثلاثتنا؛ أنا، هيو، ولانغ، إلى كوخهم كما طلب فرانكي منا سابقًا.
‘العم؟’
*******
“لا… يُمكنك تأجيل ذلك لوقتٍ لاحق! لا يجدُر بهذا أن يفوتك!” قال لانغ
“ممنوع!” قالت مارلا
“مظهرك هذا يوحي لي بعكس ذلك، أنت حتى لاترتدي ملابس عملك.” قال لانغ
لقد كانت مارلا تقف مُحرَجَةً أمام البوابة ترفض السَّماح لنا بالدخول.
“حسنًا إذًا… هيا بنا!” قلت
“لماذا يا أُمِّي!” قال هيو
‘خطَّتي مثاليَّة!!’
“السيدة ميدميل طلبت مني الوقوف هنا وعدم السماح لكُم بالدخول… آسفة!” أجابت مارلا
التقينا وكان الجو العام جيدًا ومناسبًا للعمل حيث كان الجميع جادًّا ومبتهجًا.
“أمِّي قالت هذا؟” سأل لانغ
“لم أطلُب رأيك…” قلت
“نعم”
وأنا أتجوَّل حول المدينة، كنتُ شارد الذهن، سارحًا بأفكاري حتى سمعتُ صوتًا يناديني من خلف.
أجابت ميدميل على سؤال ابنها لانغ من النافذة المجاورة بعدما سحبت الستائر البيضاء التي تُغطي نافذة المطبخ. “الآنسة إري تعملُ على شيئٍ ما لا يجدُر بكم رؤيته… عودوا مع حلول اللَّيل!” أضافت ميدميل
“لقد أجبتُ عن ذلك سلفًا… إنَّه شخصٌ جيِّد… إليان.” أجاب سولدات
بجانبها كان هناك رأسٌ صغير يطلُّ علينا… لقد كانت نينا الصغيرة حادَّة الطباع. لقد أخرجَت لسانها لنا في حركة استفزازية.
“كما سمِعتم… ارحلوا!” قالت نينا
‘خطَّتي مثاليَّة!!’
“لما لا تتجوَّلون في المدينة قليلًا حتى غروب الشمس وحلول الليل؟” قالت مارلا بنبرة محرَجة
“لا نيَّة لي بمشاركتك في لعبة الثلج هذه فالجوُّ قارس البرودة سلفًا!” قلت
أغلقت مارلا الباب، وميدميل غطَّت النافذة بالستائر، ووقف ثلاثتنا في وسط الثلوج الفارغة كما المتشرِّدين تمامًا…
“نعم هذا ما يقوله الجميع في البيت! ملاحقة شيئ لا يملكه المرء هو مايُعطي حياته معنى. البقاء في نطاق راحتك دون هذف معيَّن سيجعلك مجرد عالة… هذا ما يقوله عمي! لذلك لانغ وأنا نعمل!” قال
“حسنًا حسنًا… لانغ، إليان… هيَّا لنعد ونلتقي بأصدقاءنا، لقد كانوا على وشك بناء أضخم رجل ثلجٍ قبل قليل!” قال هيو
“ماكان ذلك!….” قلت
“يبدو ذلك ممتعًا حقًّا!” قال لانغ موافِقًا
“حسنًا الجميع… لنُكمل العمل!” قال فال
“أنا أعتذر… يُمكنكما الذهاب سويًّا! أنا سوف أعود لكوخ الأم الشَّريفة على ما يبدو. لديَّ العديد من الأسئلة لها!” قلت
“شُكرًا لتفهُّمكم!” قال سولدات
“لا… يُمكنك تأجيل ذلك لوقتٍ لاحق! لا يجدُر بهذا أن يفوتك!” قال لانغ
“ماكان ذلك!….” قلت
‘كم تظنُّ عمري برأيك؟…’
بذلك، افترقنا فذهبَا في طريقهما، وذهبتُ في سبيلي…
مسكني هيو من يدي، ساحبًا إيَّاي بقوة لمرافقتهما…
يُتبع…
“هيَّا لا تكُن مُملَّا… يجب عليك الاستمتاع بحياتك أكثر!” قال هيو
“لا شيئ محدَّد، لقد تسكَّعتُ مع بعض الأصدقاء وقد كنتُ عائدًا للمنزل حين لاحظتك تمشي وحيدًا أيضًا.” قال
دفعتُه بيدي التي كان يُمسكها فسقط أرضًا…
“لما لا تتجوَّلون في المدينة قليلًا حتى غروب الشمس وحلول الليل؟” قالت مارلا بنبرة محرَجة
“أنتُما مُزعجان صدقًا… دعوني وشأني! قلت يُمكنكما الذهاب وحدكما… أنا لديَّ شؤوني!” قلت
بذلك، افترقنا فذهبَا في طريقهما، وذهبتُ في سبيلي…
رفع لانغ أخاه هيو الساقط على الأرض المثلجة، ثم واجهاني بأعينٍ حادة غير مبتسمة…
انتبهت لاتجاه الصوت، لقد كان شقيًّا بشعر رأس أسود تنتصب فوقه أذنا قطٍّ يكسيهما فروٌ أسود اللون، كانت لديه ملامح حادة، بعينان بنِّيتان داكنتان متوهِّجتان، ونظرةٍ واثقة. لقد كانت وجنتاه محمرَّتان إثر البرد القارس رغم ملابسه الشتوية الصوفيَّة التي تحميه من وطأة الثلوج… لقد كان هيو، إبن فرانكي لكنه يبدو أكثر صرامةً من والده.
ما بالكما ترمُقانني بنظراتٍ كهذه…
أجابت ميدميل على سؤال ابنها لانغ من النافذة المجاورة بعدما سحبت الستائر البيضاء التي تُغطي نافذة المطبخ. “الآنسة إري تعملُ على شيئٍ ما لا يجدُر بكم رؤيته… عودوا مع حلول اللَّيل!” أضافت ميدميل
“إري… لابدَّ أنها تُعدُّ شيئًا لنا جميعًا لذلك تمَّ منعنا من الدخول. حاول أن لا تُفسد ذلك و عُد مع حلول الليل كما أخبرتنا العمة مارلا!” قال لانغ
“لا بأس أيُّها الاثنان… لا عِراك حسنًا؟ لانغ لقد بدلتَ جُهدًا كبيرًا اليوم هذا يكفي! خذ كمية كافية من الحطب وتوَّجه للبيت رفقة هيو وإليان واعتبر هذا يومًا!” تدخَّل فرانكي قائلًا
بذلك، افترقنا فذهبَا في طريقهما، وذهبتُ في سبيلي…
“ما تظنُّ نفسكً فاعلًا في قبيلتنا؟ سمحنا لك بالمكوث حولنا بسبب طلب القائدة، لكن أن تتجرَّأ حتَّى تحمل سيفك علينا في هذه القرية المسالمة فهذا تصرُّف غير مقبول!” قال أحدهم
‘أساسًا أنا غير مُرحَّبٍ بي في هذه القرية من الأساس… رغم أنني حاولتُ أن أكون لطيفًا. لقد واجهت المُعارضة تلو الأخرى منذ خطوت في هذه الأرض… حتَّى لو طلبت مني فانيسا أو العجوز سيرا البقاء. حتَّى لو سمح لي فرانكي وسولدات بقضاء الليلة في كوخهما… ماكان ذلك ليُعتبر بيتًا بالنسبة لي. إنهم غير مرتاحين بجانبي… لذلك أشعر بهذا الثُّقل على كاهلي. فرغم كل شيئ، لا أشعر أنه مرحبٌّ بي هنا…’
“دافع؟ ماهذا؟ لا أحتاج شيئًا مثله!” قلت
‘ما لم يستطع الجميع قوله، قاله الرَّجل المدعوُّ فال قبل قليل. في النهاية، لن يتقبلني أحد… بالنسبة لهم أنا مجرَّد بشري غريب وسط أنصاف القطط. لربما سمحوا لي بالمكوث هنا يومًا، لكن هذا لا يعني أنهم سيستضيفونني لأسابيع أو أشهُر…’
“الأمر أنه قد فكرتُ بأنك لم تبتسم أثناء الفطور…” قال
‘بعكسهما… رايندار… ليارا… أين أنتما؟ هل أنتما بخير؟ لقد استضافوني لأشهُر واعتبروني جزءًا من العائلة. لم أشعُر يومًا بمثل هذا الشعور أنني غير مرحَّب بي. لقد قالت ليارا أنها حليفتي… وقد قدَّم رايندار الكثير لي… هل البقاء في قرية غبيَّة كهذه هو القرار الصحيح؟ ألستُ مجرَّد وغدٍ ناكرٍ للجميل هكذا… لا أستطيع انتظار فانيسا لتعيدني خارجًا… رايندار وليارا بين الحياة والموت… لا أستطيع التَّمسُّك بأملٍ زائف ومحاولة الاسترخاء في مكانٍ كهذا…’
خطوتُ خارجًا لأجد نفسي في الغابة الكثيفة التي هربنا إليها أنا وفانيسا سابقًا. وبذلك، كنتُ خارج قرية القطط المخفيَّة رسميًّا!
‘أنا لديَّ بيتٌ أعود إليه…’
‘خطَّتي مثاليَّة!!’
‘رايندار، ليارا… فقط انتظراني… أنا قادم!’
“مظهرك هذا يوحي لي بعكس ذلك، أنت حتى لاترتدي ملابس عملك.” قال لانغ
لقد وصلتُ إلى وجهتي قبل أقل من ساعة على غروب الشمس، مع ذلك لقد أُنيرت مصابيح القرية واشتعلت نيران الشموع الكبيرة في الفوانيس لتُضيئ القرية ودروبها فقد كان الجوُّ باردًا غائِمًا، كما أنارت الشجرة الضخمة المتجمدة وسط القرية، بجذعها من بلورٍ أزرق المكان.
بذلك، استجبتُ لطلبه فورًا وأعدت سيفي لغمده، ثم استدار سولدات من جديد لمواجهة فال وجميع الغاضبين.
لم تكُن وجهتي كوخ العجوز سيرا كما ادَّعيتُ سابقًا…
“دافع؟ ماهذا؟ لا أحتاج شيئًا مثله!” قلت
لقد كنتُ أقف أمام مدخل القرية الذي دخلتُ منه أول مرَّة، وأمامي الحجر المكاني الذي استعملتهُ فانيسا بالأمس للدخول إلى القرية المخفية.
بدأت المشي تاركًا هيو خلفي… لكنه سرعان ما لحقني من الخلف وهو يحادثني بنبرة مسترخية واضعًا يديه خلف رأسه.
في يدي كنتُ أحمِل ربطة شعرِ فانيسا البلَّورية…
“لقد أجبتُ عن ذلك سلفًا… إنَّه شخصٌ جيِّد… إليان.” أجاب سولدات
‘لقد قالت عن قلادة رايندار سابقًا أنها كانت تحمل مانا صاحبها… لابدَّ أن هذه الربطة بدورها تحمل جزءًا من مانا فانيسا وخيطها المكاني!’
“ماذا عن لانغ؟ لا أراه معك…” قلت
‘إن كان تكهُّني صحيحًا فسأستطيع المغادرة باستعمال المانا الضئيلة في هذه الرَّبطة على هذا الحجر المكاني، وبذلك سأخرج من القرية المخفيَّة دون تركِ أثر خلفي!’
“حسنًا إليان، هيا بنا… سنعود للبيت!” قال لانغ
‘خطَّتي مثاليَّة!!’
“أ لا ترتادون المدرسة؟” سألتُ
وضعتُ ربطة شعر فانيسا البلَّورية على الحجر المكاني فتفاعلت المانا خاصَّته معها، تركتها فوقه لبُرهة فأضاء بنورٍ أبيض… تزلزلت الأرض وانخفض الحجر عميقًا في الأرض حتى اختفى، تاركًا خلفه مكانًا مألوفًا… غابة أشجر عملاقة!
“لا… يُمكنك تأجيل ذلك لوقتٍ لاحق! لا يجدُر بهذا أن يفوتك!” قال لانغ
خطوتُ خارجًا لأجد نفسي في الغابة الكثيفة التي هربنا إليها أنا وفانيسا سابقًا. وبذلك، كنتُ خارج قرية القطط المخفيَّة رسميًّا!
‘أساسًا أنا غير مُرحَّبٍ بي في هذه القرية من الأساس… رغم أنني حاولتُ أن أكون لطيفًا. لقد واجهت المُعارضة تلو الأخرى منذ خطوت في هذه الأرض… حتَّى لو طلبت مني فانيسا أو العجوز سيرا البقاء. حتَّى لو سمح لي فرانكي وسولدات بقضاء الليلة في كوخهما… ماكان ذلك ليُعتبر بيتًا بالنسبة لي. إنهم غير مرتاحين بجانبي… لذلك أشعر بهذا الثُّقل على كاهلي. فرغم كل شيئ، لا أشعر أنه مرحبٌّ بي هنا…’
‘حسنًا… رايندار، ليارا… أين سأجدكما…؟’
“هيو؟” قلت
يُتبع…
‘لقد قالت عن قلادة رايندار سابقًا أنها كانت تحمل مانا صاحبها… لابدَّ أن هذه الربطة بدورها تحمل جزءًا من مانا فانيسا وخيطها المكاني!’
‘صحيح… بالنسبة لهؤلاء القرويِّين فإن العالم الخارجي ليس سوى شيئ يسمعون به. كل ما يحتاجونه هو القراءة والحساب لخدمة بعضهم البعض في مجتمعهم المصغَّر هذا. لايحتاجون العالم أو تطوُّره. كل ما يحتاجونه يستطيعون توفيره دون اللجوء للخارج. ليس وكأن طفلًا كهذا يستطيع فهم حالتي.’
